Полный текст (1 901 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
الخليل يضحي بفلذة كبده لله
تدبر معي أيها المسلم الكريم تتابع الأحداث، يقول الله جل وعلا: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢] لم يكد إبراهيم ﵇ يأنس بولده ويسعد بصباه ويفرح بسعيه معه، إلا ويفاجأ إبراهيم بهذا الابتلاء العظيم؛ إنه يرى أنه يذبح ولده في المنام بيديه! ورؤيا الأنبياء وحي.
إنها التضحية، إنه الإباء، رحماك رحماك يا الله! التضحية بماذا؟ التضحية بالابن الوحيد الذي طالما تطلع إليه إبراهيم ﵇، إنه الابتلاء الذي لا مثيل له في تاريخ البشر، إنها التضحية التي ترتقي إلى أفق وضيء، تعجز عقول البشر أن تتصوره مجرد تصور فحسب، إنه الفداء الذي يجسد نبل الطاعة، وحلاوة الإيمان، وعظمة الاستسلام لله جل وعلا، وبرد اليقين بالله ﵎.
أيها المسلمون! هل تتصورون هذه اللحظات وإبراهيم ﵇ يقوم لينفذ أمر ربه جل وعلا بهذا الغلام البار الحليم، ويقول له: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢]، فيرد الولد الذي يرتقي هو الآخر إلى أفق قد ارتقى إليه من قبله أبوه ﵉، يقول الغلام البار: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢].
وانطلق إبراهيم للتنفيذ فعلاً: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٣] أي: ألقى إبراهيم الولد على وجهه ليذبحه من قفاه حتى لا تقع عين إبراهيم على عين ولده البار، فتخاطب البنوة الوادعة الحميمة البارة الأبوة الرحيمة الكريمة في قلب إبراهيم، فيتوانى عن تنفيذ أمر رب العالمين جل وعلا! وهنا يكون الابتلاء قد تم، ويكون الاختبار قد وقع، وتكون النتيجة قد ظهرت، ويكون إبراهيم وإسماعيل ﵉ قد جاوزا الابتلاء والاختبار الذي ابتلاهما به العزيز الجبار جل وعلا، فظهرت العبودية لله، وظهر الاستسلام لأمر الله، والله جل وعلا لا يريد من عباده إلا العبودية والاستسلام والإذعان، حتى لا تستبقي النفس لنفسها في نفسها شيئاً ولا تقدم شيئاً على الله ولا على أمر الله جل وعلا ولا على نواهيه ولا على حدوده.
وهنا نادى الله جل وعلا على إبراهيم: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات:١٠٥ - ١٠٩].
سلام على هذا الشيخ الأواه المنيب الحليم الذي وفى، الذي علم الدنيا حقيقة التضحية، وعظمة الفداء لله جل وعلا.
стр. 1297
حاجة الأمة إلى الاقتداء بإبراهيم ﵇ سيما في التضحية
أيها المسلمون! إن أولى الناس باتباع إبراهيم هو النبي محمد ﷺ ، والموحدون لله جل وعلا مع رسول الله، قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة:٤]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:٦٧ - ٦٨].
ما أحوج الأمة اليوم وفي هذه الظروف الحرجة التي ذلت فيها هذه الأمة وهانت لأحقر أمم الأرض! ذلت الأمة وهانت لخنازير الأرض من اليهود؛ ما أحوج الأمة اليوم إلى هذا الدرس الكبير، إلى درس التضحية لدين الله جل وعلا! فوالله الذي لا إله غيره إن ترك التضحية والبذل لدين الله، وترك هذا الدرس الكبير، سيجعل الأمة ذليلة كسيرة مبعثرة، كالغنم في الليلة الشاتية الممطرة، وستبقى الأمة قصعة مستباحة لأذل أمم الأرض ولأحقر أمم الأرض، لا سيما ونحن نرى الآن نتنياهو يعلم الأمة التضحية، إن الرجل يضحي الآن لعقيدته بكل سبيل وبكل قوة، لا يحترم في سبيل أمته وفي سبيل عقيدته ميثاقاً دولياً ولا قانوناً عالمياً، ولا يحترم مجلس الأمن ولا هيئة الأمم ولا أمريكا، لا يحترم إنساناً على الإطلاق في سبيل هذه الغاية التي نذر نفسه من أجلها.
إن الرجل يعلم الأمة -بكل أسف- كيف تكون التضحية، كيف يكون الفداء، فما أحوج الأمة الآن في هذا الظرف الحرج إلى هذا الدرس، إلى درس التضحية لدين الله جل وعلا! إلى درس الفداء لتنصر الأمة عقيدتها، ولتعلم الأمة عظمة هذه العقيدة، ولتعلم أنها عقيدة غالية تحتاج إلى تضحية، تحتاج إلى بذل، تحتاج إلى إنفاق، تحتاج إلى عطاء.
إننا اليوم أيها المسلمون! نريد تضحية من الرجال، نريد تضحية من النساء، نريد تضحية من الصبيان، نريد تضحية من الشباب والفتيات، والله ما تحولت الأمة من رعاة للإبل والغنم إلى سادة وقادة للدول والأمم، إلا يوم أن صدقت في إيمانها واعتزت بإسلامها، ونصرت دين ربها، وضحت لهذه العقيدة ولهذا الدين بكل ما تملك، وبأغلى ما تملك، بالنفس والأموال والنساء والأولاد والأوقات والأوطان، ضحت الأمة من قبل بكل شيء.
стр. 1298
نماذج من تضحيات الصحابة وأبنائهم
تدبروا معي يا شباب الإسلام هذه النماذج البسيطة لنتعلم دروس التضحية والفداء:
стр. 1299
تضحية أنس بن النضر
هذا أنس بن النضر ﵁ يسمع في غزوة أحد أن رسول الله قد مات، وأن رسول الله قد قتل، فيمر على قوم من المسلمين قد ألقوا السلاح من أيديهم، فيقول لهم: ما بالكم قد ألقيتم السلاح؟! فقالوا: قتل رسول الله ﷺ ، فقال أنس: فما تصنعون بالحياة بعد رسول الله؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ﷺ .
