Полный текст (1 901 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
العرض على الله وأخذ الكتب
في الصحيحين من حديث عائشة أنه ﷺ قال: (من نوقش الحساب يوم القيامة عُذِّبْ، قالت عائشة: يا رسول الله أو ليس الله يقول: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٧ - ٨]، فقال المصطفى: إنما ذلك العرض، وليس ذلك هو الحساب يا عائشة، فمن نوقش الحساب يوم القيامة عذب).
سينادى عليك ليكلمك الله كما في الصحيحين من حديث عدي بن حاتم أنه ﷺ قال: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه يوم القيامة ليس بينه وبينه تُرجُمَان، فينظر العبد أيمن منه فلا يرى إلا ما قَدَّمَ، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة).
تنادي الملائكة: أين فلان بن فلان؟!! فإذا تَيَقّنْتَ أنك أنت المطلوب، قرع النداء قلبك، فاصفر لونك، وتغير وجهك، وطار قلبك، وقد وُكّلَت الملائكة بأخذك أمام الخلق أجمعين، وعلى رءوس الأشهاد، ويرفع الخلائق جميعاً أبصارهم إليك وأنت في طريقك للوقوف بين يدي الملك، تتخطى الصفوف.
أسألك بالله أن تتصور هذا المشهد الذي يكاد يخلع القلوب.
تتخطى الصفوف صفوف الملائكة صفوف الجن صفوف الإنس، في أرض المحشر لترى نفسك واقفاً بين يدي الحق ﷻ ليكلمك الله لتعطى صحيفتك!! هذه الصحيفة التي لا تغادر بلية كتمتها ولا مخبأة أسررتها، فكم من معصية قد كنت نسيتها ذكرك الله إياها؟! وكم من مصيبة قد كنت أخفيتها أظهرها الله لك وأبداها!! فيا حسرة قلبك وقتها على ما فرطت في دنياك من طاعة مولاك، فإن كان العبد من أهل السعادة وممن ﵃ في الدنيا والآخرة، أعطاه الله كتابه بيمينه وأظهر له في ظاهر الكتاب الحسنات، وفي باطنه السيئات فيؤمر العبد أن يبدأ فيقرأ السيئات فيصفر لونه! ويتغير وجهه! فإذا ما أنهى قراءة السيئات وجد في آخر الكتاب، هذه سيئاتك قد غفرتها لك، فيتهلل وجهه ويسعد سعادة لا يشقى ولن يشقى بعدها أبداً! ويواصل القراءة حتى إذا ما وصل إلى آخر الكتاب قرأ الحسنات فازداد وجهه إشراقاً وازداد فرحاً وسروراً، وقال له الملك ﷻ : انطلق إلى أصحابك وإخوانك -أي: من أهل التوحيد والإيمان- فبشرهم أن لهم مثل ما رأيت فينطلق وكتابه بيمينه والنور يشرق من وجهه وأعضائه يقول لأصحابه وخلاَّنه: ألا تعرفونني؟! فيقولون: من أنت لقد غمرتك كرامة الله؟!! فيقول: أنا فلان بن فلان، انظروا هذا كتابي بيميني! اقرءوا كتابيه! اقرءوا هذا الكتاب معي! شاركوني السعادة والفرحة! انظروا! هذا توحيدي، وهذه صلاتي، وهذه زكاتي، وهذا حجي، وهذا برى بوالدي، وهذه صدقتي، وهذا إحساني للجيران، وهذا ولائي وبرائي، وهذا بغضي لأعداء الله، وهذه دعوتي، وهذا أمري بالمعروف، وهذا نهي عن المنكر، وهذا بعدي عن الغيبة والنميمة، وهذا بعدي عن ظلم العباد.
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٤].
فإن كانت الأخرى -أعاذني الله وإياكم من الأخرى- وكان العبد من أهل الشقاوة وممن غضب الله عليهم في الدنيا والآخرة، ينادى عليه: أين فلان ابن فلان -وسبحان من لا تختلف عليه الأصوات، ولا تشتبه عليه اللغات، ولا تشتبه عليه الأسماء والصفات- أين فلان ابن فلان؟ فيتيقن العبد أنه اسمه ماذا تريدون يا ملائكة الله؟ فيقولون: هلم إلى العرض على الله جل وعلا، فيتخطى الصفوف ليرى نفسه بين يدي الله فيعطى كتابه بشماله، أو من وراء ظهره، فيقرأ فيسود وجهه، ثم يكسى سرابيل القطران، ويقال له: انطلق إلى منهم على شاكلتك فبشرهم أن لهم مثل ما رأيت، فينطلق في أرض المحشر وقد اسود وجهه وعلاه الخزي، والذل والعار، وكتابه بشماله، أو من وراء ظهره! فينطلق فيقول لخلانه ومن هم على شاكلته: ألا تعرفونني؟! فيقولون: لا إلا أننا نرى ما بك من الخزي والذل فمن أنت؟! فيقول: أنا فلان وهذا كتابي بشمالي ولكل واحد منكم مثل هذا، ويصرخ في أرض المحشر! فلقد شقى شقاوة لا يسعد بعدها أبداً، يصرخ بأعلى صوته ويقول: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٣٧].
ولله در القائل: مثل وقوفك يوم العرض عريانا مستوحشاً قلق الأحشاء حيرانَا والنار تلهب من غيظٍ ومن حنقٍ على العصاة ورب العرش غضبانا اقرأ كتابك ياعبدُ على مَهَل فهل ترى فيه حرفاً غير ما كانا لما قرأتَ ولم تنكر قراءتهُ أقررت إقرار من عرف الأشياء عرفانا نادى الجليل: خذُوهُ يا ملائكتي وامضوا بعبدٍ عصى للنار عطشانا المشركون غداً في النار يَلتَهبُوا والمؤمنون بدار الخلد سكانا وأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 1262
حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، اللهم صلَّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام: هذه صورة مصغرة على قدر جهلي أقدمها لحضراتكم عن الحساب، ولك -أخي- أن تعيش بقلبك وكيانك كله هذا المشهد الذي يكاد أن يخلع القلوب، هذا إن كنا ممن يحمل في الصدور القلوب، فإنه لا يتأثر بموعظة ولا يستجيب لآية أو حديث إلا من كان له قلب.
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧].
وكم من الناس الآن من يتحرك في هذه الدنيا وهو لا يحمل قلباً، فقد مات قلبه منذ زمن، وكفن منذ أمد، يسمع القرآن يتلى ولا حياة لمن تنادي، يسمع أحاديث الرسول ﷺ فربما يسخر ويهزأ بمذكره.
فيا أيها الأخ الكريم: حاسب نفسك الآن قبل أن تحاسب بين يدي الجبار.
قال عمر -والأثر رواه أحمد والترمذي بسند صحيح-: (أيها الناس! حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر يوم لا تخفى منكم خافية، فإنما يخفف الحساب يوم القيامة عمن حاسب نفسه في الدنيا).
стр. 1263
أقسام النفس
أخي الحبيب! حاسب نفسك الآن، واعلم بأن النفس أمارة بالسوء، ولقد وصف الله النفس في القرآن بثلاث صفات ألا وهي: المطمئنة، واللوامة، والأمارة بالسوء.
فالمطمئنة: هي التي اطمأنت إلى الرضا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبالمصطفى رسولاً.
المطمئنة: هي التي اطمأنت إلى وعد الله ووعيده.
المطمئنة: هي التي اطمأنت إلى ذكر الله وعبوديته، وتشتاق دوماً للقاء الله سبحانه.
واللوامة: هي التي تلوم صاحبها على الخير وعلى الشر، تلوم صاحبها على الخير لماذا لم تكثر منه، وتلوم صاحبها على الشر لماذا وقعت فيه؟ ولماذا تسوف التوبة؟ ولماذا تتخلف عن الصلاة في بيوت الله؟ إلى متى وأنت على هذا الضلال؟ فاللوامة تلوم صاحبها على الخير والشر.
أما النفس الأمارة: فهي التي تريد أن تخرجك من طريق الهداية إلى طريق الغواية من طريق النعيم إلى طريق الجحيم، ومن طريق السنة إلى طريق البدعة ومن طريق الحلال إلى طريق الحرام، قال تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف:٥٣].
فهذه النفس إن لم تشغلها بطاعة الله شغلتك بالمعصية، وإن لم تلجمها بلجام التقوى شغلتك بالباطل، فالنفس كالطفل فإن فطمت الطفل عن ثدي أمه انفطم، وكذلك النفس إن فطمتها عن معصية الله وألجمتها بلجام الطاعة والتقوى انقادت، فإن زلت نفسك لبشريتك ولضعفك فلست ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً فسرعان ما يدفع إيمانك وعلمك بنفسك الأمارة إلى التوبة والأوبة والعودة إلى الله جل وعلا، وأنت على كل حال من الأحوال على طريق طاعة الكبير المتعال، وسيد الرجال ﷺ .
أيها الحبيب! النفس أمارة، فحاسب نفسك الآن قبل كل عمل وبعد كل عمل: لماذا أتيت؟ لماذا سأتكلم؟ لماذا أسكت؟ لماذا أنفقت؟ لماذا أمسكت؟ لماذا أحببت؟ لماذا أبغضت؟ لماذا خرجت؟ لماذا دخلت؟ وبعد العمل: هل كان العمل موافقاً لهدي المصطفى؟ هل اتبعت رسول الله أم أنا ضال مبتدع؟ فالسؤال الأول عن الإخلاص، والسؤال الثاني عن المتابعة؛ إذ لا يقبل الله أي عمل إلا بهذين الشرطين، لا يقبل الله العمل إلا إذا كان خالصاً لوجهه، على هدي الحبيب محمد ﵌.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية طيَّب الله ثراه: إن دين الله -الذي هو الإسلام- مبني على أصلين: الأول: أن تعبد الله وحده لا شريك له، والأصل الثاني: أن يعبد بما شرعه على لسان رسوله، وهذان الأصلان الكبيران هما حقيقة قولنا: نشهد أن لا إله إلا الله، ونشهد أن محمداً رسول الله.
فحاسب نفسك قبل كل عمل وبعد كل عمل، وحاسب نفسك على التقصير: يا نفس إلى متى تعصين وعلى الله تجترئين؟ يا نفس إلى متى هذا الانحراف عن طريق الله جل وعلا؟ إلى متى تأكلين الربا؟ إلى متى تأكلين الحرام؟ إلى متى تأكلين مال اليتامى؟ إلى متى تتركين الجماعة؟ إلى متى تجلسين على المقاهي والشوارع والطرقات وتسمعين نداء رب الأرض والسماوات: (حي على الصلاة حي على الفلاح) وأنت قابعة على معصيتك؟! إن كنت تعتقدين أن الله لا يراك فما أعظم كفرك بالله! وإن كنت تعلمين أنه يراك وأنت لا زلت مصرة على المعصية فما أشد وقاحتك وقلة حيائك من الله جل وعلا! يا نفس ويحك! ألا تعرفين قدر نعمة الإسلام؟! يا نفس ويحك! ألا تعرفين قدر نعمة بعثة سيد الأنام؟! يا نفس! اتق الله وتوبي إلى الله وعودي إليه.
стр. 1264
أحوال السلف وأقوالهم في محاسبة النفس
أيها المسلم! حاسب نفسك محاسبة الشريك الشحيح لشريكه.
قال ميمون بن مهران: (لا يبلغ العبد درجة التقى إلا إذا حاسب نفسه محاسبة الشريك الشحيح لشريكه).
إياك إياك أن تغتر بطاعة، إياك إياك أن تغتر بعلم، كن دائماً على وَجَل فإن العبرة بالخواتيم، أسأل الله أن يحسن لنا الخاتمة.
هذه الصديقة بنت الصديق عائشة الطاهرة المبرأة من السماء، يسألها أحد المسلمين عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر:٣٢] ما معناها يا أماه؟ فقالت عائشة: يا بني! أما السابق بالخيرات: فقوم سبقوا مع رسول الله وشهد لهم بالجنة، وأما المقتصد فقوم ساروا على دربه وماتوا على ذلك، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلك.
عائشة لا تغتر بنسبها، لا تقول إنني زوج النبي، بل والله لقد بشرها المصطفى بالجنة ومع ذلك لا تغتر، تعرف قدر النفس وخطر النفس ولؤمها.
وهذا فاروق الأمة عمر وما أدراكم ما عمر؟! تعجز العبارات عن وصف عمر.
ينام الفاروق عمر على فراش الموت بعدما طعن، فيدخل عليه ابن عباس فيثني عليه بالخير، فيقول عمر: والله إن المغرور من غررتموه، وددت أن أخرج اليوم من الدنيا كفافاً لا لي ولا علي، والله لو أن لي ملأ الأرض ذهباً لافتديت به اليوم من عذاب الله قبل أن أراه.
وهذا هو معاذ بن جبل حبيب المصطفى الذي قال له رسول الله ﷺ : والله إني لأحبك يا معاذ، لما نام على فراش الموت بعدما أصيب بطاعون الشام، قال لأصحابه: انظروا هل أصبح الصباح؟ هل أصبح الصباح؟ هل أصبح الصباح؟ ثم بكى معاذ وقال: أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار.
وهذا سفيان الثوري إمام الورع والحديث، ينام على فراش الموت فيدخل عليه حماد بن سلمة فيقول له حماد: أبشر يا أبا عبد الله، إنك مُقْبِلُُ على من كنت ترجوه، وهو أرحم الراحمين، فبكى سفيان وقال: أسألك بالله يا حماد أتظن أن مثلي ينجو من النار؟! ونحن جميعاً يقول كل واحد منا: أتظن أن مثلي لا يدخل الجنة! فيا أيها المسلم: لا تغتر بطاعة، ولا تغتر بعلم، ولا تغتر بعمل، وكن دائماً على وجلٍ كما كان رسول الله وهو الذي غفر له ما تقدم من ذنبه، فحاسب نفسك بعد كل عمل، وحاسب نفسك بعد كل معصية، وحاسب نفسك على كل تقصير، وحاسب نفسك على كل تفريط.
إلى متى تسمع عن الله، وإلى متى تسمع عن رسول الله وأنت مفرط مضيع؟ عباد الله! إن الموت يأتي بغتة، وإن أقرب غائب ننتظره هو الموت قال سليمان بن عبد الملك لـ أبي حازم: يا أبا حازم مالنا نحب الدنيا ونكره الآخرة؟ فقال أبو حازم: لأنكم عَمَّرتُم دنياكم وَخَرَّبتُم أُخراكم، فأنتم تكرهون أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب.
فقال سليمان: فما لنا عند الله يا أبا حازم؟ قال أبو حازم: اعرض نفسك على كتاب الله لتعلم مالك عند الله.
فقال سليمان: وأين أجد ذلك في كتاب الله؟ قال أبو حازم: عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار:١٣ - ١٤].
فقال سليمان: فأين رحمة الله؟ فقال أبو حازم: (إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦].
قال سليمان: فكيف القدوم على الله غداً؟ قال أبو حازم: أما العبد المحسن فكالغائب يرجع إلى أهله، وأما المسيء فكالعبد الآبق يرجع إلى مولاه.
