Полный текст (1 901 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
سنة ربانية لا تتغير
و
السؤال
قد يسألني أحد الشباب ويقول: فماذا تقول في هذه الأموال التي أغدقت على هؤلاء الكفار والمرجفين والمنافقين؟ أقول: لا بد أن نعي سُنَّةً ربانية لله جل وعلا، ألا وهي: سنة الفتح، يفتح الله على هؤلاء: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ [الأنعام:٤٤].
إنها سنة ربانية ثابتة لا تتبدل ولا تتغير، إذا رأيت الرجل في نعمة من الله وهو على معصية الله؛ فاعلم بأنه استدراج له من الله جل وعلا.
وقد حقق منهج الله لأتباعه وأبنائه انشراح الصدر، وطمأنينة القلب، وراحة الضمير، وسعادة البال، وهذه نعم لا يحظى بها إلا المؤمنون، قال الحبيب ﷺ كما في صحيح مسلم من حديث صهيب: (عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير، وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له).
أيها الأحباب الكرام! لا بد أن نعود إلى منهج الله جل وعلا، وابدأ بنفسك ابتداءً أيها الحبيب الكريم، فأنت على ثغرة، فإياك أن يؤتى الإسلام من قبلك، واتق الله، وكن جندياً مخلصاً لدين الله ولمنهج الله.
أقول ورب الكعبة: إن أعظم خدمة نقدمها اليوم للإسلام هي: أن نشهد للإسلام شهادة عملية وواقعية وأخلاقية وسلوكية، اقطعوا الطريق على المزورين الذين يشيرون إلينا بأصابع الاتهام، بينوا لهم الإسلام في رحمته وعظمته وأخلاقه وعطائه وصدقه وأمانته، بينوا الإسلام للعالم كله وللدنيا كلها بصورته المشرقة التي جاء بها محمد ﵌، وحولها الرعيل الأول إلى منهج حياة، وإلى واقع يتحرك في دنيا الناس.
أيها الشاب الحبيب! تحرك لدين الله، ولدعوة الله، افهم الإسلام بكماله وشموله حتى لا تفتن وتنحرف عن المنهج الحق والطريق السوي، واسمع للعلماء المتحققين، واسع وابذل وقتك ودمك ومالك وولدك وأهلك لتتعلم هذا الدين، وتحرك لتأخذ العلم عن أهله المتحققين به، فإن العلم سبب من أسباب الهداية، وسبب عظيم من أسباب عدم الانحراف عن جادة الطريق، أما إذا ذهب هذا ليأخذ علمه عن الصحافة، أو عن هؤلاء الذين لم يتحلوا بالعلم الشرعي، فإنه حتماً سيضل وسينحرف عن الطريق وعن جادة الصواب، فاجلسوا بين يدي أهل العلم المتحققين به، وخذوا علومكم الشرعية عن هؤلاء العلماء، فإن الأمر دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أنه ﵌ قال: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا).
لا أريد أن أطيل أكثر من هذا.
أسأل الله جل وعلا أن يأجر الإخوة الجالسين تحت حرارة هذه الشمس بأن يقينا الله وإياهم حر جهنم، اللهم حرم وجوهنا على النار، اللهم حرم أجسادنا على النار، اللهم أدخلنا الجنة مع الأبرار.
اللهم لا تدع لأحدٍ منا في هذا الجمع الكريم المبارك ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا ثبته، ولا حاجة هي لك رضىً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين.
اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل اللهم فينا ولا منا ولا بيننا شقياً ولا محروماً.
اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى.
اللهم أنت غياثنا فبك نغوث، اللهم أنت ملاذنا فبك نلوذ، اللهم أنت عياذنا فبك نعوذ، يا منقذ الغرقى، يا منجي الهلكى، يا سامع كل نجوى، يا عظيم الإحسان، يا دائم المعروف، يا ذا الجلال والإكرام، يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا فعال لما يريد، يا ذا البطش الشديد، يا من ملأ نوره أركان عرشه، يا مغيث المستغيثين، ويا مجيب المضطرين، ويا مفرج كرب المكروبين، ويا كاشف هم المهمومين، اللهم فرج كربنا، اللهم اكشف همنا، اللهم أزل غمنا، اللهم ارحم ضعفنا، اللهم اجبر كسرنا، اللهم بين يديك ذل قلوبنا.
اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم أعلِ بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم احمل المسلمين الحفاة، اللهم اكس المسلمين العراة، اللهم أطعم المسلمين الجياع.
اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم فك سجن المسجونين، وأسر المأسورين، اللهم اهدِ شبابنا يا رب العالمين، اللهم احفظ شبابنا، اللهم أصلح شبابنا، اللهم احفظ نساءنا، اللهم استر أخواتنا، اللهم بارك في بناتنا.
﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [الفرقان:٧٤] اللهم اجعلنا للمتقين إماماً.
اللهم لا تتخل عنا يوم تخلى عنا المعين، اللهم كن لنا ناصراً يوم قل الناصر، اللهم كن للمسلمين ناصراً يوم قل الناصر، يا غياث المستغيثين! هتكت أعراض أخواتنا، وسفكت دماؤنا، وسلبت أرضنا، فاللهم مكن لأمة حبيبك المصطفى، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم اقبلنا وتقبل منا، وتب علينا وارحمنا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم لا تحرم مصرنا من الأمن والأمان، اللهم اجعل مصر سخاء رخاء وسائر بلاد المسلمين، اللهم ارفع عن مصر الغلاء والفتن والبلاء، اللهم اجعل مصر مسلمة لك بقدرتك يا أرحم الراحمين، اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا.
اللهم اشرح صدورنا بالإسلام، واملأ قلوبنا بالإيمان، اللهم ارزقنا الصدق في أقوالنا، والإخلاص في أعمالنا، واليقين في أحوالنا.
اللهم جنبنا الرياء والنفاق، اللهم وطهر قلوبنا من النفاق، اللهم اجمع صفنا، اللهم اجمع شملنا، اللهم ألف بين قلوبنا، اللهم وحد كلمتنا، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم وفق جميع إخواننا الطلاب، اللهم ذلل لإخواننا الطلاب الصعاب، اللهم يسر لهم الأسباب، اللهم فتّح لهم الأبواب، اللهم ذكرهم ما نسوا، اللهم علمهم ما جهلوا، اللهم اربط على قلوبهم، اللهم سدد أقلامهم، اللهم ذلل لهم الصعب، اللهم لا تفجع والديهم يا أرحم الراحمين.
أحبتي في الله! أكثروا من الصلاة والسلام على حبيبنا محمد كما أمرنا الله جل وعلا بذلك في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على نبينا وحبينا محمد، وعلى آله وصبحه وسلم.
هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
стр. 107
فصبر جميل
الصبر الجميل هو ترفع على الألم، الذي يضرب أعماق المؤمن، واستعلاء على الفتن، التي تعصف بالقلوب، وتزلزل الأفئدة، وثبات على محن الدعوة، وثقة كاملة في وعد الله جل وعلا، بالنصر الذي يأتي كسنة ثابتة من سنن الله، تلك عقبى الذين اتقوا، وعقبى الكافرين النار.
стр. 108
الصبر زاد الدعاة
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو، فلا خالق غيره ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة؛ ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الواحد الذي لا ضد له، وهو الصمد الذي لا منازع له، وهو الغني الذي لا حاجة له، وهو القوي الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو جبار السماوات والأرض فلا راد لحكمه ولا معقب لقضائه وأمره.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في سبيل الله حتى أجاب مناديه، وعاش طوال أيامه ولياليه يمشي على شوك الأسى، ويخطو على جمر الكيد، يوضح الطريق لهداية الضالين وإرشاد الحائرين، حتى علَّم الجاهل، وقوم المعوج، وأمَّن الخائف، وطمأن القلق، ونشر أضواء الحق والخير والتوحيد والإيمان، كما تنشر الشمس ضياءها في رابعة النهار، فاللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين، أما بعد:
стр. 109
أنواع الفتن
فمع اللقاء الحادي عشر من خواطر الدعوة إلى الله ، ولا زال حديثنا بفضل الله جل وعلا عن الزاد الذي لابد لكل داعية يسلك طريق الدعوة الطويل من تحصيله والتزود به، ولا زال حديثنا بفضل الله جل وعلا عن الصبر، وزاد اليوم: صبر جميل صبر جميل.
أحبتي في الله! ليس الإيمان كلمة تقال باللسان فحسب، ولكن الإيمان حقيقة ذات تكاليف، وأمانة ذات أعباء، وجهاد مرير يحتاج إلى صبر جميل، ولا يكفي أن يقول الناس: آمنا حتى يتعرضوا للفتن، ويثبتوا عليها، ويخرجوا منها خالصة عناصرهم صافية قلوبهم ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢]، فالفتنة أصل ثابت وسنة جارية في ميزان الله جل وعلا ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٣]، فكما تفتن النار الذهب لتخلص بينه وبين العناصر الشائبة والرخيصة العالقة به، كذلك تفعل الفتن في النفوس البشرية، ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٣]، لماذا؟ لأن هناك نموذجاً من الناس يعلن كلمة الإيمان في وقت الرخاء، يحسبها هينة الحمل، خفيفة المئونة، فإذا ما تعرض لفتنة من الفتن حتى ولو كانت هذه الفتنة هينة لينة استقبلها بهلع وجزع وفزع، واختلت في نفسه القيم، وطاشت بين يديه الموازين، وتزلزلت في قلبه العقيدة، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠]، إنه نموذج متكرر من البشر في كل حين وفي كل جيل، إنه نموذج يزن العقيدة والدعوة بميزان الربح والخسارة، يظن العقيدة والدعوة صفقة يتاجر بها في أسواق التجارة ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١]، هذا الصنف أيها الأخيار الكرام لا يصلح أن يكون صاحب دعوة، ولا حامل رسالة، ولا أميناً على منهج؛ لذا لو كان طريق الدعوة إلى الله جل وعلا هيناً ليناً مفروشاً بالزهور والورود والرياحين لسهل على كل إنسان أن يكون صاحب دعوة، وأن يكون حامل رسالة، وأن يكون مؤتمناً على منهج، وما اختلطت حينئذ دعوات الحق بدعوات الباطل الزائفة الكاذبة؛ لذا فلابد على طول طريق الدعوة إلى الله من الفتن التي تعصف بالقلوب، وتزلزل الأفئدة، لماذا؟ ليغربل الله ويمحص القائمين عليها ويفرز الزائفين عنها، ولتبرز دعوات الحق من بين دعاوى الباطل الكاذبة الزائفة: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٣]، فمن ثبت بعد هذه الفتن المزلزلة على طريق الدعوة الطويل فهو بحق وجدارة صاحب الأهلية لحمل راية الدعوة إلى الله ؛ ليسير بها بين الأشواك والصخور.
إنها فتن قاسية، إنها فتن مزلزلة، فهناك فتنة الظلم والبطش والطغيان من أهل الباطل والجبروت التي تصب صباً على رأس الداعية إلى الله جل وعلا، إن سلك طريق نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد تُصب على رأسه الفتن صباً، ويُصب عليه البلاء والاضطهاد صباً، وتزداد الفتنة حين لا يرى من يسانده ومن يقف إلى جواره من البشر، وتزداد الفتنة إذا لم يجد من القوة والمنعة والحماية ما يدفع به عن نفسه الأذى والبطش والظلم والجبروت والطغيان.
