Полный текст (1 901 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
حلمه ﷺ
أيها الأحبة! روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: (أن أعرابياً قام في طائفة المسجد النبوي - يعني: في جانب من جوانب المسجد النبوي- يتبول في حضرة رسول الله ﷺ بين أصحابه! فقام الصحابة وقالوا: مه مه! ماذا تصنع أيها الأعرابي الجلف؟! لم تجد مكاناً لتتبول فيه إلا في مسجد رسول الله ﷺ وصاحب الخلق يقول: لا تزرموه) ووالله لو سكت لكان فعلاً كريماً، ولكان هذا الفعل خلقاً كريماً، لكنه يقول: (لاتزرموه) يعني: دعوه يكمل بوله! والآن ماذا لو تبول طفل من أطفالنا في المسجد؟! ماذا لو دخل سفيه إلى مسجدنا في جميع كبير كهذا الجمع وتبول، أو وقف أمام الشيخ وتبول؟! ماذا لو دخل سفيه الآن فسبني وأنا أتكلم؟! ولكن صاحب الخلق يقول: (لا تزرموه) يعني: لا تقطعوا عليه بوله، وأكمل الأعرابي تبوله تماماً بطمأنينة كاملة وكأنه في خلاء بيت: (ثم نادى عليه رسول الله وقال له: إن المساجد لا تصلح لشيء من هذا، وإنما جُعلت للصلاة ولذكر الله ولقراءة القرآن، يا فلان! ائتني بدلو من الماء، فأفاضوا عليه دلواً من الماء فطهر المكان) وهكذا أنهى الإشكال كله، فانفعل الأعرابي بهذا الحلم وهذا الخلق والرفق، فدخل في الصلاة -والحديث في صحيح البخاري في كتاب الأدب- فدخل الصلاة وقال بصوت مرتفع: (اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً، فقال له صاحب الخلق بخلق: لقد حجرت واسعاً!).
يعني: لماذا تضيق ما وسع الله وهو القائل سبحانه: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦]؟!
стр. 1192
رفقه في تعليم المخطئين ﷺ
وروى مسلم في صحيحه من حديث معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: (دخلت الصلاة خلف رسول الله ﷺ فعطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله.
يقول معاوية: فرماني القوم بأبصارهم، -يعني: نظروا إليه- فقلت: وا ثكل أمياه! ما شأنكم تنظرون إلي؟! يقول: فضربوا بأيديهم على أفخاذهم يصمتونني فسكت، فلما قضى النبي صلاته بأبي هو وأمي والله لم أر معلماً قبله ولا بعده أحسن منه، والله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني إنما قال لي: إن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتهليل وقراءة القرآن).
﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
стр. 1193
حكمته ﷺ
وأختم هذا الدرس بهذا الحديث الغالي جداً، والحديث في البخاري ومسلم ومسند أحمد وعند أصحاب السنن وغيرهم، من حديث أبي سيعد وعلي وعبد الله بن عمرو وغيرهم: أن النبي ﷺ لما قسم الغنائم يوم حنين أعطى المؤلفة قلوبهم وترك الأنصار، ووكل الأنصار إلى إيمانهم بالعزيز الغفار وحبهم للنبي المختار، وأعطى المال للمؤلفة قلوبهم ليتألفهم، وليحببهم في الإسلام، فوجد الأنصار في أنفسهم، وقالوا كلمات شديدة، منها: (غفر الله لرسول الله، غفر الله لرسول الله يعطي قريشاً ولا يعطينا ولا زالت سيوفنا تقطر من دمائهم؟!).
وقالوا أيضاً: (والله لقد لقي رسول الله قومه) يعني: من لقي أحبابه نسي أصحابه؟! لما رأى النبي قومه من قريش نسينا فأعطاهم ولم يعطنا، فسمع سعد بن عبادة هذه الكلمات وهو سيد الأنصار فأسرع إلى النبي المختار وأخبره بما قال الأنصار، فقال المصطفى: اجمع لي الأنصار يا سعد فإذا اجتمعوا فأعلمني، فانطلق سعد بن عبادة فجمع الأنصار جميعاً، ثم أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! قد جمعت لك الأنصار حيث أمرتني فانطلق النبي ﷺ .
أخي الحبيب! أعرني قلبك وسمعك وانتبه! قام النبي ﷺ في الأنصار خطيباً، وهو أفصح الخطباء الذي كانت تهتز بين يديه لكلماته أعواد المنابر، فهو أفصح من نطق بالضاد وأصدق الناس لهجة: (قام النبي ﷺ خطيباً في الأنصار فقال: يا معشر الأنصار! ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله بي؟! عالة -أي: فقراء- فأغناكم الله؟! أعداءً فألف الله بين قلوبكم؟! فقالوا: المن لله ولرسوله، المن لله ولرسوله، فقال المصطفى: والله لو شئتم لقلتم فصدقتم: جئتنا طريداً فآويناك عائلاً فواسيناك مخذولاً فنصرناك، فقالوا: المن لله ولرسوله، فقال: يا معشر الأنصار! أوجدتم في أنفسكم في لعاعة -أي: في أمر تافه من أمر الدنيا- أتألف به أقوماً ووكلتكم إلى إيمانكم بالله جل وعلا؟! يا معشر الأنصار! والله لولا الهجرة لكنت رجلاً من الأنصار، ولو سلك الناس شعباً وسلك الأنصار شعباًَ لسلكت شعب الأنصار، فاللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار، فبكى الأنصار جميعاً حتى اخضلت لحاهم، ثم قال: يا معشر الأنصار! أما ترضون أن يرجع الناس إلى رحالهم بالشاة والبعير وترجعون أنتم إلى رحالكم برسول الله؟! فقال الأنصار جميعاً على قلب ولسان رجل واحد: رضينا بالله ورسوله قسماً ومغنماً).
أيها الأحبة! إنه الخلق، فوالله ثم والله لو ظللت أتحدث طوال الليل عن خلق النبي ﷺ -على رغم جهلي وقلة بضاعتي- ما مللتم.
أيها الإخوة! ما أحوج الأمة الآن أن تحول خلق النبي ﷺ في حياتها إلى منهج حياة إلى واقع يتألق سمواً وعظمة وروعة وجلالاً، ما أيسر أن تحتفل الأمة وتحتفي بالمولد تارة وبالهجرة تارة، وبليلة النصف من شعبان تارة إلى آخره من هذه الاحتفالات والأعياد التي كثرت في أمتنا، أسأل الله أن يكثر أعيادها على السنة.
ما أحوج الأمة التي تجيد الكلام والخطابات والاحتفالات والقصائد والأشعار إلى أن تحول خلق النبي المختار إلى واقع عملي ومنهج حياة.
أيها الأحبة! لو ظللنا الدهر كله نتغنى بخلق النبي ﷺ ونحن لم نمتثل أمره ولم نجتنب نهيه ولم نقف عند حده، ولم نذب وندافع عن سنته ولم نحمل هم دعوته، فوالله لن نغير من الواقع شيئاً، فما أحوج الأمة في هذا الشهر الذي تحتفل فيه برسول الله ﷺ أن تحول خلقه إلى واقع عملي ومنهج حياة.
وقبل أن أنهي الحديث أريد أن أشير وأنبه إلى ما حدث في أثناء المحاضرة: أقول: أنا قلت للأخ السائل أثناء المحاضرة: اجلس ولم أجبه لسؤاله، وهذا من السنة، والدليل على ذلك: ما رواه البخاري ومسلم: (أن رجلاً دخل المسجد فرأى النبي ﷺ يحدث الناس فقال: يا رسول الله! متى الساعة فمضى النبي ﷺ في حديثه ولم يجب السائل، فلما قضى النبي ﷺ حديثه قال: أين السائل؟ قال: هأنذا يا رسول الله! قال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، فقال السائل -الفقيه-: وكيف إضاعتها يا رسول الله؟! قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)، فمن السنة أن يقول الخطيب أو المتكلم للسائل: اجلس حتى ينهي حديثه، فإن أراد أن يسأل عن السائل فعل وإلا فلا حرج ولا عيب.
أسأل الله جل وعلا أن يرد الأمة إلى القرآن والسنة رداً جميلاً، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1194
الأسئلة
стр. 1195
حكم منع المرأة من زيارة أمها
السؤال
أخ ملتزم وزوجته ملتزمة، ولكن ظروفه المادية صعبة، وعنده مشاكل مع أم زوجته، فمنع زوجته من زيارة أمها، فهل هذا يجوز؟
الجواب
لا يجوز له أن يمنع زوجته من أن تزور أمها وأن تبر بها، حتى ولو كانت أمها على الشرك، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥]، لكن يجوز له هو أن يمتنع عن زيارة أم زوجته، يقول: والله أنا لا أريد أن أذهب إلى هناك، ولا حرج عليه لاسيما إذا شعر أن هذا قد يسبب له ضرراً أو فتنة في دينه، لكن ليس من حقه أن يمنع الزوجة، وإن قال: إن بيت أم زوجته فيه معاصي، فأقول: فلتذهب زوجتك للبيت ولتجلس قليلا بنية الصلة ولترجع، فلا ذنب بعد الشرك ولا ذنب بعد الكفر، وقد أمر الله بالصلة مع الشرك والكفر، فلا تمنع امرأة من أن تكون برة واصلة لأمها.
أقول: وصّل الزوجة إلى بيت أمها، واتفق معها على موعد محدد لترجع لها، ولكن لا تقطع الرحم.
أسأل الله أن يرشدنا وإياكم بهداه.
стр. 1196
التوبة الصادقة طريق التخلص من الذنوب
السؤال
أسأل عن معصية تراودني فترة بعد فترة، فهل هذا نفاق، وما الحل للتخلص منها؟
الجواب
إن كانت المعصية تراودك بعد توبة صادقة فجدد توبة أخرى ولو وقعت في المعصية ألف مرة! واعلم بأن الله لا يمل حتى تملوا، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] وقال المصطفى ﷺ كما في صحيح البخاري من حديث عمر بن الخطاب ﵁، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة في حديث ثانٍ لـ عمر سأذكره الآن: أنه ﷺ قال: (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر الله لهم) واحذر أن تفهم هذا الحديث على أنه حث على المعصية، وإنما يفتح باب الرجاء لكل مذنب، فإن زلت قدمك في بؤرة معصية فعد إلى الله وأنت على يقين بأن الله سيغفر لك، واعلم بأن الله لا يمل حتى تملوا.
والمهم أن تقلع عن المعصية وأنت نادم، وأن تدخل في التوبة وأنت صادق، فإن عاودت المعصية فجدد التوبة مرة أخرى وأخرى وأخرى، فجدد لكل معصية توبة وأسأل الله أن يتوب علينا وعليكم.
قال النبي ﷺ لـ معاذ: (يا معاذ! اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن).
стр. 1197
حكم العمل في محلات تبيع أشرطة الغناء
السؤال
أعمل في سوبر ماركت، ولكن السوبر ماركت يبيع أشرطة الغناء، فماذا أفعل؟
الجواب
اجتهد في نصح صاحب المحل بأن يتخلص من أشرطة الغناء، وذكّره بالله ولو أهديته بعض الأشرطة فقد أحسنت وأجملت، وإن كنت تقدر على عمل آخر لا شبهة فيه فانتقل إليه، وإلا فكن في عملك مع البحث الجاد الصادق حتى ييسر الله لك عملاً آخر.
وأسأل الله أن يرزقنا الحلال الطيب.
стр. 1198
حكم الهجرة إلى بلاد الكفار
السؤال
شركة أمريكية تطلب شباباً للهجرة إلى أمريكا، وأنا أبحث عن مخرج من هذا البلد، فهل يجوز لي الهجرة إلى أمريكا؟
الجواب
لا تجوز الهجرة إلى بلاد الكفر إلا لضرورة شديدة جداً، وأنا سافرت إلى أمريكا وإلى أوروبا، وأنا أنصح كل شاب يسألني عن السفر إلى هذه البلاد أن يجتهد قدر الإمكان ألا يسافر إلا لضرورة، والضرورة تقدر بقدرها؛ لأنك ستذهب من أجل الدنيا فسترجع بلا دين في الغالب، ولا أحكم على الجميع، ولكن هذا هو الغالب، فهذه البلاد لاسيما إذا سافر الشاب بدون زواج وبدون عقيدة صلبة صحيحة فيخشى عليه الفتن، فالفتن هناك مشتعلة تموج كموج البحر، ووالله لولا الدعوة ما سافرنا إلى تلك البلاد، ولولا أن نخشى أن نأثم ما سافرنا إليها فتن شديدة جداً.
كم من شباب سافر إلى أمريكا وإلى أوروبا وإلى إسرائيل، فعاد بغير دين.
أقول لهذا الشاب: ابحث عن عمل في بلد مسلم، وإن لم يتيسر لك هنا في مصر، ففي أي بلد آخر من بلاد المسلمين، اجتهد والله ﵎ يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] والضرورة تقدر بقدرها.
стр. 1199
الحث على ارتداء النقاب
السؤال
أنا فتاة أرغب في ارتداء النقاب وهناك معارضة من العائلة، ويقولون لي: إن ارتديت النقاب فلن أتزوج؟
الجواب
البسي النقاب وأنا آتي لك بمائة عريس تختارين من تريدين! أقول: أنا أنصح العائلة الفاضلة بأن تحرص على أن ترتدي ابنتها النقاب، ولتعلم العائلة علم اليقين أن الشباب المسلم الملتزم لا يبحث إلا عن المنتقبات، ولا يبحث إلا عن الطاهرات الفاضلات، أما السافرات فلا والله، فممكن أن يلعب عليها أو يكلمها وتجلس معه والعياذ بالله في الحرام، لكن عندما يريد أن يتخذ الخطوة الحقيقة للزواج يقول: أنت لعبتِ معي، فلا آمن أن تلعبي! ويبحث عن الطاهرة العفيفة الشريفة.