أسأل الله أن يستر علي وعليكم في الدنيا والآخرة! اللهم لا تجعل لأحد منا في هذا الجمع الكريم ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا زدته وثبته، ولا حاجة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يارب العالمين! اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوما، ولا تجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروما! اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى! اللهم استرنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض! اللهم أكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا، وإن أردت بالناس فتنة فاقبضنا إليك غير خزايا ولا مفتونين ولا مفرطين ولا مضيعين، ولا مغيرين ولا مبدلين برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أقر أعيننا بتحرير الأقصى المبارك، اللهم ائذن بتحرير الأقصى المبارك، اللهم ائذن بتحرير الأقصى المبارك، اللهم عليك باليهود، وأعوان اليهود، وأتباع اليهود، وعملاء اليهود، اللهم حرق قلوبهم، واملأ بيوتهم ناراً، اللهم حرق قلوبهم واملأ بيوتهم ناراً! اللهم كما سخر اليهود من رسولك فانتقم لرسولك يا رب العالمين، اللهم انتقم لرسولك يا رب العالمين، اللهم انتقم لرسولك بعد خذلان المنافقين، اللهم انتقم لرسولك بعد خذلان المجرمين، اللهم انتقم لرسولك بعد خذلان الخائنين! اللهم بلغ عنا رسولك عذرنا وضعفنا، اللهم بلغ عنا رسولك عذرنا وضعفنا، اللهم بلغ عنا رسولك عذرنا وضعفنا! اللهم ارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وانتقم من المجرمين المنافقين الذين ضيعوا مكانة سيد النبيين برحمتك وقدرتك يا رب العالمين! اللهم عليك باليهود، اللهم عليك باليهود، اللهم عليك باليهود، اللهم عليك باليهود، اللهم عليك باليهود وأتباع اليهود، وعملاء اليهود، يا عزيز يا حميد! اللهم انصرنا فلقد قل الناصر، اللهم أعنا فلقد قل المعين، اللهم أعنا فلقد قل المعين، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، لا إله لنا سواك فندعوه، ولا رب لنا غيرك فنرجوه، يا منقذ الغرقى، ويا منجي الهلكى، ويا سامع كل نجوى، يا عظيم الإحسان، يا دائم المعروف، يا ودود يا ودود يا ذا العرش المجيد، يا فعال لما يريد، يا من ملأ نوره أركان عرشه، يا غياث المستغيثين، يا كاشف الهم عن المهمومين، اللهم اكشف همنا، وفرج كربنا، واكشف الهم عن أمة حبيبك، وفرج الهم عن أمة حبيبك، وقيض للأمة القائد الرباني، وأبرم للأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، أنت ولي ذلك والقادر عليه! اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين! اللهم اجعل مصر واحة للأمن والأمان وجميع بلاد المسلمين، اللهم ارفع عن مصر الغلاء والوباء والبلاء وجميع بلاد المسلمين، اللهم اقبلنا وتقبل منا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، اللهم لا تجعل حظي من ديني قولي، وأحسن نيتي وعملي.
هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويلقى به في جهنم، ثم أعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1265
أدب الخلاف
الخلاف ضرورة وطبيعة بشرية، وهو أنواع: فمنه ما هو مذموم، ومنه ما هو جائز، وللخلاف بأنواعه أسباب بيّنها أهل العلم، كما بينوا أدب الخلاف، وينبغي على المسلمين -لاسيما طلبة العلم- معرفة هذه الآداب، والتأدب بها، وفي ذلك خير عظيم للفرد والمجتمع.
стр. 1266
الخلاف شر وعذاب
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء، وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء، وطبتم جميعاً وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا الذي جمعنا وإياكم في هذا الصرح الطيب الكريم المبارك على طاعته، أن يجمعنا وإياكم في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أيها الأحبة الكرام! والله الذي لا إله غيره ما شعرت في نفسي أنني أساوي حبة رمل وطئتها نعال العلماء، بل ووالله أذكر نفسي دوماً بقول القائل: وغير تقي يأمر الناس بالتقى طبيب يداوي الناس وهو عليل بل والله لا أرجو من الله إلا أن أكون من طلاب العلم المخلصين الصادقين، فأسأل الله أن يجعل سرنا أحسن من علانيتنا، وأن يجعل باطننا أحسن من ظاهرنا، وأن يرزقنا الإخلاص في أقوالنا وأعمالنا، وأن يرزقنا وإياكم حسن الخاتمة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! أشهد الله أنني أشعر بسعادة غامرة، فهذه هي المرة الأولى التي أدخل فيها هذا المكان الطيب المبارك، وما توقعت أن يكون المسجد بهذه العظمة، وأسأل الله أن يتم بناءه على خير وتقى، وأن يؤسس ويؤصل ويقعد بنيانه على التقوى، وأن يبارك في القائمين على أمر هذا البناء وأمر الدعوة في هذا المكان، وأن يؤلف بين قلوبهم، وأن يوحد صفهم، وأن يبارك في أوقاتهم وأموالهم وأعمالهم وأولادهم؛ ليرفعوا لنا بأمر الله هذا البناء الذي أسأل الله أن ينفع به.
وأن يجعله فاتحة خير لهذا البلد الكريم، وأن يجعله غصة في حلوق المجرمين والمنافقين.
أحبتي في الله! تعالوا بنا لنعيش الليلة مع محاضرة هامة، عنوانها: أدب الخلاف، وسيكون حديثنا معكم تحت هذا العنوان في العناصر التالية: أولاً: الخلاف شر وعذاب.
ثانياً: أنواع الخلاف.
ثالثاً: أسباب الخلاف.
وأخيراً: أدب الخلاف.
فأعيروني القلوب والأسماع جيداً، فوالله إن هذا اللقاء من الأهمية بمكان، والله أسأل أن يجعلني وإياكم جميعاً ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب.
стр. 1267
انتشار الصحوة الإسلامية المباركة
أيها الخيار الكرام! لا ينكر عاقل منصف على الإطلاق أننا نعيش الآن صحوة إسلامية مباركة، تتمثل في شباب في ريعان الصبا، وشواب في عمر الورود، كوكبة كريمة من الفتيان والفتيات، أتت هذه الكوكبة من جديد لتمشي على الطريق التي مشى عليه محمد بن عبد الله ﷺ ، تسري هذه الكوكبة بدعوته بين الصخور والحجارة كسريان الماء، وتنزلت في بقاع الأرض كتنزل حبات الندى على الزهرة الظمأى والأرض العطشى، إنه وعد الله، ويحلو لي أن أنشد: صبح تنفس بالضياء وأشرق والصحوة الكبرى تهز البيرقا وشبيبة الإسلام هذا فيلق في ساحة الأمجاد يتبع فيلقا وقوافل الإيمان تتخذ المدى درباً وتصنع للمحيط الزورقا ما أمر هذي الصحوة الكبرى سوى وعد من الله الجليل تحققا هي نخلة طابت ثرى فنما لها جذع قوي في التراب وأعذقا هي في رياض قلوبنا زيتونة في جذعها غصن الكرامة أورقا فجر تدفق من سيحبس نوره أرني يداً سدت علينا المشرقا يا نهر صحوتنا رأيتك صافياً وعلى الضفاف رأيت أزهار التقى قالوا تطرف جيلنا لما سما قدراً وأعطى للطهارة موثقا ورموه بالإرهاب حين أبى الخنا ومضى على درب الكرامة وارتقى أوكان إرهاباً جهاد نبينا أم كان حقاً بالكتاب مصدقا أتطرف إيماننا بالله في عصر تطرف في الهوى وتزندقا إن التطرف أن نذم محمداً والمقتدين به ونمدح عفلقا إن التطرف أن نرى من قومنا من صانع الكفر اللئيم وأطرقا إن التطرف أن نبادل كافراً حباً ونمنحه الولاء محققا إن التطرف وصمة في وجه من قد حولوا البوسنا رماداً محرقا شتان بين النهر يعذب ماؤه والبحر بالملح الأجاج تدفقا يا جيل صحوتنا أعيذك أن أرى في الصف من بعد الإخاء تمزقا لك في كتاب الله فجر صادق فاتبع هداه ودعك ممن فرقا لك في رسولك أسوة فهو الذي بالصدق والخلق الرفيع تخلقا يا جيل صحوتنا ستبقى شامخا ولسوف تبقى باتباعك أسمقا إننا نرى الصحوة في كل بقاع الأرض، لا نراها في مصر فحسب، أسأل الله أن يحفظ مصر، وأن ينمي الخير في مصر، فوالله إن الخير في مصر، لا نرى الصحوة فقط في مصر، بل ولا في البلاد الإسلامية فقط، وإنما نرى الصحوة في بلاد الكفر، بل على ظهر قلعة الكفر في الأرض (أمريكا!).
أشهد الله -من باب البشارة والله أعلم بنيتي- أنني كنت منذ شهر تقريباً أخطب الجمعة في مسجد الفاروق في بروكلين في نيويورك، وهاهو أحد إخواننا ممن صلى معي الجمعة هناك يشرفنا الآن، فقد زارنا في الله، فجزاه الله خيراً، والمسجد أربعة طوابق، وأعلن الإخوة عن خطبة الجمعة في التلفاز وفي المساجد، فأقبل إلى المسجد المسلمون، وجاء بعضهم من ولايات تبعد عن المسجد بأربع ساعات بالطائرة! والله يا إخوة! رأيت بعيني أن الإخوة قد فرشوا للمصلين خارج المسجد، قلت: وعد الله ، حتى قلت للإخوة وأنا على المنبر: لا أشعر الآن أنني أخطب في أمريكا على تراب قلعة الكفر في هذه الأرض، وإنما أشعر أنني أخطب بين الموحدين في مصر! وعد الله، الصحوة الآن أكبر حدث إنساني في النصف الثاني من القرن العشرين، وأقول لكم بملء فمي، بلغة يحدوها الأمل، وبقلب يملؤه اليقين: إن هذه الصحوة قد بدأت بالفعل تنقل الأمة من مرحلة أزمة الوعي إلى مرحلة وعي الأزمة، شبابنا الآن يتكلم عن اليهود، شباب الصحوة الآن يعرف تاريخ اليهود الأسود، شباب الصحوة الآن يعرف الولاء والبراء، شباب الصحوة الآن يعرف هذه الشلة التي لمعت، وأحيطت بهالة من الدعاية الكاذبة؛ لتغطي هذه الهالة الدعائية انحرافهم، هؤلاء الذين ربوا في مدارس أعداء الدين، ثم عادوا إلينا لينفثوا سموم فكرهم العفن النتن، شبابنا الآن يعرف حقيقة هؤلاء من أمثال: المصلح الاجتماعي الأول للأزهر، من أمثال عميد الأدب العربي، إلى آخر هؤلاء، فشباب الصحوة الآن يعرف حقيقة تاريخهم الأسود.
انتقلت الأمة في غالبها على أيدي شباب هذه الصحوة من مرحلة أزمة الوعي إلى مرحلة وعي الأزمة.
ثم انظروا أيها الآباء الكرام وأيها الشباب الأخيار إلى دعاتكم وشيوخكم الذين يبصرونكم الآن ويعلمونكم على مستوى العالم، سترون أن الغالبية من هؤلاء هم من الشباب، وعد الله ، فلا ينكر الآن الصحوة إلا من عمي بصره بعد أن عميت بصيرته، الصحوة الآن هي محط الحديث، ومحور الحديث على مائدة المفاوضات لكل زعماء العالم، إن اجتمع زعماء الغرب، إن اجتمع زعماء الشرق، إن اجتمع زعماء العالم العربي، فالصحوة هي محور حديثهم، وإن كان الإعلام يتحدث عن الصحوة بلغة التفرق والإرهاب والأصوليين والمتطرفين والإرهابيين، فإن الحديث في الأصل عن الصحوة وعن شباب الصحوة، أسأل الله أن يبارك فيها، وأن ينقيها، وأن يجعلها غصة في حلوق المجرمين والمنافقين، وأن يرد الأمة على أيدي شبابها رداً جميلاً إليه، إنه هو مولانا ورب العالمين.
стр. 1268
الخلاف أعظم عقبة تقف في طريق الدعوة
أصارحكم -أيها الأحباب- أن هذه الصحوة إن لم يمتن ربنا عليها بحداة صادقين، وعلماء مخلصين، يصححوا للصحوة ولشبابها الانحراف العلمي، بل والعقدي بل والعملي؛ فيستبدد جهد الصحوة كما يضيع ماء الأمطار بين الوديان والشعاب، اللهم احفظها يا رب العالمينّ! إن الصحوة تحتاج إلى العلماء العاملين، والدعاة الصادقين، الذين لا يجاملون الصحوة على حساب المنهج، يقف الداعية ناصحاً وإن ظن أن أحبابه وطلابه سيغضبون عليه فليعلم يقيناً أنه لا يعمل لحساب مخلوق، إنما يعمل من أجل مرضاة الخالق، لو خشيت أن تقول خوفاً من أن تتهم؛ فصحح الأوبة وجدد التوبة، فإنك تحتاج إلى صدق نية، وإخلاص سريرة، وتصحيح عمل.
ولا يكاد يختلف اثنان ممن يعملون الآن للإسلام أن العقبة الكئود التي تقف في طريق الصحوة، وفي طريق الحركة الإسلامية هي الخلاف، التشرذم، التهارج، فالخلاف شر وعذاب، ويكفي أن تعلم أن الذي حذر من ذلك هو الملك التواب، وحذر من ذلك سيدنا رسول الله ﷺ ، فقال تعالى: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ [الأنفال:٤٦] فالفشل قرين التنازع، ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦] فالتنازع يبدد القوى، التنازع يبدد الجهود ولو كانت جبارة.
﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٥ - ١٠٦] قال ابن عباس: تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف، وتسود وجوه أهل البدعة والاختلاف، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٦ - ١٠٧]، اللهم بيض وجوهنا يوم تسود الوجوه، واجعلنا من أهل رحمتك يا أرحم الراحمين! وقال الله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩]، الخلاف شر، وأود أن أنبه أحبابي من طلاب العلم ومن الدعاة إلى حديث باطل يتردد في الغالب على ألسنة البعض، ألا وهو (خلاف أمتي رحمة)، فهذا حديث باطل لا أصل له، فالخلاف شر وعذاب.
стр. 1269
أنواع الخلاف
يحسن بنا أن نبين أنواع الخلاف؛ حتى لا ينسحب هذا الحكم على نوعي الخلاف، وهذا هو العنصر الثاني من عناصر المحاضرة، فالخلاف نوعان: النوع الأول: خلاف في أصل الملة، وهذا هو الذي قال الله عنه: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩] اتفق على ذلك أئمتنا كـ ابن تيمية والشاطبي والحافظ ابن رجب والإمام ابن حزم وغيرهم من أهل الأحكام وأهل الأصول، قالوا: الخلاف الوارد في الآية إنما هو خلاف في أصل الملة، فمن خالف التوحيد كان أهلاً لعذاب الله، وخرج من رحمة الله، فكل فرق الضلال التي خرجت عن القرآن والسنة خارجة عن رحمة الله، وهي أهل لعذاب الله، فتدبر معي جيداً.