وهناك فتنة الأهل والأولاد الصغار الذين يخشى عليهم الداعية أن يصيبهم الأذى والفتنة بسببه، وقد يهتفون به، وينادون عليه، ويصرخون في وجهه باسم الحب باسم القرابة باسم الرحم أن يسالم أو يستسلم للبطش والظلم والطغيان، وقد تزداد الفتنة أذىً وبلاءً على رأس الداعية المؤمن إذا وقع الأذى على أهله وأولاده أمام عينيه وبين يديه، وهو لا يملك لهم شيئاً، ولا يستطيع أن يرد عنهم من الأذى شيئاً.
وهناك فتنة إقبال الدنيا على الظالمين، على المبطلين، على المهرجين، على الساقطين والراقصين، فتنة إقبال الدنيا عليهم، ورؤية الناس لهم مرموقين ناجحين: تهتف لهم الدنيا، وتصفق لهم الجماهير المخدوعة، وتصاغ لهم الأمجاد، وتحطم في طرقهم العوائق، وتذلل لهم الصعاب، وتيسر لهم الأسباب، وتفتح لهم الأبواب؛ والداعية المؤمن والمؤمن التقي النقي مهمل منكر، لا يحس به أحد، ولا يكرم من أحد، ولا يحتفي به أحد، بل ولا يحس بقيمة الحق الذي معه إلا القليلون من أمثاله الذين لا يملكون من أمر الحياة شيئاً.
وهناك فتنة الشهوات والشبهات التي تعصف بقلوب كثير من الناس، وتحيد بهم عن طريق الحق وعن الصراط المستقيم، وقد يحس الداعية أحياناً بشيء من اليأس والملل والفتور والقنوط، ويظن أن هذه القلوب لا يمكن أبداً أن تأتي وأن تسجد لعلام الغيوب جل وعلا.
وهناك فتنة أخرى خطيرة، نراها بارزة في هذه الأيام، تعصف بقلوب كثير من المسلمين، بل وتعصف بقلوب بعض الدعاة أحياناً ألا وهي أننا نرى أمماً ودولاً غارقة في الكفر والشرك، ومع ذلك نراها تقدر الإنسان كإنسان، نراها تقدر عقله وتحترم فكره وتنمي مواهبه وتزكي قدراته، بل وتفتح ذراعيها لكل المبدعين والموهوبين في شتى المجالات، حتى ولو كانوا من غير بني جنسها؛ في الوقت الذي يرى المؤمن نفسه في كثير من بلدان المسلمين مهضوماً، يحتقر فكره، ويزدرى عقله، ويمتهن رأيه، ويشار إليه بأصابع الإرهاب وأصابع التطرف والأصولية، ويسجن عقله، بل ويسجن بدنه.
إنها فتن قاسية فتن خطيرة، ويزداد الهم والغم والبلاء على كل سالك لهذا الطريق إذا طال أمد الفتنة، وأبطأ نصر الله جل وعلا، حينئذ تكون الفتنة أشد، ويكون الابتلاء أقسى وأعنف، ولا يثبت على طريق الدعوة إلى الله إلا من ثبته الله جل وعلا، وأمده الله بخير زاد، وأمده الله بأقوى ضياء وأعظم زاد للبلاء، ألا وهو الصبر الجميل، لابد تجاه كل هذه الفتن من الصبر الجميل، فما هو الصبر الجميل؟ هل الصبر الجميل هو الذي تصاحبه الشكوى؟! هل الصبر الجميل هو الذي يصاحبه الأنين والألم؟! هل الصبر الجميل هو الذي تصاحبه الشهوة الخفية -وإن لم تترجم على اللسان- ويقول حينها الداعية: هأنذا يا ربي قد دعوت فلم يستجب لي؟! كلا، إنما الصبر الجميل هو ترفع على الألم، واستعلاء على الفتن، وثبات على محن الدعوة، وثقة كاملة في وعد الله جل وعلا، واطمئنان مطلق في حكمة الله ورحمة الله وقدرة الله ووعد الله .
стр. 110
تعريف الصبر وأقسامه
حد الصبر الإمام ابن القيم حداً جامعاً في كتابه القيم (عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين) فقال: الصبر: هو حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي، وحسب الجوارح عن المعاصي.
وقسمه إلى ثلاثة أقسام، وهي: صبر على الطاعة أو صبر على المأمور، وصبر عن المعصية أو صبر عن المحظور، وصبر على البلاء والمصائب أو صبر على المقدور، صبر على الطاعة وصبر عن المعصية وصبر على المصائب والفتن والبلايا، ولابد لكل داعية إلى الله جل وعلا يسلك طريق الدعوة الشاق الطويل من التزود بأنواع الصبر الثلاثة، لابد أن يتزود بالصبر على طاعة الله، ولابد أن يتزود بالصبر عن معصية الله، ولابد أن يتزود بالصبر على جميع الفتن والبلايا والمصائب التي ستكال على رأسه كيلاً؛ لمجرد أنه سلك طريق لا إله إلا الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣٠]، إرهابيون أصوليون متطرفون متعنتون متشددون سطحيون ساذجون: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين:٣٠ - ٣٢]، لا إله إلا الله! هذا وعد الله جل وعلا وشهادة الله سبحانه.
стр. 111
أحاديث في الصبر
روى البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر)، الصبر أعظم عطاء؛ لذا قال: (والصبر ضياء) في الحديث الذي رواه مسلم من حديث الحارث الأشعري الطويل، (والصبر ضياء) أعظم ضياء وأعظم زاد للبلاء هو الصبر، وفي الحديث الذي رواه الترمذي بسند حسن أنه ﷺ قال: (إن عظم البلاء مع عظم الجزاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط).
وهذا هو الصحابي الجليل الذي تعرض للفتن والأذى، حتى كاد -يوم أن عصفت الفتنة بقلبه- أن يفقد الصبر، إنه خباب بن الأرت ﵁، يأتي إلى رسول الله ﷺ وقد اشتد الأذى وزادت الفتن على رءوسهم في مكة في أول أمر الدعوة، فيأتي خباب بن الأرت إلى النبي ﵊ ليشتكي إليه الحال، وليرفع إليه الشكوى، فيقول خباب -والحديث رواه البخاري -: (شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: يا رسول الله! ألا تدعو الله لنا؟ ألا تستنصر الله لنا؟ فقعد النبي ﵊ وقد احمر وجهه، وقال: والله لقد كان يؤتى بالرجل من قبلكم فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع في مفرق رأسه فيشق نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه ولحمه، فما يصده ذلك عن دينه، والذي نفس محمد بيده! ليتمن الله هذا الأمر-أي: هذا الدين- حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون).
لقد أوذي أصحاب النبي ﷺ ، أشد الأذى فهذا بلال يؤخذ تحت حرارة الشمس المحرقة في أرض الجزيرة في مكة، على تلك الرمال المتأججة الملتهبة، فيرمى على ظهره، وتوضع الحجارة القوية الكبيرة على صدره، لماذا؟ لأنه قال: لا إله إلا الله، إنها الجريمة القديمة الحديثة إنها شنشنة أهل الباطل القديمة الحديثة؛ لأنه قال: ربي الله، ولكن بلالاً الذي تمكن الإيمان من قلبه جعله يستعذب العذاب في سبيل الله جل وعلا، وما برح بلال وما زال بلال على هذه الأنشودة العذبة الحلوة التي ما زالت ترن في أذن الزمان بعد هذه القرون الطويلة، وهو يرددها في وجه الباطل بقوة وثقة واطمئنان: أحد أحد، يعلن وحدانيته لله، ويعلن إيمانه بالله جل وعلا، ولو مزقوا جسده تمزيقاً وقطعوه إرباً إرباً، فليأخذوا الجسد وليمزقوه فالروح متعلقة بالله جل وعلا، واللسان لا يفتأ يذكر الله ﷻ تحت سياط هذا العذاب، هذه والفتن.
وتعلمون ماذا فعل بآل ياسر بـ سمية، وبـ صهيب وبغيرهم حتى قالوا: (ألا تستنصر الله لنا؟) ولكن الرسول ﷺ يطمئنهم بأن الحق وإن طال البلاء ظاهر ظاهر.
وهذا ابن مسعود ﵁ -والحديث في البخاري ومسلم - يقول: (والله لكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يحكي نبياً من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم طرده قومه فأدموه، ونزف الدم على وجهه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)، لقد فتن النبي ﷺ وأوذي، لقد ابتلي النبي ﵊ ووضع التراب على رأسه، ونزف الدم الشريف من جسده الطاهر ولكنه صبر؛ لأن الله أمره بالصبر: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف:٣٥]، فاستجاب لأمر الله، وصبر لوعد الله جل وعلا، إنه البلاء، إنها الفتن -أيها الأحباب- ولابد من الصبر، لابد من الصبر على كل هذه الفتن، وعلى كل هذه الابتلاءات، ورحم الله من قال: يا صاحب الهم إن الهم منفرج أبشر بخير فإن الفارج الله وإذا بليت فثق بالله وارض به إن الذي يكشف البلوى هو الله الله يحدث بعد العسر ميسرة لا تجزعن فإن الصانع الله والله مالك غير الله من أحد فحسبك الله في كل لك الله أسال الله جل وعلا أن يرزقنا وإياكم صبراً جميلاً، وأن يجمل طريق دعوتنا وإياكم بالصبر، إنه ولي ذلك ومولاه، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 112
كثرة الأمر بالصبر في القرآن
أيها الأحباب! لابد من التزود بزاد الصبر الجميل على طول الطريق؛ لوعورته ومشقته، ومن ثم يأتي الأمر من الله جل وعلا لمن نذر نفسه، وتجردت روحه لهذه الدعوة، وانطلق يوم أن قال الله له: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:٢]، فقام وأنذر ولم يجلس طرفة عين حتى أتاه اليقين، دعا إلى الله جل وعلا بثبات وقوة وثقة واطمئنان وصدق وإخلاص، يأتيه الأمر من الله جل وعلا بعد كل هذا أن يتزود بالزاد الذي تزود به من قبل إخوانه من الأنبياء والمرسلين، فيقول ربنا جل وعلا: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥]، ويقول له جل وعلا: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل:١٠]، ويقول له جل وعلا: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨]، ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم:٤٨]، ويقول له جل وعلا: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل:١٢٧]، ويأتي الأمر للأمة من بعده ﷺ للتزود بهذا الزاد العظيم الجليل الكريم فيقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠]، ويقول جل وعلا: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥]، بل ويبشر الله الصابرين بثلاث بشارات هي والله خير من الدنيا وما فيها، فيقول سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ [البقرة:١٥٥]، هذا هو الطريق يوضح لنا من البداية: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٥]، من هم الصابرون؟ ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٦]، (إنا لله): كلنا لله، بعقولنا وأموالنا وأولادنا وجوارحنا، ﴿قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٦ - ١٥٧]، الله أكبر! ويبالغ الله في إكرام وتكريم الصابرين حتى في الجنة؛ بإدخال الملائكة عليهم لمصافحتهم والسلام عليهم وتهنئتهم بكرامة الله لهم، فيقول سبحانه: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد:٢٣ - ٢٤] بماذا؟ ﴿بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٤]، ولم لا والذي يعلم جزاء الصابرين إنما هو رب العالمين! ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠]، وتتجلى صورة التكريم للصابرين بمعية الله جل وعلا لهم فيقول سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣]، وبالجملة ذكر الإمام أحمد رحمه الله تعالى أن الله جل وعلا ذكر الصبر في تسعين موضعاً في القرآن الكريم، وهذا إن دل فإنما يدل على عظيم شرفه وكبير مكانته عند الله جل وعلا.
