Полный текст (1 901 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
الحث على المسارعة في التوبة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام، أيها الآباء الفضلاء، وأيتها الأخوات الكريمات، وأيها الشباب! متى سنتوب؟! متى سنرجع إلى علام الغيوب؟! أما آن لقلوبنا أن تخشع، وأن تخضع وأن ترجع وأن تنيب، والله إن الموت يأتي بغتة، وإن أقرب غائب ننتظره جميعاً هو الموت، فلا تسوف أخي الكريم وعجل بالتوبة، وعاهد ربك الآن بين يديه أن تنيب، وأن ترجع إليه سبحانه، وأن تمتثل أمره، وأن تجتنب نهيه، وأن تقف عند حدوده، وأن تراقب الله في سرك وعلنك، وفي خلوتك وجلوتك، وأن تحرص على مجالس العلم، وأن تفرغ لها من الوقت والجهد والمال، فإن مجالس العلم تجدد الإيمان في القلب، وتحول بينك وبين معصية الله بإذنه جل وعلا؛ لأن مجلس العلم طريق يقربك إلى الجنة ويبعدك عن النار، كما قال النبي المختار: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سَهَّلَ الله له طريقاً إلى الجنة).
فعد وارجع وتب إلى الله، وأرجو ألا تيأس أو تقنط، فالفقه كل الفقه أن نرهب دون يأس أو تقنيط -نسأل الله أن يرزقنا الفقه والعلم- فالفقه كل الفقه أن نرهب بكلام الله وكلام رسوله دون أن نوصل الناس إلى حد القنوط واليأس من رحمة الله.
حاشا ثم حاشا أن ييأس مسلم يعرف الله جل وعلا من رحمته ومن فضله وعظيم عفوه، لكن المسلم العاقل الذي يرجو الله هو الذي يدفعه الرجاء في الله إلى العمل الصالح والتوبة والأوبة.
أيها الشاب! مهما بلغت ذنوبك ومهما بلغت ذنوبك أيتها المسلمة! فلتعاهد الله جل وعلا جميعاً من الآن على أن تعود إليه، وعلى أن تجدد له التوبة والأوبة.
ونحن على يقين بأنه سيفرح بتوبتنا وهو الغني عنا، فهو سبحانه لا تنفعه الطاعة، ولا تضره المعصية، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
ما دمت توحد الله ﷻ فاعلم بأن التوبة تجب كل كبيرة وصغيرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]
стр. 1227
دعوة للإنفاق في سبيل الله
وأود أن أذكر هذا الجمع الكريم بين يدي بالحق الذي عليهم لله ﵎، فأنتم ترون هذا المسجد المبارك الذي شيده إخواننا -أسأل الله أن يتقبل منا ومنهم صالح العمل- إلا أنه يحتاج إلى إتمام دوره العلوي، فأرجو أن نقف اليوم مع إخواننا وقفة رجل واحد، وألا ينصرف أحد من الإخوة أو من الأخوات إلا وقد ساهم -ولو بالقليل- لإنهاء بيت الله الجليل ﵎، وأسأل الله أن يجعل الدنيا في أيدينا لا في قلوبنا؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ثم أود أن أذكر -وأرجو أن يبلغ الحاضر منكم الغائب- أن النبي ﷺ قال: (مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)، إن مصر بلد الخير وبلد العطاء بلا نزاع، ولا نجامل بها ورب الكعبة مخلوقاً، فإني أذكر أن التاريخ قص علينا يوماً لما وقعت المجاعة في مدينة المصطفى وأرسل فاروق الأمة عمر إلى عمرو بن العاص في مصر: أن: أرسل إلينا مدداً من مصر، فقرأ عمرو بن العاص في مسجده رسالة عمر بن الخطاب على أهل مصر: إن إخوانكم من أصحاب النبي في المدينة يذوقون الجوع؛ فيطلبون منكم الغوث والمعونة والنجدة.
فخرج أهل مصر بعطاء لم يعرف التاريخ له مثيلاً على الإطلاق، حتى أرسل عمرو بن العاص رسالة إلى عمر بن الخطاب وقال فيها: يا أمير المؤمنين! لقد أرسلت إليك قافلة من المئونة أولها عندك وآخرها عندي.
فمصر بلد العطاء والجود والخير، وأنا أعلنها لله: إن أهل مصر لم يصابوا بأزمة بخل وإنما أصيبوا بأزمة ثقة، إذ لم يجدوا من يثقون فيه ليسلموا له أموالهم بنفس سخية وبيد معطية منفقة.
أقول: يعيش بيننا في مصر العطاء والخير إخوان لنا وأخوات من ماليزيا وغيرها من بلاد شرق آسيا، وهم مسلمون فقراء، منهم والله من لا يجد الطعام فضلاً عن أجرة بيته، وقد وقف أهل الفضل -في المنصورة بالذات- وقفة ترضي الرب وتذهل اللب، وللأمانة فلقد قام كثير من أهل الخير بالإنفاق بسخاء على هؤلاء الإخوة والأخوات، ولكنهم لا زالوا في حاجة إلى المزيد، فأرجو من المسلمين، وأرجو بأن يبلغ الحاضر منكم الغائب عن هؤلاء الإخوة، فإننا نذكر الإخوة المسلمين في المنصورة وفي غيرها بأن يكفل كل مسلم طالباً أو طالبة من هؤلاء؛ ليساعده على إتمام دراسته الشرعية في مصر، لينصرف هؤلاء بعد ذلك دعاة إلى دين الله جل وعلا.
أسأل الله أن يجعل لهذه الدعوة في قلوبكم مكاناً، وأن يرقق قلوبكم لها، وأن يبحث كل واحد منكم عن هؤلاء الإخوة والأخوات.
وأدلكم على أخصر طريق: فمن ذهب منكم إلى كلية الدراسات الإسلامية هنا استطاع أن يحصل على رقم الحساب، أو استطاع أن يكفل طالباً أو طالبة، أو أكثر من ذلك، وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل مني ومنكم جميعاً صالح الأعمال، وأن يجمعنا جميعاً في جنات النعيم.
стр. 1228
شروط قبول التوبة
ولكني أود أن أذكرك -أخي وأختي في الله- بأن للتوبة شروطاً وأركاناً.
فأول شروط التوبة: أن نقلع عن الذنوب والمعاصي كبيرها وصغيرها، ثم الندم على ما مضى، فلا تباه ولا تفاخر بأنك أوقعت فلانة، أو بأنك ارتكبت المعصية الفلانية، إن سترك الله فاستر على نفسك وتب إليه: (فكل أمتي معافى إلا المجاهرين) كما قال النبي الأمين ﷺ .
ثم عليك بالندم، فالندم ركن التوبة الأعظم، ليرى الله من قلبك الحرقة والألم على ما مضى من إفراط وإسراف.
ثم المداومة على العمل الصالح: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٧٠]، وفي الحديث القدسي الذي رواه مسلم والترمذي واللفظ للترمذي، أن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة).
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع المبارك الكريم ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً بيننا إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ميتاً لنا إلا رحمته، ولا عاصياً بيننا إلا هديته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا زدته وثبته، ولا حاجة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا أرحم الراحمين! اللهم احفظ أهلنا في السودان، اللهم احفظ أهلنا في السودان، وفي أفغانستان، وفي فلسطين، والصومال، وفي كشمير وطاجكستان، وفي الفلبين، وفي الجزائر وفي كل مكان، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أرنا يوماً كيوم عاد وثمود في أمريكا ومن شايعها، اللهم عليك بأمريكا ومن شايعها، اللهم إن أمريكا قد طغت وبغت ولا قدرة للمسلمين عليها، اللهم إنا مغلوبون فانتصر، اللهم إنا مغلوبون فانتصر، اللهم إنا مغلوبون فانتصر، اللهم عليك باليهود وأعوان اليهود، اللهم إنا نشكو إليك خيانة الخائنين وضعف الموحدين! اللهم ارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، واستر عيبنا، ولا تهتك سترنا، وفك أسرنا، وتول خلاصنا، واختم بالصالحات أعمالنا برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا، اللهم أصلح شبابنا، اللهم أصلح شبابنا، اللهم احفظ شبابنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم استر نساءنا وبناتنا، اللهم استر نساءنا وبناتنا برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل بلدنا واحة للأمن والأمان وجميع بلاد المسلمين، اللهم ارفع عنا البلاء والوباء والفتن ما ظهر منها وما بطن، برحمتك يا أرحم الراحمين! إخوتي الكرام! هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويلقى به في جهنم، ثم أعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
стр. 1229
واقع الأسرة المسلمة في الغرب
لقد ابتعدت الأمة اليوم عن منهج ربها في شتى الجوانب الاعتقادية والأخلاقية والتشريعية ونحوها، وحصل هناك انفصام نكد بين المنهج المنير، والواقع المرير، وإننا اليوم نواجه تحديات خطيرة داخلية وخارجية ضد الأسرة المسلمة تريد تفكيك المجتمع المسلم بأسره، وأن ينحل من قيمه وأخلاقه، وخصوصاً من يعيش داخل المجتمعات الغربية، ولابد من حلول تجابه هذا التحدي، وأولها: العودة إلى المنهج التربوي الإسلامي، وتأسيس الأسرة المسلمة على ذلك، ومن هنا يكون المنطلق إن شاء الله تعالى!
стр. 1230
واقع الأسرة المسلمة وتحديات المستقبل
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله أجمعين.
أما بعد: أحبتي في الله! واقع الأسرة المسلمة وتحديات المستقبل، هذا هو عنوان لقائنا مع حضراتكم في هذا اليوم الكريم المبارك، وكعادتي حتى لا ينسحب بساط الوقت سريعاً من تحت أقدامنا، فسوف ينتظم حديثي مع حضراتكم -تحت هذا العنوان المهم- في العناصر التالية: أولاً: الانفصام بين المنهج والواقع.
ثانياً: تحديات خطيرة.
ثالثاً: ما السبيل.
وأخيراً: فجر قادم وأمل يتجدد.
فأعيروني القلوب والأسماع جيداً، والله أسأل أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٨].
стр. 1231
الانفصام بين المنهج والواقع
أولاً: الانفصام بين المنهج والواقع، إن المجتمع المسلم الذي شاد القرآن صرحه الشامخ، وأرسى لبناته على يد المصطفى ﷺ كان مجتمعاً فريداً، لم ولن تشهد البشرية له مثيلاً على الإطلاق، كان مجتمعاً فريداً في عقيدته، امتثالاً عملياً -من أفراد هذا المجتمع- لقول الله جل وعلا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢].
وكان مجتمعاً فريداً في عبادته، امتثالاً عملياً لقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣].
وكان مجتمعاً فريداً في شريعته، امتثالاً عملياً لقول الله جل وعلا: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
وكان مجتمعاً فريداً في أخلاقه وسلوكه ومعاملاته، امتثالاً عملياً -من أفراد هذا المجتمع الكريم- لقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل:٩٠].
وكان مجتمعاً فريداً في محبة المصطفى ﷺ ، واتباع هديه، امتثالاً عملياً لقول الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]، وكان مجتمعاً فريداً في إقامة بنيان الأسرة المسلمة، أفراد هذه الأسرة يعيشون جميعاً بالإسلام وللإسلام، ويحمل كل أفراد هذه الأسرة هم الإسلام، فالرجل في الأسرة يعمل لدين الله، والزوجة في الأسرة تعمل لدين الله، حتى الأطفال يعملون لدين الله جل وعلا.
جاء في الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: (بينما أنا واقف في الصف يوم بدر إذ التفت، فإذا عن يمنيني وشمالي فتيان حديثا السن -أي: رأى صبيين صغيرين إلى جواره في الصف يوم بدر- فلم آمن على نفسي بمكانهما -تمنى أن يكون بين بطلين عظيمين- فغمزني أحدهم سراً من صاحبه، وقال لي: يا عم! هل تعرف أبا جهل؟ قلت: وماذا تصنع بـ أبي جهل يا ابن أخي؟ فقال هذا الفتى المبارك: لقد بلغني أنه يسب رسول الله ﷺ ، ولقد عاهدت الله إن رأيت أبا جهل ألا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، يقول عبد الرحمن: فتعجبت! فإذا الفتى الآخر يغمزني سراً من صاحبه: يا عم! يا عم! هل تعرف أبا جهل؟ قلت: وماذا تصنع أنت الآخر بـ أبي جهل يا ابن أخي؟ قال: سمعت أنه يسب رسول الله، ولقد عاهدت الله إن رأيت أبا جهل أن أقتله، أو أموت دونه، وفي لفظ: ألا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، يقول: عبد الرحمن: فوالله ما سرني أن أكون بين رجلين مكانهما، فرأيت أبا جهل يجول في الناس -يعني: يأتي ويروح- فقلت: انظرا! هل تريان هذا؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه.