стр. 1200
الصبر على الأذى في ذات الله
السؤال
والدي يصر عليَّ بأن أقصر لحيتي -خوفاً عليَّ- وقد استنفذت معه جميع طرق الإقناع، ولكنه مازال مصراً عليَّ بأن أقصرها، فما هو توجيهكم؟!
الجواب
اثبت واصبر فالله يقول: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٩٠] ولا تتخلى بسهولة.
يعني: نحن ما عُمل فينا ما عُمل في بلال وخبيب وعمار وزنيرة وخباب إن كان الوالد يشتمك أو يضربك، أيش المشكلة؟! ولابد من الرجولة ولابد من الثبات، والله العظيم لو وجدك والدك ثابتاً صادقاً لتركك، وأسأل الله أن يثبتنا وإياك.
стр. 1201
طريقة العلاج من المس الشيطاني
السؤال
أنا فتاة على خلق والحمد لله، وأرتدي الحجاب الشرعي، وأحافظ على الصلاة وعلى مجالس العلم في أحيان كثيرة، لكن يحدث لي شيء غريب وهو أن بي مساً من الجن، علماً بأنني ذهبت إلى كثير ممن يدعون المعرفة بالقرآن فوجدتهم على غير ذلك، وأتمنى أن توضح لي الحل في نقاط محددة لأتبعها وجزاك الله خيراً.
الجواب
أنصح كل من ابتلي بمس الجن -بمس الشيطان- أو بالسحر أن يحافظ على الرقية الشرعية، وليس بالضرورة أن يذهب إلى المعالجين أو إلى من نصبوا أنفسهم للعلاج.
وأيضاً أنصح كل من نصب نفسه للعلاج أن يخشى على نفسه وعلى قلبه، ووالله العظيم إنه فتنة، ولا أود بذلك أن أقول: اتركوا، وإنما أنصح المريض ابتداءً أن يحرص على أن يرقي نفسه بنفسه بعد تحقيق تمام التوكل على الله ، ولو اجتمع أهل الأرض لرقيه وهو بعيد عن التوكل وعن اليقين فلن ينفعه ذلك على الإطلاق.
فلو أن أختاً مصابة بمس من الشيطان وهي لا تصلي فلو قرأ عليها محمد حسان وأبو إسحاق ومصطفى العدوي ومحمد يعقوب وغيرهم فلا فائدة؛ إذ لابد من تحقيق التوحيد، ولابد من أن تحقق الأخت الفاضلة وكل أخت حقيقة التوكل على الله .
إذاً: لنعلم أولاً أن الشيطان لا سلطان له على المخلصين، فقد يؤذى الإنسان، وقد سحر النبي ﵊ وهو سيد المخلَصين وسيد الذاكرين ابتلاءً؛ ليبين الله لنا بشرية النبي من جانب؛ وليبين الله لنا العلاج لهذا الداء من جانب آخر.
فنقول: العلاج بخطوات كالتالي: الأمر الأول: المحافظة على الصلوات، فلابد من المحافظة على الصلوات وترك الجلسة أمام التلفزيون ليلاً ونهاراً.
الأمر الثاني: المحافظة على الأذكار: أذكار الصباح والمساء، فهي أمر في غاية الأهمية، وقد يستهين بها كثير من الإخوة والأخوات ولترجع -مثلاً- لكتاب رياض الصالحين، أو القصاصات التي تباع فيها الأذكار: أذكار الصباح والمساء، احفظ أي نوع من أنواع الذكر، وليس بالضرورة أن تحفظ الأذكار كلها، لكن احفظ شيئاً من الأذكار كأذكار الصباح وأذكار المساء، ولابد أن يكون لسانك رطباً بذكر الله .
الأمر الثالث: المحافظة على الورد اليومي من القرآن.
الأمر الرابع: المحافظة على قيام الليل، فصلاة الليل تحفظك بإذن الله، والنبي ﷺ يقول: (عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى ربكم، ومكفرة عن السيئات، ومنهاة عن الإثم) فالصلاة بالليل تنهاك عن الآثام، وتحثك البعد عن الآثام، وهي قرب من الرحمن، فهي طاعة يتقرب بها إلى الله.
الأمر الخامس: المحافظة على الوضوء، والأعظم من كل هذا: أن تحقق التوكل على الله، وأن تعلم يقيناً أن الضار والنافع هو الله، قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢] فالضار النافع هو الله ولا يقع شيء في الأرض إلا بإذنه وأمره جل وعلا.
الأمر السادس: قراءة سورة البقرة، فإن عجز عن قراءة سورة البقرة فعن طريق شريط الكاست، فتقرأ في البيت كل ثلاثة أيام مرة؛ لأن النبي ﷺ قال: (خذوا البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة)، يعني: السحرة.
الأمر السابع: قراءة آية الكرسي، فالذي يقرأها بالليل لا يزال عليه من الله حافظ حتى يصبح، ومن قرأها الصبح لا يزال عليه من الله حافظ حتى يمسي، وقراءة أواخر سورة البقرة: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] إلى آخره: (من قرأ آيتين من أواخر سورة البقرة في ليلة كفتاه) أي: من كل هم وغم وجور.
الأمر الثامن: أكل سبع تمرات من تمر العالية وهي منطقة في مدينة رسول الله ﵊: (من تصبح بسبع تمرات من تمر العالية لا يصيبه في هذا اليوم سم ولا سحر).
الأمر الثامن: الصبر.
فسيدنا أيوب -على الراجح من أقوال أهل العلم- بقي مريضاً ستة عشر سنة، والابتلاء له ثلاث درجات: الدرجة الأولى: للتمحيص: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢ - ٣].
إذاً: المرتبة الأولى من مراتب الابتلاء: التمحيص.
المرتبة الثانية من مراتب الابتلاء: التطهير: (ما من مسلم يصيبه أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه) إذاً: الابتلاء مع الصبر طهارة من الذنوب.
المرتبة الثالثة من مراتب الابتلاء: رفع الدرجة؛ لأن الله قد ابتلى نبيه المصطفى؛ لرفع الدرجة، قال تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح:٢] والابتلاء للنبي ﷺ رفع لدرجته.
إذاً: الابتلاء إما أن يكون للتطهير، وإما أن يكون للتمحيص، وإما أن يكون لرفع الدرجة، فاصبر فأنت على خير في كل أحوالك، فإذا ابتلي إنسان ورقى نفسه ولم يقدر الله له الشفاء؛ فلا يتعجل ولا ييأس من المداومة والمواظبة على الرقية، بل يجب عليه أن يستمر على ذلك، وأن يصبر، ونسأل الله أن يرفع البلاء عن السائل وعن كل مرضى المسلمين من الرجال والنساء، إنه على كل شيء قدير.
وهناك رسالة في الوقاية من الشيطان للشيخ الفاضل مصطفى العدوي فيها ما ذكرت وزيادة، وأسأل الله أن يتقبل منا ومنه ومن جميع إخواننا صالح الأعمال.
стр. 1202
دعاء لشاب أسلم حديثاً
السؤال
يجلس بيننا الآن شاب يبلغ من العمر ثمانية عشر عاماً، كان نصرانياًَ فأسلم بين أيدينا، ويصلي معنا في مسجد بعيد عن المنزل حتى لا يراه أهله، ونحن نطلب من حضرتك الدعاء له.
نسأل الله أن يشرح صدره وأن يثبتنا وإياه على الحق، وأن يتقبل منا ومنه صالح الأعمال، وأوصي هذا الأخ بالثبات، فإن الإسلام غال، وأحمد الله الذي شرح صدره للحق، وأسأله أن يثبتنا وإياه على الحق حتى نلقاه.
وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1203
رحلتي إلى أمريكا
حري بمن أنعم الله عليه فهداه للإسلام، وجعله من أمة خير الأنام ﷺ أن يحمد الله على هذه النعمة، وأن يشكره على هذه المنة.
وإن من الأسباب التي تدفع المرء لحمد الله على الهداية أن يطوف في أرض الله؛ ليطلع على حال من حرمه الله من نعمة الإسلام، فظل يتخبط في ظلمات الكفر والشرك، وينبغي على كل مسلم ساقته قدماه إلى بلد من بلدان الكفر أن يكون داعية إلى دين الله بقوله وفعله وسمته لعل الله أن يهدي به رجلاً واحداً.
стр. 1204
انطباعات حول رحلة أمريكا
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، طبتم جميعاً وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله أن يجمعني وإياكم في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد الدعاة وإمام النبيين في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! اسمحوا لي أن يكون لقاؤنا اليومَ بعنوان: (رحلتي إلى أمريكا بين الحقائق والآمال والواجبات).
فلقد شرفني اللهُ جل وعلا في الأيام القليلة الماضية بالمشاركةَِ في ثلاثة مؤتمرات إسلامية في أمريكا، أستطيع أن أعطي حضراتكم لمحة سريعة عن هذه المؤتمرات، قبل أن أسجل بين يدي حضراتكم بعض انطباعاتي عن هذه الزيارة: أما المؤتمرُ الأول: فقد عُقد في مدينة (إنديانا بوليس) تحت إشراف جمعية القرآنِ والسنة التي يقوم عليها إخوةٌ فضلاء كرام، يقدمون الإسلام غضاً طرياً صافياً خالصاً من القرآن والسنة بفهم سلف الأمة.
يقدمون الإسلام بهذه الصورة المشرقة في بيئة قد أحرقها لفح الهاجرة القاتل، وأرهقها وأضناها طول المشي في التيه والظلام، هذا المؤتمر الذي يقوم عليه هؤلاء الإخوة الفضلاء كان الموضوع الذي طرحه في هذا العام: (العملُ الإسلاميُ المعاصر بين عذاب الاختلاف ورحمة الائتلاف).
وشارك فيه مجموعةٌ من العلماء والدعاة وحضر المؤتمر عدةُ مئات من المسلمين والمسلمات.
أما المؤتمر الثاني: فكان في مدينة (ديترويت) تحت إشراف رابطة الشباب المسلم العربي، هذه الرابطة المباركة التي بدأت بأفراد قلائل، ويقوم عليها إخوة يعتز بهم كل مسلم، هؤلاء الإخوة الذين رأيت منهم مواصلة الليل بالنهار، وبذل الجهود والطاقات لإنجاح هذا المؤتمر الكبير، هؤلاء الإخوة يتطوعون بعملهم هذا لله جل وعلا، هذا المؤتمر الذي كان موضوعه الذي طرحه في هذا العام بعنوان: (الأمة الإسلامية شروق لا غروب)، وحضر في هذا المؤتمر عدد كبير من أكابر علماء الأمة ودعاتها من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وأصغ لي السمع أيها الحبيب وانتبه! فإن عدد الحضور في هذا المؤتمر في أمريكا بلغ ستة آلاف مسلم ومسلمة، وقد احتلوا أكبر فندق في هذه المدينة، وتحول هذا الفندق بقاعة المؤتمرات إلى تظاهرة إسلامية شماء شامخة تبكي العيونَ فرحاً، وتهز القلوبَ أملاً لدين الله جل وعلا!! وفي أول ليلة من ليالي هذا المؤتمر قام أحد الإخوة بدعوة المسلمين إلى مد يد العون لإخوانهم في البوسنة والهرسك وفي فلسطين وفي كشمير، وكانت العجيبة التي لا أصدقها إلى الآن أن الإخوة جمعوا في هذه الليلة ما يزيد على مائتين وأربعين ألف دولار في نصف ساعة! وفي الليلة التالية جمعوا أكثر من مائة وثمانين ألف دولار! إنه الإسلام! إنه العمل الجاد! ولا يفوتني هنا أن أسجل كلمة حق لله جل وعلا، وهي أنه على الرغم من وجود بعض الملاحظات على هذا المؤتمر إلا أنها تذوب تماماً مع الحسنات الكبيرة الكبيرة، فقد بلغ الإخوة في هذا المؤتمر درجة من التنظيم والتنسيق والترتيب والإبداع يسعد ويعتز بها كل مسلم ومسلمة في أرض الله جل وعلا، لاسيما وقد علمتم أن الحضور قد بلغ في هذا المؤتمر قرابة ستة آلاف مسلم ومسلمة.
أما المؤتمر الثالث: فكان في (كندا) في مدينة (توزنتو) تحت إشراف الاتحاد الإسلامي الصومالي، أسمعتم؟! تحت إشراف إخوان لنا من الصوماليين الذين هاجروا من بلادهم هرباً بدينهم من نيران الحروب الأهلية الطاحنة، وذهبوا إلى كندا وتحركوا لدين الله جل وعلا، وتعجبون إذا علمتم أن الطرح الذي طرحه المؤتمر في هذا العام كان بعنوان: (نحو منهج السلف)، أي: نحو منهج أبي بكر وعمر وعثمان وعلي!! على أيدي إخوة صوماليين يتحركون لدين الله جل وعلا في بلد مثل كندا!! وقد شارك في المؤتمر عدد من العلماء والدعاة، وكذا حضره عدة مئات من المسلمين والمسلمات.