стр. 113
النصر مع الصبر
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين، أما بعد: أيها الأحبة! وإن كان الله جل وعلا قد جعل الابتلاء والفتن لأهل الإيمان سنة ثابتة سارية فاطمئنوا، واعلموا يقيناً أن النصر في نهاية الطريق سنة ثابتة سارية، وأن أخذ الله جل وعلا للظالمين والمجرمين سنة ثابتة سارية، قال الله: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ [الأنعام:٣٤]، لابد من النصر في نهاية الطريق، في الوقت الذي يشاء ربنا، إن الله لا يعجل لعجلة أحد، إن الله لا يعجل لعجلة أهل الابتلاء من الدعاة والصادقين، كلا، بل يأتي النصر في الوقت الذي يشاء ربنا، وبالقدر الذي يشاء ربنا جل وعلا، فعلينا أن نتأدب مع الله، وأن نصبر على بلاء الله، وعلى الفتن وعلى العقوبات والأذى، ونمضي ونحن نضع رءوسنا في الأرض انكساراً وذلاً لله جل وعلا، ولندع نتيجة الأمر ونهايته لمن بيده الأمر كله: ﴿قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٤]، أما أن نتململ ونقول: لقد دعونا فلم يستجب لنا! أو أن نقول: نحن ندعو إلى الله فلماذا نؤذى؟! فهذا من سوء الأدب مع الله جل وعلا، وإنما ينبغي أن ننطلق وأن ندع النتائج إلى الله ﷻ : ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥].
كن -أخي الحبيب- على يقين مطلق بكلام الله وكلام رسول الله ﷺ لك أن الله جل وعلا في النهاية لابد وحتماً أن يأخذ المجرمين والظالمين، أين فرعون؟! أين فرعون الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]؟! أين فرعون الذي قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١] فأجراها الله من فوقه! أين هو؟ أين قارون الذي ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨]، ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ [القصص:٨١]!! أين النمرود بن كنعان الذي قال للخليل: أنا أحيي وأميت؟! أين هو؟! قتله الله وأهلكه بذبابة! أين عاد؟! أين ثمود أين الظالمون وأين التابعون لهم في الغي بل أين فرعون وهامان أين من دوخوا الدنيا بسطوتهم وذكرهم في الورى ظلماً وطغيان هل أبقى الموت ذا عز لعزته أو هل نجا منه ذو السلطان إنسان لا والذي خلق الأكوان من عدم الكل يفنى فلا إنس ولا جان ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:٦ - ١٤] ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ [البروج:٤ - ١١] استمع أيها الحبيب! ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ﴾ [البروج:١٢ - ١٩] لا يصدقون ولا يؤمنون ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ * بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:١٩ - ٢٢].
أين الظالمون في كل زمان؟! أين الظالمون في كل مكان؟! ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢].
أما أنت أيها الداعية المظلوم! أما أنت أيها المؤمن المظلوم! يا من ابتليت في مالك! يا من ابتليت في عرضك! يا من ابتليت في شرفك! يا من ابتليت في زوجتك وأولادك! لا تجزع ولا تفزع ولا تحزن واصبر، فوالله إن وعد الله حق.
أيها المظلوم صبراً لا تهن إن عين الله يقظى لا تنام نم قرير العين واهنأ خاطراً فعدل الله دائم بين الأنام وإن أمهل الله يوماً ظالماً فإن أخذه شديد ذو انتقام أسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرزقني وإياكم صبراً جميلاً، وأن يثبتني وإياكم على البلاء والفتن التي تصب على رءوسنا في هذه الأيام صباً، إنه ولي ذلك ومولاه، وهو على كل شيء قدير.
أحبتي في الله! بهذا نكون قد أنهينا بفضل الله جل وعلا الزاد الذي لابد من تحصيله للدعاة على طريق الدعوة الشاق الطويل، ورأيت بفضل الله سبحانه وتوفيقه أن أوضح لكم وأن ألخص ما ذكرناه في اللقاءات العشرة الماضية، بصورة عملية متجسدة متحركة حية للدعوة إلى الله ، وأظنكم جميعاً ستتفقون معي على أن هذه الصورة الكاملة المشرقة التي لابد أن نتأسى بها وأن نقتدي بها هي دعوة محمد ﷺ ؛ لذا فلقاؤنا -إن قدر الله لنا البقاء واللقاء في المجلس المقبل سيكون بعنوان مع أعظم داعية عرفته الدنيا؛ لتبقى لنا جمعة واحدة في سلسلة خواطر الدعوة، وبعد ذلك سوف تكون الخطبة بعنوان: بشرى وأمل.
اسأل الله جل وعلا أن يبشر قلوبنا وقلوبكم بنصرة دينه، اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام، اللهم أقر أعيننا بعز المسلمين، اللهم أقر أعيننا بعز المسلمين، اللهم أعل بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم أذل الشرك والمشركين والكفرة والملحدين برحمتك يا رب العالمين! اللهم ارزقنا الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد برحمتك يا رب العالمين! اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم لا تدع لأحد منا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا ثبته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين! أحبتي في الله! أكثروا من الصلاة والسلام على نبينا وحبيبنا محمد، كما أمركم الله جل وعلا بذلك في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
стр. 114
وقفات مع آية الكرسي
في هذه المادة يقف الشيخ في محراب أعظم آية في القرآن الكريم، ذاكراً فضلها والحقائق الواردة فيها، مع بيان لكل جملة في الآية، مسترشداً بهديها وما تضمنته من الأسماء، مذكراً بعقيدة أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات.
стр. 115
فضل آية الكرسي
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وما كان معه من إله، الحمد لله الذي لا إله إلا هو فلا خالق غيره ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة؛ ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الواحد الذي لا ضد له، وهو الصمد الذي لا منازع له، وهو الغني الذي لا حاجة له، وهو القوي الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو جبار السموات والأرض فلا راد لحكمه، ولا معقب لقضائه وأمره، وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصلِّ اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل مني وإياكم صالح الأعمال، وأن يجمعني وإياكم في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد الدعاة وإمام النبيين في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! إننا اليوم على موعد مع أعظم آية في القرآن الكريم كله، إنها سيدة آي القرآن، إنها آية تتكون من خمسين كلمة، ومن عشر جمل، تكرر فيها اسم الله جل وعلا ثماني عشرة مرة ما بين مضمر وظاهر، اشتملت على معظم قواعد التوحيد والصفات لرب الأرض والسماوات، إننا اليوم مع موعد مع آية الكرسي.
والدليل على أن آية الكرسي أعظم آية في القرآن الكريم كله ما رواه الإمام مسلم من حديث أُبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يا أبا المنذر -يخاطب النبي أُبي بن كعب - أيُّ آية من كتاب الله معك أعظم؟ فقال أُبي بن كعب: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] يقول أُبي: فضرب النبي ﷺ في صدري وقال: ليهنك العلم -أي: هنيئاً لك العلم- أبا المنذر).
إننا اليوم على موعدٍ مع سيدة آي القرآن الكريم كله، وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: (وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ يحثو من الطعام فأخذته، وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، فقال: دعني فإني محتاج وعليَّ عيالٌ وبي حاجةٌ شديدة، يقول أبو هريرة: فرحمته فخليت سبيله، فلما أصبحت سألني رسول الله ﷺ وقال: ما فعل أسيرك البارحة يا أبا هريرة؟ فقلت: يا رسول الله! اشتكى حاجة وعيالاً وفقراً فرحمته وخليت سبيله، فقال النبي ﷺ : أما إنه قد كذبك وسيعود، يقول أبو هريرة: فعرفت أنه سيعود لكلام رسول الله ﷺ ، فلما جاء يحثو من الطعام أخذته، وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، فاشتكى إلى أبي هريرة ما شكاه المرة الأولى، قال: دعني فإني محتاج وعليَّ عيال وبي حاجة شديدة، يقول أبو هريرة: فرحمته وخليت سبيله، فلما أصبحت قال لي رسول الله ﷺ : ما فعل أسيرك البارحة يا أبا هريرة؟ فقال: يا رسول الله! اشتكى إليَّ عيالاً وحاجةً وفقراً فرحمته وخليت سبيله، فقال النبي ﷺ : أما إنه قد كذبك وسيعود، يقول: فعرفت أنه سيعود فرفضته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام فأخذته، وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، فقال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قال أبو هريرة: ما هن؟ فقال له: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥] إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي فإنه لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطانٌ حتى تصبح، يقول فلما أصبحت سألني رسول الله ﷺ : وقال: ما فعل أسيرك البارحة يا أبا هريرة؟ فقال أبو هريرة: زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها، فقال النبي ﷺ ما هن؟ فقال أبو هريرة: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي فإنه لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطانٌ حتى تصبح، فقال النبي ﷺ : أما إنه قد صدقك وهو كذوب، ألا تعرف من تخاطب منذ ثلاثٍ يا أبا هريرة؟ قال أبو هريرة: لا.
فقال النبي ﷺ : ذاك شيطان).
أيها الأحبة! هذا فضل آية الكرسي كما ورد في الصحيح.
стр. 116
وقفات في محراب آية الكرسي
فتعالوا بنا نقف بسرعة في محراب هذه الآية الجليلة العظيمة الكريمة التي تبدأ بهذه الحقيقة الكبرى، وبهذه الحقيقة الأولى في هذا الوجود: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة:٢٥٥] الله أكبر! إن هذه الحياة البشرية كلها لتجد فاكهة القيمة مبتورة الهدف، معدومة النفع، إن لم تكن هذه الحياة مرتبطة بمنشئها الأول، وقدوسها الأجل الأعظم جل وعلا.
стр. 117
وقفة مع قوله تعالى: (الله لا إله إلا هو)
﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة:٢٥٥] إنها الحقيقة الأولى في هذا الوجود التي يشهد بها وعليها الكون كله، من عرشه إلى فرشه، ومن سمائه إلى أرضه، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٦٤].
إنها آيات توحد الله جل وعلا، وتنطق بوحدانية الله جل وعلا
ففي كل شيء له آية تدل على أنه هو الواحد
﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ * سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ * وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٣٣ - ٤٠].
وقال الله : ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [النمل:٦٠] استفهام استنكاري ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ [النمل:٦٠].
وبعد توحيد الربوبية الذي أقر به المشرك الأول، ينتقل الحق جل وعلا من توحيد الربوبية إلى توحيد الألوهية الذي لا بد منه، بل والذي لا ينفع توحيد الربوبية بدونه: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل:٦٠ - ٦٥].
الله ربي لا أريد سواه هل في الوجود حقيقة إلاه
الشمس والبدر من أنوار حكمته والبر والبحر فيض من عطاياه
الطير سبحه والوحش مجده والموج كبره والحوت ناجاه
والنمل تحت الصخور الصمِّ قدسه والنحل يهتف حمداً في خلاياه
والناس يعصونه جهراً فيسترهم والعبد ينسى وربي ليس ينساه
...
سل الواحة الخضراء والماء جاريا وهذي الصحاري والجبال الرواسيا
سل الروض مزداناً سل الزهر والندى سل الليل والأصداح والطير شاديا
وسل هذه الأنسام والأرض والسما وسل كل شيء تسمع التوحيد لله ساريا
ولو جن هذا الليل وامتد سرمدا فمن غير ربي يرجع الصبح ثانيا
أإله مع الله، لا رب غيره ولا معبود سواه.
﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة:٢٥٥] إنها الحقيقة الأولى في هذا الوجود التي يشهد بها وعليها الكون كله من عرشه إلى فرشه، ومن سمائه إلى أرضه، ورحم الله الإمام أحمد يوم أن أمسك البيضة بين يديه يوماً وقال: هاهنا حصنٌ حصين أملس، ليس له باب وليس له منفذ، ظاهره كالفضة البيضاء، وباطنه كالذهب الإبريز، فبينما هو كذلك إذ انصدع جداره، وخرج منه حيوان سميع بصير، ذو شكل حسن وصوت مليح.
في كل شيء له آية تدل على أنه الواحد
يا أعرابي! يا من تربيت في مدرسة الفطرة، ما الدليل على وجود الله؟ قال: البعرة تدل على البعير، وأثر السير يدل على المسير، سماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، أفلا يدل ذلك كله على اللطيف الخبير؟ ومن أروع ما قاله المفكر والفيلسوف سيسل هامان قال: إن الإنسان إذا ما اكتشف قانوناً في هذا الكون يصرخ هذا القانون قائلاً: إن الله هو خالقي، وليس الإنسان إلا مكتشفا: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت:٥٣].
أيها الأحبة! إن الإقرار بأن الله جل وعلا هو الخالق، وهو الرازق، وهو المدبر، وهو المحيي، وهو المميت، يجب على من أقر لله بذلك أن يصرف العبادة بركنيها من كمال الحب والذل إليه، وبشرطيها من إخلاص واتباع إليه، أما أن نقر لله بالخلق والرزق والأمر والتصريف والتدبير، وأن نصرف العبادة لأحدٍ مع الله، أو لأحدٍ من دون الله فهذا شرك بالله جل وعلا، ومن ثم إذا وجهنا العبادة لله جل وعلا وجب علينا أن نستمد تشريعنا من الله جل وعلا وحده، فليس من حق هيئة، أو سلطة، أو مجلس نيابي، أو برلماني، أو دولة أن تشرع للبشر من دون الله جل وعلا: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف:٣٩ - ٤٠] لا لهيئة، ولا لدولة، ولا لمجلسٍ شعبي، ولا لمجلسٍ شوروي، ولا لبرلمان، ولا لأحدٍ على ظهر هذه الأرض أن يشرع للخلق من دون الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور:٥١].
أما المنافقون فهم الذين -والعياذ بالله- يعرضون عن حكم الله، ويعرضون عن شرع الله، ويعرضون عن منهج الله، ويعرضون عن سنة الحبيب رسول الله ﷺ .
إن أول حق لله علينا أن نوحده توحيداً شاملاً، توحيداً كاملاً، أن نقر له بتوحيد الربوبية، بل وبتوحيد الألوهية، بل وبتوحيد الأسماء والصفات، بل وبتوحيد الحاكمية، فإن من أعظم مفاهيم كلمة التوحيد أن يكون الحكم لله جل وعلا لا لأحد سواه: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٤٠].
فإذا أقر المسلم لله بالخلق والرزق لا يجوز له ألبتة أن يذهب حراً طليقاً ليختار لنفسه من المناهج والقوانين والأوضاع التي هي من صنع البشر، بل من صنع المهازيل من البشر من الشيوعيين، والعلمانيين، والديمقراطيين، والزنادقة، والفجرة، والفسقة الذين تتحكم فيهم الأهواء والشبهات والشهوات، وأن يترك شرع الله وشرع رسول الله ﷺ .
﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة:٢٥٥] أن نقر لله بالتوحيد، وهذا هو أول حق لله علينا، كما في الصحيحين من حديث معاذ بن جبل قال: (كنت رديف النبي ﷺ يوماً على حمار، فقال لي رسول الله: يا معاذ! أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً).
أيها الحبيب! هذا هو حق الله عليك، أن تعبد الله جل وعلا، وأن توحد الله جل وعلا، وأن تصرف العبادة بركنيها وبشرطيها لله جل وعلا؛ لأن الذي خلق، والذي رزق، والذي أبدع هو الذي يستحق أن يعبد: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤] لا نظير له، ولا شبيه له، ولا كفء له، ولا ند له، ولا مثيل له: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] الحي الذي لا يموت ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
إذا ما أمر الل
стр. 118
وقفة مع قوله: (الحي القيوم)
﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] الذي يحتاج إليه غيره ولا يحتاج هو إلى غيره، القيوم: الذي تفتقر إليه جميع المخلوقات ولا يفتقر هو إلى خلقه بل هو الغني عن الخلق، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر:١٥ - ١٧]،.
(يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وأنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وأنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً) لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية.
стр. 119
وقفة مع قوله تعالى: (لا تأخذه سنة ولا نوم)
﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] ورد في صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أنه قال: (قام فينا رسول الله ﷺ بأربع كلمات، فقال: إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل، وعمل الليل قبل عمل النهار، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه).
стр. 120
وقفة مع قوله تعالى: (له ما في السموات وما في الأرض)
﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٥٥] فالملك ملكه، والجميع تحت قهره وتحت عبوديته.
﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٥٥] السماوات ملكه، والأرض ملكه، بل وما في السموات وما في الأرض ملك لله جل وعلا يقول الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥].
стр. 121
وقفة مع قوله تعالى: (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه)
﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] لا يجوز لمخلوق ألبتة أن يشفع يوم القيامة إلا بعد إذن الله، وبعد رضا الله جل وعلا يقول الله تعالى: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦] لا بد أن نتعلق بالله، ولا بد أن نصحح عقيدتنا في الله، ولا بد أن نعلم أن الأمر كله بيد الله.
стр. 122
وقفة مع قوله تعالى: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم)
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة:٢٥٥] إنه العلم المحيط الشامل الكامل يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧] معهم أينما كانوا بعلمه، بقدرته، بإرادته، بإحاطته، بقهره، لا تقل: معهم بذاته، فلا تقع فيما وقع فيه أهل الحلول والاتحاد، حيث جعلوا ذات الله جل وعلا قد حل في كل شيء، وقالوا كلاماً يعف اللسان عن ذكره على منبر رسول الله ﷺ ﴿هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧] معهم بعلمه، وبسمعه، وببصره، ما من جبل على ظهر هذه الأرض إلا وهو يعلم ما في وعره، ولا بحرٍ على سطح هذه الأرض إلا ويدري الله ما في قعره: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر:١١].
وهاهي المرأة الأعرابية تعلمنا هذا الدرس العجيب العظيم، يوم أن ذهب إليها الأعرابي في الصحراء ليراودها عن نفسها، فقالت له لتعلمه: هلا ذهبت واطمأننت هل نام الجميع، فعاد هذا الأعرابي فرحاً بلذةٍ فانية لمعصية يظل ذلها دائماً، قال لها: أبشري فلقد نام الناس جميعاً، ولا يرانا إلا الكواكب، فنظرت إليه هذه الأعرابية قائلة: وأين مكوكبها؟ ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [المجادلة:٧] يوم تتطاير الصحف، وتنشر السجلات، وينادى عليك باسمك، وتعطى هذه الصحيفة، تلك الصحيفة التي لا تغادر بليةً كتمتها، ولا مخبأة أسررتها، فكم من معصية قد كنت نسيتها ذكرك الله إياها، وكم من مصيبة قد كنت أخفيتها أظهرها الله لك وأبداها، فيا حسرة قلبك وقتها على ما فرطت في دنياك من طاعة مولاك.
تذكر وقوفك يوم العرض عريانا مستوحشاً قلق الأحشاء حيرانا
والنار تلهب من غيظ ومن حنق على العصاة ورب العرش غضبانا
اقرأ كتابك يا عبدي مهلٍ فهل ترى فيه حرفاً غير ما كانا
فلما قرأت ولم تنكر قراءته وأقررت إقرار من عرف الأشياء عرفانا
نادى الجليل خذوه يا ملائكتي وامضوا بعبد عصى للنار عطشانا
المشركون غداً في النار يلتهبوا والمؤمنون بدار الخلد سكانا
أسأل الله جل وعلا أن يختم لي ولكم بخاتمة التوحيد.
وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 123
وقفة مع قوله تعالى: (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِ وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة! يقول الحق جل وعلا: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥] لا يطلع أحد على علمٍ إلا بعد أن يعلمه الله إياه: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥] كما قال الخضر ﵇ لموسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام: أنا على علم من علم الله علمنيه، وأنت على علمٍ من علم الله علمكه الله جل وعلا.
وفي النهاية فإن علم الخلق جميعاً إلى جوار علم الله كما قال الله عزوجل: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان:٢٧] في النهاية: أرسل الله للخضر وموسى عصفوراً فنقر هذا العصفور قطرة من ماء البحر، فقال الخضر لموسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام: إن علمي وعلمك في علم الله جل وعلا بمقدار ما أخذ هذا العصفور من ماء البحر.
стр. 124
وقفة مع قوله تعالى: (وسع كرسيه السماوات والأرض)
﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥] لا يصعب عليه شيء، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فهو الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض، وهو الذي يمسك السماء أن تزول، وهو الذي يمسك الأرض أن تزول: ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥].
стр. 125
مذهب أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات
ومذهبنا واعتقادنا في كل هذه الصفات التي وردت في هذه الآية ما عليه جمهور سلف الأمة رضوان الله عليهم، أننا نؤمن بجميع هذه الصفات، ونمرها صريحة كما جاءت في القرآن من غير تحريف لألفاظها، ومن غير تحريف لمعانيها، ومن غير تعطيل، ومن غير تكييف، ومن غير تمثيل، فكل ما دار ببالك -أيها الحبيب- فالله بخلاف ذلك: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] لا تدركه العقول، ولا تكيفه الأذهان: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣] هذا هو مذهب سلف الأمة في هذه الصفات، فنؤمن بأن لله جل وعلا أسماء الجلال، وصفات الكمال من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.
أسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا وإياكم ممن يقفون عند القرآن، وممن يحولوا القرآن في حياتهم إلى واقع.
اللهم رد الأمة إلى القرآن رداً جميلاً، اللهم رد الأمة إلى القرآن رداً جميلاً، اللهم رد الأمة إلى القرآن رداً جميلاً، اللهم هيئ لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، أنت ولي ذلك والقادر عليه.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم لا تدع لأحد منا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين.
اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل اللهم فينا ولا منا شقياً ولا محروماً.
اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى.
اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأعلِ بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم احمل المسلمين الحفاة، واكسُ المسلمين العراة، وأطعم المسلمين الجياع، برحمتك يا أرحم الراحمين.
أحبتي في الله! أكثروا من الصلاة والسلام على نبينا وحبيبنا محمد، فلقد أمرنا الله جل وعلا بذلك في محكم تنزيله فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهوٍ أو زللٍ أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
стр. 126
التبرج والسفور
خلق الله الخلق لعبادته، ولإعمار الأرض.
وحتى يبقى الاستخلاف ويدوم الإعمار خلق الله البشر على جنسين: ذكور وإناث، وجعل ميل كل منهما للآخر فطرة، ثم هذب هذه الفطرة بالزواج، فجوز وحبب ميل الرجل لامرأته والعكس، وحرم ميل الرجل لأجنبية والعكس، وحرم كذلك المقدمات التي تؤدي لمثل هذا الميل المحرم من تبرج وسفور واختلاط وغير ذلك، وقد منع كل ذلك حتى تكون حياة المجتمع المسلم طاهرة نقية.