واندفع أنس بن النضر في صفوف القتال، فلقي سعد بن معاذ، فقال أنس: يا سعد والله إني لأجد ريح الجنة دون أحد، وانطلق في صفوف القتال فقاتل حتى قتل، وما عرفته إلا أخته ببنانه، وبه بضع وثمانون ما بين طعنة برمح وضربة بسيف ورمية بسهم.
стр. 1300
تضحية سعد بن الربيع
وهذا سعد بن الربيع الأنصاري ﵁ يقول النبي ﷺ لـ زيد بن ثابت: (يا زيد! ابحث عن سعد بن الربيع بين القتلى في أحد) يقول النبي لـ زيد: (فإن أدركته فأقرئه مني السلام، وقل له: يقول لك رسول الله ﷺ : كيف تجدك؟) أي: كيف حالك؟ وانطلق زيد بن ثابت ليبحث عن سعد بن الربيع الأنصاري فوجده في آخر رمق من الحياة، فقال له: يا سعد! رسول الله ﷺ يقرئك السلام، ويقول لك: كيف تجدك؟ فقال سعد بن الربيع لـ زيد بن ثابت: وعلى رسول الله وعليك السلام، وقل له: إني والله لأجد ريح الجنة، ثم التفت سعد وهو يحتضر إلى زيد بن ثابت، وقال: يا زيد بلغ قومي من الأنصار السلام، وقل لهم: لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى رسول الله ﷺ مكروه وفيكم عين تطرف! يا شباب! الرجل يفكر في رسول الله في آخر لحظات عمره: لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى رسول الله ﷺ مكروه وفيكم عين تطرف!
стр. 1301
تضحية عمرو بن الجموح
وهذا عمرو بن الجموح رجل أعرج لا جهاد عليه، قد أسقط الله عنه الجهاد، لكنه يسمع النداء: يا خيل الله اركبي، حي على الجهاد، ويريد أن ينطلق للجهاد في سبيل الله جل وعلا، فيقول أبناؤه الأربعة الذين ما تركوا غزوة مع رسول الله؛ يقولون لأبيهم: يا أبانا لقد أسقط الله عنك الجهاد، ونحن نكفيك، فيبكي عمرو بن الجموح وينطلق إلى النبي ﷺ ليشتكي لرسول الله وهو يقول: يا رسول الله! إن أبنائي يمنعوني من الخروج للجهاد في سبيل الله، ووالله إني لأريد أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة، فيلتفت النبي ﷺ إلى عمرو ويقول: يا عمرو فقد أسقط الله عنك الجهاد، فقد عذرك الله جل وعلا، ومع ذلك يرى النبي رغبة عارمة في قلب عمرو بن الجموح للجهاد في سبيل الله، فيلتفت النبي ﷺ إلى أبنائه الأربعة ويقول لهم: (لا تمنعوه! لعل الله أن يرزقه الشهادة في سبيله).
وينطلق عمرو بن الجموح، لا أقول يبحث عن النصر، بل يبحث عن الشهادة في سبيل الله جل وعلا، ويرزقه الله الشهادة في سبيله، صدق الله فصدقه الله جل وعلا.
ويمر عليه النبي ﷺ بعدما قتل فيقول: (والله لكأني أنظر إليك تمشي برجلك في الجنة وهي صحيحة).
стр. 1302
تضحية عمير بن الحمام
وهذا عمير بن الحمام شاب كريم مبارك، يسمع النبي ﷺ في غزوة بدر يقول: (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض) -إي ورب الكعبة يا شباب! إنها جنة عرضها السماوات والأرض! فقال عمير بن الحمام: جنة عرضها السماوات والأرض! بخ بخ! فقال النبي ﷺ : (ما يحملك على قولك بخ بخ يا عمير، فيقول عمير: لا والله يا رسول الله إلا أني أرجو الله أن أكون من أهلها، فقال النبي ﷺ : أنت من أهلها) فأخرج عمير بن الحمام تمرات ليتقوى بهن على القتال، فأكل تمرة، ثم قال لنفسه: والله لئن حييت حتى آكل هذه التمرات إنها لحياة طويلة، ويلقي بالتمرات ويندفع في صفوف القتال فيقتل؛ لأنه صدق الله جل وعلا فصدقه الله ﵎.
стр. 1303
تضحية أطفال الصحابة
أيها المسلمون! حتى الصبيان، حتى الأطفال، حتى الغلمان ضحوا لله ولدين الله جل وعلا! ومن أروع وأعجب ما قرأت ما رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الرحمن بن عوف، قال عبد الرحمن بن عوف: بينما أن واقف في الصف يوم بدر إذ التفت عن يميني وعن شمالي فرأيت غلامين من الأنصار، يقول: فلم آمن بمكانهما.
