Полный текст (202 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
توفيق الله لأبي بكر في إنفاذ جيش أسامة
وبدأ الصديق ﵁ أول أعماله الكبيرة العظيمة بإنفاذ بعث وجيش أسامة ﵁ وأرضاه.
هذا الجيش الذي كان على حدود المدينة المنورة، وقد أمر النبي ﷺ بإرساله لمناطحة العدو في الحدود الشمالية للدولة الإسلامية، على حدود الروم، ولتأديب قبائل قضاعة التي انحازت إلى الروم في غزوة مؤتة.
أرسل النبي ﷺ إليهم هذا الجيش لتأديبهم واختار لهذا الجيش أسامة الذي لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره! وأمر الصديق بأن ينفذ جيش أسامة، ولم يتجاوز الجيش حدود المدينة المنورة إلا وقد أطلت فتنة برأسها كادت أن تدمر الأخضر واليابس لولا أن من الله على الإسلام -كما قال ابن مسعود - بـ أبي بكر ﵁.
بدأت فتنة أهل الردة والمرتدين، فمنهم من ارتد عن الإسلام بعد موت رسول الله ﷺ وهم لم يدخلوا في الإسلام إلا مداهنة وتقية، فلما مات النبي ﷺ ارتدوا عن الإسلام ومنعوا الزكاة، وقالوا: كنا نؤديها لرسول الله، فلن نؤديها لأحد بعده، فقال الصديق قولته الخالدة: والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه.
ويومها ذهب الفاروق عمر ليناقش الصديق في هذه الفتوى ويقول: يا خليفة رسول الله! أتقاتل قوماً شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟! ألم يقل النبي ﷺ : من قالها عصم مني دمه وماله؟! ولكن الصديق كان أفهم الصحابة بحديث رسول الله ﷺ ، فقال: ألم يقل النبي ﷺ يا عمر! إلا بحقها والزكاة من حقها؟ والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة.
يقول عمر فما لبث أن شرح الله صدري لما رأى أبو بكر ﵁.
ولما أطلت هذه الفتنة برأسها رأى بعض الصحابة وعلى رأسهم عمر وأسامة بن زيد قائد الجيش: أن في إرسال جيش أسامة مخاطرة رهيبة؛ لأن المدينة نفسها مهددة بالغزو من المرتدين، فلابد أن يبقى الجيش لحماية المدينة في هذا الظرف الحرج، ولكن هذا الرجل عجيب يظهر إيمانه ويقينه مرة أخرى ويعلن قولته الخالدة ويقول: والله لو تخطفتني الذئاب لأنفذت بعث أسامة ولست أنا الذي يرد قضاء قضاه رسول الله ﷺ ، فلابد أن ينفذ جيش أسامة.
فلما رأى الصحابة أبا بكر مصراً على رأيه ذهبوا إليه مرة أخرى وعلى رأسهم عمر، وقالوا: إن كان ولابد يا خليفة رسول الله فاجعل على رأس الجيش من هو أسن وأكبر من أسامة فمسك أبو بكر بلحية عمر وقال: ويحك يا ابن الخطاب! أيوليه رسول الله وأعزله أنا؟ والله لا يكون.
وأراد الصديق أن يفض هذا الإشكال فقام بنفسه مع عمر إلى حيث عسكر الجيش الإسلامي بقيادة أسامة وخرج إليهم على حدود المدينة فلقيهم أسامة بن زيد على ظهر فرسه والصديق يمشي على رجليه، فنظر أسامة الذي تربى في مدرسة النبوة وقال: يا خليفة رسول الله! والله إما أن تركب وإما أن أترجل، فقال الصديق والله لن أركب ولن تترجل! وأكثير عليَّ يا أسامة أن أغبر قدمي ساعة في سبيل الله؟! ومشى الصديق على الأرض إلى جوار قائد الجيش أسامة ابن الثمانية عشرة.
مشى خليفة المسلمين خليفة رسول الله إلى جوار أسامة ليبين للناس أنه إمام وأستاذ وقائد الموكب.
إن الإسلام لا ينظر إلى سن ولا نسب ولا إلى شرف، بل إن ميزان الإسلام هو التقوى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣] ، ووقف أبو بكر الصديق ﵁ ليزف هذه الوصايا وليبين لهذا الجيش المبارك دستوره الحربي في أعظم دستور عرفه التاريخ، فوالله ما عرف التاريخ دستوراً حربياً أعظم ولا أطهر ولا أشرف مما عرفه التاريخ في حروب الإسلام طيلة القرون الطويلة الماضية، وسوف يظل التاريخ يقف أمام هؤلاء وقفة إجلال وإعظام وإعزاز وإكبار! اسمعوا أيها الأحبة ماذا قال الصديق للجيش؟ حمد الله وأثنى عليه وقال: لا تخونوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا -أي بالجثث-، ولا تقتلوا طفلاً أو شيخاً كبيراً أو امرأة، ولا تحرقوا نخلاً ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرةً ولا بعيراً إلا للطعام، وسوف تمرون على قوم قد تفرغوا للعبادة في صوامعهم فدعوهم على ما هم عليه، ثم قال: اندفعوا باسم الله.
هذا هو الميثاق، وهذا هو دستور الحروب في الإسلام فأين أدعياء الحضارة الذين يتغنون ويرقصون لخدمة الإنسانية في الليل والنهار؟! أين أدعياء الحضارة الذين ساموا الإنسانية سوء العذاب؟! وإن ما يحدث على خشبة المسرح العالمي في جمهورية البوسنة والهرسك لأعظم دليل على أن هؤلاء كذبة فجرة وخونة، لا يعرفون من هذا المضمار إلا هذه الكلمات الجوفاء الكاذبة الرنانة.
أين هم من أبناء الشعب المسلم في البوسنة؟! سفكت دماؤهم، ومزقت أشلاؤهم، واغتصبت نساؤهم، وقتل أطفالهم وحرقت بيوتهم، أين هم من هؤلاء؟! (لا تخونوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً أو شيخاً كبيراً أو امرأة، ولا تحرقوا نخلاً، ولا تقطعوا شجرة مثمرة) إنه دستور الإسلام! وانطلق الجيش على بركة الله وباسم الله، تحت راية الإسلام، وباسم التوحيد والإيمان، بأوامر هذا الابن المبارك للإسلام، إنه أبو بكر ﵁ وأرضاه!! وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 72
المصالح المترتبة على إنفاذ جيش أسامة
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه، وعلى كل من اقتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين أما بعد: فهكذا أنفذ الصديق ﵁ جيش أسامة الذي كان له أثر بليغ في قلوب هؤلاء المرتدين في أطراف الجزيرة العربية الذين قالوا: لو كانت المدينة بهذا الضعف الذي سمعنا ما خرج هذا الجيش الجرار لهذه المعركة الضارية، لمناطحة قوة الروم العاتية، وكانت هذه بركة من بركات أبي بكر ﵁، ووئدت نار فتنة المرتدين ومدعي النبوة وقد ظهر طليحة وظهرت سجاح مسيلمة وكل قد ادعى النبوة بعد موت رسول الله ﷺ .
стр. 73
ومن فضائل أبي بكر جمعه للقرآن
رحماك رحماك يا الله! أي فتن هذه التي تطل على أبي بكر؟! لقد وأد الصديق نار الفتنة في مهدها، ولم تتوقف بركاته عند هذا الحدث، وإنما بعد موقعة اليمامة ذهب إليه عمر وأشار إليه بجمع القرآن كما في حديث زيد بن ثابت الذي رواه البخاري وشرح الله صدره إلى ذلك، فأمر زيد بن ثابت بجمع القرآن.
يقول زيد: والله لو كلفني بنقل جبل لكان أهون علي، أو ما كان أثقل علي مما كلفني به.
وجمع الصديق القرآن لأول مرة، وكانت الصحف في بيته حتى توفي، ثم انتقلت إلى بيت عمر حتى توفي، ثم في بيت حفصة ﵃ جميعاً وأرضاهم.
وهذه بعض المواقف وبعض الدروس، وإلا فلو توقفنا مع الصديق لطالت بنا الوقفة ولطال بنا المقام، ولقد آليت على نفسي ألا أقف في كل لقاء مع كل شخصية من هؤلاء الأئمة وهؤلاء المصابيح إلا جمعة واحدة.
стр. 74
عهد أبي بكر بالخلافة بعده لعمر
أيها الأحباب! ونام الصديق بعد هذا التاريخ الحافل على فراش الموت ليسلم روحه إلى الله جل وعلا، ولكنه أضفى على الأمة وعلى الإسلام بركة أخرى لا يمكن أبداً أن ينتهي اللقاء إلا ونشير إليها إشارة، فلقد استدعى عثمان بن عفان ﵁، وقال: يا عثمان! اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجاً منها، وفي أول عهده بالآخرة داخلاًً فيها: أني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فأطيعوا له واسمعوا، ثم قال: فإن عدل فهذا علمي به وظني فيه، وإن بدل وغير فإن لكل امرئ ما اكتسب وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، والسلام عليكم ورحمة الله.
وأمر عثمان أن يخرج ليقرأ الكتاب على المسلمين، فقام المسلمون جميعاً وبايعوا عمر بن الخطاب ﵁، وما فعل ذلك الصديق إلا خشية من أن تحدث فتنة شديدة على الإسلام والمسلمين، ثم استدعى عمر فوصاه وصية جميلة رقيقة لا يتسع المقام والمجال لذكرها، ثم رفع الصديق يده ودعا الله لـ عمر بن الخطاب ﵁ وقال له: اللهم أصلحه وأصلح له الرعية.
وبعد أيام قليلة دخل ملك الموت مرة أخرى؛ لينزع أطهر روح وأشرف روح بعد روح المصطفى ﷺ ، ليقبض أبا بكر ﵁، ولما اشتد به الوجع دخلت عليه الصديقة عائشة ﵂ تقول: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر فكشف الصديق الغطاء عن وجهه، وقال: لا تقولي هذا يا ابنتي وإنما قولي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] رضي الله عن أبي بكر وأرضاه وجمعنا الله جل وعلا به مع أستاذه ونبيه في جنة الله ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك ومولاه وهو على كل شيء قدير.
اللهم اجز عنا أبا بكر خير ما جازيت مصلحاً أو صالحاً! اللهم اجز أبا بكر عن الإسلام خير الجزاء! اللهم اجمعنا به في دار كرامتك ومستقر رحمتك! اللهم صل وسلم وبارك على من علمه ورباه وخرجه وأنجبه لهذا الدين! اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا وحبيبنا محمد وعلى آله وأصحابه وزوجاته وأتباعه وأطهاره وأخياره الذين اتبعوه بإحسان إلى يوم الدين! اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأعل بفضلك كلمة الحق والدين.
اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، وقيض لأمة التوحيد أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، أنت ولي ذلك والقادر عليه.
اللهم وفق حكام المسلمين إلى العودة لكتابك، وسنة نبيك ﷺ ، أنت ولي ذلك ومولاه! وأكثروا من الصلاة والسلام على حبيبنا ونبينا محمد، فإن الله جل وعلا قد أمركم بذلك في محكم كتابه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أحبتي في الله! هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
стр. 75
مصابيح الهدى - عمر بن الخطاب
الحديث عن سير الصالحين مما يقوي الإيمان، ويجسد شخصية القدوة التي تكاد أن تكون منعدمة في هذا الزمان، فكيف إذا كان الحديث عن ثاني الخلفاء الراشدين، وفاروق هذه الأمة عمر بن الخطاب؟! إنه حديث ذو شجون، فهو الذي فرق الله به بين الحق والباطل، وهم الرجل الملهم المحدث، وهو الذي أعز الله به الإسلام، فهو بحق قمة من قمم الإسلام، وسيرته مدرسة للجيل بأكمله، فرضي الله عنه وأرضاه.
стр. 76
فضائل عمر بن الخطاب
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فمرحباً بكم أحبتي في الله! وأسأل الله جل وعلا أن ينضر هذه الوجوه المشرقة الطيبة، وأن يزكي هذه الأنفس، وأن يشرح هذه الصدور، وأن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال، وأن يجمعني وإياكم في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد النبيين في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك ومولاه، وهو على كل شيء قدير.