ثم يسر الله لنا بعض الزيارات لبعض المساجد والمراكز الإسلامية، وكادت سعادتنا وفرحتنا أن تبلغ عنان السماء ونحن نتجول بين أجهزة حديثة وصرح شامخ في ولاية (فرجينيا) في معهد الدراسات الإسلامية والعربية التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، هذا الصرح الشامخ الذي يسعد ويعتز به كل مسلم ومسلمة، أنشئ منذ ثلاث سنوات فقط وافتتح رسمياً منذ عام واحد، وبالرغم من ذلك، لو وقفتم على نشاطات هذا المعهد لعجبتم، ومن أروع ما قدمه هذا المعهد: برنامجاً بالكمبيوتر لتعليم الإسلام باللغة الإنجليزية للمسلمين ولغير المسلمين من الأمريكيين، مع طبع النشرات والدوريات والمجلات وترجمة بعض الكتب، فضلاً عن أنه يدرس للطلاب العرب والأمريكيين ويمنح البكالوريوس مع الماجستير في الدراسات العليا للدراسات الإسلامية.
من كان يظن أن هذا العمل للإسلام يكون يوماً ما في أمريكا! أنا لن أتحدث اليوم عن أمريكا، ولا عن الشعب الأمريكي، ولا عن أخلاقه، وإنما أحدثكم اليوم عن الأمل عن البسمة عن السرور عن الفجر الذي بدأ يتدفق ويتحرك كالنسيم في كل بقاع الدنيا، حتى في قلب أمريكا يعمل هذا العمل المنظم لدين الله جل وعلا، وعلمنا ونحن في مؤتمر (ديترويت) أن هناك مؤتمراً آخر يعقد في فرنسا، وما استطعنا أن نلبي الدعوة ونذهب إلى هناك، وحضر المؤتمر في فرنسا ما يزيد على خمسة وثلاثين ألف مسلم ومسلمة! شيء عجيب! ولا أريد أن أطيل عليكم أيها الأحبة! فدعوني أسجل لحضراتكم بعض انطباعاتي عن هذه الرحلة بين الحقائق والآمال والواجبات
стр. 1205
نعمة الإيمان والعيش في بلاد الإسلام
أولاً: الحقائق: إن أكبر حقيقةٍ أذكر بها نفسي وإياكم أن من قدَّر الله له زيارة تلك البلاد عَلم عِلم اليقين أن أعظم نعمةٍ امتن الله بها علينا -ونحن نغفل عنها- هي نعمةُ الإسلام والإيمان، نعمة التوحيد لله العزيز الحميد، أعظم نعمة وأكبر نعمة امتن الله بها علينا من غير اختيار منا ومن غير فضل منا، ولا بقوة عقولنا، فإن القوم هناك قد ناطحوا السحاب بما أبدعته عقولهم، وعرفوا كل شيء في الكون إلا خالقه جل وعلا! فالفضل لله ابتداءً وانتهاء أن من علي وعليك بالتوحيد والإيمان والإسلام.
ومما زادني فخراً وتيها وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن أرسلت أحمد لي نبيا من أنا ومن أنت ليشرفنا الله بعبادته وتوحيده جل وعلا؟! إنه محض فضل الله على العباد ابتداء وانتهاء، ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات:٧ - ٨] ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧].
ذلك الفضل من الله جل وعلا، فيا منْ منَّ الله عليك بلا إله إلا الله وبنعمة الإسلام وبنور الإيمان! لا تغفل عن هذه النعمة، واسجد لربك شاكراً، واحمد الله مع كل نفس من أنفاس حياتك أن خلقك الله موحداً بغير رغبة منك ولا اختيار، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (كل مولود يولد على الفطرة)، وفي لفظ مسلم: (ما من مولود إلا ويولد على الفطرة فأبواه يهودانه) ينشأ في بيت يهودي يقول: عزير ابن الله! فينشأ يهودياً كافراً بمولاه.
(أو ينصرانه) ينشأ في بيت يقول: عيسى ابن الله، أو المسيح ابن الله! فينشأ كافراً بمولاه.
(أو يمجسانه) ينشأ في بيت يعبد النار من دون الله فيخر لها ساجداً من دون مولاه! قال: (يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء -أي: مكتملة- ثم قال أبو هريرة: واقرءوا إن شئتم: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠]).
وفي صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار ﵁ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (قال الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء) أي: على الملة الحنيفية السمحة، وعلى فطرة التوحيد، ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٢ - ١٧٣] قال: (إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا) فالفضل لله ابتداء وانتهاء.
وإذا منَّ الله عليك -بعد نعمة الإسلام والإيمان- ببيئة تعينك على طاعة الله، وعلى ذكر الله، وتحول بينك وبين معصية الله فهي نعمة أكبر ونعمة أعظم، ولا يعرف قدر بيئة الطاعة التي ذكرتها إلا من ذهب إلى تلك البلاد، فإن البيئة هناك تؤزك إلى المعصية أزاً، وتدفعك إلى معصية الله دفعاً، فلا تقع عينك في أي مكان إلا على معصية، في المطار في القطار في الطائرة في المصنع في الفندق في الشارع في المحل في التلفاز في المجلة في الجريدة، لا تقع عينك -بلا ذرة من المبالغة- إلا على معصية.
ففي كل لحظة تنظر وفي كل وقت تمشي لا تقع عينك في تلك البيئة إلا على معصية الله جل وعلا، ولا يعصمك إلا الله، لا يوجد أحدٌ يذكرك بالله، إلا إذا التقيت بأخ من إخوانك يتلهف لرؤياك وتتلهف لرؤيته، كل ما في تلك البيئة يؤزك إلى المعصية أزاً، ومن رأى تلك البيئة عرف فضل بيئة الطاعة التي نعيشها.
ووالله إن أطهر وأشرف بيئة على ظهر الأرض تعينك على طاعة الله هي بيئة بلاد الحرمين، أقولها لمرضاة الله جل وعلا، هذه البلاد بلاد الحرمين التي هي جزيرة الإسلام، وفيها مهبط الوحي وأرض الرسالات فيها بيت الله جل وعلا، ومسجد رسوله المصطفى ونبيه المجتبى، فكلما تجاذبت الإنسان أشواك الطريق هرول مسرعاً إلى بيت الله أو إلى مسجد رسول الله شاداً إليه الرحال؛ ليغتسل هناك، وليرفع إلى الله أكف الضراعة، ليرجع وقد شرح الله صدره، وغفر ذنبه، وفرج كربه، إنها بيئة تدفعك إلى الطاعة دفعاً، وتحول بينك وبين المعصية حولا، إلا لمن بحث عن المعصية طائعاً مختاراً غير مضطر، فهذه ما خلا منها زمان ولا مكان، بل لقد كانت على عهد سيد ولد عدنان صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
كيف لا وقد قال الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى كما في صحيح البخاري ومسلم واللفظ لـ مسلم من حديث أبي هريرة: (إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، وهو يأرز بين المسجدين -أي: المسجد الحرام والمسجد النبوي- كما تأرز الحية في جحرها) ومعنى يأرز: أي يتجمع وينضم كما تنضم وتتجمع الحية في جحرها، فالإسلام -بشهادة رسول الله- يأرز وينضم ويتجمع بين المسجد الحرام ومسجد الرسول ﵊.
بل وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، إلا في التحريش بينهم) أي: يوقع بينهم من الفساد والعداوة والبغضاء، لكن أن يعبده المصلون من دون الله جل وعلا في الجزيرة فلا، فالشيطان ما يئس من أن يعبد في أرض من أرض الله -بشهادة رسول الله- إلا في أرض الجزيرة العربية، وهذه نعمة من الله جل وعلا، وربك يخلق ما يشاء ويختار، وكما أن الله سبحانه قد اختار من الخلق الأنبياء، واختار من الأنبياء الرسل، واختار من الرسل أولي العزم الخمسة، واختار من أولي العزم الخليلين الكريمين إبراهيم ومحمداً، فكذلك اختار الله جل وعلا له أرضاً، فاختار مكة وشرفها على بقاع الأرض كلها، وقد جاء في سنن الترمذي وابن ماجة بسند حسن صحيح أن رسول الله حين خرج مهاجراً قال يخاطب مكة: (والله إنك لخير أرض الله، وإنك لأحب بلاد الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت أبداً)، ويوم أن ترك مكة وذهب إلى المدينة دعا لها وقال -كما في صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك -: (اللهم اجعل في المدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة) واستجاب الله دعاء حبيبه وخليله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
بل وقال كما في صحيح البخاري ومسلم من حديث أنس: (إن على مناقب المدينة ملائكة، لا يدخلها الطاعون، ولا يدخلها الدجال) ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
فمن من الله عليه بالإيمان وببيئة تعينه على طاعة الرحيم الرحمن فليسجد لله شكراً، وليعرف قدر هذه النعمة، وليضرع إلى الله جل وعلا أن يثبته عليها وأن يتوفاه عليها، أسأل الله أن يجعل بلاد الحرمين أمناً أماناً، سخاء، رخاء، وسائر بلاد المسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 1206
المستقبل للإسلام
ثانياً: الآمال: الآمال كثيرة، ولله الحمد والمنة، وكُلها تنادي بصوت مرتفع وتقول: إن الإسلامَ قادم، كقدوم الليل والنهار.
فإن عرف التاريخ أوساً وخزرجاً فلله أوس قادمون وخزرج وإن كنوز الغيب تخفي طلائعاً مصابرة رغم المكائد تخرج أيها الأحبة! إن أمة الإسلام مرضت وطال مرضها، ونامت وطال رقادها، ولكنها بحمد الله لم تمت.
وإن الذي يفصل في الأمر في نهاية المطاف ليس هو كثرة الباطل، ولا قوة الحديد والنار، ولكن الذي يفصل في الأمر في نهاية المطاف هو قوة الحق.
ولا شك أننا نملك الحق الذي من أجله خلقت السموات والأرض، والجنة والنار، ومن أجله أنزلت الكتب، وأرسلت الرسل.
معنا رصيد الفطرة فطرةُ الكون وفطرة الإنسان وقبل كل ذلك وبعد كل ذلك معنا الله، ويا لها والله من معية عظيمة جليلة مباركة، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١] وقال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣] وقال سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف:٨ - ٩].
وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦] وقال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور:٥٥] بشرط: ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥] إنه وعد الله الذي لا يتخلف، وسنة الله التي لا تتغير.
ومن أروع ما قرأت -وأنا أعد هذا اللقاء- قول المفكر الكبير ماكنيل: (إن الحضارة الغربية في طورها الأخير من أطوار حياتها).
ومن سافر إلى تلك البلاد عرف هذه الحقيقة التي بدأت تنادي ويصرخ من أجلها المفكرون هناك: إن الحضارة الغربية في طورها الأخير من أطوار حياتها.
نعم أيها الأحبة! لا ننكر أن الحضارة الغربية قد قدمت تقنية علمية رائعة مذهلة، انطلقت بعيداً بعيداً في أجواء الفضاء، وغاصت بعيداً بعيداً في أعماق البحار والأنهار والمحيطات، وفجرت الذرة، بل وحولت العالم كله إلى قرية صغيرة عن طريق هذا التقدم العلمي المذهل، والتقنية الحديثة في عالم الاتصالات والمواصلات.
ولكنها بالرغم من ذلك فشلت في أن تمنح الإنسان طمأنينة النفس، وسعادة القلب، وراحة البال، واستقرار الضمير، وهدوء الأعصاب، ومن أراد أن يتحقق من ذلك فليراجع أي إحصائية تقع عليها عينه؛ ليتعرف على هذه الحقائق التي ذكرتها.
والسبب في ذلك: أن الحضارة تتعامل مع شق واحد من هذا الإنسان، ألا وهو البدن، فأعطت هذه الحضارة البدن كل ما يريد، وكل ما يشتهي، وكل ما يرغب، وبقي الشق الآخر وهو الروح، وهذه الأمور لا تتعامل مع الروح؛ لأن الروح لا تقاس بالكيلومترات ولا توزن بالجرام، ولا تخضع للترمومتر الميتافيزيقي مثلاً، ولا تخضع ولا تتجسد في بوتقة اختبار في مصنع أو معمل كيمياء أو فيزياء كلا، بل إنه لا يشبع الروح ولا يغذيها ولا يسعدها ولا يفرحها، إلا منهج خالقها جل وعلا، هذه حقيقة بدأ يصرخ بها الآن المفكرون في هذه الحضارات الغربية وينادون بها، ومن أعجب ما قرأت في هذا ما قاله المفكر الشهير اكسنجل، حيث يقول في كتابه القيم سقوط الحضارة: إن للحضارة دورات فلكية، فهي تغرب هنا لتشرق هناك، وإن حضارة جديدة أوشكت على الشروق في أروع صورة، هي حضارة الإسلام، فهو وحده الذي يملك أقوى قوة روحانية عالمية نقية، إنه دين الفطرة، دين الله الذي خلق هذا الإنسان ويعلم ما يفسده وما يصلحه، ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] وبدأت البشارات تتوالى، ومن هذه البشارات أنه في الأسبوعين الماضيين حدث في أمريكا حدث لأول مرة في تاريخ أمريكا، فلقد احتفل البنتاغون -وزارة الدفاع الأمريكية- بتنصيب أول إمام للمسلمين في الجيش الأمريكي، وهذا حدث فريد من نوعه، وقد تلقفت هذا الخبر وكالات الأنباء والإذاعات والمجلات في أمريكا، وركزت عليه تركيزاً شديداً، إنه حدث فريد في تاريخ أمريكا كله أن ينصب رجل مسلم في مثل هذا المنصب، واسم هذا الرجل عبد الرشيد محمد وقد نصب إماماً للمسلمين في الجيش الأمريكي والذين يزيد عددهم عن ستة آلاف مسلم، وسمح لهم رسمياً بإقامة الصلوات في أوقات الدوام الرسمي.
