← Джавами‘

Джавами‘ · id 7703

دروس للشيخ محمد حسان

محمد حسان

Полный текст (1 901 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

الشرط الأول: أن يكون ساتراً لجميع البدن فلا يجوز بحالٍ أن تغطي المرأة رأسها وبدنها ثم يكون الثوب قصيراً لتظهر قدميها، أو ساقيها، ومنهن من تتفنن في ذلك لستر هذا الجزء الباقي من أسفل؛ فتلبس حذاءاً برقبة طويلة لتستر هذا الجزء، ثم تدعي وتزعم أنها محجبة.

стр. 982

الشرط الثاني: ألا يكون زينةً في ذاته ألا تلفت المرأة الأنظار إلى ثوبها بألوانه الفاقعة التي تلفت الأنظار، وتجذب الأنظار، فلا ينبغي أن يكون الثوب في حد ذاته زينة، لا ينبغي أن يكون معطراً حتى يلفت إليه الأنظار كما سنرى؛ لأن هذا شرطٌ مستقلٌ من شروط الحجاب الشرعي.

стр. 983

الشرط الثالث: ألا يكون شفافاً بل يجب أن يكون الثوب صفيقاً -أي: سميكاً- حتى لا يشد بدن المرأة أو ما تحته، ومن النساء من تلبس ثوباً صفيقاً -أي سميكاً- وتأتي على مكانٍ بمحاذاة الصدر، أو على الذراعين، وتلبس ثوباً شفافاً يظهر ما تحته، وهذه هي قمة الفتنة. والرسول ﷺ قال في الحديث الذي رواه مسلم من حديث أبي هريرة: (صنفان من أهل النار لم أرهما -وذكر منهما ﵊ ونساءٌ كاسياتٌ عاريات) وهذا وجهٌ من أوجه التفسير لهذا الحديث؛ أن تلبس المرأة ثوباً شفافاً يُظهر ما تحته.

стр. 984

الشرط الرابع: ألا يكون ضيقاً لأن الثوب الضيق يكون من أعظم الفتن، ومن أعظم سهام الشهوات؛ لأن الثوب الضيق وإن كان صفيقاً وسميكاً لا يشد فإنه يبين حجم عظام المرأة، وهذه من قمم الفتن التي ترسل بها النساء -اللائي يلبسن مثل هذه الثياب الضيقة- إلى قلوب الشباب والرجال، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 985

الشرط الخامس: ألا يكون معطراً أيضاً من الشروط -وهذا بإيجازٍ أيها الأحباب- ألا يكون الثوب مبخراً أو معطراً أو مطيباً، وهذا بالطبيعة هو الثوب الذي تخرج به المرأة إلى الشارع، أما الإسلام فيأمرها بأن تتعطر وتتطيب وتتزين لزوجها في داخل بيتها، وإن همت بالخروج فلا يجب أن يكون الثوب معطراً؛ لأن العطر من ألطف وسائل المخابرة بين الرجل والمرأة كما أوضحت قبل ذلك آنفاً، وفي الحديث الذي رواه مسلم أنه ﷺ قال: (إذا خرجت إحداكن إلى المسجد فلا تقربن طيباً) فما ظنكم إذا خرجت إلى الأسواق والشوارع والطرقات!! والحديث الذي رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح من حديث أبي موسى الأشعري، أنه ﷺ قال: (أيما امرأة استعطرت فخرجت فمرت على قومٍ ليجدوا ريحها فهي كذا وكذا -أي: زانية- وكل عينٍ زانية -أي: وكل عينٍ تنظر إليها بشهوة فهي زانية-) وأسلفنا أن العينين تزنيان وزناهما النظر.

стр. 986

الشرط السادس: ألا يكون ثوب شهرة أيضاً من شروط الحجاب الشرعي: ألا يكون ثوب المرأة لباس شهرة، كأن تلبس المرأة ثياباً غاليةً في الثمن، ليشار إلى ثوبها بالبنان، ويقال: إن فلانة بنت فلان تلبس من الثياب ما قيمته كذا وكذا، هذا ثوب شهرة، والنبي ﵊ يقول في الحديث الذي حسنه شيخنا الألباني، وحسنه الإمام المنذري في الترغيب والترهيب، أنه ﷺ قال: (من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة، ثم ألهب عليه ناراً) ولا يشترط بالضرورة أن يكون ثوب الشهرة غالياً، وإنما من الممكن أن يكون ثوب الشهرة رخيصاً جداً، يلبسه الرجل ليظهر التواضع، وليظهر المسكنة، وليظهر الذلة، وهذا من ثوب الشهرة أيضاً.

стр. 987

الشرط السابع: ألا يشبه ثياب الرجال كذلك من شروط الحجاب الشرعي: ألا يشبه ثياب الرجل، وألا تتشبه المرأة في لباسها أو صوتها، أو حتى في مشيتها بالرجال، والرسول ﷺ يقول والحديث رواه البخاري: (لعن الرسول ﷺ المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء) هذا ملعونٌ على لسان رسول الله، وهذه ملعونةٌ على لسان رسول الله ﷺ ، وحديث ابن عباس: (لعن النبي ﷺ المرأة تلبس لبسة الرجل، والرجل يلبس لبسة المرأة) (ولعن النبي ﷺ : المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء) أي: المرأة التي تريد أن تظهر كالرجل، بل وهي تسعد إن أشير إليها بذلك، هذه ملعونة على لسان النبي ﷺ . أما الرجل الذي يتشبه بالمرأة فرجلٌ مخنث، يتكسر في مشيته، ويتغنج في لفظه، ويلبس من الثياب ما لا يليق أن يلبسه، ولا تلبسه إلا المرأة، هذا ملعونٌ على لسان رسول الله ﷺ .

стр. 988

الشرط الثامن: ألا يشبه ثياب الكافرات الشرط الأخير أيها الأحباب: ألا يشبه ثوب المرأة لباس الكافرات، وهذه من النكسات النفسية التي أصبنا بها، حتى أصبحت المسلمة تقلد الكافرة في كل شيء، حتى في قصة شعرها، وهذه من الهزيمة النفسية التي أصابت قلوب كثيرٍ من النساء. يجب على المسلمة ألا تقلد الكافرة في شيءٍ أبداً، وفي جزءٍ من الحديث الصحيح أنه ﷺ قال: (ومن تشبه بقومٍ فهو منهم) إلخ، حسنه شيخنا الألباني، وحسنه الحافظ ابن حجر في الفتح، وصححه الحافظ العراقي. هذه بعض الشروط بإيجازٍ أيها الأحباب.

стр. 989

شبهات والرد عليها يبقى بعض الشبهات والرد عليها في كلمتين اثنتين وهي: الحديث الذي يستدل به بعض العلماء الذين يقولون بجواز كشف الوجه، ونحن نحسن الظن بهم ولا نتهمهم والعياذ بالله، فنحن نحب شيوخنا وعلماءنا، ولكن الحق أحب إلينا منهم، يستدلون بحديث أسماء الذي رواه أبو داود والبيهقي من حديث خالد بن دريك، عن عائشة ﵂ قالت: (دخلت أسماء على رسول الله ﷺ وعليها ثيابٌ رقاق -أو رقيقة- فأعرض عنها النبي ﵊، وقال يا أسماء: إن المرأة إذا بلغت المحيض لا يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا، وأشار النبي ﵊ إلى وجهه وكفيه) هذا الحديث كما هو معروف لكل طالب علم مبتدئ في علم الحديث لا يصلح بحالٍ للمتابعات والشواهد، ولا يحتج به أبداً؛ لأن به ثلاث علل من علل الحديث القادحة: العلة الأولى: أنه حديثٌ مرسل من طريق خالد بن دريك عن عائشة؛ لأن خالد بن دريك لم يدرك عائشة ﵂، وخالد من أتباع التابعين، ومعلومٌ لكل علماء الحديث أنه لا يحتج بالحديث المرسل، بل ومنهم من قال: لا يحتج إلا بحديث مرسل عن كبار التابعين فقط، كـ سعيد بن المسيب وغيره، وخالد من أتباع التابعين. العلة الثانية: فيه سعيد بن بشير الأزدي وهو ضعيفٌ كما ضعفه الحافظ الذهبي وضعفه الحافظ ابن حجر، ومن رجال هذا الحديث أيضاً قتادة وهو مدلس، فبالله عليكم! حديث انقطع فيه السند، مرسلٌ ضعيفٌ، وفيه ضعفٌ في رواته، وفيه تدليس، فعند كل طالب علم مبتدئ يعلم علم اليقين أن هذا الحديث لا يحتج به، ولا يصلح أبداً للمتابعات والشواهد. كنتُ أود أن أفند معظم الشبه الباقية، ولكن إن في هذا كفاية، وإن هذا لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ورحم الله من قال نداءً إلى المسلمة الطاهرة: فلا تبالي بما يلقون من شبهٍ وعندك العقل إن تدعيه يستجب سليه: من أنا؟ ما أهلي؟ لمن نسبي؟ من غرب أم أنا للإسلام والعرب؟ ِ لمن ولائي لمن حبي لمن عملي لله أم لدعاة الإثم والكذبِ؟ فيا أيها الأحباب ويا أيتها الأخوات: أسأل الله جل وعلا أن يرزقنا وإياكم الصواب، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، إنه ولي ذلك ومولاه. ومعذرةً لكم؛ لأنَّا قد أطلنا عليكم اليوم كثيراً، أسأل الله جل وعلا أن يجعل هذا الوقت في ميزان حسناتكم، وميزان أعمالكم في يومٍ لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلبٍ سليم. وأسأل الله جل وعلا أن يطهرنا وإياكم، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، اللهم بارك في حكام المسلمين، وفي نساء المسلمين، وفي شباب المسلمين، اللهم هيئ لهذه الأمة أمر رشدٍ، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، أنت ولي ذلك ومولاه. هذا وأكثروا من الصلاة والسلام على نبينا وحبيبنا محمد كما أمركم الله جل وعلا بذلك في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه. هذا وما كان من توفيقٍ فمن الله وحده، وما كان من خطأٍ أو سهوٍ أو زللٍ أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.

стр. 990

الخلوة والاختلاط جاء دين الإسلام بحفظ ضروريات خمس لا تقوم المجتمعات إلا بحفظها، ومن هذه الضروريات: حفظ الأعراض؛ ولأجل ذلك سن الدين الحنيف للمسلمين الزواج؛ حتى لا تختلط الأنساب، ومنع الفاحشة بعد أن وضع لها البديل، ثم لما حرم الفاحشة حرم مقدماتها، ومن مقدماتها: الخلوة والاختلاط.

стр. 991

ضمانات وقائية من الوقوع في الفاحشة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فمرحباً بكم -أحبتي في الله- وأسأل الله جل وعلا بدايةً أن يتقبل منا وإياكم صالح الأعمال، وأن يجعلنا وإياكم من المقبولين، وأن يجعل شهر رمضان شاهداً لنا لا علينا، وأن يجعلنا من عتقائه من النار بمنه وكرمه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أيها الأحبة: لقد توقفنا في شهر رمضان مع فضائل هذا الشهر العظيم، فتعالوا بنا لنواصل حديثنا مرة أخرى ألا وهو: دروسٌ من سورة النور، فنحن اليوم على موعدٍ مع الدرس السادس من دروس سورة الستر والعفاف سورة النور، وما زال حديثنا بفضل الله جل وعلا عن الضمانات الوقائية التي وضعها الإسلام سياجاً حامياً وواقياً لأفراده من الوقوع في الفاحشة الكبرى -والعياذ بالله- ولقد جمعنا هذه الضمانات الوقائية في عدة ضمانات: أولاً: تحريم النظر إلى المحرمات. ثانياً: تحريم التبرج وفرض الحجاب على المرأة المسلمة. ثالثاً: تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية والاختلاط المستهتر. رابعاً: تحريم الغناء الخليع الماجن. خامساً: الحض على الزواج لمن استطاع إلى ذلك سبيلاً، والحض على الصوم لمن لا يستطيع، والحض على عدم المغالاة في المهور. ونحن اليوم بفضل الله جل وعلا على موعدٍ مع الضمان الثالث من هذه الضمانات ألا وهو: تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية والاختلاط المستهتر، فأعيروني القلوب والأسماع -أحبتي في الله- ونسأل الله بدايةً أن يرزقنا التوفيق والصواب، إنه ولي ذلك ومولاه. أيها الأحبة: إن الإسلام منهج حياةٍ متكامل لا يقوم على العقوبة ابتداءً، وإنما يقوم على توفير الأسباب للحياة النظيفة الطاهرة، ثم يعاقب بعد ذلك من ترك هذه الأسباب الميسرة، وذهب ليتمرغ في الوحل والطين والتراب طائعاً مختاراً غير مضطر. إن الإسلام يهدف إلى إقامة مجتمع طاهرٍ نظيف لا تستثار فيه الدوافع والشهوات الكامنة؛ لذا فقد وضع مثل هذه الضمانات والضوابط والقيود. إن الإسلام العظيم إنما هو تشريع الذي يعلم من خلق: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّه﴾ [البقرة:١٤٠] ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] إنه دين الله جل وعلا، وشرع النبي ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، بأبي هو وأمي ﵊.