يقول عبد الرحمن: فانقضا عليه كالصقرين، فقتلاه، وأسرع كل واحد منهما إلى النبي ﷺ يقول: يا رسول الله! قتلت أبا جهل!! والآخر يقول: لا، بل أنا الذي قتلته!! فقال المصطفى: هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: لا.
فنظر النبي في السيفين، فرأى دماء أبي جهل على السيفين معاً، فالتفت إلى الصبيين -أستغفر الله، بل إلى البطلين، بل إلى الرجلين- وقال لهما: كلاكما قتله).
البطل الأول: هو معاذ بن عمرو بن الجموح، والبطل الثاني: هو معوذ بن عفراء، فتيان صغيران، تربى كل واحد منهما في أسرة مسلمة، حملته هم الدين!! إن الناس جميعاً -أيها الأحبة- يحملون هموماً على اختلاف عقائدهم ومشاربهم، ولكن الهموم تتفاوت بين الناس جميعاً بتفاوت الهمم، والهمة رزق من الله تعالى: فمن الناس من يحمل هم الدين، ومنهم من يحمل هم الطين، ومنهم من يحمل هم أن يستمتع بامرأة جميلة حسناء في الحلال أو في الحرام سواء، ومنهم من لا هم له إلا أن يحصل على المال ولو من الحرام، ومنهم من لا هم له إلا أن يحصل على المجد والجاه والشهرة، ولو على حساب دينه.
قال الشاعر: على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم وتعظم في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائم فكل الناس -أيها الأحبة- يحملون هموماً، لكن: انظروا إلى الهموم التي يربي الآباء والأمهات عليها الأبناء في هذه الأيام، والهموم التي كان يتربى عليها أولاد سلفنا الصالح في بيوت عاشت بالإسلام وللإسلام!! أيها الأحبة! ظل هذا المجتمع الإسلامي العظيم يرفل في ثوب التوحيد الخالص، الذي كساه إياه إمام الموحدين، وقدوة المحققين ﷺ ، وسرعان ما ابتعد هذا المجتمع المسلم رويداً رويداً عن أصل عزه، ونبع شرفه، ومعين كرامته، وتجرد رويداً رويداً من ثوب التوحيد الخالص، فانكشفت سوءاته، وظهرت عوراته، وراح المجتمع المسلم يحاكي الشرق الملحد، والغرب الكافر، ترك شرع الله المحكم، وتخلى عن المنهج التربوي الإسلامي العظيم، واستبدل بالعبير بعراً، وبالثريا ثرى، وبالرحيق المختوم حريقاً محرقاً مدمراً، فوقع في هذا الخلق الشائن، والانفصام النكد بين المنهج المنير والواقع المرير، ففي الجانب العقدي نرى العقيدة الآن تذبح شر ذبحة على أيدي الكثير من أفراد المجتمع الإسلامي!! وفي الجانب التعبدي نرى كثيراً من الأفراد قد صرفوا العبادة لغير الله.
وفي الجانب التشريعي وقع المنكر الأعظم الذي لم يكن يخطر ألبتة لأحد على بال، يوم نحيت شريعة الكبير المتعال، وحكم بالقوانين الوضعية الفاجرة الجائرة في الأعراض والأموال والدماء والفروج، وظنت الأمة المسكينة أنها قد ركبت قوارب النجاة، فغرقت وأغرقت، وهلكت وأهلكت، وظلت وأظلت.
وفي الجانب الأخلاقي والسلوكي حدث ولا حرج! ترى انتكاسة خطيرة في الأخلاق، وترى فجوة رهيبة بين منهجنا المنير، وواقعنا المؤلم المرير.
وفي الجانب الأسري ترى استقالة تربوية -لا أقول: فردية بل جماعية- في كثير من بيوت المسلمين، استقال كثير من الآباء تربوياً، واستقال كثير من الأمهات تربوياً، وظن الوالد المسكين أن وظيفته أن يقدم لأولاده الطعام والشراب، والمسكن والملبس فحسب، وظنت الأم هي الأخرى أن وظيفتها أن تغذي الأبدان فحسب، وانشغلت بالضرب في الأسواق، والبحث عن أرقى الموضات والموديلات، وأرقى العطور والملابس والثياب، وراحت الأم تحاكي المرأة في الغرب، وتحاكي المرأة في الشرق؛ فشعر كثير من أبنائنا في بيوتنا باليتم التربوي، وخرج الأولاد من البيوت ليقتاتوا قوتهم التربوي في السينما والمسرح عند أصحاب السوء: في الشارع! أو في وسائل الإعلام المدمرة! ليس اليتيم من انتهى أبواه من هم الحياة وخلفاه ذليلا إن اليتيم هو الذي ترى له أماً تخلت أو أباً مشغولا هذا هو الواقع المر الأليم.
стр. 1232
تحديات خطيرة
ثم عرف أعداء الإسلام -أيها الإخوة والأخوات- أن الأسرة المسلمة هي اللبنة الأولى الصحيحة في صرح المجتمع المسلم، بل عرف أعداؤنا أن الأسرة المسلمة هي الأمة الإسلامية الصغيرة، فخطط الأعداء بكل سبيل، للقضاء على المجتمع الإسلامي، وبالقضاء على النواة الأولى في صرحه الشامخ، ألا وهي: الأسرة المسلمة.
وهذا هو عنصرنا الثاني بإيجاز، تحديات خطيرة في طريق الأسرة المسلمة، وأستطيع أن أقدم لحضراتكم التحديات في نقاط ثابتة محددة أيضاً، وسأقسم التحديات إلى قسمين: أولاً: تحديات خارجية.
ثانياً: تحديات داخلية.
стр. 1233
التحديات الخارجية ضد الأسرة المسلمة
القسم الأول: وهو التحديات الخارجية: وتتمثل في المخطط اليهودي الصليبي الحاقد؛ لإخراج الأسرة المسلمة من المجتمع الإسلامي عقيدة وعبادة وشريعة، وأخلاقاً وسلوكاً، وذلك عبر نقاط محددة، وهي: أولاً: التشكيك، ثم التذويب، ثم إفساد المرأة المسلمة باعتبارها العمود الفقري، والمحور المركزي، لقيام الأسرة المسلمة الصحيحة.
أما التشكيك فقد جعل المخطط الصليبي اليهودي يشكك الأسرة، بل ويشكك الأمة الإسلامية الكبيرة، يشككها في منهجها الرباني: في القرآن، وفي السنة، وقالوا: إن القرآن كان يخاطب أناساً في أرض الجزيرة العربية، لكننا نعيش الآن في عصر (الإنترنت)، عصر أتوبيس الفضاء (دسكفري)، إننا نعيش عصراً قد وصل فيه العقل البشري والعلم المادي إلى مكانة عالية: صنع العقل القنبلة النووية، وفجر الذرة، وغاص في أعماق البحار، وانطلق في أجواء الفضاء، فماذا تريدون؟ إن أردتم -أيها المسلمون- التقدم والحضارة والمدنية لابد أن تنبذوا دينكم، وأن تنظروا إلى النموذج الغربي الذي قفز قفزات هائلة في الجانب العلمي، وفي التقدم المادي، وأنا لست كالنعام: أدفن رأسي الآن في الرمال؛ لأنكر ما وصل إليه الغرب في الجانب المادي، كلا، كلا، بل أنا أقر به، لكن يا إخوة! اعلموا يقيناً بأن الحياة لا تتوقف عند الجانب المادي فحسب، ولو أن طائراً عملاقاً أراد أن يحلق في أجواء الفضاء لفترة طويلة؛ فطار بجناح واحد، فإنه حتماً سيسقط، فينكسر جناحه الآخر، فالحياة ليست مادة فحسب، بل إن الغرب وقف عاجزاً أمام الشق الآخر: أمام الروح؛ لأن الروح لا تقاس بالترمومتر، ولا توزن بالجرام، ولا توضع في بوتقة التجارب في معامل الكيمياء والفيزياء، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]، وأنتم تعلمون يقيناً أن الأسرة في الغرب تفككت وتشتتت، بل إن الغرب يعيش الضنك بكل معانيه، مصداقاً لقول الله: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٤]، انظروا إلى عدد عيادات الطب النفسي! انظروا إلى حالات الانتحار الفردي والجماعي! انظروا إلى حالات القلق النفسي! انظروا إلى حالات الاضطراب! انظروا إلى التفكك الأسري! فأنا لا أنكر أن الغرب وصل في الجانب المادي إلى ما وصل إليه، لكنه يعاني في الجانب الآخر.
والله لا أنسى ذلك الموقف وأنا ألقي محاضرة في يوم من الأيام في مركز من المراكز الإسلامية هنا في أمريكا، وإذ بأحد الإخوة يستوقفني، ويقول لي: لو سمحت -يا شيخ- نريد أن يردد هذا الأمريكي الشهادة خلفك، فلقد جاء مسلماً لله جل وعلا، فقلت: تفضل أيها الأخ الكريم! وقبل أن يردد خلفي الشهادتين قلت له: أخي! ما الذي أتى بك إلينا، وأنت ترى أحوال المسلمين لا تسر عدواً ولا حبيباً؟! ما الذي جاء بك إلينا؟ فقال هذا الأمريكي: بأنه ملياردير، يملك الأموال والشركات والأساطيل.
ثم يقول: ما شعر هذا الرجل بطعم السعادة قط، يقول: انتشلوه من محاولة الانتحار أكثر من عشر مرات، ثم قال لي: دخلت يوماً على هذا الموظف -وأشار على أخ سوري معه وهو يعمل في شركة من شركاته- فرأيت هذا الموظف يغسل قدمه في حوض الماء الذي أغسل فيه وجهي، فتعجبت وقلت: كيف تغسل قدمك في هذا الحوض؟! قال: أنا أتوضأ وأغسل قدمي خمس مرات في اليوم، فقال: ما الوضوء؟ فأخبره، قال: ولماذا؟ قال: للصلاة، قال: ما الصلاة؟ فعلمه، فقال: تصلي لمن؟ لله، قال: من الله؟ فأخبره، فقال له: لماذا كلما دخلت عليك وجدت السعادة في وجهك، ورأيتك نشيطاً، ما رأيتك سكراناً قط؟! قال: إن ديني يحرم عليّ الخمر، وإن نبيي يعلمني حديثاً يقول فيه: (عجباً لأمر المؤمن!! إن أمره كله له خير، وليس ذلك إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر؛ فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر؛ فكان خيراً له) فقال: ماذا لو دخلت في دينك هذا، هل سأشعر بالسعادة التي تشعر بها؟ قال: نعم، قال: أدخلني.
وأنتم تعلمون أنهم لا يتعصبون لعقيدة، وأنا أقول لإخواني دائماً: الذي يسبق إلى الشعب الأمريكي يكسب الجولة، فإنه شعب لا تعصب عنده، لكن المشكلة عندنا، فإننا لا نتحرك لدين ربنا، ولا لدين نبينا ﷺ ، قال: أدخلني، فجاء به إلى المركز الإسلامي، تعجبت حينما قال: بأنه لم يشعر بطعم السعادة، بعدما أصر أن أذهب معه إلى قصره أو إلى بيته؛ لأتناول معه طعاماً في بيته، فدخلت بيتاً مصنعاً من الزجاج على الشاطئ، نصف البيت في المحيط، والنصف الآخر على الشاطئ في اليابسة، فتعجبت كيف يعيش هذا الرجل في هذا النعيم، ومع ذلك لم يشعر بطعم السعادة! فلما قام بين يدي وردد الشهادة، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، بكى بكاء هستيرياً طويلاً!! فأراد الإخوة أن يسكتوه، فقلت: دعوه، اتركوه، فلما كف عن البكاء، وسكنت جوارحه، قلت له: أخي! لماذا بكيت؟ فرد في ترجمة حرفية قائلاً: والله! إني أشعر الآن بسعادة في صدري ما ذقت طعمها قبل الآن! قلت: إنها نعمة شرح الصدر بالإسلام!! ولا يذوق طعمها إلا من شرح الله صدره للإسلام، أنتم -أيها الإخوة الكرام- في نعمة والله! أنتم في نعمة! يا من خلقك الله موحداً وأرسل إليك محمداً! لو وضعت رأسك على التراب؛ لتشكر الله على هذه النعمة حتى تلقاه ما وفيت الله حقه.