خذ المزيد: وصل عدد المسلمين في أمريكا إلى ما يزيد عن ستة ملايين مسلم! خذ المزيد: بلغ عدد المساجد في أمريكا ما يقرب من ألف مسجد يرفع التكبير لله العلي الكبي! ألف مسجد يؤذن ويصلي فيه المسلمون الصلوات الخمس لله جل وعلا! خذ المزيد: مؤسسة كبيرة تسمى بمؤسسة الأخت كليرا محمد هذه الأخت الفاضلة المليونيرة المسلمة الأمريكية سخرت مالها لدين الله، وأنشأت خمسين مدرسة إسلامية، والعام الماضي انتهت من إنشاء كلية في ولاية فرجينيا، وهذه الكلية تسمى بكلية المعلمين؛ لتخريج المدرسين الذين يدرسون في هذه المدارس الإسلامية.
خذ المزيد: في الشهر الماضي، بل في الأيام القليلة الماضية افتتح في أمريكا أول برنامج إذاعي ليبث للمسلمين والأمريكيين باللغة الإنجليزية تعاليم دين الرحيم الرحمن في إذاعة تسمى (صوت الحق).
خذ المزيد: معهد الدراسات الإسلامية والعربية التابع لجامعة الإمام يمنح (البكالوريوس) و (الماجستير) في الدراسات الإسلامية، ويقدم برامج علمية هادفة مثقفة مركزة باللغة الإنجليزية للمسلمين الأمريكيين ولغير المسلمين، بالإضافة إلى هذه التجمعات والمؤسسات الإسلامية والمؤتمرات والندوات والمجلات والدورات والنشرات والمحاضرات في كل أنحاء أمريكا، بل تعجبون أيها الأحبة! لقد علمت أن في مدينة واحدة -وهي مدينة (ديترويت) - أكثر من سبعين مسجداً، ويزيد عدد الإخوة اليمنيين في هذه المدينة عن مائتي ألف يمني مسلم! كادوا أن يستقلوا بحياتهم ومطاعمهم ومآكلهم ومشاربهم في هذه المدينة، إنه فضل الله جل وعلا، إنه وعد الله الذي لا يتخلف، وسنة الله التي لا تتغير، إن يد الله جل وعلا تعمل ولكننا في غفلة.
وأخيراً أيها الأحبة الكرام! يبقى أن نقول: فما واجبنا وما دورنا؟ وهذا نتعرف عليه بعد جلسة الاستراحة، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 1207
واجب المسلم في نشر دين الإسلام
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الأحبة! يزيد هذا الأمل ويضاعف هذه البشريات ما نراه من صحوة إسلامية عالمية مباركة، يحلو لي أن أكررها وأن أذكر بها في كل لقاء؛ فإنها أكبر حدث إنساني في النصف الثاني من هذا القرن، هذه الصحوة التي يغذيها كل يوم شباب في ريعان الصبا، وفتيات في عمر الورود، تأتي هذه الكوكبة المباركة والثلة العظيمة الأبية، تأتي بعد بدر والقادسية واليرموك وحطين، تأتي في كهولة من الزمن؛ لتمضي على طريق الدعوة الطويل الضارب في شعاب الزمان من لدن نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، تأتي هذه الكوكبة لتمضي على نفس الطريق مستقيمة الخطى، ثابتة الأقدام، تجتاز الصخور والأشواك والحجارة، فتسيل دماء، وتتمزق هنا وهناك أشلاء، ولكن الركب الكريم في طريقه لا ينحني ولا ينثني ولا يحيد؛ لأنه على ثقة مطلقة بانتصار الحق ومحق الباطل حتى وإن طال الطريق، إنه صبح كريم مبارك: صبح تنفس بالضياء وأشرقا والصحوة الكبرى تهز البيرقا وشبيبة الإسلام هذا فيلق في ساحة الأمجاد يتبع فيلقا وقوافل الإيمان تتخذ المدى دربا وتصنع للمحيط الزورقا ما أمر هذي الصحوة الكبرى سوى وعد من الله الجليل تحققا ولكن أيها الأحبة! ما هو دورنا نحن؟ وما هو واجبنا؟ إنني أخاطبك أيها المسلم! وأخاطبك أيتها المسلمة! في كل مكان من أرض الله يسمع هذا الكلام، أخاطبك وأخاطبك كي نتحرك جميعاً لدين الله، وأن نكون إيجابيين، دعونا من الكسل، ودعونا من الكلام المثبط للهمم، كقول: ماذا أصنع؟! وماذا أفعل؟! وما هو دوري؟! أنت أدرى بدورك، وأنت أعلم بوظيفتك، أنت تستطيع أن تبدع في مجالك لدين الله بدلاً من أن يملي عليك غيرك.
فهيا تحرك يا أخي! تحرك أيها الحبيب! لدين الله جل وعلا بكل ما تملك، كفانا كلاماً، نريد أن نحول بعض هذه الكلمات إلى واقع وعمل، تحرك لدين الله على قدر استطاعتك وبكل ما تملك، لقد جاء عن النبي ﷺ -كما في الحديث الذي رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد وهو حديث صحيح- أنه قال: (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فاستطاع أن يغرسها، فليغرسها؛ فإن له بذلك أجراً) لا تقل: متى أغرس؟! ومتى تثمر؟! ومن يأكل؟! إن القيامة ستقوم.
لا يا أخي! اغرس ولا تهتم بالثمرة، ولا تحرص على أن تكون أنت آكل الثمار، اغرس وليأكل ولدك، وليأكل حفيدك، فهيا اغرس لدين الله جل وعلا وتحرك من الآن لدين الله جل وعلا، وتحركي يا أختاه! من الآن لدين الله جل وعلا.
بماذا؟ بالدعوة إلى الله ! بالتربية تربية صحيحة على كتاب الله وعلى سنة رسول الله بفهم سلف الأمة الصالح، حتى ولو تأخرت نتيجة التربية فإن الله جل وعلا لن يسألنا: لماذا لم تنتصروا؟ ولكنه سيسألنا: لماذا لم تعملوا؟ ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥].
فهيا نتحرك بالدعوة إلى الله جل وعلا، وأقول هنا: حتى لو كانت الدعوة المتخصصة لا يقوم بها إلا أهلها، إلا أنني على يقين جازم بأن كل مسلم ومسلمة بإمكانه الدعوة إلى الله جل وعلا، ونحن لا نريد أن يتحول الناس جميعاً إلى خطباء وإلى محاضرين على المنابر، ويتركوا مجالات الأعمال وحقول الإنتاج كلا، بل إننا نريد من كل مسلم ومسلمة أن يتحول إلى داعية عظيم لدين الله في موطن إنتاجه وموقع عطائه، وإن أعظم خدمة نقدمها اليوم للإسلام أن نشهد للإسلام شهادة عملية واقعية سلوكية؛ لأنه أصبح يحكم على إسلامنا من خلال واقعنا المر الأليم.
وقد جاء عن النبي ﷺ : (بلغوا عني ولو آية) حديث صحيح رواه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو، فكم تحفظ من الآيات؟! وكم تحفظ من الأحاديث؟! هيا تحرك بما عندك لدين الله جل وعلا.
وأقول مكرراً: حتى وإن كانت الدعوة المتخصصة لها رجالها، ولها الدعاة، ولها العلماء، إلا أن الدعوة العامة واجبة عليك أيها المسلم! فيجب عليك أن تدعو إلى الله جل وعلا، إن لم يكن بلسانك العذب الرقيق فبسلوكك بأخلاقك بمالك بشريط بكتاب بهدية بدورة بنشرة براتب تخصصه لدين الله في هذه البيئات وفي هذه البقاع وفي هذه البلاد، فإن المنصرين يغدقون الأموال والعطاءات على هؤلاء الشباب؛ ليحركوهم لباطلهم في كل بقاع الدنيا، ونحن أهل الحق لا نتحرك للحق الذي من الله جل وعلا به علينا! فهيا أيها الحبيب! لنتحرك جميعاً، ولنتشرف بأن نكون من حواريي رسول الله وأصحابه وأنصاره كما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن مسعود أنه ﷺ قال: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا وكان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنه تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل).
أيها الأحبة الكرام! أسأل الله جل وعلا أن يُقر أعيننا وإياكم جميعاً بنصرة الإسلام وعز المسلمين.
اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأعل بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم احمل المسلمين الحفاة، اللهم اكس المسلمين العراة، اللهم أطعم المسلمين الجياع، اللهم اقبلنا وتقبل منا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه، واجعل تدميره في تدبيره إنك ولي ذلك والقادر عليه يا أرحم الراحمين! اللهم اقبلنا وتقبل منا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
أحبتي في الله! هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 1208
قواعد منهجية لترشيد الصحوة الإسلامية
شاء الله أن يبزغ في الأفق نور مشرق، وأمل متجدد، أضحى حقيقة كبرى لا تنكر، وهو هذه الصحوة الإسلامية المباركة، ولابد لهذه الصحوة من قواعد وأصول تسير عليها؛ لتؤتي ثمارها، وتنتج خيراتها.
стр. 1209
انتشار الصحوة الإسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة التي طال شوقي إليها، وزكى الله هذه الأنفس التي انصهرنا معها في بوتقة الحب في الله، وشرح الله هذه الصدور التي جمعنا وإياها كتاب الله.
أحبائي يا ملء الفؤاد تحية تجوز إليكم كل سد وعائق لقد شدني شوق إليكم مكلل بالحب والتقدير والدعاء المشفق وأرقني في المظلمات عليكم تكالب أعداء سعوا في البوائق أردتم رضا الرحمن سمتاً وقالباً وما أرادوا إلا خطير المآزق فسدد الله على درب الحق خطاكم وجنبكم فيه خفي المزالق مرحباً بأحبابي، مرحباً بإخواني، أسأل الله جل وعلا أن يجمعني وإياكم في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد الدعاة وإمام النبيين، في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك ومولاه، وهو على كل شيء قدير.
أحبتي في الله: لقد شاء الله جل وعلا -وهو الحكيم الخبير- في وقت تجمعت فيه كل جاهليات الأرض مرة أخرى للقضاء على الإسلام واستئصال شأفة المسلمين أن يبزغ في الأفق نور يشرق، وأمل يتجدد، أضحى حقيقة كبيرة لا تنكر، بل وأفزعت هذه الحقيقة المشرقة العالم بأسره، كيف لا وهي أكبر حدث إنساني في النصف الثاني من القرن العشرين، متمثلاً في هذه الصحوة الإسلامية العالمية المباركة؟! فها نحن نرى -بفضل من الله جل وعلا- كوكبة كريمة وثلة مباركة عظيمة من طلائع البعث الإسلامي المرتقب، من شباب في ريعان الصبا، وفتيات في عمر الورود، تلكم الكوكبة الكريمة التي بدأت تتنزل -بفضل من الله جل وعلا وحكمة- في كل بقاع الدنيا، كتنزل حبات الندى على الزهرة الظمأى، والأرض العطشى، أو كنسمات ربيع باردة عطرتها وطيبتها أنفاس الزهور، تلكم الكوكبة الكريمة المباركة من هذا الشباب الكريم الطاهر، ومن هؤلاء الفتيات الطيبات الطاهرات العفيفات الشريفات، تلكم الكوكبة الكريمة التي جاءت من جديد بعد القادسية واليرموك وحطين وبدر وأحد، جاءت لتمضي على طريق الدعوة الطويل، على طريق نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً، جاءت لتمضي على ذات الطريق الطويل، جاءت لتنضم إلى ركب الدعاة المبارك، الموغل في القدم، الضارب في شعاب الزمان من لدن نوح ﵇.
جاءت هذه الكوكبة لتمضي على ذات الطريق، مستقيمة الخطى، ثابتة الأقدام، تجتاز الشوك والصخور والحجارة، تسيل دماء، وتتمزق هنا وهناك أشلاء، ولكن الركب الكريم من هذه الكوكبة الكريمة في طريقه لا ينحني ولا ينثني ولا يحيد؛ لأنه على ثقة مطلقة، وعلى يقين جازم بنهاية الطريق، وعلى ثقة أن قوى الباطل مهما رصدت من قوى الحديد والنار لهذا الدين العظيم، فإن النهاية كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨]، فإن النهاية تتألق كالأمل، وتشرق كالفجر، وتتحرك كالنسيم، كما قال الله جل وعلا: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف:٨]، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣].
تأتي هذه الكوكبة الكريمة المباركة من جيل الصحوة الإسلامية الكريمة المباركة، الجيل الذي تفتحت عينه على نور الإسلام الجيل الذي انشرحت بصيرته لتقبل الحق الجيل الذي لم يخدع بصره بريق الحضارة الغربية الخاطف للأبصار الجيل الذي لم يؤثر فيه سحر الحضارة الغربية المغير للعقول والأفكار الجيل الذي بدأ يوجه وجهه من جديد إلى مكة المكرمة، زادها الله تشريفاً وتكريماً وتعظيماً، ويولي ظهره لواشنطن وباريس ولندن وبانكوك ومدريد، إنه الجيل الكريم المبارك.
