← Джавами‘

Джавами‘ · id 7703

دروس للشيخ محمد حسان

محمد حسان

Полный текст (1 901 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

خديجة ممن كمل من النساء أيتها الأخوات! والله إن الكلمات لتتوارى خجلاً وحياء أمام هذه القلعة الشامخة، والزوجة الوفية المخلصة، التي بذلت مالها وقلبها وعقلها لرسول الله ﷺ ، فآمنت به حين كفر الناس، وصدقته حين كذبه الناس، وواسته بمالها حين حرمه الناس، فاستحقت هذه الزوجة التقية النقية أعظم الثناء من رسول الله ﷺ . ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري أنه ﷺ قال: (كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام). وفي الصحيحين كذلك من حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد). والراجح من أقوال أهل العلم أن معنى (خير نسائها) أي: خير نساء زمانها، فـ مريم خير نساء زمانها، وخديجة ﵂ خير نساء زمانها.

стр. 142

الله يقرأ على خديجة السلام أيتها الأخت الفاضلة: لم تبلغ خديجة ﵂ هذه المكانة عند الله وعند رسول الله ﷺ إلا بإيمانها الصادق، فأنا أقول: قد بلغت هذه المنزلة عند رسول الله، بل وعند الله جل وعلا، ولك أن تتخيلي امرأة تقية نقية يرسل ربنا جل وعلا جبريل ليبلغها منه السلام. ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: (أتى جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! هذه خديجة قد أتت ومعها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتت فأقرئها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب). تصوري أيتها الأخت الكريمة! أن خديجة ﵂ قد بلغت هذه المكانة، فأنزل الله جبريل ﵇ بهذه البشرى وبهذا السلام من ملك الملوك وجبار السماوات والأرض. وفي رواية النسائي أن خديجة ﵂ لما قال لها النبي ﷺ ذلك: إن الله يقرئك السلام وجبريل يقول: بلغها من ربها السلام ومني، فسيدتنا خديجة الفقيهة العالمة، لم تقل: وعلى الله السلام، وإنما قالت: إن الله هو السلام ومنه السلام، وعلى جبريل السلام، وعليك يا رسول الله السلام ورحمة الله وبركاته).

стр. 143

مكانة خديجة من قلب النبي ﷺ انظري أيتها الأخت الكريمة الفاضلة! ولذا بلغت خديجة مكانة عالية في قلب النبي ﷺ ، حتى غارت عائشة ﵂ من خديجة غيرة شديدة، مع أن عائشة لم تدرك خديجة قط، فلقد توفيت خديجة رضوان الله عليها قبل أن يتزوج النبي ﷺ عائشة. ومع ذلك ففي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: (ما غرت على أحد من نساء النبي ما غرت على خديجة، وما رأيتها قط، ولكن كان النبي يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة، ثم يبعثها في صدائق خديجة -أي: في صويحبات خديجة - وربما قلت له: كأن لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة، فيقول ﷺ : إنها كانت وكانت، وكان لي منها الولد، ويظل النبي ﵊ يعدد مناقب خديجة ﵂.

стр. 144

حياة خديجة ﵂ ونشأتها أيتها الأخت المسلمة! أسألك الآن: ماذا تعرفين عن خديجة؟ هذه أمك أم المؤمنين، وهذه قدوتك، فأنا أسألك الآن وأجيبي بصدق، ماذا تعرفين عن خديجة؟! والجواب إن صدقنا سيكون مؤلماً للغاية، لأننا انصرفنا في هذا الزمان عن هذه القدوات الطيبة والمثل العليا، فانتبهي معي أيتها الأخت الفاضلة لأعرف لك أمك خديجة ﵂ في لمحات سريعة:

стр. 145

زواجها قبل رسول الله ولقبها قبل الإسلام بالطاهرة فلقد نشأت خديجة ﵂ في مكة المكرمة، في مكانة وشرف ومال، فتزوجت بـ عتيق بن عائذ المخزومي فمات عنها، فتزوجت أبا هالة بن زرارة التميمي وأنجبت منه هند بن أبي هالة ﵁، ثم مات عنها زوجها، فأعرضت عن الزواج بعد ذلك، وتقدم لخطبتها كثير من أشراف قريش؛ لشرفها ونسبها وخلقها، فلقد كانت تسمى في الجاهلية قبل الإسلام بالطاهرة.

стр. 146

زواج خديجة بالنبي ﷺ ولكنها لما سمعت بأخلاق النبي ﵊ أرسلت إليه ليتاجر لها في مالها، فرأت أمانته وصدقه وعفته، فرغبت في الزواج منه ﵊. واتفقت الروايات كلها على أن خديجة ﵂ هي التي خطبت النبي ﷺ لتتشرف بالزواج منه، وذهب الرسول ﷺ إلى بيت خديجة في صحبة عمه حمزة وأبي طالب الذي قام خطيباً في قوم خديجة، وكان مما قاله أبو طالب: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وجعلنا حضنة بيته، وسواس حرمه، وجعل لنا بيتاً محجوباً، وحرماً آمناً، ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن به رجل من قريش شرفاً ونبلاً وفضلاً إلا رجح به محمد، ومحمد من قد عرفتم، وله في خديجة رغبة، ولها فيه مثل ذلك، وما أحببتم من الصداق فعليه. فقال عمها عمرو بن أسد موافقاً على هذا العرض الكريم: هو الفحل لا يقدح أنفه. أي: هو الكفء الكريم الذي لا يرد. والجمهور من العلماء يقولون: إن خديجة ﵂ كانت في الأربعين من عمرها، وكان النبي ﷺ في الخامسة والعشرين من عمره، وكان زواجاً سعيداً ميموناً مباركاً، ضربت فيه خديجة أروع المثل في الوفاء والبر والصلاح، والإيثار والكرم.

стр. 147

أولاد النبي ﷺ من خديجة وأكمل الله السعادة، فولدت له خديجة: القاسم ثم زينب ثم رقية ثم أم كلثوم ثم فاطمة؛ عليهم جميعاً سلام الله وصلواته. وامتلأ البيت بالحب والرحمة والحنان، ودبت في جنباته حياة جديدة مزينة بأسمى العواطف وأنبل المشاعر، عواطف الأبوة الرحيمة من رسول الله، ومشاعر الأمومة الكريمة من خديجة، وضم هذا البيت المبارك إلى جانب أولادها من رسول الله ﷺ ولدها من زوجها السابق هند بن أبي هالة، وكذلك ضم هذا البيت علياً بن أبي طالب ﵁، وزيد بن حارثة وأم أيمن، وهي حاضنة النبي ﵊، هذا هو بيت خديجة.

стр. 148

وقوف خديجة إلى جانب النبي ﷺ عند بعثته ومرت الأعوام تلو الأعوام على أكرم زوجين، ولما اقترب النبي ﵊ من الأربعين من عمره الشريف بدأت إرهاصات النبوة تلوح في أفق حياته، فكان أول ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى النبي ﷺ رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح كما في صحيح البخاري. وحبب إليه في هذه المرحلة الخلاء، فخلا بنفسه واعتزل الناس، فكان يخرج إلى غار حراء يتعبد فيه الليالي ذوات العدد، وتزوده الزوجة الوفية المخلصة بما يحتاج إليه من طعام وشراب، فما سفهت رأيه، وما احتقرت عمله، فهو الذي كان يترك الدار والأولاد وينطلق بعيداً عن مكة بأصنامها ليتعبد لله جل وعلا في هذه الخلوة في غار حراء. وكانت خديجة تقطع هذه المسافة على قدميها لتقدم له الطعام والشراب بأبي هو وأمي ﷺ . ومرت الشهور الستة للرؤيا الصادقة، وجاء شهر رمضان، وخلا النبي في غار حراء، وفي ليلة كريمة مباركة خيم على الكون هدوء خاشع، ثناه جبريل ﵇ يقف أمام الغار، ويضم النبي المختار ضمة شديدة ويقول له: اقرأ. والرسول يقول: ما أنا بقارئ، قال: (فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)) [العلق:١ - ٥]، فرجع النبي ﵊ بهذه الآيات الكريمات يرجف فؤاده، فدخل على خديجة -رمز الوفاء وسكن سيد الأنبياء- وهو يرتعد ويضطرب ويقول: زملوني زملوني! فزملته حتى ذهب عنه الروع). فسيدتنا خديجة ﵂ ما صرخت في وجهه وما قالت: ما الخبر؟ وإنما هدأت من روعه فلما استيقظ واستراح وذهب عنه الروع، قالت له: ما الخبر؟ فقال لها: (لقد خشيت على نفسي وأخبرها بما كان، فقالت الزوجة الصابرة الوفية الذكية: كلا! والله لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل -أي: تساعد العاجز الضعيف- وتكسب المعدوم -أي: تعطي المحروم- وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق)، وهاهي الزوجة العاقلة التي تذكر زوجها بفضائله ومناقبه إذا وقع في وقت عسرة أو أزمة أو في شدة، فلا تصرخ في وجهه ولا تعنفه ولا توبخه إذا رأته في أزمة أو ضيق. ولم تكتف خديجة بهذا، بل ذهبت برسول الله إلى ابن عمها ورقة بن نوفل وكان قد تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، وكان شيخاً كبيراً قد فقد بصره، فقالت له خديجة: (يا ابن عم! اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: ماذا ترى يا ابن أخي؟ فأخبره النبي ﷺ بما رأى، فقال له ورقة: هذا هو الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعاً -أي: شاباً صغيراً- ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك، فقال المصطفى: أومخرجي هم؟ قال: نعم، لم يأتِ رجل بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً، ثم لم ينشب أن توفي ورقة، وفتر الوحي، أي: انقطع)، والحديث رواه البخاري. ثم بعد ذلك نزل على رسول الله قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:١ - ٤]، وبهذا بعث النبي ﵊. وفي ميدان السبق الإيماني كانت الطاهرة الفائزة بالدرجة العليا، برتبة صديقة المؤمنات الأولى، لم يتقدمها رجل ولا امرأة كما قال جمهور أهل العلم، ومن يومها قامت بدور جديد في تثبيت وتبشير رسول الله ﷺ ، ومؤازرته ومعاونته في تبليغ الدعوة إلى الله، والصبر على عناد المشركين، وقدمت لرسول الله مالها وعقلها وفكرها ونفسها ووقتها، بل وجعلت من دارها حصن أمن وهدوء واستقرار، بل ومن دارها سطع نور الإسلام، ومنها أضاء على الدنيا كلها. وازداد أهل مكة عداء وإيذاء للنبي ﵊، وتمادت قريش في طغيانها، وقاطعت بني هاشم مقاطعة اقتصادية كاملة مدة ثلاث سنوات، ودخلت الحصار مع رسول الله ﷺ زوجته الصابرة الطاهرة، التي راحت تبذل مالها كله، ووقفت تشد أزره، وتشاركه في تحمل الأذى بنفس راضية صابرة محتسبة، حتى انتهى هذا الحصار الظالم وقد ازداد حب النبي ﷺ لها، وازداد النبي ﷺ تقديراً لمواقفها. وهكذا تعلمنا خديجة درساً آخر من دروس الوفاء والصبر -أيتها الأخت المسلمة المؤمنة- فإن وقع الزوج في شدة وضيق فالزوجة الصابرة هي التي تقف إلى جوار زوجها، هي التي ترفع عنه الكرب بكلمة حانية طيبة، ولا تفرط في بيته، وسرعان ما تهرول إلى بيت أبويها حتى يرجع إلى الزوج خيره وماله، ويسترد عافيته! فهذا ليس من الوفاء، بل يجب على الزوجة أن تصبر مع زوجها في السراء والضراء على الخير والشر، لتعاونه وتؤازره إذا مر بضيق أو بأزمة من الأزمات! صبرت خديجة ﵂ راضية مطمئنة، وخرجت من هذا الحصار مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد ازداد النبي ﷺ حباً لها وتعلقاً بها.