стр. 127
تحريم التبرج وفرض الحجاب وأسباب ذلك
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فمع الدرس الرابع من دروس سورة الستر والعفاف في سورة النور، وما زلنا بفضل الله جل وعلا نتحدث عن جريمة الزنا وعن الضمانات الوقائية التي وضعها الإسلام حماية لأفراد المجتمع الإسلامي من الوقوع في هذه الكبيرة الخطيرة، وقلنا: إن هذه الضمانات تتلخص فيما يلي: أولاً: تحريم النظر إلى المحرمات.
ثانياً: تحريم التبرج وفرض الحجاب على المرأة المسلمة.
ثالثاً: تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية، ومنع الاختلاط المستهتر.
رابعاً: تحريم الغناء باعتباره بريد الزنا.
خامساً: الحض على الزواج لمن استطاع إليه سبيلاً، والحض على الصوم لمن لم يستطع الزواج، والحض على عدم المغالاة في المهور تيسيراً لتكاليف الزواج.
ولقد تكلمنا في اللقاء الماضي -بفضل الله جل وعلا- عن أول ضمان من هذه الضمانات الوقائية، ألا وهو تحريم النظر إلى ما حرم الله جل وعلا، وبينا ما يتعلق بهذا الباب من أحكام فقهية، نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب.
أيها الأحبة! نحن اليوم على موعد مع الضمان الثاني من هذه الضمانات الوقائية التي جعلها الإسلام سياجاً واقياً وحامياً لأفراده من الوقوع في هذه الفاحشة الكبرى، ألا وهو: تحريم التبرج وفرض الحجاب على المرأة المسلمة.
أيها الأحبة! إن الإسلام يهدف إلى إقامة مجتمع طاهر ونظيف؛ لا تهاج فيه الشهوات في كل لحظة، ولا تستثار فيه دوافع اللحم والدم في كل حين؛ لأن عمليات الاستثارة المستمرة لهذه الغرائز الهاجعة والشهوات الكامنة تنتهي إلى سعار شهواني لا يرتوي ولا ينطفئ، فالحركة المثيرة، والزينة المتبرجة، واللحن العاري، والرائحة المؤثرة، والمشية المتكسرة، والقولة اللينة المترققة كلها لا تصنع إلا أن تثير هذه الشهوات الهاجعة والغرائز الكامنة كلها تتكاتف لتصب في هذا المستنقع الآسن وفي هذه النار المشتعلة المتأججة المحرقة، ألا وهي نار الشهوات والفتن التي توصلها كل هذه الأشياء إلى قلوب الشباب والرجال وأصحاب القلوب المريضة! نسأل الله أن يحفظنا وإياكم.
стр. 128
ميل الرجال إلى النساء ميل فطري
المرأة -أيها الأحباب- بينها وبين الرجل ميلٌ فطري، ميلٌ عميقٌ في التكوين الحيوي والنفسي؛ لأن الله جل وعلا قد أناط بهذا المني امتداد الحياة على ظهر هذه الأرض، لذا فإن عملية الجذب بين الرجل والمرأة عملية مستمرة لا تنتهي ولا تنقطع أبداً، وكذب من ادعى بأن مسألة الاختلاط بين الجنسين تزيل هذا الوباء والبلاء.
إن مسألة الميل الفطري بين الرجل والمرأة مسألة عميقة في تكوين النفس البشرية، جعلها الله كذلك ليضمن بها امتداد الحياة البشرية على ظهر هذه الأرض، والمرأة بطبيعتها جبلت بالجبلة وفطرت بالطبيعة على الأنوثة وحب الجمال وحب الزينة، والإسلام لم يعاكسها في هذه الفطرة التي فطرت عليها، ولم يتنكر الإسلام لهذا الخُلق الذي جبلت المرأة عليه أبداً، ولكن الإسلام لما طلب من المرأة أن تتزين حدد الإسلام لمن تكون هذه الزينة، ولمّا حرم الإسلام الزينة على المرأة حدد الإسلام من تحرم عليه هذه الزينة، فوضع الإسلام شروطاً وقيوداً وحدوداً.
فإذا تفلتت المرأة من هذه القيود والشروط وتعدت هذه الحدود؛ أصبحت ناراً محرقة متأججة لا تبقي ولا تذر، وخرجت سافرة متبرجة متعطرة لترسل سهام الفتنة والشهوة في قلوب الشباب والرجال! وحينئذٍ يصبح المجتمع جحيماً لا يطاق، وتحل فيه الفوضى، فلا راحة ولا هدوء ولا استقرار ولا أمان ولا فضيلة ولا خلق بل خطر كبير وشر مستطير، هذا إن تفلتت المرأة من حدود الله جل وعلا وتجاوزت القيود التي وضعها لها الإسلام، وخرجت متبرجة متعطرة متزينة تعاند الله جل وعلا، وهي تقول بلسان الحال: يا رب، غيِّر شرعك وبدل دينك؛ فإن الحجاب لم يعد يساير مدنية القرن العشرين، وخرجت كالعروس المزخرفة إلى الشوارع والطرقات، وقد أخذت زخرفها وتزينت وهي تقول بلسان الحال:
ألا تنظرون إلى هذا الجمال هل من راغب في القرب والوصال
هذا هو لسان حال المتبرجة التي تفلتت من حدود الله جل وعلا، وعاندت شرع ربها المعبود .
стр. 129
تبرج المرأة من أعظم أسباب السقوط في المجتمع الإسلامي
أيها الأحبة: لقد علِم أعداء ديننا أن المرأة من أعظم أسباب القوة في المجتمع الإسلامي، وعلِموا أنها من أخطر وسائل الهدم والتدمير في المجتمع الإسلامي فراحوا يخططون ويدبرون لمسخ هذه الأمة، ولقلب هوية هذه الأمة، ولتدمير أخلاق هذه الأمة التي بها وصلت إلى ما وصلت إليه فأذل كسرى وأهين قيصر يوم أن فشلوا في احتلال أرضنا احتلالاً عسكرياً بالجيوش، وقالها لويس التاسع يوم أن أسر في دار ابن لقمان بـ المنصورة بـ القاهرة قالها صريحة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، قال: إنه لم يعد من الممكن السيطرة على بلاد المسلمين بالجيوش العسكرية، فلا بد -الآن- من البحث عن سبيل جديد لغزو المسلمين، وكان الغزو الفكري أخطر بكثير من الغزو العسكري.
وبالتالي -أيها الأحباب- لم يسحب أعداء الدين جيوشهم من أرضنا وبلادنا إلا بعد أن اطمأنوا أنهم خلّفوا وراءهم في بلادنا جيشاً أميناً على كل أهدافهم، وأطلقوا على هذا الجيش الأمين الذي أخذ عنوة ليحج إلى قبلته وكعبته في الشرق الملحد تارة، وفي الغرب الملحد تارة أخرى، وعاد هؤلاء الذين أطلق عليهم أعداء ديننا أضخم الألقاب والأوصاف كالمحررين والمفكرين والمطورين، عاد هؤلاء بعد أن شربوا من هذا المستنقع الآسن العفن، عادوا لينفثوا سموم فكرهم النتن في عقول المسلمين والمسلمات، وأخذوا يطلقون هذه السهام المسمومة والرماح القاتلة تحت هذه الألقاب والشعارات البراقة التي خدعت كثيراً من المسلمين والمسلمات، ألا وهي: حرية المرأة، مساواة المرأة بالرجل، تحرير المرأة.
وهل كانت المسلمة أمة يا دعاة السفور، والفسق والانحلال؟! هل كانت المسلمة أمة حتى تحرروها؟! لا والله: إن الإسلام هو أول من أنصف المرأة -يا عباد الله- بعد أن كانت قبل الإسلام من سقط المتاع؛ تشترى في الأسواق وتباع، بل ويتاجر بها في أسواق الدعارة والعهر والفجور، فقد كان الوالد يقدم ابنته ويقدم زوجته في بيت من البيوت ويرفع عليه الراية الحمراء ليقتضي وليتقاضى الدراهم العفنة من وراء هذا العمل وهذه المعصية، والدعارة الماجنة! كانت المرأة تشترى وتباع، ويتاجر بها في أسواق الشهوات والنزوات، وكانت تقتل وهي حية خوف الفقر والعار: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩] فجاء الإسلام ليعلي مكانة المرأة وليرفع من شأنها وليضعها في مكانتها التي تليق بها كإنسانة عظيمة بيدها عظمة هذا المجتمع.
إن الإسلام هو الذي جعل النساء شقائق الرجال.
إن الإسلام هو الذي جعل بر الأمهات مقدماً على بر الآباء.
إن الإسلام هو الذي جعل الجنة تحت أقدام الأمهات.
стр. 130
عودة المرأة المسلمة إلى الله من ركائز الصحوة الإسلامية
يا بنت الإسلام، يا أصل العز، والشرف، والحياء.
يا بنت خالد، والفاتح، وصلاح الدين، ومحمد بن مسلمة أين العز والشرف، وأين السؤدد والمجد، وأين الحياء والكبرياء.
لقد عز على هؤلاء أن تكوني فوق كرسي مملكتك، فجاءوك على حين غرة، وعلى حين غفلة من أبنائك البررة، فأنزلوك من على عرشك، وأخرجوك من حصنك المنيع، ولكن الحمد لله، أننا رأينا المرأة المسلمة من جديد، ترفع بيمينها كتاب الله جل وعلا، وبشمالها سنة رسول الله ﷺ وقد لبست الحجاب ورددت الأنشودة العذبة الحلوة لله جل وعلا، سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا، اغفر لنا ما سلف من الزينة والتبرج والعري، غفرانك ربنا وإليك المصير.
والله إننا نرى من ركائز هذه الصحوة الإسلامية عودة المرأة المسلمة إلى الله جل وعلا، فمرحباً مرحباً بك، مرحباً بك يا أماه، مرحباً بك يا أختاه، مرحباً بك يا بنتاه، مرحباً بك أيتها الكريمة الفاضلة، تحت ظلال شرع الله، وفي كنف دين ابن عبد الله ﷺ .
مرحباً بك تحت شجرة الحياء، مرحباً بك تحت ظلال الحياء، تعالي إلى الله، أقبلي إليه وعودي إليه، واعلمي يا أختاه، أن المؤمنة التقية النقية الطاهرة، هي التي تسلم وجهها لله جل وعلا، وتذعن لأمر الله ﵎.
أمرها الله بالحجاب فتقول: سمعاً وطاعة.
أمرها الله بعدم الخروج متعطرة فقالت: سمعاً وطاعة.
أمرها الله بعدم الخروج متبرجة فقالت: سمعاً وطاعة.
أمرها الله بأي شيء تسلم وتذعن لأمره، وهي طائعة محبة مختارة، كملت عبوديتها لله جل وعلا تقول: سمعاً وطاعة لله جل وعلا ولرسول الله ﷺ .
أما المتبرجة والسافرة، التي نزعت برقع الحياء عن وجهها، وخرجت سافرة متبرجة عارية، متعطرة متطيبة، على مرأى ومسمع من زوجها، وأبيها، وأخيها، إنا لله وإنا إليه راجعون.