أحبتي في الله! مع أئمة الهدى ومصابيح الدجى، وأود بداية أن أوضح منهجي الذي التزمت به في هذه السلسلة الكريمة؛ لأنه لم يتضح لبعض الأحبة في اللقاء الماضي، مع أني أوضحت في مقدمة اللقاء الماضي أني لا أحكي تاريخاً، ولا أقص سيرة كاملة، ولا أقف أمام كل زهرة في بستان حياتهم الرحب الفسيح، وليس من الصعوبة -كما ذكرت- أن نقتطف زهرة وحيدة من وسط صحراء مقفرة! ولكن من الصعوبة بمكان أن نختار زهرة عطرة جميلة في وسط حديقة غناء، تضم كل أنواع الزهور، وتشمل كل أنواع الورود، وتضم كل أصناف العبير، ومن ثمَّ فإنني سأتوقف أمام بعض الزهرات في بستان حياتهم الرحب الفسيح، ولن أستطع أن أتوقف مع جميع مواقفهم على طول حياتهم، وإلا لطالت وقفتنا، بل ولا أكون مغالياً إن قلت: إن فعلت ذلك ربما أتوقف مع أحدهم أكثر من عشر جمع! وهذا -ولا شك- مجاله كتب السير والتراجم والأعلام.
هذا هو منهجي الذي التزمت به في هذه السلسلة الكريمة؛ للعظة والعبرة من ناحية، وليربى الجيل على سير ومواقف هؤلاء الأبطال الأطهار من ناحية أخرى.
فتعالوا بنا سريعاً لنلقي السمع والبصر والفؤاد بين يدي هذا الرجل القوي الأمين، بين يدي هذا المعلم الكبير الذي ليس له بين المعلمين على ظهر هذه الأرض نظير، إنه الرجل الكبير في بساطة، البسيط في قوة، القوي في رحمة وعدل، إنه الرجل التقي النقي الزاهد الناسك الورع، الذي يتفجر نسكه حركة وزكاء، وعملاً وبناء، إنه المعلم الذي غير صفحة الدنيا ووجه التاريخ، إنه التقي النقي الذي كان للمتقين إماماً، إنه الرجل الذي قدم للدنيا كافة قدوة لا تبلى على مر الزمان والأيام، قدوة متمثلة في حياته كلها، ترك الدنيا بزخرفها وسلطانها وأموالها على عتبة داره، فسرحها سراحاً جميلاً، وساقها إلى الناس سوقاً كريماً، وقام ينثر على الناس طيباتها، ويدرأ عن الناس مضلاتها، حتى إذا ما نفض يديه من علائق هذا المتاع الزائل، وهذا الظل المنتهي، قام مستأنفاً سيره ومسراه، مهرولاً تحت حرارة الشمس المحرقة، في يوم شديد الحرارة، مهرولاً وراء بعير من إبل الصدقة، يخشى عليه الضياع، ويخشى أن يسأل عنه بين يدي الله جل وعلا! أو تراه منحنياً على قدر فوق نار مشتعلة؛ لينضج طعمة طيبة لامرأة غريبة أدركها المخاض في المدينة المنورة، أو لأطفال صغار يتضورون جوعاً في ليلة شديدة الظلام شديدة البرد.
إنه الرجل الذي تنزل القرآن أكثر من مرة موافقاً لقوله ورأيه، إنه الرجل الذي كان إسلامه فتحاً، وكانت هجرته نصراً، وكانت إمارته رحمة وعدلاً، إنه فاروق هذه الأمة عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه.
والله إن الاقتراب من هذا الرجل التقي النقي أمر رهيب، بقدر ما هو حبيب إلى كل نفس مؤمنة، إن عمر بن الخطاب من الطراز الذي تغمرك الهيبة وأنت تقرأ تاريخه المكتوب، كما تغمرك الهيبة وأنت تجالس شخصه المتواضع، فالمشهد المذكور من تاريخه لا يكاد يختلف عن المشهد الحي إلا في غياب البطل عن حاسة البصر فقط! أما الأفئدة أما البصيرة فإنها إذا ما طالعت سيرة عمر بن الخطاب كأنها تجالسه، وكأنها تسمعه، وكأنها تحدثه ويحدثها، وكأنها ترى رأي العين جلال الأعمال، ومناسك البطولات، وأروع الانتصارات التي نقشها عمر بن الخطاب بيمينه المبارك على جبين السماء، وخطها بيمينه الأنور على صفحة الأيام.
أحبتي في الله! ترى بأي المواقف أبدأ؟ وعن أي المواقف أتكلم؟! هل أبدأ بفتوحاته وانتصاراته على كثرتها؟! أم بانتصاراته على روعتها؟! أم سأتحدث اليوم عن زهده وورعه؟! أم سنتوقف مع زهده وعدله؟! أم سنذكر عمله وفقهه؟! بأي المواقف أبدأ؟! وعن أي المواقف أتحدث؟! وماذا أذكر عن عمر ﵁ وأرضاه؟! والذي أرى -من وجهة نظري- أن أعظم ما يمكن أن أستهل به الحديث عن عظمة هذا الرجل: أن نبدأ بتلك الأوسمة، وتلك النياشين التي وضعها بيمينه المبارك الحبيب المصطفى ﷺ على صدر هذا الرجل العجيب المهيب؛ ليشمخ بها في الدنيا ويسعد بها في الآخرة.
ففي الحديث الذي رواه الترمذي بسند حسن من حديث ولده عبد الله بن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: (إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه) وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (لقد كان فيمن كان قبلكم محدثون -أي: ملهمون- فإن يكن في أمتي منهم أحد فإنه عمر) .
وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (بينما أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جوار قصر، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لـ عمر -يقول الحبيب ﷺ : فتذكرت غيرة عمر، فوليت مدبراً! يقول أبو هريرة: فلما سمع ذلك عمر بكى ﵁ وأرضاه وقال: أعليك أغار يا رسول الله؟!) .
وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (بينما أنا نائم عرض علي الناس، وعليهم قمص -جمع قميص- فمنها ما يبلغ الثدي، ومنها ما يبلغ دون ذلك، وعرض علي عمر وعليه قميص يجره، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: الدين) .
وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: (بينما أنا نائم أتيت بقدح من اللبن، فشربت منه حتى إني أرى الري يخرج من بين أظفاري، ثم أعطيت فضلة شربتي لـ عمر بن الخطاب، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: العلم) .
وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: استأذن عمر بن الخطاب على رسول الله ﷺ ، وعنده نسوة من قريش يكلمنه ويحدثنه ويستكثرنه، عالية أصواتهن على صوت رسول الله ﷺ ، فلما استأذن عمر قمن يبتدرن الحجاب، فأذن النبي ﷺ لـ عمر، فدخل عمر بن الخطاب ورسول الله يضحك، فقال عمر بمنتهى الأدب والإجلال والإكبار: أضحك الله سنك يا رسول الله! فقال النبي ﷺ : (عجبت لهؤلاء اللاتي كن عندي يحدثنني، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب) فنظر عمر بن الخطاب المؤدب الذي تربى على أستاذ البشرية ومعلم الإنسانية محمد بن عبد الله ﷺ ، نظر عمر إلى أستاذه ومعلمه ﷺ وقال: أنت أحق أن يهبنك يا رسول الله، ثم التفت عمر إليهن وقال: يا عدوات أنفسهن! أتهبنني ولا تهبن رسول الله؟! فقلن: نعم، أنت أفض وأغلظ من رسول الله يا عمر! نعم نهابك ولا نهاب رسول الله، ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] .
فقال الحبيب ﷺ لـ عمر: (إيه يا ابن الخطاب! والذي نفسي بيده لو لقيك الشيطان سالكاً فجاً لتركه لك وسلك فجاً غير فجك يا عمر) ، أي طبيعة هذه؟! إنها طبيعة فذة إنها طبيعة قل أن تتكرر في الأعداد الهائلة من البشر، بل لا أكون مغالياً إن قلت: إنها طبيعة ليس لها مثيل في البشر بعد عمر! أي طراز من البشر كان؟! أي صنف من الناس كان عمر ﵁ وأرضاه؟! إنه الرجل الذي حار التاريخ في أعماله وفي سيرته، ووقف التاريخ وسيقف أمام عمر بن الخطاب ﵁ وقفة إجلال وإعزاز وإكبار، سبحان الله! ولما عرف النبي صلى الله ليه وسلم هذه الطبيعة الفذة، وهذه الأصالة في عمر، لجأ النبي ﷺ يوماً إلى الله وقال: (اللهم! أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك: بـ عمر بن الخطاب أو بـ عمرو بن هشام) والحديث رواه الترمذي وهو حديث حسن.
وربح الإسلام أحب الرجلين إلى الله، وهو عمر بن الخطاب، صاحب الفطرة السوية القوية التي سرعان ما استجابت للحق في لمح البصر، ليتحول بعدها عمر تحولاً هائلاً إلى أقصى رحاب الهدى والتوحيد والإيمان! بعد أن كان بالأمس القريب في أقصى مجاهل الوثنية والشرك والإلحاد! ويخرج المسلمون لأول مرة بعد أن كانوا يستخفون من أهل الشرك في مكة، يخرجون بعزة واستعلاء؛ ليرجّوا أنحاء مكة بتكبيرهم لله جل وعلا، ولم لا وقد أصبح بينهم عمر بن الخطاب ﵁! ويجسد عبد الله بن مسعود هـ
стр. 77
رفع الله عمر بالإسلام
وهاهي الأيام تمر، والأشهر تجري وراءها، وتسحب معها السنين، ويقف راعي الغنم عمر بن الخطاب ﵁ في مسجد رسول الله ﷺ باسطاً يمينه المباركة، ليأخذ البيعة ليكون خليفة لرسول الله ﷺ بعد أبي بكر ﵁.
بخٍ بخٍ يا عمر! لقد كنت في الجاهلية تدعى عميراً، ثم دعيت: يا عمر! وهاأنت اليوم تبسط يمينك لتدعى بعد الساعة: يا أمير المؤمنين، بخ بخ يا عمر! ويقف عمر بن الخطاب ﵁ ليستهل عهد خلافته المبارك بهذه الخطبة الجامعة المانعة فيقول -وأعيروني القلوب والأسماع، فلو لم أتوقف في هذا اللقاء إلا مع هذه الكلمات لكفانا بها زاداً-.
стр. 78
خطبة عمر عند توليه الخلافة
وقف عمر يقول: (بلغني أن الناس خافوا شدتي وهابوا غلظتي، وقالوا: لقد اشتد عمر ورسول الله بين أظهرنا، واشتد علينا وأبو بكر والينا دونه، فكيف وقد صارت الأمور إليه؟! ألا فاعلموا أيها الناس! أن هذه الشدة قد أضعفت -أي: تضاعفت- ولكنها إنما تكون على أهل الظلم والتعدي على المسلمين، أما أهل السلامة والدين والقصد فأنا ألين إليهم من بعضهم لبعض، ولست أدع أحداً يظلم أحداً أو يعتدي عليه، حتى أضع خده على الأرض وأضع قدمي على خده الآخر؛ حتى يذعن للحق، وإني بعد شدتي تلك لأضع خدي أنا على الأرض لأهل الكفاف وأهل العفاف.
أيها الناس! إن لكم عليَّ خصالاً أذكرها لكم، فخذوني بها، لكم عليَّ أن لا أجتبي شيئاً من خراجكم وما أفاء الله عليكم إلا من وجهه، ولكم عليَّ إن وقع في يدي أن لا يخرج إلا بحقه، ولكم عليَّ أن أزيد عطاياكم وأرزاقكم إن شاء الله تعالى، ولكم عليَّ ألا ألقيكم في التهلكة، ولكم عليَّ أن أسد ثغوركم إن شاء الله تعالى، ولكم عليَّ إن غبتم في البعوث -أي: المعارك- فأنا أبو العيال حتى ترجعوا إليهم، فاتقوا الله وأعينوني على أنفسكم بكفها عني، وأعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإحضار النصيحة فيما ولاني الله من أموركم) .
بالله ما أنقاه! بالله ما أتقاه! بالله ما أروعه وما أطهره! أي دستور في عالم الدساتير هذا؟! أي قانون في عالم القوانين هذا؟! (فإذا غبتم في البعوث فأنا أبو العيال حتى ترجعوا إليهم) .