стр. 149

وفاة خديجة ﵂ ثم ما لبثت خديجة بعد هذا الحصار أن لبت نداء الله ﵎ راضية مرضية، مبشرة من سيد النبيين بجنات ونهر بمقعد صدق عند مليك مقتدر. وبكى النبي ﷺ وآله وسلم عليها كثيراً، وحزن النبي ﵌ عليها حزناً شديداً، ونزل النبي بنفسه إلى قبرها، وأدخلها بيديه إلى القبر لعشر خلون من رمضان، وهي في الخامسة والستين من عمرها الكريم المبارك. ثم تزوج النبي ﷺ بعدها، ولكنها لم تفارق رسول الله ﷺ ، فلقد ظلت ذكراها العطرة في قلبه إلى آخر أيام حياته، وظل النبي ﷺ وفياً لها أشد الوفاء، ولم لا وهي نبع الوفاء، وسيدة النساء، حتى غارت منها عائشة بعد موتها من كثرة ذكر النبي ﷺ لها، فقال لها النبي ﵌ يوماً: (لقد رزقت حبها).

стр. 150

دعوة للنساء إلى الاقتداء بالصالحات والتخلي عن دعايات التغريب أيتها الأخت الفاضلة! هذه قدوتك، هذا أعظم مثال أقدمه لك الآن، وهذه أكرم قدوة للزوجة الوفية المخلصة وقد آن لكن -أيتها الأخوات المسلمات- بعد سنوات التيه والتغريب والشرود آن لكل مسلمة على ظهر الأرض أن ترنو ببصرها إلى هذه المثل العليا، والقدوات الطيبة الصالحة؛ لتشق المرأة المسلمة من جديد طريق المجد والعزة والكرامة، ولتنجب لأمتها العلماء العاملين والمجاهدين الصادقين. وبعد هذه الكلمات المختصرة أنصحك أيتها الأخت المسلمة بأن تفرغي قليلاً من وقتك لقراءة القرآن، وللوقوف على حديث النبي ﵊، وأن تجلسي مع زوجك وأولادك على مجلس يقرأ فيه القرآن، ويذكر فيه حديث النبي ﵊، فإن أعظم خطوة عملية على الطريق أن تفهمي الإسلام بشموله وكماله، وأن تخصصي وقتاً لك لتتدبري فيه سير الطاهرات العفيفات، سير أمهات المؤمنين، وسير الصحابيات الجليلات، وسير التابعيات المخلصات من هذه الأمة على مدار تاريخها الطويل. يجب عليك أيتها المسلمة أن تتعلمي شيئاً من العلم الشرعي، أن تتعلمي الحلال والحرام، والحق والباطل، والسنة والبدعة؛ لتتفرغي بعد ذلك لتربية الأبناء تربية طيبة على كتاب الله، وعلى سنة رسول الله، فإنني أعتقد اعتقاداً جازماً أنك في البيت تمثلين العمود الفقري، بل وتمثلين الركيزة الأولى لبناء الأسرة المسلمة التي نعتقد أنها هي اللبنة الأولى في بناء صرح مجتمع إسلامي ننشده جميعاً، فلقد ضحكوا علينا يوم أن قالوا: إن المرأة تمثل نصف المجتمع. نحن نقول: كلا، بل إن المرأة هي المجتمع كله، نعم هي نصف المجتمع، ولكنها تقدم للمجتمع نصفه الآخر، فهي الأم، وهي الزوجة، وهي البنت، وهي الأخت، وهي الخالة، وهي العمة، وهي التي تنجب بعد ذلك الرجال الأطهار، والقادة الفاتحين الأبطال. فأنت مجتمع بأسره أيتها الأخت الفاضلة! فاعتزي بهذا الإسلام، وارفعي رأسك بهذا الدين، ولا تستمعي إلى هؤلاء الكذابين الذين يدعونك في الليل والنهار للتحرر والحرية، وللتفلت من ضوابط الشرع وقواعده المعلومة المرعية. زعموا أنهم يريدون أن يرفعوا عنك الظلم، ولا والله! بل ما جاء الإسلام إلا ليرفع قدرك، وليعلي شأنك، وما أمرك بالحجاب إلا ليصون كرامتك، فأنت درتنا المصونة، ولؤلؤتنا المكنونة، وأنا لا أعلم عاقلاً على ظهر الأرض أهديت إليه درة غالية ثمينة فراح ليلقيها في الشوارع والطرقات، وإنما يبحث عن أعظم وأطهر وآمن مكان ليحفظ فيه هذه الدرة المصونة، وهذه اللؤلؤة المكنونة. وهاأنت يا أختاه درتنا المصونة، ولؤلؤتنا المكنونة، فاعتزي بهذا الدين، واسمعي له وأطيعي، واعلمي بأنه لا يريد لك إلا الفلاح والنجاة، والفوز في الدنيا والآخرة، فهيا خرجي لنا العلماء العاملين، والأبطال المجاهدين الفاتحين، والدعاة العاملين الصادقين. والله أسأل أن يسترك في الدنيا والآخرة، وأن يمن عليك بالسعادة في الدنيا والآخرة، وأن يبارك لك في زوجك وولدك، إنه ولي ذلك ومولاه، وأن ييسر لك الزوج الصالح إن كنت لم تتزوجي بعد، والله أسأل أن يتقبل مني ومنكن صالح الأعمال، وجزاكن الله خيراً، والسلام عليكن ورحمة الله وبركاته.

стр. 151

خير الزاد إن أهم سفر يسافره الإنسان هو السفر إلى الدار الآخرة، وهذا السفر طويل لابد له من زاد، وخير ما تزود به المسلم في سفره هذا تقوى الله في جميع أموره.

стр. 152

خير الزاد التقوى بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جمعياً أيها الإخوة الكرام! وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال. أيها الأحبة! إن الإنسان في هذه الحياة الدنيا يحتاج إلى زاد؛ فقبل أن تسافر إلى أي بلد غريب عليك أن تبحث عن الوسائل التي تعينك في هذا السفر، فتسأل عن العنوان، وتأخذ معك ما يعينك من الملابس والأموال والطعام والشراب. فلابد أن تعلم أيها الحبيب الكريم! أنك في هذه الحياة الدنيا مسافر، ويجب عليك أن تعد الزاد لهذا السفر؛ لأن الدنيا وإن طالت فهي قصيرة، وإن عظُمت فهي حقيرة، وليلك مهما طال لابد من طلوع فجره، وعمرك مهما طال لابد من دخول القبر، فلابد أن تبحث عن الزاد لهذا السفر؛ فإن السفر طويل، وإن السفر بعيد، وإن العقبة كئود، فكما تبحث عن زاد هذه الدنيا فيجب عليك أن تبحث عن زاد الآخرة؛ لأنك هنا في بوتقة اختبار، وفي دار ابتلاء، وفي مزرعة للآخرة. فابحث من الآن عن هذا الزاد الذي يوصلك إلى رب العباد جل وعلا. ما هو هذا الزاد؟ قال الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧]. وقد يسألني أحد الأحبة: أسمع كثيراً عن التقوى، لكن ما هي التقوى؟ والتقوى أيها الأخيار الكرام! أصلها: أن يجعل العبد بينه وبين الله ﵎ وقاية يتقي بها سخط الله وعذابه. وهذه التقوى عرَّفها أئمتنا فقال ابن مسعود: (التقوى هي أن يُطاع الله فلا يُعصَى، وأن يُذكَر فلا يُنسَى، وأن يُشكَر فلا يُكفَر). وعرَّفها طلق بن حبيب فقال: (التقوى هي: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخاف عقاب الله). وعرَّفها أبو هريرة ﵁ حينما جاءه سائل فقال: (يا أبا هريرة! ما هي التقوى؟ فقال: هل مشيتَ على طريق فيه شوك؟ قال: نعم. قال: فماذا صنعتَ؟ قال: كنتُ إذا رأيت الشوك اتقيته. قال: ذاك التقوى). فأخذ ابن المعتز هذا الجواب البديع وقال: خلِّ الذنوب صغيرها وكبيرها فهو التقى واصنع كماشٍ فوق أر ض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرةً إن الجبال من الحصى

стр. 153

أركان التقوى فالتقوى أيها الحبيب! لها أركان، أقف مع هذه الأركان بإيجاز: وسنأخذها من تعريف عبد الله بن مسعود ﵁.