إذاً: هذا هو النوع الأول من أنواع الخلاف، وهو خلاف في أصل الملة، فكل فرق الضلال كالخوارج، كالقاديانية، كالبهائية، كالرافضة بطوائفها، كل فرق الضلال التي شذت عن القرآن وسنة سيد الرجال فهي التي خرجت عن رحمة الكبير المتعال، وهي أهل لعذاب الله ، ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩]، فمن كان على القرآن والسنة فهو أهل للرحمة، ومن شذ عن القرآن والسنة فهو أهل للعذاب وللنقمة.
النوع الثاني من أنواع الخلاف: الخلاف في الفروع والمسائل الاجتهادية، وهذا باتفاق أئمة السلف أنه لا إشكال فيه، ولا غضاضة فيه، بل لقد أثبت الله لأهله محض الرحمة، فأول من اختلف في الفروع والمسائل الاجتهادية هم أصحاب خير البرية، وقد حصل لهم محض الرحمة من رب البرية جل وعلا.
تدبر معي جيداً: الخلاف في مسائل الفروع، الخلاف في المسائل الاجتهادية لا يخرج أصحابه من رحمة رب العباد، أما الخلاف المذموم فهو الخلاف في أصل الملة، الخروج عن أصل التوحيد وعن سنة محرر العبيد، أما الخلاف في مسائل الفروع، في مسائل الاجتهاد؛ فلا غضاضة في ذلك ولا إشكال، فلقد اختلف خير الرجال من أصحاب سيدنا رسول الله في بعض المسائل الاجتهادية، وقد حصلت لهم محض رحمة رب البرية، فهم أهل الرحمة باتفاق أئمة السنة والجماعة.
فقس على نوعي الخلاف حتى لا تختلط بين يديك الأوراق: خلاف في أصل الملة وهو شر كله، وخلاف في المسائل الفرعية والاجتهادية، ولا إشكال في هذا النوع من أنواع الخلاف.
стр. 1270
أسباب الخلاف
يجب أن نعلم ما هي الأسباب التي أدت إلى وقوع هذا الخلاف؟ وهذا هو العنصر الثالث من عناصر المحاضرة، وأنا أقصد: أسباب الخلاف الثاني الخلاف في الفروع ومسائل الاجتهاد فأسباب الخلاف هي: السبب الأول: طبيعة البشر، أتحداك أن تخرج لي من هذا الجمع الكريم المبارك رجلين يتشابهان في كل شيء! محال أبداً، طبيعة البشر الأصل فيها الاختلاف، فالبشر على ظهر البسيطة يختلفون في طبيعتهم، في ألوانهم، في بشرتهم، في لغتهم، في قلوبهم، في ذكائهم، في فكرهم، في فهمهم، في صفائهم، في استقبالهم للمعلومات، في بصمة بنانهم، بل وفي أصواتهم، لا يتفق اثنان على ظهر الأرض اتفاقاً كاملاً في كل شيء أبداً، تدبر معي قول الله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم:٢٢] فالاختلاف مراد لرب العالمين في هذه الطبائع بنص القرآن الكريم.
(وَمِنْ آيَاتِهِ) جعل الله الاختلاف في طبيعة البشر آية للعالمين، أي: لأهل العلم الذين يتفكرون ويتدبرون، (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ) فهذا عربي، وهذا عجمي، وهذا فرنسي، وهذا هندي، وهذا كذا وهذا كذا، (وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ) فالبشر يتفاوتون، وإذا كان ذلك كذلك فمحال أن يتلقى المعلومة مني الآن فلان كما تلقاها فلان، ولو تلقوها جميعاً بمفهوم واحد فستختلف النتائج، كل له فكره، كل له فهمه، كل له استيعابه، كل له إدراكه، كل له طبيعته، كل له خصائصه، فطبيعة البشر سبب رئيسي من أسباب الخلاف بين الناس.
ثانياً: عدم بلوغ الدليل، قد يبلغني دليل وقد لا يبلغ الدليل شيخاً آخر من المشايخ، فتأتي فتواي مخالفة لهذا الشيخ المبارك، لماذا؟ لأنه قد بلغه دليل أفتى به، ولم يبلغني دليله الذي أفتى به فأخالفه، وقد وقع أصحاب النبي ﷺ في ذلك، بل لقد غاب عن جمع من أصحاب رسول الله كثير من الأدلة وهم الذين كانوا يعايشون النبي، ويسمعون النبي، مع أنهم لا يتلقون العلم إلا عن معلم واحد، فما ظنك بأناس يتلقون العلم على يد آلاف العلماء، فلابد أنه سيختلف الفهم ويتشعب، كان عمر بن الخطاب مع أصحابه وهو في طريقه إلى الشام سمع بالطاعون، فانقسم أصحاب النبي ﷺ إلى فريقين: الفريق الأول يقول بالدخول إلى أرض الشام، والفريق الثاني يقول: لا يجوز لنا أن ندخل إلى الأرض ما دمنا لم نكن فيها، وكان على رأي الفريق الثاني الذي أبى الدخول عمر بن الخطاب ﵁، فقال حينما قال له أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين! تفر من قدر الله؟ فقال عمر: نفر من قدر الله إلى قدر الله.
وهذه المقولة الجميلة قمة الفقه، والشاهد أن الصحابة اختلفوا، فريق يأبى الدخول، وفريق يأمر بالدخول وغاب الدليل في هذه المسألة عن عمر، بل وعن جمع كبير من أصحاب النبي المختار ﷺ ، حتى جاء عبد الرحمن بن عوف ﵁ وقال لهم: لقد سمعت في ذلك حديثاً من رسول الله ﷺ ، لقد سمعت النبي ﷺ يوماً يقول: (إذا وقع الطاعون في أرض ولستم بها فلا تدخلوا إليها، وإذا وقع في أرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه) والحديث رواه البخاري ومسلم.
والشاهد: أن عمر وعدداً من أصحاب النبي ﷺ لم يبلغهم الدليل الذي ذكرهم به عبد الرحمن بن عوف ﵃ جميعاً، فعدم بلوغ الدليل كان سبباً في الخلاف.
ثالثاً: عدم العلم بنسخ الدليل، قد يخطئ صحابي من الصحابة في مسألة فيأخذ بدليل معين وهو لا يدري أن هذا الدليل قد ورد دليل آخر ينسخه، سواء كان هذا الدليل من القرآن أو من السنة، مثل حديث: (كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تذكركم الآخرة) فنسخ النبي ﵊ الحكم الأول وهو النهي عن زيارة القبور بدليل آخر يسمى بالدليل الناسخ، فعدم بلوغ الناسخ والمنسوخ للمفتي قد يكون سبباً من أسباب الخلاف.
رابعاً: النسيان، وجل من لا ينسى، والنسيان أمر يعتري البشر على وجه الأرض، بل إن النسيان اعترى النبي المصطفى ﵊، ورد في مسند أحمد وسنن الترمذي وغيرهما أن النبي ﷺ قرأ يوماً في الصلاة فنسي آية، فلما سلم تذكر الآية، فقال لـ أبي بن كعب ﵁: (يا أبي! هلا ذكرتني بها!) يعني: تذكرني بالآية وأنت في الصلاة، وفي صحيح مسلم قال ﷺ : (إنما أنا بشر أنسى كما تنسون).
فالنسيان سبب من أسباب الخلاف، فقد أنسى دليلاً، وقد تنسى دليلاً، فأقول بقول يخالف ما عندك من الدليل؛ لأني نسيت دليلك الذي تستدل به، وقد نسي عمر بن الخطاب حديث التيمم الذي ذكره به عمار بن ياسر، والحديث طويل مشهور، فالنسيان سبب من أسباب الخلاف، بل أنت قد تنسى أمراً في بيتك فتختلف بسببه مع زوجتك، وقد تنسى زوجتك أمراً فتختلف معك، فالنسيان أمر يعتري البشر جميعاً.
خامساً وأخيراً: من أسباب الخلاف اختلافهم في فهم المراد من الدليل، قال النبي ﷺ لأصحابه: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة) هذا دليل صريح واضح، ومع ذلك اختلف الصحابة في فهم الدليل، فانقسموا إلى فريقين: فريق صلى العصر في الطريق، وقال: ما أمرنا النبي ﷺ بذلك، إنما أراد أن يحثنا على الخروج لمقاتلة بني قريظة.
والفريق الآخر قال: لا، الرسول ﷺ قال: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة) فلن نصلي العصر إلا في بني قريظة ولو دخل وقت المغرب، فانقسم الصحابة، وكان سبب الخلاف أنهم اختلفوا في فهم المراد من الدليل.
стр. 1271
فهم الأدلة فضل يؤتيه الله من يشاء
الفهم للأدلة فضل من الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، فهم الدليل لا يوزن بالأعمار، ولا يوزن بالسبق في طلب العلم، لكن يقاس ويوزن بالصدق، فأخلص يفتح الله عليك: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] لا تستهينوا بأمر التقوى في طلب العلم، كان ابن تيمية طيب الله ثراه إذا استشكلت عليه مسألة من المسائل أقام الليل لله جل وعلا وسجد بين يدي الله، وبلل الأرض والثرى بدموع الخشوع والتذلل والتضرع للملك، وسأل الله بهذا الدعاء الكريم فقال: يا معلم داود علمني، ويا مفهم سليمان فهمني! تضرع إلى الله، والله لو علم الله منك الإخلاص والصدق لفتح عليك من كنوز فضله بما لا يمكن على الإطلاق أن يعبر عن هذا الفتح بلغة بليغ أو فصاحة فصيح، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١].
غضب كبار أصحاب النبي ﷺ على عمر كيف يأذن لـ ابن عباس ﵄ أن يدخل مع مشايخ أصحاب رسول الله في مجلس الشورى، ومن أبنائهم من يكبر ابن عباس! فأراد عمر أن يبين لهم أن الأمر لا يقاس بالأعمار، ولا يقاس بالسبق، إنما يقاس بالصدق، وذلك فضل الغفار يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
فأراد عمر أن يبين لهم ذلك، فسأل الصحابة عن سورة النصر: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١ - ٣] قال لهم عمر: ما تقولون في هذه الآيات؟ فقالوا: نقول فيها: إن الله يأمر نبيه إن نصره وفتح عليه مكة أن يكثر من الاستغفار والتوبة، فالتفت الفاروق الملهم إلى ابن عباس وقال: ما تقول أيها الشاب الكريم في هذه الآيات؟ فالتفت ابن عباس إلى عمر وقال: أقول فيها بخلاف هذا يا أمير المؤمنين، أقول: إن الله قد نعى بهذه السورة لرسول الله أجله.
يعني: قد أتم الله عليك النصر، وأكمل لك الدين، وأتم بك النعمة؛ فاستعد للقاء الملك.
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١ - ٣] أي: أكثر من العمل الصالح، وداوم على الاستغفار، واستعد بعدها للقاء الملك الغفار.
فهم عجيب! ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١].
قصة أخرى: كاد عثمان بن عفان ﵁ أن يرجم بريئة اتهمها البعض بالزنا؛ لأنها وضعت ولدها لستة أشهر، فقال علي بن أبي طالب: رويداً يا أمير المؤمنين! فإني أرى أن الله قد ذكر في قرآنه أن المرأة قد تضع ولدها لستة أشهر، قال: أين ذلك يا علي وقد قرأت القرآن من أوله إلى آخره وما وقفت على هذه الآية؟! قال: اقرأ قول الله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة:٢٣٣] فهذه أربعة وعشرون شهراً، والآية الأخرى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ [الأحقاف:١٥] اخصم أربعة وعشرين من ثلاثين يبقى ستة شهور، قال: جزاك الله خيراً يا أبا الحسن! فهم يؤتيه الله من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
стр. 1272
أدب الخلاف
العنصر الرابع من عناصر المحاضرة: أدب الخلاف، بعد ما توقفنا عند خطورة الخلاف، وذكرنا نوعي الخلاف، وأسباب الخلاف، نذكر أدب الخلاف، وما أحوجنا إلى أدب الخلاف، ونسأل الله أن يرزقنا وإياكم الصدق والعمل.
الأمة تعاني من الفرقة، تعاني من الشقاق، تعاني من الخلاف، وأقول: لو اجتمع زعماء العرب كل ليلة، فلن تلتقي الصفوف، ولن تلتقي القلوب، ما دامت الأمة -على أيدي زعماء العرب- قد نحت شريعة ربها، لن تلتقي القلوب إلا على مصدر التلقي، ما هو مصدر التلقي وأصل اللقاء؟ القرآن والسنة، والله لن تلتقي الأمة إلا على هذا الطريق، والله مهما شرقت وغربت وخضعت وسجدت فلن تلتقي صفوف الأمة، ولن تتوحد كلمتها، ولن تأتلف قلوب أبنائها إلا إذا التقت الأبدان بعد القلوب على كلام علام الغيوب، وكلام الحبيب المحبوب ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] فالسبل ضلال، والصراط المستقيم نجاة وسعادة وفلاح في الدنيا والآخرة.
(خط النبي ﵊ خط على الأرض خطاً مستقيماً وقال: هذا صراط الله مستقيماً، وخط عن يمينه وشماله خطوطاً متعرجة وقال: هذه سبل، وعلى رأس كل سبيل منها شيطان يدعو إليه) فاختر لنفسك أن تسلك طريق الرحمن أو طريق الشيطان، وأسأل الله أن يرزقنا وإياكم سلوك طريق الرحمن، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 1273
عدم التعصب
أول أدب من أدب الخلاف: نبذ التعصب للأشخاص والجماعات.
يا إخوة! الدكتور بدير والشيخ أبو إسحاق، والشيخ محمد يعقوب، والشيخ مصطفى العدوي، ومحمد حسان، وشيوخنا الكبار: الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ ناصر، والشيخ ابن عثيمين، كل هؤلاء إلى فناء وإلى زوال، فالدعاة يجيئون ويذهبون ويموتون، وتبقى الدعوة خالدة على مر الأجيال والقرون، فاجعلوا ولاءكم لله، ولا تجعلوا ولاءكم لأشخاص الدعاة.
يا شباب الصحوة! اجعلوا ولاءكم لله لا لأشخاص الدعاة، الدعاة إلى زوال، قد أسجن، قد أمرض، سأموت، فهل تتوقف الدعوة؟! إذا سافر الدكتور بدير هل تتوقف الدعوة؟ لا، ثم لا، ولو توقفت الدعوة بموت دعاتها لماتت دعوة الإسلام بموت سيد الدعاة.
ماذا قال صديق الأمة يوم أن جاء من منزله بالسنح، ورأى الجموع الملتهبة تصرخ في مسجد النبي ﷺ وحول حجراته الطاهرات، فكشف الغطاء والبردة عن وجه الحبيب الأزهر الأنور، وقبل الحبيب بين عينيه، وبكى وقال له: طبت حياً وميتا ًيا رسول الله! أما الموتة التي كتبها الله عليك فقد ذقتها، ولا ألم عليك بعد اليوم، وخرج الصديق لينادي في تلك الجموع: على رسلك يا عمر! والتف الناس حول صديق الأمة، وأعلنها مدوية: أيها الناس! من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.
انبذوا العصبية للشيوخ، انبذوا العصبية للجماعات كلها، والله لا ندين الله بلافتة أو باسم جماعة، والله لا ندين الله بهذا، قال ابن القيم: إن سألوك عن شيخك فقل: شيخي رسول الله، وإن سألوك عن جماعتك فقل: ﴿هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ﴾ [الحج:٧٨] وإن سألوك عن منهجك فقل: الكتاب والسنة، وإن سألوك عن بيتك فقل: إن بيوت الله في الأرض المساجد.