أي عظمة وأي طراز من البشر كان عمر ﵁ وأرضاه؟! إنه ابن الجزيرة الذي رباه الإسلام على يد محمد ﵊، نعم هذا الرجل الذي كان لا ينسى هذه النعمة أبداً، لا ينسى أنه كان بالأمس القريب راعياً للغنم، ولا ينسى أنه كان بالأمس القريب في الجاهلية يعذب من وحد الله جل وعلا، وها هو الآن يشار إليه بالبنان، ويقال له: يا أمير المؤمنين! كانت لا تغيب عن باله، وكان يقف مع نفسه ليقول لها: بخ بخ يا ابن الخطاب! كنت وضيعاً فرفعك الله، وكنت ذليلاً فأعزك الله، وكنت ضالاً فهداك الله، ثم حملك الله على رقاب الناس، فماذا أنت قائل لربك غداً يا عمر؟! هذه هي البوصلة التي تحركت في اتجاهها كل ذرات كيانه وجوارحه! ماذا تقول لربك غداً يا عمر؟! هذه أنشودته الحلوة العذبة التي كانت تصرخ في أعماق كيانه ووجدانه، وتملأ عليه سمعه وبصره، وتزلزل عليه أركانه وجوارحه! ماذا تقول لربك غداً يا عمر؟! هذا هو السر يا أحباب! إذا أردت أن ترى هذا الشامخ العارف الذي يتفجر قوة وبأساً، إذا أردت أن تنظر إليه كعصفور مبلل بماء المطر في يوم شديد البرودة فما عليك إلا أن تقترب منه وتخوفه بالله جل وعلا؛ لترى إنساناً آخر وقد قامت قيامته، واصفر وجهه، ووقف وكأنه بين يدي الله جل وعلا والميزان عن يمينه، والصراط عن شماله، وكتابه منشور بين يديه، والنداء يدوي في أرجاء كيانه وجوارحه: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء:١٤] ، هذه هي البوصلة أيها الأحباب! وهذا هو السر الذي جعل ابن الخطاب يعزف عن كل ملذات الدنيا ونعيمها.
стр. 79
طعام عمر أمير المؤمنين
ولقد زاره يوماً حفص بن أبي العاص ﵁ وأرضاه، ووجد عمر بن الخطاب جالساً إلى غدائه، ودعا عمر حفصاً أن يتناول الغداء معه، فنظر حفص إلى طعام أمير المؤمنين، فوجد خبزاً يابساً وزيتاً، وكان حفص ذكياً، فلم يشأ حفص أن يتعب معدته في هضم هذا الطعام الشديد، وفطن عمر بن الخطاب إلى سر عزوف حفص، فقال له سائلاً: ما الذي منعك أن تتناول معنا الطعام يا حفص؟ ولم تنقص الصراحة حفصاً، فقد كانوا أتقياء أصفياء، لا يجيدون لغة الكذب واللف والدوران والمنافقة والمداهنة، قال له حفص بن أبي العاص: إنه طعام خشن يا أمير المؤمنين! ولسوف أرجع إلى بيتي لأنال طعاماً طيباً ليناً قد صنع وأعد لي، فقال عمر: يا حفص! أتراني عاجزاً أن آمر بصغار الماعز فيلقى عنها شعرها، وبرقيق البر فيخبز خبزاً رقاقاً، وبصاع من الزبيب يوضع في كنية من السمن، فآكل هذا وأشرب هذا؟! فقال حفص: والله إنك بطيب الطعام لخبير يا أمير المؤمنين! فقال عمر بن الخطاب: والذي نفسي بيده! لو أردت أن أكون أشهاكم طعاماً وأرفهكم عيشاً لفعلت، أما إني لأعلم بطيب الطعام من كثير من آكليه! ولكني تركت هذا ليوم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد، وإني سمعت الله تعالى يقول عن أقوام: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف:٢٠] ، فإني أخاف أن أقدم طيباتي في الدنيا ولا يكون لي عند الله في الآخرة! وفي عام الرمادة: العام السابع عشر، وكان عام مجاعة قاتلة في المدينة المنورة، حرم عمر على نفسه اللحم وغيره من أنواع الطعام الشهي، وأبى إلا أن يأكل الزيت، وأمر في يوم من أيام هذا العام القاتل بذبح جزور وتوزيعه على الناس في المدينة، وعند وقت الغداء دخل ليتناول طعامه، فوجد أشهى ما في الجزور من لحم، فقال: من أين هذا؟! فقالوا: إنه من الجزور الذي ذبح اليوم يا أمير المؤمنين! فقال -وهو يزيح الطعام عن مائدته بيده المباركة-: بخ بخ! بئس الوالي أنا إن أكلت طيبها وتركت للناس كراديسها، يا أسلم! ارفع عني هذا الطعام، وائتني بخبزي وزيتي! فوالله إن طعامكم هذا علي حرام حتى يشبع منه أطفال المسلمين.
أي عظمة! أي طراز من البشر كان عمر! يا رافعاً راية الشورى وحارسها جزاك ربك خيراً عن محبيها رأي الجماعة لا تشقى البلاد به رغم الخلاف ورأي الفرد يشقيها جوع الخليفة والدنيا بقبضته في الزهد منزلة سبحان موليها يوم اشتهت زوجه الحلوى فقال لها من أين لي ثمن الحلوى فأشريها ما زاد عن قوتنا فالمسلمون به أولى فقومي لبيت المال رديها كذاك أخلاقه كانت وما عهدت بعد النبوة أخلاق تحاكيها
стр. 80
ورع عمر وولده عبد الله
ولو رأيت حسابه الشديد لابنه التقي النقي الزاهد الورع عبد الله بن عمر، الذي كان إماماً في الورع والزهد، انظروا إلى حساب عمر ﵁ وأرضاه لهذا التقي النقي.
يخرج عمر بن الخطاب يوماً إلى السوق، فيرى إبلاً سماناً، فيسأل عمر: إبل من هذه؟ فيقول الناس: إبل عبد الله بن عمر، فينتفض عمر وكأن القيامة قد قامت! ويقول: عبد الله بن عمر بخ بخ يا ابن أمير المؤمنين! ائتوني به.
ويأتي عبد الله على الفور ليقف بين يدي عمر ﵁، فيقول عمر بن الخطاب لولده عبد الله: ما هذه الإبل يا عبد الله؟! فيقول: يا أمير المؤمنين! إنها إبلي اشتريتها بخالص مالي، وكانت إبلاً هزيلة، فأرسلت بها إلى الحمى -أي: إلى المرعى- أبتغي ما يبتغيه المسلمون: أتاجر فيها، فقال عمر بن الخطاب في تهكم لاذع مرير قاس على إمام من أئمة الورع والزهد عبد الله، قال عمر: نعم وإذا رآها الناس قالوا: ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين، واسقوا إبل ابن أمير المؤمنين، فتسمن إبلك ويربو ربحك يا ابن أمير المؤمنين! قال عبد الله: نعم يا أبتِ، قال: اذهب وبع هذه الإبل كلها، وخذ رأس مالك فقط، ورد الربح إلى بيت مال المسلمين.
والله إن قلبي لينتفض! ولو وقف أدباء الدنيا بما آتاهم الله من بلاغة وفصاحة لسان، وعظمة وبراعة في الأسلوب والتبيان، فلن يستطيعوا أن يتحدثوا عن فاروق هذه الأمة عمر، ماذا أقول؟! إن من أروع الأمور أن ندع المواقف هكذا بدون تعليق لتتحدث المواقف بذاتها عن جلال عمر، وعن عظمة عمر، وعن هيبة عمر، وعن يقين عمر، وعن إيمان عمر؛ لنرفع رءوسنا لتعانق كواكب الجوزاء، لنقول بعزة: إن عمر ابن من أبناء إسلامنا، تربى في مدرسة الإسلام، وتخرج على يد محمد ﵊.
وكيف لا يكون عمر كذلك وهو الذي رأى أستاذه ومعلمه محمداً ﷺ يقول لابنته الحبيبة فاطمة البتول: (يا فاطمة! إن من المسلمين من هو في حاجة إلى هذا المال منك) ، فشرب عمر من هذا النبع الصافي، وارتوى عمر من هذا النبع الكريم، وتخرج عمر من هذه المدرسة، وعلى يد محمد ﵊.
أيها الأحبة! من أراد أن ينظر إلى العظمة الإنسانية في أوج ذراها وعلاها فلينظر إلى عمر، ذلكم الرجل الذي انهارت أمام قدميه أعظم الامبراطوريات، وجاءته مغانمها وذهبها وفضتها، تسيل على عتبة داره بين قدميه، فلم يتغير لحظة، ولم تغيره طرفة عين، ذلكم هو عمر الذي لو تحدثت عنه عشر جمع والله ما كفاني ذلك، ولكني ألخص ما ذكرته وما ينبغي أن أذكره من حياة عمر بقولة أو بكلمات قليلات، وهذا من الصعوبة بمكان، فأقول: عمر رجل عظيم رضي الله عن عمر بن الخطاب، وأسأل الله جل وعلا أن يجزيه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وأن يجمعنا به مع أستاذه ومعلمه في دار تجمع سلامة الأبدان والأديان، إنه ولي ذلك ومولاه، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 81
مقتل عمر وخوفه الشديد من ذنوبه
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة! هل بقي شيء ممكن أن يقال عن عمر؟ أستعفر الله، بل هل قلنا شيئاً عن عمر؟ ما قلنا شيئاً من الكثير الكثير الذي ينبغي أن يقال عن عمر بن الخطاب ﵁، ويكفي أن نقف مع هذه المواقف التي تعلمنا من الدروس الكثير والكثير، وهاهو العملاق، وهاهو الأسد في عرينه يتقدم ﵁ وأرضاه في يوم من الأيام الحزينة التي مرت على المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، يتقدم عمر الفاروق ليؤم المسلمين في صلاة الفجر، ويتقدم العلج أبو لؤلؤة المجوسي عليه من الله ما يستحقه؛ ليطعن الأسد في عرينه ليطعن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه! ولم تشغل عمر الطعنات عن أن يواصل المسلمون عبادتهم، وعن أن يتم المسلمون صلاتهم، فيجذب عمر بن الخطاب عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأرضاه؛ ليقدمه مكانه ويصلي بالمسلمين صلاة الفجر، وينتهي المسلمون من صلاة الفجر، ويحمل الأسد إلى بيته يحمل العملاق التقي النقي الطاهر يحمل عمر إلى داره.
ويزداد ألمه، ويقول لولده عبد الله: يا عبد الله! اذهب إلى عائشة أم المؤمنين وقل لها: يستأذن عمر بن الخطاب ولا تقل: يستأذن أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين بأمير.
أي دقة! وقل لها: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه، هذا هو همه، وهذا هو شغله، عاش في الدنيا مع حبيبيه وصاحبه، مع حبيبه المصطفى ومع خليفته أبي بكر ﵁، ولا هم له بعد الموت إلا أن يواصل بقية ما بقي له في عالم البرزخ مع هذين الجليلين الكريمين حتى يلتقي بهما، ويبعث معهما في يوم القيامة، يوم الحسرة والندامة.
يا عبد الله! اذهب إلى عائشة أم المؤمنين وقل لها: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه، مع الحبيب المصطفى ومع أبي بكر ﵁، فذهب عبد الله فوجد عائشة تبكي لما وصلها خبر مقتل عمر ﵁ وأرضاه، وقالت عائشة التقية العالمة الورعة الذكية: والله لقد كنت أريد هذا المكان لنفسي، ولكني أوثر اليوم عمر على نفسي.
ويرجع عبد الله بأسعد خبر لأبيه عمر، فلم يكن هناك شيء يشغل عمر إلا هذا، فقالوا: عبد الله قد أقبل يا أمير المؤمنين، قال: أجلسوني، فأجلسوه، فنظر إليه قال: ما وراءك يا عبد الله؟ قال: أبشر يا أمير المؤمنين، لقد وافقت عائشة ﵂ أن تدفن مع صاحبيك، فسعد عمر سعادة غامرة وقال: والله ما كان هناك شيء يشغلني غير هذا.
ولكنه التقي النقي، الدقيق في كل كلمة من كلماته، وفي كل موقف من مواقف حياته، فبعد كل هذا يقول لـ عبد الله: يا عبد الله! إذا أنا قضيت -أي: إذا أنا مت- وحملتموني وذهبتم إلى بيت عائشة فاجعلوني خارج الدار، واستأذن عليها مرة أخرى، فلربما تكون قد استحت مني في حياتي وترفض ذلك بعد مماتي، فإن أذنت فادفنوني مع صاحبي، وإن أبت فردوني إلى مقابر المسلمين.
ويدخل عليه شاب والحديث في البخاري، يقول: أبشر ببشرى الله لك يا أمير المؤمنين! أبشر بصحبة رسول الله ﷺ ، وبقدمك في الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة في سبيل الله! أتدرون ماذا قال عمر؟! أتدرون ماذا قال الفاروق الذي كان يقول لنفسه كل لحظة: ماذا تقول لربك غداً يا عمر؟! فقد خرج عثمان بن عفان ذات يوم ينظر من شرفه من شرفات بيته، فيرى رجلاً تعلوه الرمال، وتحرقه الشمس في وقت الظهيرة، وينظر ويقول: من هذا الذي خرج في هذا الوقت؟! وحينما يقترب يراه أمير المؤمنين يراه عمر بن الخطاب ﵁، فيقول: يا أمير المؤمنين! ما الذي أخرجك في هذه الساعة المحرقة؟! فيقول عمر: يا عثمان! بعير من إبل الصدقة قد ند، وأخشى أن يسألني عنه ربي يوم القيامة! فيبكي عثمان ويقول: يا أمير المؤمنين! إن عبداً من عبيدك يكفيك هذا، فيقول عمر: وهل هناك أعبد مني؟! ارجع إلى ظلك يا عثمان، فيبكي عثمان ويقول قولته الخالدة: (والله لقد أتعبت كل من جاء بعدك يا عمر! لقد أتعبت كل من جاء بعدك يا عمر، والله لقد أتعبت كل من جاء بعدك يا عمر) .