стр. 154

الركن الأول: أن يطاع الله فلا يعصى أول أركانها: أن يُطاع فلا يُعصَى: قد تقول لي: يا أخي، لستُ ملَكاً مقرَّباً، ولستُ نبياً مرسلاً معصوماً من الخطأ، فقد انتهى زمن العصمة بموت المعصوم ﷺ ، وإنما أنا بشر أخطئ وأصيب وأزل، وتنتابني حالات كثيرة من الفتور، وربما من المعاصي، بل وربما أقع في كبيرة من كبائر الذنوب، وأنت تقول الآن بأن أول أركان التقوى هو: أن أطيع الله جل وعلا، وألا أقع في معصيته! فأقول لك: أبشر! فلقد ذكر الله المتقين في القرآن، وذكر من صفاتهم أنهم ربما يقعون في الفاحشة! فإذا قلت: ما دليلك؟ فأقول: تدبر معي قول الله سبحانه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣] مَن هم يا رب؟ وما صفاتهم؟ قال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٤ - ١٣٥]. إذاً: التقي قد يزل؛ ولكن الفارق بينه وبين الشقي: أن الشقي إن زلَّ فذُكِّر بالله لا يتذكر، وإن زلَّ فوُعِظ لا يتعظ، وإن زلَّ فذُكِّر بالآخرة استعلى واستكبر واستأنف وكان في غفلة قاتلة، بل وربما استهزأ بالذي يذكره بالله جل وعلا. أما التقي النقي فهو الذي إن زلت قدمه في بئر معصية أو في حفرة ذنب من الذنوب، ولطخت المعاصي ثيابه التقية النقية البيضاء سرعان ما يجذب ثيابه من أشواك المعاصي، ويطهرها بدموع التوبة والندم، ويتذكر عظمة الله وهيبة الله وجلال الله، ويمتلئ قلبه بالحب لله، والخوف من الله، فسرعان ما يتوب إلى الله ويعود إلى الله جل وعلا، والله يريد منك الذل والعبودبة والانكسار له، والله غني عنك، إذ لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية، قال تعالى في الحديث القدسي الذي رواه مسلم من حديث أبي ذر عن الحبيب النبي ﷺ وفيه: أنه جل وعلا قال: (يا عبادي! لو أن أولَكم وآخرَكم وإنسَكم وجنَّكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولَكم وآخرَكم وإنسَكم وجنَّكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه). فالتقي هو الذي إن ظلم نفسه تذكر الله جل وعلا، فأناب وتاب وثاب وعاد، وهو يعلم يقيناً أن الله جل وعلا سيفرح بتوبته وهو الغني عن العالمين، الذي لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية. فإن زلت قدمك أيها الحبيب! وأردت أن تحقق التقوى فجدد بعد المعصية توبة، وأحدث بعد المعصية حسنة، وتذكر دوماً وصية الحبيب النبي لـ معاذ بن جبل ﵁، والوصية رواها الترمذي بسند حسن، قال المصطفى ﷺ : (يا معاذ! اتقِ الله حيثما كنت، وأتبع السيئةَ الحسنةَ تمحها، وخالق الناس بخلق حسن) أي: أحدِث بعد السيئة حسنةً تمحُ الحسنةُ السيئةَ. أوَلم تقرأ في كتاب الله في صفات عباد الرحمن: ﴿إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلَاً صَالِحَاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٧٠]؟! فأول شروط التقوى: أن تتوب إن زلت قدمك، وربما يكون الشاب عزباً، ويتعرض لفتن قد تعصف بقلبه في فترة من الفترات، أو في وقت من الأوقات، فإن زلت قدمك أيها الشاب! فتُب، وإن زلت قدمك مرة ثانية فتُب، وإن زلت قدمك للمرة الألف فتُب، المهم أنك في كل مرة ترجع فيها إلى الله بصدق، والجأ إليه أن يحفظك من الوقوع في الذنب والزلة مرة أخرى، فإن زلت قدمك لضعفك ولبشريتك فما عليك إلا أن تتوب إلى الله، وكن على يقين بأن الله لا يمل حتى تملوا.

стр. 155

الركن الثاني: أن يذكر فلا ينسى الركن الثاني: وأن يُذكَر فلا يُنسَى: أيها الأخ الحبيب! تستطيع أن تكون ذاكراً لله وأنت في جنديتك وأنت في حراستك وأنت في خدمتك، فإن صححت النية فأنت في طاعة وفي عبادة، كما قال ﷺ : (عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله)، فما المانع وأنت في خدمتك أن تذكر الله جل وعلا، وأن تصحح النية، وأن تكرر على قلبك وذهنك وسمعك ما حفظت من كتاب الله، وأن تحمل كتاب الله في جيبك دائماً؟! فإن استشكل عليك شيء فتحت كتاب الله سبحانه وأنت في موطنك الذي أنت فيه، وما المانع أن تكون ذاكراً لله بأي صيغة من صيغ الذكر؟! بل إن ذهبت إلى بيتك لتعاشر زوجتك ولتقضي شهوةً ركَّبها الله فيك فإن صححت النية وأنت في معاشرتك لزوجتك فأنت في طاعة لله جل وعلا؛ لقول النبي ﷺ : (وفي بضع أحدكم صدقة). المهم أن تصحح النية، وأن تُقبل بنية أن تعف نفسك عن الحرام، وأن تعف امرأتك عن الحرام، وأن يرزقك الله ذرية، فتقول: يا رب! هذا نذرته لك، كما قالت أم مريم: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرَاً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران:٣٥]. فمَن مِنا يا إخوة جاء على ولد من أولاده وقال: هذا وقف لله ﵎؟! وهل يصح أن يكون وقفاً لله؟! الجواب نعم، فأنا أربي هذا الولد على كتاب وعلى سنة رسول الله، وأؤهل هذا الولد ليكون في يوم من الأيام داعيةً إلى دين الله جل وعلا. هذا هو الذكر، ولا تظن أن الذكر هو أن تقف بعد كل صلاة مع أذكار الصلاة، أو أذكار الصباح والمساء فقط، بل انظر إلى الذكر بشموله وكماله، وعليك أن تكون ذاكراً لله على كل أحيانك وأحوالك. وأنا أقول لك: الذاكر لله حي وإن حُبست منه الأعضاء، والغافل عن ذكر الله ميت وإن تحرك بين الأحياء! وأكررها: الذاكر لله حي وإن حُبست منه الأعضاء، فلو حبسه المرض في فراش المرض فشُلت قدمه أو يده وكان قلبه شاكراً ولسانه ذاكراً فهذا هو الحي، وهذه هي الحياة الحقيقية، أما إن رأيت بطلاً منَّ الله عليه بالعافية والصحة، ومع ذلك فهو مدمن للمعصية، وعاكف على معصية الله، وعلى التحدي لشرع الله وأمر الله جل وعلا، فهذا ورب الكعبة قد مات قلبه في صدره، فإن الحياة الحقيقية هي حياة القلوب. جاء رجل إلى سفيان الثوري فقال: يا سفيان! لقد ابتُليت بمرض البُعد عن الله، فصف لي دواءً. فقال سفيان: (عليك بعروق الإخلاص، وورق الصبر، وعصير التواضع، ضع هذا كله في إناء التقوى، وصب عليه ماء الخشية، وأوقد عليه نار الحزن، وصفِّه بمصفاة المراقبة، وتناوله بكف الصدق، واشربه من كأس الاستغفار، وتمضمض بالورع، وابعد عن الحرص والطمع، تشف من مرضك بإذن الله). وهذا الدواء يحتاج إلى سنوات في تطبيقة: إخلاص وورع وصبر، هذه هي التقوى الحقيقية، والإنسان لا يستطيع أبداً أن يعيش دون أن يأكل أو يشرب، كذلك الروح قد تموت في القلب، وفي النفس، وفي البدن، وصاحبها لا يدري؛ لأن للروح دواءً، ولأن للروح غذاءً، ولأن للروح علاجاً، ولا يعلم دواء وعلاج وغذاء هذه الروح إلا خالقها، يقول تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلَاً﴾ [الإسراء:٨٥]، ويقول النبي ﷺ كما في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري: (مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت) ألم أقل لك: إن الذاكر لله حي وإن حُبست منه الأعضاء، وإن الغافل عن ذكر الله ميت وإن تحرك بين الأحياء؟!