انبذوا العصبية للجماعات، انبذوا العصبية للشيوخ، اقبلوا الحق على لسان أي أحد، وردوا الباطل على لسان أي أحد، إذا كانت الجماعة الفلانية عندها حق، فضع الحق على رأسك، أو كانت جماعتك التي تنتمي إليها عندها باطل، فاضرب بباطلها عرض الحائط، هذا أول أدب ينبغي أن نؤصل عليه، والله لا أملّ من أن أكرره وأذكر به، وسأكرر وسأذكر به، بل وأدعو جميع إخواني من الشيوخ والدعاة أن يكرروا وأن يذكروا به، وأن يؤصلوا في قلوب شبابنا وطلابنا نبذ العصبية لجميع المشايخ ولجميع الدعاة، ليكون الولاء لدين الله ولدعوة سيدنا رسول الله ﵌.
جاءك الشيخ فلان يقول: قال الله قال رسول الله، اجلس تحت قدميه، لا تقل: من هذا؟ بل قل: ماذا يقول هذا؟ يقول: قال الله قال رسوله قولاً صحيحاً عن رسول الله ليس مبتدعاً، ليس صاحب فكر منحرف ضال، اجلس تحت قدميه وتعلم، لا تقل: أنا لا أحضر إلا لفلان! انبذوا هذا التعصب، وتخلصوا من هذا الأمر أيها الأخيار الكرام، وبلغوا هذا الكلام لكل شباب الصحوة، اعرف الحق تعرف أهله، نكرر هذا مئات المرات! اعرف الحق تعرف أهله، فإن الحق لا يعرف بالرجال، ولكن الرجال هم الذين يعرفون بالحق.
التعصب البغيض يصم الآذان عن سماع الحق، ويعمي الأبصار عن رؤية الدليل، أقول: يا أخي! قال الله وقال الرسول ﷺ ، فيقول: لكن الشيخ فلان قال كذا وكذا، أعوذ بالله! أقول لك: قال الله وقال رسول الله، وتقول لي: قال الشيخ فلان! أمر عجب! ابن عباس يقول لخير الناس بعد الأنبياء -للصحابة-: أقول لكم قال رسول الله وأنتم تقولون قال أبو بكر وعمر؟! ابن عباس ينكر، وأنا والله لا أعلم قولاً واحداً خالف فيه أبو بكر وعمر رسول الله ﷺ .
التعصب البغيض يصم الآذان عن سماع الحق، ويعمي الأبصار عن رؤية الدليل، ولو كان كالشمس في وضح النهار، قال الإمام الأصولي الفذ العلم الشاطبي في كتابه الاعتصام: ولقد زل أقوام بسبب الإعراض عن الدليل، والاعتماد على الرجال، وخرجوا بسبب ذلك عن جادة الصحابة والتابعين، فاتبعوا أهواءهم بغير علم، وضلوا عن سواء السبيل.
وقال بركة الأيام، وحسنة الزمان، وإمام الأئمة الأعلام، ابن تيمية طيب الله ثراه -واحفظوا هذا الكلام، وأسأل الله أن يرزقنا وإياكم العمل به- قال: ليس لأحد أن ينصب للأمة شخصاً يدعو إلى طريقته، ويوالي ويعادي عليها غير النبي ﷺ ، وليس لأحد أن ينصب للأمة كلاماً يدعو إليه ويوالي ويعادي عليه غير كلام الله ورسوله وما اجتمعت عليه الأمة، ومن فعل هذا فقد فعل فعل أهل البدع والأهواء.
وقال شيخ الإسلام ﵀ في موضع آخر في مجموع الفتاوى: من تعصب لواحد من الأئمة بعينه دون الباقين فهو بمنزلة من تعصب لواحد من الصحابة بعينه دون الباقين، كالرافضي الذي يتعصب لـ علي، وكالخارجي الذي يقدح في عثمان وعلي، من فعل ذلك فقد فعل فعل أهل البدع والأهواء.
أيها الأحباب! لا يجوز التعصب، بل تنظر ماذا يقول الشخص، ثم تعرض كلامه على القرآن والسنة، فإن وافق القرآن والسنة فضع قوله على رأسك.
أعجب من أحد طلابنا الصغار حينما كنت أخطب الجمعة في مصر يوم وفاة الشيخ محمد الغزالي، فدعوت الله له بالمغفرة والرحمة، وبعد الجمعة أقبل علي الشاب، وقال لي: يا شيخ! هل يجوز أن ندعو الله للشيخ محمد الغزالي؟! قلت: سبحان الله! ولم يا بني؟! قال: لقد أخطأ في كذا وكذا، قلت له: ائتني بعالم واحد من علمائنا بعد رسول الله لم يخطئ، فلو عاملنا شيوخنا جميعاً بما نريد أن نعامل به الشيخ الغزالي ما بقي لنا شيخ واحد على وجه الأرض لنتلقى العلم على يديه، فلقد مضى زمن العصمة بموت رسول الله، يا أخي! خالف الشيخ في أخطائه وبين أخطاءه بأدب، لكن مَنْ مِن الشيوخ على وجه الأرض لم يخطئ؟! قال رسول الله ﷺ : (كل -وكل من صيغ العموم- بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون) اللهم ارزقنا التوبة قبل لقاك يا أرحم الراحمين، اللهم ارزقنا الحكمة والرحمة، فإن أصحاب القلوب الكبيرة قلما تستجيشها دوافع الغلظة والقسوة والانتقام، لأنك لا تدري بأي شيء يختم لك، أسأل الله أن يرزقني وإياكم جميعاً حسن الخاتمة، وأن يختم لنا ولكم بخاتمة التوحيد والإيمان، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
إذاً: أول أدب من آداب الخلاف: نبذ التعصب للأشخاص وللجماعات.
стр. 1274
الإخلاص والتجرد من الأهواء
ثانياً: الإخلاص والتجرد من الأهواء، والله الذي لا إله غيره لن يقبل الله منك كلمة ولا حركة إن لم تبتغ بها وجهه، ولو ملأت الدنيا ضجيجاً.
يا أخي! سل نفسك: أنت تناقشني أمام الناس، الله وحده يعلم بنيتك، هل تريد إحراجي؟ هل تريد النصح لي؟ هل التزمت أدب النصيحة؟ هل تريد البيان لي؟ هل تريد السمعة؟ هل تريد الشهرة؟! لو خدعتني وخدعت الخلق فلن تخادع الخالق، فتش في النية، لماذا أتيت أنت الآن إلى هذا المسجد؟ ما هي نيتك؟ هل خرجت لله أم لسبب آخر يعلمه الله؟ الإخلاص، إن ناقشت أحد إخوانك ففتش عن نيتك قبل أن تتكلم، هذا يريد الزعامة، هذا يريد الصدارة، هذا يريد الشهرة، هذا يريد المال، هذا يريد المنصب، هذا يريد الجماعة، لو صدقنا الله ونقبنا لرأينا أن الهوى كان سبب معظم الخلافات على أرض العمل الإسلامي، الهوى ملك ظلوم غشوم جهول، يصم الآذان ويعمي الأبصار، وقد حذر الله منه نبياً من أنبيائه: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص:٢٦]، وفي الحديث الذي رواه بعض أصحاب السنن، وهو حديث حسن، قال الحبيب المصطفى ﷺ : (القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاض في الجنة، رجل عرف الحق وحكم به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق وحكم بخلافه فهو في النار، ورجل قضى بين الناس بالجهل فهو في النار) أنت تجهل الأدلة، ومراتب الأدلة، ومناطات الأدلة، فلماذا تتكلم في دين رب البرية جل وعلا؟! قاض عرف الحق وقضى به فهو في الجنة، وقاض عرف الحق وحكم بخلافه فهو في النار، يا رجل! أنت تعرف الحق، وتعرف الدليل! سبحان الله! يفتح المراجع، إذا ظهر له بين يديه في المرجع دليل يخالف قوله يخبئه؛ لأنه ليس له، عرف الحق وقضى بخلافه، والله إن هذا السبيل يمرض القلوب.
وهناك ممن يعملون بالدعوة لا وظيفة لأحدهم إلا أن يجلس ليترصد أخطاء الدعاة، هذه وظيفته! تخيل محاضرة مثل هذه فيها عشرات الآلاف من الكلمات، قد أزل في كلمة منها، يطلع ويقول: سمعت الشيخ قال كذا؟! ويدق الطبول، ويشنع لهذه الكلمة، أو لهذه الجملة أو الفقرة.
سبحان الله يا أخي! لماذا لم تأتني إن كنت صادقاً في النصيحة، والله لو صدقت الله لعلمت أنك كاذب، سامحوني! أين النصيحة أين آدابها أيها الناصح؟! يجلس عالم في مجلس علم وهو لا يدري كم جلس هذا الرجل ليعد المحاضرة بالساعات، بل بالأيام، بل والله بالأسابيع، وأمام كلمة زل فيها لبشريته، لا يخرج من هذا المجلس كله إلا بها! هذا قمة الظلم، أين الإنصاف؟! أين العدل؟! يقول ابن تيمية: من حكم على الناس بغير علم فقد خالف قول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦]، ومن حكم على الناس بغير عدل فقد خالف قول الله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨] تكلم في الناس بعلم وعدل، تكلم في المناهج بعلم وعدل، تكلم عن الشيوخ بعلم وعدل، وأرى أنه لا ينبغي أن يقيم العلماء إلا عالم، وأرى أنه لا ينبغي أن يقيم الشيوخ إلا شيخ، وأرى أنه لا ينبغي أن يجرح العلماء إلا عالم بالجرح والتعديل.
اعلم -يا أخي- وفقني الله وإياك لمرضاته، وجعلني الله وإياك ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته، أن لحوم العلماء مسمومة، وأن عادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب.
رحم الله الحافظ ابن عساكر، فهو قائل هذه الكلمات، فمن بركة العلم أن ننسب العلم إلى قائليه.
الإخلاص والتجرد عن الأهواء: تجرد عن الهوى، أخلص في النصيحة، ولتكن بأدب وبحكمة وبرحمة، وإن كنت صادقاً فانطلق مباشرة إلى الشيخ الذي أخطأ، وبين له الخطأ بأدب، لا تدق الطبول بزلة أو بخطأ، ورحم الله من قال: وعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا فالإخلاص والتجرد من الأهواء من أعظم الآداب التي يجب أن نتأدب بها في حالة الخلاف، فإذا خالفتكم في مسألة، أو خالفتوني في مسألة من الفروع، فلا بأس، ومحل بحثنا هو عن النوع الثاني من أنواع الخلاف، خلاف الفروع أو مسائل الاجتهاد، فإذا خالفتك فيها، وأردت أن تناقشني في هذه المسألة، فناقشني بالإخلاص، وصحح النية، وأنا أصحح نيتي، أنا أريد الحق، وأنت تريد الحق، كما قال الشافعي: والله ما ناظرت أحداً إلا ودعوت الله أن يجري الحق على لسانه.
وهذه قمة التجرد.
وفي نفس المكان الطيب الطاهر هذا ألقيت خطبة جمعة بعنوان: تجرد وعدل وإنصاف، وبينت فيها كيف كان أصحاب النبي ﷺ على قمة التجرد والإخلاص، والله ما انتصر الإسلام إلا بهذه القلوب المخلصة، ولن ينتصر الإسلام إلا بهذه القلوب المخلصة، وسامحوني أن أذكركم مرة أخرى بل وللمرة الألف ما كان من خالد بن الوليد وأبي عبيدة بن الجراح ﵄، يعزل عمر بن الخطاب خالد بن الوليد عن قيادة الجيوش في الشام، أبو بكر الصديق يرسل لقائد الجبهة أبي عبيدة ويقول له: بسم الله الرحمن الرحيم، من أبي بكر الصديق إلى أبي عبيدة بن الجراح، سلام الله عليك وبعد، فإني قد وليت خالد بن الوليد قيادة الجبهة في بلاد الشام، فاسمع له وأطع، والله ما وليته عليك إلا لأني ظننت أن له فطنة في الحرب ليست لك، وأنت عندي يا أبا عبيدة خير منه، أراد الله بنا وبك خيراً والسلام.
ويرسل الصديق أمراً إلى خالد، فيرسل خالد بن الوليد رسالة إلى أبي عبيدة يقول فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، من خالد بن الوليد إلى أخيه الأمير أبي عبيدة بن الجراح، سلام من الله عليك وبعد: فإني قد تلقيت أمر خليفة رسول الله يأمرني فيه بالسير إلى بلاد الشام للقيام على أمرها، وللتولي لشأن جندها، ووالله يا أبا عبيدة ما طلبت ذلك ولا أردته، فأنت في موضعك الذي أنت فيه، لا نقطع دونك، فأنت سيدنا وسيد المسلمين، أراد الله بنا وبك خيراً والسلام.
قمة التجرد، قمة الإخلاص.
وتصل الرسالة إلى أبي عبيدة فيتنازل أبو عبيدة عن القيادة لـ خالد بن الوليد، وتبدأ المعركة، ويموت الصديق، ويعزل عمر خالد بن الوليد، ويؤمر أبا عبيدة من جديد، ويخفي أبو عبيدة الرسالة، وقيل: أخفاها خالد، والأمر سواء، فكلاهما على درجة عالية من التجرد والصفاء، وبعد انتهاء المعركة دفع أبو عبيدة الرسالة لـ خالد، فانتقل خالد بن الوليد على الفور من القيادة وتركها لأخيه أبي عبيدة ليكون خالد جندياً مطيعاً بعد أن كان بالأمس القريب قائداً مطاعاً.
قمة التجرد يا إخوة، ناقشني بتجرد وإخلاص، ادع الله أن يكون الحق معي، وأنا أدعو الله أن يكون الحق معك، فهدفي وهدفك أن يعلو الحق.
стр. 1275
إحسان الظن بالمخالف وعدم التماس العيب للبرآء
ثالثاً: من أدب الخلاف: إحسان الظن بالمخالف، وعدم التماس العيب للبرآء، أدب عالٍ، أحسن الظن بمخالفك، أنت قد تكون على حق أو باطل، ومخالفك قد يكون على حق أو باطل، فلم يا أخي تزكي نفسك وتتهم غيرك؟ يا إخوة! لا ينبغي أن يزكي واحد منا نفسه على الإطلاق، قال تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢]، ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنْ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران:١٨٨]، اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل.
أحسن الظن بمخالفك، أنا أخالفك: فأحسن الظن بي، وأنا يجب أن أحسن الظن بك، ما دمت معي على الطريق، أنا أدين الله سلفاً بأنك من أهل السنة والجماعة، فإن خالفتك في مسألة هي محل اجتهاد فيجب علي أن أحسن الظن بك، ويجب عليك أن تحسن الظن بي.
قال النبي ﷺ : (إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث)، والحديث في الصحيحين، وقال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢]، يا أخي! لا تظن بأخيك إلا خيراً، أخوك معك على طريق الدعوة، فيجب عليك أن تظن بالمسلمين خيراً، فما ظنك بأخيك الذي يتحرك معك للدعوة على الطريق؟ ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً﴾ [النور:١٢] هذا هو الأصل.