стр. 992

تحريم الخلوة والاختلاط أيها الأحبة في الله: ومن أعظم الضمانات الوقائية التي وضعها الإسلام سياجاً واقياً للمرأة المسلمة أولاً، ولأفراد المجتمع الإسلامي ثانياً أن حرم الخلوة بين المرأة الأجنبية والرجل الأجنبي، وأن حرم الاختلاط المستهتر بين الرجال والنساء، لماذا؟ لأن الميل الفطري بين الرجل والمرأة ميلٌ عميق في التكوين النفسي والحيوي؛ لأن الله قد أناط به امتداد الحياة على ظهر هذه الأرض، لذا فهو ميلٌ دائمٌ لا ينقطع ولا ينتهي، والمرأة بطبيعتها فطرت على الأنوثة والجمال وحب الزينة؛ ليتم الانسجام بينها وبين شريك حياتها كما أراد الله، والإسلام لم يتنكر لتلك الفطرة التي فطرت عليها المرأة، ولم يعاكسها الإسلام في أنوثتها، وحبها للزينة والجمال، ولكن الإسلام أحاطها بسياجٍ من الوقاية لا كما يقول زعماء وعبيد المدنية السوداء: بأنكم تخافون على نسائكم أكثر من خوف الغرب الملحد والكافر على نسائه، نقول: ليس كذلك يا دعاة الغربية والمدنية! تحت ستار التحرر والتطور الأسود، وإنما لأن امرأتنا في الإسلام درةٌ مصونة، ولؤلؤة مكنونة، لا يريد الإسلام لها أن تعبث بها الأيدي الآثمة، ولا أن تمتد إليها النظرات السانية، إنما هي أمنا وأختنا وبنتنا وزوجتنا، فهي في غاية من الصون والحفظ والعفاف. الإسلام ما أحاط المسلمة بهذه الضمانات إلا حماية لها، وحرصاً عليها، وحفظاً لها ابتداءً، ولأفراد مجتمعها المسلم الذي تعيش فيه انتهاءً. فالخلوة محرمة بين الرجال والنساء، والاختلاط محرم في دين الله جل وعلا، ونظراً لأن هذا الموضوع طويل -أيها الأحبة- فسوف أركز فيه الحديث في عدة عناصر: أولاً: خطورة الخلوة بالمرأة الأجنبية والأدلة على تحريمها. ثانياً: صورٌ من الخلوة المحرمة شرعاً. ثالثاً: مأساة من الواقع، وعظة من القرآن. رابعاً: خطورة الاختلاط والأدلة على تحريمه. خامساً: صورٌ من الاختلاط المحرم شرعاً. سادساً: مأساة من الواقع، وصورة مشرقة من القرآن. سابعاً: فهل من مدكر؟ فأعيروني القلوب والأسماع أحبتي في الله!

стр. 993

خطورة الخلوة بالمرأة الأجنبية والأدلة على تحريمها الخلوة هي: أن ينفرد الرجل بامرأة أجنبية عنه في غيبة عن أعين الناس، هذه خلوة محرمة في دين الله، ولو كانت بين أصلح الرجال وأتقى النساء فهي حرام في دين الله جل وعلا. والأدلة على تحريمها من شرع رسول الله ﷺ كثيرة، من هذه الأدلة -أيها الأحبة- حديث النبي ﷺ الذي رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس ﵄، قال ﵊: (لا يخلون رجلٌ بامرأة إلا مع ذي محرم) وفي رواية أخرى في البخاري ومسلم من حديث ابن عباس أيضاً ﵄: أنه ﷺ قال: (لا يخلون أحدكم بامرأة ليس معها ذو محرم، فقام رجلٌ فقال: يا رسول الله! إن امرأتي خرجت حاجّة -خرجت تحج بيت الله الحرام- وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا) أتدرون ماذا قال له النبي ﷺ ؟ قال: (ارجع فحج مع امرأتك) هل تفلسف هذا الرجل وقال: لا يا رسول الله! كيف أدع الجهاد في سبيل الله وأذهب لمرافقة زوجتي؟ أنا أثق في أخلاقها يا رسول الله! أنا لا أشك في تربيتها يا رسول الله! كيف تأمرني بهذا وهي بنت بيت التقى والورع والدين والالتزام، لا، إن المرأة هي المرأة وإن الرجل هو الرجل، والمرأة تضعف أمام شهوتها وغريزتها ولو كانت ذات شرفٍ ومنصبٍ وجمال إلا لمن عصم الكبير المتعال جل وعلا. فرجع الرجل فحج مع امرأته بأمر رسول الله ﷺ . هذه هي مكانتك عندنا أيتها الأخت الكريمة الفاضلة، هذه هي مكانتك أيتها المسلمة الكريمة، أنت درتنا المصونة، أنت لؤلؤتنا المكنونة التي حرص الإسلام على ألا تمتد إليك الأيدي العابثة، ولا أن تلوثك النظرات الآثمة، لا والله، بل أنت مكرمةٌ في دين الله وعزيزة في شرع رسول الله ﷺ . وفي الحديث -أيها الأحباب- الذي رواه الإمام أحمد في مسنده، والإمام الترمذي في سننه وقال: حديث حسنٌ صحيح، ورواه الإمام الحاكم في المستدرك، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأقره الإمام الذهبي من حديث عامر بن ربيعة ﵁: أنه ﷺ قال: (لا يخلون رجلٌ بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان) هذا كلام الصادق المصدوق، الذي لا ينطق عن الهوى. أسمعت أيها الحبيب الكريم؟ أسمعتِ أيتها الأخت الكريمة الفاضلة؟: (لا يخلون رجلٌ بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان) لا تقل: أنا أثق في أخلاق المرأة، ولا تقل: أنا أثق في تربيتها، ولا تقل: أنا أثق في أخلاق الرجل، وأثق في ورعه وزهده وتقواه، المرأة امرأة، والرجل هو الرجل: (لا يخلون رجلٌ بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان) بشهادة من لا ينطق عن الهوى ﷺ . وفي رواية الإمام أحمد من حديث جابر بن عبد الله ﵄، أنه ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأةٍ ليس معها ذو محرم، فإن ثالثهما الشيطان) هذا كلام المصطفى ﷺ ، إن الشيطان ثالثهما وشريكٌ في هذا اللقاء، فيزين المرأة للرجل ولو كانت دميمة، وسيزين الرجل للمرأة ولو كان قبيحاً، وكثيراً ما نرى من الجرائم والحوادث التي ينخلع لها القلب. إننا نرى رجلاً قد ارتكب معصية الزنا مع امرأةٍ وهو متزوج، ولو نظرت إلى زوجته لرأيت أن الله قد أعطاه امرأةً حسناء جميلة، على خلقٍ ودين، وذهب إلى امرأةٍ قبيحة دميمة ليفعل بها الفاحشة، ما هذا؟! إن الشيطان قد زينها له، وزينه لها، كما قال النبي ﵊ في الحديث الذي رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب. قال ﷺ : (إذا خرجت المرأة من بيتها استشرفها الشيطان) ما معنى استشرفها؟ علاها، أي: علا الشيطان المرأة، إنها جنديٌ من جنود إبليس إذا خرجت على غير شرع الله وعلى غير الضوابط التي وضعها رسول الله ﷺ ، إذا خرجت استشرفها الشيطان، فيزينها في قلوب الرجال، ويزين الرجال في قلبها، وربما تكون المرأة تقية نقية طاهرة وخرجت لحاجة من حوائجها الضرورية دينية كانت أو دنيوية، إلا أن الشيطان لا يدعها وإنما يزينها للرجال -ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم- فما ظنك بعد ذلك بامرأة متبرجة متعطرة متزينة متكسرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! ولذا أيها الأحباب: حذر النبي ﷺ ، تحذيراً صريحاً واضحاً كما في حديث البخاري ومسلم من حديث عقبة بن عامر ﵁ قال: قال ﵊: (إياكم والدخول على النساء -تحذير شديد اللهجة- فقام رجلٌ من الأنصار فقال: يا رسول الله! أفرأيت الحمو؟ فقال ﵊: الحمو الموت) وزاد مسلم قال الليث: الحمو: أخو الزوج وأقارب الزوجة من غير المحارم، إذا دخل أخوك على زوجتك وخلا بها فهي خلوةٌ محرمة في دين الله. سترى كثيراً من الناس يعجبون لهذا الكلام، ويقول: ما هذا التنطع والتطرف يا شيخ؟! إنه أخي يدخل على أولادي ماذا في هذا؟! ما هذا التطرف الذي أنتم فيه؟! ما هذا الدين الجديد الذي جئتمونا به؟! هل أخي لا يدخل على زوجتي في غيبتي؟! نقول: نعم، لا يدخل عليها، إنه كلام رسول الله ﷺ ، دين الله -يا عبد الله- هل أنت أعلم بالناس من الله؟ هل أنت أعلم بطبائع البشر ممن لا ينطق عن الهوى، من الصادق المصدوق ﷺ ، الحمو هو: أخوك وأقاربك، وأقارب الزوجة من غير المحارم لا يدخلون على الزوجة في غيبتك، وإلا فالموت والهلاك والدمار بموعود رسول الله ﷺ : (يا رسول الله: أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت) الهلاك في ذلك، وربما لا تقع المعصية من أول مرة، والشيطان له خطوات: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة:٢٠٨] وله مداخل -يا عباد الله- لا تقل: أنا أثق فيها، إنها امرأة يا عبد الله! وإنه رجلٌ يا عبد الله! هل يقرب (البارود) من النار ونقول: إننا قد وضعنا تحذيراً شديداً للنار ألا تشتعل في (البارود)؟! إنه خداعٌ في خداع، لا يدخل أخوك على زوجتك في غيبتك.

стр. 994

مأساة من الواقع إن ما سبق يجرنا للحديث عن العنصر الثاني ألا وهو: مأساة من الواقع، وهذه طالعتنا به جرائدنا السوداء التي راحت هي الأخرى تنم عن نفسها بمنتهى الصراحة والوضوح كوضوح الشمس في رابعة النهار، طالعتنا الجرائد بمأساة وسوف ألخصها بقدر ما يسمح به الحياء والمقام، وتتلخص هذه المأساة في قصة امرأة غاب عنها زوجها وترك لها من وسائل الإفساد والفساد ما الله به عليم؛ ترك لها التلفاز ذلك الصنم الأكبر، ذلك الشيطان الذي جثم على الصدور في البيوت والقلوب، ودخل عقر دور المسلمين برغبتهم -ولا حول ولا قوة إلا بالله- يبث الرذيلة بثاً، ويدمر الأخلاق تدميراً على مرأى ومسمعٍ منا، وكان لبناتها غرفة خاصةٌ بهن، أودعت بداخلها التلفاز والفيديو -احذر أيها المسلم! احذري أيتها المسلمة- تركت لبناتها في غرفتهن التلفاز والفيديو، وبعد مرور الزمان ومضي الأيام دخلت البنات بشريطٍ جنسيٍ -والعياذ بالله- ليشاهدنه في غرفتهن الخاصة، وأصبح الأمر عادياً لدى البنات بعد ذلك، والأب مشغول، والأم مشغولة لا تدري عن حال بناتها شيئاً، ولا يعلم الأب عن حال بناته شيئاً، إنه مشغولٌ بهذا أو ذاك، ودخل عم البنات يوماً عليهن، وكان يدخل كعادته بغير ضوابط وبدون قيود وشروط، أمر عادي، إنه عم البنات، إنه أخو الزوج، فما في ذلك؟ ما هذا التنطع والتشدد؟ دخل العم كعادته فما الذي جرى؟ دخل إلى غرفة البنات وهو لا يعلم شيئاً، وبتلقائية طبيعية وضع يده على زر جهاز الفيديو اللعين ليشغل الجهاز ليقضي الوقت حتى ترجع البنات، وإذ به يرى الفاجعة الكبرى، يرى الشريط الذي نسي في هذا الجهاز، ويضعف هذا الرجل أمام هذه المناظر التي تحول العباد الزهاد إلى فساق فجار، يضعف ويجلس ليرى، وتدخل عليه زوجة أخيه بكأس من الشاي قد أعدته له، فترى المرأة ما يحول التقيات الطاهرات إلى فاسقات ماجنات، وباختصار بقدر ما يسمح به الحياء والمقام أوقع الشيطان بينهما فزنى بها. والمؤلم في هذه المأساة -يا عباد الله- أن المرأة تقول: إن الأمر أصبح عادياً، بعد ذلك كثرت هذه الكبيرة وهذه المعصية، والذي يزعجها على حد قولها: أنها أرسلت رسالة إلى أهل الفتوى من العلماء والدعاة تقول: إن ما يزعجني في هذه الأيام أنني حاملٌ من أخي الزوج، فماذا أصنع؟! إنا لله وإنا إليه راجعون! هذه ثمرة حنظلٍ مرّة من ثمرات البعد عن كتاب الله وهدي رسول الله ﷺ ، يوم أن عاند الناس شرع ربهم ونبيهم، هذه هي الثمار -يا عباد الله- هذه هي الثمرات المرة التي نجنيها من وراء عنادنا لشرع الله وشرع رسول الله ﷺ ، والرسول حذرك تحذيراً صريحاً، وقال: (الحمو الموت) فأبيت إلا أن تعاند أمر رسول الله ﷺ وقلت: أنا أثق في أخلاق زوجتي ولا أشك في تربيتها، وأثق في أخلاق أخي ولا أشك في تربيته، هذا -يا عبد الله- لا ننكره، ولكن المرأة تضعف أمام شهوتها، وكذلك الرجل، إلا من عصم الله جل وعلا، وإلا من رحم الله جل وعلا.