قال الشاعر: ومما زادني فخراً وتيها وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن أرسلت أحمد لي نبيا وقال الله تعالى قبل ذلك: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧]، فالمخطط الصليبي اليهودي يسعى للتشكيك في الدين في المنهج الإسلامي التربوي، بل ورأينا الآن رجالاً ونساء من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، يرددون ما ردده وأصله اليهود والنصارى، فهم يشككون الآن في الثوابت، وإن المؤتمر الذي عقد في مصر في الشهر الماضي والذي يسمى بمؤتمر تحرير المرأة، وسميته في خطبة جمعة مباشرة: بمؤتمر انفلات المرأة، فهم يشككون في ثوابت الدين في أصول هذا الدين وأركانه، تخرج علينا امرأة تنسب إلى الإسلام، فتقول: لا بد من إلغاء قوامة الرجل، وأخرى تقول وهي دكتورة: إن الرجال يركعون أمام ركبتي مادلين وأولبريت الجميلتين، ويفعلون كذا -لفظة يعف لساني والله عن ذكرها- يفعلون فعلة معروفة بين شبابنا إلا من رحم ربك، ويفعلون كذا على صور مارلين مونرو، ثم تقول أخرى: لا بد من مساواة الرجل بالمرأة في الميراث، وتقول أخرى: لا بد من إلغاء العدة والاكتفاء بالعودة إلى الطب الحديث؛ للتحقق من إبراء الرحم من الحمل من عدمه، حرب على الثوابت، حرب على الأصول والأركان والكليات، مخطط للتشكيك.
ثم بعد هذا التشكيك -يا إخوة، ويا أخوات -يكون التذويب يصبح المسلم- الذي هزم فكرياً ونفسياً- مستعداً للذوبان في بوتقة الغرب أو الشرق، وصدق المصطفى إذ يقول، كما في الصحيحين من حديث أبي سعيد: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب -وفي لفظ: خرب- لتبعتموهم، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟) من غير هؤلاء؟! إنه الذوبان، وقدموا لنا النموذج الغربي على أنه النموذج الأوحد الفريد في السعادة والتقدم.
قال الشاعر: قالوا لنا الغرب قلت: صناعة وسياحة ومظاهر تغرينا لكنه خاوٍ من الإيمان لا يرعى ضعيفاً أو يسر حزينا الغرب مقبرة المبادئ لم يزل يرمي بسهم المغريات الدينا الغرب مقبرة العدالة كلما رفعت يد أبدى لها السكينا الغرب يحمل خنجراً ورصاصة فعلام يحمل قومنا الزيتونا كفر وإسلام فأنى يلتقي هذا بذلك أيها اللاهونا أنا لا ألوم الغرب في تخطيطه لكن ألوم المسلم المفتونا وألوم أمتنا التي رحلت على درب الخضوع ترافق التنينا وألوم فينا نخوة لم تنتفض إلا لتضربنا على أيدينا يا مجلس الأمن المخيف إلى متى تبقى لتجار الحروب رهينا لعبت بك الدول الكبار فصرت في ميدانهن اللاعب الميمونا شكراً لقد أبرزت وجه حضارة غربية لبس القناع سنينا شكراً لقد نبهت غافل قومنا وجعلت شك الواهمين يقينا يا مجلس الأمن انتظر إسلامنا سيريك ميزان الهدى ويرينا إن كنت في شك فسل فرعون عن غرق وسل عن خسفه قارونا
стр. 1234
دعوى تحرير المرأة
التشكيك ثم التذويب في بوتقة المناهج الغربية، ثم إفساد المرأة المسلمة؛ لأن المرأة المسلمة هي العمود الفقري، وهي المحور المركزي لبنيان الأسرة الصحيحة، فحاول هؤلاء أن يفسدوا المرأة، وأرجو من أخواتي الفاضلات الطاهرات أن ينتبهن لهذا المخطط الخبيث، عز على أعداء ديننا -أيتها المسلمة- أن تجود المسلمة من جديد على أمتها بالعلماء العاملين، والمجاهدين الصادقين، فراحوا يشككون المرأة في دينها، وراحوا يفتعلون قضية في بلاد المسلمين تسمى بقضية تحرير المرأة، بل إنهم يريدون أن ينزلوها من عرش حيائها للزج بها في مستنقع الرذيلة الآسن العفن، شككوها في الحجاب، وقالوا لها: لا بد من التحرر، إن القول بالعزل والفصل بين الرجل والمرأة كلام المتخلفين، كلام المتأخرين، تحرري، وهي الحرة بالإسلام، يحررون المرأة من ماذا؟! يا حرة قد أرادوا جعلها أمة غريبة العقل غريبة النسب يا درة حفظت بالأمس غالية واليوم يبغونها للهو واللعب هل يستوي من رسول الله قائده دوماً وآخر هاديه أبو لهب؟ وأين من كانت الزهراء أسوتها ممن تقفت خطى حمالة الحطب؟! فلا تُبالي يا أختاه! أيتها المسلمة الصابرة! أيتها المسلمة الصابرة على الحجاب! الصابرة على العفة والشرف، الصابرة على تربية الأولاد! لا تبالي بما يلقون من شبه وعندك الشرع إن تدعيه يستجب سليه من أنا من أهلي لمن نسبي للغرب أم للإسلام والعرب لمن ولائي لمن حبي لمن عملي لله أم لدعاة الإثم والكذب هما سبيلان يا أختاه ما لهما من ثالث فاكسبي خيراً أو اكتسبي سبيل ربك والقرآن منهجه نور من الله لم يحجب ولم يغب أنت درتنا المصونة، أنت لؤلؤتنا المكنونة، أنت الأم، أنت الزوجة، أنت البنت، أنت الأخت، أنت الخالة، أنت العمة، أنت المجتمع بأسره، صحيح أن المرأة تشكل نصف المجتمع، ولكنها تقدم للمجتمع نصفه الآخر من أولاد من شباب من رجال ونساء، فهؤلاء عرفوا خطر المرأة، وعلموا أن المرأة المسلمة من أعظم أسباب القوة في المجتمع الإسلامي، فحاربوها وحارب حجابها وخلقها ودينها وعفتها وشرفها.
والذي يدمي القلب أن كثيراً من المسلمات قد تأثرن بهذه الدعاوى الخطيرة التي يغني بطلانها عن إبطالها، وظنت المسلمة أنها بالفعل مظلومة، وأنها شبه مهملة، وأنها رئة معطلة، وأن البيت سجن مؤبد، وأن الزوج سجان قاهر، وأن الأمومة تكاثر حيواني لا يليق بحضارة القرن العشرين، إن ما يزعمونه في المرأة هو المأساة، وظنت المسكينة أنها ظلمت بالفعل.
ومن هنا انبرى بعض إخواننا من أهل العلم للرد على هذه الشبهة، من منطلق أن الإسلام بالفعل في قفص الاتهام، فجاءت الردود هزيلة، ومهزومة كهزيمة من رد بها، ولا حول ولا قوة إلا بالله! بل يجب على المسلمة أن تعلم أن الإسلام ما أمرها بالحجاب، وما حرم عليها الخلوة، وما حرم عليها الاختلاط، وما حرم عليها السفر بدون محرم إلا ليحفظ كرامتها، وليصون عرضها وشرفها؛ لأنها لؤلؤة مكنونة، ودرة مصونة، وجوهرة غالية، وأنا لا أتصور عاقلاً من العقلاء يرزق بجوهرة، ثم يلقي بهذه الجوهرة في أي مكان من أماكن البيت، بل سيبحث عن آمن الأماكن؛ ليحتفظ فيه بهذه الجوهرة، وبهذا اللؤلؤ المكنون.
стр. 1235
التحديات الداخلية ضد الأسرة المسلمة
هكذا أنت أيتها المسلمة الفاضلة! يا صاحبة الحجاب! يا صاحبة العفة والشرف! فهذا هو التحدي الخارجي، أما التحدي الداخلي فحدث ولا حرج، ومنه الجهل بالإسلام، وضعف الإيمان، فأنا لا أتصور أن مسلماً أو مسلمة يعيش بالإسلام للإسلام، وهو يجهل الإسلام!! ومن هذه التحديات غياب القدوة، أختي الفاضلة! أخي الحبيب! إن التربية بالقدوة في داخل الأسرة من أعظم وسائل التربية، فلا يمكن أبداً أن يتعلم الولد الصدق إذا رأى أباه يكذب! ولا يمكن أبداً أن تتعلم البنت الفضيلة، إن رأت أمها مستهترة! ولا يمكن أن تتعلم الأمانة إن رأت أمها خائنة لأبيها أو لزوجها.
مشى الطاووس يوماً باختيال فقلد شكل مشيته بنوه فقال علام تختالون قالوا بدأت به ونحن مقلدوه وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه وأيضاً من هذه التحديات الصحبة السيئة، فالصحبة السيئة تؤثر على أولادنا، وعلى أسرنا تأثيراً بالغاً؛ لأن الولد قد يتأثر بأصحابه تأثراً يفوق تأثره بالبيت؛ لذلك قال المصطفى ﵊: (مثل الجليس الصالح، والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير)، وقال ﵊: (لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي).
ومن التحديات الداخلية عدم قيام المسجد والدعاة إلى الله بدورهم الحقيقي، لا أنكر هذا، قد يأتي الشاب إلى المسجد فيرى طرحاً دعوياً مملاً، لا يتناسب مع مشكلاته وأزماته، بل نرى أحياناً القائمين على المساجد يطردون الأطفال، ويسيئون إليهم لمجرد البكاء والضوضاء، هذه عادة الطفل وطبيعته، فهل تريد أن تحكم على الطفل بعقليتك؟! لا تريد منه أن يلعب أو أن يمرح، فإن طردت الأطفال من المساجد، فأين سيتربى أبناؤنا؟! فهذا من عدم قيام المسجد بدوره الحقيقي، والقصور الشديد في الطرح الدعوي.
لقد قدر الله أن أكون مسافراً في يوم جمعة، وقلت لأهلي: هيا لنصلي الجمعة ولنسمع، فمنذ زمن وأنا خطيب لا أسمع الخطباء، مع أن المسافر لا جمعة عليه، لكن أحببت ذلك، والله لقد قال الخطيب على المنبر كلاماً لولا خشية الفتنة لارتقيت المنبر، وأتيت به من رقبته، لقد قال هذا الخطيب: لما قتل عثمان بعث معاوية -رضوان الله على معاوية - لـ نائلة رضوان الله عليها، وقال لها: يا نائلة! ها هو ذا عثمان قد قتل، وأنا أريد أن أتزوجك.
قالت له: ما الذي يعجبك فيّ يا معاوية؟ -هكذا على المنبر بهذه الطريقة- قال لها: عيونك! قالت له: طيب، انتظر قليلاً، ودخلت فخلعت عيونها، ووضعتها على طبق، وخرجت لـ معاوية قائلة: يا لي أنت غاوي الجمال روح القبر واطلع تلاقي الجمال بقى رمم وعظم منخلع أهذا يقال على المنابر؟!! فنحن نرى قصوراً خطيراً في الطرح الدعوي، لا يتلاءم ولا يتفق مع مشكلات أولادنا، ومشكلات عصرنا.
إن الداعية الأمين -أسأل الله أن يجعلنا منهم- هو الذي لا تغيب عنه أمته بمشكلاتها وأزماتها وجراحها وآلامها، بل يشخص الداء، ويحدد الدواء من القرآن، وسنة النبي ﷺ .
ثم يأتي الإعلام كتحد سافر يحطم الأسرة المسلمة بلا نزاع، فإنني أقول باطمئنان وثقة: إن وسائل الإعلام كلها من التلفاز والجرائد والمجلات والفيديو والإعلانات والمسلسلات والأفلام والمسرحيات تعزف كلها على وتر واحد، على وتر الجنس، على وتر الدعارة، على وتر العنف والجريمة، وإن وسائل الإعلام مسئولة مسئولية كبيرة عن انحراف أبنائنا، وذوبان أسرنا في بوتقة الشرق الملحد والغرب الكافر.
والتعليم الذي كان من المفترض أن يكون عوناً لأبنائنا وبناتنا بعد البيت على التربية، ولكن بكل أسف لا يوجد ذلك، ورحم الله محمد إقبال إذ يقول: إن المناهج التعليمية الحديثة تحسن أن تعلم أبناءنا المعارف والمعاني والعلوم، ولكنها لا تحسن أن تعلم عيونهم الدموع، ولا قلوبهم الخشوع.
تلك تحديات خارجية وتحديدات داخلية خطيرة كثيرة، تهدم ما يبنيه كثير من الآباء والأمهات، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
стр. 1236
ما هو السبيل ؟!
والسؤال الآن: ما السبيل؟ وهذا هو عنصرنا الثالث من عناصر اللقاء.
стр. 1237
العودة إلى المنهج التربوي الإسلامي
والجواب في نقاط محددة أيضاً، أولاً: العودة إلى المنهج التربوي الإسلامي، فهو منهج رباني مصدره القرآن والسنة، هذه النقطة العملية الأولى على الطريق، تملكها أنت أيها الوالد! وتملكينها أنت أيتها الأم! ألا وهي: العودة إلى المنهج التربوي الإسلامي؛ لأنه منهج رباني مصدره القرآن، وسنة النبي ﵊، وهو منهج يتميز بالتكامل، والشمول، والتوازن، والاعتدال، والتميز، والمفاصلة.