стр. 156

الركن الثالث: أن يشكر فلا يكفر الركن الثالث: أن يُشكَر فلا يُكفَر. كم لله علينا من نعمة أيها الشباب؟! قال ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم:٣٤]، وبكل أسف يظن كثير منا أن النعمة هي الدينار، ويقول: إن رزقني الله ديناراً فأنا في نعمة، وإن ضُيِّق علي في الدينار فلم يُنعم الله جل وعلا علي بأي نعمة، وهذه نظرة قاصرة ضيقة أيها الأخيار! بل إن لله نعماً لا تُعد ولا تحصى، ووالله لو لم يكن لله عليك من نعمة إلا أن جعلك موحداً، وأرسل إليك محمداً، لكفى بها نعمة، فإياك ألا تعرف قدرها وفضلها، فإن غيرك لا يعرف له رباً! ولا يعرف غايته التي وُجد من أجلها! ألم تسمع قول المتسكع الذي يقول: جئت لا أعلم من أين ولكني أتيتُ ولقد أبصرتُ قدامي طريقاً فمشيتُ وسأمضي في طريقي شئت هذا أم أبيتُ كيف جئتُ؟! كيف أبصرتُ طريقي؟! لستُ أدري! ويظل يقطع الطريق كالسائمة، ولا يعرف له رباً، ولا يعرف لحياته معنىً، ولا يعرف له غاية، وقد قال الله في هذا الصنف: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩]. فاشكر الله على نعمه، فإنها نعمٌ كثيرة. وقد دُعيتُ مرةً لإلقاء محاضرة عندنا في مصر في المعالي، وطلب الإخوة القائمون على أمر المسجد أن نجمع تبرعات لنشتري ملابس لمستشفى الأمراض العقلية، فاشترينا الملابس وذهبنا إلى إخواننا وأخواتنا في مستشفى الأمراض العقلية، وقدَّر الله أن يكون العنبر الأول للنساء، وإذا بامرأةٍ مكتملة الخلق جميلة، لكنها فقدت العقل، فأتت المرأة على موزع الملابس وإذا بها تأخذ الغترة وتجذب اللحية! فصَدَمَنا جميعاً مشهدٌ كاد أن يخلع قلوبنا! وهو أن فتاة في الثانية والعشرين من عمرها كانت تدرس في كلية الطب ولكنها فقدت عقلها! ففجأة تجردت من كل ثيابها! فأصبحت كما ولدتها أمها! فخرجنا وبكينا والله! وكأننا لم نبكِ من قبل، وقلت لإخواني من المشايخ يومها: والله يا إخوة! إنني ما عرفتُ نعمة العقل إلا في هذه اللحظة. فهل فكرتَ في نعمة العقل؟! هذه نعمة ربما أنك ما فكرت فيها، فأنت تجلس على الطعام: اليد تمتد، والأصابع تمسك الطعام وترفعه إلى الفم، والمقاطع تقطِّع، والأنياب تمزِّق، والضروس تطحن، واللسان يظل يسهِّل، واللعاب يفرز، والمريء ينزِّل إلى المعدة، والمعدة تشتغل، والبنكرياس والأمعاء الدقيقة والأمعاء الغليظة تعمل، ثم يتحول إلى دم، والقلب يشتغل، وأذين وبطين وصمام! فمن الذي يوزع لنا الدم على هذا البدن؟! المخ يرسل إشارات إرسال واستقبال وأنت نائم في غفلة! ألم تفكر في فضل الله عليك؟! انظر إلى السماء وارتفاعها، وإلى الأرض واتساعها، وإلى الجبال وأثقالها, وإلى الأفلاك ودورانها، وإلى البحار وأمواجها، وإلى كل ما هو متحرك، وإلى كل ما هو ساكن! فوالله إن الكل يقر بكمال الله، ويعترف بالتوحيد لله، ولا يغفل عن شكر وذكر مولاه إلا مَن كفر من الإنس والجن، ولا حول ولا قوة إلا بالله! قال : ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]. وقال الشاعر: النفس تجزع أن تكون فقيرةً والفقر خير من غنىً يطغيها وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت فجميع ما في الأرض لا يكفيها * * * وقال الآخر: هي القناعة فالزمها تكن ملكاً لو لم تكن لك إلا راحة البدنِ وانظر لمن ملَك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير الطيب والكفنِ

стр. 157

فضل التقوى أيها الأحبة! فضل التقوى عظيم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجَاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرَاً﴾ [الطلاق:٤]. والمتقون عند الله جل وعلا في جنات النعيم، كما قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق:٣١]، وقال جل وعلا: ﴿وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٥]. أسأل الله جل وعلا أن يجعنا وإياكم من المتقين، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال. وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 158

الأسئلة

стр. 159

قصيدة وعظية في أهوال القيامة السؤال نريد منك يا شيخ! القصيدة الوعظية الإيمانية: (مَثِّل لنفسك أيها المغرور)! الجواب إن شاء الله أعطيكم إياها؛ لأن المقام مناسب في هذا الوقت، ونسأل الله يتقبل منا ومنكم. هذه الأبيات هي أبيات رقيقة؛ لأنها تذكر الناس بحقيقة الآخرة، وبما يحدث في ذاك اليوم الرهيب الذي يكاد يخلع القلوب، يقول الشاعر: مَثِّل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور إذ كورت شمس النهار وأدنيت حتى على رأس العباد تسير وإذا النجوم تساقطت وتناثرت وتبدلت بعد الضياء كُدور وإذا الجبال تخلعت بأصولها فرأيتها مثل السحاب تسير وإذا الجليل طوى السما بيمينه طيَّ السجل كتابَه المنشور وإذا الصحائف نُشِّرت وتطايرت وتهتكت للعالمين ستور وإذا الجنين بأمه متعلقٌ يخشى القصاص وقلبه مذعور هذا بلا ذنب يخاف جنايةً كيف المُصِرُّ على الذنوب دهور وإذا الجحيم تسعَّرت نيرانها ولها على أهل الذنوب زفير وإذا الجنان تزخرفت وتطيبت لفتىً على طول البلاء صبور أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل الجنة، وأن يحرم وجوهنا وإياكم على النار.

стр. 160

الرفق في الدعوة ووجوب المحافظة على الصلاة السؤال لنا زملاء في العمل لا يصلون، علماً بأننا نأمرهم بذلك، ونحن نأكل ونشرب معهم، فما الحكم؟ الجواب أيها الأحبة الكرام! أود أن تفرقوا بين مقامين: بين مقام الدعوة، ومقام الجهاد. فمقام الدعوة هو: اللين والحكمة والرحمة، فما دمت في دعوة لأخيك فيجب عليك أن تكون ليناً حكيماً رحيماً، وعليك أن تفتح صدرك له، وإذا ما ذكرته فذكِّره بتواضع، ولا تذكره ولسان حالك يقول: أنا المتبع وأنت المبتدع، وأنا التقي وأنت الشقي، وأنا الطائع وأنت الفاسق، والله يا أخي! لن يسمع لك ولن يسمع منك، وسيدخل الشيطان إلى قلبه ليرد الحق على لسانك، فلا تكن عوناً للشيطان على أخيك، بل ادعه بحكمة ورحمة وأدب وتواضع وابتسامة جميلة، وذكِّر أخاك بالله جل وعلا، ذكِّره مرةً ومرتين وأكثر، فإن الله ﵎ يقول لنبيه: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٣٢]. والله يا إخوة! لو فتحنا القلوب بهذه المفاتيح التي وضعها لنا ربنا ونبينا ﷺ لرأينا الخير الكثير، والعجب العُجاب! جلست مع نائب رئيس جامعة كاليفورينيا في أميركا، فكان الرجل يقسم بالله أنه كان إذا رأى أحداً مثلي: بالغترة واللحية والثوب، يقسم لي بالله أنه كان يبحث عن مكان ليختفي فيه! ويقول: أنا أظن أنك آخذٌ رشاشاً! وكأنه يقول: أنا أخاف؛ لأن الصورة التي عندي أن هذا المنظر إرهاب بكل المقاييس! فالصورة عنده مشوهة؛ ولذا فأنا أقول: إن أعظم خدمة نقدمها الآن للدين هي أن نصحح هذه الصورة عن الإسلام والمسلمين، وعن الملتزمين بصفة خاصة، ولن يكون ذلك إلا بالخلق والأدب والتواضع، والنبي ﵊ دخل عليه رجل، فأول ما التفت إليه إذا بالرجل يرتعد، فقال له: (هون عليك؛ فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش، كانت تأكل القديد في مكة) انظر إلى الأخلاق العالية! وانظر أخلاق النبي ﷺ في الدعوة! ولاحظ أن النبي ﷺ كان يدعو كفاراً. قد تجد الرجل وحد الله وقال: (لا إله إلا الله)، وصلى مرةً وتكاسل مرةً، فهذا يحتاج منك إلى أن تذكره بالله جل وعلا بالحكمة والرحمة والموعظة الحسنة الرقراقة، وتدعوه ما بين ترغيب وترهيب، بحسب الأرض التي تبذر فيها البذر، ومراعاة حال التربة أمرٌ من فقه الدعوة. فأسأل الله أن يهدي إخواننا إلى الحق. وأذكر إخواننا الذين يضيعون الصلاة بأنهم على خطر عظيم، فلقد قال النبي ﵊: (بين المرء وبين الكفر ترك الصلاة)، وهذا ليس من كلامنا أبداً، وإنما هو من كلام الصادق الحبيب، فقد رواه مسلم؛ حتى لا نُتَّهم بالتطرف أو بالتشدد، ويقول ﷺ : (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)، ويقول ﷺ : (إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة الفجر وصلاة العشاء)، وفي صحيح مسلم من حديث ابن مسعود أنه ﵁ كان يقول: (ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها -أي: عن صلاة الجماعة- إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان يؤتى بالرجل يهادى به بين الرجلين حتى يقام في الصف). فلا تترك هدي نبيك ﵌، واحرص على هذا. وأنا أقول لك: لو دعاك قائدك في المعسكر وقال: الجندي الفلاني، أو الضابط الفلاني يأتي المكتب في الساعة الفلانية، أتحداك أن تتأخر! فإن دعاك الملك جل وعلا فكيف تتأخر؟! وخذ مثالاً آخر: إذا كنت شاباً وخطبت فتاةً، فقد تذهب إليها وتجلس معها ساعات، بل لو تركك أهلها لجلست معها الليل كله! ثم إنك تجلس أربع ساعات وخمس ساعات، ثم تقول: الساعة جرت والله! والوقت جرى! فهذه خمس ساعات وأنت مستأنس، وأما عند الصلاة فكما قال الشاعر: تأتي للصلاة في فتور كأنك قد دُعيت إلى البلاء وإن أديتها جاءت بنقص لما قد كان من شرك الرياء وإن تخلو عن الإشراك فيها تدبر للأمور بالارتقاء ويا ليت التدبر في مباح ولكن في المشقة والشقاء وإن كنت المصلي بين خلقه أطلت ركوعها بالانحناء وتعجل خوف تأخير لشغل كأن الشغل أولى من لقاه وإن كنت المجالس يوماً أنثى قطعت الوقت من غير اكتفاء أيا عبد لا يساوي الله معك أنثى تناجيه بحب أو صفاء فأقبل على الله فإن الصلاة كفارة وصلة، كما قال ﷺ : (أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، أيبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا، يا رسول الله! قال: فذلك مَثَل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا)، وفي الحديث الذي رواه بعض أصحاب السنن وحسنه الشيخ الألباني في (صحيح الترغيب والترهيب) أنه ﵌ قال: (تحترقون تحترقون -أي: بالذنوب والمعاصي- فإذا صليتم الصبح غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم الظهر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العصر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صلتم المغرب غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العشاء غسلتها، ثم تنامون فلا يكتب عليكم شيء حتى تستيقظوا) فانظر إلى فضل الصلاة! أسأل الله أن يوفقنا وإياكم للمحافظة عليها؛ إنه وليس ذلك ومولاه.