стр. 995

صور من الخلوة المحرمة شرعاً العنصر الثالث من عناصر هذا اللقاء هو: صور من الخلوة المحرمة شرعاً: لأن كثيراً من الناس قد وقع في الحرام وهو لا يدري، فمن صور الخلوة المحرمة: أن تفتح المرأة بيتها لأصدقاء زوجها، وأقاربها من غير المحارم، وأقارب الزوج من غير المحارم، تفتح البيت في غياب الزوج تقول: تفضل استرح وتعطيه فنجاناً من القهوة أو من الشاي حتى يعود زوجي، وحتى يعود صديقك، فيدخل الرجل ويخلو بها وتخلو به، وقد لا تقع المصيبة أول مرة؛ لأن الشيطان يسير على خطوات كما قال رب الأرض والسماوات، هذه خلوةٌ محرمة في دين الله . ثانياً: من صور الخلوة المحرمة: أن يخلو السائق بالمرأة في السيارة في غيبة عن أعين الناس، وهذا مما ابتلي به كثيرٌ من المسلمين -ولا حول ولا قوة إلا بالله- وربما كان السائق شاباً وسيماً جميلاً يخلو بالمرأة في سيارةٍ واحدة في غيبة في بعض الطريق عن أعين الناس، ولا يعلم طبيعة الحوار الذي يدور في السيارة إلا الذي يسمع ويرى، خلوة محرمة في دين الله. ثالثاً: من صور الخلوة المحرمة: أن يخلو الخطيب بمخطوبته بحجة أن يتعرف كل منهما على أخلاق الآخر، وخاب الجميع وخسروا، وبعد ذلك نندم يوم لا ينفع الندم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! رابعاً: من مظاهر وصور الخلوة المحرمة: أن تذهب المرأة وحدها بغير محرم إلى الطبيب، فيخلو الطبيب بها بحكم عمله، ويكشف عن مواطن حساسة في جسدها بحكم وظيفته، وهي خلوة محرمة في دين الله، أسمعت يا عبد الله؟! أسمعت يا أمة الله؟! خلوة محرمة في دين الله جل وعلا، إن اضطرت المرأة إلى الطبيب حينما عجزت عن عدم وجود الطبيبة المسلمة فيجوز لها أن تذهب إلى الطبيب مع محرمٍ من محارمها، لا تذهب وحدها ويخلو بها الطبيب وتخلو بالطبيب، وهذه خلوة محظورة شرعاً في دين الله جل وعلا. خامساً: من أخطر مظاهر وصور الخلوة المحرمة في دين الله : أن يخلو الخادم في البيت بالمرأة وحدها، وأن يخلو الرجل في البيت بالخادمة وحدها، وكم وقع من المآسي والمصائب بسبب ذلك، أن يخلو الخادم بالمرأة، يخرج الرجل إلى عمله أو إلى شأنٍ من شئونه، ويترك الخادم في البيت طوال الساعات، وربما يكون الخادم شاباً وسيماً جميلاً، وربما يكون الزوج مسناً أو كبيراً أو دميماً أو مخاصماً لزوجته أو هاجراً لفراش زوجته، فتقع المصيبة -يا عبد الله- لأن الكلفة ترفع على مدى الأيام والزمان، هي تناديه وتأمره وتنهاه وهو يجيب بحكم طبيعة عمله، ولكن المرأة امرأة، والرجل هو الرجل، والرسول أخبر بأنه: (ما خلا رجلٌ بامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما) وقد تقع المصيبة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!

стр. 996

عظة من القرآن أليست لنا في القرآن عظة وعبرة؟ ألم يحكِ القرآن قصة امرأة شريفة عزيزة وجيهةٍ غنية جميلة مع يوسف ﵇؟ انتبهوا -يا عباد الله- ألم يقص القرآن علينا قصة امرأة عزيز مصر مع خادمٍ لها في البيت؟ هي من هي؟ هي في غاية الشرف والجمال والمال والجاه والسلطان، وهو من هو؟ هو عبدٌ لها وخادمٌ عندها في بيتها، ليس خادماً فحسب بل هو عبدٌ لها في بيتها يعيش معها في بيتٍ واحد، وتحت سقف واحد، ما الذي جرى؟ هكذا بإيجازٍ شديد وبدون مقدمات كما قال الله سبحانه: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف:٢٣] هكذا بوضوح وبصراحة وبمنتهى المراودة المكشوفة الجاهرة: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف:٢٣] نعم، تقول لمن؟ لشابٍ في كامل فتوته وقوته وجماله وشبابه معها تحت سقف واحد، بل وأُغلق عليهما بابٌ واحد، ولكن يوسف كان قلبه موصولاً بالله جل وعلا: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف:٢٣] أنى للقلوب الموصولة بالله أن يؤثر عليها الشيطان، ألم يقل: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص:٨٢ - ٨٣]؟ ولقد حكم الله ليوسف أنه من عباده المخلصين: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤] الذين لا تأثير ولا سلطان للشيطان عليهم، ولكن المرأة العنيدة التي ضعفت أمام شهوتها وأمام غريزتها لعبدٍ من عبيدها ولخادمٍ من خدامها تنتصر لكبريائها الذي وضعه يوسف في الوحل والطين والتراب، وينتشر الخبر ويسري كسريان النار في الهشيم: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف:٣٠ - ٣١] وكأن هذا الإعلان السافر من هؤلاء النسوة قد دفع المرأة دفعاً لأن تعترف اعترافاً صريحاً وأن تنتصر لكبريائها وشهوتها انتصاراً متبجحاً قالت: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلِيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف:٣٢] وهنا لم يغتر يوسف بعصمته، وإنما اعترف بعجز وضعف بشريته ولجأ إلى الله الحفيظ العليم جل وعلا: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف:٣٣] لم تعد الدعوة من امرأة العزيز وحدها بل أصبحت الدعوة منهن جميعاً: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ [يوسف:٣٣] لم يقل: كيدها بل (كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف:٣٣] فماذا كانت النتيجة؟: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف:٣٤]. الذي يسمع ويرى ويعلم القلوب التقية النقية من القلوب الكاذبة المنافقة إنه هو السميع العليم . هذا نموذجٌ وعظة من كتاب الله الذي نقرءوه في الليل والنهار، ولكن أصبح القرآن كتاب ثقافة للتسلية وللمتعة، يجلس الرجل ليقرأ القرآن ولا هم للناس إلا أن يقولوا: هذا صوته جميل، وذاك صوته حسن، وهذا صوته غير طيب، ويؤمر وينهى ولا سمع ولا طاعة للأمر، ولا اجتناب للنهي؛ لأن القرآن حول إلى علب القطيفة وإلى البراويز الذهبية والفضية، وحول إلى حلي تحلي به النساء صدورهن، يقرأ على الأموات في القبور، والله جل وعلا يقول: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس:٧٠] وصدق الله جل وعلا إذ يقول: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ [الفرقان:٣٠]. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 997

خطورة الاختلاط والأدلة على تحريمه الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأحبابه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الأحبة: العنصر الرابع هو: خطورة الاختلاط، والأدلة على تحريمه. والاختلاط أيها الأحباب: هو اختلاط الرجال بالنساء من غير المحارم بلا شك في مكانٍ واحدٍ بدون حجبٍ ولا حواجز، ووالله إن الاختلاط حتى في أماكن العبادة حتى في بيت الله الحرام خطر جسيم وشرٌ عظيم، ولقد قال الله سبحانه: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) [الأحزاب:٥٣] ولكننا نرى النساء يدافعن ويزاحمن الرجال حتى حول بيت الله الحرام بصورة يندى لها الجبين ويقشعر لها البدن أسفاً وحزناً، ترى النساء بصورة متبجحة -إلا من رحم الله جل وعلا- وهن كثرة ولله الحمد والمنة، إن الخير لا ينقطع في هذه الأمة أبداً إلى قيام الساعة، فإننا نرى نساءً على قمة الحياء والالتزام والورع والدين -نسأل الله أن يكثر من أمثالهن، وأن يزيدهن حياءً وشرفاً وعفة. الاختلاط أما تعلمون أن الرسول ﷺ قد خصص باباً في مسجده للنساء حتى لا يختلط النساء بالرجال، قال نافع: [لما خصص النبي ﷺ باب النساء قال عبد الله بن عمر: والله لن أدخل منه أبداً. فما دخل منه عبد الله حتى توفاه الله ] وهو بابٌ معروف الآن في مسجد الرسول ﷺ بباب النساء إلى جوار باب جبريل ﵇، وكان ﷺ يأمر الرجال أن يتأخروا ولا ينصرفوا بعد السلام حتى ينصرف النساء، حتى لا يختلط الرجال بالنساء في موطن العبادة والصلاة، وقال ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم من حديث أبي هريرة: (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها) حتى لا يقترب الرجال من النساء ولا يقترب النساء من الرجال، وكانت المرأة في هذا العهد النبوي المبارك تستحي من الرجال، لا تدافع الرجال ولا تزاحمهم في المساجد والطرقات، وإنما كانت تطوف حول بيت الله بعيدةً عن مدافعة الرجال، ولما جاءت امرأة -والحديث في صحيح البخاري - إلى عائشة ﵂، قالت: [قومي بنا، انطلقي نستلم يا أم المؤمنين! فقالت: انطلقي إليك عني] وأبت ﵂ أن تقوم لتطوف مع هذه المرأة خشيت أن تدافع الرجال أو أن تزاحمهم، وروى الإمام الشافعي في مسنده: جاءت امرأة إلى أم المؤمنين عائشة ﵂، فقالت: [يا أم المؤمنين! لقد طفت بالبيت سبعاً واستلمت الركن مرتين أو ثلاثاً -أي: قبلت الحجر مرتين أو ثلاثاً أتدرون ماذا قالت عائشة -؟ قالت لها: لا آجرك الله تدافعين الرجال ألا كبرتِ ومررتِ؟ ألا كبرتِ ومررتِ تدافعين الرجال عند الحجر] وهذا ما نراه -ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم- بل والله ترى المرأة بغير خجل ولا حياء تقف أمام عينيك وبين يديك لتركع وتسجد بثيابٍ لا يعلم حالها إلا الله، إنا لله وإنا إليه راجعون! إن الحياء هو شرف المرأة ورأس مالها وعظيم بضاعتها: (الحياء والإيمان مقرونان إذا رفع أحدهما رفع الآخر). يا عباد الله! الرسول ﷺ يقول: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت) إن الحياء خصلة عظيمة من صفات المرأة المسلمة النقية المؤمنة التقية، فنسأل الله أن يرزق نساءنا الحياء، وأن يرزقنا الحياء والتقى إنه ولي ذلك ومولاه. أيها الأحبة: لقد قالت كاتبة إنجليزية هي إلذي كوك هذه المرأة تقول: "إن الاختلاط بين الرجال والنساء شيءٌ يألفه الرجال، وعلى قدر كثرة الاختلاط تكون كثرة أولاد الزنا". امرأة أجنبية كافرة تقول هذا الكلام؟! والحمد لله أثبتت الدراسات والإحصائيات كذب وافتراء ما كان يدعيه عبيد المدنية الغربية وعبيد التطور والتحرر تحت ستار المدنية الأسود، أثبتت الدارسات والإحصائيات عكس ما يقولون، كانوا يقولون: إن الاختلاط يهذب غريزة الرجل، إن الاختلاط يخفف من الكف الجنسي بين الرجل والمرأة، فعلامَ هذا الغلو والتطرف؟ أثبتت الإحصائيات والدراسات عكس ذلك، وتعد هذه الدراسات بمثابة الصفعة على وجوه هؤلاء؛ لأن الرجل مع المرأة بارودٌ إلى جوار النار، لا بد وأن يشتعل حتماً وإن تأخر، وقد أثبتت الدراسات بأن الجرائم تنتشر بكثرة، ولا أريد أن أعكر الصفو بأكثر من هذا، فوالله كنت قد أعددت قصتين تخلعان القلوب من الصدور، ولكن يكفي هذا، والأمر واضحٌ لكل المسلمين والمسلمات. الإحصائيات بمثابة الصفعة على وجوه أدعياء الاختلاط مهلاً مهلاً يا دعاة المدنية والسفور!! مهلاً مهلاً يا دعاة الاختلاط!! ارجعوا واقرءوا الدراسات والإحصائيات لتعلموا أن كثرة الاختلاط كثرةٌ للجرائم والفواحش والزنا -والعياذ بالله- فإلى عبيد المدنية الغربية والمدنية الذين أطلقوا العنان لبناتهم ونسائهم فخالطن الرجال وخلون بالرجال. اتقوا الله يا عباد الله! واعلموا بأنكم موقوفون بين يدي الله جل وعلا: (كلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته) وستسأل بين يدي الله جل وعلا عن هذه البنت وعن هذه الزوجة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].