خاف الرجل لوجود هذين الغلامين الصغيرين، يقول عبد الرحمن: فغمزني أحدهما سراً من صاحبه وقال لي: يا عم! هل تعرف أبا جهل؟ فقال له عبد الرحمن: نعم، وماذا تصنع بـ أبي جهل يا ابن أخي! فقال له: لقد سمعت أنه يسب رسول الله ﷺ ، ولقد عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه، يقول عبد الرحمن بن عوف: فتعجبت لذلك! يقول: فغمزني الغلام الآخر وقال لي سراً من صاحبه: ياعم! هل تعرف أبا جهل؟ فقلت: نعم يا ابن أخي، وماذا تصنع بـ أبي جهل! فقال: لقد سمعت أنه يسب رسول الله ﷺ ، ولقد عاهدت الله جل وعلا إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه، يقول: فتعجبت! والله ما يسرني أني بين رجلين مكانهما، يقول: فنظرت في القوم فرأيت أبا جهل يجول في الناس، فقلت لهما: انظرا هل تريان هذا، قالا: نعم، قال: هذا صاحبكما الذي تسألان عنه! يقول: فانقضا عليه مثل الصقرين فقتلاه! انقض عليه غلامان، تربى هذا الغلام الكريم هو وأخوه في بيت عرفهم كيف تكون التضحية، وكيف يكون البذل لدين الله جل وعلا؛ فانقضا عليه مثل الصقرين فقتلاه، وجرى كل منهما إلى النبي ﷺ يقول: يا رسول الله قتلته، والآخر يقول: بل أنا الذي قتلت أبا جهل، فقال النبي لهما: (هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: لا، قال النبي ﷺ : أعطني سيفك، وقال للآخر: أعطني سيفك، ونظر النبي ﷺ إلى السيفين فوجد دم أبي جهل على السيفين، فالتفت إليهما وقال: كلاكما قتله) والبطلان هما معاذ بن عمرو بن الجموح ولد ذلكم الرجل الأعرج، ومعاذ بن عفراء.
حتى النساء أيتها الأخوات الفاضلات، نريد الآن من النساء التضحية لدين الله جل وعلا، حتى النساء ضحين لدين الله.
فهذه خديجة، وهذه سمية أم عمار، وهذه أم عمارة، وهذه أسماء، كلهن وغيرهن قد ضحين لدين الله جل وعلا!
стр. 1304
لا كرامة للأمة إلا بالجهاد والتضحية
وما زالت الأمة معطاءة، ولا زالت الأمة ولوداً تنجب في كل يوم لهذا الدين من يتمنى أن يبذل نفسه، والله ثم والله إنني لعلى يقين جازم الآن أن من بين يدي من الشباب، بل ومن الشيوخ، بل ومن النساء من يتمنى أن لو نودي اليوم: حي على الجهاد حي على الجهاد يا خيل الله اركبي والله الذي لا إله غيره لو تبناها زعيم مسلم واحد ونادى الآن في الأمة الولود وقال: حي على الجهاد، يا خيل الله اركبي، والله لرأينا من شباب الأمة ومن شيوخ الأمة ومن نساء الأمة من ينطلق ليسد بصدره فوهات المدافع، ليعلموا كلاب الأرض من اليهود أن محمداً ﷺ ما خلف بنات، ولكن خلف رجالاً يتمنون الشهادة في سبيل الله جل وعلا.
والله إننا لنتمنى الشهادة في سبيل الله، وأعلم علم اليقين أن من شباب الأمة ومن شيوخ الأمة ومن نساء الأمة، من يحترق قلبه للجهاد ويتشوق للشهادة، ضاع شرفنا وغيب شرعنا وضاع قدسنا، واحتلت أرضنا وضاع عرضنا؛ فما بقي بعد الآن، نريد التضحية والله بالدماء، نريد التضحية بالدماء لدين رب الأرض والسماء جل وعلا.
فهيا أيها الشباب هيا أيها الرجال هيا أيتها الأخوات الفاضلات فلنعاهد الله جل وعلا جميعاً من الآن، ولنهيئ أنفسنا للتضحية بالنفس، للتضحية بالمال، للتضحية بالأولاد، للتضحية بالأوقات، للتضحية بأغلى ما نملك لدين الله جل وعلا، وبغير هذه التضحية لا عزة لنا ولا كرامة.
والله ثم والله إن الأمة الآن لن يتبقى لها إلا أن تقدم رجالها وشبابها الطاهر الطائع لتضحي ولتنصر عقيدة لا إله إلا الله، ولتنصر دين رسول الله، وسيرى العالم كله، وسيرى خنازير الأرض من اليهود أن أتباع محمد ﷺ يسيرون في كل زمان ومكان على درب النبي، منهم من يحاكي خالد بن الوليد، ومن شبابنا الآن من يتطلع إلى سيرة مصعب، وإلى سيرة معاذ، وإلى سيرة صلاح الدين، وإلى سيرة محمد بن مسلمة، وإلى سيرة سيف الدين قطز.
لا عز للأمة إلا بالجهاد، لا كرامة للأمة إلا بالجهاد، إلا بالتضحية، إلا ببذل الدماء، فهيا أيها المسلمون! لنعاهد الله جل وعلا على ذلك، بذلُك لمالكَ تضحية، بذلك من وقتك أيها الشاب لتتعلم دين الله ولتعلم دين الله تضحية.
أيتها المسلمة! تربيتك لأولادك على القرآن والسنة وعلى الجهاد في سبيل الله تضحية لدين الله.
أيها الطالب المسلم! اجتهادك في مذاكرتك وتفوقك لتنفع أمتك من موقع المسئولية تضحية لدين الله.
أيها المسئول أياً كان منصبك وأياً كان موقعك! كرسيك إلى زوال، ومنصبك إلى فناء، فوجه الكرسي ليكون قائداً لك إلى جنة رب الأرض والسماء، ضح بمنصبك لدين الله جل وعلا، لا تستخدم المنصب في تعطيل دين الله أو في الصد عن سبيل الله جل وعلا، فوالله إن الكل إلى زوال ولا يبقى إلا الملك ﷻ ، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
أيها المسلمون! نعاهد الله جل وعلا من الآن على أن ينطلق كل والد من هذا المصلى الكريم ويقول لربه: يا رب هذا أحب أبنائي إلي قد نذرته لك، ضح اليوم بولد من أولادك لله، قل: هذا موقوف لله، ليقرأ القرآن، ليتحرك للدعوة، لينطلق للجهاد بنفسه أو بماله أو بأنفاسه أو بوقته.
نريد تضحية، نريد تضحية بالمال، تضحية بالأعمال، تضحية بالأوقات، تضحية بالنساء، تضحية بالأولاد، تضحية لدين الله جل وعلا.