بكى عمر بن الخطاب بعد هذه البشريات التي بشر بها: بقدم في الإسلام، وبصحبة رسول الله، وبعدل لم تعرف البشرية له مثيلاً على مدار التاريخ، وبشهادة في سبيل الله، وهو يصلي في محراب الصلاة، بعد كل هذا أتدرون ماذا قال عمر؟! نظر إلى هذا الشاب وقال: والله لوددت أن أخرج من الدنيا كفافاً لا لي ولا عليَّ! عمر يقول هذا، يريد أن يخرج من الدنيا بغير أجر وبغير وزر: لا لي ولا علي.
فماذا نقول إن كان عمر الفاروق -والحديث في صحيح البخاري - يقول: وددت أن أخرج كفافاً لا لي ولا عليَّ! فقد حملنا بالأوزار والذنوب والسيئات، ومنا من يكلمك وكأنه قد وقع عهداً مع الله، وأخذ صكاً على الله أنه من أهل الجنة، بغير صلاة وبغير صيام وبغير زكاة! وبغير ورع وطاعة وتقى! إذا ما اقتربت منه يقول: إن لم ندخل الجنة نحن فمن يدخلها؟! هذا هو فاروق الأمة عمر ﵁ وأرضاه.
стр. 82
تذلل عمر بين يدي الله تعالى
وروى ابن سعد في الطبقات بسند صحيح أن عثمان بن عفان قال: كنت أنا آخر الناس عهداً بـ عمر، دخلت عليه بيته ورأسه في حجر ولده عبد الله، فنظر عمر إلى ولده وقال: يا عبد الله! ضع رأسي على الأرض، فنظر عبد الله وقال: يا أبتِ! وهل هناك فرق بين أن تكون في حجري وبين أن تكون على الأرض؟ قال عمر: يا عبد الله! ضع هذا على الأرض! أي ذل لله هذا؟! وأي تواضع لله هذا؟! يا عبد الله! ضعها على الأرض، ثم يقول عمر: ويلي وويل أمي إن لم يرحمني ربي.
الله أكبر! والله لا أجد ما أقوله تعليقاً على هذه المواقف التي تحرك القلوب الميتة، التي تحرك الأعين الجامدة، وكفانا فخراً أن نقول في نهاية المطاف: إنه ابن الجزيرة العربية الذي خرجته مدرسة الإسلام، ورباه محمد ﵊.
اللهم اجز عنا عمر بن الخطاب خير ما جازيت مصلحاً أو صالحاً، اللهم اجزه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، اللهم اغفر لنا وله، واجمعنا به في دار كرامتك يا أرحم الراحمين، اللهم متعنا برؤياهم مع إمامهم ونبيهم ﷺ ، اللهم ألحقنا بهم على طاعة ترضيك يا رب العالمين! اللهم قيض لأمة التوحيد أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، أنت ولي ذلك ومولاه.
اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأعل بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم اجعل هذه البلاد سخاء رخاء وسائر بلاد المسلمين، اللهم وفق ولاة أمور المسلمين إلى ما تحبه وترضاه، وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة برحمتك يا أرحم الراحمين! أحبتي في الله! أكثروا من الصلاة والسلام على أستاذ البشرية، ومعلم الإنسانية محمد بن عبد الله ﷺ ، فلقد أمركم الله جل وعلا بذلك في محكم كتابه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ، اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 83
مصابيح الهدى - عثمان بن عفان
عثمان ﵁ هو ثالث الخلفاء الراشدين، بويع له بالخلافة بعد مقتل عمر ﵁ بإجماع الصحابة الموجودين في عصره، وهو من العشرة الذين بشرهم النبي ﷺ بالجنة، وزوجه النبي ﷺ بنته، فلما ماتت زوجه الأخرى، وفضائله ﵁ كثيرة، وقد قتله الخوارج الموتورون ظلماً وعدواناً.
стр. 84
بعض فضائل عثمان بن عفان ﵁
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا وحبيبنا محمد، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فمرحباً بكم أحبتي في الله! ونضر الله هذه الوجوه المشرقة الطيبة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وأسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يتقبل منا صالح الأعمال، وأن يجمعنا وإياكم دائماً وأبداً في الدنيا على طاعته، وفي الآخرة مع سيد النبيين في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك ومولاه، وهو على كل شيء قدير.
أحبتي في الله! مع أئمة الهدى ومصابيح الدجى: نحن على موعد مع الأواب التواب، مع الحيي الكريم، مع التقي العابد النقي الورع، إنه التقي النقي الحيي ذو النورين، وصاحب الهجرتين، والمصلي إلى القبلتين، إنه الرجل الذي كان إسلامه غضاً وديعاً كأنفاس الزهر في فجر الربيع، مع أول إشراقة وإطلالة للإسلام، فلم يكد الصديق يهمس في أذن هذا الرجل التقي النقي بدعوة محمد ﷺ إلا وينفتح قلبه للإسلام عن آخره، ويمضي ليسابق الزمن إلى دار الأرقم بن أبي الأرقم ليشهد شهادة الحق والصدق بين يدي رسول الله ﷺ ، إنه الرجل الذي لم يقرأ الموتورون والمرجفون والمجرمون تاريخه إلا من آخره، فأصابوا تاريخه كله من أوله إلى آخره بالأذى والتشويه، مع أن النور أقوى من الظلام، ومع أن الفضيلة أقوى من الخطأ، ومع أن الإيمان أقوى من الزلل، وإن الخطأ مهما يكن شأنه لا يستطيع أن يقهر عظمة الفضيلة أو أن يطفئ نورها، أو أن يرد تاريخها وروحها تراباً في تراب! إننا اليوم على موعد مع الشهيد المظلوم، إننا على موعد مع عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه.
стр. 85
استحياء النبي ﷺ من عثمان ﵁
أحبتي في الله! تعالوا بنا مباشرة لنستهل حديثنا المبارك عن هذا الرجل التقي النقي الحيي المبارك بقول الحق، وشهادة الصدق، وقول الفصل من رسول الله ﷺ في حق هذا الرجل المظلوم المفترى عليه؛ لتكون هذه الشهادة من أول الطريق إلى آخره بمثابة النور الذي سيبدد لنا كل الشبهات، والذي سيدمر لنا كل المؤامرات، فهي بمثابة النور الذي من خلاله سنرى عثمان التقي النقي الحيي.
ففي الحديث الذي رواه مسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ مضطجعاً في بيتي كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر فأذن له النبي ﷺ وهو على حاله -أي: وهو كاشف لفخذيه أو ساقيه- ودخل الصديق ﵁ فحدث النبي ﷺ ثم خرج، تقول عائشة: فاستأذن عمر فأذن له النبي ﷺ وهو على ذلك -أي: وهو على تلك الحال- فدخل عمر بن الخطاب فحدث النبي ﷺ وخرج، ثم استأذن عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه، فقبل أن يأذن له النبي ﷺ جلس وسوى ثيابه، واعتدل في جلسته، ثم أذن لـ عثمان ﵁، فدخل عثمان بن عفان فحدث النبي ﷺ ، فلما خرج عثمان فطنت الذكية التقية النقية الأمر وأرادت أن تسأل عن الخبر، فقالت عائشة: يا رسول الله! دخل أبو بكر وأنت كاشف عن ساقيك أو فخذيك، فحدثك وأنت على هيئتك، فلم تهتش له، ولم تبال به، ودخل عمر فحدثك وأنت على هيئتك، فلم تهتش ولم تباله، فلما دخل عثمان جلست وسويت ثيابك، فقال النبي ﷺ : يا عائشة! ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟!) يا خالق عثمان سبحانك أي طراز كان هذا الرجل! عثمان تستحي منه ملائكة الرحيم الرحمن! عثمان ينال هذه الشهادة، ويتوج بهذه الكرامة، ويوصف بهذه الفضيلة، ويحلى بهذا الوسام العالي الغالي الكريم: (يا عائشة! ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة!) يا لها من شهادة! والله! لو لم يخرج عثمان من الدنيا إلا بها لكفته شرفاً وفخراً في الدنيا والآخرة.
стр. 86
بشارة النبي ﷺ لعثمان بالجنة
وخذوا المزيد أيها الأحباب! ففي الحديث الذي رواه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: (توضأت يوماً في بيتي وخرجت قائلاً: لألزمن اليوم رسول الله، ولأكونن معه يومي هذا، فخرجت أتبع أثره، فدخل النبي ﷺ بئر أريس، فتوسط قف البئر وكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر، يقول أبو موسى: فدخلت على رسول الله فسلمت عليه ﷺ ، ثم انصرفت وجلست عند الباب، وقلت: لأكونن اليوم بواب رسول الله -الله أكبر! - يقول: وإذا رجل يحرك الباب، فقلت: من؟ قال: أبو بكر، فقال أبو موسى: على رسلك، -أي: انتظر- ودخل أبو موسى إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله! هذا أبو بكر يستأذن عليك، فقال النبي ﷺ : ائذن له وبشره بالجنة، يقول أبو موسى: فجئت أبا بكر فقلت: ادخل، ورسول الله يبشرك بالجنة.
فدخل أبو بكر ﵁، فجلس عن يمين رسول الله ﷺ على القف، وكشف عن ساقيه، ودلاهما في البئر كما صنع رسول الله ﷺ ، وجلست عند الباب وقلت: إن يرد الله بفلان خيراً يأت به -يقصد أبو موسى أخاه ﵄ يقول: فإذا إنسان يحرك الباب، فقلت: من؟ قال: عمر بن الخطاب، فقال أبو موسى: على رسلك، وذهب إلى النبي ﷺ فقال: عمر بن الخطاب يستأذن عليك يا رسول الله! فقال الحبيب: ائذن له وبشره بالجنة، فجئت عمر فقلت: ادخل، ورسول الله يبشرك بالجنة، ثم جلست عند الباب وقلت: إن يرد الله بفلان خيراً -يعني: أخاه- يأت به، فإذا إنسان يحرك الباب، فقلت: من؟ قال: عثمان بن عفان، قلت: على رسلك، فذهبت إلى رسول الله وقلت: يا رسول الله! هذا عثمان بن عفان يستأذن عليك) يقول أبو موسى كما في بعض الروايات في غير صحيح مسلم: (فسكت النبي ﷺ هنيهة، ثم قال: يا أبا موسى! ائذن له وبشره بالجنة مع بلوى تصيبه) .
بأبي هو وأمي ﷺ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣-٤] .
يقول: فذهبت إلى عثمان وقلت: ادخل، ورسول الله ﷺ يبشرك بالجنة مع بلوى تصيبك، فقال عثمان -كما في بعض الروايات-: نصبر، وفي بعض الروايات قال: الله المستعان! ودخل عثمان فوجد القف قد امتلأ، فجلس مقابلاً للنبي ﷺ وصاحبيه ﵄، وكشف عن ساقيه ودلاهما كما فعل النبي ﷺ وصاحباه.
стр. 87
تبشير عثمان ﵁ بالشهادة
وبعد البشارة بالجنة تأتي البشارة بالشهادة، لقد بُشر عثمان بالشهادة في سبيل الله بعد البشارة بالجنة، كما في الحديث الذي رواه البخاري والترمذي وغيرهما من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: (صعد النبي ﷺ أحداً -أي: على جبل أحد- وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم الجبل، فخاطب النبي الجبل وقال: اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان) ، والنبي هو: محمد ﷺ ، والصديق: هو أبو بكر، والشهيدان هما: عمر وعثمان ﵄.