منهج يمزج بين الجسد والروح، بين الدين والدنيا، بين الحياة والآخرة، ويجسد هذا المنهج هذا الدعاء النبوي الرقراق الرقيق، كما في صحيح مسلم أنه ﷺ كان يدعو الله ويقول: (اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر).
стр. 1238
تأسيس الأسرة المسلمة على المنهج التربوي الإسلامي
ثانياً: تأسيس الأسرة المسلمة منذ البداية على هذا المنهج التربوي الإسلامي، وذلك باختيار الزوجة الصالحة؛ لقول رسول الله ﷺ : (تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولجمالها، وحسبها، ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك)، والمسلمة تتخير الزوج الصالح أيضاً، فإن الحياة الزوجية -إن بنيت على هذا الأساس التربوي الإسلامي النبوي- تسعد الأسرة، وتُسعد الأسرة مجتمعها الإسلامي الكبير، إن الحياة الزوجية مملكة إيمانية، الزوج ملكها وربانها، والمسير لدفة شئونها وأمورها؛ بما جعل الله له من قوامة، والزوجة ملكة متوجة هي الأخرى في هذه المملكة؛ لأنها شريكة الحياة، ورفيقة الدرب، وقرة العين، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:٢١]، والرعية بين هذين الملكين الكريمين هم: لب الفؤاد وفلذة الكبد، وهم زهرة الحياة الدنيا، هم الأولاد، الذي قال الله تعالى فيهم: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٤٦]، فإذا ظلل الحياة الزوجية منهج رب البرية وسيد البشرية، عاشت هذه المملكة حياة إيمانية كريمة، وآتت هذه المملكة ثمارها كل صبح وعشية، ولو ظهر في يوم من الأيام نبتة شوك في أرضها -لخلاف ما أو لمشكلة أسرية- فسرعان ما تذبل هذه النبتة؛ لأنها لا يمكن أبداً أن تحيا في أرض طاهرة زكية، تظلل بمنهج رب البرية وسيد البشرية ﷺ ، هنا سيرحم الزوج امرأته، وسترحم المرأة زوجها، وسيتخلق هذا البيت بأخلاق المصطفى ﷺ .
جميل -والله- أن أبلغ حضراتكم أن المصطفى قد حرم على نفسه ما أحل الله له؛ من أجل أن يرضي نساءه، هل تعلمون ذلك؟ الحديث في الصحيحين: (لقد اتفقت عائشة وحفصة -رضوان الله عليهما وعلى زوجات النبي الطاهرات-، على رسول الله؛ غيرة من زينب بنت جحش، فدخل النبي ﷺ على حفصة فابتعدت عنه، وقالت: إني أجد -أي: أشم- منك ريح مغافير) ومغافير: نبتة أو زهرة تنبت في أرض المدينة، لها رائحة كريهة، هل تتصور ذلك وعرق المصطفى أطيب من المسك؟! والله لا أقول ذلك من باب العاطفة، بل أقول ذلك من باب التحقيق العلمي: إن عرق الحبيب النبي ﷺ أطيب من المسك؛ ففي الصحيحين من حديث أنس قال: (خدمت رسول الله عشر سنين، فما قال لي: أف قط، وما قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء تركته: لم تركته؟ وما مسست حريراً ولا ديباجاً ألين من كف رسول الله ﷺ ، ولا شممت مسكاً ولا عنبراً أطيب من ريح رسول الله) وفي صحيح مسلم ومسند أحمد من حديث أم سليم: (نام النبي عندها في وقت القيلولة، فعرق رسول الله، فجاءت أم سليم بقارورة، وأخذت تسلت عرق المصطفى في هذه القارورة، فاستيقظ النبي وهو يقول: ما تصنعين يا أم سليم؟! فقالت: فقال: عرقك أطيب من طيبنا يا رسول الله!) والشاهد: (أن النبي دخل النبي على حفصة فابتعدت عنه، وقالت: إني أشم منك ريح مغافير، فقال الحبيب: والله ما أكلت شيئاً -يعني: ليغير رائحة فمي- والله ما أكلت إلا العسل عند زينب، وترك النبي حفصة، ودخل على عائشة، فقالت مثل ما قالت حفصة بترتيب واتفاق، فقالت: إني أجد منك ريح مغافير يا رسول الله! قال: والله ما أكلت شيئاً، والله ما أكلت إلا العسل عند زينب، والله لا آكل العسل بعد اليوم، فنزل القرآن -وتدبر كلام الرحيم الرحمن-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم:١]).
فالحياة الزوجية إن أسست وأصلت، ووضع أساسها وبنيانها على المنهج الرباني والنبوي سعدت هذه الأسرة، وأسعدت أسرتها الكبيرة التي تتمثل في أمة الإسلام والتوحيد.
стр. 1239
تحمل مسئولية التربية من قبل الآباء والأمهات
ثالثاً: تحمل مسئولية التربية، فالتربية مسئولية مشتركة بين الآباء والأمهات، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]، وفي الصحيحين من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في بيته ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، وكلكم راع ومسئول عن رعيته)، وفي الصحيحين من حديث معقل بن يسار أنه ﷺ قال: (ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة) فوظيفتك -أيها الوالد الكريم- ليست مجرد التغذية، كلا.
أيها الإخوة! أنا أقول دائماً: إن وجود الأب بين أبنائه -ولو كان صامتاً لا يتكلم- فيه من عمق التربية ما فيه، فكيف لو تكلم فذكر بالله، ودعا إلى الجنة، وحذر من النار، وحمل هموم الأولاد، وأشعر الأولاد بأنه معهم وأنهم في قلبه وكيانه؟! وتزداد المأساة إن استقالت الأم، ماذا تقولون في أم عادت اليوم إلى زوجها، وقالت: زوجي العزيز! سلام الله عليك.
أما بعد: فإني أقدم لك اليوم استقالتي من تربية أولادك؟! وماذا تقولون في زوج يذهب إلى امرأته ليقول: زوجتي العزيزة! سلام الله عليك.
أما بعد: فإني أقدم لك اليوم استقالتي من تربية الأولاد؟! سيتهم هذا الزوج بالجنون، وكذلك الزوجة، بل أنا أؤكد لحضراتكم: بأن نظرة صادقة مدققة فاحصة لواقع كثير من الأسر المسلمة تبين لنا أن استقالة تربوية جماعية وقعت في كثير من البيوت، فاستقال كثير من الآباء تربوياً، واستقال كثير من الأمهات تربوياً.
стр. 1240
ملء فراغ الأولاد بما ينفعهم
رابعاً: ملء فراغ الأولاد بأي عمل نافع في الدنيا أو في الدين، لا تترك ولدك فارغاً، وأنت أيها الوالد، وأنت أيتها الأم لا بد أن تشغل نفسك؛ فالنفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.
وأخطر أقسام الفراغ: الفراغ القلبي من الإيمان، والخوف من الله والمراقبة، والفراغ النفسي، فالنفس أمارة بالسوء، إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية.
وكذلك الفراغ العقلي، فاشغل عقلك بالنظر في آيات الله، وبالنظر في الكتب الهادفة؛ لتملأ عقلك بالإيمان وبالمعرفة، فإن الفراغ العقلي حياة أهله بوار، وآخرة أهله نار؛ بدليل تصايح أهل النار في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:٨ - ١٠].
стр. 1241
تكوين تجمعات صالحة في المجتمع الغربي
ثم الحرص على الصحبة الطيبة، فأنتم في هذه البيئة إن لم تحرصوا على أن تكونوا جماعات طيبة في المساجد والمراكز الإسلامية، والمدارس والأندية، فإن الأسر ستذوب، وسيذوب الأولاد في هذا المجتمع الغربي، الذي يصطدم اصطداماً مباشراً مع عقيدتنا وأخلاقنا، فلا بد من أن تبحث عن صحبة طيبة؛ لتعينك ولتعين أولادك على طاعة الله ﵎، بإيجاد المحاضن التربوية في الأندية والمدارس والمراكز الإسلامية والحضانات، بشرط أن يقوم عليها رجال وأخوات من الإسلاميين المؤهلين عقدياً وفكرياً وثقافياً، ويحملون هم الأمة، لما يرون من واقع الأمة الأليم.
أيها الأحبة الكرام! هذه نقاط سريعة لهذا الواقع المؤلم، أسأل الله أن يعيننا جميعاً وإياكم عليها، وأن يحفظ نساءنا وبناتنا، وأن يصلح أولادنا وشبابنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ومع هذا الواقع المؤلم أقول: الفجر قادم، والأمل يتجدد، وإن ما أراه الآن بين يدي لمن أعظم الأدلة العملية على ذلك: فكثير من الأسر المسلمة بدأت تنتقل من أزمة الوعي إلى وعي الأزمة، فكلكم بلا استثناء ما حرصتم على هذا المؤتمر -بنسائكم وأولادكم-، إلا وكلكم حريص على أن يبدأ بأسرته بداية جديدة، كلكم بلا استثناء يتمنى أن يحفظ أولاده وبناته القرآن، وسنة النبي ﵊، وهذه هي البداية الحقيقية للعودة، فأرجو ألا نحكم على هذه الصحوة الكريمة بالفشل؛ لأنها لم تحكم الشريعة في الأمة؛ لأن ما هدم في سنوات لا يمكن -على الإطلاق- أن يبنى في أيام.
стр. 1242
فجر الإسلام قادم !
فجر قادم، وأمل يتجدد، نراه في هذه الصحوة التي بدأت تتنزل في كل بقاع الأرض تقريباً، كتنزل حبات الندى على الزهرة الظمأى، والأرض العطشى، لقد ولت هذه الصحوة الكريمة برجالها ونسائها وأولادها ظهرها لواشنطن وبانكوك ومدريد وباريس وتل أبيب وتوجهت من جديد للقبلة التي ارتضاها الله جل وعلا لحبيبه المصطفى ﷺ .
أيها الإخوة! إن وعد الله قائم بنصرة هذا الدين، وبالتمكين لسنة سيد النبيين، هل تصدقون الله؟ هل تصدقون رسول الله؟ لم اليأس ولم القنوط؟! قال الله جل وعلا: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]، وقال جل وعلا: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف:٨ - ٩]، وقال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣]، وقال ﷺ -كما في صحيح مسلم من حديث ثوبان -: (إن الله زوى لي الأرض؛ فرأيت مشارقها ومغاربها.
وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها)، وقال ﷺ -كما في معجم الطبراني بسند صحيح من حديث تميم الداري -: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر)، انظروا إلى واقع أمريكا من عشر سنوات، هل كنا نرى هذه المراكز، وهذه المساجد، وهذه الملايين من الموحدين والمسلمات والمؤمنات؟ لا، إن الصحوة تتنزل الآن في كل بقاع الأرض، إنه وعد الله! قال الشاعر: لئن عرف التاريخ أوساً وخزرجاً فلله أوس قادمون وخزرج وإن كنوز الغيب تخفي طلائعاً حرة رغم المكايد تخرج لم اليأس؟! ولم القنوط؟! ولم الهزيمة النفسية؟! إن المهزوم نفسياً مشلول الفكر والحركة، فاعتز -أيها المسلم وأيتها المسلمة- بهذا الدين الذي ارتضاه الله للبشرية ديناً، وإنا ما نراه الآن في هذه القاعة لمن أعظم الأدلة العملية على أن أشد ساعات الليل سواداً هي الساعة التي يليها ضوء الفجر، وفجر الإسلام قادم بإذن الله جل وعلا.
قال الشاعر: صبح تنفس بالضياء وأشرق والصحوة الكبرى تهز البيرقا وشبيبة الإسلام هذا فيلق في ساحة الأمجاد يتبع فيلقا وقوافل الإيمان تتخذ المدى دربا وتصنع للمحيط الزورقا ما أمر هذي الصحوة الكبرى سوى وعد من الله الجليل تحققا هي نخلة طاب الثرى فنمى لها جذع قوي في التراب وأغدقا هي في رياض قلوبنا زيتونة في جذعها غصن الكرامة أورقا فجر تدفق من سيحبس نوره أرني يداً سدت علينا المشرقا يا نهر صحوتنا رأيتك صافيا وعلى الضفاف رأيت أزهار التقى قالوا تطرف جيلنا لما سمى قدراً وأعطى للطهارة موثقا ورموه بالإرهاب حين أبى الخنا ومضى على درب الكرامة وارتقى أو كان إرهاباً جهاد نبينا أم كان حقاً بالكتاب مصدقا أتطرف إيماننا بالله في عصر تطرف في الهوى وتزندقا إن التطرف أن نذم محمداً والمقتدين به ونمدح عفلقا إن التطرف أن نرى من قومنا من صانع الكفر الليئم وأطرقا يا جيل صحوتنا أعيذك أن أرى في الصف من بعد الإخاء تمزقا لك في كتاب الله فجر صادق فاتبع هداه ودعك ممن فرقا لك في رسولك أسوة فهو الذي بالصدق والخلق الرفيع تخلقا يا جيل صحوتنا ستبقى شامخاً ولسوف تبقى باتباعك أسمقا
стр. 1243
وأنذرهم يوم الحسرة
يوم القيامة يوم عصيب، وفيه من الأهوال ما يجعل الولدان شيباً، وفيه ينقسم الناس إلى: أهل حسرات، وأهل مسرات، أما أهل الحسرات: فتتابع عليهم الحسرات والندامات أبد الآبدين.