وأسأل الله ﵎ أن ينصر الإسلام وأن يعز المسلمين، اللهم انصر الإسلام، اللهم أعز المسلمين، اللهم مكن لدينك يا رب العالمين، اللهم مكن لدينك يا رب العالمين، اللهم عليك باليهود، اللهم عليك باليهود، اللهم عليك باليهود وأتباع اليهود وأعوان اليهود.
اللهم مكن لدينك يا أرحم الراحمين، اللهم لا تخرجنا من هذا المكان إلا بذنب مغفور، وسعي مشكور، وتجارة لن تبور برحمتك يا عزيز يا غفور، اللهم اجعل مصر واحة للأمن والأمان وجميع بلاد المسلمين، اللهم اجعل مصر سخاءً رخاءً وجميع بلاد المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
أيها الأحبة الكرام! كل عام وأنتم بخير، وأشهد الله جل وعلا أنني أحبكم جميعاً في الله، وأسأل الله أن يجمعنا مع المتحابين بجلاله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 1305
تلقين الميت الشهادة
الموت حقيقة حتمية، وأمر واقع لا محالة، يأتي لينقل المرء من حياة إلى حياة أخرى.
وهناك أحكام تتعلق بالموت ينبغي مراعاتها: فمنها ما يتعلق بالميت، ومنها ما يتعلق بأهل الميت ومن حضره، فعلى المسلم أن يراعي هذه الأحكام وتلك الآداب، لينال الأجر والثواب.
стр. 1306
الموت حق
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وصحبه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الفضلاء الأعزاء! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم -جميعاً- من الجنة منزلاً، وأسأل الله جل وعلا الذي جمعني مع حضراتكم في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.
ولا زلنا مع كتاب الإيمان، والذي ترجم له الإمام البخاري بقوله: باب اتباع الجنائز من الإيمان.
واسمحوا لي أن أقف مع هذا الباب وقفة طويلة قد تحتاج إلى عشر محاضرات على الأقل، فسأقف في شرح هذا الباب مع كتاب كامل من الكتب المسددة الموفقة الصحيحة المحققة لمحدث العصر وبقية السلف وبركة الزمان أبى عبد الرحمن شيخنا الألباني رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام وعن المسلمين خير ما جزى عالماً أميناً صالحاً مصلحاً.
سأقف مع كتابه الماتع -بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ- (أحكام الجنائز).
فإن المسلمين الآن في أمس الحاجة إلى أن يتعرفوا على هذا الباب من أبواب العلم، لاسيما وقد رأينا كثيراً من البدع في جانب الجنائز.
وسأحاول جاهداً أن تكون هذه السلسلة بعنوان: (أحكام الجنائز) مجموعة متكاملة؛ لينتفع بها المسلمون في كل مكان، أسأل الله أن يجعل لها القبول والنفع في الأرض، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وألا يجعل للهوى ولا للشيطان حظاً ولا نصيباً، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.
قال البخاري ﵀: حدثنا أحمد بن عبد الله بن علي المنجوفي حدثنا روح حدثنا عوف عن الحسن ومحمد عن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من اتبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً، وكان معه حتى يصلي عليها -أو حتى يُصَلى عليها- ويفرغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط).
هذا هو الحديث الذي رواه الإمام البخاري في هذا الباب الكريم.
واسمحوا لي قبل أن أشرع في الحديث عن أحكام الجنائز أن أقدم بمقدمة موجزة جداً عن الموت أسأل الله أن ينفع بها.
فالموت حق، وسماه الله في القرآن بالحق فقال جل وعلا: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩].
(وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ) والحق: أنك تموت والله حي لا يموت! (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ) والحق: أن ترى عند موتك ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب! (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ) والحق: أن يكون قبرك روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران.
﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] أي: ذلك ما كنت منه تهرب وتبتعد.
تحيد إلى الطبيب إذا جاءك المرض، وتحيد إلى الطعام إذا أحسست بالجوع، وتحيد إلى الشراب إذا أحسست بالظمأ، ولكن ثم ماذا؟! أيها القوي الفتي! أيها الذكي العبقري! يا أيها الأمير! يا أيها الوزير! يا أيها الغني! يا أيها الفقير! كل باك سيبكى، وكل ناعٍ سينعى، وكل مذكور سينُسى، وكل موجود سيفنى، ليس غيرُ الله يبقى، من علا فالله أعلى.
أيا عبد كم يراك الله عاصياً حريصاً على الدنيا وللموت ناسيا نسيت لقاء الله واللحدَ والثرى ويوماً عبوساً تشيب فيه النواصيا إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى تجرد عرياناً ولو كان كاسيا ولو كانت الدنيا تدوم لأهلها لكان رسول الله حياً وباقيا قال تعالى لحبيبه المصطفى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤ - ٣٥].
وقال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
وقال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨].
وقال ﷺ : (أكثروا ذكر هاذم اللذات: الموت)، وذكر الموت ليس معناه أن تقول: إن فلاناً من الناس قد مات! كلا، وإنما ذكره معناه: أن نستعد للموت، وأن نعمل للموت، وأن نغرس في هذا الدنيا لما بعد الموت.
إن لله عباداً فطنا طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي وطنا جعلوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا نسأل الله تعالى أن يرزقنا جميعاً قبل الموت توبة، وعند الموت شهادة، وبعد الموت جنة ونعيماً ورضواناً، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.
стр. 1307
أحكام الموت
стр. 1308
تلقين المحتضر
ما هو أول حكم من أحكام الموت؟ تلقين المحتضر الذي نام على فراش الموت، فإذا حضره الموت وجب على من عنده أمور: الأول: أن يلقنوه الشهادة؛ لقوله ﷺ : (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله، فمن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة)، وقال ﵊: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله عند الموت دخل الجنة يوماً من الدهر، وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه) أي: من العذاب.
وكان يقول ﵊: (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة)، وفي الحديث: (من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة)، وهذه الروايات كلها رواها الإمام مسلم في صحيحه، والزيادة في الحديث الأول لم ترد في صحيح مسلم، وإنما وردت في صحيح ابن حبان.