أين الغيرة والشرف والحياء والرجولة والكرم والمروءة؟ أين الرجولة يا من ترى ابنتك الجامعية تخرج إلى الجامعة سافرة متبرجة، متطيبة عارية؟! أين رجولتك، أين مروءتك، أين دينك، أين إسلامك، أين الشهامة وأين الرجولة؟! زوجتك تخرج سافرة متطيبة على مرأى ومسمع منك يا عبد الله، اتق الله اتق الله أيها الرجل، اتق الله أيها الزوج، اتق الله أيها الأخ.
стр. 131
تكريم الإسلام للمرأة
إن الإسلام هو الذي كرم المرأة كبيرة، بل وكرمها وقدرها صغيرة، فاسمعوا إلى رسول الله ﷺ واستمعن أيتها المسلمات الفاضلات في كل مكان على أرض الله جل وعلا، استمعن إلى هذه الأحاديث الفاضلة العظيمة لتعلمي أيتها الأخت الفاضلة أن الإسلام كرمك وعظمك وشرفك ورفعك من هذا المستنقع الآسن، إلى قمة المجد والسؤدد.
يقول الحبيب ﷺ ليرد على دعاة الإباحية والتحرر والسفور الذين تباكوا على المرأة المسلمة التي ظلمت في ظل الإسلام والتي هضم حقها في ظله، وضاعت حقوقها في ظله فاستمعن أيتها المسلمات، واسمعوا يا دعاة الفسق والسفور والانحلال، ماذا قال الإسلام عن المرأة وفي أي الأماكن بوأها، يقول النبي ﷺ في جزء من الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ يقول: (استوصوا بالنساء خيراً).
وفي الحديث الذي رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: (لا يفرك مؤمن مؤمنة)، أي: لا يبغض مؤمن مؤمنة إن كانت زوجته (لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر).
وفي الحديث الذي رواه الترمذي وقال: حديث صحيح، من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم).
وفي الحديث الذي رواه ابن عساكر، وصححه الإمام السيوطي في الجامع أنه ﷺ قال: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي، وما أكرم النساء إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم).
ولم يكتف الإسلام بتقدير المرأة كبيرة، وإنما قدرها وأجلها واحترمها وهي صغيرة، فاسمعوا إلى رسول الإسلام والسلام ﷺ يقول في الحديث الذي رواه مسلم من حديث أنس بن مالك ﵁: (من عال جاريتين -من رزقه الله بابنتين اثنتين ورباهما تربية طيبة- حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين، وقرن بأصبعيه بين السبابة والوسطى) أسمعتم -يا عباد الله- هذه مكانة البنت في الإسلام! هذه مكانة المرأة في دين ابن عبد الله ﷺ ، ووضحت رواية الترمذي ذلك فقال: (وقرن بين أصبعية السبابة والوسطى) وفي رواية أبي داود قال ﵊: (من عال ثلاث بنات فأدبهن وزوجهن وأحسن إليهن، فله الجنة).
وفي رواية البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: (دخلت علي امرأة ومعها ابنتان لها، فسألتني فلم تجد عندي شيئاً غير تمرة واحدة فأعطيتها إياها) ولا ينبغي أن نمر على هذا سريعاً، وإنما ينبغي أن نقول: إن هذا بيت من بيوت المصطفى ﷺ لا يوجد فيه إلا تمرة واحدة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧] والتمرة فيها ذرات خير كثيرة، إن تُصدق بها ابتغاء وجه الله جل وعلا! فتصدقت بالتمرة عليها، تقول أمنا السيدة عائشة ﵂: (فقسمتها المرأة بين ابنتيها -إنه قلب وحنان الأم وينبوع الحنان والرحمة- ولم تأكل منها شيئاً! ثم قامت وخرجت والبنتان) تقول عائشة: (فدخل عليَّ النبي ﷺ فحدثته حديثها فقال ﵊: من ابتلي من البنات بشيء فأحسن إليهن، كن له ستراً من النار).
أسمعتم يا دعاة الانحلال؟! أسمعتم يا دعاة التبرج والسفور؟! أسمعتم يا أدعياء الذل والباطل؟! هل استمعتن أيتها المسلمات؟! هل استمعتم يا عباد الله؟! هل هناك مكانة أعظم من هذه المكانة للمرأة المسلمة في دين الله جل وعلا؟
стр. 132
هدف الإسلام من فرض الحجاب
والله الذي لا إله غيره ما حرم الإسلام عليك التبرج يا أمة الله، وما فرض عليك الإسلام الحجاب يا أمة الله، إلا لصيانتك، وحمايتك، وحفظك من عبث العابثين، ومجون الماجنين حتى لا تتطلع إليك النظرات الزانية، وحتى لا تدنس بدنك هذه النظرات الخائنة، والله ما أراد الإسلام لكِ إلا العفة والستر والحياء جعلك الإسلام في شرعه كالدرة المصونة التي تحيط بها الصدفة، حتى لا تمتد إليها اليد العابثة الآثمة، نعم.
جعلك الإسلام كالدرة المصونة وكاللؤلؤ المكنون.
وأنا أسألك أيتها الأخت الفاضلة المسلمة! بالله عليك لو كان معك لؤلؤة نادرة، أو ماسة غالية جميلة، بالله عليك هل ستلقين بها في الطرقات والشوارع، أم ستحفظينها في مكان أمين مناسب، والله لو أن أنساناً رمى لؤلؤة غالية نادرة في الطرقات لاتهمه الناس بالجنون، وأنتِ كذلك؛ أنتِ درتنا المصونة أنتِ لؤلؤتنا المكنونة! يا أمة الله! أيتها الأم الفاضلة والأخت الكريمة! أيتها الغالية الحبيبة! والزوجة الكريمة! أنتِ لؤلؤتنا المكنونة، أنتِ درتنا المصونة، أنتِ أنتِ أنتِ، أنتِ من أنتِ؟ أنتِ أمي أنتِ زوجتي أنتِ أختي أنتِ ابنتي أنتِ كل شيء أنتِ العز والعظمة، أنتِ الفخر والمجد والشرف لما رأى أعداء ديننا أن المسلمة تربعت على عرش حيائها تهز المهد بيمينها، وتزلزل عروش الكفر بشمالها عز عليهم ذلك، وعز عليهم أن تجود المسلمة من جديد على أمتها بالعلماء العاملين، والمجاهدين الصادقين! وصار همهم أن تصير المسلمة عقيماً لا تلد خشية أن تنجب خالد بن الوليد، وصلاح الدين، وابن تيمية وغير هؤلاء، عز عليهم ذلك والله! فراحوا يدبرون لكِ المؤامرات في الليل والنهار للزج بكِ في هذا المستنقع الآسن؛ مستنقع الرذيلة والعار أنت لؤلؤتنا المكنونة، ودرتنا المصونة.
стр. 133
عودة الحجاب من ركائز الصحوة الإسلامية
يا بنت الإسلام، يا أصل العز، والشرف والحياء! يا بنت خالد، والفاتح، وصلاح الدين، ومحمد بن مسلمة! أين العز والشرف؟ وأين السؤدد والمجد؟ وأين الحياء والكبرياء؟ لقد عز على هؤلاء أن تكوني فوق كرسي مملكتك، فجاءوك على حين غرة، وعلى حين غفلة من أبنائك البررة، فأنزلوك من على عرشك، وأخرجوك من حصنك المنيع، ولكن الحمد لله أننا رأينا المرأة المسلمة من جديد ترفع بيمينها كتاب الله جل وعلا، وبشمالها سنة رسول الله ﷺ وقد لبست الحجاب ورددت الأنشودة العذبة الحلوة لله جل وعلا، سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا، اغفر لنا ما سلف من الزينة والتبرج والعري، غفرانك ربنا وإليك المصير.
والله إننا نرى من ركائز هذه الصحوة الإسلامية عودة المرأة المسلمة إلى الله جل وعلا، فمرحباً مرحباً بك، مرحباً بك يا أماه، مرحباً بك يا أختاه، مرحباً بك يا بنتاه، مرحباً بك أيتها الكريمة الفاضلة، تحت ظلال شرع الله، وفي كنف دين ابن عبد الله ﷺ .
مرحباً بك تحت شجرة الحياء، مرحباً بك تحت ظلال الحياء تعالي إلى الله، أقبلي إليه وعودي إليه، واعلمي يا أختاه أن المؤمنة التقية النقية الطاهرة هي التي تسلم وجهها لله جل وعلا، وتذعن لأمر الله ﵎.
أمرها الله بالحجاب فقالت: سمعاً وطاعة.
وأمرها الله بعدم الخروج متعطرة فقالت: سمعاً وطاعة.
وأمرها الله بعدم الخروج متبرجة فقالت: سمعاً وطاعة.
أمرها الله بأي شيء فسلمت وأذعنت لأمره وهي طائعة محبة مختارة! فكملت عبوديتها لله جل وعلا لما قالت: سمعاً وطاعة لله جل وعلا ولرسول الله ﷺ .
أما المتبرجة السافرة؛ التي نزعت برقع الحياء عن وجهها، وخرجت سافرة متبرجة عارية، متعطرة متطيبة، على مرأى ومسمع من زوجها وأبيها وأخيها إنا لله وإنا إليه راجعون!! أين الغيرة والشرف والحياء والرجولة والكرم والمروءة؟! أين الرجولة يا من ترى ابنتك الجامعية تخرج إلى الجامعة سافرة متبرجة، متطيبة عارية؟! أين رجولتك؟ أين مروءتك؟ أين دينك؟ أين إسلامك؟ أين الشهامة وأين الرجولة؟! زوجتك تخرج سافرة متطيبة على مرأى ومسمع منك يا عبد الله! اتق الله اتق الله أيها الرجل، اتق الله أيها الزوج، اتق الله أيها الأخ! اتقوا الله يا عباد الله!
стр. 134
حقيقة التبرج ومظاهره
إن المتبرجة تخرج بلسان الحال الذي يقول: ألا تنظرون إلى هذه الزينة، وهذا الجمال، وهذا اللحم.
والله إن الشريفة لا تقبل هذا أبداً -دعك من الدين في هذا- فضلاً عن المتدينة التي استسلمت لأمر الله جل وعلا؛ لا تقبل أبداً أن تخرج وقد كشفت عن لحمها، وأظهرت مفاتنها ومحاسنها، وتطيبت وتعطرت وتزركشت وتزخرفت وتبهرجت، وخرجت لتنفث السموم، ولترسل السهام المسمومة في قلوب الشباب والرجال المساكين! خرجت على هذا الحال الذي لا يرضي الرحمن ويُرضي الشيطان خرجت متبرجة! فأمة الله! ما هو التبرج الذي حرمه الإسلام عليك؟ وما هي مظاهره؟ لأن كثيراً من الناس وكثيراً من الأخوات يعتقدن أن التبرج هو أن تظهر المرأة شيئاً من محاسنها فقط؟ التبرج لغة: هو التكشف والظهور، أو هو إظهار الزينة وإبراز المرأة لمحاسنها، وقال الإمام الزمخشري: هو تكلف إظهار ما يجب إخفاؤه، وأما مظاهره فهي: أولاً: الإغراق في حب الزينة وإظهارها عمداً.
ثانياً: الإغراق في تضييق الثياب وترقيقها وتقصيرها.
ثالثاً: الخضوع بالقول.
رابعاً: التعطر والتطيب لغير الزوج.
هذه بعض مظاهر التبرج، فأعيروني القلوب والأسماع.