فالأصل أن يظن المسلم بأخيه خيراً، وأن تظن المؤمنة بأختها خيراً، فما ظنك بأخ داعية يمشي معك على الطريق؟ فيجب عليك أن تظن به خيراً، (إياك والظن، فإن الظن أكذب الحديث) ولا تنقب عن عيوب للبرآء، قال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن الكريم: ظن السوء بمن ظاهره الصلاح يحرم في دين الله.
أي: إذا وجدت أخاك على ظاهر طيب، وعلى خير؛ فلا يجوز لك أن تنقب وأن تفتش وأن تبحث وأن تنظر من النافذة! وأن تنظر من تحت الأرض! ما عليك هذا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٢] لماذا تلتمس العيب لأخيك؟ لماذا لا تجتهد أن تشكر أخاك بدلاً من أن تنقب عن عيوبه؟! ما دام أن أخاك في الظاهر على الخير؟! لا تتهم إلا من كان في الباطل وعلى الباطل وفي البدعة وعلى البدعة، فهذا قد أوقع نفسه في موضع الشبهات، فهو حري أن يتهم، لكنك ترى أخاً من إخوانك يحرص على السنة، لكن زل لبشريته وضعفه، فاستر عليه، وهذا باتفاق أهل السنة، استر على من ظاهره الصلاح، استر على من يستحي أن يظهر معصية أمام الناس؛ لأنك لو أظهرت معصيته انفض الناس عنه إن كان من أهل الدعوة أو من أهل القرآن أو من أهل الخير، فما دام الرجل حريصاً على ألا يفضح نفسه فلا تفضحه، وادعه بالحسنى والحكمة إلى أن يتوب إلى الله، وأن يدع المعصية التي وقع فيها ورأيته عليها، فإن كل بني آدم خطاء كما ذكر النبي ﵊.
تدبروا هذا الحديث الطيب الذي خرج من صاحب القلب الطيب، وصاحب الكلم الطيب، والحديث صححه الألباني، وقد رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم، قال ﷺ : (يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه! لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في جوف بيته) تدبر! والله لو خرجت الليلة من المحاضرة بهذا الحديث لخرجت بخير عظيم وفير، أسأل الله أن يسترنا وإياكم في الدنيا والآخرة.
стр. 1276
عدم التهاجر والتقاطع
رابعاً: من أدب الخلاف عدم الهجر والقطيعة بعد الخلاف، إن خالفتك في مسألة فرعية فلا يجوز لي أن أهجرك، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد الرابع والعشرين من مجموع الفتاوى: الاختلاف في الأحكام أكثر من أن ينضبط، ولو كان كلما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة.
стр. 1277
مناقشة المسألة الخلافية بالحكمة والرحمة
وأختم أدب الخلاف بهذا الأدب الكريم الهام، ألا وهو: مناقشة المسألة الخلافية بالحكمة والرحمة، بالتي هي أحسن، ناقش معي المسألة الخلافية التي تخالفني فيها، وأنا أناقشها معك بحكمة ورحمة، وبالتي هي أحسن، تدبر معي قول الله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥]، وهل الجدال -يا رب- في المسائل يكون بالحسنى؟ لا، بل قال: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] يعني: لو وجد حسن وأحسن فالدعوة تكون بالحسن، والجدال يكون بالأحسن ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥]، هذه للدعوة، أما الجدال فقال فيه: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥].
جادل أخاك في مسألة من مسائل الاجتهاد بالتي هي أحسن، بالحكمة والرحمة، قال ابن القيم: الحكمة هي قول ما ينبغي، في الوقت الذي ينبغي، على الوجه الذي ينبغي.
وناقشني وأنت رحيم بي، لا تسفه أخاك، لا تتكبر على أخيك، لا تظن أنك المتبع وهو المبتدع، لا تر في نفسك أنك التقي وهو الشقي، لا تنظر إلى نفسك أنك الطائع وهو العاصي، لا تنظر إلى نفسك أنك العالم وهو الجاهل، لا يا أخي! جادلني برحمة، جادلني بحب، جادلني بحكمة، جادلني بالتي هي أحسن وسينتهي الخلاف إن شاء الله تعالى بالحب، ولو خرجت أنا وأنت بعد مناقشة المسألة ولم نلتق، فكلانا إن شاء الله مأجور، مع أن واحداً منا على خطأ، والآخر على صواب، ومع ذلك فكلانا مأجور (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر).
أيها الأحبة الكرام! هذا ما وددت أن أبثه لإخواني وأحبابي، وسامحوني إن كررت عليكم هذا الدرس مرة ومرة ومرة ومرة، فسأكرره، وسأذكر به، وأسأل الله أن يجعلنا رحماء فيما بيننا، وأن يجعلنا أشداء على أعدائنا، وأن يرزقنا وإياكم العفاف والتقى والغنى، ويمتعنا وإياكم بنصرة الإسلام وعز الموحدين.
اللهم ألف بين قلوبنا ووحد صفنا يا رب العالمين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم.
стр. 1278
أصول التربية [١]
بُعث النبي ﵊ ليتمم مكارم الأخلاق، فكانت دعوته تزكية لهذه الأمة، وتربية لها على الأخلاق الفاضلة، ولما تخلق المسلمون بهذه الأخلاق سعدوا في الدنيا والآخرة، وفي الأزمنة المتأخرة تنكب المسلمون عن هذه الأخلاق، فحصدوا الذل والهوان والشقاء.
стр. 1279
أهمية التربية الإسلامية وأسباب الحث عليها
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل مني وإياكم صالح الأعمال، وأن يجمعني وإياكم في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد الدعاة وإمام النبيين في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! هذا هو لقاؤنا الأول مع هذه السلسلة المنهجية الجديدة، والتي عنونت لها: بأصول التربية في سورة لقمان، واسمحوا لي أيها الأحبة الكرام! قبل أن نبدأ حديثنا عن هذه الأصول الواردة في السورة الكريمة أن نقدم بمقدمة ضافية في أصول التربية بين يدي حديثنا عن هذا الموضوع الهام الكبير، وأستطيع أن ألخص لحضراتكم أهم عناصر هذه المقدمة التي سأتكلم فيها إن شاء الله جل وعلا عن النقاط التالية: أولاً: أسباب اختياري لهذا الموضوع.
ثانياً: تأصيل الموضوع وتقعيده بالوقوف مع المعنى اللغوي لمفرداته.
ثالثاً: مصادر التربية الإسلامية، وهي: القرآن الكريم، والسنة المطهرة، ومنهج السلف باعتباره يمثل التطبيق العملي للقرآن والسنة.
رابعاً: خصائص التربية الإسلامية، وتتمثل فيما يلي: أولاً: الربانية.
ثانياً: التكامل والشمول.
ثالثاً: الاعتدال والتوازن.
رابعاً: التميز والمفاصلة.
خامساً -من عناصر المقدمة-: وسائل التربية، وتتمثل أهم هذه الوسائل فيما يلي: التربية بالقدوة، والتربية بالعبادة، والتربية بالقصص القرآني والنبوي، والتربية بالأحداث الجارية، والتربية بالموعظة، وأخيراً: التربية بالعقوبة.
سادساً -من عناصر المقدمة-: صفات المربي ومسئوليات المربين، وأهم صفات المربي هي: ربانية الهدف، الإخلاص، الصدق، الصبر، التزود بالعلم، العدل، وعي الاتجاهات الفكرية والتربوية العالمية المعاصرة، ومدى تأثيرها على العقول.
أما عن أهم مسئوليات المربين فهي تتمثل فيما يلي: أولاً: مسئولية التربية الإيمانية.
ثانياً: مسئولية التربية الخلقية.
ثالثاً: مسئولية التربية النفسية.
رابعاً: مسئولية التربية العقلية.
خامساً: مسئولية التربية الجسمية والجنسية.
وأخيراً -من عناصر المقدمة-: الهدف من التربية.
هذه هي أهم عناصر المقدمة التي سأقدم بها إن شاء الله جل وعلا بين يدي هذا اللقاء الهام الخطير، ألا وهو أصول التربية في سورة لقمان، وأستهل هذه السلسلة في هذا اللقاء المبارك إن شاء الله ﵎ بأهم الأسباب التي أدت إلى اختياري لهذا الموضوع.
وبداية أضرع إلى الله جل وعلا أن يجعل هذه السلسلة مباركة نافعة، وأن يرزقني وإياكم الإخلاص والقبول، وأن يجنبني وإياكم الزيغ والزلل، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 1280
الانفصام بين المنهج والواقع
أما عن أول عناصر المقدمة التي ستحتاج منا إلى أكثر من لقاء، إن قدر الله البقاء واللقاء، فهي أسباب اختياري لهذا الموضوع.
والسبب الأول أيها الأحبة الكرام هو: الانفصام بين المنهج والواقع.
أحبتي في الله! إن المجتمع الذي بنى القرآن الكريم صرحه الشامخ، وأرسى لبناته العظام، على يد مربي البشرية الأعظم، الذي رباه الله على عينه ليربي به الدنيا صلى الله عليه وآله؛ إن هذا المجتمع كان مجتمعاً فريداً بكل ما تحمله الكلمة من معان، ولم تشهد البشرية له نظيراً إلى يومنا في تاريخها الطويل، إنه مجتمع رباه النبي ﷺ على العبودية الكاملة لله وحده لا شريك له، وتمثلت هذه العبودية الكاملة بالعقيدة الصافية الخالصة امتثالاً عملياً لقول الله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، ولقول الله جل وعلا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢].
وتمثلت هذه العبودية الكاملة في العبادة الصحيحة بركنيها: من كمال الذل وكمال الحب لله ، وبشرطيها من إخلاص لله واتباع لسيدنا رسول الله ﵌، امتثالاً عملياً لقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣].
وتمثلت هذه العبودية -ثالثاً- في تحكيم الشريعة امتثالاً عملياً لقول الله : ﴿إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٤٠]، وتطبيقاً حرفياً لقول الله جل وعلا: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥].
وتمثلت هذه العبودية -رابعاً- بالجانب الأخلاقي والسلوكي، امتثالاً عملياً لقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠]، وامتثالاً عملياً لقول الحبيب ﵌ في الحديث الذي رواه البخاري في الأدب المفرد، والحاكم في المستدرك، والبيهقي في الشعب، وصحح الحديث شيخنا الألباني في صحيح الجامع من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق).
إنه مجتمع فريد في كل شيء: في عقيدته، في عبادته، في شريعته، في أخلاقه وسلوكه ومعاملاته، إنه مجتمع رباه القرآن، وطهر باطنه وظاهره، وأخلاقه ومشاعره، وحاطه بسياج من التربية الفذة الفريدة الكاملة، فعاش أفراد هذا المجتمع في واحة من الود الندي، والتسامح الجياش، والحب والإخاء، كأنهم جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، إنه مجتمع رباه النبي ﵌ تربية فذة كريمة شاملة كاملة، رباه المصطفى ﵊ تربية حولت كل هذه الأطر النظرية الإسلامية إلى واقع متحرك، وإلى مجتمع مرئي ومنظور ومحسوس، نقله النبي ﵊ من أجواء الكفر والحقد والكراهية والعنصرية والقبلية البغيضة، إلى واحة التوحيد، وإلى واحة الحب في الله والإخاء والمساواة وعدم التفرقة، فلا تميز في هذا المجتمع لمن ارتفع على من اتضع، ولا لمن اغتنى على من افتقر، ولا لمن حكم على من حُكِم، لا فضل لأحد إلا بالتقوى والعمل الصالح، كما قال ربنا جل وتعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣].
وظل هذا المجتمع -أيها الخيار الكرام- هكذا يطاول كواكب الجوزاء في عنان السماء، ظل متمسكاً بكتاب رب الأرض والسماء وسنة النبي ﵊، ظل هذا المجتمع هكذا حتى أخذ يبتعد رويداً رويداً عن هذا النبع الكريم، وعن هذا الأصل العظيم، عن نبع عزه ومصدر شرفه، وأصل كرامته وسيادته وقيادته، وراح هذا المجتمع يطرح بين يديه أصل الكرامة والسؤدد؛ ليلهث وراء الشرق الملحد تارة، ووراء الغرب الكافر تارة أخرى، فحدث في هذا المجتمع هذا الخلق العجيب، وهذا الانفصام النكد بين المنهج المنير والواقع الحنظل المرير.
ففي الجانب العقدي نرى العقيدة اليوم تذبح شر ذبحة على أيدي أبنائها الذين ابتعدوا كثيراً عن حقيقتها ومقتضياتها، وعن مفهومها الشامل ومقتضاها الشامل، ودخل الفكر الإرجائي في جسد الأمة، فابتعد الناس كثيراً -إلا من رحم ربك- عن صفاء هذه العقيدة الخالصة.
وفي الجانب التعبدي: صرف كثير من أبناء الأمة العبادة لغير الله جل وعلا، وسمعنا بآذاننا من أبناء الأمة الكبار من يقول: إنني ممن يعتقد أن للكون أقطاباً وأوتاداً وأبدالاً تنظم شئونه وتدبر حياته! صرفت العبادة لغير الله، ذبح لغير الله، ونذر لغير الله، وطاف المسلمون بغير بيت الله، وحلف المسلمون بغير الله جل وعلا، وقدمت العبادة في كثير من صورها وأجزائها إلى غير الله جل وعلا، إلا من رحم ربك.
وفي الجانب التشريعي: وقع ما لم يكن يخطر لأحد على بال، وقع المنكر الأعظم، والفساد الأخطر الأكبر بتنحية شريعة الله جل وعلا، وتحكيم القوانين الوضعية الفاجرة، التي هي من صنع المهازيل من البشر من شيوعين، وعلمانيين، وديمقراطيين، واشتراكيين، وبعثيين، وعفلقيين وغيرهم، ونحى المسلمون شريعة الله! وقدموا شريعة المهازيل من البشر! الذين تتحكم فيهم الأهواء والشهوات والنزوات، والله جل وعلا رب الأرض والسماوات يقول: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠]، ﴿إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٤٠].
وفي الجانب النفسي: نرى هزيمة نفسية مدمرة، ونرى الساحة تعج بمسخ مشوه للهوية، وبأغاليط تشوه الفكر وتمسخ التاريخ، وبزعزعة تميت الانتماء في القلوب والعقول.
أما في الجانب الأخلاقي والسلوكي فحدث ولا حرج، فهذا التخلف في الأخلاق، وهذه الانتكاسة في السلوك وفي المعاملات، وهذا الانفصام النكد بين العبادات والمعاملات: في المتاجر والمصانع والمزارع والشوارع والحقول والتجارات وغيرها، هذا الانفصام النكد إنما هو نتيجة حتمية للتخلف العقدي والتعبدي والتشريعي والنفسي مع غياب التربية الإسلامية الصحيحة، مع نسيان قول رسول الله: (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق).
وهكذا أيها الأحبة نرى انفصاماً بين المنهج المنير والواقع المرير، ولكن في دياجير هذا الظلام، شاء الله ﵎ أن يبسط في الأفق نوراً -سأتحدث عنه بعد قليل بإيجاز شديد- فهذا هو أول سبب من الأسباب التي دعتني للحديث عن أصول التربية، وعن الإطالة في المقدمة عن عمد وعن اختيار؛ لأننا نرى هذا ولا ينكر ذلك أحد إلا إذا كان يعيش في برج عاجي! أو جلس ينظر لحال المسلمين من مكتب مكيف مغلق لا يحتك بواقع الناس في شيء.