إذاً: أول حكم من أحكام الموت: إذا نام المحتضر على فراش الموت وجب على أهله المحيطين به أن يلقنوه كلمة التوحيد، فمن وفق لهذه الكلمة دخل الجنة، ولا يوفق للنطق بها إلا الموفق، ولا يرزق أحد النطق بها إلا المسدد.
فليس كل أحد يستطيع في هذه اللحظات أن ينطق بلا إله إلا الله، قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم:٢٧]،قال ابن عباس: هو قول: لا إله إلا الله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧].
ويقتضي عدل الله سبحانه: أن من عاش على التوحيد مات على التوحيد، وبعث في زمرة الموحدين.
قال ﵊: (من مات على شيء بعث عليه).
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: لقد أجرى الله الكريم عادته بكرمه أن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه، فمن عاش على الطاعة مات على الطاعة، وبعث على الطاعة، ومن عاش على الصلاة مات على الصلاة، وبعث على الصلاة، ومن مات على معصية بعدما عاش دهره وحياته على المعصية، بعث على ذات المعصية، فمن مات وفي يده كأس الخمر بعث يوم القيامة وهو يحمل بيده كأس خمر، ومن مات وهو يزني بعث يوم القيامة بهذه الفضيحة، ومن مات وهو سارق بعث يوم القيامة وهو يحمل على كتفه ما سرق: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٦١]، نسأل الله أن يسترنا في الدنيا والآخرة إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.
стр. 1309
الدعاء وقول الخير عند المحتضر
ثانياً: على من حضر الميت أن يتضرع إلى الله بالدعاء له، ولا يقول في حضرته إلا خيراً؛ لحديث أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيراً، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون)، والحديث رواه مسلم والبيهقي.
يعني: لو مات الميت فلا يقال إلا خيراً، فلو صرخت المرأة في البيت وقالت: يا سبعي! يا جملي! فإن الملائكة تؤمن على هذا القول، ولا ينتفي الوزر عن الميت إلا إن أوصى أنه متبرئ من كل ما يخالف الشرع، فاكتب وصيتك من الآن ولا تسوف، فإن الموت يأتي بغتة، وأوص بكل ما تريد، تبرأ من كل مخالفة يرتكبها الأهل بعد الموت، فربما بعض أهلك يصر على أن يضع لك صواناً أو خيمة ضخمة، وينفق من أموال اليتامى ما لا يحق له بحال، فهذا أكل لمال اليتامى بالباطل والظلم.
والله تعالى يتوعد من أكل أموال اليتامى بوعيد شديد فيقول سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء:١٠]، وهذا من الظلم؛ لأنه تضييع لأموال اليتامى بغير حق: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠].
والمراد بالتلقين: أن تقول له: قل: لا إله إلا الله وهو يحتضر، وليس التلقين بعد الدفن، فتلقين الميت بعد الدفن في القبر ليس من السنة، ولم يثبت هذا عن صاحب السنة ﷺ ، إنما التلقين إذا نام الميت على فراش الموت واحتضر، تلقنه: لا إله إلا الله؛ لينطق بها ويرددها خلفك، وليقل هو بلسانه: لا إله إلا الله.
أما التلقين في القبر بعد الموت فلم يثبت هذا أبداً عن الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ ، والرواية الواردة في هذا الباب رواية لا تصح بحال عن النبي المختار ﵊.
وجاء في حديث أنس الذي رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط مسلم (أن رسول الله ﷺ عاد -يعني: زار- رجلاً فقال النبي له: يا خال! يا خال! قل: لا إله إلا الله، قل: لا إله إلا الله).
وأود أن أذكر أيضاً بأنه إذا قال المحتضر: لا إله إلا الله مرة كفى، ولا ينبغي أن نلح عليه ليكررها حتى ولو طال وقت الموت، فهذا هو آخر كلامه في الدنيا، فالنبي ﷺ يقول له: (يا خال! قل: لا إله إلا الله فقال: -أي: هذا المحتضر-أخال أم عم؟ فقال: بل خال -وكان من أخواله ﵊ فقال للنبي: فخير لي أن أقول: لا إله إلا الله؟ فقال: نعم).
أما قراءة سورة يس عند الميت أثناء الاحتضار، وتوجيه الميت نحو القبلة، فكل ذلك لم يثبت ولم يصح عن النبي ﷺ ، فالميت أصلاً موحد مسلم لا يحتاج أن يثبت له إسلامه بعد الموت بتوجيهه نحو القبلة، فهذا من التكلف الذي نهى عنه النبي ﵊، وما اعتاد عليه جل المسلمين من توجيه الميت نحو القبلة حتى يجهز ويغسل ويدفن ليس عليه دليل، بل لقد كره إمام التابعين سعيد بن المسيب ذلك، وقال قولة جميلة: أليس الميت امرأً مسلماً؟! فعن أبي زرعة أنه شهد سعيد بن المسيب في مرضه، وعنده أبو سلمة بن عبد الرحمن وهو من العلماء، فغشي على سعيد بن المسيب -أغمي عليه- فأمر أبو سلمة بن عبد الرحمن أن يحولوا فراش سعيد بن المسيب نحو الكعبة وسعيد -رحمة الله عليه- في إغماءة الموت، فأفاق سعيد بن المسيب فوجد أنه قد وجه فراشه فقال: حولتم فراشي؟! قالوا: نعم، فنظر إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن وقال: أراه بعلمك؟! يعني: أنت الذي وجهت إلى ذلك، فقال: نعم، أنا الذي أمرتهم، فأمر سعيد بن المسيب أن يعيدوا فراشه إلى ما كان، وقال قولته الجميلة: أليس الميت امرأً مسلماً؟! مادام لم يثبت هذا عن الصادق المصدوق ﷺ ، فلا ينبغي أن نتكلف ما لم يفعله الحبيب ﵊.