وأما أهل المسرات: فتتابع عليهم المسرات في جنات النعيم إلى أن يصلوا إلى أعظم مسرة وهي: النظر إلى وجه الله تعالى.
فعلى العبد أن يحرص على فعل الخيرات، واجتناب المنكرات؛ ليسعد في يوم الحسرة.
стр. 1244
الندامة يوم الحسرة
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي أذل بالموت رقاب الجبابرة، وأنهى بالموت آمال القياصرة، فنقلهم بالموت من القصور إلى القبور، ومن ضياء المهود إلى ظلمة اللحود، ومن ملاعبة الجواري والغلمان إلى مقاساة الهوام والديدان، ومن التنعم في الطعام والشراب إلى التمرغ في الوحل والتراب.
أحمدك يا رب وأستعينك وأستغفرك وأستهديك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، جل ثناؤك، وعظم جاهك، ولا إله غيرك.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ينادي بعد فناء خلقه جل وعلا ويقول: أنا الجبار! أنا الجبار! أنا الجبار! أنا العزيز! أنا الكريم! لمن الملك اليوم؟! لمن الملك اليوم؟! لمن الملك اليوم؟! ثم يجيب جل وعلا عن ذاته ويقول: لله الواحد القهار، سبحانه سبحانه سبحانه سبحان ذي العزة والجبروت!! سبحان ذي الملك والملكوت!! سبحان الحي الذي لا يموت!! سبحان من كتب الفناء على الخلائق ولا يموت.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الرسالة، وبلغ الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
رفع الله له ذكره، وشرح الله له صدره، ووضع الله عنه وزره، وزكاه الله جل وعلا في كل شيء.
زكاه الله جل وعلا في عقله فقال: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:٢].
وزكاه فى صدقه فقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣].
وزكاه في صدره فقال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١].
وزكاه في فؤاده فقال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١].
وزكاه في بصره فقال: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧].
وزكاه في علمه فقال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٥].
وزكاه في خلقه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
وبعد كل هذا جعل الله جل وعلا حبيبه ﷺ إمام الأنبياء، وإمام الأصفياء، وإمام الأتقياء، وخاتم الأنبياء وسيد المرسلين، ووهبه الحوض المورود، وأعطاه اللواء المعقود، وبعد ذلك كله قال له: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠].
اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! فهذا اللقاء الثالث والعشرون، وما زلنا مع آيات سورة مريم، وإن كنا سنواصل الحديث مع أول جمعة من شهر رمضان في تفسير آيات القرآن الكريم، فلسنا ممن يجافي هذا الشهر العظيم، فإن شهر رمضان هو شهر القرآن؛ لقول الله جل وعلا: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥].
فتعالوا بنا لنواصل المسيرة مع القرآن الكريم، فما أجمل أن تكون اللحظات التي نقضيها مع آيات من كتاب الله جل وعلا، مع هذا الذكر الحكيم، ومع هذا النور المبين، ومع هذا الصراط المستقيم، مع مأدبة الله جل وعلا؛ مع القرآن الكريم.
стр. 1245
استغاثة أهل النار بأهل الجنة
ومن موجبات الحسرة يوم القيامة أنه تنخلع القلوب حينما يرون جهنم على حقيقتها وعلى طبيعتها لأول مرة وهم في أرض المحشر، يأمر الله جل وعلا أن يؤتى بجهنم، فيؤتى بها لها سبعون ألف زمام! مع كل زمام سبعون ألف ملك، كما ورد في الحديث الذي رواه مسلم من حديث عبد الله بن مسعود؛ ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢٣ - ٢٤].
يا ليتني حافظت على الصلوات، يا ليتني وحدتُ ربَّ الأرض والسماوات، يا ليتني عبدت الله جل وعلا، يا ليتني صمت النهار، يا ليتني قمت الليل، يا ليتني ما عصيت الله، يا ليتني ما انشغلت بالشهوات، يا ليتني ما انشغلت بالشبهات، يا ليتني يا ليتني يوم لا ينفع الندم، إنه يوم الحسرة والندامة، يوم لا ينفع التحسر، ولا ينفع الندم.
(وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ) يرون جهنم فيتحسرون ويتألمون وتنخلع القلوب لهول ما رأوا، يرون جهنم يؤتى بها لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، فإذا رأوها لا يبقى ملك ولا يبقى نبي ولا يبقى صِدِّيق إلا خَرَّ على ركبتيه في أرض المحشر؛ لهول ما رأى! ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ [الجاثية:٢٨] فإذا رأوا هذا الهول وهذا المنظر الذي يخلع القلوب والأفئدة، اضطربت الجوارح والأفئدة وفزع الجميع، فإذا انتهى الحساب واستقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، يبدأ هذا الحوار بين أهل الجنة وأهل النار.
وربما سأل سائل، وقال: كيف يسمع أهل الجنة أهل النار، وكيف يسمع أهل النار أهل الجنة؟! نقول: ألم نقل لكم في اللقاء الماضي: إن الله جل وعلا سيبدل كل شيء، وسيحول كل شيء؛ حتى سمع الإنسان يتغير فيسمع أي شيء، ويرى أي شيء: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [مريم:٣٨]، تغير كل شيء فبصرك اليوم حديد.
يبدأ أهل الجنة بهذا الحوار: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٤٤] ينادي أهل الجنة على أهل النار: ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف:٤٤]، جواب قاطع مختصر.
﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤٤].
ويستمر الحوار بين أهل الجنة وأهل النار، وبعد بضع آيات في سورة الأعراف ينتهي هذا الحوار بتلهف واستغاثة واستجداء من أهل النار لأهل الجنة: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف:٥٠] هذه هي الاستغاثة استجداء طلب رجاء يا أهل الجنة يا أهل الجنة! أفيضوا علينا شيئاً من الماء، نريد قليلاً من الماء اشتد بنا العطش في هذه النيران المتأججة! (وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ)، فيأتي الجواب الذي يزيد تحسرهم الذي يزيد تألمهم الذي يزيد فيهم الهم والغم، فيقولون لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف:٥٠]، أي: لقد حرم الله على الكافرين هذا في هذا اليوم، ألم ينزل عليكم القرآن؟! ألم يرسل إليكم الرسل؟! ألم يذكروكم بهذا اليوم؟! ولكنكم تعاليتم على الله جل وعلا، واستكبرتم على رسل الله، واستهزأتم بالعلماء، وأبيتم إلا أن تعاندوا الله جل وعلا، وأن تعاندوا شرع الله ، فقلتم: لا ربا، وقلتم: لا خمر، بل إن الربا هو الفوائد، وإن الخمر هي المشروبات الروحية، وإذا ما أمركم الله جل وعلا استهزأتم بأوامر الله، وإذا ما نهاكم رسول الله سخرتم بنهي رسول الله، وإذا ما ذكركم العلماء قلتم: هؤلاء هم المتنطعون المتطرفون.
أبيتم إلا أن تعرضوا عن منهج الله جل وعلا، و ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠]؟! كذلك لا جزاء لهذا الكفر ولهذا العناد والإعراض إلا ما ترون: ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ [الأعراف:٤٤]، هل وجدتم ما كنتم تكفرون به، وما كنتم تكذبون به، وما كنتم تعارضونه؟ هل وجدتموه اليوم على حقيقته؟! قالوا: نعم فتزداد الحسرة ويزداد التألم.
стр. 1246
حرمان الكافرين من النظر إلى وجه الله الكريم
ومن موجبات الحسرة لهؤلاء أيضاً -والعياذ بالله- حينما تتم السعادة لأهل الجنة بالنظر إلى وجه الله كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ينادي الحق جل وعلا يوم القيامة على أهل الجنة، ويقول لهم: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير كله في يديك.
فيقول الله جل وعلا: هل رضيتم يا أهل الجنة؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى؟ ألم تدخلنا الجنة؟ ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تنجنا من النار؟ فيقول الله جل وعلا: أفلا أعطيكم أفضل من هذا؟).
وفي رواية مسلم: (يقولون: وأي شيء أفضل من هذا؟ فيقول جل وعلا: أن أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبداً).
يا للكرامة!! (أن أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً)، وفي رواية مسلم: (فيكشف الحجاب)؛ لأن الله جل وعلا حجابه النور كما ورد في صحيح مسلم من حديث أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه).
ولكن يوم القيامة يتبدل كل شيء، ويتغير كل شيء، فيكشف الله الحجاب، فيتمتعون بالنظر إلى وجه الله ، وتلا النبي ﷺ قول الله : (﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦])، والحسنى: هي الجنة، والزيادة: هي التمتع بالنظر إلى وجه ربنا جل وعلا.
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ليس نعيم الجنة في لبنها ولا في خمرها ولا في حريرها ولا في ذهبها ولا في حورها ولا في نعيمها! ولكن نعيم الجنة الحقيقي في رؤية وجه الله جل وعلا، هذا هو النعيم الذي ما انشغل به أهل الجنة إلا نسوا كل نعيم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٥].
стр. 1247
حال المجرمين يوم الحسرة
قال الله جل وعلا: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٣٩ - ٤٠].
أحبتي في الله! أعيروني القلوب والأسماع؛ لنعيش مع هذه الآيات والكلمات النيرات الطيبات المباركات.
هذا هو الإنذار العام لجميع الخلائق على ظهر هذه الأرض، من الله جل وعلا لحبيبه المصطفى محمد ﷺ .
(وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ)، والإنذار في اللغة: هو الإعلام المقترن بالتهديد والوعيد.
والحسرة في اللغة: هي أشد الندم والتلهف على الشيء الذي فات ولا يمكن تداركه.
يقول الله جل وعلا: (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ): إنه يوم القيامة يا عباد الله إنه يوم الحسرة والندامة إنه يوم الحاقة إنه يوم القارعة إنه يوم الزلزلة إنه يوم الصيحة إنه يوم الصاخة إنه يوم الطامة الكبرى إنه يوم الآزفة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم:٤٨].
﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤].
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل:١٤].
﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ [النحل:١١١].
﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران:٣٠].
﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ [الأحزاب:٦٦].
﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٦ - ١٠٧].
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٢٧].
﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا * وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٧ - ٤٩].
قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم:٣٩] إنه يوم القيامة إنه يوم الحسرة والندامة: وأنذرهم يا محمد! هذا اليوم الذي تنخلع القلوب من أهواله، أنذر الغافلين، وأنذر المؤمنين، وأنذر الصادقين، وأنذر العصاة، إنذارٌ عام لجميع الخلائق على ظهر هذه الأرض: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ).
стр. 1248
ذبح الموت والإيذان بالخلود
موجبات الحسرة يوم القيامة كثيرة يا عباد الله! فمنها ما رواه الإمام البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ينادى عليهم: يا أهل الجنة! فيشرئبون وينظرون -أي: يرفعون رءوسهم تجاه هذا النداء- ثم ينادى على أهل النار: يا أهل النار! فيشرئبون وينظرون، ثم يؤتى بالموت على هيئة كبش أملح)، والكبش الأملح: هو الذي كثر بياضه، أو هو الأبيض بياضاً كاملاً.
يؤتى بالموت على هيئة كبش أملح في موضع بين الجنة والنار، وينادى على أهل الجنة، وينادى على أهل النار، ويقال لهم: هل تعرفون هذا؟! فيقولون: نعم نعرفه، هذا هو الموت، (فيؤمر بذبحه، فيذبح الموت -وهو في صورة هذا الكبش الأملح في موضع بين الجنة والنار- ثم ينادى على أهل الجنة: يا أهل الجنة! خلود فلا موت، ويا أهل النار! خلود فلا موت).
الله أكبر!! يا أهل الجنة! خلود في النعيم أبد الآبدين، ويا أهل النار! خلود في الجحيم أبد الآبدين إلا ما شاء الله جل وعلا، وإلا من شاء الله له أن يخرج من النار.