стр. 161

أهمية ذكر الله عند الجماع السؤال هناك حديث يقول: (من أتى أهله وقال: اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، ورزق من هذا الجماع ولداً لم يضره شيطان) هل معنى هذا أن الشيطان لا يأتي ذلك المولود؟ الجواب الحديث حديث صحيح، ومعنى ذلك: أنك لو استعذت بالله جل وعلا من الشيطان حفظ الله ﵎ هذه النطفة، وحفظ الله جل وعلا بعد ذلك هذه الذرية، كما قال الله تعالى على لسان أم مريم: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران:٣٦]، وأخبر النبي ﷺ بهذا، لكن ليس معنى ذلك أن هذا المولود الذي سمى والده أثناء الجماع إن خرج لا يأتيه الشيطان، كلا، وإنما يأتيه الشيطان ويوسوس له؛ فالشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، ولكن شتان بين نطفة ذُكر اسم الله عليها واستُعيذ بالله من الشيطان حين إلقائها في الرحم، وبين نطفة أخرى ما خرجت إلا -والعياذ بالله- وقد باركها الشيطان! فأسأل الله ﵎ أن يجنبنا وإياكم مكائده، وأن يحفظنا وإياكم منه، إنه على كل شيء قدير. والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.

стр. 162

الخوف والرجاء الخوف والرجاء بالنسبة للمؤمن الحق منهج حياة، فتراه جامعاً بينهما مدة حياته، مغلباً الخوف حال صحته وعافيته، ومغلباً الرجاء حال مرضه وسقمه، فالخوف يحمله على الطاعة، وترك المعصية، والرجاء يحمله على التوبة من الذنب، وإحسان الظن بالرب سبحانه، وهذا هو دأب المؤمنين الصالحين.

стр. 163

فضل الخوف والرجاء وأهميتهما إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الفضلاء! وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته، ودار مقامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! إننا نعيش عصراً طغت فيه الماديات والشهوات، وانحرف فيه كثير من الناس عن منهج رب الأرض والسماوات، وقست فيه القلوب، وتراكمت فيه الذنوب على الذنوب، وقل فيه الخوف من علام الغيوب، فأردت أن أذكر نفسي وإخواني في هذا اليوم الطيب المبارك بكلمات تجمع بين الخوف والرجاء، عسى أن تدمع العيون، وتخشع القلوب، فتعود النفوس إلى الله جل وعلا. الخوف والرجاء جناحان يطير بهما المقربون إلى كل مقام محمود، ومطيتان كريمتان يقطع بهما السالكون إلى طريق الآخرة كل عقبة كئود، فلا يقود إلى قرب الرحمن، وروض الجنان، والنجاة من النيران، إلا أجنحة الخوف والرجاء.

стр. 164

ثمرات الخوف من الله قال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: من خاف الله دله الخوف على كل خير، وكل قلب ليس فيه خوف الله، فهو قلب خراب. وقال الحسن البصري حينما قيل له: يا أبا سعيد! إننا نجالس أقواماً يخوفوننا من الله جل وعلا، حتى تكاد قلوبنا أن تطير من شدة الخوف، فقال الحسن ﵀: والله إنك إن تخالط أقواماً يخوفونك في الدنيا حتى يدركك الأمن في الآخرة، خير من أن تصحب أقواماً يؤمنونك في الدنيا حتى يدركك الخوف في الآخرة. نعم إخوتي الكرام! ففي الحديث الصحيح الذي رواه البيهقي في شعبه، وابن حبان في صحيحه، من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى في الحديث القدسي: وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين وأمنين)، تدبر هذا الكلام أيها الحبيب! يقول ربك في الحديث القدسي: (وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين وأمنين، فإذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة، وإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة). والخوف الحقيقي هو الذي يحول بين العبد وبين معصية الله، ويدفع العبد دفعاً إلى طاعة سيده ومولاه، فليس الخائف من يبكي ويمسح عينيه ثم ينطلق ليرتكب المعاصي والذنوب، ولكن الخائف من يترك ما يخاف أن يعاقبه الله عليه، لذا فقد جعل الله الخوف منه سبحانه ثمرة حتمية لازمة للإيمان به جل وعلا، فقال : ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]، فالخوف من الله ثمرة حتمية للإيمان، بل وبين ربنا جل وعلا أنه لن يتأثر بالموعظة إلا من يخشاه، قال سبحانه: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى:١٠]، بل وبين ربنا جل وعلا أنه لن يعتبر بمصارع الظالمين، ولن يتأثر بأخذ الله للمجرمين إلا من خاف عذاب الآخرة، قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٢ - ١٠٨] أي: غير منقطع ولا منته. إن أهل الخوف من الله جل وعلا هم أهل الجنان، وهم أهل القرب من الرحيم الرحمن، لذا فإن الله تعالى قد جمع لأهل الخوف والخشية أعلى مقامات أهل الجنان من الرحمة والعلم والهدى والمغفرة والرضوان، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف:١٥٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك:١٢]، وقال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣١ - ٣٥]. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (كان رجل يسرف على نفسه ممن كان قبلكم -أي: يسرف على نفسه بالمعاصي والذنوب- فلما حضرته الوفاة قال لأولاده: يا أولادي! إذا مت فحرقوني، حتى إذا صرت فحماً فاسحقوني، فإذا كان يوم ريح عاصف فاذروني -وفي لفظ في الصحيح: فاذروا نصفي في البر ونصفي في البحر- ثم قال: فلأن قدر علي ربي ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين، يقول النبي ﷺ : فأمر الله البحر فجمع ما فيه، وأمر الله البر فجمع ما فيه، ثم قال لهذا العبد: (كن) فكان، فإذا هو رجل قائم بين يديه، فقال الله له: ما حملك على أن صنعت ما صنعت؟ فقال العبد: مخافتك يا رب! أو خشيتك يا رب! فغفر الله له بذلك). إنه الخوف، وإنها ثمرة الخشية من الله، وهذه هي مكانة الخائفين عند الله جل وعلا.

стр. 165

أنواع الخوف ودرجاته ومراتبه والخوف درجات وأنواع، منه:

стр. 166

الخوف من مكر الله الخوف من مكر الله: قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩]، لا تأمن مكر الله أخي في الله! فإن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء، كما في صحيح مسلم، من حديث عبد الله بن عمرو، أن النبي ﷺ قال: (إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن ، كقلب واحد يصرفه حيث شاء ثم قال ﷺ : اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك). فالقلوب تتقلب، فأنت الآن على حال وبعد لحظات ربما يتحول قلبك إلى حال آخر، فلا تأمن على الإطلاق كيف يكون حال قلبك وأنت على فراش الموت، يقول الله: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩]، فالخوف من مكر الله مزق قلوب الصادقين، وقطع قلوب المؤمنين العارفين العالمين. ففي الصحيحين من حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: (فوالذي نفسي بيده إن أحدكم ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها). وفي رواية سهل بن سعد الساعدي في الصحيحين أنه ﷺ قال: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة)، وفي لفظ البخاري: (فإنما الأعمال بالخواتيم). إخوتي الكرام! إن العبرة بالخواتيم، والخواتيم ميراث السوابق، بمعنى: أن الخواتيم نتيجة عادلة لما سبق في حياتك من أعمال الخير أو الشر. قال الحافظ ابن كثير ﵀: لقد أجرى الله الكريم عادته بكرمه أن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه. إن عشت على الطاعة فيقتضي عدل الله جل وعلا أن تموت على طاعة، وأن تبعث على ذات الطاعة، وإن عشت على المعاصي فيقتضي عدل الله إن لم تتب إليه منها وتعترف له بفقرك وجرمك أن تموت على ذات المعصية، وأن تبعث يوم القيامة على ذات المعصية، فالعبرة بالخواتيم، والخواتيم ميراث السوابق. فهذا مؤذن يؤذن لله أربعين سنة لا يبتغي الأجر إلا من الله، وقبل الموت مرض مرضاً أقعده في الفراش، وعجز أن يخرج إلى بيت الله ليرفع الأذان، وقبل الموت بساعات بكى وقال: يا رب! أؤذن أربعين سنة لا أبتغي الأجر إلا منك وحدك، وأحرم من هذه النعمة قبل الموت!! اللهم يسر لي الأذان، فلما سمع الأذان خارج بيته قال لأولاده: يا أولادي! وضئوني فوضئوه، قال: أريد أن أصدع بالأذان وأن أخرج إلى المسجد، فلما أراد أن يخرج عجز عن الخروج إلى بيت الله جل وعلا فقال: أوقفوني فأوقفوه على فراشه، واتجه إلى القبلة ورفع صوته بالأذان إلى أن وصل إلى آخر كلمات الأذان، فقال: (الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله)، وخر على فراشه ساقطاً، فأسرع إليه أولاده فإذا روحه قد خرجت مع قوله: (لا إله إلا الله). لقد أجرى الله الكريم عادته بكرمه أن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه. وهؤلاء مجموعة من الشباب في السعودية اصطادوا ثلاث فتيات، وخرجوا بهن إلى مكان بعيد عن أعين الناس، ولكن الله جل وعلا يسمع ويرى، فقال أحدهم: نريد الطعام والشراب لنقضي ليلة حمراء ممتعة، فقال أحدهم: أنا آتيكم بالطعام والشراب بعد لحظات، وخرج وانصرف وعليه جنابة الزنا والعياذ بالله! ولا حول ولا قوة إلا بالله، وفي الطريق انقلبت به سيارته، ولما تأخر عن رفقائه قال أحدهم للآخر: لماذا تأخر فلان؟ أنا أذهب لأنظر ماذا صنع؟ وعلى الطريق رأى سيارة تحترق وتشتعل فيها النيران، فلما دنا منها عرف أنها سيارة صديقه، فوجد صديقه في السيارة يعجز عن الخروج منها، والنار تأكله وهو يقول: ماذا أقول له؟ ماذا أقول له؟ ماذا أقول له؟ فاقترب منه وسحبه والنار تشتعل فيه وقال له: من هذا الذي تتكلم عنه؟ فقال له: ماذا أقول لربي؟ ماذا أقول لربي غداً؟ فأنت سل نفسك أيها المسلم! وقل: ماذا سأقول لربي غداً؟ إن أتاك اليوم ملك الموت هل أنت راض عما أنت فيه من طاعة؟! عباد الله! إن أقرب غائب ننتظره جميعاً هو الموت، والموت لا يترك غنياً ولا فقيراً، ولا يترك شيخاً ولا صغيراً، ولا يترك رجلاً ولا امرأة. دع عنك ما قد فات في زمن الصبا واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب لم ينسه الملكان حين نسيته بل أثبتاه وأنت لاه تلعب والروح منك وديعة أودعتها ستردها بالرغم منك وتسلب وغرور دنياك التي تسعى لها دار حقيقتها متاع يذهب الليل فاعلم والنهار كلاهما أنفاسنا فيها تعد وتحسب ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩]، وكلما ازددت معرفة بالله كلما ازددت خوفاً من الله وخشية له، فها هو رسول الله ﷺ يقول: (أنا أعلمكم بالله، وأشدكم له خشية).