هذا هو السبب الأول الذي دعاني للإطالة في هذه المقدمة لأصول التربية، ألا وهو الانفصام بين الواقع والمنهج، أو بين المنهج المنير والواقع الحنظل المرير.
стр. 1281
الذوبان في بوتقة المناهج التربوية الغربية
السبب الثاني الذي دعاني للحديث بمقدمة طويلة في أصول التربية هو: الذوبان في بوتقة المناهج التربوية الغربية.
أيها الأحبة الكرام! لقد هزمت الأمة المسلمة هزيمة نفسية منكرة يوم أن تخلت عن موكب الهدى، وركب النور، وتنكبت الصراط، وتركت أصل العز والشرف، وراحت تلهث وراء الشرق تارة، ووراء الغرب الكافر تارة أخرى.
تخلفت الأمة في وقت تقدمت فيه الحضارة المادية المذهلة تقدماً يأخذ العقول ويبهر العيون! ثم أفاقت الأمة بعد هذا التقدم العلمي المذهل، ونظرت إلى هذا التطور العلمي نظرة الملهوف الذي فقد كل شيء، وغدا مستعداً للذوبان في أي بوتقة، لا سيما في بوتقة هذا التقدم المادي المذهل! فراحت الأمة تحاكي هذه الحضارة الغربية الكافرة، ولا تفرق على الإطلاق بين الحضارة المادية العلمية الصناعية، وبين الحضارة التربوية الأخلاقية، وراحت الأمة تحاكي وتقلد دون تفريق إلا من رحم الله جل وعلا، وصدق فيها قول من لا ينطق عن الهوى كما في الصحيحين من حديث أبي سعيد أنه ﵌ قال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن!) أي: من غير اليهود والنصارى؟! راحت الأمة تحاكي الكفار محاكاة عمياء، وصرخت أصوات المحررين، وأصوات المجددين، وأصوات المطورين، وأصوات المصلحين، هكذا سماهم أعداء ديننا للي أعناق الناس إلى أفكارهم لياً، ولإرغام أنوف الناس إلى مناهجهم التربوية الخبيثة، فراحوا يصرخون في الأمة بالذوبان في بوتقة المناهج التربوية الغربية الدخيلة على عقيدتنا وديننا وإسلامنا، باعتبار أن هذه المناهج هي إكسير السعادة وسر الحياة وبلسم الشفاء لهذه الأمة التي تعثرت في هذا الموقف الخطير! فراحت الأمة تحاكي الكفار دون تفرقة بين الحضارة المادية والحضارة التربوية الأخلاقية.
وبعد تجربة طويلة مريرة، جاءت الأمة في وقت الحصاد لتحصد الفشل الذريع في الجانب التربوي والأخلاقي في كل صوره، وأصبح الذين كانوا ينافحون ويدافعون بالأمس القريب عن المناهج التربوية الغربية أصبحوا يعلمون يقيناً أنهم حصدوا سراباً، وزرعوا شوكاً وحنظلاً، وقطفوا شقاء وتعاسة، فنحن بحق وبكل ثقة -وأقولها برأس يناطح السماء- نحن بحق نملك المنهج التربوي المتكامل الفذ الفريد؛ لأننا نملك الإسلام الذي يملك وحده -بلا منازع- المنهج التربوي المتكامل لكل جزئيات الحياة، نملك هذا المنهج العظيم، وما زال الإسلام شامخاً يعرض نفسه على الإنسانية كلها على أنه وحده هو المخلص للإنسانية من هذا الضيم، ومن هذا الشقاء، بعد أن أحرقها لفح الهاجرة القاتل، وأضناها طول المشي في التيه والضلال، يعرض الإسلام نفسه كمخلص لهذه الإنسانية كلها؛ لأنه ابتداء وانتهاء منهج الله الخالق الذي يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير.
أيها الخيار الكرام! وفي دياجير هذا الظلام لا أنكر على الإطلاق، كما لا ينكر ذلك على الإطلاق أحد يتابع أحوال الأمة، لا ننكر أن الأمة الآن بفضل من الرحيم الرحمن بدأت تنتقل من أخطر مراحلها، من حالة أزمة الوعي إلى وعي الأزمة، وهانحن نرى أصدق دليل عملي على كلامي هذا، ألا وهو هذه الصحوة الإسلامية الكريمة المباركة، التي بدأت تنقل الأمة حقيقة من تلك المرحلة التعيسة إلى هذه المرحلة الوضيئة المشرقة، فهانحن نرى بفضل الله جل وعلا صحوة كريمة مباركة بدأت تتنزل بفضل الله في كل بقاع الدنيا كتنزل حبات الندى على الزهرة الضمأى والأرض العطشى، أو كنسمات ربيع باردة عطرتها وطيبتها أنفاس الزهور، هانحن نرى ثلة كريمة مباركة من شباب في ريعان الصبا، وفتيات في عمر الورود، هذه الكوكبة الكريمة التي جاءت لتسير على طريق الدعوة الطويل الضارب في شعاب الزمان من لدن نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، جاءت هذه الكوكبة لتمضي على ذات الطريق، مستقيمة الخطى، ثابتة الأقدام، تجتاز الصخور والأشواك والحجارة، تسيل دماء، وتتمزق أشلاء هنا وهناك، ولكن الركب الكريم في طريقه لا ينحني، ولا ينثني، ولا يحيد؛ لأنه على ثقة مطلقة، ويقين متكامل أن معه الحق الذي من أجله خلق الله السماوات والأرض، والجنة والنار، ومن أجله أنزل الله الكتب، ومن أجله أرسل الله الرسل، إنه والله لصبح كريم عظيم جليل مبارك، صبح هذه الصحوة الكريمة المباركة: صبح تنفس بالضياء وأشرق والصحوة الكبرى تهز البيرقا وشبيبة الإسلام هذا فيلق في ساحة الأمجاد يتبع فيلقا وقوافل الإيمان تتخذ المدى درباً وتصنع للمحيط الزورقا وما أمر هذي الصحوة الكبرى سوى وعد من الله الجليل تحققا هي نخلة طابت ثرى فنما لها جذع قوي في التراب وأعذقا هي في رياض قلوبنا زيتونة في جذعها غصن الكرامة أورقا فجر تدفق من سيحبس نوره أرني يداً سدت علينا المشرقا يا نهر صحوتنا رأيتك صافياً وعلى الضفاف رأيت أزهار التقى قالوا تطرف جيلنا لما سما قدراً وأعطى للطهارة موثقا ورموه بالإرهاب حين أبى الخنا ومضى على درب الكرامة وارتقى أوكان إرهاباً جهاد نبينا أم كان حقاً بالكتاب مصدقا أتطرف إيماننا بالله في عصر تطرف في الهوى وتزندقا إن التطرف أن نذم محمداً والمقتدين به ونمدح عفلقا إن التطرف أن نرى من قومنا من صانع الكفر اللئيم وأطرقا إن التطرف أن نبادل كافراً حباً ونمنحه الولاء محققا إن التطرف وصمة في وجه من حولوا البوسنة جمراً محرقا شتان بين النهر يعذب ماؤه والبحر بالملح الأجاج تدفقا يا جيل صحوتنا أعيذك أن أرى في الصف من بعد الإخاء تمزقا لك في كتاب الله فجر صادق فاتبع هداه ودعك ممن فرقا لك في رسولك أسوة فهو الذي بالصدق والخلق الرفيع تخلقا يا جيل صحوتنا ستبقى شامخاً ولسوف تبقى بالتزامك أسمقا هذه الصحوة الكريمة أيها الأحبة! سبب وأصل عملي لانتقال الأمة من مرحلة أزمة الوعي إلى وعي الأزمة، وهذه الصحوة هي السبب الثالث من أسباب اختياري لهذا الموضوع، وأفصل هذا السبب في وقت وجيز بعد جلسة الاستراحة، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 1282
الصحوة الكريمة المباركة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة! أقول: إن السبب الثالث الذي دعاني لاختيار هذا الموضوع هو هذه الصحوة الكريمة المباركة، فإن هذه الصحوة من أجل أن تكون قوية بنّاءة مثمرة راشدة، فإنها في حاجة إلى منهج تربوي دقيق، يحميها من الانسياح والذوبان في أطر ومناهج مشوشة وملوثة، هذا المنهج التربوي الدقيق المنبثق من القرآن والسنة بفهم سلف الأمة هو وحده الكفيل -بإذن الله جل وعلا- أن يحفظ لهذه الصحوة ثمرتها، وأن يحفظ لهذه الصحوة جهدها، وأن يحفظ لهذه الصحوة عملها، هذا المنهج التربوي الدقيق المنبثق من القرآن والسنة بفهم سلف الأمة هو الذي يحفظ جهد الصحوة من أن يضيع كما يضيع ماء الأمطار بين الوديان والشعاب، وهو الذي يحمي الصحوة من الوقوع في أي تعامل خاطئ مع النصوص العامة أو الخاصة، بالاستشهاد بها في غير موضعها، أو في غير محلها، أو بدون تحقيق المناطات الخاصة والعامة التي لابد منها حتماً للربط ربطاً صحيحاً بين دلالة النصوص وحركة الواقع.
هذه الصحوة تحتاج إلى هذا المنهج التربوي المتكامل؛ لتستفيد منها الأمة، وليجعل الله ﵎ خيرها عاماً نافعاً، حتى لا ينطلق فرد أو جماعة أو أي فصيل حركي بعيداً عن هذا المنهج التربوي، فيخطئ ويحسب خطؤه على الحركة بصفة عامة.
إن قدر الله لنا البقاء واللقاء فسوف يكون حديثنا في الأسبوع المقبل بإذنه ﵎ عن مصادر التربية الإسلامية، وهي: القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، ومنهج السلف باعتباره يمثل التطبيق العملي للقرآن والسنة.
أسأل الله جل وعلا أن يتقبل مني وإياكم صالح الأعمال، اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1283
أصول التربية [٢]
أمتنا الإسلامية أمة ذات كيان مستقل في جميع المجالات، لا سيما المجال التربوي، وإن استقلال الأمة في المجال التربوي، وعودتها إلى مصادر التربية الإسلامية المتمثلة في القرآن والسنة ومنهج السلف الصالح، كفيل بتعويض الأمة ما فاتها من عز وسؤدد، أما جريها وراء الشرق تارة ووراء الغرب تارات؛ مستمدة مصادر التربية من هناك فلن يزيدها إلا ضعفاً وذلاً.
стр. 1284
مصادر التربية الإسلامية وأهمية الرجوع إليها
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: أحبتي في الله! هذا هو لقاؤنا الثاني مع أصول التربية في سورة لقمان، وقد ذكرت في اللقاء الماضي أنني سأستهل هذا الموضوع الهام الكبير بمقدمة عامة في أصول التربية، وقد تحتاج منا هذه المقدمة إلى أكثر من لقاء، وجعلت أول عناصر هذه المقدمة هو أسباب اختياري لهذا الموضوع، وذكرت ثلاثة أسباب: الأول: الانفصام بين المنهج والواقع.
الثاني: الذوبان في بوتقة المناهج التربوية الغربية الدخيلة على عقيدتنا وديننا.
أما السبب الثالث فهو: هذه الصحوة الإسلامية الكريمة المباركة التي بدأت تتنزل بفضل من الله جل وعلا في كل بقاع الدنيا كتنزل حبات الندى على الزهرة الظمأى والأرض العطشى، أو كنسمات ربيع باردة عطرتها وطيبتها أنفاس الزهور، وهذه الصحوة من أجل أن تكون قوية بناءة مثمرة راشدة، فإنها في أمس الحاجة إلى منهج تربوي أصيل منبثق من القرآن والسنة بفهم سلف الأمة حتى لا يضيع جهد هذه الصحوة سدى كما يضيع ماء الأمطار بين الوديان والشعاب.
وها نحن اليوم بإذن الله جل وعلا على موعد مع اللقاء الثاني من لقاءات المقدمة لأصول التربية في سورة لقمان، وحديثنا اليوم عن مصادر التربية في الإسلام.
وأعيروني القلوب والأسماع أيها الخيار الكرام! فإن طبيعة هذه الموضوعات المنهجية تحتاج إلى تركيز شديد، ومتابعة مركزة، لاسيما وقد اشتكى إلي كثير من الأحبة صعوبة الطرح في اللقاء الماضي، فأسأل الله جل وعلا أن ييسر لنا الأسباب، وأن يذلل لنا الصعاب، وأن يفتح لنا أبواب علمه وفضله وخيره، إنه حليم كريم وهاب.
أحبتي في الله! إن مصادر التربية الإسلامية هي: القرآن الكريم، والسنة المطهرة، ومنهج السلف باعتباره يمثل التطبيق العملي للقرآن والسنة، والله ما انتكست الأمة المسلمة هذه الانتكاسة الخطيرة في عقيدتها وأخلاقها وسلوكها ومعاملاتها إلا يوم أن تخلت عن هذه المنابع الصافية الطاهرة، وراحت تستقي من معين الحضارة الشرقية الملحدة تارة، ومن معين الحضارة الغربية الكافرة تارة أخرى، دونما تفريق بين الحضارة الصناعية والعلمية، والحضارة التربوية والمنهجية والأخلاقية! وقد آن الأوان وحان الوقت لاسيما بعدما انتقلت الأمة بفضل الله جل وعلا، ثم بفضل هذه الصحوة من مرحلة أزمة الوعي إلى مرحلة وعي الأزمة، حان الوقت وآن الأوان ليتخلص مخططو وواضعو المناهج التربوية لأبنائنا وشبابنا في شتى المجالات، وشتى مناحي وفروع ومراحل التعليم، من عقدة النقص أمام المناهج التربوية الدخيلة على عقيدتنا وديننا؛ لأننا بكل ثقة نملك المنهج التربوي الفذ الفريد المتكامل لكل جزئيات الحياة؛ لأننا نحمل الإسلام، والإسلام وحده هو الذي يملك المنهج المتكامل الوحيد الذي يرتقي بالبشرية إلى ذروة المجد والعلا، وإلى واحة السعادة والهناء في الدنيا والآخرة، وها هو الإسلام ما زال شامخاً يعرض منهجه كمخلص للإنسانية كلها من هذا التيه، والضنك، والركام، بعد أن أحرقها لفح الهاجرة القاتل، وأضناها طول المشي في التيه والضلال، ها هو الإسلام يعرض نفسه ومنهجه كمخلص للبشرية كلها؛ لأنه ابتداء وانتهاء منهج الله خالق الإنسان، الذي قال وقوله الحق: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤].
стр. 1285
القرآن الكريم أول مصادر التربية الإسلامية
إن أول مصدر من مصادر التربية الإسلامية، وإن معين التربية الأول الذي لا يجف، هو القرآن الكريم، فإن القرآن هو معين التربية الأول، وهو مصدر الهدى والنور الذي أشرقت له الظلمات، وهو الرحمة الكبرى التي بها صلاح جميع المخلوقات، وهو نور الأبصار من عماها، وشفاء الصدور من أذاها، كلما ازدادت فيه الأبصار تدبراً وتفهماً وتفكيراً زادها القرآن هداية واستقامة وتبصيراً.
القرآن أسمع -والله- لو صادف آذاناً واعية، وبصر -والله- لو صادف قلوباً خالية من الفساد.