стр. 998

خامساً: صور من الاختلاط المحرم من صور الاختلاط المحرم أيها الأحبة: أن يختلط الرجال بالنساء فيما يسمى بالجلسات العائلية، وتظهر المرأة فيها على أتم زينة ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! وهذا اختلاطٌ محرم في دين الله. أيضاً من صور الاختلاط: الاختلاط في دور التعليم، وأصبح الأمر واضحاً لكل مسلم بأن الجامعات أو معظم دور الدراسة والتعليم قد تحولت إلى سباقٍ علني واضح لأرقى الموديلات وأحدث الأزياء وأرقى العطور والبرفانات. ومن صور الاختلاط المحرم: الاختلاط في أماكن العمل، وهذا ما يغفل عنه كثيرٌ من الطيبين والطيبات، الإسلام لا يحرم عمل المرأة إذا اضطرت إلى ذلك وألجأتها الضرورة إليه، لكن بضوابط وشروط وقيود، ونحن في حاجة إلى أن تعمل المرأة في موطن الطب لتعالج النساء لا الرجال، وفي حاجة إلى معلمة مسلمة لتعلم البنات لا الأولاد والشبان، وهكذا -أيها الأحبة-. أكتفي بذلك القدر، وأسأل الله أن يتقبل منا ومنكم، وأن يجعلنا وإياكم ممن يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ، وأسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يتقبل منا وأن يرزقنا وإياكم الزهد والحياء والإخلاص والتقى والعفاف، اللهم احفظ بناتنا، اللهم احفظ نساءنا، اللهم جملهن بالحياء يا رب العالمين!

стр. 999

الشهوات والملذات إن فتنة الشهوات والشبهات لا تأتي إلا عن قلة العلم، واتباع الهوى، وكثرة المعاصي، وسيطرة الدنيا على القلوب، ومما يساعد على انتشار هذه الشبهات الفتاوى المضلة، وكذلك الأفكار المنحرفة والقول على الله بغير علم. والمخرج من هذه الفتنة وهذه الغربة في الدين هو بالاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .

стр. 1000

تفسير قوله تعالى: (واتبعوا الشهوات) الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو فلا خالق غيره، ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة، ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الواحد الذي لا ضد له، والصمد الذي لا منازع له، والغني الذي لا حاجة له، وجبار السماوات والأرض، فلا راد لحكمه، ولا معقب لقضائه وأمره، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا ومعلمنا وقدوتنا وقرة أعيننا محمد رسول الله، فصلى الله وسلم وبارك عليك يا سيدي يا رسول الله، صلاةً وسلاماً يليقان بمقامك يا أمير الأنبياء! ويا سيد المرسلين! وأشهد لك يا سيدي يا رسول الله، ويشهد معي الموحدون أنك قد أديت الأمانة، وبلغت الرسالة، ونصحت للأمة، وكشف الله بك الغمة، وعبدت ربك حتى لبيت داعيه، وجاهدت في سبيل ربك حتى أجبت مناديه، وعشت طوال أيامك ولياليك تمشي على شوك الأسى، وتخطو على جمر الكيد والعنت، تلتمس الطريق لهداية الضالين، وإرشاد الحائرين، حتى علَّمت الجاهل يا سيدي، وقومت المعوج، وأمَّنت الخائف، وطمأنت القلق، ونشرت أضواء الحق والخير والإيمان والتوحيد كما تنشر الشمس ضياءها في رابعة النهار، فصلى الله وسلم وبارك عليك يا سيدي يا رسول الله، وجزاك الله عنا خير ما جزى الله به نبياً عن أمته ورسولاً عن رسالته. أما بعد: فيا أيها الأحباب الكرام: تعالوا بنا لنواصل مسيرتنا المباركة في شرحنا لآيات من كتاب ربنا ، ومع اللقاء السابع والعشرين على التوالي، وما زلنا بفضل الله وطوله وحوله ومدده نطوف معكم في بستان سورة مريم، وكنا قد توقفنا في اللقاء الماضي عند قول الحق جل وعلا: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩] وانتهينا من شرح هذه الآية في شطرها الأول ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ﴾ [مريم:٥٩] ونحن اليوم على موعدٍ مع شطر الآية الثاني وهو قول الله : ﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩].

стр. 1001

أنواع الفتن وأسبابها الشهوات: جمع شهوة، ولقد عرفها ابن منظور في لسان العرب فقال: إن الشهوة ليست خاصة بشيء معين أو محدد، ولكنها في كل شيء من معاصي الله . الشهوات أيها الأحباب: من أعظم الفتن على الإنسان؛ لأن الفتنة نوعان كما يقول الإمام ابن القيم: ١/ فتنة الشبهات. ٢/ فتنة الشهوات. فأما فتنة الشبهات فتأتي من قلة العلم، ومن اتباع الهوى، ولقد حذر الله جل وعلا من اتباع الهوى؛ لأن اتباع الهوى يضل عن سبيل الله، فقال سبحانه: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص:٢٦]. وأما فتنة الشهوات فسببها كثرة المعاصي، وفسق الأعمال، وسيطرة الدنيا على القلوب، ولذا قال سلفنا الصالح: احذروا من الناس صنفين: صاحب هوى قد فتنه هواه، وصاحب دنيا قد أعمته دنياه، وأقول -ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم-: لقد ابتلانا الله جل وعلا في بلادنا، وفي أيامنا هذه، وفي زماننا هذا بهذين الصنفين، ابتلانا الله جل وعلا ابتلاءً شديداً بكثير من الناس الذين قد أعمتهم شهوات الدنيا، وشبهات الباطل، فراحوا يقولون في هذا الدين بغير علم، ويفترون على الله جل وعلا، ويعلنون العداء لهذا الدين، ويظهرون حقدهم الدفين على هذا الدين، ويشنون عليه الحرب الهوجاء باسم الدين، ولكن يأبى الله جل وعلا إلا أن يظهر حقدهم الدفين على هذا الإسلام، وعلى هذا الدين العظيم ونفاقهم المبين في زلات ألسنتهم، وعلى صفحات وجوههم، ليميز الله الخبيث من الطيب، وليعلم الموحدون العدو من الصديق. أيها الأحبة الكرام: لقد ابتلانا الله جل وعلا في هذه الأيام ابتلاءً شديداً بكثيرٍ من الناس الذين يقولون في ديننا بغير علم، ويقولون في ديننا بالهوى، فقد أعمت أعينهم نارُ الشبهات وظلماتُ الشهوات، فراحوا يفترون على الله الكذب، ويعلنون العداء للإسلام ولرسول الإسلام ﷺ ، ولكن الله جل وعلا وعدنا بأنه هو الذي سيتولى أن يحفظ دينه، وهو الذي قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]. اعلموا أيها الأحباب: أنه ليس من العيب أن يزل العالم؛ لأنه ليس بمعصوم؛ لأن العصمة للنبي ﷺ وحده، ولكن مكمن الخطر، ومصيبة المصائب أن يقول العالم في الدين بغير علم، أو يصر على خطئه وعلى عناده وكبره بعدما يتبين له الحق بالدليل الشرعي استحياءً من الناس، أو خجلاً من الناس، أو خوفاً منهم، والله لا يستحيي من الحق، أقولها بمنتهى الوضوح والصراحة: إننا نحب علماءنا، ونحب شيوخنا، ولكن الحق أحب إلينا من شيوخنا وعلمائنا، إننا نحب شيوخنا وعلماءنا، ولكننا نحب الحق أكثر من حبنا لعلمائنا وشيوخنا.

стр. 1002

خطورة الفتاوى المضللة والأفكار المنحرفة أيها الأحبة الكرام: إن مكمن الخطورة في فتاوى عصرنا المنحرفة والمضللة أنها سرعان ما تنتشر، وسرعان ما يعرفها ملايين من البشر بواسطة وسائل الإعلام الحديثة المسموعة والمرئية والمقروءة. وإن مكمن الخطر كذلك ومصيبة المصائب أن الذين يتحكمون في أئمة الفكر في بلادنا، والذين يسيطرون على عقول الناس بما يملونه عليهم من آراء وأفكار، هذا الصنف من الناس عادةً ما يحاط بهالة من الدعاية، تستر كذبه وجهله وتغطي حقده الدفين على الإسلام، وعلى هذا الدين، وعادةً ما يحاط هؤلاء بهالة عجيبة من الدعاية والإعلان ليلوي هؤلاء الناس أعناق الناس إليهم، وليلفت أسماع الناس إليهم، فيرضخوا لفتاويهم ولكلماتهم، ويأبى الله جل وعلا إلا أن يقيض لهذا الدين من يحذر الناس من فتاوى هؤلاء ودعاويهم. اعلموا أيها الناس: أن هذه الهالة، والدعايات، وهذا الإعلان لا يقرب أصحاب الفكر من قلوب الناس، ولا يجعل من جهلهم علماً، ولا يجعل من بعدهم عن قلوب الناس قرباً، "مثلهم كمثل الطبل الأجوف يسمع صوته من بعيد، وباطنه من الخيرات خالٍ". نعم إنني أقدم بهذه المقدمة الطويلة لماذا؟ لأنه مما يدمي الضمائر الحية؛ ويمزقها أن ينبري أعداء ديننا في هذه الأيام، وعبيد الفكر الغربي لحرب هذا الإسلام حرباً صريحة وحرباً هوجاء، وأرى أن أعداء هذا الفكر -أي: الفكر الإسلامي- وأنصار هذا الفكر -أي: الفكر الغربي- راحوا ينفثون سمومهم على صفحات الجرائد، وعبر شاشات التلفاز، وعبر الإذاعات المسموعة في كل زمانٍ ومكانٍ، يريدون إسلاماً على أمزجتهم، يريدونه خاصاً على أهوائهم، وبما يمليه عليهم قادة الغرب من المستشرقين، والمبشرين، والشيوعيين، والعلمانيين، فتارةً يقولون: إننا لا نأخذ بآراء الفقهاء ولا بآراء المفسرين ولا بآراء العلماء، لا نأخذ إلا بالوحي من القرآن والسنة، فإن وافقتهم جدلاً على أن يتركوا آراء الفقهاء وآراء العلماء، والمفسرين، ويأخذوا بالقرآن والسنة، بعد فترة يقولون لك: إننا لا نأخذ بالسنة بكاملها؛ لأن فيها ما هو ضعيف ومردود وموضوع، ولا نأخذ إلا بالقرآن الكريم، فإذا ما ضيعوا السنة ولم يبق أمامهم إلا القرآن، قالوا لك بعد ذلك: إن القرآن قد نزل ليعالج أوضاع البيئة العربية في أرض الجزيرة، ولذا فإنه ينبغي أن نأخذ من القرآن ما يتفق مع روح عصرنا، وما يتمشى مع روح التطور والتحرر. أضاعوا آراء الفقهاء، وأضاعوا السنة، وفي النهاية قالوا: لا بد أن نأخذ من القرآن ما يتفق مع روح عصرنا ومع روح مدنيتنا وتطورنا، آمنوا ببعض الكتاب وكفروا بالبعض الآخر. فإن قلت لهم: إن القرآن الكريم قال: إن الخنزير رجس، ولقد وصفه القرآن الكريم بأنه رجس، لقالوا لك: لقد وصف القرآن الكريم الخنازير ولحومها بأنها رجس؛ لأن وصفه كان لخنازير في العصور المتخلفة، كانت خنازير سيئة التغذية، أما خنازير اليوم -وما أكثرها- فإنها خنازير متطورة ومتحضرة، ليست بالخنازير المتخلفة كخنازير العصور الماضية. فإن قلت لهم: إن القرآن الذي تؤمنون به يقول: للذكر مثلُ حظِ الأنثيين في الميراث، قالوا لك: لقد قال القرآن ذلك في عصورٍ ماضية، قبل أن تخرج المرأة لميدان العمل، أما يوم أن خرجت المرأة لميدان العمل فقد أصبحت تساوي الرجل في كل شيء وهكذا.