стр. 167

نماذج وصور من حياة الخائفين روى الإمام أحمد في مسنده بسند حسن، من حديث أبي ذر ﵁، أن النبي ﷺ قال: (إني أرى مالا ترون، أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته، ساجد لله ، ثم قال: والله لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً، ولما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الطرقات تجأرون إلى الله جل وعلا). وفي الصحيحين من حديث أنس قال: (خطبنا رسول الله ﷺ خطبة بليغة ما سمعت مثلها قط، وكان مما قال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً. يقول أنس: فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم ولهم خنين). أي: لهم بكاء بصوت خافت. ومن أعجب ما قرأت في هذا: ما رواه البخاري وأحمد وغيرهما: لما مات عثمان بن مظعون وهو من سادة المهاجرين، ومن أولياء الله المتقين، وممن شهد بدراً، وأول من لقب بالسلف الصالح، وأول من دفن بالبقيع. لما مات عثمان بن مظعون ﵁ دخل عليه النبي ﷺ فقبله بين عينيه، وبكى رسول الله حتى سالت دموعه على خد عثمان بن مظعون. ولما مات قالت امرأة من الأنصار يقال لها: أم العلاء قالت: رحمة الله عليك أبا السائب رحمة الله على عثمان بن مظعون، رحمة الله عليك أبا السائب شهادتي لك أن الله قد أكرمك، فسمعها النبي ﷺ فقال لها: وما يدريك أن الله قد أكرمه؟! قالت: والله لا أدري بأبي أنت وأمي يا رسول الله! فمن؟ أي: فمن هذا الذي سيكرمه الله إن لم يكرم عثمان بن مظعون؟! (بأبي أنت وأمي يا رسول الله والله لا أدري فمن؟ فقال النبي ﷺ : أما هو فقد جاءه اليقين وإني والله لأرجو له الخير، ثم قال المصطفى: والله لا أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي). ولم لا يخاف خاتم الأنبياء وقد خاف من قبله الملائكة من رب الأرض والسماء؟ قال الله : ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ [الرعد:١٣]، ولم لا يخاف بعد الملائكة وبعد الأنبياء المؤمنون الصالحون العارفون العالمون برب العالمين؟! هذا عمر بن الخطاب ﵁ ينام على فراش الموت فيدخل عليه ابن عباس، والحديث في صحيح البخاري، فيقول ابن عباس: (أبشر ببشرى الله لك يا أمير المؤمنين! لقد صحبت رسول الله فأحسنت صحبته، ثم توفي رسول الله وهو عنك راض، ثم صحبت خليفة رسول الله فأحسنت صحبته، ثم توفي أبو بكر وهو عنك راض، ثم صحبت أصحاب رسول الله فأحسنت صحبتهم، ولئن مت اليوم فوالله إنهم عنك لراضون، فقال عمر: ذلك منٌّ منَّ الله به عليّ، ثم قال -وتدبر ما قاله عمر -: والله لو أن لي طلاع الأرض ذهباً لافتديت به اليوم من عذاب الله قبل أن أراه). انظروا يا إخوة! لتقفوا على حال قسوة قلوبنا، إننا نسمع كلاماً -ورب الكعبة- يذيب الصخور، ويفتت الرمال، ولكنك تنظر إلى كثير من القلوب وكأن أصحابها ما سمعوا شيئاً عن علام الغيوب، وعن الحبيب ﷺ لماذا؟ لأن قلوبنا مريضة إلا من رحم ربك جل وعلا، لم تعد الموعظة تؤثر، ولم يعد القرآن يهز القلب، ولم يعد كلام النبي ﵊ يحرك الوجدان، وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أن القلوب في صدورنا إما مريضة وإما ميتة. قال ابن مسعود: (اطلب قلبك في ثلاثة مواطن: في مجالس العلم، وعند سماع القرآن، وفي أوقات الخلوة، فإن لم تجد قلبك في هذه المواطن فسل الله أن يمن عليك بقلب؛ فإنه لا قلب لك). اللهم اشف قلوبنا وأحيها يا رب العالمين! أيها الأحبة! لقد قست القلوب وتراكمت الذنوب على الذنوب، وبَعُدَ القوم من علام الغيوب، وتجرأنا على الله وتجاوزنا شرع رسول الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. هذا عمر بن عبد العزيز تدخل عليه امرأته فاطمة بنت عبد الملك فتراه قابضاً على لحيته يبكي، فتقول له: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟! فيقول لها: يا فاطمة! لقد وليت من أمر هذه الأمة وفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، واليتيم المكسور، والمضروب المقهور، والأرملة، والمسكين، وفي ذي العيال الكثير، وفي غيرهم وأشباههم في أقطار البلاد وأطراف الأرض، وعلمت أن خصمي دونهم هو محمد ﷺ ، فخشيت أن لا تثبت لي حجة بين يدي الله جل وعلا. وهذا سفيان الثوري ينام على فراش الموت فيدخل عليه حماد بن سلمة فيقول له حماد: أبشر يا أبا عبد الله! إنك مقبل على من كنت ترجوه وهو أرحم الراحمين، فقال له سفيان: أسألك بالله يا حماد! أتظن أن مثلي ينجو من النار؟! وهذا الشافعي لما نام على فراش الموت دخل عليه المزني فقال له المزني: كيف أصبحت يا إمام؟! فقال الشافعي: أصبحت من الدنيا راحلاً، وللإخوان مفارقاً، ولكأس المنية شارباً، ولعملي ملاقياً، وعلى الله وارداً، فلا أدري أتصير روحي إلى الجنة فأهنيها، أم إلى النار فأعزيها؟ ثم أنشد الشافعي قائلاً: ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي جعلت الرجا مني لعفوك سلما تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظما وكان مالك بن دينار يقوم الليل يبكي للعزيز الغفار، وهو قابض على لحيته ويقول: يا رب! يا رب! لقد علمت ساكن الجنة من ساكن النار، ففي أي الدارين منزل مالك بن دينار؟!

стр. 168

الخوف من عذاب الله في الآخرة أيها الأحباب! ثم يأتي بعد ذلك: الخوف من عذاب الله في الآخرة، ومن منا يقوى على نار الدنيا؟ والله لا يقوى واحد منا على نار قليلة من نار الدنيا. عباد الله! هل تعلمون أن هذه النار التي إذا اشتعلت في بئر من آبار بترول، أو دمرت مصنعاً من المصانع، أو أحرقت مزرعة من المزارع، أو أبادت مدينة من المدن، ما هذه النار إلا جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم؟! (ناركم هذه التي توقدون هي جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، قالوا: يا رسول الله! والله إن كانت لكافية، قال: ولكنها فضلت على نار الدنيا بتسعة وستين جزءاً كلها مثل حرها). ففي الصحيحين من حديث النعمان، أن النبي ﷺ قال: (إن أهون أهل النار عذاباً لرجل توضع في أخمص قدميه جمرتان من نار، فيغلي منهما دماغه، ما يرى أن أحداً أشد منه عذاباً، وإنه لأهون أهل النار عذاباً). الخوف من عذاب الله في الآخرة مزق قلوب الصادقين العارفين، فالنبي ﷺ يقول: (تحاجت الجنة والنار فقالت النار: يا رب! أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: يا رب! مالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم، فقال الله للنار: يا نار! أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، وقال للجنة: يا جنة! أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي). فهيا أيها الأحبة الكرام! هيا إلى الجنة، هيا إلى العمل من أجل الفوز بالجنة، فإن الجنة -ورب الكعبة- فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. أيها الأحباب! وبعدما رهبت هأنذا أرغب، وبعدما خوفت هأنذا أذكر بأحاديث النبي ﷺ التي تفتح لمثلي أبواب الرجاء في التوبة والأوبة إلى رب الأرض والسماء، وأرجئ الحديث عن الرجاء إلى ما بعد جلسة الاستراحة، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 169