القرآن الكريم هو النعمة الباقية، والعصمة الواقية، والحجة البالغة، والدلالة الدامغة، كيف لا وهو كلام الحق جل وعلا؟! إننا أمام القرآن، ومع القرآن، وهو خطاب مباشر من الرحيم الرحمن جل وتعالى.
القرآن الكريم معين التربية الإسلامية الأول، وبأسلوبه الفذ الفريد استطاع أن يربي الرعيل الأول تربية متكاملة، وهم الذين حولوا بدورهم هذا القرآن إلى منهج حياة، وواقع متحرك، ومجتمع منظور؛ لأن الرعيل الأول كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم ينتقلوا عنها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلموا القرآن والعمل جميعاً، وبأسلوب التربية الرائع الخلاب للقرآن الكريم تربى ذلك الرعيل الأول تربية سامقة، وجعلهم على القمة التي تشرف على جميع بني الإنسان، واستحقوا -بعدما اكتمل منهج التربية لهم- الخطاب من علام الغيوب في قوله جل وعلا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠].
стр. 1286
أسس التربية في القرآن الكريم
إن للقرآن الكريم أسلوبه الفذ الفريد الخاص في وضع أسس التربية المتكاملة: تارة بالحوار، وتارة بالقصص، وتارة بالوصف، وتارة بالترهيب، وتارة بالترغيب، وتارة بالتعريض، وتارة بالوعد والوعيد، أسلوب فذ فريد للقرآن؛ لأنه كلام الرحيم الرحمن الذي خلق النفس ويعلم مكامنها، ويعلم مؤثراتها، ويعلم ما الذي يؤثر فيها، إن القرآن الكريم يخاطب أعماق الفطرة، ويستجيش الوجدان الحي، ويحرك القلوب الحية، والعقول النيرة، ويستنطق الفطر من أعماقها؛ لتوحد الله جل وعلا.
بل لقد بلغ من إعجاز القرآن الكريم، وأسلوبه الرائع الخلاب أن خاف المشركون على قلوبهم وأنفسهم من السماع إليه حتى لا يتحولوا من الشرك إلى التوحيد لله جل وعلا، بل لقد كانت وصية بعضهم لبعضهم الآخر كما حكى الله عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت:٢٦] بل لقد ذهب النبي ﵌ في يوم كريم من أيام شهر رمضان المبارك في السنة الخامسة من البعثة المحمدية المباركة، إلى بيت الله الحرام في مكة -زادها الله تشريفاً- حيث جلس السادة والكبراء من المشركين، وقام النبي ﷺ على رءوسهم، وأخذ يتلو عليهم القرآن الكريم، وافتتح بسورة النجم، وقرع آذانهم كلام إلهي رائع خلاب، يستجيش الوجدان، ويلمس القلوب، ويحرك العواطف تحريكاً، وأنصت المشركون جميعاً لكتاب الله، وما ظنكم بقرآن الله يتلوه رسول الله ﵌! وأنصت المشركون جميعاً، وانشغلوا عن كل شيء لسماع القرآن كلام الرحيم الرحمن جل وعلا، وقرأ النبي ﷺ في آخر السورة وفيها قوارع تطير لها القلوب: ﴿أَزِفَتْ الآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ * أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم:٥٧ - ٦٢] وخر النبي ﷺ ساجداً لله، فلم يتمالك المشركون أنفسهم، وخروا سجداً لله خلف رسول الله! إي وربي خر المشركون سجداً لله خلف رسول الله! ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج:١٨].
ولقد روى قصة سجود المشركين خلف رسول الله ﷺ الإمام البخاري في صحيحه في كتاب: سجود القرآن، وعنون لهذا الباب بقوله: باب سجود المسلمين مع المشركين، وذكر حديث ابن عباس ﵄ (أن النبي ﷺ سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس).
إنه كلام الحق جل وعلا، بدأ القرآن بأسلوبه الفذ الفريد في تربية هذا الرعيل الأول -وانتبهوا أيها الأخيار- إن أول لبنة وضعها القرآن الكريم في هذا البناء التربوي الكامل المتكامل هي العقيدة، بدأ الإسلام أسلوبه التربوي، وركز القرآن أسلوبه التربوي بوضع لبنة العقيدة في القلوب.
لماذا؟ لأن التربية لا تقوم ابتداء على منهج لوثت فيه العقيدة، ولا شك أن المسلمين اليوم في أمس الحاجة إلى تصحيح العقيدة، فواجب على كل الدعاة الصادقين أن يبدءوا بمثل ما بدأ به القرآن لتربية الأمة المسلمة من جديد؛ لتحاكي الرعيل الأول والمجتمع الأول الذي رباه القرآن على يد أعظم مرب عرفته الدنيا، على يد محمد ﵌.
стр. 1287
اهتمام القرآن بالتربية على العقيدة الصحيحة في الله تعالى
بدأ القرآن الكريم يربي العقيدة في القلوب تربية صحيحة، ويعرف الناس بخالقهم وبربهم جل وعلا، ويعرفهم بالغاية التي من أجلها خلقوا، ألا وهي عبادة الله، فإن الله لم يخلق الخلق سدى وهملاً، بل خلق الله الخلق ليعبدوه، وبالإلهية يفردوه ويوحدوه، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨].
بدأ القرآن يعرف الناس بخالقهم، ورازقهم وربهم جل وعلا، بأسلوب عجيب يخاطب أعماق الفطرة؛ ليجعلها تنطق بوحدانية الله، اقرأ قول الله جل وعلا في سورة النمل: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٠] يستنطق أعماق الفطرة ﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل:٦٠ - ٦٥].
واقرأ قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١] إلى آخر الآيات، والآيات في هذا كثيرة جداً.
стр. 1288
تربية القرآن للناس على الإيمان باليوم الآخر
وبعدما عرفهم القرآن بخالقهم وربهم جل وعلا عرفهم باليوم الآخر، هذا اليوم الذي لابد للإنسان أن يعرض فيه على الله؛ ليحاسب على كل ما قدم: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨] لماذا؟ لأن التربية التي تقوم على الإيمان بالله وعلى الإيمان باليوم الآخر هي وحدها التي تحفظ التوازن في هذه الحياة الدنيا لبني الإنسان، اقرأ قول الله وهو يصف لهم اليوم الآخر وصفاً دقيقاً؛ حتى كأنهم يرونه رأي العين: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:١ - ٩].
واقرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار:١ - ٥].
واقرأ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢].
واقرأ: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنْ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ * فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً * يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ * وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً * يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ * وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ * كَلاَّ إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى * تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ [المعارج:١ - ١٨] إلى آخر الآيات.
والآيات في كتاب الله جل وعلا كثيرة، فإن التربية على الإيمان بالله واليوم الآخر هي التي تحفظ التوازن لهذا الإنسان في هذه الحياة.
стр. 1289
تعريف القرآن للناس بأنفسهم وحقيقتها
وبعدما رباهم على الإيمان بالله وعلى الإيمان باليوم الآخر عرفهم بأنفسهم، من أنت أيها الإنسان؟! وأجاب القرآن على كل تساؤلات الفطرة: من أنت؟ ومن أين؟ وإلى أين؟ وما هو المصير؟ والتربية الإسلامية الصحيحة التي تقوم على إجابات واضحة في النفس والقلب والعقل والضمير لكل هذه التساؤلات هي وحدها الضمان الوحيد والأكيد الذي يمنح الإنسان السعادة والطمأنينة، ويحميه من الوقوع في القلق والشك والحيرة والاضطراب الذي وقع فيه كثير من الناس بعد الابتعاد عن هذا المنهج الرباني الكريم.
وعبر عن هذه الحيرة وعن هذا الشك وعن هذا القلق أحدهم فقال بلسان المقال: جئت ولكني لا أعلم من أين أتيت! ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت! وسأمضي في طريقي شئت هذا أم أبيت!؟ كيف جئت؟! كيف أبصرت طريقي؟! لست أدري؟! ويمضي في هذا الشك وهذه الحيرة وهذا القلق، يمضي يقطع الطريق كالبهيمة السائمة! لا يعرف لحياته معنى، ولا يعرف لوجوده هدفاً، ولا يعرف لوجوده غاية، وصدق ربي إذ يقول: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩] إنه وصف الله جل وعلا لهذا الإنسان الذي لا يدري! لكن المسلم المؤمن يعلم من الذي خلقه، ويعلم لماذا خلقه، ويعلم أن المصير: إما نعيم وإما جحيم، إما إلى جنة وإما إلى نار، ووالله أيها الخيار الكرام! لا يحس بهذه السعادة ولا بهذه الطمأنينة إلا من فقدها، نسأل الله أن يتم علينا وعليكم نعمة الإيمان.
الإيمان بالله جل وعلا، ذلكم هو منهج القرآن الكريم الفذ الفريد، ولا أستطيع أن أتوقف عند كل توجيهاته، فإن القرآن الكريم وجه الجماعة الأولى بجميع التوجيهات في جميع مناحي الحياة: السياسية والتعليمية والتربوية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والمعاملات والسلوك إلخ، وبهذا الأسلوب التربوي الفذ الفريد المتكامل استطاع القرآن أن يربي الرعيل الأول هذه التربية السامقة، وأن يستحقوا الخطاب من الله جل وعلا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠].
هذا هو مصدر التربية الأول الذي ما فرط الله جل وعلا فيه من شيء، وواجب على جميع مخططي وواضعي المناهج التربوية لأبنائنا وشبابنا أن يعودوا إلى هذا النبع الكريم الصافي، وإلى معين التربية الأول، إلى القرآن الكريم.
стр. 1290
السنة النبوية ثاني مصادر التربية الإسلامية
ثانياً بإيجاز شديد: المصدر الثاني من مصادر التربية الذي لا يمكن بحال أن يتخلف عن المصدر الأول أو أن يتنكب عنه هو سنة الحبيب المصطفى ﵌.
أيها الخيار الكرام! إن السنة الكريمة موضحة ومبينة لكتاب الله، ولقد ابتلينا بصنف خبيث زنديق، وهي شنشنة قديمة حديثة! هذا الصنف رفع عقيرته وقال: بعدم حجية السنة وبعدم وجوب الأخذ بها! ورفع شعار: أنه لا نأخذ إلا بالقرآن! وكذب؛ فوالله إنه يوم أن ضيع السنة ضيع معها القرآن؛ لأن السنة لا تنفصم عن القرآن، ففي الحديث الذي رواه الحاكم في المستدرك وصححه الشيخ الألباني أن النبي ﵌ قال: (تركت فيكم شيئين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي)، وفي لفظ: (وإنهما لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض يوم القيامة).
ولقد أخبر الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى عن هذا الصنف الخبيث الذي ينادي بالقرآن ويهجر السنة، ويعرض عنها، كما في الحديث الذي رواه ابن ماجة والإمام الترمذي وصحح إسناده الشيخ الألباني في المشكاة من حديث المقدام بن معد يكرب أنه ﷺ قال: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه)، وفي رواية أخرى: (ألا إن ما حرم رسول الله كما حرم الله جل وعلا) نعم، ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥].
وشخصية النبي ﵊ منهج تربوي كامل بأقواله وأفعاله وأحواله وتقريراته وسلوكه ﵊، وكيف لا وقد رباه الله على عينه، وزكاه في كل شيء! وما تركه وما ودعه وما قلاه، زكاه في صدقه فقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى﴾ [النجم:٣]، وزكاه في بصره فقال: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧]، وزكاه في فؤاده فقال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١]، وزكاه في صدره فقال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١]، وزكاه في ذِكْره فقال: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:٤]، وزكاه في طهره فقال: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح:٢]، وزكاه في علمه فقال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٥]، وزكاه في حلمه فقال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، وزكاه كله فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
ما ظنكم بمرب هذه صفاته، وتلك هي أخلاقه، يقررها له رب العالمين جل وعلا؟! إن أعظم مرب عرفته الدنيا هو محمد رسول الله ﵌.
стр. 1291
أعظم مرب هو النبي ﷺ
أيها الحبيب الكريم! وإذا كان المنهج يؤثر بطابع من يتربون عليه فما ظنكم بمنهج هو القرآن الكريم؟! وإذا كان كل تلميذ يقتبس من أستاذه فما ظنكم بقبس من أستاذ هو رسول الله ﵌؟! إن أعظم مرب عرفته الدنيا هو محمد ﵌، وكل أحواله وأفعاله منهج تربية، ومنهج حياة، يجب على المسلمين أن يستقوا منه، وأن يأخذوا من معينه الفياض الذي لا يجف ولا ينتهي بإذن الله جل وعلا، ولذلك ينبغي أن نقف مع السنة.
والله يا أحباب! إن الناس يعشقون العظمة، ويلتفون حولها بدافع من الإعجاب الشديد، وبدافع من الحب العميق، ولكن شخصية رسول الله ﷺ فضلاً عن أنها تحب لذاتها فإنها تحب أيضاً لأنه رسول الله مبلغ عن الله، فقد اكتملت فيه صفات العظمة الإنسانية والبشرية فضلاً عن أنه يوحى إليه من ربه جل وعلا، ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف:١١٠] إنه المصطفى ﵊، وهذا بعد جديد آخر أضفى حباً عميقاً في قلوب الصحابة لرسول الله ﷺ ، والله مهما أوتينا من سحر البيان، وفصاحة اللسان، وعظمة البلاغة والتبيان، فلن نستطيع على الإطلاق أن نعبر أو أن نجسد أو أن ننقل لكم فحوى حب أصحاب النبي له صلى الله عليه وآله سلم! وكيف أستطيع ذلك وقد جاء صحابي جليل إلى رسول الله ﷺ ليقول له: (يا رسول الله! والله إنك لأحب إلي من نفسي، وإنك لأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتي لأنظر إليك)؟! أي حب هذا؟! (وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتي لأنظر إليك)! لكن الرجل جاء حزيناً فزعاً، ما سبب فزعه وحزنه؟! قال: (وإذا ذكرت موتك يا رسول الله! علمت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإني إذا دخلت الجنة خشيت ألا أراك) فسكت النبي ﵊ ولم يجبه، فنزل الجواب الندي الرضي من الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنْ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً﴾ [النساء:٦٩ - ٧٠].
والحديث رواه الضياء المقدسي في صفة الجنة وحسنه من حديث عائشة، وصحح إسناده وحسنه أيضاً الإمام الترمذي، ورواه الطبراني في الصغير والأوسط، وقال الإمام الهيثمي في مجمع الزوائد: ورجاله رجال الصحيح، غير عبد الله الغامدي وهو ثقة.
فينبغي أن نعلم أن رسول الله ﷺ كما أنه يحب لذاته فإنه يحب لأنه رسول الله ﵌، بل لما جاء عروة بن مسعود الثقفي ليوقع صلح الحديبية مع رسول الله وقف المغيرة بن شعبة على رأس رسول الله، أي: عند رأسه، وكان من عادة العرب إذا أرادوا التودد والتقرب أن يعبثوا ويداعبوا لحية من يخاطبونه، فمد عروة بن مسعود يده ليداعب لحية النبي ﵊، فما كان من المغيرة بن شعبة إلا أن ضرب يده بنعل سيفه وهو يقول له: أخر يدك عن لحية رسول الله قبل ألا تصل إليك، والرسول ﷺ يبتسم.