стр. 1003

غربة الدين والتدين إنها نار الشهوات وفتن الشبهات، وأنا -كما قلت- أقدم بهذه المقدمة الطويلة لهذه الشهوات والشبهات التي يحارب بها إسلامنا وديننا في هذه الأيام؛ لأن قلبي كاد أن ينخلع، وكاد عقلي يطير، لما قرأته على صفحات جريدة إسلامية ولا أقول على صفحات جريدة شيوعية أو علمانية أو ماركسية، وإنما أقول: على صفحات جريدة إسلامية بعنوان: (تذكير الأصحاب بتحريم النقاب) أسمعتم؟ أرأيتم؟ على صفحات جريدة إسلامية عنوانٌ ضخمٌ يقول: (تذكير الأصحاب بتحريم النقاب) إلى هذا الحد يحارب الإسلام؟! إلى هذا الحد يحارب الالتزام؟! إلى هذا الحد يحارب الاحتشام؟! أنا لا أدري لماذا يثير النقاب هذه البغضاء في قلوب هؤلاء، والله لا أدري، فمنهم من يصف النقاب بأنه خيمة، ومنهم من يصف المنتقبات بأنهن متأخرات، ومتخلفات، ورجعيات، ومتحجرات، لا أدري لماذا كل هذه الحرب الشعواء؟! لماذا كل هذه الحرب الهوجاء على النقاب؟! لماذا لم تكن هذه الحرب على السفور؟ لماذا لم تكن هذه الحرب على العري والتبرج؟ لماذا لم تكن هذه الحرب على الاختلاط السافر؟ لماذا لم تكن هذه الحرب على المتبرجات العاريات الكاسيات المائلات المميلات اللائي يُفتح لهن الأبواب، وتيسر لهن الأسباب، وتذلل لهن الصعاب، وينلن كل الرضا والاحترام والتقدير من هؤلاء، أصحاب الشهوات وأصحاب القلوب المريضة، أما المنتقبات والعفيفات، والطاهرات، والمتوضئات، فإن الحرب تصب على رءوسهن صباً، لا تفتح لهن أبواب الجامعات، ولا أبواب المدارس، ولا أبواب الوزارات أو أبواب الأعمال، لا تفتح لهن الأبواب، ولا تذلل لهن الصعاب، ولا تيسر لهن الأسباب، ويصب هؤلاء الحاقدون على رءوسهن الحرب صباً، لماذا كل ذلك؟ لماذا هذه الحرب الشعواء على النقاب، وعلى الإسلام، وعلى الإخوة الذين توضئوا لله جل وعلا، وسجدوا له، والذين رفعوا شعار لا إله إلا الله، لماذا؟ إنني أتعجب! والله إنني لأتألم من هذه الحرب، ولكنني أتعجب ويزداد عجبي أن تكون هذه الحرب على النقاب ليست من أعداء الإسلام، وإنما ممن ينتسبون ظلماً وزوراً إلى الإسلام. إلى هذا الحد تحارب المنتقبة من المسلمين، وممن يتسمون بسمة أهل العلم والدين؟! إلى هذا الحد؟! فإنا لله وإنا إليه راجعون. ولكنني أقول: أيتها الأخوات المتنقبات. اصبرن، واعلمن علم اليقين أن في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام مسلم، وغيره من أهل السنن والمسانيد، أن النبي ﷺ قال من حديث أبي هريرة ﵁: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء فطوبى للغرباء) وفي رواية للإمام أحمد: (قيل: من الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس) الغرباء: الذين يتمسكون بالقرآن وهدي النبي ﵊ في وقتٍ قل فيه التمسك بالقرآن، وبسنة النبي ﵊. وفي الحديث الصحيح أيضاً الذي أخرجه الإمام الترمذي بسندٍ حسنٍ صحيح من حديث أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ قال: (سيأتي على الناس زمانٌ الصابر فيه على دينه كالقابض على الجمر) وهذا هو زماننا، وهذه هي أيامنا، فمن صبر في هذه الأيام، وفي هذا الزمان على دينه كمن قبض على جمر بين يديه. فاصبري يا أختاه، واصبروا أيها الإخوة، اصبروا أيها الشباب، اصبروا أيها المسلمون، فإن الله جل وعلا قال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ [الشرح:٥ - ٦]. وأقول لكم: أبشروا، فإن أشد ساعات الليل سواداً هي الساعة التي يأتي بعدها ضوء الفجر، وفجر الإسلام قادم، ونور الإسلام قادم، ونور محمدٍ قادم، وعز الإسلام قادم، ولكننا نحتاج إلى الصبر، اصبري يا أختاه، اصبري يا من التزمت بشرع الله، وبشرع رسول الله ﷺ . إنني أتعجب! النقاب حرام؟ هذا آخر ما كنت أتخيله، يخرج علينا بعد ذلك هذا الفذ، والعبقري بهذا الاختراع المدوي، وبهذا الاكتشاف الكبير، وبهذه القنبلة المدوية ليقول لنا: إن النقاب حرام، والله ما قال بذلك أحدٌ من أسلافك الأولين.

стр. 1004

المرأة سلاح ذو حدين اعلموا أيها الناس: أن أعداء الإسلام علموا أن المرأة سبب فلاح الأمة الإسلامية، ومصدرٌ من مصادر نجاحها. ويعلمون أن عز الأمة عند المرأة المسلمة، ويعلمون كذلك أن المرأة المسلمة مصدر من مصادر الفتن والهتك والتدمير، فإن المرأة سلاحٌ ذو حدين، ولقد علم أعداء الإسلام ذلك، ولقد قالها أحد أقطاب المستعمرين يوم أن قال: كأس وغانية يفعلان في الأمة المحمدية ما لا يمكن أن يفعله ألف مدفع. فأغرقوا الأمة في الشهوات والملذات، هكذا أفلح أعداء ديننا، وهكذا خطط أعداء إسلامنا، علموا علم اليقين أن المرأة سلاحٌ ذو حدين، فهي مصدر عزة للأمة، ومصدر هتك وهدمٍ وتدمير، فهي سلاحٌ ذو حدين، ومن هذا المنطلق كان للمرأة النصيب الأكبر، والحظ الأوفر من المؤامرات والمخططات والمدبرات والتدبيرات التي دبرت لإسلامنا، والتي دبرت لأمتنا ولديننا، فانتبهوا جيداً. علموا علم اليقين أن المرأة إن التزمت بما قال لها ربها، وبما قال لها نبيها ﷺ فهي مصدر الرعب والإذلال. لقد ظلت المرأة المسلمة طيلة القرون الماضية تهز المهد بيمينها، وتزلزل عروش الكفر بشمالها، فعز على أعداء ديننا أن تعود المرأة في أيامنا وفي بلادنا وزماننا، فتنجب عمراً كـ عمر بن الخطاب، أو تنجب خالداً كـ خالد بن الوليد؟ أو صلاحاً كـ صلاح الدين؟ فراحوا يدبرون ويخططون، ووالله الذي لا إله غيره ما ترك الاستعمار بلادنا وما سحب الاستعمار جيوشهم من بلادنا ومن أرضنا إلا بعد أن اطمأنوا اطمئناناً كاملاً أنهم قد خلفوا لهم جيشاً جديداً أحرص على أهدافهم منهم عليها. إي والله! ما ترك الاستعمار بلادنا، وما رفع الاستعمار يديه عن أرضنا إلا بعد أن اطمأن اطمئناناً كاملاً أنه قد ترك في بلادنا جيشاً جديداً من قادة الفكر، وقادة الأدب والفن، هؤلاء الذين سماهم الاستعمار -زوراً وبهتاناً لإضلال المسلمين- وأطلق عليهم صفات المحررين، وصفات المطورين، والمجددين، هذه الدعاوى الباطلة، وهذه الدعاوى الكاذبة.

стр. 1005

من شخصيات أصحاب الفكر المنحرف ومن هؤلاء الذين انخدع بهم كثيرٌ من الشباب وكثيرٌ من المسلمين من قادة هذه الأمة: رفاعة رافع الطهطاوي، هذا الذي أعدت له المسلسلات، وأعدت له الكتب، وقررت سيرته على الشباب وعلى الطلبة والطالبات، هذا هو رفاعة رافع الطهطاوي يقول بالحرف الواحد في كتابه الشهير: تخليص الإبريز في تلخيص باريس: إن السفور والاختلاط بين الجنسين -أي: بين الرجل والمرأة- ليس داعياً من دواعي الفساد، وإن الرقص -انتبهوا واسمعوا التطور اسمعوا التحرر اسمعوا المدنية اسمعوا التقدمية اسمعوا الفسق تحت ستار التطور والتحرر، والمدنية السوداء، أباحوا العربدة، وأباحوا الفسق والفجور- يقول الطهطاوي: وإن الرقص على الطريقة الأوروبية -وأنتم تعلمون كيفية الرقص على الطريقة الأوروبية، أن يأخذ الديوث زوجة ديوث آخر، وهي مع زوجٍ آخر، وأن يتراقصا، يضع يده حول خصرها، ويضع خده على خدها، ومعذرة لهذه الألفاظ، لكن حتى يتضح الأمر لمن يعلم ولمن لا يعلم- يقول: إن السفور والاختلاط بين الجنسين ليس داعياً من دواعي الفساد، وإن الرقص على الطريقة الأوروبية ليس من الفسق -أسمعتم بهذا في آبائكم الأولين؟ - وإن الرقص على الطريقة الأوروبية ليس من الفسق، وأنه لا يخرج عن قوانين الحياء. إذاً فأي حياء هذا الذي تريدون وإن كان الرقص على الطريقة الأوروبية لا يخرج عن قوانين الحياء؟ ومنهم أيضاً: نرقص فهمي الذي نادى في كتابه الذي أسماه: المرأة في الشرق، الذي نادى فيه بعدم الحجاب، ونادى فيه بالاختلاط السافر بين الجنسين. ومنهم أيضاً: هؤلاء الذين صنعهم الاستعمار بيديه، وأبقاهم شوكةً في صدور المسلمين، وشوكة في صدر الإسلام: قاسم أمين الذي نادى في كتابه: تحرير المرأة، برفع الحجاب، ونادى فيه بالاختلاط، والسفور. ومنهم أيضاً: هدى شعراوي، عندما رجعت إلى الإسكندرية بعد سفرها إلى باريس أول مرة، وتدخل إلى أرض مصر مع صديقتها شيزنبراوي، هذه الصديقة الملحدة الفاجرة الكافرة، يوم أن دخلت معها هدى شعراوي إلى أرض مصر فخلعت النقاب عن وجهها، وكانت لأول مرة تتجرأ امرأة على أن تخلع النقاب، وبعدها خلعت صفية زغلول النقاب عن وجهها، وغير هؤلاء، وهؤلاء هم الذين جعلهم الاستعمار شوكة في صدر الإسلام والمسلمين، ولقبهم بالمبددين، والمحررين والمطورين، فاعرفوا تاريخكم، وافهموا إسلامكم، واعرفوا دينكم لتميزوا الخبيث من الطيب، ولتعرفوا العدو من الصديق! وفي النهاية وأخيراً وليس بأخير: يتمخض الجبل فيلد فاراً، هذا الذي ظهر علينا في الأسبوع الماضي، وهذا الذي ينتسب زوراً وبهتاناً، وأما من قدم أو من أغرى الناس بعلمه، لا أقول: إنه يساويه في الوزر والإثم، هذا الذي فتح له صفحات الجرائد، وفتح له جريدته على مصراعيها ليقول بالخط العريض، والممشط الكبير: تذكير الأصحاب بتحريم النقاب، لا إله إلا الله! تمخض الجبل فولد فأراً، هل هذا هو اختراعك؟ هل هذا هو ابتكارك يا صاحب العقل؟ هل هذا هو اختراعك يا صاحب الاختراع؟ هل حلت جميع مشاكلنا ولم تبق إلا مشكلة النقاب؟ لقد سقطت ذبابة على نخلة -نخلة البلح- فلما أرادت الذبابة أن تنصرف قالت الذبابة للنخلة: تماسكي أيتها النخلة فإني راحلةٌ عنك، أمر عجيب! الذبابة تقول للنخلة العملاقة: تماسكي أيتها النخلة فإني راحلةٌ عنك، فردت عليها النخلة العملاقة وقالت لها: انصرفي أيتها الذبابة الحقيرة، فهل أحسست بك حينما سقطت علي لأستعد لك وأنت راحلة عنيز قل ما شئت، وليقل الحاقدون ما شاءوا، فوالله الذي لا إله غيره، لا يضر السماء نبح الكلاب، ولا أنين الذئاب، والله لو اجتمع أهل الأرض على أن يطفئوا نور الله ما استطاعوا، والله ما استطاعوا، وسيعلو صوت الحق في كل زمانٍ وفي كل مكان، ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢] ولو كره المشركون، ولو كره الحاقدون، ولو كره المنافقون الذين يأبى الله جل وعلا إلا أن يظهر نفاقهم، ويظهر حقدهم على صفحات وجوههم، وعلى صفحات جرائدهم، وفي زلات ألسنتهم، ليميز الله الخبيث من الطيب، ولنعرف نحن الموحدين العدو من الصديق. إن النقاب حرام؟! ليتك قلت: إن التبرج حرام، وليتك قلت: إن العري حرام، أو قلت: إن السفور حرام، أو إن الربا حرام، أو إن الخمر حرام، أو إن الزنا حرام، أو ليتك قلت: إن (كبريهات) شارع الهرم حرام، أو إن البنوك وفوائدها من الربا حرام، وليتك قلت: إن سلب الحريات حرام، أو: إن تكميم الأفواه حرام، أو ليتك قلت: إن الزنا حرام، أو إن قتل الأبرياء من الأطفال والشيوخ والنساء على أرض فلسطين الذبيحة حرام، ليتك قلت: إن اجتماع الغرب بأسره على الإسلام حرام، أو ليتك قلت: إن حملات التبشير والتنصير والعداء للإسلام حرام، ليتك قلت ذلك، هل انتهيت من كل ذلك أيها العبقري أيها الدكتور لتترك كل ذلك وتقول: إن النقاب حرام؟! هل حُلت جميع مشاكل مصر؟! وهل حُلت جميع مشاكل الشباب؟ وهل حُلت جميع مشاكل النساء والفتيات ولم يبق لنا إلا مشكلة النقاب لنتبارى فيها بنار الشهوات والشبهات لنضل الناس بغير علم؟! ولقد كنت أعددت لكم الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب النقاب عند كثيرٍ من أهل العلم، ولكنني أرى الوقت لا يتسع، فالموضوع كاملاً يحتاج منا إلى جمعة كاملة لنعلم أن هؤلاء ما تحركوا بهذه الفتاوى إلا من منطلق الهوى، وفتن الشبهات والشهوات.