الرجاء ثمرته وحقيقته ومعناه الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، وإن الله فتح أبواب الرجاء لكل مذنب مقصر عاص ليرجع إليه؛ وليعترف بذنبه وجرمه، وهذا هو الفهم الصحيح لأحاديث الرجاء، فالرجاء مع العمل، والرجاء مع الخوف لا ينفصمان ولا ينقطعان أبداً، فالمؤمن يخشى الله ويمتثل الأمر ويجتنب النهي، ويقف عند الحد، لكنه بشر فليس ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً، فربما يضعف فتزل قدمه في بؤرة المعصية، وحينئذ إن جذبت أشواك الذنوب ثيابه يقال له: اجذب ثيابك واغسلها بدموع التوبة، واعلم إن عدت إلى الله بأن الله يفتح لك أبواب الرجاء على مصراعيها. هذا هو الفهم الدقيق لأحاديث وآيات الرجاء. قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: إن قوماً ألهتهم أماني المغفرة، حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، وقالوا: نحن نحسن الظن بالله وكذبوا، لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل. فالمؤمن الذي يحسن الظن بالله يعمل، إن أمره الله ورسوله ائتمر، وإن نهاه الله ورسوله انتهى، وإن حد له الله ورسوله حداً وقف عند حدود الله ورسوله، ثم بعد ذلك إن وقع في معصية وضعف وزلت قدمه يذكر بأحاديث الرجاء بعد آيات الرجاء، فيجد الباب مفتوحاً، وإلا فأين يذهب الفقير إلا إلى الغني؟ وأين يذهب العاصي إلا إلى الغفور؟ وأين يذهب الضعيف إلا إلى القوي؟ عبد الله! اعترف بذنبك وتقصيرك وجرمك، وعد إلى الله جل وعلا وأنت على يقين مطلق بأن الله ﵎ سيفرح بتوبتك وهو الغني عنك، ويفتح لك أبواب التوبة وأبواب الرجاء على مصراعيها، ولا تسوف فإن الموت يأتي بغتة. يا نفس قد أزف الرحيل وأظلك الخطب الجليل فتأهبي يا نفس لا يلعب بك الأمل الطويل فلتنزلن بمنزل ينسى الخليل به الخليل وليركبن عليك فيـ ـه من الثرى حمل ثقيل قرن الفناء بنا جميعاً فما يبقى العزيز ولا الذليل فلا تسوف وُعد إلى الله وتدبر هذا النداء الندي الرخي: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]. وتدبر قول النبي ﷺ كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون، فيغفر الله لهم). وتدبر قول النبي ﷺ كما في الصحيحين: (ينزل الله تعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا -نزولاً يليق بكماله وجلاله- ثم يقول ربنا: أنا الملك أنا الملك من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ فلايزال كذلك حتى يضيء الفجر). بل وفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى، أن النبي ﷺ قال: (إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها). وفي صحيح مسلم وسنن الترمذي واللفظ له من حديث أنس، أن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى في الحديث القدسي: يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة). وأختم بهذا الحديث الذي رواه البخاري ومسلم، من حديث عمر بن الخطاب ﵁: (أن رسول الله ﷺ رأى امرأة في السبي تبحث عن ولدها، فلما وجدته ألزقته ببطنها فأرضعته، فقال النبي ﷺ لأصحابه: أترون هذه الأم طارحة ولدها في النار؟ قالوا: لا يا رسول الله! فقال ﵊: لله أرحم بعباده من رحمة هذه الأم بولدها)، لذا قال أحد أهل العلم: اللهم إنك تعلم أن أمي هي أرحم الناس بي، وأنا أعلم أنك أرحم بي من أمي، وأمي لا ترضى لي الهلاك والعذاب، أفترضاه لي أنت وأنت أرحم الراحمين!! فيا أيها اللاهي! ويا أيها الساهي! يا من ضيعت الصلاة! يا من أكلت الربا! يا من شربت الخمر! يا من عاقرت الزنا! هيا لا تقنط ولا تيئس، وعُدْ إلى الله مهما كان ذنبك، ومهما كانت كبيرتك، عد إلى الله جل وعلا، واعلم بأن الله سيفرح بتوبتك وهو الغني عنك، الذي لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية.

стр. 170

شروط التوبة عباد الله! اعلموا أن للتوبة شروطاً وأركاناً: أولها: الإقلاع عن المعاصي والذنوب. ثانيها: الندم، فالندم هو ركن التوبة الأعظم. ثالثها: الإكثار من العمل الصالح، والمداومة عليه، وأن نلزم طريق الجنة حتى نلقى الله جل وعلا. اللهم لا تدع لأحد منا في هذا المقام ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ميتاً لنا إلا رحمته، ولا هماً إلا فرجته، ولا غماً إلا أزلته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا زدته وثبته، ولا حاجة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين! اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا شقياً ولا محروماً، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى. اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم اشف صدور قوم مؤمنين بنصرة الإسلام وعز الموحدين، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم ارزقنا جميعاً قبل الموت توبة، وعند الموت شهادة، وبعد الموت جنة ونعيماً ورضواناً. اللهم أصلح أولادنا، اللهم أصلح أولادنا، اللهم رب لنا أولادنا، اللهم استر نساءنا وبناتنا، اللهم استر نساءنا وبناتنا، ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً، اللهم اجعل هذا البلد سخاءً رخاءً وجميع بلاد المؤمنين، اللهم اجعل هذا البلد سخاءً رخاءً وجميع بلاد المسلمين، اللهم ارفع عن هذا البلد الفتن ما ظهر منها وما بطن وجميع بلاد المسلمين. اللهم ارفع عن هذا البلد الفتن ما ظهر منها وما بطن وجميع بلاد المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين! أحبتي الكرام! هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويلقى به في جهنم، ثم أعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.

стр. 171

أقسام التوحيد حديث جبريل في بيان مراتب الدين من أجل الأحاديث الجامعة لعقائد التوحيد والإيمان، بل هو مشتمل على ما يجب على المسلم اعتقاده والعمل به، ففيه بيان أركان الإسلام، وأركان الإيمان، ومنزلة الإحسان؛ ولذا اهتم أهل العلم بهذا الحديث كثيراً.

стр. 172

شرح حديث جبريل في مراتب الدين بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الأول فلا شيء قبله، وهو الآخر فلا شيء بعده، وهو الظاهر فلا شيء فوقه، وهو الباطن فلا شيء دونه، وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وصحبه، وعلى كل من اقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فمرحباً بكم أيها الأحبة! ومع اللقاء الثالث على التوالي، وما زلنا نطوف في بستان هذا الحديث الطيب المبارك، في شرح حديث جبريل ﵇، والحديث رواه مسلم وغيره من أصحاب المسانيد وأصحاب السنن، وقلنا: إن مسلماً رحمة الله عليه قد قدم لهذا الحديث بمقدمة هامة، ولقد آليت على نفسي أن أقدم بهذه المقدمة مع متن الحديث في كل لقاء؛ حتى يتيسر على الجميع حفظه إن شاء الله .

стр. 173

نص الحديث عن يحيى بن يعمر ﵀ قال: (كان أول من قال بالقدر في البصرة معبد الجهني) أي: كان أول من قال بنفي القدر، وأن الأمر لا تقدير فيه لله ، قال: (فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ لسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، يقول يحيى بن يعمر: فوفق لنا عبد الله بن عمر ﵄ داخلاً المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، أنا عن يمينه وصاحبي عن شماله، وكنت ظننت أنّ صاحبي سيكل لي الكلام؛ لأني كنت أصفق لساناً منه، فقلت: أبا عبد الرحمن -لـ عبد الله بن عمر - لقد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن، ويتقفرون العلم -أي: يبحثون عن غوامضه وخوافيه- ويقولون: إنه لا قدر، وإن الأمر أنف) أي: إن علم الله حادث، وإن الله لا يعلم الأشياء والأحداث إلا بعد أن تقع. لقد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن، ويتقفرون العلم، ويزعمون ألا قدر، وأن الأمر أنف، فقال عبد الله بن عمر: (إذا لقيت أولئك، فأخبرهم أني منهم براء، وأنهم براء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه في سبيل الله، ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر). ثم قال: حدثني أبي عمر بن الخطاب قال: (بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحدٌ، حتى جلس إلى النبي ﷺ ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله ﷺ : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ﷺ ، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا، قال: صدقت! قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. قال: ثم انطلق فلبثت ملياً، ثم قال لي: يا عمر! أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم). ولقد انتهينا بفضل الله جل وعلا في اللقاءات الماضية من الترجمة لـ عمر بن الخطاب ﵁ ولـ عبد الله بن عمر ﵁، وبيّنا في لقاء مستقل بعض الآداب التي ينبغي أن يكون عليها طالب العلم، وأوضحنا في اللقاء الماضي بعض الآداب أو ما ينبغي أن يتحلى به المعلم أو العالم.

стр. 174

علاقة الإسلام بالإيمان كان لقاؤنا الماضي يدور حول بعض الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها المعلم أو العالم، فتعالوا بنا أيها الأحبة في هذه الليلة المباركة، وفي هذا اللقاء الطيب، لنتعرض إلى أول سؤال سأله هذا السائل لرسول الله ﷺ . جلس هذا السائل بين يدي النبي ﵊ وقال له: (يا محمد! أخبرني عن الإسلام). والإسلام لغة: هو الانقياد والإذعان، أما معناه من الناحية الشرعية إذا أطلق فله حالتان: الحالة الأولى: إذا أطلق اسم الإسلام دون أن يقترن بالإيمان، فهو في هذه الحالة يراد به الدين كله، من الأقوال والاعتقادات والأفعال والأعمال، لقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، ولقول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]. فإذا جاءت كلمة الإسلام دون أن تقترن بكلمة الإيمان، فحينئذ يراد بالإسلام: الدين كله. أما إذا ذكرت كلمة الإسلام مقترنة بكلمة الإيمان، فيراد بالإسلام: الأقوال والأعمال الظاهرة، ويراد بالإيمان: الأعمال الباطنة، لقول الله جل وعلا: ﴿قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، فإذا أطلق الإسلام مع الإيمان فإن الإسلام يراد به: أقوال وأعمال الظاهر، ويراد بالإيمان: أعمال الباطن. ويقول الإمام الخطابي ﵀: معنى ذلك: أن كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمناً. فالإسلام والإيمان إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، أي: إذا اجتمعت كلمة الإسلام مع كلمة الإيمان افترقا فأصبح الإسلام له معنى، والإيمان له معنى آخر. ومعنى: (إذا افترقا اجتمعا) أي: إذا أطلقت كلمة الإسلام فحينئذٍ يراد بها الإسلام والإيمان، وإذا أطلقت كلمة الإيمان فحينئذٍ يراد بها الإسلام والإيمان. فالسائل يقول: (أخبرني عن الإسلام؟) فقال الرسول ﷺ : (الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت). فلنتعرض إلى أول ركن من أركان هذا الإسلام العظيم، وهو: شهادة أن لا إله إلا الله. قال: (الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله)، و (لا إله إلا الله) هي كلمة التوحيد والإخلاص، ولقد قسمنا التوحيد قبل ذلك إلى ثلاثة أقسام، فأعيروني القلوب والأسماع لنجمل ما وضحناه من أقسام التوحيد الثلاثة، ألا وهي: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.