فلما دقق عروة بن مسعود النظر في أصحاب رسول الله ﷺ عاد إلى قومه ليقول: يا قوم! والله لقد وفدت على الملوك: لقد أتيت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه، ووالله ما رأيت أحداً يعظمه أصحابه مثلما رأيت أصحاب محمد يعظمون محمداً! والله إذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا الصوت عنده، وإذا تكلموا معه لم يحدوا إليه الطرف تعظيماً له ﷺ ! هذه مكانة النبي ﷺ عند أصحابه، وهذا الحب أيها الأحباب! هو المفتاح الأول للتربية الصحيحة، وهو الذي يسهل كل صعب بعد ذلك بإذن الله جل وعلا.
ولا أستطيع أن أتوقف أمام المنهج النبوي المتكامل، وأكتفي بهذا المشهد الذي رواه الإمام أحمد في مسنده، وقال عنه الحافظ العراقي: إسناده جيد.
من حديث أبي أمامة، أن شاباً جاء إلى النبي ﵊ ليستأذنه هل يا ترى للخروج للجهاد في سبيل الله؟! هل يا ترى في الخروج للدعوة إلى الله جل وعلا؟! هل يا ترى للإنفاق في سبيل الله؟! كلا، وإنما جاء الشاب ليستأذن النبي في الزنا! يقول: يا رسول الله! أتأذن لي في الزنا؟! فقام عليه الصحابة وزجروه وقالوا: مه مه! ماذا تقول؟! فقال النبي ﵊ -المربي الأعظم بأبي هو وأمي-: (ادن واقترب، واقترب الشاب من رسول الله، ونظر إليه النبي ﷺ بمنتهى الرحمة، وقال له: أتحبه لأمك؟! قال: لا والله جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم! أتحبه لابنتك؟ قال: لا والله جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم! أتحبه لأختك لعمتك لخالتك؟! قال: لا والله جعلني الله فداك، قال: وكذلك الناس لا يحبونه لأخواتهم ولا لعماتهم ولا لخالاتهم، فوضع النبي ﷺ يده على صدر هذا الفتى، ثم دعا له -وهو الذي جاء يطلب الاستئذان للزنا- وقال النبي ﵊: اللهم اغفر ذنبه، وحصن فرجه، وطهر قلبه، فخرج الفتى ولم يكن يلتفت بعد ذلك إلى شيء).
إنه المنهج التربوي المتكامل.
أسأل الله جل وعلا أن يجزي عنا حبيبنا ورسولنا خير ما جزى نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته.
وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 1292
منهج السلف الصالح ثالث مصادر التربية الإسلامية
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وصحبه وسلم.
أيها الأحبة الكرام! بإيجاز شديد يبقى الحديث في دقائق معدودات عن المصدر الثالث من مصادر التربية بعد القرآن والسنة، ألا وهو منهج سلف الأمة الصالح باعتباره يمثل التطبيق العملي للقرآن والسنة.
والسلف مصطلح يطلق على ما كان عليه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وبقية الصحب الكرام، وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين، والأئمة الخيار المهديين، هذا معنى السلف، وأخطأ والله من جعل السلفية جماعة حزبية ضيقة مغلقة، أخطأ خطأً ذريعاً، ليس هؤلاء هم السلف، وليست هذه هي السلفية، إن السلفية ليست جماعة حزبية ضيقة مغلقة، ولكن السلفية نسبة إلى سلف الأمة الصالح، إلى أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأصحاب رسول الله ﷺ ، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، والأئمة الخيار المهديين الذين ذكرهم النبي ﷺ في حديثه الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود، قال: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).
ومن ثم فكل من جاء ليسير على هذا المنهج الرباني: على القرآن الكريم، وعلى السنة الصحيحة بفهم سلف الأمة الصالح، فهو ينسب إلى السلف، هو سلفي يستحق هذا التشريف وهو النسبة إلى سلف الأمة الصالح، إن اعتنق عقيدتهم وسار على طريقهم ودربهم فهو سلفي، ينسب إلى سلف الأمة الصالح رضوان الله عليهم، وإن باعدت بينه وبينهم الأماكن والأزمان، ومن عاش بين أظهرهم، وخالف عقيدتهم، وتنحى عن طريقهم، فليس منهم، حتى وإن عاش معهم، وقرب وجمع بينه وبينهم الزمان والمكان، هذا هو التعريف الصحيح للسلفية، ولمنهج السلف، ورضي الله عن ابن مسعود إذ يقول: (من كان مستناً فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا أفضل هذه الأمة، وأبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم).
أيها الأحبة! نتوقف عند هذا المنهج الكبير العظيم الشامل الذي يشمل كل جزئيات الحياة.
وأسأل الله ﵎ أن يرد الأمة إلى هذه المنابع الصافية رداً جميلاً، ووالله لن تعود للأمة كرامتها ولا هويتها ولا سيادتها إلا إذا عادت من جديد إلى هذا النبع الكريم، وإلى هذا المصدر الشريف.
أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم جميعاً لنعمل بكل ما سمعنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1293
التضحية والفداء
الإسلام دين العزة والكرامة والرحمة، وقد تداعت الأمم وتكالب الكفار على الكيد لهذه الأمة، فلابد من التضحية والبذل في سبيل الله كل بما يستطيع، من أجل نصرة الإسلام وإعزاز دين الله، وقدوتنا في ذلك أنبياء الله، وصحابة رسول الله ﷺ .
стр. 1294
الخليل ﵇ يعلم الأمة التضحية والفداء
الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو، فلا خالق غيره ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء، وطبتم جميعاً وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم جل وعلا الذي جمعنا مع حضراتكم في هذا المشهد المهيب الكريم على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار مقامته إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! عنوان لقائنا مع حضراتكم في هذا اليوم الكريم المبارك هو: هذا يوم التضحية والفداء.
стр. 1295
ترك الأوطان والهجرة إلى الله
أيها الأحبة الكرام! ما أحوج الأمة في هذه الأيام، وفي هذا اليوم العظيم الكريم أن تتعلم هذا الدرس الكبير -درس التضحية والفداء- من خليل الله إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
إن إبراهيم ﵇ قد قدم للبشرية كلها أغلى وأعلى دروس التضحية والفداء، نعم أيها المسلمون! إننا اليوم أمام موقف فريد في تاريخ البشرية، إننا أمام موقف من أعظم مواقف الإيمان، وأروع وأنبل مشاهد الطاعة وأعظم لحظات الاستسلام والانقياد لله جل وعلا.
أيها الأحبة الكرام: تعالوا بنا اليوم لنتعلم من خليل الله إبراهيم هذا الدرس الكبير من دروس التضحية والفداء، فهاهو إبراهيم ﵇ يتضرع إلى الله جل وعلا أن يرزقه ولداً صالحاً بعدما عزم على أن يهجر الوطن والأهل؛ لأن قومه قد أصروا على عبادة الأوثان بعدما رأوا الآية الكبرى والمعجزة العظمى، بعدما نجى الله خليله من النيران، ومع ذلك عزم القوم على عبادة الأوثان، وهنا قال إبراهيم: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت:٢٦] وقال: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات:٩٩]، وتضرع إلى الله أن يرزقه ولداً صالحاً ليعينه على هذا الأمر العظيم، فقال: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات:٩٩ - ١٠٠].
واستجاب الله جل وعلا دعاء خليله إبراهيم، فبشره بغلام حليم: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات:١٠١] وتنزلت البشارة على قلب الخليل كتنزل حبات الندى على الزهرة الظمأى والأرض العطشى، فطالما تطلع إبراهيم إلى هذا الغلام الذي يشهد له ربه جل وعلا بأنه حليم.
стр. 1296
الخليل يضحي بفلذة كبده لله
تدبر معي أيها المسلم الكريم تتابع الأحداث، يقول الله جل وعلا: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢] لم يكد إبراهيم ﵇ يأنس بولده ويسعد بصباه ويفرح بسعيه معه، إلا ويفاجأ إبراهيم بهذا الابتلاء العظيم؛ إنه يرى أنه يذبح ولده في المنام بيديه! ورؤيا الأنبياء وحي.
إنها التضحية، إنه الإباء، رحماك رحماك يا الله! التضحية بماذا؟ التضحية بالابن الوحيد الذي طالما تطلع إليه إبراهيم ﵇، إنه الابتلاء الذي لا مثيل له في تاريخ البشر، إنها التضحية التي ترتقي إلى أفق وضيء، تعجز عقول البشر أن تتصوره مجرد تصور فحسب، إنه الفداء الذي يجسد نبل الطاعة، وحلاوة الإيمان، وعظمة الاستسلام لله جل وعلا، وبرد اليقين بالله ﵎.
أيها المسلمون! هل تتصورون هذه اللحظات وإبراهيم ﵇ يقوم لينفذ أمر ربه جل وعلا بهذا الغلام البار الحليم، ويقول له: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢]، فيرد الولد الذي يرتقي هو الآخر إلى أفق قد ارتقى إليه من قبله أبوه ﵉، يقول الغلام البار: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢].
وانطلق إبراهيم للتنفيذ فعلاً: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٣] أي: ألقى إبراهيم الولد على وجهه ليذبحه من قفاه حتى لا تقع عين إبراهيم على عين ولده البار، فتخاطب البنوة الوادعة الحميمة البارة الأبوة الرحيمة الكريمة في قلب إبراهيم، فيتوانى عن تنفيذ أمر رب العالمين جل وعلا! وهنا يكون الابتلاء قد تم، ويكون الاختبار قد وقع، وتكون النتيجة قد ظهرت، ويكون إبراهيم وإسماعيل ﵉ قد جاوزا الابتلاء والاختبار الذي ابتلاهما به العزيز الجبار جل وعلا، فظهرت العبودية لله، وظهر الاستسلام لأمر الله، والله جل وعلا لا يريد من عباده إلا العبودية والاستسلام والإذعان، حتى لا تستبقي النفس لنفسها في نفسها شيئاً ولا تقدم شيئاً على الله ولا على أمر الله جل وعلا ولا على نواهيه ولا على حدوده.
وهنا نادى الله جل وعلا على إبراهيم: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات:١٠٥ - ١٠٩].
سلام على هذا الشيخ الأواه المنيب الحليم الذي وفى، الذي علم الدنيا حقيقة التضحية، وعظمة الفداء لله جل وعلا.
стр. 1297
حاجة الأمة إلى الاقتداء بإبراهيم ﵇ سيما في التضحية
أيها المسلمون! إن أولى الناس باتباع إبراهيم هو النبي محمد ﷺ ، والموحدون لله جل وعلا مع رسول الله، قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة:٤]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:٦٧ - ٦٨].
ما أحوج الأمة اليوم وفي هذه الظروف الحرجة التي ذلت فيها هذه الأمة وهانت لأحقر أمم الأرض! ذلت الأمة وهانت لخنازير الأرض من اليهود؛ ما أحوج الأمة اليوم إلى هذا الدرس الكبير، إلى درس التضحية لدين الله جل وعلا! فوالله الذي لا إله غيره إن ترك التضحية والبذل لدين الله، وترك هذا الدرس الكبير، سيجعل الأمة ذليلة كسيرة مبعثرة، كالغنم في الليلة الشاتية الممطرة، وستبقى الأمة قصعة مستباحة لأذل أمم الأرض ولأحقر أمم الأرض، لا سيما ونحن نرى الآن نتنياهو يعلم الأمة التضحية، إن الرجل يضحي الآن لعقيدته بكل سبيل وبكل قوة، لا يحترم في سبيل أمته وفي سبيل عقيدته ميثاقاً دولياً ولا قانوناً عالمياً، ولا يحترم مجلس الأمن ولا هيئة الأمم ولا أمريكا، لا يحترم إنساناً على الإطلاق في سبيل هذه الغاية التي نذر نفسه من أجلها.
إن الرجل يعلم الأمة -بكل أسف- كيف تكون التضحية، كيف يكون الفداء، فما أحوج الأمة الآن في هذا الظرف الحرج إلى هذا الدرس، إلى درس التضحية لدين الله جل وعلا! إلى درس الفداء لتنصر الأمة عقيدتها، ولتعلم الأمة عظمة هذه العقيدة، ولتعلم أنها عقيدة غالية تحتاج إلى تضحية، تحتاج إلى بذل، تحتاج إلى إنفاق، تحتاج إلى عطاء.
إننا اليوم أيها المسلمون! نريد تضحية من الرجال، نريد تضحية من النساء، نريد تضحية من الصبيان، نريد تضحية من الشباب والفتيات، والله ما تحولت الأمة من رعاة للإبل والغنم إلى سادة وقادة للدول والأمم، إلا يوم أن صدقت في إيمانها واعتزت بإسلامها، ونصرت دين ربها، وضحت لهذه العقيدة ولهذا الدين بكل ما تملك، وبأغلى ما تملك، بالنفس والأموال والنساء والأولاد والأوقات والأوطان، ضحت الأمة من قبل بكل شيء.
стр. 1298
نماذج من تضحيات الصحابة وأبنائهم
تدبروا معي يا شباب الإسلام هذه النماذج البسيطة لنتعلم دروس التضحية والفداء:
стр. 1299
تضحية أنس بن النضر
هذا أنس بن النضر ﵁ يسمع في غزوة أحد أن رسول الله قد مات، وأن رسول الله قد قتل، فيمر على قوم من المسلمين قد ألقوا السلاح من أيديهم، فيقول لهم: ما بالكم قد ألقيتم السلاح؟! فقالوا: قتل رسول الله ﷺ ، فقال أنس: فما تصنعون بالحياة بعد رسول الله؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ﷺ .
واندفع أنس بن النضر في صفوف القتال، فلقي سعد بن معاذ، فقال أنس: يا سعد والله إني لأجد ريح الجنة دون أحد، وانطلق في صفوف القتال فقاتل حتى قتل، وما عرفته إلا أخته ببنانه، وبه بضع وثمانون ما بين طعنة برمح وضربة بسيف ورمية بسهم.
стр. 1300
تضحية سعد بن الربيع
وهذا سعد بن الربيع الأنصاري ﵁ يقول النبي ﷺ لـ زيد بن ثابت: (يا زيد! ابحث عن سعد بن الربيع بين القتلى في أحد) يقول النبي لـ زيد: (فإن أدركته فأقرئه مني السلام، وقل له: يقول لك رسول الله ﷺ : كيف تجدك؟) أي: كيف حالك؟ وانطلق زيد بن ثابت ليبحث عن سعد بن الربيع الأنصاري فوجده في آخر رمق من الحياة، فقال له: يا سعد! رسول الله ﷺ يقرئك السلام، ويقول لك: كيف تجدك؟ فقال سعد بن الربيع لـ زيد بن ثابت: وعلى رسول الله وعليك السلام، وقل له: إني والله لأجد ريح الجنة، ثم التفت سعد وهو يحتضر إلى زيد بن ثابت، وقال: يا زيد بلغ قومي من الأنصار السلام، وقل لهم: لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى رسول الله ﷺ مكروه وفيكم عين تطرف! يا شباب! الرجل يفكر في رسول الله في آخر لحظات عمره: لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى رسول الله ﷺ مكروه وفيكم عين تطرف!
следующие страницы →