يا أحبابي! أبشركم -والله- حيثما توجهتم في كل بقاع الدنيا وجدتم صحوة إسلامية عظيمة كريمة مباركة، وجدتم إقبالاً شديداً على الله جل وعلا، وجدتم نفوساً مشتاقة لدين الله، وجدتم نفوساً متعطشة للإسلام بعد أن أحرقها لفح الهاجرة القاتل، وأضناها وأرهقها طول المشي في التيه والظلام، حيثما توجهتم وجدتم نفوساً راجعة خاشعة خاضعة، ووجدتم شباباً وفتيات، وجدتم عودة صادقة إلى الله جل وعلا، وسمعتم آهات التائبين ونبرات العابدين تردد، ودموع الخشية من الله تبلل خديها، وهي تناجي ربها وتقول: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون، والله إنه لصبح كريم مبارك، صبح هذه الصحوة الإسلامية المباركة التي بدأت تتنزل بفضل الله جل وعلا في كل بقاع الدنيا.
стр. 1210
الصحوة الإسلامية تبشر بخير قادم
أبشركم أيها الأحبة! والله لقد رأينا في مصر في خطب الجمعة وفي المحاضرات ما يزيد على ثلاثين ألفاً من الشباب والفتيات، وجدنا عودة صادقة إلى الله جل وعلا، ورأينا دموع الخشوع، ودموع الخشية، ودموع الخوف، وسمعنا آهات التائبين، ونبرات العائدين تناجي ربها جل وعلا، وتسأل الله التوبة والأوبة والصفح والعفو والمغفرة، وجدنا نفوساً قد اشتاقت للإسلام، وجدنا نفوساً قد تعطشت للقرآن وسنة الحبيب ﵊، والله إنه لصبح كريم مبارك.
صبح تنفس بالضياء وأشرقا والصحوة الكبرى تهز البيرقا وشبيبة الإسلام هذا فيلق في ساحة الأمجاد يتبع فيلقا وقوافل الإيمان تتخذ المدى درباً وتصنع للمحيط الزورقا وما أمر هذه الصحوة الكبرى سوى وعد من الله الجليل تحققا هي نخلة طاب الثرى فنما لها جذع قوي في التراب وأعذقا هي في رياض قلوبنا زيتونة في جذعها غصن الكرامة أورقا فجر تدفق من سيحبس نوره أرني يداً سدت علينا المشرقا يا نهر صحوتنا رأيتك صافياً وعلى الضفاف رأيت أزهار التقى فيا جيل صحوتنا أعيذك أن أرى في الصف من بعد الإخاء تمزقا لك في كتاب الله فجر صادق فاتبع هداه ودعك ممن فرقا لك في رسولك قدوة فهو الذي بالصدق والخلق الرفيع تخلقا يا جيل صحوتنا ستبقى شامخاً ولسوف تبقى بالتزامك أسمقا
стр. 1211
قواعد وأصول لترشيد الصحوة المباركة
هذه الصحوة الإسلامية المباركة من أجل أن تكون صحوة قوية بناءة مثمرة راشدة تحتاج إلى منهج يضبطها، ويقوم مسيرتها، ويقود سيرها وخطاها ومسراها، وما لم تكن هذه الصحوة الكريمة منضبطة بهذا المنهج الشرعي، فإنها ستضيع كما يضيع ماء الأمطار بين الوديان والشعاب.
واسمحوا لي أيها الأحبة -كابن من أبناء هذه الصحوة الكريمة المباركة- أن أضع اليوم بين أيدي حضراتكم بعض قواعد وأصول هذا المنهج الشرعي؛ لترشيد هذه الصحوة الكريمة المباركة.
стр. 1212
العودة إلى الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة
القاعدة الأولى من قواعد ترشيد هذه الصحوة هي: وجوب العودة إلى الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، والعودة إلى القرآن وإلى السنة ابتداءً ليست نافلة، ولا تطوعاً، ولا اختياراً، لا، بل إنه الإيمان أو لا إيمان، إنه شرط الإسلام وركن الإيمان: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
العودة إلى القرآن الكريم بائتمار أوامره، واجتناب نواهيه، والوقوف عند حدوده، وأن نحول هذا القرآن في حياة الأمة إلى تشريع، وإلى واقع، وإلى منهج حياة، وإلى مجتمع متحرك به، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف:٤٠] إلى كتاب الله جل وعلا وإلى سنة رسول الله ﷺ ، ووالله ما ذلت الأمة إلا يوم أن ضيعت كتاب ربها، وسنة الحبيب نبيها ﷺ ، وراحت تلهث وراء الشرق الملحد تارة، ووراء الغرب الكافر تارة أخرى، وبين يديها مصدر عزها، وأصل شرفها وكرامتها، وبقائها ووجودها.
فالعودة إلى القرآن بالوقوف عند أوامره، بأن نمتثل أوامره أمراً أمراً ونهياً نهياً، وحداً حداً، بل وكلمة كلمة، وحرفاً حرفاً، وأن نرجع إلى سنة الحبيب الصحيحة ﷺ .
وها نحن نسمع شنشنة قديمة حديثة، ونرى من ينادي بين أبناء الأمة بوجوب العودة إلى القرآن دون السنة، ويقولون بأن السنة فيها الصحيح وفيها الضعيف وفيها الموضوع، فلابد من العودة إلى القرآن فقط وتنحية السنة، وهذه شنشنة قديمة حديثة، فقديماً جلس الصحابي الجليل عمران بن حصين يحدث الناس بسنة رسول الله ﷺ ، فقال له رجل: يا أبا نجيد! حدثنا بالقرآن -أي: لا تحدثنا بالسنة-.
فقال الصحابي الجليل رضوان الله عليه: أنت وأصحابك تقرءون القرآن، فحدثني عن الصلاة، وأركانها، وشروطها، وحدودها، هل هناك آية في القرآن الكريم تقول بأن الجمعة ركعتين؟! هل هناك آية في القرآن تقول بأن الظهر أربع ركعات؟! هل هناك آية في القرآن تقول بأن الصبح ركعتين؟! كلا، إن السنة هي التي بينت، وهي التي وضحت؛ لأن السنة مبينة وموضحة ومفسرة للقرآن، ومن أعلام نبوته ﷺ ما ورد في الحديث الذي رواه أبو داود، وصحح الحديث شيخنا الألباني أن النبي ﷺ قال: (ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه)، ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:١ - ٥]، (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته، يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه) أي: يقول: عليكم بالقرآن فقط دون السنة، وهذا من أعلام نبوته، وقد وقع ما أخبر به رسول الله؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، ألا وإن رسول الله قد آتاه الله الكتاب والحكمة، والكتاب هو القرآن، والحكمة هي السنة، (ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه) أي: السنة.
فلابد -أيها الأحبة- من العودة إلى القرآن والسنة الصحيحة، ولكن هناك قيد وشرط؛ لأن كل من يعمل الآن على الساحة يقول: إنني أعمل بالقرآن والسنة.
وحتى تتآلف القلوب، ويتحد الصف، ويجتمع الشمل، لابد من هذا القيد ومن هذا الشرط، ألا وهو وجوب العودة إلى القرآن والسنة بفهم سلف الأمة الصالح، مَن مِن المسلمين لا يريد أن يفهم القرآن والسنة بفهم أبي بكر ﵁؟! مَن مِن المسلمين لا يريد فهم عمر؟! مَن مِن المسلمين لا يريد فهم علي؟! أو فهم عثمان؟ أو فهم معاذ؟! أو فهم أبي ذر؟! أو فهم غيرهم من الصحابة الأخيار الأبرار الأطهار؟! ومن تبعهم في القرون الخيرية الثلاثة الأولى، وكما جاء في حديث رسول الله ﷺ الذي رواه البخاري ومسلم من حديث معاوية: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس)، فإن الطائفة المنصورة قائمة في كل زمان ومكان، لا يخلو منها زمان ولا مكان بنص حديث رسول الله ﷺ ، فلابد من أن نعود إلى القرآن والسنة بفهم السلف من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، لابد من العودة إلى هذين النبعين الصافيين بهذا القيد وهذا الشرط، لماذا؟ لأن سلف الأمة هم أفهم الناس للقرآن والسنة، وهم أقعد الناس بالعلم، وهم أقرب الناس للحق، ورضي الله عن ابن مسعود إذ يقول: من كان مستناً فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ﷺ ، كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، اختارهم الله لصحبة نبيه ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم.
هذا هو الطريق يا أبناء الصحوة! هذا هو السبيل أيها المسلمون! هذا هو السبيل لرضوان الله جل وعلا ولمرضاته، ولجنات النعيم في الآخرة.
والله لقد حدد النبي ﷺ هذا الصراط وهذا السبيل تحديداً جلياً واضحاً، كما في الحديث الذي رواه الدارمي في السنن، وأحمد في المسند، والحاكم في المستدرك، وصححه على شرط الشيخين، وأقره الذهبي، إلا أن الحديث ما ارتقى لدرجة الصحة فهو حديث حسن من حديث ابن مسعود ﵁ أنه قال: (خط لنا رسول الله ﷺ خطاً مستقيماً، وقال: هذا سبيل الله، وخط عن يمينه وعن شماله خطوطاً متعرجة، ثم قال الحبيب: وهذه سبل، وعلى رأس كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم تلا النبي قول الله جل وعلا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣]).
بل وحدد النبي أهل هذا السبيل وأهل هذا الصراط، كما في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام الترمذي في السنن، وأحمد في المسند، واللالكائي في السنة، والطبراني في معجمه الكبير وغيرهم، من حديث معاوية وأبي هريرة وأنس وغيرهم أن النبي ﷺ قال: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة)، وفي رواية: (على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار).
стр. 1213
اعرف الحق تعرف أهله
أيها الأحبة الكرام: أكتفي بقاعدة أخرى ثانية من قواعد ترشيد الصحوة الإسلامية المباركة، وهي من أهم القواعد التي يحتاجها أبناؤنا وأحبابنا وإخواننا من أبناء هذه الصحوة، ألا وهي: اعرف الحق تعرف أهله، فإن الحق لا يعرف بالرجال، ولكن الرجال هم الذين يعرفون بالحق.
ومن أروع ما قاله الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى في كتابه القيم الاعتصام: ولقد زل أقوام بسبب الإعراض عن الدليل، والاعتماد على الرجال، وخرجوا بسبب ذلك عن جادة الصحابة والتابعين، واتبعوا أهواءهم بغير علم فضلوا عن سواء السبيل.
إننا نريد من أبناء الصحوة تحرراً، لا نريد تعصباً بغيضاً أعمى، لا للجماعات ولا للأفراد ولا للشيوخ ولا للمناهج، بل نريد من شباب الصحوة تعصباً وتمسكاً بالحق وللحق.
لماذا؟ لأن التعصب البغيض الأعمى يصم الآذان عن سماع الحق، ويعمي الأبصار عن رؤية الدليل، فإننا لا زلنا نرى من بين أبنائنا وأحبابنا وإخواننا من يتعصب لجماعته، فجماعته هي جماعة المسلمين، وهي وحدها التي على الحق وما عداها من الجماعات فهي على الباطل؛ ولذا فإن كل ما يصدر عن جماعته فهو شرعي، كل ما ينتج عنها من نظريات، ومن أفكار وفتاوى نظرية، أو حتى اجتهادات حركية؛ هو الشرعي، وهو الصواب، وهو الصحيح، ومن ثم فإن شيخه في هذه الجماعة هو الأوسع علماً، وهو الأنصع حجة، وهو الأقوى بياناً، وهو الأعظم دليلاً، حتى ولو لم يكن عند شيخه دليل يقنع، ولا علم يشبع، ومن ثم فهو لا يقبل في شيخه نقداً ولا مراجعة على الإطلاق، وهذا -أيها الأحبة- من التعصب الذي لا يقره الإسلام، ونهى عنه رسول الله ﷺ ، بل وحذر منه الله ﵎.
لماذا؟ لأن نتيجة هذا التعصب ظاهرة لكل أحد، ولا يمكن على الإطلاق أن ندفن رءوسنا في الرمال كالنعام، وأن نبرئ بعض أفراد الصحوة الإسلامية من هذا الداء العضال، ومن هذا المرض الفتاك الخطير، لا ينكر هذا المرض إلا أحد جلس ينظِّر للحركة الإسلامية المعاصرة من برج عاجٍ، أو من مكتب مغلق مكيف.