стр. 135
الإغراق في حب الزينة وإظهارها عمداً
أول مظهر من مظاهر التبرج: الإغراق في حب الزينة وإظهارها عمداً، والإسلام يريد من المرأة أن تغرق في حب الزينة وتظهرها عمداً لكن لزوجها لا بد؛ فالمرأة جبلت على حب الزينة والتطيب والجمال، ولا مانع أبداً بشرط أن يكون ذلك للزوج؛ تعطري وتطيبي وتجملي وتزيني بل إن الإسلام يوجب عليك ذلك، وإن كثيراً من الأزواج ما هجروا البيوت إلا بسبب تضييع هذا الأمر؛ تضييع المرأة في ثيابها وزينتها وإقرار حقها فيهرب الزوج من البيت! الإسلام يأمركِ بذلك للزوج، وقديماً نصحت المرأة العاقلة والأم البليغة أمامة بنت الحارث ابنتها أم إياس بنت عوف الشيباني في ليلة زفافها، وكان من بين هذه النصيحة الطويلة التي ربما تعرضنا لها في مسألة الزواج إن شاء الله جل وعلا، قالت لها الأم: ولا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح فالإسلام يأمركِ أن تتزيني وتتجملي وتتطيبي وتتعطري لزوجك في بيتك، وبالمقابل يحرم عليك الإسلام أن تتزيني وتتجملي لغير الزوج، ووالله أقسم بالله العلي العظيم، إن الوجه من أعظم محاسن المرأة، فهو محط الجمال وينبوع الخطر ومكمن الفتنة، فالله جل وعلا يحرم على المرأة أن تضرب الأرض برجلها حتى لا يفتتن الرجل بسماع صوت خلاخيلها في قدمها، فبالله عليكم أيها الناس بالله عليكن أيتها المسلمات أفيدونا وأجبننا يا أصحاب الإنصاف، بالله عليكم أي الفتنتين أعظم: أن يسمع الرجل إلى صوت خلخال في قدم امرأة لا يدري أشرهاء هي أم حسناء، أم أن ينظر إلى وجه سافر جميل امتلأ شباباً ونظرة وحيوية وجمالاً وتجميلاً بالأصباغ والمساحيق؟! أي فتنةٍ أعظم: فتنة القدم أم فتنة الوجه؟ لا إله إلا الله! قليلاً من الإنصاف يا عباد الله، قليلاً من الإنصاف لنصل إلى الحقيقة الواضحة كوضوح الشمس في رابعة النهار، أي الفتنتين أعظم: سماع صوت خلخال في قدم المرأة أو النظر في وجه سافر جميل امتلأ بالشباب والنظرة والحيوية والجمال؟ بل والتزيين بالأصباغ والمكياج والمساحيق؟ أي الفتنتين أعظم؟ وأنا لا آتي بشيء من عند نفسي حتى لا نتهم بالتطرف في ذلك الأمر.
فلتجيبوا أيها المنصفون ولتجبن أيتها المنصفات الإسلام لم يحرم عليك الزينة لزوجك وإنما حرم عليك أن تظهري هذه الزينة لغير المحارم، سبحان الله العظيم! ورد في صحيح البخاري أن السيدة عائشة ﵁ قالت: (لو رأى رسول الله ﷺ ما أحدث النساء بعده لمنعهن المساجد كما منع نساء بني إسرائيل).
لا إله إلا الله! ماذا أحدث النساء في عصر عائشة؟! ماذا أحدث النساء في عصر الطهر والعفاف؟! ماذا أحدث النساء في خير القرون بشهادة رسول الله ﷺ ؟! السيدة عائشة تقول على نساء زمانها ذلك! فبالله عليكم ماذا تقول السيدة عائشة ﵂ لو رأت نساءنا في هذه الأيام وأحوالهن إنا لله وإنا إليه راجعون! والفقهاء الذين قالوا: إن الوجه ليس بعورة يشترطون عدم الفتنة، يقولون بالإجماع: يحرم على المرأة أن تكشف وجهها إن خشيت الفتنة، وهل أمنت الفتنة في زماننا هذا يا عباد الله؟ أجيبوا يا أهل الإنصاف، وأجبن يا ذوات الإنصاف، يقول الفقهاء الذين قالوا بجواز كشف الوجه: يحرم على المرأة أن تكشف عن وجهها إذا خشيت الفتنة.
وهل أمنت الفتنة في زمان قل فيه الورع والإيمان والتقوى، والمروءة، بل والشهامة والنخوة والرجولة؟ هذا الزمان وإن كنا لا نعيب زماننا كما قال أبو الطيب:
نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا
أرى ثياباً تصان على أناس وأخلاق تداس فلا تصان
يقولون الزمان به فساد وهم فسدوا وما فسد الزمان
стр. 136
الإغراق في تضييق الثياب وترقيقها وتقصيرها
المظهر الثاني من مظاهر التبرج الذي حرمه الشرع على المرأة المسلمة: الإغراق في تضييق الثياب وترقيقها وتقصيرها، حتى إننا نرى المرأة وقد خرجت بثياب ضيقة لاصقة في جسدها، حتى أبرزت في الجسد كل فتنة مخبوءة لا حول ولا قوة إلا بالله! ودائماً الممنوع مرغوب.
إن التي خرجت بهذه الثياب الضيقة، والعباءة التي لفتها على بدنها لفاً؛ فأظهرت كل فتنة مخبوءة في هذا الجسد عاصية لله جل وعلا، واسمعوا إلى حديث الرسول ﷺ الذي رواه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة ﵁: يصف النبي ﷺ أحوال هؤلاء النسوة وصفاً دقيقاً عجيباً، وهذا الحديث من معجزات النبي الخالدة، يقول ﷺ : (صنفان من أهل النار: قوم معهم سياط كأذناب البقر، يضربون بها الناس -في السجون والمعتقلات- ونساء كاسيات عاريات) من أهل النار بشهادة نبينا المختار ما لم تتب هذه المرأة إلى العزيز الغفار، قال ﷺ : (ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) كاسيات عاريات، قال الإمام النووي: تغطي شيئاً من بدنها وتظهر شيئاً آخر، فهن كاسيات عاريات، وأنا أقول: كاسيات عاريات: إما أن تلبس ثياباً رقيقة فتظهر ما تحت هذه الثياب من مفاتن البدن.
كاسيات عاريات: أي أن تلبس ثياباً ضيقة خاصة بعد أن رأينا هذه البنطلونات التي تتبعت فيه المرأة المسلمة فعل الكافرات العاهرات الماجنات، وخرجت بهذا البنطلون الضيق على مرأى ومسمع من زوجها؛ من نظر إليها يظنها عارية.
كاسيات عاريات: أظهرت كل موضع للفتنة وكل مكان مخبوء للشهوة، (كاسيات عاريات مميلات مائلات) مائلات عن شرع الله جل وعلا.
مميلات في مشيتهن: يتكسرن في المشية ويتغنجن في القول، مميلات لقلوب الشباب والرجال، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة فارغة تارهة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا.
ومن الأمور التي يجب أن ننبه عليها أيضاً: هذا الحجاب اليهودي المزعوم، الذي زعموه بأنه هو الحجاب الشرعي؛ تلبسه المرأة وتخرج كعروس مزخرفة مبهرجة، تلبس طرحة على رأسها وقد وضعت شريطاً ذهبياً أو فضياً على رأسها، وضيقت الثياب ووضعت حزاماً حول خصرها، ولبست حذاءً طويلاً يشبه لون الثياب ولون الطرحة إلى آخره، وخرجت متعطرة متطيبة في أجمل الأشكال وأبهى الحلل والألوان وتظن المسكينة المخدوعة المخادعة أنها محجبة، أعوذ بالله وحاشا لله أن يكون هذا هو الحجاب الشرعي الذي أراده الله جل وعلا، وقد بينا ذلك بفضل الله بالتفصيل في كتابنا (تبرج الحجاب) نسأل الله جل وعلا أن يقبله وأن يتقبل منا وإياكم صالح الأعمال.
стр. 137
الخضوع بالقول
المظهر الثالث من مظاهر التبرج الذي حرمه الله جل وعلا وحرمه النبي ﷺ : الخضوع بالقول، والله ﵎ يأمر أشرف نساء الدنيا وأطهر نساء العالمين، اللواتي ترعرعن في بيت النبوة وشربن من نهر الوحي وسمعن القرآن غضاً طرياً من فم رسول الله ﷺ ، يقول الله تعالى: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] ولم يقف الأمر عند الخضوع بالقول كلا، وإنما يتدخل الأمر الإلهي ليحدد موضوع الحوار بين الرجل والمرأة: ﴿وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ [الأحزاب:٣٢].
الأمر لمن، وفي أي عهد وعصر؟ الأمر لأطهر نساء العالمين وفي عهد الصفوة المختارة، والنبوة الكريمة يأمرهن الله جل وعلا إن تكلمن مع الأجانب ومع غير المحارم ألا يرققن القول، وألا تلين المرأة القول، لماذا؟ لأن أصحاب القلوب المريضة في كل زمان ومكان تجاه كل امرأة ولو كانت زوج النبي ﷺ .
وهناك بعض المتطورين والمتشددين والمفكرين قالوا: إن هذا الأمر خاص بزوجات النبي ﷺ أعوذ بالله! أطهر نساء العالمين وأشرفهن يأمرهن الله جل وعلا بعدم الخضوع في القول، ويحدد لهن مسار الحياط: ﴿وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ [الأحزاب:٣٢]؛ لأن موضوع الحوار ربما يكون أكثر تأثيراً من طريقة الحوار وأسلوب الحوار، فلا يجوز أبداً أن يكون بين المرأة والرجل الأجنبي هدر ولا هزل ولا مزاح ولا نظرة خائنة ولا حركة مؤثرة ولا ينبغي أن تتكلم معه في موضوعات يعف الرجل الحيي أن يتحدث فيها في المكاتب وغيرها من المصالح، واليوم تتكلم المرأة مع الرجل الأجنبي في أدق ما خص أمور المرأة ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! يأمر الله أطهر النساء بعدم الخضوع في القول وأن يقلن قولاً معروفاً، ولكن هذا الأمر بعيد عمن يتغنجن في قولهن ويتكسرن في مشيتهن، ويجمعن كل فتن الأنوثة، ويطلقنها قنابل محرقة في قلوب الشباب والرجال إنا لله وإنا إليه راجعون! هكذا تقلب الحقائق حتى صارت البدعة سنة، والمنكر معروفاً، والحلال حراماً إلا من رحم الله جل وعلا.
نكمل المظهر الرابع من مظاهر التبرج بعد جلسة الاستراحة وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 138
التعطر والتطيب لغير الزوج
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة! أما المظهر الرابع والأخير من مظاهر التبرج: هو ألا تتعطر المرأة لغير زوجها.
الإسلام لا يحرم الطيب على المرأة، بل إن الإسلام يريد المرأة دائماً متطيبة ومتعطرة ومتزينة ومتجملة لزوجها، ويحرم عليها أن تمس الطيب إذا خرجت من بيتها، لماذا؟ لأن الطيب من ألطف وسائل المخابرة بين الشاب والمرأة، وكم من شاب تقي لله جل وعلا مشى في الشوارع والطرقات وقد أطرق بصره للأرض؛ لا يريد أن ينظر يمنة ولا يسرة، فمرت به امرأة متطيبة قد وضعت أرقى العطور وبمجرد مرورها عليه انتشرت رائحة العطر في كل مكان، فسكنت قلبه، فظل يغالب شيطانه ويغالب هواه، إما أن يقع في المعصية ويدنس نظره بالزنا والنظر إليها، وإما أن ينصره الله جل وعلا على هذه الفتنة العارمة، ويظل في طاعته وفي إطراق بصره لله جل وعلا! لماذا هذه الفتن؟ ولماذا هذه السهام المسمومة؟ ولماذا هذه الشهوات؟ ورد في الحديث الذي رواه الإمام الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أيما امرأة استعطرت -وضعت العطر والطيب- ثم خرجت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية، وكل عين زانية) أي: كل عين تنظر إليها بشهوة لتستمتع بها فهي زانية، وفي الحديث الصحيح: (إن العينين زناهما النظر) هذا كلام المصطفى ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى.