يا أولياء الله! يا أصفياء الله! هنيئاً لكم بهذه الكرامة، خلود في هذا النعيم أبد الآبدين، ويا أهل النار! خلود فلا موت إلا من شاء الله جل وعلا له أن يخرج في الوقت الذي يشاء، وبالكيفية التي يشاء جل وعلا.
هذا من موجبات الحسرة يوم القيامة يا عباد الله!
стр. 1249
خطبة إبليس
وتزداد حسرتهم بعد أن تتم السعادة لأهل الجنة بخطبة إبليس اللعين! يوم أن يقف إبليس فيهم خطيباً؛ لتزداد الحسرة ولتتم الحسرة والألم، كما أخبر الله جل وعلا عن ذلك في سورة إبراهيم بقوله: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم:٢٢].
هذه بعض موجبات الحسرة في هذا اليوم.
стр. 1250
أهوال القيامة
مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور إذ كورت شمس النهار وأدنيت حتى على رأس العباد تسير وإذا النجوم تساقطت وتناثرت وتبدلت بعد الضياء كدور وإذا الجبال تقلعت بأصولها فرأيتها مثل السحاب تسير وإذا العِشَارُ تعطلت وتخربت خلت الديار فما بها معمور وإذا الوحوش لدى القيامة أحشرت وتقول للأملاك أين نسير وإذا البحار تفجرت من خوفها فرأيتها مثل الجحيم تفور وإذا الجليل طوى السما بيمينه طَيَّ السجل كتابه المنشور وإذا الصحائف نشرت فتطايرت وتهتكت للعالمين سطور وإذا الجحيم تسعرت نيرانها فلها على أهل الذنوب زفير وإذا الجنان تزخرفت وتطيبت لفتىً على طول البلاء صبور أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ * وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ * وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير:١ - ١٤].
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ * يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ * كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ * إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ * وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار:١ - ١٩].
ويقول : بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:١ - ٨].
مثّل وقوفك يوم العرض عريانا مستوحشاً قلق الأحشاء حيرانا والنار تلهب من غيظ ومن حنق على العصاة ورب العرش غضبانا اقرأ كتابك يا عبدي على مهل فهل ترى فيه حرفاً غير ما كانا لما قرأت ولم تنكر قراءته إقرار من عرف الأشياء عرفاناً نادى الجليل خذوه يا ملائكتي وامضوا بعبد عصى للنار عطشانا المشركون غداً في النار يلتهبوا والمؤمنون بدار الخلد سكانا ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ﴾ [مريم:٣٩]، واستقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم:٣٩] أي: أن أهل الدنيا في غفلة، والكفار منهم لا يؤمنون بهذا اليوم.
وبعدها يأتي الجواب الفصل، وتأتي الحقيقة الكبرى في هذا الوجود، يأتي قول الحق جل وعلا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٤٠].
لنتعرف على معاني هذه الكلمات بعد جلسة الاستراحة، أسأل الله جل وعلا أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يغفر لنا الذنوب، إنه ولي ذلك ومولاه.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1251
لمن الملك اليوم
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي المتقين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إمام الغر المحجلين.
اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أحبتي في الله! هكذا يقول الحق جلا وعلا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٤] هذه هي الحقيقة الكبرى في هذا الوجود.
يا من غرك غناك! يا من غرتك قوتك! يا من غرتك أموالك! يا من غرك جاهك! يا من غرتك وزارتك! يا من غرك جندك! اعلم بأنك موروث اعلم بأنك راحل إلى لله جل وعلا، فمهما طالت دنياك فهي قصيرة ومهما عظمت دنياك فهي حقيرة؛ لأن الليل مهما طال لابد من طلوع الفجر، ولأن العمر مهما طال لابد من دخول القبر، إن الله جل وعلا هو الوارث لكل شيء، وهو والوارث لكل حي: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٤٠].
ويقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦].
ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ [العلق:٨].
ويقول : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ [مريم:٤٠].
إذا أمر الله إسرافيل بنفخة الصعق، مات كل حي على ظهر هذه الأرض، وكل حي في السموات إلا من شاء الله جل وعلا كما قال ربنا: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨]، فإذا ما أفنى الله خلقه وذهب كل شيء، فلا يبقى إلا الله، فهو الأول والآخر، هو الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.
سكون مذهل وخشوع مزلزل، لا حس ولا حركة ولا صوت، ضاع كل شيء، وذهب كل شيء، وأفنى الله كل شيء، وفي وسط هذا السكون وهذا الصمت وهذا الخشوع، ينطلق صوت رهيب جليل مهيب! يسأل صاحب الصوت ويجيب، فما في الوجود يومئذٍ من سائل غيره ولا مجيب، يهتف الحق جل وعلا بصوته ويقول: (أنا الملك، أين ملوك الأرض؟! أين المتجبرون؟! أين المتكبرون؟!).
وفي رواية مسلم: يقول جل وعلا: (لمن الملك اليوم؟ فيجيب سبحانه عن ذاته بقوله: لله الواحد القهار)، أين الملوك؟! أين الظالمون؟! وأين التابعون لهم في الغي؟! بل أين فرعون وهامان؟! أين من دوخوا الدنيا بسطوتهم وذكرهم في الورى ظلم وطغيان هل خلد الموت ذا عز لعزته أو هل نجا منه بالسلطان إنسان لا والذي خلق الأكوان من عدم الكل يفنى فلا إنس ولا جان وقال الآخر: يا نفس قد أزف الرحيل وأظلك الخطب الجليل فتأهبي يا نفس لا يلعب بك الأمل الطويل فلتنزلن بمنزل ينسى الخليل به الخليل وليركبن عليك فيه من الثرى ثقل ثقيل قرن الفناء بنا فما يبقى العزيز ولا الذليل ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٤٠].
فيا من غرتك أموالك! يا من غرتك الدولارات والريالات! اعلم بأنك راحل إلى رب الأرض والسماوات، اعلم بأنك موقوف بين يدي الله جل وعلا.
تقاسم الأهل مالي بعدما انصرفوا وصار وزري على ظهري فأثقلني وبعد كل ذلك فإن الجميع موروث إلى الله جل وعلا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٤٠].
اعلم بأنك راحل إلى الله وموقوف بين يدي الله، ستعرض على محكمة قاضيها الله، لتقرأ كتابك الذي سطر عليك كل شيء، في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى! فيا أيها المسكين! أيها الغافل! أيها اللاهي الساهي! إلى متى إلى متى؟ عد إلى الله ارجع إلى الله جل وعلا إن العمر قليل، وإن الأنفاس محسوبة، وإن الأيام معدودة.
دع عنك ما قد فات في زمن الصبا واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب لم ينسه الملكان حين نسيته بل أثبتاه وأنت لاه تلعب والروح منك وديعة أودعتها ستردها بالرغم منك وتسلب وغرور دنياك التي تسعى لها دار حقيقتها متاع يذهب الليل فاعلم والنهار كلاهما أنفاسنا فيها تعد وتحسب ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٤٠].
أسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى أن يجعلني وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله، وأولئك هم أولو الألباب.
اللهم اقبل منا الصيام والقيام اللهم اقبل منا الصيام والقيام اللهم لا تجعلنا ممن صام وقام ولم يرضك يا أرحم الراحمين! اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم لا تدع اللهم لأحد منا في هذا الجمع الطيب ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين! اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل اللهم فينا ولا منا ولا بيننا شقياً ولا محروماً، اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى.
اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأعل بفضلك كلمتي الحق والدين.
اللهم قيض لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، أنت ولي ذلك ومولاه، ووفق اللهم ولاة الأمور للعمل بكتابك، والاقتداء بسنة نبيك ﷺ ، أنت ولي ذلك والقادر عليه.
هذا وأكثروا من الصلاة والسلام على نبينا وحبيبنا محمد، فإن الله جل وعلا وملائكته يصلون عليه، وقد أمركم بالصلاة عليه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
هذا وما كان من توفيق فمن الله جل وعلا، وما كان من خطأ أو زلل أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويقذف به في جهنم، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
стр. 1252
يوم الحساب
من تمام حكمة الله أن جعل يوماً للحساب الأعظم، يحاسب فيه خلقه على ما فعلوه في دار الابتلاء، وقد بين سبحانه في كتابه أهوال يوم الحساب وشدائده، وأوضح كيف سيكون ذلك الحساب، وعلام يحاسب المرء؟ فعلى العبد أن يستعد لذلك اليوم، وأن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب، وأن يقتدي بسلفه الصالح الذين كانوا يحاسبون أنفسهم محاسبة الشريك الشحيح لشريكه.
стр. 1253
لا ظلم اليوم
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح للأمة فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء، وطبتم جميعاً وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلا، وأسأل الله الكريم الحليم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله: في رحاب الدار الآخرة، سلسلة علمية هامة تجمع بين المنهجية والرقائق، وبين التأصيل العلمي والأسلوب الوعظي، الهدف منها تذكير الناس بالآخرة في عصر طغت فيه الماديات والشهوات، وانصرف كثير من الناس عن طاعة رب الأرض والسماوات؛ ليتوبوا إلى الله جل وعلا، ويتداركوا ما قد فات قبل أن تأتيهم الساعة بغتة وهم يخصمون، فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون، وهذا هو لقاؤنا الثالث عشر من لقاءات هذه السلسلة العلمية الكريمة، وكنا قد توقفنا في اللقاء الماضي مع هذا المشهد المهيب الكريم، حينما يأتي الحق ﷻ إلى أرض المحشر إتياناً يليق بكماله وجلاله، مصداقاً لقوله سبحانه: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [البقرة:٢١٠].
يضع الحق ﷻ كرسيه حيث شاء من أرضه، ثم يقول سبحانه: (يا معشر الجن والإنس إني قد أنصت لكم منذ خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع قولكم وأبصر أعمالكم فأنصتوا اليوم إلي، فإنما هي أعمالكم وصحفكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)، وهنا يبدأ الحساب للعباد، وهذا هو موضوعنا اليوم مع حضراتكم بإذن الله جل وعلا، وكما تعودنا فسوف ينتظم حديثنا مع هذا المشهد الرهيب المهيب في العناصر التالية: أولاً: لا ظلم اليوم.
ثانياً: العرض على الله وأخذ الكتب.
ثالثاً: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا.
فأعيروني القلوب والأسماع.
والله أسال أن يسترنا فوق الأرض وتحت الأرض، ويوم العرض إنه حليم كريم رحيم! أولاً: لا ظلم اليوم: أيها الأحباب الكرام: والله لو عذب الله أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، فهم عبيده في ملكه، والمالك يتصرف في ملكه كيف يشاء، ولكنه جل وتعالى قد حرم الظلم على نفسه وجعله بين العباد محرماً.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء:٤٠] وقال جل وعلا: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] وقال الله جل وعلا: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ [آل عمران:١٠٨] وقال أيضاً في الحديث القدسي الذي رواه مسلم من حديث أبي ذر عن النبي ﷺ عن رب العزة: (يا عبادي! إني حَرَّمْتُ الظلمَ على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا).
стр. 1254
قواعد الحساب يوم القيامة
إن الله جل وعلا عدل، لطيف، حليم، كريم لا يظلم أحداً من خلقه، ولا يظلم أحداً من عباده، ولذا فإن الله جل وعلا يحاسب العباد يوم القيامة وفقاً للقواعد التالية:
стр. 1255
تبديل السيئات حسنات
القاعدة السادسة: تبديل السيئات حسنات، وذلك لعباد الرحمن من المؤمنين والموحدين، قال تعالى في صفات عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠].
وفي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم من حديث أبي ذر ﵁ أنه قال: حدثنا الصادق المصدوق فقال: (إني لأعلم آخر أهل الجنة، دخولاً الجنة وآخر أهل النار دخولاً إلى النار، رجل يؤتى به يوم القيامة فيقول الحق ﷻ لملائكته: اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها، فتعرض عليه صغار ذنوبه فيشفق، ويقال له: لقد عملت كذا يوم كذا وكذا، فيقول: نعم.
يقول المصطفى: لا يستطيع أن ينكر وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه).
وفي هذه الحالة الرهيبة من الرعب والفزع يقال له: (إن لك مكان كل سيئة حسنة)، والحديث في صحيح مسلم.
يقول الله: ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ * قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق:٢٦ - ٢٩].
стр. 1256
مضاعفة الحسنات
أما القاعدة الخامسة والسادسة فلأهل التوحيد والإيمان، أسأل الله أن يختم لنا ولكم به.
القاعدة الخامسة: مضاعفة الحسنات لأهل الإيمان: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١]، فالله يضاعف الحسنة إلى عشر أمثالها.
قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام:١٦٠] ويقول المصطفى ﷺ كما في الحديث الذي رواه أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه وحسن الحديث شيخنا الألباني من حديث أبي ذر الغفاري أن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: الحسنة بعشر أمثالها أو أزيد، والسيئة واحدة أو أغفرها).