ولا بأس أن يحضر المسلم وفاة رجل كافر؛ ليلقنه الشهادة لعلَّّ الله أن يرزقه الشهادة؛ فإن كان لك جار يهودي أو نصراني وسمعت أنه يحتضر فلا بأس أن تسرع إليه بنية أن تذكره بالإسلام والتوحيد: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم).
والدليل على ذلك ما رواه البخاري وأحمد والحاكم وغيرهم من حديث أنس ﵁ قال: (كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ ، فمرض الغلام، فأتاه النبي يعوده -يعني: يزوره- فقعد النبي عند رأسه، وقال له ﵊: أسلم -يعني: قل: لا إله إلا الله- فنظر الغلام إلى أبيه -وهو رجل يهودي - فقال الأب لولده: أطع أبا القاسم.
فأسلم الغلام، فخرج النبي ﷺ من عند الغلام وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه بي من النار)، وصدق ربي وهو العزيز الغفار إذ يقول في حق نبينا وهو النبي المختار: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، وصدق ربي إذ يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، فهو رحمة للمؤمنين، بل ورحمة للعالمين من المشركين والمسلمين، فمن آمن به فقد رحم في الدنيا والآخرة، ومن كفر به فقد رحم في الدنيا من عذاب الله، ثم بعد ذلك ينال هذا الكافر بالنبي عذابه في الآخرة.
فلما مات هذا الغلام اليهودي قال النبي ﵊: (صلوا على صاحبكم).
стр. 1310
تغميض الميت وتغطيته بثوب
ما الذي يجب على أهل الميت إذا مات صاحبهم وأسلم الروح لخالقها وبارئها جل وعلا؟ يجب عليهم أمور منها: أن يغمضوا عينيه، فإن البصر يتبع الروح حين تخرج من الجسد.
ومن الأحكام التي تلزم من حضر الميت: أن يغطي الميت بثوب يستر جميع بدنه، كغطاء أو ثوب أو أي شيء يغطي جميع البدن حتى الوجه؛ لما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂: (أن رسول الله ﷺ حين توفي سجي ببردة حِِبْرة أو حَبِرَة، وهي بردة من برود اليمن، يعني: غطي جسده كله ﵊، ولم يكشف هذه البردة إلا الصديق حينما دخل على الحبيب بعدما أتى من بيته في السنح، ووجد الناس يصرخون أمام المسجد النبوي، فدخل الصديق على حبيبه فوجده مسجى -أي: مغطى- فكشف الغطاء عن وجهه وقبله بين عينيه، وقال: طبت حياً وميتاً يا رسول الله! أما الموتة التي كتبها الله عليك فقد ذقتها، ولا ألم عليك بعد اليوم).
وفى رواية حسنها شيخنا الألباني -رحمه الله تعالى- في مختصر الشمائل: (أن الصديق نادى على نبيه وقال: وانبياه! واخليلاه! واحبيباه! أما الموتة التي قد كتبها الله عليك فقد ذقتها، ولا ألم عليك بعد اليوم).
فمن السنة إذا مات الميت أن يغطى جسده كله، هذا إن مات الميت وهو غير محرم بحج أوبعمرة، فإن مات الميت وهو محرم بحج أو عمرة فلا يغطى رأسه، ولا يغطى وجهه؛ لحديث ابن عباس ﵄ في الصحيحين قال: (بينما رجل واقف بعرفة -لابس الإحرام -إذ وقع عن راحلته فوقصته -وطأته الناقة- فمات بلباس الإحرام، فقال النبي ﵊: اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه -أي: في الإزار والرداء- ولا تحنطوه)، وفى رواية: (ولا تطيبوه، ولا تخمروا رأسه ولا وجهه -أي: لا تغطوا رأسه ولا وجهه- فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) وقد قال الصادق ﷺ : (يبعث كل عبد على ما مات عليه).
стр. 1311
التعجيل بتجهيز الميت
وينبغي لمن حضر الميت أن يعجلوا بتجهيزه وإخراجه من بيته إلى المقابر، فمن السنة إذا مات الميت أن نعجل في تجهيزه -أي: في غسله وتكفينه ودفنه- إلا لضرورة، قال ﵊: (أسرعوا بالجنازة) والإسراع بالجنازة يحتاج إلى إسراع في التغسيل وإسراع في التكفين وإسراع في الدفن: (أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم).
стр. 1312
دفن الميت في البلد الذي توفي فيه
من السنة أن يدفن الميت في البلد الذي توفي فيه إلا لضرورة، هذا هو الأصل، فلا ينقل الميت من بلد إلى بلد ما دام قد مات في بلد مسلم؛ لأن هذا يتنافى مع الإسراع الذي أمر به النبي ﵊، ففي حديث جابر بن عبد الله ﵁ الذي أخرجه أصحاب السنن الأربع وأحمد في مسنده والبيهقي بإسناد صحيح قال: (لما كان يوم أحد حمل القتلى -أي: من الصحابة- ليدفنوا بالبقيع بجوار المسجد النبوي، فأمر رسول الله المنادي أن ينادي في الناس ويقول: إن رسول الله يأمركم أن تدفنوا القتلى في مضاجعهم -أي: في الموضع الذي قتلوا فيه -يقول جابر -: وذلك بعدما حملت أمي أبي وخالي على ناقة لنا؛ لتدفنهم في البقيع فردوا).
وفى رواية: (فأرجعناهما مع القتلى حيث قتلوا)؛ ولذلك قالت عائشة رضوان الله عليها لما مات أخ لها في الحبشة فحمل من مكانه: (ما أجد في نفسي -أو يحزنني في نفسي- إلا أني وددت أنه كان دفن في مكانه في الحبشة) والحديث أخرجه البيهقي بسند صحيح.