стр. 1006

المخرج من فتن الشبهات والشهوات ولكن أيها المسلمون: اعلموا علم اليقين -والله الذي لا إله غيره- أنه لا عز لنا إلا بالإسلام، ولا قيام لنا إلا بالإسلام، ولا وجود لنا إلا باتباع محمد ﵊، ولقد ورد في مستدرك الحاكم، وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين البخاري ومسلم، ووافقه على ذلك الإمام الذهبي قال: إن عمر بن الخطاب ﵁ خرج يوماً إلى الشام ليلقى أبا عبيدة بن الجراح، وكان عمر بن الخطاب يركب ناقته، وفي الطريق مر عمر بن الخطاب على مخاضة -أي: على بركة من الطين والماء- ونظر عمر بن الخطاب إلى هذه المخاضة وإلى بركة الطين والماء، فماذا صنع أمير المؤمنين؟ أشفق عمر بن الخطاب على ناقته فنزل من على ظهرها وجرها سحباً بيديه وخلع نعليه ووضعهما على عاتقه وأخذ بزمام الناقة، خشي من الله جل وعلا أن يركب على ظهرها لتخوض به هذه المخاضة. أرأيتم؟ فهو الذي كان يمد يده الشريفة في دبر البعير المريض ليداويه ويعالجه، وإذا ما نظر إلى البعير المريض وهو يشتكي وهو يئن بكى عمر بن الخطاب وقال له: [والله إني لخائف أن يحاسبني ربي عما بك من مرضٍ يوم القيامة]. عمر ينزل من على ظهر الناقة ويضع نعليه على عاتقه ويسحب ناقته من زمامها، وينظر أبو عبيدة بن الجراح ويتعجب لحال عمر ويقول له: يا أمير المؤمنين! أأنت تصنع ذلك؟! والله لا أحب أن القوم قد استشرفوك -أي: إنني أكره أن يراك أحدٌ وأنت على هذه الحالة، أتدرون ماذا قال عمر؟ - قال عمر: أوه يا أبا عبيدة؛ لو قالها أحدٌ غيرك لجعلته نكالاً لأمة محمد، ثم قال: [يا أبا عبيدة والله لقد كنا أذل قومٍ فأعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله] لا عز لنا إلا بإسلامنا، ولا كيان لنا إلا بديننا، ولا بقاء لنا إلا بالتزامنا، أما أن ينعق كل ناعقٍ، ويفتري كل مفترٍ، ويقول في العلم والدين بغير علم أو بالهوى، فإن النبي ﷺ قال في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام البخاري والإمام مسلم من حديث ابن عمر، أنه ﷺ قال: (إن الله لا ينزع العلم انتزاعاً من صدور الرجال، ولكن بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رءوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علمٍ فضلوا وأضلوا) أين أنتم يا هؤلاء، يا من تتبجحون على الدين بغير علم؟ ويا من تجترئون على الدين بغير علم؟ أين أنتم من رسول الله ﷺ الذي كان إذا ما سئل يقول: (انتظروا حتى يأتيني جبريل بالوحي من عند الله)؟ أين أنتم من صحابة رسول الله؟ أين أنتم من التابعين؟ وهذا هو القاسم بن محمد إمام من فقهاء المدينة السبعة، يأتيه سائل ليسأله عن شيء فيقول القاسم: إني لا أحسنه، إني لا أعرف ولا أدري، فتعجب السائل وقال له: يا قاسم، أنا أتيتك لا أعرف غيرك، وأنت تقول: لا أعرف، ولا أدري، فنظر إليه القاسم وقال: يا أخي لا تنظر إلى طول لحيتي، ولا إلى كثرة الناس من حولي، والله لا أحسنه، والله لا أعرف، ولا أدري، وكان شيخٌ إلى جوار القاسم من شيوخ قريش فقال له: أيها العالم يا ابن عمي! الزمها فوالله ما رأيناك في مجلسٍ أنبل منك اليوم فقال القاسم: والله لأن يقطع لساني خيرٌ وأحب لي من أن أقول في الدين بما لا علم لي به. لكننا الآن نجد هؤلاء الذين يجترئون على الدين، ويقولون في الدين بغير علم من منطلق الهوى، والهوى يضل صاحبه عن سبيل الله: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص:٢٦]. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

стр. 1007

انتشار الشهوات بين الناس الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه. أما بعد: فيا أيها الأحباب الكرام: كنت قد أعددت لكم كثيراً؛ لأن الموضوع لم ينته بعد، لكن خشية أن يطول الوقت بنا جعلت لموضوع الشهوات جمعة أخرى؛ لأن كثيراً من الشهوات قد سيطرت على كثيرٍ من الناس في هذه الأيام، فهناك شهوة الغناء وحب الغناء، بل من العلماء من قال بأن الغناء لا شيء فيه، ومنهم من طالعنا في كتبه الأخيرة، وأنا لا أنتقد أحداً، وإنما أذكِّر، ووالله الذي لا إله غيره ليس من طبعي أن أجرح في أحد من العلماء، أو أنتقد أحداً منهم؛ لأني على يقينٍ كامل أنه لا ينبغي أن يخطّئ العالم إلا عالم، ولست من العلماء، ولكنني أقول من باب التذكير والتحذير: يقول عالمٌ من علمائنا، وكما قلت: إننا نحب علماءنا، ولكننا نحب الحق أكثر من حبنا لعلمائنا، يقول: لقد دخل عليّ شابٌ كنت مشرفاً على رسالته، فدخل علي وأنا أستمع إلى الغناء -كان يستمع إلى الغناء من صوت محبب إليه- ودخل هذا الشاب الصغير، فلما رأى أستاذه يستمع إلى الغناء، وأنتم تدرون وكلكم على علم بكلمات أغانينا في أيامنا هذه، لابد أن الشريط الملعون: (لولا) قد وزع منه ثمانية مليون نسخة من هذه الخزعبلات والهراءات، ثمانية مليون شريط أمرٌ عجيب! فدخل الشاب على أستاذه وتعجب! فقال أستاذه: إن الغناء لا شيء فيه، فلما لم يستطع التلميذ أن يناقش أستاذه استحلفه بالله أن يغلق المذياع، فاستجاب الأستاذ لتلميذه وأغلق الراديو، يقول أستاذنا: ولم أستطع أن أصمت، فجعلت أردد كلمات الأغنية بصوتي أنا. وغيرها من الشهوات وغيرها.

стр. 1008

تنبيه على مسائل مهمة في العقيدة أقول: إن الموضوع طويل، ولكن هناك نقطة أخيرة في غاية الأهمية أود أن أنبه إليها. وهي: أن في الجمعة الماضية في مسجدٍ مبارك من مساجد السويس، كان أحد الدعاة الأفاضل والكرام يفسر على المنبر سورة الفجر، ولكنه أخطأ خطأً كبيراً أود أن أذكر العقول إليه، وأنا أقول بدايةً: والله الذي لا إله غيره ليس من باب تصيد الأخطاء، وليس من باب الانتقاد للدعاة، أو أن ينبري البعض للبعض الآخر، وليس من باب التقليل من شأن هذا الداعية الكريم، فإني أشهد الله والله شهيد على ما في قلبي أني أحبه في الله ، وأشهد له أنه من الدعاة الذين يحترمون المنبر، ويحترمون العقول، ويعدون للجمعة إعداداً جيداً وكاملاً، وأسأل الله أن يغفر لي وله، ولكن من باب التذكير، ومن باب النصح لا أكثر من ذلك والله الذي لا إله غيره. لقد قال هذا الداعية الكريم في تفسير سورة الفجر في قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:١٤]-ولقد استمعت إلى الشريط بأذني رأسي حتى أكون على يقين- وقد ظل يعدد أن الله سبحانه يراك في كل مكان، ثم قال عبارة اقشعر منها بدني حينما قال: فلو ذهبت إلى الخمارة لو جدت الله هناك. ثم قال في قول الله : ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] قال بالحرف الواحد: لا مجيء لله أبداً، ونفى المجيء عن الله ، قلت: بأن هذا الموضوع جد خطير، وكان يحتاج مني إلى وقفة وإلى تذكير، والله لا من باب الانتقاص ولا الانتقاد؛ لأنه أمرٌ في صلب العقيدة، يقول علماؤنا -وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة في مسألة الأسماء والصفات لرب الأرض والسماوات-: إن الله جل وعلا له أسماءٌ وصفات، ومذهب أهل السنة والجماعة في هذه الأسماء والصفات: أننا نؤمن بها صريحة ونمرها كما هي من غير تحريف، ولا تكييف، ولا تأويلٍ، ولا تعطيلٍ، ولا تشبيهٍ أو تمثيلٍ، كيف؟ الله له أسماء وله صفات أثبتها جل وعلا لذاته في القرآن الكريم، وأثبتها له نبينا ﷺ ، فينبغي أن نؤمن بهذه الأسماء وتلك الصفات كما أثبتها الله لنفسه، وكما أثبتها النبي ﷺ لربه جل وعلا.

стр. 1009

الإيمان بصفات الله بلا تحريف أولاً: أن نؤمن بصفات الله جل وعلا من غير تحريف، ما معنى ذلك؟ أي: نأخذ الصفة دون أن نحرفها عما جاءت في القرآن والحديث، وعلى سبيل المثال: أثبت الله جل وعلا لنفسه صفة الكلام في القرآن وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ ، فقال سبحانه: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤] فرد هؤلاء الذين قالوا بتعطيل الصفات كـ الجهمية والمعطلة والمعتزلة وغيرهم وقالوا: بأن أهل السنة والجماعة ما فهموا هذه الآية حق فهمها، قيل لهم: لماذا؟ قالوا: لأن الآية معناها أو قراءتها الصحيحة: (وكلّم اللهَ موسى تكليماً) فجعلوا لفظ الجلالة (الله) في محل مفعول به مقدم، و (موسى) فاعلاً؛ ليكون الكلام من موسى، أي: أن الذي تكلم هو موسى؛ لينفوا صفة الكلام عن الله. فرد عليهم علماؤنا وقالوا لهم: إذا كنتم تقولون في هذه الآية بأن المتكلم هو موسى لتقديمكم وتأخيركم الباطل، فماذا تقولون في قول الله جل وعلا: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣]؟ الله أثبت لنفسه الكلام وأثبت النبي ﷺ لربه الكلام، إذاً: نؤمن بأن الله يتكلم ولكن كيف؟ الله أعلم.