إن هذا الواقع نعيشه ونحياه، وإن هذا التعصب شتت الصف، وزرع بذور العداء، وبذر بذور الخلاف، ولابد من التعالي على هذا التعصب، لابد من التحرر منه والتخلص منه، وذلك لا يكون إلا بتجرد القلوب لله جل وعلا، وبأن ننطلق في أعمالنا ودعوتنا قاصدين وجه الله، لا نريد قومية ولا عصبية ولا راية ولا شارة، ولا ندعو لمصلحة أو مغنم، ولا ندعو لتملق أو هوى، إنما ندعو إلى الله جل وعلا وحده، بفهم سلف الأمة الصالح، والله إن هذه الدعوة تجمع القلوب، وتوحد الصفوف، وتزيل بذور العداء والشقاق والنزاع من بين هذا الصف، وإننا لعلى يقين جازم أن أعداء الإسلام قد فشلوا في الوصول إلى قلب الصحوة الإسلامية من الخارج، ولكنني على يقين أنهم يستطيعون أن يدخلوا إلى قلب الصحوة من داخلها، ببذر بذور العداء والخلاف بين أفرادها؛ امتثالاً عملياً لمقولتهم الخبيثة الخطيرة التي تقول: لابد أن يتسبب في قطع الشجرة أحد أغصانها، فلابد أن نكون على مستوى هذه المؤامرة، ولابد أن نكون على مستوى هذه الأمانة وعلى مستوى هذا الدين؛ بالتحرر من التعصب البغيض الأعمى لأي أحد، بل إننا يجب أن نتعصب للحق جاء على لسان أي أحد، فإن الحق لا يعرف بالرجال، ولكن الرجال هم الذي يعرفون بالحق، ومن نفيس كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه يقول: ليس لأحد أن ينصب للأمة شخصاً يدعو إلى طريقته، ويوالي ويعادي من أجله غير النبي ﷺ ، وليس لأحد أن ينصب للأمة كلاماً يدعو إليه ويوالي ويعادي عليه غير كلام الله ورسوله وما اجتمعت عليه الأمة، بل إن هذا من فعل أهل البدع والأهواء الذين ينصبون للأمة شخصاً أو كلاماً يوالون ويعادون عليه، ويفرقون به بين الأمة.
ويقول شيخ الإسلام في موضع آخر من مجموع فتاويه المبارك: ومن تعصب لواحد من الأئمة بعينه فهو بمنزلة من تعصب لواحد من الصحابة بعينه، كالرافضي الذي يتعصب لـ علي، وكالخارجي الذي يقدح في عثمان وعلي، فمن تعصب لواحد بعينه من الأئمة ففيه شبه من هؤلاء، وهذه طرق أهل البدع والأهواء.
أيها الحبيب! اعرف الحق تعرف أهله، وينبغي أن نتعالى وأن نتجرد في دعوتنا لله جل وعلا، وأن نخلص أعمالنا لله ، لاسيما إذا علمنا أن أول من تسعر بهم النار يوم القيامة عالم وقارئ للقرآن.
لأنه ما ابتغى بعلمه ولا بقرآنه الله جل وعلا، وإنما عمل من أجل الزعامة، أو من أجل الريادة، أو من أجل القيادة، أو من أجل السمعة، أو من أجل الشهرة، أو من أجل أن يقال: إنه داعية وإنه عالم، وإنه قارئ، أو إنه منفق، أو إنه مجاهد وقد قيل، فيأمر الله جل وعلا به فيسحب على وجهه في جهنم والعياذ بالله.
وفي الصحيحين من حديث أسامة أن النبي ﷺ قال: (يؤتى بالرجل فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه -أي: أمعاؤه- فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى، فيجتمع إليه أهل النار ويقولون: يا فلان! مالك؟ ألم تك تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟! فيقول: بلى، كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه).
أيها الحبيب! لابد من التجرد والإخلاص لله جل وعلا، أسأل الله أن يجعلني وإياك من المخلصين ومن المتجردين في أقوالهم وأفعالهم لله رب العالمين.
أيها الأحبة! ينبغي أن تتحرر الصحوة من هذا الداء ومن هذا المرض، لينتهي هذا الخلاف الذي هو شر كله، ووالله ما ذكر الله الخلاف إلا وحذر الأمة منه، قال الله : ﴿وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣] ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥]، قال الله : ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ [الأنفال:٤٦] نتيجة حتمية ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦]، وقال الله : ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩]، ولقد أخرج الله من رحم من الوقوع في شر وبراثن الخلاف.
فيا أيها الحبيب! لابد أن نكون على مستوى هذا الدين، وعلى مستوى هذه الأمانة، وأن نتحرر من هذا التعصب البغيض الأعمى، وأن نتمسك بالحق جاء على لسان أي أحد، فإن الحق لا يعرف بالرجال، ولكن الرجال هم الذين يعرفون بالحق، ولقد ذكر الله أهل الكتاب وشهد لهم بالخيرية التي تمثلوا بها، فقال : ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران:٧٥].
стр. 1214
التورع في الأقوال والأفعال
وأخيراً: لابد من أن نتورع في أقوالنا، وأفعالنا، فإنني أرى كثيراً من أحبابنا وإخواننا لا يتورعون أن يحكموا حتى على النيات، وعلى نيات من؟ على نيات بعض العلماء وبعض الدعاة وبعض أهل الخير من المصلحين الصالحين، وهذه مزلة خطيرة أيها الأخيار الكرام! لأن النية لا يعلم بها إلا الله جل وعلا، أما نحن فلا ينبغي أن نتعدى الحكم على الظواهر، أظهروا لنا أحسن أعمالكم، والله أعلم بالسرائر، كما قال فاروق الأمة ﵁ وأرضاه.
فينبغي أن نتورع في أقوالنا في الحكم على الناس، لاسيما على العلماء وعلى الدعاة، ونحن نرى حملة شرسة ضارية في الإعلام الغربي وذيوله على الإسلام بصفة عامة، وعلى العلماء والدعاة الصادقين بصفة خاصة، وقد ينجر بعض المسلمين الكرام في ترديد هذه الأقوال وهذه الإشاعات على علماء الأمة ودعاتها دون تورع أو دون خجل أو وجل، والله ﵎ يقول: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]، والله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات:١٢]، قال جمهور المفسرين: والظن الذي أمر الله أن ينتهي المسلمون عنه هو ظن السوء والشر بأهل الخير والصلاح.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً فيرفعه الله بها في الجنة، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً فيهوي بها في جهنم).
وأختم بقولة الحافظ الكبير ابن عساكر رحمه الله تعالى إذ يقول: اعلم يا أخي! وفقني الله وإياك لمرضاته، وجعلني الله وإياك ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته: بأن لحوم العلماء مسمومة، وأن عادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب.
أسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعل هذه الصحوة صحوة راشدة، صحوة مثمرة، صحوة قوية بناءة، وأن يجعلها سبب خير للإسلام والمسلمين.
اللهم قيض لأمة التوحيد أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، أنت ولي ذلك والقادر عليه.
اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأعل بفضلك كلمتي الحق والدين، اللهم احمل المسلمين الحفاة، واكس المسلمين العراة، وأطعم المسلمين الجياع، اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز المسلمين، اللهم أقم علم الجهاد، واقمع أهل الزيغ وأهل الفساد برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اقبلنا وتقبل منا وتب علينا وارحمنا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم وفق حكام المسلمين إلى ما تحبه وترضاه، وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة يا رب العالمين! اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره برحمتك يا أرحم الراحمين! أيها الأحبة! أكثروا من الصلاة والسلام على نبينا وحبيبنا محمد كما أمرنا الله جل وعلا بذلك في محكم كتابه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه، هذا وما كان من توفيق فمن الله، ومن كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء.
стр. 1215
هيا بنا نؤمن ساعة
القلب هو ملك الأعضاء والمهيمن عليها، فإن صلح صلحت سائر الأعضاء، وإن فسد فسدت سائر الأعضاء، ومن أجل ذلك لزم العناية بصحة القلب وصلاحه، ولا يتم ذلك إلا بتجديد التوبة، والإكثار من عمل الطاعات، واجتناب المعاصي والمنكرات فهي لا تزيد القلب إلا قسوة، ولا تزيد الإيمان إلا ضعفاً ورقة؛ لأن الإيمان قول واعتقاد وعمل، يزيد وينقص، ويبلى ويتجدد.
стр. 1216
دعوة إلى تجديد الإيمان
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وعلى آله أجمعين.
أما بعد: فمن المفترض أن يكون حديثنا اليوم عن الأحداث المؤسفة الأخيرة، من اعتداء أمريكي سافر على السودان وأفغانستان، أسأل الله جل وعلا أن يفرج الكرب عن بلاد المسلمين وعن أمة محمد إنه ولي ذلك والقادر عليه، ولكن الإخوة جزاهم الله خيراً أخبروني أن مجموعة كبيرة من الشباب تحضر معنا اليوم لأول مرة، واستحلفوني بالله أن أرقق قلوبهم لعل الله أن يشرح صدورهم للالتزام، على وعد مني إن شاء الله تعالى بأن أعلق على هذه الأحداث المؤلمة في الخطبة التي كنت قد أعددت لها بعنوان: (عالم الغاب والذئاب).
وأسأل الله جل وعلا أن ييسر لنا أن نذكر بهذا الموضوع إنه ولي ذلك ومولاه؛ لذا فإن عنوان لقائنا اليوم: (هيا بنا نؤمن ساعة).
وكما تعودت -حتى لا ينسحب بساط الوقت سريعاً من تحت أقدامنا- فسوف أركز الحديث اليوم مع شبابنا وأحبابنا في العناصر المحددة التالية: أولاً: جدد إيمانك.
ثانياً: قسوة القلوب وقلة الخوف من علام الغيوب.
ثالثاً: إلى أين المصير؟! وأخيرًا: متى سنتوب؟ فأعيروني القلوب والأسماع، والله أسأل أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله، وأولئك هم أولو الألباب.
أولاً: جدد إيمانك.
أخي الحبيب! إن الإيمان قول واعتقاد وعمل، قول باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالجوارح والأركان، وهو يزيد بالطاعات وينقص بالزلات والعصيان، قال جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤].
إخوتي الكرام! إذا تراكمت سحب المعاصي على القلب حجبت نور الإيمان في القلب كما تحجب السحابة الكثيفة نور القمر عن الأرض، فإذا انقشعت السحب ظهر نور القمر لأهل الأرض مرة أخرى، كذلك إذا انقشعت سحب المعاصي والذنوب عن القلب ظهر نور الإيمان في القلوب.
فلابد من تعهد القلب أيها الشباب! لابد من تجديد الإيمان في القلب وتقويته من آن لآخر، وذلك بتعريض القلب لمواد تقوية الإيمان بالله جل وعلا، كقراءة القرآن، وذكر الرحمن، والصلاة على النبي ﵊، والاستغفار، وزيارة المقابر، وزيارة المرضى، والمحافظة على أذكار الصباح والمساء، والإنفاق على الفقراء والمساكين، والإحسان إلى الأرامل واليتامى والمحرومين.
هذه هي الأعمال التي تقوي وتجدد الإيمان في القلب؛ فإن القلب -أيها المسلمون- هو ملك الأعضاء، والأعضاء والجوارح هي جنوده ورعاياه، فإن طاب الملك طابت الجنود والرعايا، وإن خبث الملك خبثت الجنود والرعايا، كما في الصحيحين من حديث علي بن أبي طالب أن البشير النذير ﷺ قال: (ما من القلوب قلب إلا وله سحابة كسحابة القمر)، وقال ﷺ : (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).
فلابد من تعهد الإيمان في القلب، ولابد من تجديد الإيمان في القلب من آن لآخر؛ لأن الإيمان يقوى ويضعف، ويتجدد ويبلى، ووالله الذي لا إله غيره، لا أعلم زماناً قست فيه القلوب وتراكمت فيه الذنوب على الذنوب، وقل الخوف فيه من علام الغيوب كهذا الزمان.
стр. 1217
قسوة القلب
ثانياً: قسوة القلوب وقلة الخوف من علام الغيوب.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦].
ألم يأن للقلوب أن تخشع لذكر الله جل وعلا؟! ألم يأنِ لقلوب من وَحّدوا الله وآمنوا برسول الله ﷺ أن تخضع لعظمة الله ﵎، وأن تذعن لأمره، وأن تجتنب نهيه، وأن تقف عند حدوده ﵎؟! ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦]
стр. 1218
صور من خوف السلف الصالح من الله وإشفاقهم من عذابه
والله لو وقفنا مع خوف النبي ﷺ من ربه وهو أعرف الناس به، وأتقى الناس له، وأخشى الناس منه؛ لرأينا العجب العجاب، ولو وقفنا على حجم الهوة الرهيبة بيننا وبين ما كان عليه نبينا وسلفنا الصالح رضوان الله عليهم، لعرفنا قسوة قلوبنا.
فاروق الأمة الأواب عمر الذي أجرى الله الحق على لسانه وقلبه، كان رضوان الله عليه يخاف الله جل وعلا خوفاً مزق قلبه، وهو الذي لما وضع على فراش الموت دخل عليه ابن عباس ﵄ وقال: أبشر يا أمير المؤمنين! لقد صحبت رسول الله ﷺ فأحسنت صحبته، ثم توفي رسول الله وهو عنك راض، وصحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم توفي أبو بكر وهو عنك راض، ثم حكمت فعدلت، ووالله لئن مت اليوم فإن أصحاب رسول الله عنك لراضون.
فالتفت عمر إلى ابن عباس وقال: ذلك ما مَنَّ الله به علي، وإن المغرور والله من غررتموه، فوالله إني لوددت أن أخرج من الدنيا كفافاً لا لي ولا عليّ، والله يا ابن عباس! لو أن لي طلاع الأرض ذهباً لافتديت به اليوم من عذاب الله قبل أن أراه! يا من أسرفت على نفسك بالمعاصي والذنوب! تذكر وتدبر قول عمر: والله لو أن لي طلاع الأرض -أي: ملء الأرض- ذهباً لافتديت به اليوم من عذاب الله قبل أن أراه.
وهذا حِبُّ المصطفى وحبيب رسول الله معاذ بن جبل، الذي أقسم له النبي ﷺ يوماً وقال: (يا معاذ! والله إني لأحبك).