стр. 1313
أن يبادر أهل الميت بسداد دينه
يجب على أهل الميت أن يبادروا بسداد الدين عن ميتهم، فإن لم يكن له مال، ولم يستطع أهل المتوفى أن يسددوا عنه الدين وجب على الدولة أن تقضي عنه الدين؛ للحديث الذي أخرجه ابن ماجه وأحمد والبيهقي من حديث سعد بن الأطول ﵁: (أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم، وترك عيالاً، قال أخوه: فأردت أن أنفقها على عياله، فقال له النبي ﵊: إن أخاك محبوس بدينه -أي: محبوس عن الجنة- فاذهب فاقض عنه، قال: فذهبت فقضيت عنه، ثم جئت فقلت: يا رسول الله! قد قضيت عنه إلا دينارين ادعتهما امرأة وليس لها بينة -أي: امرأة ادعت أن لها دينارين عند أخي، لكنها لم تقدم البينة على ذلك- (فقال النبي: أعطها فإنها صدقة)، وفي لفظ: (أعطها فإنها محقة).
وفي حديث عن سمرة بن جندب أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي وغيرهم بسند صحيح (أن النبي ﷺ صلى على جنازة)، وفي رواية: (صلى الصبح فلما انصرف قال: أهاهنا من آل فلان أحد؟ فسكت القوم، وكان ﵊ إذا ابتدأهم بشيء سكتوا رضي الله عن أصحاب النبي المؤدبين، فقال ذلك مراراً: أهاهنا من آل فلان أحد؟ ولا يجيبه أحد حتى قالها النبي ثلاثاًَ، فقال رجل: هو ذا يا رسول الله! -يعني: هأنذا من آل فلان- وقام يجر إزاره من مؤخرة الناس، فقال له النبي ﵊: ما منعك في المرتين الأوليين أن تكون أجبتني؟! إن فلاناً مأسور بدينه عن الجنة، فإن شئتم فافدوه، وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله، وقد رأيت أهله ومن يتحرون أمره قاموا فقضوا عنه حتى ما أجد أحداً يطلبه بشيء).
стр. 1314
جواز الكشف عن الميت وتقبيله والبكاء عليه
وأختم محاضرة الليلة بهذا الحكم وهو: ما الذي يجوز لأهل الميت وللحضور أن يفعلوه؟ بعض الناس يظن أنه لا يجوز له أن يكشف عن وجه الميت، ويقولون: إن هذا انتهاك لحرمة الميت! وهذا غير صحيح، بل يجوز للإنسان أن يكشف وجه الميت ويقبله، بل ويجوز له أن يبكي على ميته، فبعض الناس يظن أن تقبيل الميت حرام، وأن كشف وجهه حرام، وأن البكاء عليه هلع وجزع!! فعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (لما قتل أبي جعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي، والنبي ﷺ لا ينهاني، يقول: فجعلت عمتي فاطمة تبكي، فقال النبي ﵊: تبكين أو لا تبكين، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه،) عبد الله هو والد جابر رضوان الله عليهما، وهو الصحابي الوحيد الذي كلمه الله كفاحاً، أخبر النبي بذلك ولده المبارك جابر، وقال الله لـ عبد الله: (تمن، فما تمنى والد جابر إلا أن يرجع إلى الدنيا ليقاتل فيقتل في سبيل الله)، والحديث في البخاري ومسلم وسنن النسائي والبيهقي وفي مسند أحمد.
وعن عائشة ﵂ قالت: (أقبل أبو بكر ﵁ على فرسه من مسكنه بالسَنح أو السُنح، -والفتحة أصح عندي وأبلغ، والسنح: مكان في أطراف المدينة- حتى نزل من على فرسه، فدخل المسجد وعمر يكلم الناس ويقول: إن رسول الله ما مات، بل ذهب للقاء ربه كما ذهب موسى بن عمران، وليرجعن رسول الله فليقطعن أيدي وأرجل المنافقين الذين يزعمون أنه قد مات، تقول عائشة: فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة ﵂ فتيمم النبي -أي: اتجه إلى النبي؛ لأن النبي مات في حجرة عائشة - وهو مسجى ببردة حِبْرة أو حَبِرة، فكشف البردة عن وجهه الأزهر الأنور بأبي هو وأمي، ثم أكب الصديق على النبي فقبله بين عينيه، ثم بكى وقال: بأبي أنت وأمي يا نبي الله، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي عليك فقد ذقتها أو متها- وفى رواية: فقد مت الموتة التي لا تموت بعدها).
إذاً: نأخذ من هذا الحديث أن الصديق كشف الغطاء عن وجه الحبيب وقبله بين عينيه، ولو كان النبي قد نهى عن ذلك ما فعله الصديق رضوان الله عليه.
والحديث رواه البخاري والنسائي وابن حبان والبيهقي.
وفي الحديث الذي رواه الترمذي وصححه والبيهقي وغيرهما، وله شاهد بإسناد حسن من حديث عائشة ﵂ (أن النبي دخل على عثمان بن مظعون وهو ميت) وعثمان هذا هو أول من لقب بالسلف الصالح، وهو ممن شهد بدراً، والنبي قال في حق أهل بدر: (لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، وهو أول من دفن بالبقيع، تقول عائشة: (كشف النبي الغطاء عن وجهه، ثم أكب عليه فقبله وبكى، حتى رأيت الدموع -أي: دموع النبي-تسيل على وجنتيه) ﵊.
ومن أهل العلم -من باب الأمانة العلمية- من يضعف هذا الحديث، لكن شيخنا الألباني رحمه الله تعالى يحسن هذا الحديث بشواهده، وهل المقصود بوجنتيه: وجنتي النبي ﷺ أم وجنتي عثمان؟ كلاهما محتمل.
وعن أنس ﵁ قال: (دخلنا مع رسول الله ﷺ على أبي سيف القين، وكان ظئراً لـ إبراهيم ﵇ والظئر: هو زوج مرضعة إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فأخذ رسول الله ﷺ إبراهيم فقبله وشمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك على إبراهيم وهو يجود بنفسه -يحتضر- فجعلت عينا رسول الله تذرفان -بكاءه تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟! يعني: أتبكي كما نبكي؟! فقال ﵊: " يـ ابن عوف! إنها رحمة، إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزنون) رواه البخاري ومسلم.