وفي الحديث الذي رواه الترمذي وصححه الشيخ الألباني من حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، أما إني لا أقول: (ألم) حرف، ولكن (ألف) حرف، (ولام) حرف، (وميم) حرف) بل قد يضاعف الله الحسنة إلى سبعمائة ضعف: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦١] بل قد يضاعف الله الحسنة إلى أكثر من سبعمائة ضعف، وهناك من الأعمال ما لا يعلم ثوابها إلا الله.
قال تعالى في الحديث القدسي المخرج في الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به).
ولك أن تتصور الجزاء من الواسع الكريم ﷻ .
وأما الصبر فقال الله فيه: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠].
стр. 1257
إقامة الشهود
القاعدة الرابعة: إقامة الشهود على العباد، وأعظم شهيد على العباد يوم القيامة هو الملك الذي يعلم السر وأخفى، وعلم ما كان وما هو كائن، وما سيكون، فالله جل وعلا هو أعظم شهيد علينا يوم القيامة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [النساء:٣٣] ثم تأتى الرسل فيشهد كل رسول على أمته، وتأتى أمة الحبيب لتشهد على جميع الأمم.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣] وقال تعالى مخاطباً حبيبه المصطفى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١] وفي صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري أن الحبيب النبي ﷺ قال: (يُدْعَى نوح يوم القيامة فيقال له: يا نوح، فيقول: لبيك وسعديك.
فيقول الله: هل بَلَّغْتَ قومك؟ فيقول نوح: نعم يا رب! فيقول الله جل وعلا لقوم نوح: هل بَلَّغَكُم نوح؟:فيقولون: لا، ما أتانا من أحد، فيقول الله جل وعلا: من يَشْهَد لك يا نوح؟ فيقول نوح: يشهد لي محمد وأمته، يقول المصطفى: فتدعون فتشهدون له، ثم أشهد عليكم فذلكم قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]) ثم تشهد الملائكة، قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق:٢١] ثم تشهد الأرض بما عملت على ظهرها من طاعات وسيئات، ففي الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي من حديث أبي هريرة أنه ﷺ : قرأ يوماً قول الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة:٤].
فقال: (أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أخبارها: أن تشهد الأرض على كل عبد أو أَمَةٍ بما عمل على ظَهْرِهَا، فتقول: يا رب! لقد عمل كذا وكذا في يوم كذا وكذا)، فهذه أخبارها، فيجادل العبد اللئيم ربه الكريم ويقول: يا رب! أنا أرفض هذه الشهادة، وأرفض هؤلاء الشهود.
يا سبحان الله! يظن أنه في محكمة من محاكم الدنيا! يقول العبد اللئيم لربه الرحيم الكريم: أنا أرفض هذه الشهادة ولا أعترف بشهادة هؤلاء الشهود! كما في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم من حديث أنس (أنه ﷺ ضحك -بأبي هو وأمي-، ثم قال لأصحابه: لم لا تسألوني مم أضحك؟ فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ فقال المصطفى: أضحك من مجادلة العبد لربه يوم القيامة، يقول العبد لربه: يا رب! ألم تجرني من الظلم؟! فيقول الله: بلى، قد أجرتك من الظلم.
فيقول العبد: فإني لا أجيز شاهداً علي إلا من نفسي، فيقول الله سبحانه: كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا، فيختم الله على فيه -على فمه، وعلى لسانه، الذي تعود الجدال والكذب واللؤم والنفاق- ويأمر الله أركانه وجوارحه أن تنطق، فتشهد عليه جوارحه وأركانه، فإذا خلي بينه وبين الكلام، سب ولعن أركانه وقال لها: سحقاً لكن سحقاً لكن فعنكن كنت أناضل!).
﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥]، وقال جل وعلا: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت:١٩ - ٢٤].
стр. 1258
لا تزر وازرة وزر أخرى
القاعدة الثانية: أن لا تَزِرُ وازرة وِزْرَ أخرى، بل إن كل نفس تؤاخذ بإثمها وتعاقب بجرمها: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا * مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٣ - ١٥].
وقال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وفي * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى﴾ [النجم:٣٦ - ٤١].
فلا تتحمل نفس ذنب نفس أخرى، بل سيمر الولد يوم القيامة على والده، فيقول له والده: أي بني! أنا أبوك أعطني حسنةً من حسناتك فلقد كنت لك نِعْمَ الأب، فيقول الابن لأبيه: نفسي! ويقول الابن لأمه: نفسي.
كيف لا؟!! وقد قال كل نبي من الأنبياء في هذا اليوم العصيب: نفسي، نفسي، نفسي إلا المصطفى ﵌.
стр. 1259
إعذار الله لخلقه
القاعدة الثالثة: إعذار الله لخلقه.
من قواعد العدل التي سيحاسب الله بها عباده يوم القيامة: إعذار الله لخلقه، فالله جل وعلا هو الحكم العدل، هو اللطيف العليم الخبير، وهو الذي يعلم ما علم العباد من يوم أن خلقهم إلى يوم أن قبضهم، ومع ذلك فمن عظيم عدله وعظيم فضله أنه يعرض أعمال العباد عليهم يوم القيامة، حتى لا يكون لأحد عذر بين يديه جل وعلا.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:٣٠] وقال سبحانه: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير:١٤] وقال جل وتعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار:٥] فالله يقيم الحجة على خلقه في الدنيا، بل ويبين لهم ويعرض عليهم أعمالهم في الآخرة، حتى لا يكون لأحد عذر بين يديه !
стр. 1260
العدل التام
القاعدة الأولى: العدل التام الذي لا يشوبه أي ظلم.
قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] كفى بالله حسيباً.
اعلم أنك لن تعرض على محكمة كمحاكم الدنيا، ففي محاكم الدنيا قد يجيد المحامون التزويرَ والتحريفَ، أو قد يجيد المحامون إقامة الحجة للخصم وربما يخرج الخصم وهو مدان، ولكن اعلم بأن الذي سيتولى حسابك من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
وقال جل وعلا: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا * وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٧ - ٤٩] قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨] ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٧] فالمقصود أن عمل ابن آدم كله محفوظ ومسطور في كتاب عند الله جل وعلا، لا يضل ربي ولا ينسى.
واعلم بأن ما نسيه الإنسان لا ينساه الرحمان.
دع عنك ما قد كان في زمن الصبا واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب لم ينسه الملكان حين نسيته بل أثبتاه وأنت لاهٍ تلعب والروح منك وديعة أودعتها ستردها بالرغم منك وتسلب وغرور دنياك التي تسعى لها دار حقيقتها متاع يذهب الليل فاعلم والنهار كلاهما أنفاسنا فيها تعد وتحسب فما نسيه الإنسان لا ينساه الرحمن.
إذاً: القاعدة الأولى هي العدل، قال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء:٤٠].
стр. 1261
العرض على الله وأخذ الكتب
في الصحيحين من حديث عائشة أنه ﷺ قال: (من نوقش الحساب يوم القيامة عُذِّبْ، قالت عائشة: يا رسول الله أو ليس الله يقول: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٧ - ٨]، فقال المصطفى: إنما ذلك العرض، وليس ذلك هو الحساب يا عائشة، فمن نوقش الحساب يوم القيامة عذب).
سينادى عليك ليكلمك الله كما في الصحيحين من حديث عدي بن حاتم أنه ﷺ قال: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه يوم القيامة ليس بينه وبينه تُرجُمَان، فينظر العبد أيمن منه فلا يرى إلا ما قَدَّمَ، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة).
تنادي الملائكة: أين فلان بن فلان؟!! فإذا تَيَقّنْتَ أنك أنت المطلوب، قرع النداء قلبك، فاصفر لونك، وتغير وجهك، وطار قلبك، وقد وُكّلَت الملائكة بأخذك أمام الخلق أجمعين، وعلى رءوس الأشهاد، ويرفع الخلائق جميعاً أبصارهم إليك وأنت في طريقك للوقوف بين يدي الملك، تتخطى الصفوف.
أسألك بالله أن تتصور هذا المشهد الذي يكاد يخلع القلوب.
تتخطى الصفوف صفوف الملائكة صفوف الجن صفوف الإنس، في أرض المحشر لترى نفسك واقفاً بين يدي الحق ﷻ ليكلمك الله لتعطى صحيفتك!! هذه الصحيفة التي لا تغادر بلية كتمتها ولا مخبأة أسررتها، فكم من معصية قد كنت نسيتها ذكرك الله إياها؟! وكم من مصيبة قد كنت أخفيتها أظهرها الله لك وأبداها!! فيا حسرة قلبك وقتها على ما فرطت في دنياك من طاعة مولاك، فإن كان العبد من أهل السعادة وممن ﵃ في الدنيا والآخرة، أعطاه الله كتابه بيمينه وأظهر له في ظاهر الكتاب الحسنات، وفي باطنه السيئات فيؤمر العبد أن يبدأ فيقرأ السيئات فيصفر لونه! ويتغير وجهه! فإذا ما أنهى قراءة السيئات وجد في آخر الكتاب، هذه سيئاتك قد غفرتها لك، فيتهلل وجهه ويسعد سعادة لا يشقى ولن يشقى بعدها أبداً! ويواصل القراءة حتى إذا ما وصل إلى آخر الكتاب قرأ الحسنات فازداد وجهه إشراقاً وازداد فرحاً وسروراً، وقال له الملك ﷻ : انطلق إلى أصحابك وإخوانك -أي: من أهل التوحيد والإيمان- فبشرهم أن لهم مثل ما رأيت فينطلق وكتابه بيمينه والنور يشرق من وجهه وأعضائه يقول لأصحابه وخلاَّنه: ألا تعرفونني؟! فيقولون: من أنت لقد غمرتك كرامة الله؟!! فيقول: أنا فلان بن فلان، انظروا هذا كتابي بيميني! اقرءوا كتابيه! اقرءوا هذا الكتاب معي! شاركوني السعادة والفرحة! انظروا! هذا توحيدي، وهذه صلاتي، وهذه زكاتي، وهذا حجي، وهذا برى بوالدي، وهذه صدقتي، وهذا إحساني للجيران، وهذا ولائي وبرائي، وهذا بغضي لأعداء الله، وهذه دعوتي، وهذا أمري بالمعروف، وهذا نهي عن المنكر، وهذا بعدي عن الغيبة والنميمة، وهذا بعدي عن ظلم العباد.
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٤].
فإن كانت الأخرى -أعاذني الله وإياكم من الأخرى- وكان العبد من أهل الشقاوة وممن غضب الله عليهم في الدنيا والآخرة، ينادى عليه: أين فلان ابن فلان -وسبحان من لا تختلف عليه الأصوات، ولا تشتبه عليه اللغات، ولا تشتبه عليه الأسماء والصفات- أين فلان ابن فلان؟ فيتيقن العبد أنه اسمه ماذا تريدون يا ملائكة الله؟ فيقولون: هلم إلى العرض على الله جل وعلا، فيتخطى الصفوف ليرى نفسه بين يدي الله فيعطى كتابه بشماله، أو من وراء ظهره، فيقرأ فيسود وجهه، ثم يكسى سرابيل القطران، ويقال له: انطلق إلى منهم على شاكلتك فبشرهم أن لهم مثل ما رأيت، فينطلق في أرض المحشر وقد اسود وجهه وعلاه الخزي، والذل والعار، وكتابه بشماله، أو من وراء ظهره! فينطلق فيقول لخلانه ومن هم على شاكلته: ألا تعرفونني؟! فيقولون: لا إلا أننا نرى ما بك من الخزي والذل فمن أنت؟! فيقول: أنا فلان وهذا كتابي بشمالي ولكل واحد منكم مثل هذا، ويصرخ في أرض المحشر! فلقد شقى شقاوة لا يسعد بعدها أبداً، يصرخ بأعلى صوته ويقول: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٣٧].
ولله در القائل: مثل وقوفك يوم العرض عريانا مستوحشاً قلق الأحشاء حيرانَا والنار تلهب من غيظٍ ومن حنقٍ على العصاة ورب العرش غضبانا اقرأ كتابك ياعبدُ على مَهَل فهل ترى فيه حرفاً غير ما كانا لما قرأتَ ولم تنكر قراءتهُ أقررت إقرار من عرف الأشياء عرفانا نادى الجليل: خذُوهُ يا ملائكتي وامضوا بعبدٍ عصى للنار عطشانا المشركون غداً في النار يَلتَهبُوا والمؤمنون بدار الخلد سكانا وأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 1262
حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، اللهم صلَّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام: هذه صورة مصغرة على قدر جهلي أقدمها لحضراتكم عن الحساب، ولك -أخي- أن تعيش بقلبك وكيانك كله هذا المشهد الذي يكاد أن يخلع القلوب، هذا إن كنا ممن يحمل في الصدور القلوب، فإنه لا يتأثر بموعظة ولا يستجيب لآية أو حديث إلا من كان له قلب.