стр. 1010

الإيمان بصفات الله بلا تأويل ثانياً: أن نؤمن بصفات الله جل وعلا بدون تأويل، بمعنى: أن نأخذ الصفة ولا نؤولها على هوانا، فلا نقول في قول الله جل وعلا كما قال هؤلاء المعطلة للصفات من الجهمية والمعطلة والأشاعرة والمعتزلة، فإنهم في قول الله جل وعلا: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤] أولوا صفة اليد لله جل وعلا، وقالوا: بل نعمتاه مبسوطتان، فجعلوا لله نعمتين اثنتين، والله جل وعلا يقول: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل:١٨] فنأخذ الصفة بدون تأويل، وفسروا وأولوا أيضاً قول الله جل وعلا: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] فقالوا: إن معناها القدرة، وهذا تأويل باطل كما قال أهل السنة والجماعة، لماذا؟ لأن الله جل وعلا أثبت لنفسه يدين اثنتين وكلتاهما يمين، وأثبت الله جل وعلا لذاته ساقاً ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢]. وأثبت الله لنفسه قدماً، فقال النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم: (إن الله جل وعلا يلقي في جهنم من المشركين والكفار، وتظل جهنم تنادي وتقول: هل من مزيد؟ هل من مزيد؟ حتى يضع الحق عليها قدمه، فتقول: قطٍ قطٍ قد امتلأت) بغير تأويل.

стр. 1011

الإيمان بصفات الله بلا تعطيل ثالثاً: أن نؤمن بالصفات بلا تعطيل، لا كما قال أستاذنا في قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] فهو عطل صفة المجيء عن الله وقال: لا مجيء لله أبداً، ولكننا نقول: إن أهل السنة والجماعة يقولون: بأنه ينبغي أن نؤمن بالصفة بدون تعطيل، فقد أثبت الله لنفسه المجيء، وأثبت لنفسه الدنو، فنؤمن بهذه الصفات بدون تعطيل، لماذا؟ لأن تعطيل الصفة عن الموصوف يعني أن الموصوف لا وجود له -أنا أنفي صفة عن شيء إذاً: لا وجود لهذا الشيء- لأنه لا تمنع الصفة ولا تحجب إلا عن العدم المحض، كما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم: لا تنفى الصفة إلا عن عدمٍ محضٍ، فنحن نؤمن بالصفات بدون تعطيل، فنقول: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] أي: أثبت الله لنفسه المجيء، ولكن نقول: جاء ربك مجيئاً يليق بكماله وجلاله، فكل ما دار في بالك فالله بخلاف ذلك ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] لا تدركه العقول، ولا تكيفه الأفهام، فنؤمن بالصفات بدون تعطيل. أما ما قال أستاذنا في قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:١٤] أي أن الله معك في كل مكان، على إطلاق العبارة هكذا، فلو ذهبت إلى الخمارة لوجدت الله هنالك، فإن هذا كلامٌ خطير، وإنما مذهب أهل السنة والجماعة في هذه العبارة أن الله جل وعلا ذاته لا تشبه ذوات المخلوقين، وإذا قلنا: إن الله موجودٌ في كل مكان على إطلاقها لجعلنا ذات الله في أماكن القاذورات والنجاسات، ولقلنا كما قال أهل الحلول والاتحاد، ولكن ينبغي أن نقول: الله جل وعلا بعلمه في كل مكان، أي: بإحاطته في كل مكان، أو الله مع الناس أو مع مخلوقاته في كل مكان بعلمه وقدرته وإرادته وقهره وإحاطته وسلطانه، ولا نجعل ذات الله في أماكن النجاسات أو أماكن القاذورات أبداً. وكذلك في قوله جل وعلا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] يقول الجهم بن صفوان عليه لعنة الله، هذا الذي كان قائداً للمعطلة: لو وجدت سبيلاً لإزالة هذه الآية من المصحف لأزلتها وحككتها، وجعلت بدلاً من: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] (الرحمن على العرش استولى) وقال جهم كما قال أسلافه من اليهود حينما قال الله جل وعلا لهم: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة:٥٨] أي: حط عنا ذنوبنا ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ [البقرة:٥٨] فخالف اليهود أمر الله، فبدلاً من أن يدخلوا الباب سجداً دخلوه وهم يزحفون على أستاههم، أي: على مقاعدهم، وبدلاً من أن يقولوا: حطة أي: حط عنا خطايانا، استهزءوا بكلمة الله فقالوا: حنطة. فمذهب أهل السنة والجماعة في هذه الآية: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] أي: استوى كما أخبر، وعلى الوجه الذي أراد، فلا العرش يحمله، ولا الكرسي يسنده، بل العرش وحملته والكرسي وعظمته الكل محمولٌ بلطف قدرته، مقهور بجلال قبضته وكنت أقول معقباً على هذه العبارات في كل مرة أنه تعالى كان ولا مكان، ولقد قرأت والحمد لله أن هذه العبارة خطأ شنيع أيضاً. وأسأل الله أن يغفر لي ما مضى، فقد قرأت أن ابن تيمية قال: بأن لفظة: (كان الله ولا مكان) عبارة خاطئة، وإنما الصحيح أن يقال: كان الله ولم يكن شيءٌ قبله. فأسأل الله أن يغفر لي ما مضى، وأن يغفر لأستاذنا، وأن يغفر لجميع المسلمين، وكما قلت وأقول: والله ما أردت بهذا إلا النصح، وما أردت بهذا إلا أن أبين للناس. اللهم صل وزد وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. هذا وما كان من توفيق فمن الله تعالى وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله من أن أذكركم به وأنساه.

стр. 1012

فبهت الذي كفر المخالفون المخاصمون لدين الله ولشرعه ولرسله كثر، يتزعمهم دجالون يناظرون عن باطلهم بحجج أوهن من بيوت العنكبوت ولقد تحدث الشيخ عن قصة مريم ﵍ حينما حملت بعيسى ﵇، وكيف صبرت عند هذا الابتلاء وواجهت بني إسرائيل معتمدة على الله جل وعلا، ثم تكلم عن مناظرة حدثت بينه وبين أحد القساوسة من النصارى الذين يقولون: إن عيسى ولد الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

стр. 1013

التمسك بالدين مصدر عز الأمة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أحبتي في الله: وبعد أن انتهت هذه الأحداث المؤلمة التي مرت بها أمتنا المسلمة في هذه الشهور والأيام الماضية، وكان من الواجب علينا أن نعلِّق على هذه الأحداث من منظور إسلامي، بعد أن أبطل الله جل وعلا نار هذه الحرب، نسأله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى وباسمه الأعظم الذي إن سئل به أعطى، وإن دعي به أجاب، أن يجعل نهاية هذه الحرب بداية خير للإسلام والمسلمين، وأن يرد المسلمين إليه رداً جميلاً، وأن يوفق المسلمين ليعوا هذا الدرس جيداً، وأن يعودوا إلى الله ، وأن يعودوا إلى إسلامهم الذي ضمن الله لهم به العزة والكرامة في الدنيا والآخرة، فما دام المسلمون متمسكين بهذا الإسلام فهم أعزة، وهم أصحاب القيادة والريادة، وإن تخلى المسلمون عن إسلامهم وعن مصدر البقاء الحقيقي لهم بعزة وكرامة في هذه الأرض، إن تخلى المسلمون عن مصدر هذا العز والكرامة تخلى الله جل وعلا عنهم، وإن نسوا الله ﵎ نسيهم، وإن كان ذلك كذلك فسوف يصلون إلى حالة من الذل والهوان لا يكاد يصدقها عقل، فلقد أذل الله جل وعلا اليهود وكتب عليهم الذلة والمهانة، ولكن الله قد أذل المسلمين إلى كتب عليهم الذل، وهل هناك أذل ممن أذله الله للأذل؟! فلا مصدر لعزة المسلمين وكرامتهم وبقائهم وسيادتهم وقيادتهم -لأنهم ما خلقوا إلا ليقودوا ركب البشرية كلها- إلا إذا عادوا إلى الله جل وعلا، وتمسكوا بإسلامهم الذي ضمن الله لهم بتمسكهم به العزة والكرامة، فنسأل الله أن يرد المسلمين إليه رداً جميلاً، وأن يعودوا إلى إسلامهم عوداً حميداً، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 1014

وقفات وعبر مع آيات من سورة مريم وبهذه الجولة مع هذه الأحداث المؤلمة، تعالوا بنا -أحبتي في الله- لنعود مرة أخرى إلى آيات القرآن الكريم، وإلى موضوعنا الذي كنا بصدده قبل بداية هذه الأحداث المؤلمة، فمع اللقاء العشرين ما زلنا نطوف بكم في بستان سورة مريم، وأظن أن الأحداث قد أنستنا ما ذكرناه في سورة مريم، فتعالوا بنا لنراجع أحداث السورة، ومع آيات الحق جل وعلا. يقول الحق ﵎: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً * قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً * فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً * فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً * فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً﴾ [مريم:١٦ - ٢٦].

стр. 1015

بشارة جبريل لمريم ﵍ توقفنا في اللقاء الأخير مع آيات هذه السورة المباركة عند هذا الحوار الكريم بين مريم وجبريل ﵉، حينما خلت مريم بنفسها لشأن من شئونها الخاصة بها في هذا المكان الشرقي البعيد، وضربت الحجاب بينها وبين أعين الناس جميعاً، وفي هذا المكان الشرقي البعيد، وفي هذه الخلوة الكاملة التامة التي ضربت فيها الحجاب بينها وبين أعين الناس، إذ بها تفاجأ بمفاجأة عنيفة تهز القلب وتزلزل الفؤاد، إنه رجل سوي! بشر كامل مع مريم العذراء الطاهرة في هذه الخلوة الكاملة! وإذ بها تنتفض انتفاضة العذراء التي هُددت في عرضها، رجل وهي لا تعلم عن هذا الرجل شيئاً! فسرعان ما استجارت واستعاذت بالله جل وعلا قائلة: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً﴾ [مريم:١٨] إن كنت ممن يتقي الله جل وعلا، وتزلزله كلمة الاستعاذة بالله ، فكم من الناس من يذكر بالله ولا يخشع قلبه! وكم من الناس من يوعظ ولا يتعظ! ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد:١٩]. ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً﴾ [مريم:١٨] فجاءتها البشارة الطيبة التي نزلت على قلبها نزول الندى على الزهرة الظمأى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً﴾ [مريم:١٩] وهنا ترد مريم على هذه البشارة الطيبة رد الأنثى المهددة في عرضها وشرفها بمنتهى الصراحة والوضوح الذي لا لبس فيه ولا غموض، فإذا بها تقول: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً﴾ [مريم:٢٠] فيأتيها الجواب واضحاً وضوح الشمس في ضحاها: ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً﴾ [مريم:٢١] أي: إنه أمر يسير أمام قدرة الله جل وعلا ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [مريم:٢١] أي: علامة على عظيم قدرة الله جل وعلا، فالله له مطلق القدرة، وله كمال القدرة، وله تمام القدرة، فهو الفعال لما يشاء -كما يقول صاحب معارج القبول - كيف شاء، في أي وقت شاء ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]. ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [مريم:٢١] أي: علامة على كمال ومطلق قدرة الله جل وعلا. وأنا أقول دائماً: إن من كلف نفسه أن يبحث عن حدود قدرة الله كمن كلف نملة ضعيفة أن تنقل جبلاً عملاقاً من مكان إلى آخر؛ فقدرة الله لا تحدها حدود، فله مطلق القدرة وكمالها وتمامها، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فخلق الخلق، وبعث الخلق -في كمال قدرته- كنفس واحدة ، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فما من جبل على ظهر هذه الأرض إلا ويعلم الله ما في وعره، ولا بحر على سطح هذه الأرض إلا ويعلم ما في قعره، ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر:١١]. ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [مريم:٢١] اختارك الله يا مريم ليعرض على البشرية من خلالك المعجزة الكبرى؛ لأنه إذا كان قد خلق آدم من غير أب وأم، وخلق حواء من أب دون أم؛ فإنه سيخلق عيسى من أم دون أب، ويخلق سائر البشر من أم وأب؛ لتظهر قدرة الله جل وعلا في جزئية الخلق، وليعلم الناس جميعاً أن الله على كل شيء قدير.