стр. 88
شراء عثمان ﵁ لبئر رومة
ولن نخرج في هذا اللقاء عن أوسمة الشرف، وشهادات البطولة والفضيلة من رسول الله ﷺ لـ عثمان بن عفان؛ ليقف المرجفون وليخرس الموتورون في كل زمان ومكان، الذين ما زالوا إلى يومنا هذا على صفحات الجرائد وفي الإذاعات يتهمون عثمان، ويظلمون عثمان ﵁، ويتكلمون عنه وعن إخوانه من الصحابة كما يتكلمون عن سفلة الخلق وحطمة الناس!! لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة اشتكى الصحابة ﵃ أزمة خطيرة، اشتكوا أزمة الماء؛ لأنه لم يكن بالمدينة ماء يستعذب غير بئر رومة، وكانت ليهودي جشع وقح، يبيع ملء القربة بأغلى الأثمان! فاشتكى الفقراء من أصحاب النبي ﷺ جشع هذا اليهودي إلى رسول الله ﵊، وتمنى النبي ﷺ أن لو وجد من بين الصحابة من يشتري بئر رومة ويجعل ماءها للمسلمين بغير ثمن ولا حساب، وقام النبي ﷺ يعلن رغبته هذه بين الصحابة، كما في الحديث الذي رواه الترمذي بسند حسن قال ﷺ : (من يشتري بئر رومة، ويجعل دلوه مع دلاء المسلمين، وله بها عين في الجنة؟! -وفي رواية: وله بها خير منها في الجنة؟! -) ولم تجد الأزمة إلا عثمانها المعطاء ﵁، الذي سمع الدعوة من رسول الله، وأن فيها عيناً في الجنة! فعلم أنها نعم التجارة، وأنها أربح التجارة، وينطلق عثمان سريعاً إلى هذا اليهودي يريد أن يشتري منه البئر بكاملها، فيرفض اليهودي الجشع أن يبيع البئر، فساومه عثمان على أن يشتري نصفها، فاشترى عثمان نصفها باثني عشر ألف درهم! على أن يكون لليهودي يوم ولـ عثمان يوم آخر، وكان المسلمون يستسقون في يوم عثمان ما يكفيهم ليومين، فلما رأى اليهودي الغبي أن تجارته قد بارت، وأن سوقه قد كسدت، ذهب بنفسه إلى عثمان ليعرض عليه النصف الآخر، فاشترى عثمان نصفها الآخر بثمانية آلاف درهم؛ ليجعل ماء البئر كله إلى المسلمين بغير ثمن ولا حساب، أقصد: بغير ثمن ولا حساب مادي زائل؛ لأن حطام الدنيا ظل زائل، ولأن المال عارية مسترجعة، وإنما الثمن الأعظم والحساب الأكبر في صحائف عثمان هو يوم القيامة: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨-٨٩] .
стр. 89
توسعة عثمان ﵁ للمسجد النبوي
وينظر النبي ﷺ يوماً إلى المسجد، فيرى المسجد يضيق بأصحابه، ويرى بعضهم لا يجد مكاناً للصلاة، فينظر النبي ﷺ ويقول: (من يزيد في مسجدنا؟!) وتجد الدعوة مرة أخرى عثمانها المعطاء، وينطلق سريعاً لشراء قطعة أرض مجاورة لمسجد رسول الله ﷺ ؛ ليقدمها كريمة سخية بها نفسه إلى رسول الله ﵊.
стр. 90
ذهاب عثمان ﵁ لمفاوضة قريش عام الحديبية
وفي العام السادس للهجرة خرج النبي ﷺ وأصحابه للعمرة، وسمعت قريش الخبر، فاستعدت قريش لقتال النبي ﵊ وقالت: إنه لن يدخلها علينا عنوة، ووصل الخبر إلى رسول الله ﷺ ، واستقر النبي ﷺ مع أصحابه عند الحديبية على مشارف مكة، وقد ساق الهدي بين يديه؛ ليخبر قريشاً أنه ما جاء محارباً ولا مقاتلاً ولا غازياً، وإنما جاء زائراً ومعظماً لبيت الله جل وعلا، ولكن قريشاً أبت، وبعثت قريش رسلها؛ لتحول بين النبي ﷺ وبين مكة، ولتحذر الرسول ﷺ بأس قريش، وعاد الرسل؛ ليحذروا قريشاً بأس محمد وأصحابه، فهذا عروة بن مسعود الثقفي آخر هؤلاء الرسل، يرى مكانة النبي ﷺ بين أصحابه، فيرجع إلى قريش قائلاً: يا معشر قريش! إني جئت كسرى في ملكه، وجئت قيصر في ملكه، وجئت النجاشي في ملكه، والله! ما رأيت ملكاً يعظمه قومه مثل ما رأيت أصحاب محمد يعظمون محمداً! وما رأيت ملكاً يحبه قومه مثل ما رأيت أصحاب محمد يحبون محمداً، ووالله! إنهم لن يسلموه أبداً، فروا رأيكم!! ويرى النبي ﷺ أن يرسل رسولاً من عنده؛ ليقنع قريشاً وأشرافها بأنه ما جاء محارباً ولا غازياً ولا مقاتلاً، وإنما جاء معظماً للبيت وزائراً، وها هو الهدي قد ساقه بين يديه، فمن يختار لهذه المهمة؟ انتدب لهذه المهمة صحابياً جليلاً يقال له خراش بن أمية الخزاعي، وذهب خراشاً لهذه المهمة الخطيرة، ولم تكد قريش ترى خراشاً ﵁ حتى عقرت ناقته وكادت قريش أن تقتله لولا أن الأحابيش خلصت خراشاً من الموت، وعاد خراش إلى النبي ﷺ ؛ ليقص عليه ما حدث، فاختار النبي ﷺ عمر بن الخطاب لهذه المهمة الكبيرة الخطيرة، فقال عمر ﵁: (يا رسول الله! إنك تعلم أنه ليس بمكة أحد يمنعني، ولقد علمت قريش عداوتي وبغضي لها، ولكني سأدلك على رجل أعز مني في قريش) .
أتدرون من هو هذا الرجل الذي يصلح وحده للقيام بهذه المهمة الكبيرة؟! إنه عثمان بن عفان ﵁، فاستدعى النبي ﷺ عثمان ﵁، وكلفه بهذه المهمة، ولم يتردد عثمان لحظة، ولم يتلعثم برهة، وإنما انطلق على الفور لمهمة النبي ﷺ ، وهو لا يفكر أيرجع حياً أم يموت شهيداً بمكة! لكنه الامتثال لأمر رسول الله ﷺ ، فرضي الله عن عثمان وأرضاه.
وانطلق عثمان إلى أشراف قريش، فبلغهم رسالة رسول الله ﷺ بأن النبي ما جاء غازياً ولا محارباً ولا مقاتلاً، وإنما جاء لزيارة البيت ولتعظيمه، وسمع أشراف قريش من عثمان، ونظر عثمان إلى البيت، فلما رآه أشراف قريش ينظر إلى البيت قالوا له: إن أردت أن تطوف بالبيت فطف ولا مانع، أتدرون ماذا قال عثمان؟! نظر إليهم وقال: (والله! ما كنت لأطوف به حتى يطوف به رسول الله!) إنها التربية.
فاحتبسته قريش، وشاع الخبر بأن عثمان قد قتل، وهنا قام الصحابة ﵃؛ ليبايعوا النبي ﷺ بيعة الموت، وهي أعظم بيعة عرفها التاريخ كله! إنها البيعة التي سميت ببيعة الرضوان، والتي سجل القرآن ذكرها إلى يوم القيامة، فقال ربنا جل وعلا عن هؤلاء الأطهار الأبرار: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ [الفتح:١٨] ، بل ويثني الله جل وعلا على هؤلاء بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] ، فقام الصحابة ليمدوا أيديهم ويبايعوا رسول الله ﷺ على الموت، بعدما بلغهم خبر مقتل عثمان، أتدرون ماذا فعل النبي وماذا قال؟! رفع النبي ﷺ يده وقال: (هذه يد عثمان، وضرب بها على يده الأخرى) ، يقول أنس: فكانت يد رسول الله ﷺ لـ عثمان خير من أيديهم لأنفسهم.
والحديث رواه الإمام الترمذي بسند حسن، وله شاهد في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمر ﵁.
هكذا أيها الأحباب! كانت يد النبي ﷺ مكان يد عثمان ﵁ وأرضاه.
стр. 91
تجهيز عثمان ﵁ لجيش العسرة
وبعد ثلاثة أعوام من عام الحديبية تترامى الأنباء إلى مسامع رسول الله ﷺ أن هرقل ملك الروم يستعد لغزو المسلمين في المدينة المنورة نفسها، وكان الحر شديداً، وكان الصيف حاراً يصهر الجبال ويذيب الحجارة، ولو أن المسلمين خرجوا بإيمانهم للجهاد في سبيل الله تحت وطأة هذا الحر القاتل، وعلى هذه الصحراء الملتهبة المتأججة فأين السلاح؟! وأين العتاد؟! وأين النفقات التي يتطلبها القتال؟! وقام النبي ﷺ ؛ ليحث أصحابه على الإنفاق في سبيل الله لتجهيز جيش العسرة، وتجد الأزمة مرة أخرى عثمانها المعطاء، ففي الحديث الذي رواه الترمذي بسند حسن من حديث عبد الرحمن بن سمرة أنه قال: (جاء عثمان بن عفان بألف دينار فصبها في حجر النبي ﷺ ، فجعل النبي يقلبها بيده وهو يقول: ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم! ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم!) يا لها من شهادة! أيشهد رسول الله لـ عثمان بقوله: (ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم) ، ويأتي المجرمون والموتورون والمرجفون ليشهدوا على عثمان بالخيانة؟! وفي الحديث الذي رواه الترمذي من حديث عبد الرحمن بن خباب وفيه فرقد أبو طلحة وهو مجهول، وبقية رجال الإسناد ثقات، قال الحافظ ابن حجر في (الإصابة) : وقد ورد هذا الحديث من طرق كثيرة شهيرة صحيحة عن عثمان ﵁، يقول عبد الرحمن بن خباب ﵁: (كان رسول الله ﷺ يدعو الصحابة إلى تجهيز جيش العسرة، فقام عثمان وقال: يا رسول الله! عليَّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حث رسول الله ﷺ على تجهيز الجيش فقام عثمان للمرة الثانية وقال: يا رسول الله! عليَّ مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حث رسول الله ﷺ على تجهيز الجيش فقام عثمان للمرة الثالثة فقال: يا رسول الله! عليَّ ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، فنزل النبي ﷺ من على المنبر وهو يقول: ما على عثمان ما عمل بعد اليوم! ما على عثمان ما عمل بعد اليوم!) .
стр. 92
بيعة عثمان ﵁
واستمر عثمان على ذلك حتى توفي رسول الله ﷺ وهو عن عثمان راضٍ، واستمر عثمان على ذلك مع أبي بكر حتى توفي وهو عن عثمان راضٍ، واستمر عثمان على ذلك حتى طعن الفاروق ﵁، فكان عثمان واحداً من الستة الذين اختارهم عمر ﵁ ليكون من بينهم الخليفة الجديد.
وبعد موت عمر قام الناس جميعاً في مسجد رسول الله ﷺ يبايعون عثمان ﵁؛ ليصبح عثمان خليفة المسلمين بعد أبي بكر وعمر ﵃ جميعاً، وها هي الأيام تمر والأشهر تجري وراءها وتسحب معها السنين ليقف عثمان بن عفان -ذلكم التقي النقي الحيي- ليأخذ البيعة من المسلمين ومن المهاجرين والأنصار أصحاب نبينا المختار ﷺ .
ويذكر الحافظ ابن كثير أن عثمان استهل عهده المبارك بالكتب إلى الأمراء والولاة وأئمة الصلاة وأمناء بيت المال يأمرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويحثهم على الاتباع وعدم الإحداث والابتداع، ورأى عثمان بيت المال مليئاً بالخيرات، فزاد في عطاء الناس، وأمر بأن يقدم الطعام في مسجد رسول الله ﷺ بصفة مستمرة دائمة للمتعبدين والمتعلمين وأبناء السبيل.
ولم يكد عثمان يستقر إلا وانتشرت الإشاعات بأن الفوضى قد نشبت في بلاد المسلمين بعد مقتل الخليفة القوي عمر! ولم يجد المسلمون إلا الخليفة الشيخ الذي هو في سن السبعين ليولوه خليفة على المسلمين! ولكن هذا الخليفة الشيخ سرى تحت إهابه شباب التاريخ، وقام ليعلم هؤلاء الموتورين: أن أصحاب محمد ﷺ لا يقاسون بالسنين والأعمار، وأصدر عثمان الأوامر، واختار بنفسه قيادة الجيش؛ لتأديب وتقليم أظفار هؤلاء، بل ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أمرهم بأن يتجاوز المد الإسلامي هذه البقاع إلى أبعد وأبعد، وبالفعل أيها الأحباب! مهدت الأرض لهذا المد الإسلامي الجسور، وانطلق المد الإسلامي في عهد عثمان كأنه الليل والنهار، والخليفة الراشد قابع في المدينة المنورة تأتيه الغنائم والأموال بغير حساب.