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧].
وكم من الناس الآن من يتحرك في هذه الدنيا وهو لا يحمل قلباً، فقد مات قلبه منذ زمن، وكفن منذ أمد، يسمع القرآن يتلى ولا حياة لمن تنادي، يسمع أحاديث الرسول ﷺ فربما يسخر ويهزأ بمذكره.
فيا أيها الأخ الكريم: حاسب نفسك الآن قبل أن تحاسب بين يدي الجبار.
قال عمر -والأثر رواه أحمد والترمذي بسند صحيح-: (أيها الناس! حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر يوم لا تخفى منكم خافية، فإنما يخفف الحساب يوم القيامة عمن حاسب نفسه في الدنيا).
стр. 1263
أقسام النفس
أخي الحبيب! حاسب نفسك الآن، واعلم بأن النفس أمارة بالسوء، ولقد وصف الله النفس في القرآن بثلاث صفات ألا وهي: المطمئنة، واللوامة، والأمارة بالسوء.
فالمطمئنة: هي التي اطمأنت إلى الرضا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبالمصطفى رسولاً.
المطمئنة: هي التي اطمأنت إلى وعد الله ووعيده.
المطمئنة: هي التي اطمأنت إلى ذكر الله وعبوديته، وتشتاق دوماً للقاء الله سبحانه.
واللوامة: هي التي تلوم صاحبها على الخير وعلى الشر، تلوم صاحبها على الخير لماذا لم تكثر منه، وتلوم صاحبها على الشر لماذا وقعت فيه؟ ولماذا تسوف التوبة؟ ولماذا تتخلف عن الصلاة في بيوت الله؟ إلى متى وأنت على هذا الضلال؟ فاللوامة تلوم صاحبها على الخير والشر.
أما النفس الأمارة: فهي التي تريد أن تخرجك من طريق الهداية إلى طريق الغواية من طريق النعيم إلى طريق الجحيم، ومن طريق السنة إلى طريق البدعة ومن طريق الحلال إلى طريق الحرام، قال تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف:٥٣].
فهذه النفس إن لم تشغلها بطاعة الله شغلتك بالمعصية، وإن لم تلجمها بلجام التقوى شغلتك بالباطل، فالنفس كالطفل فإن فطمت الطفل عن ثدي أمه انفطم، وكذلك النفس إن فطمتها عن معصية الله وألجمتها بلجام الطاعة والتقوى انقادت، فإن زلت نفسك لبشريتك ولضعفك فلست ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً فسرعان ما يدفع إيمانك وعلمك بنفسك الأمارة إلى التوبة والأوبة والعودة إلى الله جل وعلا، وأنت على كل حال من الأحوال على طريق طاعة الكبير المتعال، وسيد الرجال ﷺ .
أيها الحبيب! النفس أمارة، فحاسب نفسك الآن قبل كل عمل وبعد كل عمل: لماذا أتيت؟ لماذا سأتكلم؟ لماذا أسكت؟ لماذا أنفقت؟ لماذا أمسكت؟ لماذا أحببت؟ لماذا أبغضت؟ لماذا خرجت؟ لماذا دخلت؟ وبعد العمل: هل كان العمل موافقاً لهدي المصطفى؟ هل اتبعت رسول الله أم أنا ضال مبتدع؟ فالسؤال الأول عن الإخلاص، والسؤال الثاني عن المتابعة؛ إذ لا يقبل الله أي عمل إلا بهذين الشرطين، لا يقبل الله العمل إلا إذا كان خالصاً لوجهه، على هدي الحبيب محمد ﵌.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية طيَّب الله ثراه: إن دين الله -الذي هو الإسلام- مبني على أصلين: الأول: أن تعبد الله وحده لا شريك له، والأصل الثاني: أن يعبد بما شرعه على لسان رسوله، وهذان الأصلان الكبيران هما حقيقة قولنا: نشهد أن لا إله إلا الله، ونشهد أن محمداً رسول الله.
فحاسب نفسك قبل كل عمل وبعد كل عمل، وحاسب نفسك على التقصير: يا نفس إلى متى تعصين وعلى الله تجترئين؟ يا نفس إلى متى هذا الانحراف عن طريق الله جل وعلا؟ إلى متى تأكلين الربا؟ إلى متى تأكلين الحرام؟ إلى متى تأكلين مال اليتامى؟ إلى متى تتركين الجماعة؟ إلى متى تجلسين على المقاهي والشوارع والطرقات وتسمعين نداء رب الأرض والسماوات: (حي على الصلاة حي على الفلاح) وأنت قابعة على معصيتك؟! إن كنت تعتقدين أن الله لا يراك فما أعظم كفرك بالله! وإن كنت تعلمين أنه يراك وأنت لا زلت مصرة على المعصية فما أشد وقاحتك وقلة حيائك من الله جل وعلا! يا نفس ويحك! ألا تعرفين قدر نعمة الإسلام؟! يا نفس ويحك! ألا تعرفين قدر نعمة بعثة سيد الأنام؟! يا نفس! اتق الله وتوبي إلى الله وعودي إليه.
стр. 1264
أحوال السلف وأقوالهم في محاسبة النفس
أيها المسلم! حاسب نفسك محاسبة الشريك الشحيح لشريكه.
قال ميمون بن مهران: (لا يبلغ العبد درجة التقى إلا إذا حاسب نفسه محاسبة الشريك الشحيح لشريكه).
إياك إياك أن تغتر بطاعة، إياك إياك أن تغتر بعلم، كن دائماً على وَجَل فإن العبرة بالخواتيم، أسأل الله أن يحسن لنا الخاتمة.
هذه الصديقة بنت الصديق عائشة الطاهرة المبرأة من السماء، يسألها أحد المسلمين عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر:٣٢] ما معناها يا أماه؟ فقالت عائشة: يا بني! أما السابق بالخيرات: فقوم سبقوا مع رسول الله وشهد لهم بالجنة، وأما المقتصد فقوم ساروا على دربه وماتوا على ذلك، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلك.
عائشة لا تغتر بنسبها، لا تقول إنني زوج النبي، بل والله لقد بشرها المصطفى بالجنة ومع ذلك لا تغتر، تعرف قدر النفس وخطر النفس ولؤمها.
وهذا فاروق الأمة عمر وما أدراكم ما عمر؟! تعجز العبارات عن وصف عمر.
ينام الفاروق عمر على فراش الموت بعدما طعن، فيدخل عليه ابن عباس فيثني عليه بالخير، فيقول عمر: والله إن المغرور من غررتموه، وددت أن أخرج اليوم من الدنيا كفافاً لا لي ولا علي، والله لو أن لي ملأ الأرض ذهباً لافتديت به اليوم من عذاب الله قبل أن أراه.
وهذا هو معاذ بن جبل حبيب المصطفى الذي قال له رسول الله ﷺ : والله إني لأحبك يا معاذ، لما نام على فراش الموت بعدما أصيب بطاعون الشام، قال لأصحابه: انظروا هل أصبح الصباح؟ هل أصبح الصباح؟ هل أصبح الصباح؟ ثم بكى معاذ وقال: أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار.
وهذا سفيان الثوري إمام الورع والحديث، ينام على فراش الموت فيدخل عليه حماد بن سلمة فيقول له حماد: أبشر يا أبا عبد الله، إنك مُقْبِلُُ على من كنت ترجوه، وهو أرحم الراحمين، فبكى سفيان وقال: أسألك بالله يا حماد أتظن أن مثلي ينجو من النار؟! ونحن جميعاً يقول كل واحد منا: أتظن أن مثلي لا يدخل الجنة! فيا أيها المسلم: لا تغتر بطاعة، ولا تغتر بعلم، ولا تغتر بعمل، وكن دائماً على وجلٍ كما كان رسول الله وهو الذي غفر له ما تقدم من ذنبه، فحاسب نفسك بعد كل عمل، وحاسب نفسك بعد كل معصية، وحاسب نفسك على كل تقصير، وحاسب نفسك على كل تفريط.
إلى متى تسمع عن الله، وإلى متى تسمع عن رسول الله وأنت مفرط مضيع؟ عباد الله! إن الموت يأتي بغتة، وإن أقرب غائب ننتظره هو الموت قال سليمان بن عبد الملك لـ أبي حازم: يا أبا حازم مالنا نحب الدنيا ونكره الآخرة؟ فقال أبو حازم: لأنكم عَمَّرتُم دنياكم وَخَرَّبتُم أُخراكم، فأنتم تكرهون أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب.
فقال سليمان: فما لنا عند الله يا أبا حازم؟ قال أبو حازم: اعرض نفسك على كتاب الله لتعلم مالك عند الله.
فقال سليمان: وأين أجد ذلك في كتاب الله؟ قال أبو حازم: عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار:١٣ - ١٤].
فقال سليمان: فأين رحمة الله؟ فقال أبو حازم: (إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦].
قال سليمان: فكيف القدوم على الله غداً؟ قال أبو حازم: أما العبد المحسن فكالغائب يرجع إلى أهله، وأما المسيء فكالعبد الآبق يرجع إلى مولاه.
أسأل الله أن يستر علي وعليكم في الدنيا والآخرة! اللهم لا تجعل لأحد منا في هذا الجمع الكريم ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا زدته وثبته، ولا حاجة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يارب العالمين! اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوما، ولا تجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروما! اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى! اللهم استرنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض! اللهم أكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا، وإن أردت بالناس فتنة فاقبضنا إليك غير خزايا ولا مفتونين ولا مفرطين ولا مضيعين، ولا مغيرين ولا مبدلين برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أقر أعيننا بتحرير الأقصى المبارك، اللهم ائذن بتحرير الأقصى المبارك، اللهم ائذن بتحرير الأقصى المبارك، اللهم عليك باليهود، وأعوان اليهود، وأتباع اليهود، وعملاء اليهود، اللهم حرق قلوبهم، واملأ بيوتهم ناراً، اللهم حرق قلوبهم واملأ بيوتهم ناراً! اللهم كما سخر اليهود من رسولك فانتقم لرسولك يا رب العالمين، اللهم انتقم لرسولك يا رب العالمين، اللهم انتقم لرسولك بعد خذلان المنافقين، اللهم انتقم لرسولك بعد خذلان المجرمين، اللهم انتقم لرسولك بعد خذلان الخائنين! اللهم بلغ عنا رسولك عذرنا وضعفنا، اللهم بلغ عنا رسولك عذرنا وضعفنا، اللهم بلغ عنا رسولك عذرنا وضعفنا! اللهم ارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وانتقم من المجرمين المنافقين الذين ضيعوا مكانة سيد النبيين برحمتك وقدرتك يا رب العالمين! اللهم عليك باليهود، اللهم عليك باليهود، اللهم عليك باليهود، اللهم عليك باليهود، اللهم عليك باليهود وأتباع اليهود، وعملاء اليهود، يا عزيز يا حميد! اللهم انصرنا فلقد قل الناصر، اللهم أعنا فلقد قل المعين، اللهم أعنا فلقد قل المعين، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، لا إله لنا سواك فندعوه، ولا رب لنا غيرك فنرجوه، يا منقذ الغرقى، ويا منجي الهلكى، ويا سامع كل نجوى، يا عظيم الإحسان، يا دائم المعروف، يا ودود يا ودود يا ذا العرش المجيد، يا فعال لما يريد، يا من ملأ نوره أركان عرشه، يا غياث المستغيثين، يا كاشف الهم عن المهمومين، اللهم اكشف همنا، وفرج كربنا، واكشف الهم عن أمة حبيبك، وفرج الهم عن أمة حبيبك، وقيض للأمة القائد الرباني، وأبرم للأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، أنت ولي ذلك والقادر عليه! اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين! اللهم اجعل مصر واحة للأمن والأمان وجميع بلاد المسلمين، اللهم ارفع عن مصر الغلاء والوباء والبلاء وجميع بلاد المسلمين، اللهم اقبلنا وتقبل منا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، اللهم لا تجعل حظي من ديني قولي، وأحسن نيتي وعملي.
هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويلقى به في جهنم، ثم أعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1265
أدب الخلاف
الخلاف ضرورة وطبيعة بشرية، وهو أنواع: فمنه ما هو مذموم، ومنه ما هو جائز، وللخلاف بأنواعه أسباب بيّنها أهل العلم، كما بينوا أدب الخلاف، وينبغي على المسلمين -لاسيما طلبة العلم- معرفة هذه الآداب، والتأدب بها، وفي ذلك خير عظيم للفرد والمجتمع.
следующие страницы →