وفي الحديث الذي رواه مسلم أنه ﷺ قال: (إذا خرجت إحداكن إلى المسجد فلا تقربن طيباً) فإذا خرجت المرأة إلى المسجد فلا تمس الطيب، قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: يحرم على المرأة أن تمس الطيب إذا خرجت إلى مسجد، قلت: فكيف يكون حالها إذا خرجت إلى الأسواق والشوارع والطرقات، إن الطيب في حقها أشد حرمة.
هذه بعض مظاهر التبرج -يا عباد الله- فيا أيها الأب الغيور الكريم! ويا أيها الأخ الحبيب الرحيم! ويا أيتها الأم الكريمة! ويا أيتها الأخت المسلمة الفاضلة! اتقوا الله جل وعلا، وعودوا إلى الله ، واعلم -أيها الأب- الذي فرط في تربية بناته على شرع الله ودين رسول الله ﷺ أنك موقوف بين يدي الله ومسئول عن بناتك أمام محكمة قاضيها الله جل وعلا.
وأنتِ -أيتها الأم- التي حاربتِ الحجاب وحاربت النقاب وقلت لابنتك: لا وألف لا، لا تلبسي الحجاب ولا ترتدي النقاب إلا بعد الزواج، اعلمي أن الزوج الذي جاء على معصية الله وعلى هذا الجمال الزائل واللحم العاري -لن يصون ابنتك أبداً؛ لأن رجلاً ذهب إلى الحسن وقال: إن لي ابنة، تُرى لمن أزوجها؟ قال: زوجها لمن يتقي الله؛ فإن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها.
وأنت -أيتها المسلمة- اتقي الله جل وعلا وعودي إليه، واعلمي أن هذا الجمال إلى زوال، وأن هذا البدن إلى دود وتراب، وأنك ستعرضين على العزيز التواب جل وعلا ليسألك عن هذه الأمانة التي امتن بها عليك، فماذا سيكون جوابك بين يدي الملك الجبار؟! فاتقوا الله جميعاً يا عباد الله! وعودوا إلى الله، واعلموا أنكم مسئولون عن بناتكم وزوجاتكم بين يدي الله جل وعلا.
وأختم بكلام ربنا جل وعلا في سورة التحريم: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم:٦ - ٨].
نكمل إن شاء الله جل وعلا فرضية الحجاب في الأسبوع المقبل إن قدر الله لنا البقاء واللقاء، وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب.
اللهم احفظ نساءنا يا رب العالمين، اللهم بارك في شباب المسلمين، وأصلح نساء المسلمين، واجعلهم قرة عين لنا في الدنيا والآخرة يا رب العالمين ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [الفرقان:٧٤].
اللهم اجعلنا من التوابين واجعلنا من المتطهرين، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا.
اللهم قيظ لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر؛ أنت ولي ذلك ومولاه.
اللهم وفق ولاة الأمر لما تحبه وترضاه، هذا وأكثروا من الصلاة والسلام على نبينا محمد: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِ وسلم وزد وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه، وأقم الصلاة.
стр. 139
هذه قدوتك
كثير من نساء المسلمين اليوم -وللأسف الشديد- يعرفن عن الموضة والجديد الشيء الكثير، ويعرفن من الفنانات والمغنيات ما لا يحصى من العدد! ولو سألت إحداهن عن أمهات المؤمنين، ومربيات الجيل، والأبطال المجاهدين؛ لعجزت إحداهن أن تذكر امرأة واحدة، وها هي امرأة من نساء النبي ﷺ تعتبر قدوة في العفة والطهارة، قدوة في الكرم والسخاء، قدوة في الصبر والثبات، قدوة في الوقوف إلى جنب الزوج في الأزمات، قدوة في الحب والفداء وحسن العشرة للزوج، إنها خديجة زوجة النبي ﷺ ، وأم أولاده ﵂ وأرضاها.
стр. 140
من فضائل خديجة ﵂
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكن الله أيتها الأخوات الفاضلات! وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل منا ومنكن جميعاً صالح الأعمال.
ومحاضرتنا في هذا الوقت الكريم المبارك بعنوان: هذه قدوتك.
أقدم لأختي المسلمة قدوة طيبة ومثلاً أعلى، في وقت قل فيه القدوة، وندر فيه المثل، أقدم هذه القدوة لأصل العز والشرف والحياء لصانعة الأجيال لمربية الرجال ومخرجة الأبطال لمن تربعت طيلة القرون الماضية على عرش حيائها تهز المهد بيمينها، وتزلزل عروش الكفر بشمالها.
نقدم هذه القدوة الطيبة والمثل الأعلى لأختنا المسلمة للقلعة الشامخة أمام طوفان الباطل والكذب لدرتنا المصونة، ولؤلؤتنا المكنونة، نقدم لها هذه القدوة الطيبة؛ لأننا نشهد الآن حرباً هوجاء لشل حركة المرأة المسلمة، وللزج بها في مواقع الفتنة ومستنقع الرذيلة، لتقويض صرح المجتمع الإسلامي، تنفيذاً لهذه المقولة الخبيثة لأعداء الدين، والتي تقول: كأس وغانية يفعلان في تحطيم الأمة المسلمة ما لا يمكن أن يفعله ألف مدفع.
فصار همُّ الأعداء أن تصبح المرأة المسلمة عقيماً لا تلد، خشية أن تجود على أمتها من جديد بالعلماء العاملين والمجاهدين الصادقين، ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
فهاهي الصحوة الكريمة يمدها كل يوم فتيات في عمر الورود، زانهن حجاب أصاب أعداء الإسلام بالذهول والشرود، أسأل الله أن يثبتهن على الحق.
فتعالي معي أيتها الأخت الكريمة! لنقضي هذه الدقائق المعدودات مع هذه القدوة الطيبة، والمثل الأعلى في عالم النساء، مع رمز الوفاء، وسكن سيد الأنبياء، مع الطاهرة في الجاهلية والإسلام، مع أول صديقة من المؤمنات، مع أول زوجات المصطفى ﵊، مع أول من صلى على ظهر الأرض مع رسول الله ﷺ ، مع أول من أنجبت الولد لرسول الله ﷺ ، مع أول من بشرت بالجنة، مع أول من استمعت إلى القرآن بعد رسول الله، مع أول من نزل إليها جبريل ﵇ ليبلغها من ربها السلام، مع نهر الرحمة، وينبوع الحنان، مع أصل العز وقلعة الإيمان، إنك الآن أيتها الأخت الفاضلة على موعد مع قدوتك الطيبة أم المؤمنين خديجة بنت خويلد ﵂ وأرضاها.
стр. 141
خديجة ممن كمل من النساء
أيتها الأخوات! والله إن الكلمات لتتوارى خجلاً وحياء أمام هذه القلعة الشامخة، والزوجة الوفية المخلصة، التي بذلت مالها وقلبها وعقلها لرسول الله ﷺ ، فآمنت به حين كفر الناس، وصدقته حين كذبه الناس، وواسته بمالها حين حرمه الناس، فاستحقت هذه الزوجة التقية النقية أعظم الثناء من رسول الله ﷺ .
ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري أنه ﷺ قال: (كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام).
وفي الصحيحين كذلك من حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد).
والراجح من أقوال أهل العلم أن معنى (خير نسائها) أي: خير نساء زمانها، فـ مريم خير نساء زمانها، وخديجة ﵂ خير نساء زمانها.
стр. 142
الله يقرأ على خديجة السلام
أيتها الأخت الفاضلة: لم تبلغ خديجة ﵂ هذه المكانة عند الله وعند رسول الله ﷺ إلا بإيمانها الصادق، فأنا أقول: قد بلغت هذه المنزلة عند رسول الله، بل وعند الله جل وعلا، ولك أن تتخيلي امرأة تقية نقية يرسل ربنا جل وعلا جبريل ليبلغها منه السلام.
ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: (أتى جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! هذه خديجة قد أتت ومعها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتت فأقرئها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب).
تصوري أيتها الأخت الكريمة! أن خديجة ﵂ قد بلغت هذه المكانة، فأنزل الله جبريل ﵇ بهذه البشرى وبهذا السلام من ملك الملوك وجبار السماوات والأرض.
وفي رواية النسائي أن خديجة ﵂ لما قال لها النبي ﷺ ذلك: إن الله يقرئك السلام وجبريل يقول: بلغها من ربها السلام ومني، فسيدتنا خديجة الفقيهة العالمة، لم تقل: وعلى الله السلام، وإنما قالت: إن الله هو السلام ومنه السلام، وعلى جبريل السلام، وعليك يا رسول الله السلام ورحمة الله وبركاته).
стр. 143
مكانة خديجة من قلب النبي ﷺ
انظري أيتها الأخت الكريمة الفاضلة! ولذا بلغت خديجة مكانة عالية في قلب النبي ﷺ ، حتى غارت عائشة ﵂ من خديجة غيرة شديدة، مع أن عائشة لم تدرك خديجة قط، فلقد توفيت خديجة رضوان الله عليها قبل أن يتزوج النبي ﷺ عائشة.
ومع ذلك ففي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: (ما غرت على أحد من نساء النبي ما غرت على خديجة، وما رأيتها قط، ولكن كان النبي يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة، ثم يبعثها في صدائق خديجة -أي: في صويحبات خديجة - وربما قلت له: كأن لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة، فيقول ﷺ : إنها كانت وكانت، وكان لي منها الولد، ويظل النبي ﵊ يعدد مناقب خديجة ﵂.
стр. 144
حياة خديجة ﵂ ونشأتها
أيتها الأخت المسلمة! أسألك الآن: ماذا تعرفين عن خديجة؟ هذه أمك أم المؤمنين، وهذه قدوتك، فأنا أسألك الآن وأجيبي بصدق، ماذا تعرفين عن خديجة؟! والجواب إن صدقنا سيكون مؤلماً للغاية، لأننا انصرفنا في هذا الزمان عن هذه القدوات الطيبة والمثل العليا، فانتبهي معي أيتها الأخت الفاضلة لأعرف لك أمك خديجة ﵂ في لمحات سريعة:
стр. 145
زواجها قبل رسول الله ولقبها قبل الإسلام بالطاهرة
فلقد نشأت خديجة ﵂ في مكة المكرمة، في مكانة وشرف ومال، فتزوجت بـ عتيق بن عائذ المخزومي فمات عنها، فتزوجت أبا هالة بن زرارة التميمي وأنجبت منه هند بن أبي هالة ﵁، ثم مات عنها زوجها، فأعرضت عن الزواج بعد ذلك، وتقدم لخطبتها كثير من أشراف قريش؛ لشرفها ونسبها وخلقها، فلقد كانت تسمى في الجاهلية قبل الإسلام بالطاهرة.
следующие страницы →