ولكن لم تلبث هذه الريح الهادئة الباردة أن تتحول إلى عاصفة شديدة يشد بعضها بعضاً، وينادي بعضها بعضاً؛ لتتحول أخيراً إلى إعصار مدمر قاتل، تسقط فيه شراسة المتآمرين والمجرمين إلى الحضيض، ويتسامى تسامق الخليفة إلى القمة، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 93
عبد الله بن سبأ اليهودي هو من أثار الفتنة على عثمان
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: فيأيها الأحباب! أعيروني القلوب والأسماع؛ لنعيش بعض الدقائق مع هذه الفتنة الحالكة التي انتهت بمقتل الخليفة الراشد ﵁ وأرضاه.
نشأت الفتنة على يد اليهودي الخبيث عبد الله بن سبأ المكنى بـ ابن السوداء، هذا الرجل الذي دخل في الإسلام في ظروف غامضة! وانتحل الإسلام، وادعى حرصه وغيرته الشديدة على قيمه وحدوده وحرماته! وانطلق ابن السوداء إلى المدينة المنورة؛ ليدرس أحوال المدينة في صمت وخبث ودهاء، وليتسمع أخبار الأمصار والأقاليم، وليرسم خطته بإحكام وإتقان، ولما انتهى من رسم الخطة انطلق في الأمصار وفي البلاد؛ لينفث سمومه الكبيرة! ووجدت هذه السموم بعض الآذان الصاغية من الموتورين! وهؤلاء لا يخلو منهم زمان ولا مكان، حتى في عهد رسول الله ﷺ .
وانطلق هذا الرجل الخبيث بهذه العبارة الخطيرة، وبهذه الفتنة الكبيرة التي بدأها بالطعن في خلافة عثمان ﵁ وأرضاه، وقال عبارته الشهيرة: إن لكل رسول وصياً، وإن علياً وصي رسول الله ﷺ ، وإن عثمان وثب على الأمة، وأخذ الحق من صاحبه! هذه هي بداية الفتنة، وانطلق في البلاد والأمصار، فبدأ بالبصرة، ثم ذهب إلى الكوفة، ثم إلى الشام، ثم إلى مصر، ونجح ابن السوداء في أن يستقطب بعض الموتورين من ضعفاء النفوس وأصحاب أمراض القلوب، واتفقوا جميعاً تحت هذه المظلة التي تخدع الكثير والكثير في كل زمان ومكان! ومما قال لهم محبباً لمنهجهم: تظاهروا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -انظروا إلى المنهج! - لتستميلوا الناس إليكم! وابدءوا بالطعن في أمرائكم، وقولوا: إن علياً وصي رسول الله ﷺ ، وإن عثمان قد اعتدى عليه، وأخذ الحق من صاحبه، فانهضوا؛ لتردوا الحق إلى أهله! واتفق هؤلاء على أن يلتقوا جميعاً بالمدينة المنورة، وخرجوا وقد تظاهروا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأبلغوا الناس أنهم ما خرجوا إلا للقاء عثمان ﵁ وأرضاه؛ ليستعفوا بعض عماله، ووصلوا إلى المدينة المنورة في أعداد تقل قليلاً عن ثلاثة آلاف رجل، في الوقت الذي كان فيه أصحاب النبي ﷺ في البعوث والغزوات، بل ومنهم من خرج إلى حج بيت الله الحرام.
ولما سمع عثمان الخبر أرسل إليهم رجلين من بني مخزوم من رجاله، فوصل الرجلان إلى القوم فعلما حقيقة الأمر، وأن القوم ما خرجوا إلا لأمرين: إما لخلع عثمان، أو لقتله.
стр. 94
رد عثمان على الشبه التي نقموا عليه بها
وأُخبر عثمان بذلك، فجمع عثمان الناس في المسجد، وقام على المنبر خطيباً فحمد الله وأثنى عليه وأخبرهم بحقيقة القوم، فقال أصحاب النبي ﷺ من المهاجرين والأنصار: اقتلهم، فإن رسول الله ﷺ قد قال: (من دعا إلى نفسه أو إلى أحد وعلى الناس إمام فعليه لعنة الله، واقتلوه) ، أتدرون ماذا قال الحيي التقي النقي؟ لقد قال: (كلا، بل نعفو ونقبل، ونبصرهم بجهلنا، ولا نقتل أحداً حتى يرتكب حداً أو يبدي كفراً) ثم بدأ عثمان يرد على المسائل التي نقموا عليه فيها، ويرد اتهامات القوم، ويرد إشاعات الناس؛ لأنهم قالوا: إنه خالف رسول الله ﷺ وصاحبيه، وأتم الصلاة في المزدلفة في الحج وكان الرسول ﷺ يقصر الصلاة وأبو بكر وعمر، فقال عثمان: (أما وإني قد أتيت بلداً فيه أهلي فأتممت الصلاة لذلك -وهذا اجتهاد منه ﵁ ثم التفت إلى القوم وقال: أكذلك هو؟ قالوا: اللهم نعم.
ثم قال عثمان: وقالوا: بأنني أحميت الحمى -أي: كثرت أموالي وكثرت المراعي الخاصة بي- أما والله لقد وليت عليكم وليس في العرب من هو أكثر مني بعيراً وشاة، وأنا اليوم لا أملك بعيراً ولا أملك شاة إلا بعيرين اثنين لحجي، أكذلك هو؟ قالوا: اللهم نعم.
قال عثمان: واتهموني بأنني أكثرت العطاء لـ عبد الله بن أبي سرح، ووالله! ما أفأت عليه إلا بما أفاء الله عليه من قبل، وإلا بما فعله أبو بكر وعمر، أكذلك هو؟ قالوا: اللهم نعم.
وقال عثمان: واتهموني بأن القرآن كان صحفاً فجعلت القرآن كتاباً واحداً، ووالله! إن القرآن لكتاب واحد نزل من عند واحد ولم أفعل إلا ما فعله صاحباي: أبو بكر وعمر، أكذلك هو؟ قالوا: اللهم نعم.
وقال عثمان: واتهموني بأني أحب أهلي وأعطيهم من مال المسلمين، أما والله! إن حبي لهم لم يملني معهم على جور، وإنما أقمت حقوق الله عليهم، وأما عطائي لهم فمن مالي، ووالله إنني إلى يومي هذا ما أكلت من مال المسلمين، وإنما آكل إلى اليوم من خالص مالي!) .
وفند عثمان ﵁ هذه الشبهات، وهذه الأقاويل والافتراءات، وهذه الادعاءات، وهل نصدق أحداً بعد عثمان ﵁ وأرضاه؟!
стр. 95
هدف الخارجين على عثمان ﵁
وظن عثمان أن الناس قد انطفأت نار الفتنة في قلوبهم، ولكنه نسي أن هؤلاء ما خرجوا لله، وما خرجوا للدار الآخرة، وما خرجوا ابتغاء مرضاة الله، وإنما خرجوا لنار تتأجج في قلوبهم، وتشتعل في صدورهم، وعاد القوم وقد اتفقوا على أن يعودوا مرة أخرى لحصار المدينة، ولو أرادوا الخير لعادوا إلى أوطانهم، ولو أرادوا الحق لانشرحت صدورهم بعد هذه الحجج، ولكنهم عادوا وما جاءوا إلا بما عادوا به، وما عادوا إلا بما جاءوا به.
واتفقوا على أن يعودوا إلى المدينة مرة أخرى، واصطبح أهل المدينة ذات صباح بهؤلاء الثوار الموتورين المسلحين وهم يحاصرون المدينة من كل جانب، وينتشرون في شوارعها، ولم يراعوا حرمة رسول الله ﷺ ، ولا حرمة خليفة رسول الله، ولا حرمة أصحاب النبي ﷺ ، بل وحاصروا بيت الخليفة، ومنعوا عنه زواره، ومنعوا عنه الطعام، بل ومنعوا عنه الشراب وهو الذي اشترى بئر رومة من خالص ماله ﵁ وأرضاه!
стр. 96
عدم دفاع عثمان عن نفسه وورعه عن إراقة الدماء
وذهب بعض الصحابة إلى عثمان ﵁؛ ليعرضوا عليه الأمر في خفية، فقالوا: يا خليفة رسول الله! أرسل إلى البلاد أن يبعثوا إليك مدداً لقتال هؤلاء، أتدرون ماذا قال؟! قال بيقين وثبات عجيبين: (ما أحب أن ألقى الله وفي عنقي قطرة دم لامرئ مسلم) يا سبحان الله! فأشاروا عليه مشورة ثانية فقالوا: فلتخرج إلى الشام إلى معاوية بن أبي سفيان ﵁ وأرضاه؛ فإن الأمر في الشام على خير ما يرام.
فقال: (والله! ما كنت بالذي يختار جواراً على جوار رسول الله) فأشاروا عليه أمراً ثالثاً أشار به معاوية فقال: أرسل إليك جيشاً من الفرسان لحفظ حياتك؟! أتدرون ماذا قال؟! قال: (يزاحمون أصحاب رسول الله من المهاجرين والأنصار في المدينة؟!) .
فقال معاوية: إذاً: ستغتال! فقال عثمان: (حسبي الله ونعم الوكيل!) الله أكبر!
стр. 97
مقتل عثمان ﵁
وفي الليلة الموعودة أيها الأحباب! يأتيه حبيبه رسول الله ﷺ في نومه ويقول: يا عثمان! أفطر عندنا غداً كما رواه الإمام الطبري بسند صحيح، وذكره الإمام ابن الأثير في (الكامل) ، واطمأن عثمان، وعلم أن الحياة إلى زوال، وأن الحياة إلى فناء، فابن الثمانين ماذا يريد بعد ذلك؟! وهو الذي تربى في مدرسة النبوة، وهو الذي كان يردد دائماً قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً﴾ [الكهف:٤٥] ، فاطمأن عثمان، وعاد إلى كتاب الله الذي خطه بيمينه المباركة، فجعل يقرأ؛ ليخالط القرآن روحه، وليخالط القرآن دمه كما خالطت آيات القرآن روحه من قبل.
ودخل هؤلاء الموتورون على عثمان من دار أخرى إلى جوار داره، فلم يلبث أن رآهم أمام عينيه، فلم يتلفت ولم ينتبه! وإنما انكب على كتاب الله يقرأ آيات الله، ويرتل قرآن الله جل وعلا، فانقض عليه الوقح الغافقي، ونظر إلى عثمان وبيده حديدة، فضرب عثمان بالحديدة في رأسه! وركل المصحف برجله! فاستدار المصحف وعاد بين يدي عثمان مرة أخرى، ويأبى إلا أن يخالط دماءه كما خالط روحه وقلبه! فبالله عليكم! أهؤلاء قوم يريدون الله والدار الآخرة، وهم يركلون كتاب الله بأرجلهم! ويدعون أنهم يريدون الله ورسوله؟!! ويأتي التجيبي -عليه من الله ما يستحقه- بالسيف مخترطاً ليضعه في بطن عثمان ﵁! فتأتي زوجته الصادقة المخلصة؛ لتخلص زوجها، فيقطع هذا الوغد يدها! ويضع السيف في بطن عثمان ﵁ وأرضاه، فيقتله! ويأتي الأحمق الآخر عمر بن الحمق ليطعن عثمان ﵁ بعد هذا كله تسع طعنات في صدره! ويقول: طعنته ثلاثاً لله! وستاً لما كان في صدري عليه! ولو صدق عدو الله لقال: طعنته تسع طعنات لما كان في صدري عليه، ويأتي واحد منهم؛ ليجرد البيت من كل شيء حتى الملاءة التي كانت تلتف بها نائلة ﵂، فيأخذ الملاءة من على جسدها، فتظهر عظامها، ويظهر جسدها، فيقول الخبيث الوقح: ما أعظم عظامها! فتقول المرأة الذكية النقية: يا سبحان الله! إن القوم لا يريدون الله والدار الآخرة، وإنما يريدون الدنيا، فهل هناك رجل يريد الله والدار الآخرة يقول هذه القولة الخبيثة في زوج خليفة رسول الله ﷺ .
ويزداد ورعهم الكاذب والخبيث، فيقفون على الطرقات؛ ليمنعوا عثمان أن يدفن في مقابر المسلمين، وقالوا: عثمان لا يدفن في البقيع، ولا يدفن في مقابر المسلمين! أيها الأوغاد عثمان خليفة رسول الله ﷺ ، وصاحب بئر رومة، ومجهز جيش العسرة، وزوج أم كلثوم ورقية لا يدفن في مقابر المسلمين؟!! نعم! إنه الورع الكاذب المدعى! والورع المفترى؛ لأنهم تظاهروا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليستميلوا الناس إليهم، ويدفن عثمان في حش كوكب في مكان خلف البقيع، ولما تولى معاوية ﵁ أدخله في مقابر المسلمين في البقيع، وأمر الناس بالدفن حول قبر عثمان ﵁ وأرضاه.