стр. 1016

قصة عزير ودلالتها على كمال قدرة الله تعالى قال سبحانه في سورة البقرة في قصة عزير: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٥٩] مر عزير على قرية بيت المقدس، بعدما دمرها الله تعالى وأصبحت القرية خاوية على عروشها، فمر ووقف على هذه الأطلال ثانية، وتعجب وقال: هل يحيي هذه الله بعد هذا الموت والدمار والفناء؟! فأماته الله مائة عام كاملة. أيها الأحبة: أماته الله مائة عام وأحياه مرة أخرى؛ ليبرهن للناس أنه على كل شيء قدير. وبعد ما أحيا الله عزيراً سأله عن طريق الملك: كم لبثت؟ فنظر -كما يقول الإمام ابن كثير - فوجد أن الشمس ما زالت باقية، فظن عزير أنها شمس نفس اليوم الذي نام فيه، ﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾ [البقرة:٢٥٩] والدليل على ذلك -انظر إلى وجه المقارنة الأول الثابت الذي لا يتغير- ﴿انْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة:٢٥٩] أي: لم يتغير لونه ولم يتغير طعمه -وانظر إلى الوجه الآخر من وجوه المقارنة- ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ)) [البقرة:٢٥٩] فنظر إلى الحمار فوجده عظاماً بالية، قد تحول إلى رميم، وتراب، فهل يتحول هذا التراب بعد هذه الحالة التي وصل إليها إلى حالة كاملة مرة أخرى من الخلق؟!

стр. 1017

قصة العاص بن وائل مع رسول الله ﷺ ذهب العاص بن وائل -عليه من الله ما يستحق- إلى النبي ﷺ بعظام بالية، أخذها في يديه ووقف بين يدي النبي ﷺ وفتَّ العظام فحولها إلى رميم وتراب، ثم قال: (يا محمد! أتزعم أن الله يحيي هذه العظام بعد ما صارت رميماً؟ فقال الرسول ﷺ : نعم، يميتك ثم يبعثك ثم يدخلك جهنم) فأنزل الله قوله تعالى في آخر سورة يس: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس:٧٧ - ٨٣].

стр. 1018

افتراء النصارى على الله ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم:٢١] قدرة كاملة، ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً﴾ [مريم:٢١] في علم الله جل وعلا: (فحملت) هكذا بفاء الترتيب والتعقيب. وبداية -أيها الأحبة- أود أن أقول: إننا لو تتبعنا كتب النصارى التي تكلمت عن الحمل لانخلعت القلوب، وارتعدت الأفئدة، فإننا نجد كلاماً يستحي من ذكره في حق الله جل وعلا، فلقد وصفوا الله في هذه الجزئية بأوصاف شنيعة، وبكلمات تنخلع لها القلوب، وأنا لن أتكلم عن هذه الكلمات أبداً؛ لأنه لا يمكن على الإطلاق أن تدنس بيوت الله ، أو حتى الأفواه بمثل هذه الكلمات التافهة الفارغة التي وصفوا الله بها، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، وقد صفوا الله بها في كيفية حمل مريم ﵍. ولذلك لما سئل أحد قساوستهم الذي شاء الله أن يفضحه بعد ذلك على رءوس الخلائق والأشهاد، لما قيل له: إذا أردت أن تقص على ابنتك قصة مريم، وقصة حملها، وقصة ولادة عيسى، فمن أي الكتب تستطيع أن تقرأها عليها؟ فقال بجرأة متبجحاً: أقرؤها على ابنتي من القرآن. لأن القرآن -أيها المسلمون- والإسلام قد كرم وشرف مريم أكثر من تشريف النصارى لها. وقد جلست يوماً إلى أحد كبرائهم، بل إلى كبيرهم، وقد قدر الله هذا اللقاء، وطال المجلس والوقت، وظل يتحدث عن مريم وعيسى وعن توحيدهم المزيف، ويقول لي: إننا لا نختلف معكم في توحيدكم، قلت: كيف ذلك؟ قال: لأنكم تقولون بأن الله : هو الله، وهو الرحمن، وهو الكريم، أسماء متعددة، وكذلك نحن نقول: باسم الأب والابن وروح القدس، هذه مثل تلك، قلت: حاشا لله، تعالى الله عما قلت علواً كبيراً، وطال الحديث أيها الأحباب، وكان حديثاً في حلقة مفرغة؛ وأردت أن أنهي هذا اللقاء في حضور كثير من المسئولين، فقمت ونظرت إلى هذا الكبير وقلت له: أما قرأت هذا الخبر؟ قال: وأي خبر؟ قلت له: خبر عجيب ومرعب ومزلزل، فانتبه وجلس على الكرسي جلسة ما، ونظر إليَّ وأخذ يدقق النظر، ثم صرخ قائلاً: ما هو الخبر؟ فقلت: خبر زواج البابا. فجلس على الكرسي براحة تنهد وتنفس الصعداء، ونظر إلى المسئول الكبير وقال له: ألم أقل لك بأن هذا الشاب كذاب؟ قلت: ولم هذا الاتهام؟ قال: من أين لك هذا الخبر؟ عليك أن تأتي بالجريدة التي قرأت فيها هذا الخبر، عليك أن تأتي بالدليل، قلت: وإن لم آتِ بالدليل فلماذا لا تصدقني؟ قال: لأن البابا لا يتزوج، هذا قانوننا وهذا ديننا وشرعنا، البابا أسمى من أن يتزوج. فقلت: سبحان الله! إن كان البابا عندكم أسمى من أن يتزوج، فكيف تزوجون الله بمريم؟ أما تستحون؟ لمَ هذه البجاحة؟ البابا عندكم وفي قانونكم ودينكم المزيف لا يتزوج، أنتم وشأنكم، فإن كان هذا حال عبد حقير ذليل ضعيف تقولون: بأنه أسمى من ذلك، أسمى من أن يحتضن امرأة، أو أن يتزوج امرأة، أو أن يكون مرتبطاً بامرأة في الحلال، وما استحييتم أن تقولوا في قصة حمل مريم كلاماً تنخلع له القلوب وتقشعر له الأبدان، وتزوجوا الله -تعالى الله عن ذلك- بمريم؟! فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين.

стр. 1019

كيفية حمل مريم ﵍ أقول: إنهم قالوا كلاماً -أيها الأحبة- تنخلع له القلوب في حمل مريم، ولكننا نحن الموحدين لله لا نقول ما قالته النصارى تعالى الله عن ذلك، وحاشا لله وعياذاً به جل وعلا. نقول وأقولها بداية: ينبغي على كل موحد لله ألا يبحث على الإطلاق عن كيفية الحمل، الله جل وعلا قال: ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً﴾ [مريم:٢١] فلا ينبغي أن نتتبع الطريق كما تتبعه النصارى، أو أن نزل كما زلوا؛ بأن نبحث عن كيفية الحمل، فنقول: كيف حملت؟ هل نفخ الله في درعها؟ هل نفث الله في جيبها؟ هل كان النافخ هو الله؟ هل كان النافخ هو جبريل؟ لا ينبغي على الإطلاق أن نبحث وراء كل هذه الأمور أبداً؛ لأن المؤمن يثق بوعد الله جل وعلا، وبكلام الله ، ويصدق كلام رسول الله ﷺ ، قال الله : ﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ [مريم:٢٢] كيف؟ لا تسأل، هذا أمر هين أمام قدرة الله الذي خلق آدم من غير أب وأم، أيعجز عن خلق عيسى من أُم دون أب؟! سبحان الله العظيم! ﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ [مريم:٢٢] انتهى الأمر بفاء التعقيب والترتيب، وحملت مريم بعيسى ﵇. فهنا لو تتبعنا الإسرائيليات في كتب التفسير لوجدنا العجب، يقولون: إن مريم حملت بعيسى ووضعته في ساعة واحدة، وهذا أمر أيضاً هين أمام قدرة الله، لا نناقشه، لكن الذي عليه جمهور أهل التفسير: أن مريم ﵍ قد حملت بعيسى حملاً عادياً كأي امرأة -وإن كان الأمر الأول كما قلت: هين أمام قدرة الله جل وعلا- فرد أصحاب الرأي الأول الذين قالوا: بل حملت ووضعت في ساعة واحدة وقالوا: إن الفاء في اللغة العربية تأتي للترتيب والتعقيب، فقال الله : ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً * فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ [مريم:٢٢ - ٢٣] أي: طلق الولادة، والفاء هنا للترتيب والتعقيب. ولكننا نرد ونقول: إن فاء الترتيب والتعقيب تأتي وتعقب كل شيء بحسبه، ما الدليل؟ الدليل قول الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٢ - ١٤] انظر إلى الفاء التي جاءت هنا في مراحل ثلاث، والحديث الصحيح يخبر بأن بين كل صفتين وبين كل حالتين أربعين يوماً. إذاً: فاء التعقيب تأتي مع كل شيء بحسبه، وقد ورد في الحديث الصحيح من حديث ابن مسعود الذي رواه البخاري ومسلم أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ -وهو الصادق المصدوق- يقول: (إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك -أربعين يوماً- ثم يكسى باللحم، ويؤمر الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بكتب أربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد، فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها). إذاً: قد بين الرسول ﷺ أن بين كل مرحلة وأخرى أربعين يوماً، فتعقيب كل شيء بحسبه. ((فَحَمَلَتْهُ)) [مريم:٢٢] حملت مريم حملاً عادياً، ولذلك لما رأى يوسف النجار -وكان بحدم معها بيت المقدس - معالم الحمل الحقيقية وبوادر الحمل ظهرت عليها، ذهب إليها -كما ذكر الإمام ابن كثير - وقال: يا مريم! إني سائلك عن شيء ولا تعجلي عليَّ فيه، فقالت مريم -وكأنها فهمت ماذا يريد أن يقول يوسف -: يا يوسف! قل ما شئت ولا تقل إلا قولاً حسناً. فقال يوسف: يا مريم! هل يكون زرع بغير بذر؟ -يعرض لها في الكلام- وهل يكون شجر بغير غيث؟ وهل يكون ولد بغير أب؟ قالت: نعم يا يوسف! قال: كيف ذلك يا مريم؟ قالت: يا يوسف! ألم تعلم أن الله تعالى خلق الزرع يوم خلقه من غير حب ومن غير بذر، وخلق الشجر يوم خلقه من غير غيث، وخلق آدم يوم خلقه من غير أب ولا أم؟ قال: أقول: إن الله على كل شيء قدير، و ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يّس:٨٢].

стр. 1020

ظهور الحمل الولادة ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً﴾ [مريم:٢٢] لما اتسع بطنها بالحمل، وكادت المدة أن تنتهي، وبدأ الخبر يتسرب إلى بني إسرائيل، واغتم بيت آل عمران غمة شديدة، فقد كانت شائعة مدوية، دوت في أرجاء بني إسرائيل، وما أدراكم من بنو إسرائيل في تزوير وإشاعة الشائعات والفاحشة! امتلأت البيوت بهذا الخبر المزري، وقالوا: ما فعل هذه الفعلة إلا يوسف النجار، فهو معها في خلوة واحدة، وفي مكان واحد. ولما ضاق صدر مريم ﵍ بهذه الشائعات والكلمات التي تزلزل قلب أي امرأة فضلاً عن العذراء الطاهرة العفيفة الشريفة، خرجت مريم ﵍ ومعها حملها: ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً﴾ [مريم:٢٢] أي: ذهبت إلى مكان بعيد، واختفت عن أعين الناس حتى لا يراها الناس ولا ترى الناس، وفجأة كما يقول الحق جل وعلا: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ [مريم:٢٣] فأجاءها إجاءةً، أجاءها الطلق حتى اضطرها إلى جذع نخلة لتتمسك به، وتعض عليه من شدة الألم ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم:٢٣] تألمت وهي العذراء التي لا علم لها بمثل هذا الأمر قبل ذلك، ولا يوجد معها امرأة تعينها، وتعلم كل امرأة على وجه هذه الأرض هذه الآلام المضنية، التي تتعرض لها الأنثى أثناء الولادة، فضلاً عن عذراء تلد لأول مرة ولا يوجد معها أنيس ولا جليس. ولما رأت أن الأمر قد انتهى، وأن المدة قد انتهت، وأن الولد سينزل عن قريب؛ قالت بصوت ضعيف: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً﴾ [مريم:٢٣] يا ليتني لم أواجه مثل هذا اليوم، وهي تقول ذلك برغم الوعد الكريم الذي وعدها به جبريل ﵇، ولكنها تقول ذلك خوفاً من الناس الذين سيقعون في عرضها حين يتكلمون عنها، وقالت ذلك خوفاً من مواجهة الفضيحة أمام الناس من منظورهم البشري. ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ [مريم:٢٣] في هذه الآية دليل شرعي على جواز تمني الموت إذا ما وقع العبد في مصيبة أو فتنة يخشى منها ضياع الدين، ولكن يكره أن يتمنى العبد الموت إذا وقع به ضر أو بلاء من بلاء الدنيا، كما ورد في الحديث الذي رواه مسلم أن النبي ﷺ قال: (لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان ولا بد متمنياً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني ما كانت الوفاة خيراً لي).
следующие страницы →