ماذا يقول معاذ بن جبل حبيب رسول الله ﷺ ؟! يبتلى معاذ ﵁ بطاعون الشام، وينام على فراش الموت وهو الشاب الذي لم يبلغ الثالثة والثلاثين من عمره، فيقول لأصحابه: هل أصبح الصباح؟ فينظر أصحابه فيقولون: لا بعد، -أي: لم تطلع الشمس بعد- فيقول معاذ مرة أخرى: هل أصبح الصباح؟ فيقول أصحابه: لا بعد.
فيقول معاذ: هل أصبح الصباح؟ فيقول أصحابه: لا بعد! فيبكي معاذ بن جبل ويقول: أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار! وسفيان الثوري إمام الدنيا في الزهد والورع والحديث، ينام على فراش الموت فيدخل عليه حماد بن سلمة، فيقول له: أبشر يا أبا عبد الله إنك مقبل على من كنت ترجوه، وهو أرحم الراحمين، فيبكي سفيان ويقول لـ حماد بن سلمة: أسألك بالله يا حماد، أتظن أن مثلي ينجو من النار؟! وهذا إمام الدنيا الشافعي رحمه الله تعالى، يدخل عليه الإمام المزني وهو على فراش الموت فيقول له: كيف أصبحت يا إمام؟! فيقول الشافعي: أصبحت من الدنيا راحلاً، وللإخوان مفارقاً، ولعملي ملاقياً، ولكأس المنية شارباً، وعلى الله وارداً، ثم بكى وقال: فلا أدري والله يا مزني أتصير روحي إلى الجنة فأهنيها، أم إلى النار فأعزيها؟! وهذا مالك بن دينار وهو من أئمة السلف الأخيار، كان يقوم بالليل يصلي للعزيزِ الغفار ويقبض على لحيته ويبكى ويقول: يا رب! يا رب! لقد علمت ساكن الجنة وساكن النار؛ ففي أي الدارين منزل مالك بن دينار؟! هل فكرت في المصير يا عبد الله؟! هل فكرت في مصيرك: أتصير إلى الجنة أم إلى النار؟!
стр. 1219
معرفة الله سبب لخشيته والانكسار بين يديه
أيها الأحباب! إن الذي يعرف الله ويخشى عذابه ويستحيي منه -حتى ولو زلت قدمه في المعصية، فارتكب كبيرة من الكبائر في حال ضعف بشري منه، أو وقع في صغيرة من الصغائر، أو بارز الله بمعصية من المعاصي- سرعان ما يجدد التوبة والأوبة والندم، وسرعان ما يطرح قلبه بين يدي الله بذل وانكسار، وهو يعترف لله بفقره وعجزه وضعفه.
فعلى قدر علمك بالله يكون حياؤك وخوفك منه، يقول المصطفى: (أنا أعلمكم بالله، وأشدكم له خشية)، لذا (كان الحبيب ﷺ يصلي ولصدره أزيز كأزيز المِرجل من البكاء)، وهو الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
بل وفي الصحيحين من حديث أنس ﵁ قال: (بلغ رسول الله ﷺ عن أصحابه شيء، فخطب فقال: عرضت علي الجنة والنار -خطبة ما سمعت مثلها قط- إلى أن قال: (والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا).
يقول أنس: (فغطى أصحاب النبي ﷺ وجوههم ولهم خنين) أي: ولهم بكاء بصوت مكتوم.
عندما قال المصطفى ﷺ : (والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً)، تأثر أصحاب القلوب الرقيقة من أصحاب المصطفى ﷺ بمثل هذه الكلمات على الرغم من قلتها.
بل وورد في مسند أحمد وسنن الترمذي بسند صحيح بالشواهد من حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال يوماً: (كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن -أي: صاحب الصور وهو إسرافيل- القرن، وأصغى سمعه وحنى جبهته، ينتظر متى يؤمر أن ينفخ؟ فشق ذلك على أصحاب البشير النذير ﷺ ، فقالوا للمصطفى: فماذا نقول يا رسول الله؟! فقال لهم: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل).
стр. 1220
قسوة القلب سبب لقلة الخوف من الله
إخوتي الكرام! والله الذي لا إله غيره إن قلة الخوف من الله جل وعلا في هذا الزمان ثمرةٌ مرةٌ لقسوة القلب وظلمته ووحشته، فنرى منا الآن من يسمع القرآن يتلى ولا تدمع عينه، ولا يتحرك قلبه، ولا تلين جوارحه، ولا يخشع جلده!!! لماذا؟ لأن القلوب قست، ولأن القلوب في وحشة، ولأن القلوب في ظُلمة، فقلة الخوف من الله ثمرة مرة لقسوة القلب وظلمة القلب ووحشة القلب.
كما أن الخوف من الله جل وعلا ثمرة حلوة للإيمان بالله ﵎، فلا يتصور أبداً -أيها الأخيار الكرام- أن ينفك مؤمن عن خوف من الله جل وعلا، فعلى قدر إيمانك بالله، وعلى قدر حبك لله، وعلى قدر علمك بالله، وعلى قدر معرفتك بالله جل وعلا يكون حياؤك وخوفك، ومراقبتك لله ﵎، فلو وقف كل واحد منا على هذه المعادلة ونظر في نفسه: هل يحمل في صدره قلبًا رقيقًا أم يحمل في صدره قلبًا قاسيًا وهو لا يدري؟!! إن كنت عارفاً عالماً بالله؛ اشتد خوفك وحياؤك من الله جل وعلا، فعلى قدر العلم بالله يكون الخوف وتكون الخشية، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨].
стр. 1221
قلة العلم بالله وضعف التوحيد سبب لقسوة القلب
البعض لا يتأثر بالقرآن، ولا يتأثر بكلام النبي ﵊، ولا يتأثر بالموعظة ولو كانت مؤثرة، بل ولا يتأثر بعبرة على أرض الواقع مؤلمة، كأن يهلك الله طاغوتاً من الطواغيت، أو كأن يأخذ الله فرعوناً من الفراعنة، أو كأن يرى الإنسان حادثاً مؤلماً بين يديه على الطريق، فيرى إنساناً مزقت أشلاؤه أو تناثرت دماؤه، ومع ذلك قد ينظر بعين جامدة وبقلب قاسٍ إلى كل هذه العظات والعبر.
وقد تسمع أذنه الموعظة فلا يتحرك قلبه، ولا يخشع جلده ولا تلين جارحته! لماذا؟ لأنه لا يتأثر بكل هذا -أيها الأحبة- إلا من وحد الله جل وعلا وخاف الله سبحانه، وعمل حساباً لعمل الآخرة، قال جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [هود:١٠٢ - ١٠٣]؛ من الذي يعتبر بها؟ من الذي يتعظ ويتأثر بها؟ تدبر كلام الله جل وعلا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٣ - ١٠٨]، فعلى قدر علمك بالله يكون الحياء والخوف منه، فقف على حسب معرفتك وعلمك بالله! يا من تتجرأ على معصية الله جل وعلا! يا من ترخي الستور، وتغلق الأبواب، وتبارز الله جل وعلا بالمعصية، وأنت تظن -يا مسكين- أنه لا يسمعك ولا يراك! كن اليوم على يقين أنك لا تعرف الله جل وعلا؛ لأنه على قدر علمك بالله يكون حياؤك منه، وعلى قدر معرفتك بالله يكون خوفك منه، كما قال أعرف الناس بربه ﷺ : (أنا أعلمكم بالله، وأنا أشدكم له خشية)
стр. 1222
أين المصير
ثالثاً: أين المصير؟ والله إنه لسؤال يحتاج أن يطرحه كل واحد منا على نفسه في الليل والنهار.
مع كل معصية قل لنفسك: إلى أين المصير؟ مع كل كبيرة قل لنفسك: إلى أين المصير؟ يا من بارزت الله بالزنا قل لنفسك: إلى أين المصير؟! يا من خنتِ زوجكِ الذي سافر ليأتيكِ أنت وأولادك بالطعام الحلال! سلي نفسك يا مسكينة وقولي: إلى أين المصير؟ يا من تلاعبت ببنات المسلمين وبارزت الله بالمعاصي! سل نفسك يا مسكين وقل: إلى أين المصير؟
стр. 1223
بيان حال أهل الجنة
أما الجنة، فلا يعلم ما أعد فيها من كرامة للمؤمنين إلا العزيز الغفار، ففيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وفي الصحيحين أنه ﷺ قال: (إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة؛ لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يتفلون، ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب، وريحهم المسك، ومجامرهم الألوة، وأزواجهم الحور العين).
ويكفي أن تقف مع أدنى -أي: أقل- أهل الجنة منزلة؛ لتعلم قدر أعلى أهل الجنة منزلة، ففي صحيح مسلم من حديث المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ قال: (سأل موسى ربه جل وعلا فقال: يا رب! ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ فقال الله تعالى: أدنى أهل الجنة منزلة رجل يجيء وقد دخل أهل الجنة الجنة فيقول الله له: ادخل الجنة، فيقول: يا رب! كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟! -يخيل إليه أن الجنة ملأى، حتى لا يرى لنفسه مكاناً في الجنة- فيقول الله جل وعلا له: أترضى أن يكون لك مثل مُلْك مَلِكٍ من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت يا رب! فيقول الله جل وعلا: لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله، فيقول العبد في الخامسة: رضيت يا رب! رضيت يا رب! فيقول الرب سبحانه: لك ذلك وعشرة أمثاله معه.
قال موسى: يا رب! هذا أدنى أهل الجنة منزلة، فما أعلاهم منزلة؟ قال الله: أولئك الذي أردت، غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر).
وإن أعلى نعيم في الجنة -أيها المسلمون- هو النظر إلى وجه الله جل وعلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣].
ففي صحيح مسلم أنه ﷺ قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله تعالى: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير كله في يديك! فيقول الله سبحانه: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أدخلتنا الجنة، ونجيتنا من النار، وبيضت وجوهنا يوم تسود الوجوه؟! فيقول الله تعالى: أفلا أعطيكم أفضل من ذلكم؟ فيقول أهل الجنة: وأي شيء أفضل من ذلك؟! فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا).
وفى رواية أبي سعيد: (فيكشف الحجاب؛ فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى وجه الله جل وعلا) قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس:٢٦] وهي الجنة، (وزيادة) وهي التمتع بالنظر إلى وجه الله جل وعلا في الجنة، اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 1224
قصة محزنة لمن ينتهكون محارم الله
والله لقد قرأت ومن أعجب ما قرأت: أن ثلاثة من الشبان في المملكة كانوا يتفننون في تصيد بنات المسلمين، وفي ليلة من الليالي اصطاد كل ذئب من هؤلاء الذئاب فتاة مسلمة، وانطلق الشباب بثلاث فتيات إلى الصحراء؛ ليفجر كل شاب بالبنت التي معه، ولما وصلوا إلى هنالك يقول أحدهم: كان بين أيدينا الشراب الملعون -أي: الخمر- وكان بين أيدينا كل ما نشتهيه، ولكننا نسينا أن نأتي بالطعام فشعرنا بالجوع، فأرسلنا أحدنا ليأتي لنا بالطعام من أقرب مكان؛ حتى نقضي ليلة حمراء ساهرة.
يقول: وذهب هذا الشاب وطالت غيبته، فانتظرناه ساعة فلم يأت، وانتظرنا الثانية فلم يأت، وكاد الصبح أن يشرق علينا، يقول: فانطلقت بسيارتي؛ لأبحث عن زميلي، وعلى جانب الطريق رأيت ناراً مشتعلة متأججة فاقتربت من السيارة فعلمت أنها سيارة صاحبنا، ونظرت في داخلها فوجدت النار قد وصلت إلى صاحبي وقد أحرقت نصفه تماماً، وهو يصرخ ويقول قولة واحدة: ماذا أقول له؟! ماذا أقول له؟! ماذا أقول له؟! يقول: فعجزت أن أخرج صاحبي من السيارة، ولكن شغلني كلامه، وشغلني سؤاله الذي ما زال يردده: ماذا أقول له؟! فقلت له: من تقصد؟! ومن الذي تريد؟! فقال: الله.
ماذا أقول لربي غداً؟! ماذا أقول وأنا الذي ألقاه وأنا زان؟! ماذا أقول لربي غدا وأنا ألقاه وَعَلَيَّ جنابة الزنا؟! ماذا تقول لربك أيها الزاني؟! وماذا تقولين لربك أيتها الزانية؟! ماذا تقول لربك أيها الظالم؟! وماذا تقولين لربك أيتها الظالمة؟! ماذا تقول لربك أيها الشاب؟! يا من انحرفت عن طريق الله، وعن هدي الحبيب رسول الله، ماذا تقول لربك غداً؟ فارتجف هذا الشاب وعاد إلى رفاقه وهو يبكي ويرتعد ولا ينطق إلا بهذه الكلمة: وأنا ماذا أقول له غداً؟! ماذا أقول له غداً؟! فيا من أسرفت على نفسك بالمعاصي! ماذا تقول له غدا؟! مثل وقوفك يوم العرض عريانا مستوحشاً قلق الأحشاء حيرانا والنار تلهب من غيض ومن حنق على العصاة ورب العرش غضبانا اقرأ كتابك يا عبدي على مهل فهل ترى فيه حرفاً غير ما كانا لما قرأت ولم تنكر قراءته إقرار من عرف الأشياء عرفانا نادى الجليل خذوه يا ملائكتي وامضوا بعبد عصى للنار عطشانا المشركون غداً في النار يلتهبوا والمؤمنون بدار الخلد سكانا ماذا تقول لربك غداً إن وقفت بين يديه عارياً؟! أين المنصب؟ ضاع.