أيها الأحبة! ماذا نقول؟! لا نقول أكثر من قولنا: جزى الله عثمان عن الإسلام والمسلمين خير ما جزى صالحاً أو مصلحاً.
وأسأل الله جل وعلا أن يجمعنا مع عثمان ومع صاحبيه، ومع أستاذهم محمد ﷺ في مستقر رحمته، إنه ولي ذلك ومولاه، وهو على كل شيء قدير.
اللهم هيئ لأمة التوحيد أمر رشد يُعز فيه أهل طاعتك، ويُذل فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر، أنت ولي ذلك والقادر عليه.
اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين، اللهم أصلحهم يا رب العالمين! وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل هذه البلاد سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم اقبلنا وتقبل منا، وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم.
هذا وأكثروا من الصلاة والسلام على نبينا وحبيبنا محمد كما أمركم الله جل وعلا بذلك في محكم تنزيله فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ، اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه! والحمد لله رب العالمين.
стр. 98
مصابيح الهدى - عبد الله بن مسعود
إن الله يرفع بكتابه أقواماً ويضع به آخرين، فها هو ابن مسعود ﵁ الذي كان راعياً للغنم لبعض علوج مكة، والذي لم تكن له قيمة ولا شأن، لكن ما إن شرح الله صدره للإسلام وإذ به يتبوأ مكاناً عالياً بين الناس، حتى إن رسول الله ﷺ كان يسمع منه القرآن، وما زال يزداد علماً ويزداد رفعة حتى صار وزيراً لبيت المال في الكوفة وأستاذاً ومعلماً لأهلها، يتفاخر الناس بالتتلمذ على يديه ﵁ وأرضاه.
стр. 99
ابن مسعود أقرب الناس سمتاً وهدياً برسول الله ﷺ
الحمد لله الذي لم يتخد ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو، ولا خالق غيره ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة، ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢] .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الأول فلا شيء قبله، وهو الآخر فلا شيء بعده، وهو الظاهر فلا شيء فوقه، وهو الباطن فلا شيء دونه وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته, واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وأسأل الله جل وعلا أن يشرح صدورنا وإياكم بالإيمان والتوحيد، وأن يجمعنا وإياكم دائماً وأبداً في الدنيا على طاعته، وفي الآخرة في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك ومولاه، وهو على كل شيء قدير.
أحبتي في الله! مع أئمة الهدى ومصابيح الدجى: نحن اليوم على موعد مع رجل من أقرب الناس سمتاً وهدياً ودلاً برسول الله ﷺ ، نحن اليوم على موعد مع العالم الرباني، الأواه الأواب، الخاشع البكاء، إنه خادم رسول الله ﷺ ، الداخل عليه دوماً وليس بمردود، والحافظ الأمين لجميع الأسرار والعهود، الذي كان يوقظ النبي ﷺ إذا نام، بل ويستره إذا اغتسل، إنه الضعيف القوي! إنه الفقير الغني! إنه المؤمن التقي النقي الأبي، إنه الغلام المعلم، والقارئ الملقن، والفقيه المفهم، إنه الرجل الذي وصفه فاروق الأمة عمر وصفاً دقيقاً محكماً في ثلاث كلمات لا تزيد، فقال عنه عمر: كنيف ملئ علماً! أي: وعاء ملئ علماً.
стр. 100
علم ابن مسعود
في ليلة مظلمة يلقى عمر بن الخطاب ﵁ ركباً يضم هذا الرجل المبارك، ويخيم الليل بظلامه فيحجب الركب عن عمر ﵁، فيسأل عمر بن الخطاب: من أين القوم؟ فيجيبه هذا الرجل المبارك من وسط هذا الركب الكريم قائلاً: من الفج العميق! فيسأل عمر: إلى أين تريدون؟ فيجيب الرجل: البيت العتيق، فيعي عمر الأمر فيقول: إن في الركب عالماً.
وأنصتوا بالسمع وأحضروا القلب إلى هذا الحوار الكريم بين فاروق الأمة وبين هذا الرجل العظيم المبارك.
فيسأل عمر: أي القرآن أعظم؟ فيجيب الرجل من وسط الركب: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] .
فيسأل عمر: أي القرآن أحكم؟ فيجيب الرجل المبارك من وسط الركب الكريم قائلاً: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل:٩٠] .
فيسأل عمر: أي القرآن أجمع؟ فيجيب الرجل: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧-٨] .
فيسأل عمر: فأي القرآن أخوف؟ فيجيب الرجل المبارك: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [النساء:١٢٣] .
فيسأل عمر: أي القرآن أرجى؟ فيجيب الرجل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] .
فينادي عمر قائلاً: أفيكم عبد الله بن مسعود؟! -إنه الغلام المعلم، والفقيه المفهم، والقارئ الملقن- فيجيب الركب قائلاً: اللهم نعم.
هذا هو الذي سنسعد في صحبته في هذا اللقاء أيها الأحبة! والحق أقول: لقد صحبت التاريخ طوال الأيام الماضية لأدرس حياة عبد الله بن مسعود عن قرب فأذهلتني شخصيته، إنه رجل عجيب، جمع من الخصال الكريمة والصفات الحميدة ما لم يجتمع إلا في القليل النادر من الصحب الكرام ﵃ جميعاً، إنه رجل شامل، هذا الرجل أهلته صحبته الطويلة لرسول الله ﷺ التي كانت -أي: هذه الصحبة- منبع علومه، وأم معارفه، ومداد تحصيله، أخذ القرآن والسنة من فم رسول الله ﷺ ، لذا رأيناه من أكبر ومن أعلم الصحابة بكتاب الله، بل ورأيناه مفسراً من أعظم مفسريهم، ومحدثاً من أكابر محدثيهم، ومعلماً فريداً بين معلميهم، بل وفقيهاً كبيراً بين فقهائهم، بل ووزيراً صادقاً أميناً بين وزرائهم.
стр. 101
فضائل ابن مسعود ﵁
إن تلخيص حياة هذا الحبر في هذه الدقائق المعدودات أمر صعب عسير، فهيا لنغتنم الدقائق المعدودات لنعيش بعض الوقت مع هذا الحبر العالم، ومع هذا الفقيه الأكبر، مع عبد الله بن مسعود، ولنستهل هذا اللقاء المبارك بأوسمة الشرف التي منحها النبي ﷺ لهذا الرجل الكريم المبارك.
ففي الحديث الذي رواه مسلم أن عبد الله بن مسعود قال: لما نزل قول الله جل وعلا من سورة المائدة: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة:٩٣] فلما نزلت وقرأها النبي ﷺ قال: (يا عبد الله! أنت منهم) يشهد النبي ﷺ لـ عبد الله بأنه من الذين اتقوا وآمنوا، واتقوا وآمنوا، واتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين.
стр. 102
ابن مسعود أقرب الصحابة اقتداءً برسول الله وأقربهم وسيلة إلى الله
وفي الحديث الذي رواه البخاري والترمذي من حديث عبد الرحمن بن يزيد رحمه الله تعالى يقول: سألت حذيفة ﵁ عن رجل قريب السمت والهدي والدل برسول الله ﷺ حتى نأخذ عنه؟ فقال حذيفة ﵁: والله ما نعلم أحداً أقرب سمتاً وهدياً ودلاً بالنبي ﷺ من ابن أم عبد -أي: من عبد الله بن مسعود - حتى يواريه جدار بيته -انظروا إلى الدقة في الشهادة! أي: حتى يواريه جدار بيته فعلمه عند الله جل وعلا-.
ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد ﷺ أن ابن أم عبد أقربهم إلى الله وسيلة يوم القيامة.
يا لها من شهادة! وفي رواية الترمذي بسند حسن صحيح: ولقد علم أصحاب محمد ﷺ أن ابن أم عبد أقربهم إلى الله زلفى.
ابن مسعود أقربهم إلى الله وسيلة، وأقربهم إلى الله زلفى، بالله عليكم أي الكلمات نستطيع أن نعبر بها عن هذه الشهادة؟! ألا فلندعها هكذا حتى لا نضيع من جلالها شيئاً، ابن مسعود أقرب الناس إلى الله وسيلة، وأقرب الناس إلى الله زلفى يوم القيامة، بل ولقد أمرنا النبي ﷺ كما في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال ﵊: (خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود فبدأ به ﷺ وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة) .
ولذا كان ابن مسعود يعلم هذه النعمة الكبيرة، وهذا الشرف العظيم، فيقول -كما في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم -: (والله الذي لا إله غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيما أنزلت، ولو أعلم أحداً أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه) .
стр. 103
سماع النبي ﷺ القرآن من ابن مسعود
وفي رواية في الصحيح أيضاً أنه ﵁ قال: (لقد قرأت على رسول الله ﷺ بضعاً وسبعين سورة، ولقد علم أصحاب محمد ﷺ أني أعلمهم بكتاب الله، وما أنا بخيرهم) .
ولطالما كان الحبيب ﷺ يذهب إلى ابن مسعود ويحب أن يستمع القرآن منه، فلقد ذهب إليه النبي ﷺ يوماً وقال: (اقرأ علي يا ابن مسعود) أتدرون ماذا قال التلميذ المهذب المؤدب؟! نظر إلى أستاذه ومعلمه وقال: (أأقرأ عليك وعليك أنزل يا رسول الله؟!!) انظروا إلى هذه الكرامة! الرسول ﷺ يطلب من ابن مسعود أن يقرأ عليه، وهاهو ابن مسعود يجلس؛ ليقرأ للنبي ﷺ وحده، وليستمع إليه النبي ﷺ وحده.
(اقرأ علي يا ابن مسعود، فيقول: أأقرأ عليك وعليك أنزل يا رسول الله؟! فيقول الحبيب ﷺ : اقرأ عليَّ فإني أحب أن أستمع إليه من غيري) ، ويستهل ابن مسعود المبارك القراءة المباركة فيفتتح سورة النساء، ويقرأ ما شاء الله له أن يقرأ (حتى بلغ إلى قول الله جل وعلا: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١] فقال النبي ﷺ : حسبك يا ابن مسعود! حسبك يا ابن مسعود! يقول عبد الله: فالتفت إلى رسول الله فإذا عيناه تذرفان) بأبي هو وأمي ﷺ .
والحديث رواه البخاري ومسلم.
стр. 104
تأمين النبي ﷺ على دعاء ابن مسعود
بل لقد مر النبي ﷺ يوماً على ابن أم عبد أي: على عبد الله بن مسعود، وكان مع النبي ﷺ في هذه اللحظات الكريمة صاحباه: أبو بكر وعمر، مر النبي ﷺ مع صاحبيه على عبد الله بن مسعود، وكان عبد الله قائماً يصلي لله جل وعلا، فوقف النبي ﷺ ؛ ليستمع إلى قراءته، فلما انتهى، قال النبي ﷺ : (من أحب أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأ قراءة ابن أم عبد) ، انظروا إلى هذه الشهادة أيها الأخيار! (ثم جلس ابن مسعود يدعو الله جل وعلا فقال النبي ﷺ : سل تعطه، سل تعطه) فكان مما سأله ابن مسعود ﵁ أنه قال: (اللهم إني أسألك إيماناً لا يرتد، ونعيماً لا ينفد، ومرافقة النبي ﷺ في جنان الخلد.
قال عمر: فقلت في نفسي: والله لأغدون إلى عبد الله ولأبشرنه بتأمين رسول الله على دعائه.
يقول عمر: فذهبت إليه في الصباح، فوجدت أبا بكر ﵁ قد سبقني بالبشرى، فقلت له: يا أبا بكر! والله إنك لسباق في الخير دائماً) .
والحديث رواه الإمام أحمد وهو حديث حسن، ورواه الإمام الحاكم في المستدرك وصححه وأقره الإمام الذهبي.
стр. 105
بعض خصائص ابن مسعود
بل وتعجبون أشد العجب بهذه البشارة التي وردت في صحيح مسلم، اسمعوا ماذا قال النبي ﷺ لـ ابن مسعود: (يا عبد الله! أذنك عليَّ أن ترفع الحجاب، وأن تسمع زوادي -أي: سري- حتى أنهاك عن ذلك) الله أكبر! حتى ظن الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري ﵁ وأرضاه، أن عبد الله من آل بيت رسول الله ﷺ ، كما ورد في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم والترمذي من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: (قدمت أنا وأخي من اليمن، فمكثنا حيناً وما نرى إلا أن ابن مسعود وأمه من أهل بيت رسول الله ﷺ ؛ لما نرى من كثرة دخولهم على رسول الله ولزومهم له) .
يظن أبو موسى الأشعري أن ابن مسعود من أهل البيت النبوي، لماذا؟ لأنه يرى ابن مسعود يدخل حينما يستأذن الناس، ويخرج حينما يتمنى الناس أن يدخلوا على رسول الله ﷺ .