стр. 175

توحيد الربوبية توحيد الربوبية: هو إفراد الله جل وعلا بالخلق والأمر، فلا خالق إلا الله، ولا رازق إلا الله، ولا محيي إلا الله، ولا مدبر إلا الله، ولا مميت إلا الله، فالله وحده هو الخالق وما عداه مخلوق، والله وحده هو الرب وما عداه مربوب، والله وحده هو الرازق وما عداه مرزوق: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]. والأدلة على هذا القسم من أقسام التوحيد كثيرة جداً.

стр. 176

الدليل النقلي على توحيد الربوبية أولاً: الأدلة النقلية، القرآن كله من أوله إلى آخره يبين هذا القسم من أقسام التوحيد، وأكتفي بهذا الدليل من سورة النمل، يقول الله جل وعلا: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل:٦٠ - ٦٤] أإله مع الله؟! لا رب غيره ولا معبود سواه. والأدلة النقلية في هذا الباب كثيرة، بل إن القرآن من أوله إلى آخره يتحدث عن هذا النوع، وصدق من قال: سل الواحة الخضراء والماء جاريا وهذه الصحاري والجبال الرواسيا سل الروض مزداناً سل الزهر والندى سل الليل والأصداح والطير شاديا وسل هذه الأنسام والأرض والسما وسل كل شيء تسمع التوحيد ساريا ولو أن هذا الليل وامتد سرمداً فمن غير ربي يرجع الصبح ثانياً أإله مع الله؟! الله ربي لا إله سواه هل في الوجود حقيقة إلا هو الشمس والبدر من أنوار قدرته والبرق والبحر فيض من عطاياه الطير سبحه والوحش مجده والموج كبره والحوت ناداه والنمل تحت الصخور الصم قدسه والنحل يهتف حمداً في خلاياه والناس يعصونه جهراً فيسترهم والعبد ينسى وربي ليس ينساه أإله مع الله؟ قل للطبيب تخطفته يد الردى يا شافي الأمراض من أرداك قل للمريض نجا وعوفي بعدما عجزت فنون الطب من عافاك قل للصحيح يموت لا من علة من بالمنايا يا صحيح دهاك قل للبصير وكان يحذر حفرة فهوى بها من ذا الذي أهواك بل سائل الأعمى خطا وسط الزحام بلا اصطدام مَنْ يقود خطاك قل للجنين يعيش معزولاً بلا راع ومرعى ما الذي يرعاك قل للوليد بكى وأجهش بالبكاء لدى الولادة ما الذي أبكاك وإذا ترى الثعبان ينفث سمه فاسأله من ذا بالسموم حشاك واسأله كيف تعيش يا ثعبان أو تحيا وهذا السم يملأ فاك واسأل بطون النحل كيف تقاطرت شهداً وقل للشهد من حلاك بل سائل اللبن المصفى كان بين دم وفرث ما الذي صفاك هل هناك مصنع على ظهر الأرض يقدر على ذلك؟! إنها قدرة الذي يقول للشيء: كن فيكون، إنها عظمة وإرادة لا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء. والأدلة النقلية في هذا الباب كثيرة جداً، ولكنني أريد أن أنهي الحديث عن أقسام التوحيد الثلاثة بإذن الله جل وعلا.

стр. 177

الدليل العقلي على توحيد الربوبية الأدلة العقلية على توحيد الربوبية كثيرة، وسأكتفي بقولين أحدهما للأعرابي الذي استشهد على وجود الله جل وعلا بكلمات عجيبة! وهو أعرابي بسيط لم يلتحق بجامعة من الجامعات، ولا بكلية من الكليات، ولكنه تخرج في جامعة الفطرة، وتربى في أحضان الطبيعة: بين سمائها وجبالها، وإبلها وحيواناتها، فسئل: ما الدليل على وجود الله؟ قال: سبحان الله! البعرة تدل على البعير، وأثر القدم يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، أفلا يدل ذلك كله على اللطيف الخبير؟!! واستشهد الإمام أحمد إمام أهل السنة والجماعة بالبيضة، فأمسك البيضة يوماً فقال: هذا حصن حصين أملس، ليس له باب ولا منفذ، ظاهره كالفضة البيضاء، وباطنه كالذهب الإبريز، فبينما هو كذلك إذ انصدع جداره، وخرج منه حيوان سميع بصير! إنها قدرة الله جل وعلا. والأدلة العقلية كثيرة في هذا الباب. فتوحيد الربوبية إذاً: هو الإقرار لله جل وعلا بالخلق والأمر، فلا خالق إلا الله، ولا رب إلا الله، ولا رازق إلا الله، ولا محيي إلا الله، ولا مميت إلا الله. هذا ومن أقر بذلك كله وكفر بتوحيد الألوهية فهو مشرك؛ لأن المشركين قد أقروا لله جل وعلا بتوحيد الربوبية، وأقروا بأن الله هو الخالق وما عداه مخلوق، وبأن الله هو الرازق وما عداه مرزوق، وبأن الله هو الرب وما عداه مربوب، ولكن لما دعاهم النبي ﷺ إلى توحيد الألوهية -أي: إلى إفراد الله جل وعلا بالعبادة- قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، فأنكروا توحيد الألوهية، فحكم الله عليهم بالشرك برغم إقرارهم بتوحيد الربوبية لله جل علا.

стр. 178

توحيد الألوهية وشروط كلمة التوحيد توحيد الألوهية هو: إفراد الله جل وعلا وحده بالعبادة. والعبادة كما عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. وهي كما عرفها ابن القيم ﵀: كمال الحب مع كمال الذل. وفي الجملة: فتوحيد الألوهية هو تحقيق معنى لا إله إلا الله، وهي كلمة التوحيد والإخلاص. هذه الكلمة من أجلها خلق الله السماوات والأرض، ومن أجلها خلق الله الجنة النار، ومن أجلها أنزل الله الكتب، وأرسل الله الرسل، وبهذه الكلمة تكون الشقاوة والسعادة، فريق في الجنة وفريق في السعير. هذه الكلمة ورد في حقها أحاديث كثيرة، وأكتفي بذكر حديث واحد، وهو ما رواه الإمام البخاري ومسلم من حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق؛ أدخله الله الجنة من أي أبوابها الثمانية شاء)، وفي رواية: (أدخله الله الجنة على ما كان من العمل).

стр. 179

تقصير بعض المسلمين في فهم كلمة التوحيد كلمة التوحيد ليست كلمة ترددها الألسنة، وتنكرها القلوب والأعمال، إن كلمة التوحيد واقع وسلوك، إن كلمة التوحيد دين كامل وشامل، فكم من المسلمين يردد كلمة التوحيد وهو لا يفهم لها معنى، ولا يعرف لها مدلولاً، ولا يعرف لها مقتضى! ولقد نجح أعداء ديننا نجاحاً باهراً في تجهيل المسلمين بحقيقة لا إله إلا الله، فجعلوا كلمة التوحيد في جانب والمسلمين بفهمهم لها في جانب آخر، حتى صار المسلمون في واد، وصار الإسلام وحقيقة التوحيد كما أرادها الله، وكما جاء بها ابن عبد الله في واد آخر. نجحوا في أن يفرغوا لا إله إلا الله من محتواها كله، ومن مضمونها كله، ومن معناها كله، حتى صار المقتضى والمعنى والمفهوم منها في جهة، وصار المسلمون في فهمهم لها في جهة أخرى، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فلا إله إلا الله لا تنفع إلا من قالها بلسانه، وصدقها بقلبه، وطبقها بأعماله، والإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان؛ هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة. فلابد أن تقولها بلسانك، وأن تصدقها بقلبك، وأن تترجم ذلك بأعمالك وجوارحك، إذا وقر الإيمان في القلب انعكس على جوارح العبد، فتحركت الجوارح بطاعة الله ، فائتمرت بأمر الله، وانتهت بنهي الله، ووقفت عند حدود الله جل وعلا. إذاً: ليس كل من قال: (لا إله إلا الله) دخل الجنة، فلهذه الكلمة شروط لا ينتفع قائلها إلا بها، وهذه الشروط -بإيجاز شديد- هي التي جمعها صاحب المعارج بقوله: العلم واليقين والقبول والانقياد فادر ما أقول والصدق والإخلاص والمحبه وفقك الله لما أحبه

стр. 180

الشرط الأول: العلم أول شرط هو: العلم، والعلم معناه: أن يكون قائلها على علم بمعناها ومقتضاها ومدلولاتها، وعلى علم بما تحمله هذه الكلمة من نفي وإثبات، وولاء وبراء، فكلمة التوحيد نفي للآلهة وللطواغيت وللأنداد وللأرباب، فهي نفي لجميع الآلهة غير الله، وإثبات للألوهية لله جل وعلا وحده. وهي إثبات العبادة لله وحده: فلا عبادة إلا لله، ولا خوف إلا من الله، ولا إذعان إلا لله، ولا انقياد إلا لله، ولا استسلام إلا لله، ولا تفويض إلا إليه، ولا رجاء إلا فيه، ولا طلب إلا منه، ولا استعانة إلا به، ولا استغاثة إلا به، ولا نذر إلا له، ولا ذبح إلا له، ولا حلف إلا به. تكون عقيدتك قولاً وعملاً: اللهم إني أبرأ من الثقة إلا بك، وأبرأ من الأمل إلا فيك، وأبرأ من التسليم إلا لك، وأبرأ من التفويض إلا إليك، وأبرأ من التوكل إلا عليك، وأبرأ من الصبر إلا على بابك، وأبرأ من الذل إلا في طاعتك، وأبرأ من الرجاء إلا لما في يديك الكريمتين، وأبرأ من الرهبة إلا لجلالك العظيم. هذا ما ينبغي أن تكون عليه عقيدتك أيها الموحد لله جل وعلا. إذاً: شرط العلم: أن تكون على علم بمعناها، نفياً وإثباتاً، فهي تنفي جميع الآلهة والأرباب والأنداد والطواغيت، وتثبت الألوهية لله وحده، والعبودية والعبادة لله وحده. وهي ولاء وبراء: ولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، وبراء من كل ما تبرأ الله منه. فالعلم: أن تكون على علم بمعناها نفياً وإثباتاً: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [محمد:١٩]، وفي الحديث الصحيح من حديث عثمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة).
следующие страницы →