أين الجاه؟ زال.
أين الأموال؟ تبددت.
ماذا تقول لربك غدا؟ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]، فماذا تقول لربك غداً أيها المسكين؟ إلى أين المصير؟ وجه لنفسك اليوم هذا
السؤال
هل أنت ممن عمل الطاعة وتنتظر الجنة من الله جل وعلا، أم أنك مسرف على نفسك بالمعصية، ومع ذلك تتمنى على الله الأماني وترجو الجنة؟ ما أقل حياء من طمع في جنة الله وهو لم يعمل بطاعة الله سبحانه!!
стр. 1225
بيان حال أهل النار
من يقوى منا على أن يقتحم حريقاً هائلاً شب في بيت من البيوت؟! من منا يقوى على نار الدنيا؟! وقد جاء في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، قالوا: يا رسول الله! والله إن كانت لكافية! فقال: فضلت عليهن بتسعة وستين جزءاً، كلهن مثل حرها!).
عباد الله! اتقوا النار فإن حرها شديد، وإن قعرها بعيد، وإن مقامعها من حديد.
إن الطعام في النار نار، وإن الشراب في النار نار، وإن الثياب في النار نار؛ فطعام أهل النار من الزقوم والغسلين والضريع.
هل تعلم عن الزقوم والضريع والغسلين شيئاً؟ الزقوم: شجرة طلعها كأنه رءوس الشياطين، تنبت في أصل جهنم، يقول ابن عباس: لو أن قطرة واحدة من الزقوم قطرت في الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم، فكيف بمن يكون طعامهم؟! أي: فكيف بمن يكون الزقوم طعامهم؟! ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ [الصافات:٦٢ - ٦٦].
أما الضريع: فهو نوع من أنواع الشوك الذي ينبت في أرض الجزيرة، يأكله أهل النار يوم القيامة: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ * لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية:١ - ٧].
أما الغسلين: فهو عصارة أهل النار من قيح وصديد، قال جل وعلا: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٣٧] فالغسلين هو عصارة أهل النار من قيح وصديد، فإذا تأججت النار في بطونهم استغاثوا يريدون الماء، فيغاثون بماء، ولكن ما هو الماء؟ ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٥]، هذا كلام ربنا جل وعلا.
وقال جل وعلا: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٢٩].
وهنا يستغيث أهل النار بخزنة جهنم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر:٤٩ - ٥٠].
فإن يئس أهل النار من خزنة النار نادوا على مالك رئيس الخزنة: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧].
فيتذكر أهل النار إخوانهم من أهل التوحيد ممن أساءوا إليهم وآذوهم في الدنيا، فينادون عليهم ليغيثوهم بقليل من الماء أو بشيء من رزق رب الأرض والسماء: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ * الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف:٥٠ - ٥١].
فإن يئس أهل النار من الخلق أجمعين استغاثوا بالملك الكريم جل وعلا، الذي وسعت رحمته كل شيء وهو أرحم الراحمين ومع ذلك اسمع بماذا يرد جل وعلا على أهل النار: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٦ - ١٠٨].
فالطعام نار، والشراب نار، حتى الثياب من النار: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج:١٩ - ٢١].
стр. 1226
الحث على المسارعة في التوبة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام، أيها الآباء الفضلاء، وأيتها الأخوات الكريمات، وأيها الشباب! متى سنتوب؟! متى سنرجع إلى علام الغيوب؟! أما آن لقلوبنا أن تخشع، وأن تخضع وأن ترجع وأن تنيب، والله إن الموت يأتي بغتة، وإن أقرب غائب ننتظره جميعاً هو الموت، فلا تسوف أخي الكريم وعجل بالتوبة، وعاهد ربك الآن بين يديه أن تنيب، وأن ترجع إليه سبحانه، وأن تمتثل أمره، وأن تجتنب نهيه، وأن تقف عند حدوده، وأن تراقب الله في سرك وعلنك، وفي خلوتك وجلوتك، وأن تحرص على مجالس العلم، وأن تفرغ لها من الوقت والجهد والمال، فإن مجالس العلم تجدد الإيمان في القلب، وتحول بينك وبين معصية الله بإذنه جل وعلا؛ لأن مجلس العلم طريق يقربك إلى الجنة ويبعدك عن النار، كما قال النبي المختار: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سَهَّلَ الله له طريقاً إلى الجنة).
فعد وارجع وتب إلى الله، وأرجو ألا تيأس أو تقنط، فالفقه كل الفقه أن نرهب دون يأس أو تقنيط -نسأل الله أن يرزقنا الفقه والعلم- فالفقه كل الفقه أن نرهب بكلام الله وكلام رسوله دون أن نوصل الناس إلى حد القنوط واليأس من رحمة الله.
حاشا ثم حاشا أن ييأس مسلم يعرف الله جل وعلا من رحمته ومن فضله وعظيم عفوه، لكن المسلم العاقل الذي يرجو الله هو الذي يدفعه الرجاء في الله إلى العمل الصالح والتوبة والأوبة.
أيها الشاب! مهما بلغت ذنوبك ومهما بلغت ذنوبك أيتها المسلمة! فلتعاهد الله جل وعلا جميعاً من الآن على أن تعود إليه، وعلى أن تجدد له التوبة والأوبة.
ونحن على يقين بأنه سيفرح بتوبتنا وهو الغني عنا، فهو سبحانه لا تنفعه الطاعة، ولا تضره المعصية، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
ما دمت توحد الله ﷻ فاعلم بأن التوبة تجب كل كبيرة وصغيرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]
стр. 1227
دعوة للإنفاق في سبيل الله
وأود أن أذكر هذا الجمع الكريم بين يدي بالحق الذي عليهم لله ﵎، فأنتم ترون هذا المسجد المبارك الذي شيده إخواننا -أسأل الله أن يتقبل منا ومنهم صالح العمل- إلا أنه يحتاج إلى إتمام دوره العلوي، فأرجو أن نقف اليوم مع إخواننا وقفة رجل واحد، وألا ينصرف أحد من الإخوة أو من الأخوات إلا وقد ساهم -ولو بالقليل- لإنهاء بيت الله الجليل ﵎، وأسأل الله أن يجعل الدنيا في أيدينا لا في قلوبنا؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ثم أود أن أذكر -وأرجو أن يبلغ الحاضر منكم الغائب- أن النبي ﷺ قال: (مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)، إن مصر بلد الخير وبلد العطاء بلا نزاع، ولا نجامل بها ورب الكعبة مخلوقاً، فإني أذكر أن التاريخ قص علينا يوماً لما وقعت المجاعة في مدينة المصطفى وأرسل فاروق الأمة عمر إلى عمرو بن العاص في مصر: أن: أرسل إلينا مدداً من مصر، فقرأ عمرو بن العاص في مسجده رسالة عمر بن الخطاب على أهل مصر: إن إخوانكم من أصحاب النبي في المدينة يذوقون الجوع؛ فيطلبون منكم الغوث والمعونة والنجدة.
فخرج أهل مصر بعطاء لم يعرف التاريخ له مثيلاً على الإطلاق، حتى أرسل عمرو بن العاص رسالة إلى عمر بن الخطاب وقال فيها: يا أمير المؤمنين! لقد أرسلت إليك قافلة من المئونة أولها عندك وآخرها عندي.
فمصر بلد العطاء والجود والخير، وأنا أعلنها لله: إن أهل مصر لم يصابوا بأزمة بخل وإنما أصيبوا بأزمة ثقة، إذ لم يجدوا من يثقون فيه ليسلموا له أموالهم بنفس سخية وبيد معطية منفقة.
أقول: يعيش بيننا في مصر العطاء والخير إخوان لنا وأخوات من ماليزيا وغيرها من بلاد شرق آسيا، وهم مسلمون فقراء، منهم والله من لا يجد الطعام فضلاً عن أجرة بيته، وقد وقف أهل الفضل -في المنصورة بالذات- وقفة ترضي الرب وتذهل اللب، وللأمانة فلقد قام كثير من أهل الخير بالإنفاق بسخاء على هؤلاء الإخوة والأخوات، ولكنهم لا زالوا في حاجة إلى المزيد، فأرجو من المسلمين، وأرجو بأن يبلغ الحاضر منكم الغائب عن هؤلاء الإخوة، فإننا نذكر الإخوة المسلمين في المنصورة وفي غيرها بأن يكفل كل مسلم طالباً أو طالبة من هؤلاء؛ ليساعده على إتمام دراسته الشرعية في مصر، لينصرف هؤلاء بعد ذلك دعاة إلى دين الله جل وعلا.
أسأل الله أن يجعل لهذه الدعوة في قلوبكم مكاناً، وأن يرقق قلوبكم لها، وأن يبحث كل واحد منكم عن هؤلاء الإخوة والأخوات.
وأدلكم على أخصر طريق: فمن ذهب منكم إلى كلية الدراسات الإسلامية هنا استطاع أن يحصل على رقم الحساب، أو استطاع أن يكفل طالباً أو طالبة، أو أكثر من ذلك، وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل مني ومنكم جميعاً صالح الأعمال، وأن يجمعنا جميعاً في جنات النعيم.
стр. 1228
شروط قبول التوبة
ولكني أود أن أذكرك -أخي وأختي في الله- بأن للتوبة شروطاً وأركاناً.
فأول شروط التوبة: أن نقلع عن الذنوب والمعاصي كبيرها وصغيرها، ثم الندم على ما مضى، فلا تباه ولا تفاخر بأنك أوقعت فلانة، أو بأنك ارتكبت المعصية الفلانية، إن سترك الله فاستر على نفسك وتب إليه: (فكل أمتي معافى إلا المجاهرين) كما قال النبي الأمين ﷺ .
ثم عليك بالندم، فالندم ركن التوبة الأعظم، ليرى الله من قلبك الحرقة والألم على ما مضى من إفراط وإسراف.
ثم المداومة على العمل الصالح: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٧٠]، وفي الحديث القدسي الذي رواه مسلم والترمذي واللفظ للترمذي، أن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة).
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع المبارك الكريم ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً بيننا إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ميتاً لنا إلا رحمته، ولا عاصياً بيننا إلا هديته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا زدته وثبته، ولا حاجة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا أرحم الراحمين! اللهم احفظ أهلنا في السودان، اللهم احفظ أهلنا في السودان، وفي أفغانستان، وفي فلسطين، والصومال، وفي كشمير وطاجكستان، وفي الفلبين، وفي الجزائر وفي كل مكان، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أرنا يوماً كيوم عاد وثمود في أمريكا ومن شايعها، اللهم عليك بأمريكا ومن شايعها، اللهم إن أمريكا قد طغت وبغت ولا قدرة للمسلمين عليها، اللهم إنا مغلوبون فانتصر، اللهم إنا مغلوبون فانتصر، اللهم إنا مغلوبون فانتصر، اللهم عليك باليهود وأعوان اليهود، اللهم إنا نشكو إليك خيانة الخائنين وضعف الموحدين! اللهم ارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، واستر عيبنا، ولا تهتك سترنا، وفك أسرنا، وتول خلاصنا، واختم بالصالحات أعمالنا برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا، اللهم أصلح شبابنا، اللهم أصلح شبابنا، اللهم احفظ شبابنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم استر نساءنا وبناتنا، اللهم استر نساءنا وبناتنا برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل بلدنا واحة للأمن والأمان وجميع بلاد المسلمين، اللهم ارفع عنا البلاء والوباء والفتن ما ظهر منها وما بطن، برحمتك يا أرحم الراحمين! إخوتي الكرام! هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويلقى به في جهنم، ثم أعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
стр. 1229
واقع الأسرة المسلمة في الغرب
لقد ابتعدت الأمة اليوم عن منهج ربها في شتى الجوانب الاعتقادية والأخلاقية والتشريعية ونحوها، وحصل هناك انفصام نكد بين المنهج المنير، والواقع المرير، وإننا اليوم نواجه تحديات خطيرة داخلية وخارجية ضد الأسرة المسلمة تريد تفكيك المجتمع المسلم بأسره، وأن ينحل من قيمه وأخلاقه، وخصوصاً من يعيش داخل المجتمعات الغربية، ولابد من حلول تجابه هذا التحدي، وأولها: العودة إلى المنهج التربوي الإسلامي، وتأسيس الأسرة المسلمة على ذلك، ومن هنا يكون المنطلق إن شاء الله تعالى!
стр. 1230
واقع الأسرة المسلمة وتحديات المستقبل
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله أجمعين.
أما بعد: أحبتي في الله! واقع الأسرة المسلمة وتحديات المستقبل، هذا هو عنوان لقائنا مع حضراتكم في هذا اليوم الكريم المبارك، وكعادتي حتى لا ينسحب بساط الوقت سريعاً من تحت أقدامنا، فسوف ينتظم حديثي مع حضراتكم -تحت هذا العنوان المهم- في العناصر التالية: أولاً: الانفصام بين المنهج والواقع.
ثانياً: تحديات خطيرة.
ثالثاً: ما السبيل.
وأخيراً: فجر قادم وأمل يتجدد.
فأعيروني القلوب والأسماع جيداً، والله أسأل أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٨].
следующие страницы →