стр. 106
ثقل ساقي ابن مسعود في الميزان
بل وخذوا هذه البشارة، وخذوا هذا الوسام الذي سأختم به أوسمة الشرف التي علقها النبي ﷺ بيديه على صدر ابن مسعود ﵁؛ ليلقى الله جل وعلا بها في الآخرة، خذوا هذه البشارة، ووالله لو لم يخرج ابن مسعود من الدنيا إلا بها لكفته شرفاً وفخراً في الدنيا، وعزاً ورفعة ومكانة عند الله في الآخرة، ماذا قال الحبيب ﷺ في حق ابن مسعود؟ والحديث رواه أحمد والبزار والطبراني وهو حديث حسن.
(صعد ابن مسعود ﵁ يوماً شجرة الأراك يجتني سواكاً، فهبت ريح، فجعلت الريح تكفؤه) كان ضعيف البنية قوي الإيمان، كان فقيراً غني اليقين، ألم أقل في أول اللقاء: إنه الضعيف القوي الفقير الغني؟! وسوف نرى الآن الثالثة: إنه المؤمن القوي النقي الأبي، جعلت الريح تكفؤه، فضحك القوم، فقال النبي ﵊: (مما تضحكون؟ قالوا: نضحك من دقة ساقيه يا رسول الله! أتدرون ماذا قال الحبيب ﷺ ؟! قال: والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان يوم القيامة من جبل أحد) الله أكبر!
стр. 107
أمانة ابن مسعود في الجاهلية قبل الإسلام
ذلكم هو الغلام الذي كان يرعى الأغنام بالأمس القريب لسيد من سادات مكة في شعب من شعابها، واستمعوا إليه وهو يحدثنا بسعادة عن أول لقاء له مع أستاذه ومعلمه المصطفى ﷺ .
ففي حديث صحح إسناده الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء، في ترجمته لـ عبد الله بن مسعود ﵁، يقول ابن مسعود: كنت أرعى الأغنام لـ عقبة بن أبي معيط في شعاب مكة، فمر علي يوماً رسول الله وأبو بكر، فقال النبي ﷺ لهذا الغلام الأمين: هل من لبن يا غلام! أي: هل عندك من لبن لتكفينا؟ فقال الغلام: نعم -ولكن انظروا ماذا قال- ولكني مؤتمن! انظروا إلى هذه العبارة التي قالها ابن مسعود في الجاهلية قبل الإسلام! ولكني مؤتمن، فظلت هذه العبارة مع ابن مسعود بمثابة البوصلة التي تحدد اتجاه حياته إلى أن لقي الله جل وعلا.
ولكني مؤتمن، لا أستطيع أن أقدم لكم اللبن، انظروا إلى الأمانة! في جاهليته أمين، فما ظنكم بأمانته بعد أن شرح الله صدره بالإسلام، ولكني مؤتمن! فقال النبي ﷺ : فهل عندك من شاة لم ينز عليها الفحل؟ قال: نعم، ومتى كانت الشاة التي لم ينز عليها الفحل تدر لبناً؟! قال: ائتني بها، فأتاه بشاة لم ينز عليها الفحل، فمسح النبي ﷺ ضرعها، ودعا الله جل وعلا، فدر الضرع باللبن، فجاءه الصديق بإناء مجوف، فملأه النبي ﷺ باللبن وشرب وسقى أبا بكر وسقى الغلام، والغلام ينظر في دهشة واستغراب إلى هذه المعجزة! نعم، وإنها لمن أهون المعجزات، وسوف يرى هو بعينيه بعد ذلك العجب العجاب، فهو الذي روى كما ورد في صحيح مسلم أنه قال: والله إنكم لتعدون الآيات عذاباً، وإن كنا لنعدها بركة على عهد رسول الله ﷺ ، فوالذي نفس محمد بيده لقد كنا نجلس لنأكل مع رسول الله فنسمع تسبيح الطعام في يديه ﷺ ! فنظر الغلام بدهشة واستغراب لشاة لا تدر لبناً؛ لأنه لم ينز عليها الفحل بعد، وإذ بها تدر اللبن، ثم يقول النبي ﷺ للضرع: اقلص، فقلص الضرع أمام عيني هذا الغلام المبارك! فذهب هذا الغلام الكريم إلى النبي ﷺ ولم يكن يعرفه، فقال له: يا عماه! علمني من هذا القول الذي قلت، فمسح النبي رأسه وقال: إنك غلام معلم، ألم أقل: إنه الغلام المعلم؟! إي والله إنه الغلام المعلم، لم يقل: إنك غلام ستتعلم، وإنما قال: إنك غلام معلم، وبالفعل لم يمض غير قليل وإذ بهذا الفتى وإذ بهذا الغلام المعلم يسمع بخبر النبي ﷺ فيذهب إليه لينطق شهادة الحق: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ ليكون من السابقين الأولين الذين أسلموا قبل أن يدخل النبي دار الأرقم بن أبي الأرقم.
стр. 108
ابن مسعود أول من جهر بالقرآن في مكة بعد رسول الله ﷺ
إنه ابن مسعود ﵁ وأرضاه، ولم يمض غير قليل وإذ به يذهب إلى النبي ﵊، ويقول: يا رسول الله! ألا تقبلني خادماً لك؟ فيقبله النبي ﵊، ومن يومها ينتقل هذا الغلام هذه النقلة الكبيرة من رعاية الأغنام إلى خدمة سيد الأنام، هكذا بدون مقدمات، من رعاية الأغنام لكافر من كفار مكة إلى خدمة الحبيب المصطفى ﷺ ، بل ولم يمض غير قليل وإذ بهذا الفتى الذي لم يكن يجرؤ بالأمس القريب أن يمر على مجلس فيه شريف من أشراف مكة إلا مطأطئ الرأس حثيث الخطى، هاهو يتحول اليوم بعد لحظات معدودات إلى إعصار مدمر! وإلى بوق سماوي مزلزل! يتحول إيمانه ويقينه في قلبه إلى شيء يدمر كبرياء سادة قريش وكبرائها! ها هو الغلام الأجير الفقير المغمور ينطلق ليقف على رءوس أشراف مكة في وضح النهار حول بيت الله جل وعلا فيرفع صوته العذب الحلو بسورة الرحمن؛ ليكون هذا الغلام الأجير الفقير المغمور أول مسلم على ظهر هذه الأرض يجهر بالقرآن في مكة بعد رسول الله ﷺ .
ولندع شاهد عيان ينقل لنا هذا المشهد المثير، هذا المشهد الذي رواه بطوله ابن هشام في سيرته، ورواه مختصراً الإمام ابن حجر في الإصابة، ورواته ثقات، يقول الزبير بن العوام ﵁: اجتمع أصحاب النبي ﷺ يوماً في مكة، وما زالوا مضطهدين في هذا الوقت، وما زالوا مشردين فقالوا: قريش لم تسمع القرآن يشهر لها به قط، فهل من رجل يسمعهم القرآن؟ أتدرون من الذي أجاب بنعم؟! إنه هذا الغلام الفقير، الذي كان بالأمس القريب راعياً لأغنام سيد من سادات مكة، فقال ابن مسعود: أنا، فقال أصحاب النبي ﷺ : نريد واحداً له عشيرة تمنعه وتحميه إن أراد به أهل مكة شراً، فقال ابن مسعود: دعوني، فإن الله سيمنعني ويحميني، وانطلق ابن مسعود ﵁ وأرضاه في اليوم التالي في وقت الضحى، حتى أتى مقام إبراهيم -على نبينا وعليه الصلاة والسلام- ووقف ليقرأ القرآن بصوته الحلو العذب الرقيق، وبدأ بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم، رافعاً به صوته، والمشركون يجلسون حول الكعبة، وظل يقرأ سورة الرحمن: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن:١-٤] فنظر سادة قريش إلى بعضهم البعض وقالوا: ماذا يقول ابن أم عبد؟! تباً له إنه يتلو بعض ما جاء به محمد! إلى هذا الحد من الجرأة! يتلو على مسامعنا وبين أيدينا القرآن الذي جاء به محمد ﷺ ، فقاموا إليه وضربوا وجهه ضرباً شديداً عنيفاً حتى سال الدم الشريف على وجهه الأنور، وانطلق بهذه الدماء الطاهرة إلى أصحاب النبي ﷺ ، فقالوا: هذا والله ما خشيناه عليك يا ابن مسعود، أتدرون ماذا قال هذا الغلام الضعيف القوي؟! قال: والله ما كان أعداء الله أهون في عيني من اليوم، ولئن شئتم لأغادينهم بمثلها غداً، فقالوا: كلا، فلقد أسمعتهم ما يكرهون.
стр. 109
ابن مسعود يقتل أبا جهل يوم بدر
ذلكم هو الغلام المعلم أيها الأحبة! هذا هو ابن مسعود ﵁، الذي يتحول هذا التحول الكبير، بل لقد كان له يوم بدر مشهد مذكور، فلقد ورد في صحيح البخاري ومسلم ومسند الإمام أحمد أن النبي ﷺ قال يوم بدر: من ينظر ما صنع أبو جهل؟ فقال ابن مسعود: أنا يا رسول الله! فانطلق ابن مسعود بسيفه، فوجد أبا جهل قد قتله ابنا عفراء ﵄، فقال له ابن مسعود: أنت أبو جهل؟! فاحتقر أبو جهل -وهو يموت ويحتضر- ابن مسعود وأصحابه، فقال: وهل فوق رجل قتلتموه أو قتله قومه؟! يقول ابن مسعود ﵁ كما في رواية الإمام أحمد من حديث أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود، والحق أن أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله، فالحديث فيه انقطاع، إلا أن بقية رجال أحمد رجال الصحيح، وله شواهد بمعناه تقويه كما ذكرت آنفاً.
قال ابن مسعود لـ أبي جهل: هل أخزاك الله يا عدو الله؟! فأخذ سيفه وضربه فلم يغن فيه شيئاً، فبصق أبو جهل في وجه ابن مسعود، وقال: خذ سيفي فاجتز رأسي به! فأخذ ابن مسعود سيفه وقطع به رأسه وذهب إلى النبي ﷺ فأخبره بمقتل أبي جهل، فقال النبي: (آلله الذي لا إله إلا هو؟! آلله الذي لا إله إلا هو؟!!) أي: أقتل أبو جهل حقاً؟! قالها النبي ﷺ مرتين، فخرج مع عبد الله بن مسعود فلما رآه قال النبي ﷺ : (الحمد لله الذي أخزاك الله يا عدو الله! ثم قال ﷺ : هذا كان فرعون هذه الأمة) قتله ابن مسعود ﵁ وأرضاه.
من كان يصدق أن ابن مسعود الفقير الأجير هو الذي سيقتل أبا جهل؟! ها هو الإسلام يمنحه مكان فقره غنى، ومكان ضعفه قوة وإرادة تقهر جبابرة قريش، ومكان انزوائه وانعزاله في شعب من شعاب مكة مكانة عالية خفاقة تعانق كواكب الجوزاء، هذا هو الإسلام الذي حول هؤلاء من رعاة للغنم إلى سادة وقادة لجميع الدول والأمم.
وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 110
ابن مسعود وزيراً لبيت مال الكوفة ومعلماً لأهلها
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: وهكذا لم يتأخر ابن مسعود ﵁ عن غزوة من الغزوات، بل لقد شهد الغزوات كلها مع رسول الله ﷺ ، وظل هكذا مع صاحبيه الجليلين الكريمين أبي بكر وعمر ﵄، حتى أرسله عمر بن الخطاب إلى أهل الكوفة وقال لهم: لقد أرسلت إليكم عمار بن ياسر أميراً، وعبد الله بن مسعود وزيراً، فاسمعوا لهما وأطيعوا، واقتدوا بهما، ثم قال: فوالله الذي لا إله إلا هو لقد آثرتكم بـ عبد الله على نفسي.
وانطلق ابن مسعود وزيراً لبيت مال الكوفة، وأخرج ما في جعبته المترعة من علوم القرآن والسنة، فعلم أهل الكوفة، حتى إن الإمام السرخسي رحمه الله تعالى قال: لقد بلغ عدد من تعلم على يد ابن مسعود وعلى يد أصحابه ما يقرب من أربعة آلاف عالم! إنها مدرسة ابن مسعود ﵁، فقد حول كثيراً من أهل الكوفة إلى علماء، علمهم القرآن والحديث، وكان وزيراً أميناً لبيت مال المسلمين، ألم أقل لكم: إنه كان أميناً في جاهليته قبل إسلامه؟! ألم يقل للنبي ﷺ : إني مؤتمن، فما ظنكم به بعد الإسلام!
следующие страницы →