وعن عبد الله بن جعفر ﵁ (أن النبي ﵊ أمهل آل جعفر ثلاثاً أن يأتيهم، ثم أتاهم فقال: لا تبكوا على أخي بعد اليوم) والحديث رواه أبو داود والنسائي وإسناده صحيح على شرط مسلم.
إذاً: لا حرج على من أراد أن يقبل الميت بين عينيه، ولا بأس إن كشف الغطاء عن وجهه، ولا بأس أن يبكى عليه، فالبكاء رحمة، لكن المنهي عنه والمحرم أن نقول ما يسخط ربنا جل وعلا، وأن ندعو بدعوى الجاهلية، كأن تقول المرأة: يا جملي! يا سبعي! يا من ترزقني! يا من تفعل كذا وكذا! لا أستطيع العيش بعدك! إلى آخر هذه الكلمات الجاهلية، ومثل أن تلطم المرأة خدها، وتشق جيبها أو ملابسها، كل هذا لا يجوز ولا يليق، وهو محرم في دين الله ﵎.
أكتفي بهذا القدر من الأحكام، والله أسأل أن يرحم موتانا رحمة واسعة، وأن يختم لنا ولكم جميعاً بالإيمان، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه، وصل اللهم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1315
سكرات الموت
كفى بالموت واعظاً وزاجراً عن المعاصي والشهوات لمن تذكره وتدبر فيه، فإنه ما ذكر في كثير إلا قلله، ولا في واسع إلا ضيقه، كما أن أهوال البعث كافية لتنبيه الغافل ودعوته إلى الله، فهذه حقائق يمر بها كل مخلوق حتى الأنبياء، فيا سعادة من تذكر فأصلح عمله، ويا خسارة من عاش في سكرة الغفلة حتى داهمه ملك الموت.
стр. 1316
سلام الله على يحيى بن زكريا في أشد الأحوال التي تمر على الإنسان
الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو فلا خالق غيره ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [لقمان:٣٠] عالم الغيب والشهادة الذي يستوي في علمه ما أسر العبد وما أظهر، الذي يعلم ما كان وما هو كائن وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، وإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الأول الذي لا ضد له، وهو الصمد الذي لا منازع له، وهو الغني الذي لا حاجة له، جبار السماوات والأرض، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، إنما قوله لشيء إذا أراده أن يقول له كن فيكون.
وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا ومعلمنا وقدوتنا محمداً رسول الله، اللهم صل وسلم وبارك -عليك يا سيدي يا رسول الله- صلاة وسلاماً يليقان بمقامك يا أمير الأنبياء ويا سيد المرسلين، وأشهد لك يا سيدي ويشهد معي الموحدون أنك أديت الأمانة، وبلغت الرسالة، ونصحت الأمة، وكشف الله بك الغمة، وعبدت ربك حتى لبيت داعيه، وجاهدت في سبيله حتى أجبت مناديه، وعشت طوال أيامك ولياليك تمشي على شوك الأسى وتخطو على جمر الكيد والعنت، تلتمس الطريق لهداية الضالين وإرشاد الحائرين حتى علمت الجاهل يا سيدي، وقومت المعوج يا سيدي، وأمنت الخائف يا سيدي، وطمأنت الخلق يا سيدي، ونشرت أضواء الحق والخير والإيمان والتوحيد كما تنشر الشمس ضياءها في رابعة النهار، فصلى الله وسلم وبارك عليك يا رسول الله صلاة وسلاماً يليقان بمقامك يا أمير الأنبياء ويا سيد المرسلين.
أما بعد: فيا أيها الأحباب؛ أحباب الحبيب المصطفى محمد ﷺ ! تعالوا بنا لنطوف سوياً في روضة القرآن الكريم، ومع اللقاء العاشر على التوالي ما زلنا نطوف مع حضراتكم في بستان سورة مريم، ونكرر القول بين يدي كل لقاء من لقاءات تفسيرنا لهذه السورة المباركة ونكرره ونقول: أولاً: إن عقيدتنا نحن المسلمين هي أننا نوحد الله جل وعلا، ونعلنها صريحة في كل زمان ومكان، ونقول جميعاً: لا إله إلا الله، كلمة التوحيد والإخلاص.
أما بالنسبة لتفسير الآيات فلقد توقفنا في اللقاء الماضي عند آخر مؤهل من مؤهلات النبوة عند يحيى ﵇ على حسب تعبير صاحب ظلال القرآن الشيخ سيد قطب عليه رحمة الله، قلنا: إن الله قد زود يحيى ﵇ بمؤهلات لحمل الأمانة الكبرى والمسئولية العظمى، هذه المؤهلات هي ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا * وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ [مريم:١٢ - ١٤] وانتهينا في اللقاء الماضي عند معنى كلمة (عصياً)، وشرحنا في اللقاء الماضي معنى كلمة: (لم يكن جباراً عصياً)، وبهذا نكون قد أنهينا اللقاء عن مؤهلات النبوة عند يحيى ﵇، وبعد هذه الصفات الغالية التي زود الله بها يحيى يسلم الله عليه فيقول: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم:١٥].
انظروا يا أحباب! الله يسلم عليه في مواطن ثلاثة هي أشد ما تكون على الإنسان: يوم أن يولد، ويوم أن يموت ويوم أن يبعث حياً ليلقى الله الحي الذي لا يموت، يسلم الله عليه في هذه الأحوال الثلاثة وفي هذه المواقف الثلاثة، فيقول: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم:١٥].
ذكر الإمام ابن كثير عن قتادة أن الحسن قال: التقى يحيى وعيسى ﵉، فقال عيسى ليحيى: ادع الله لي فإنك أفضل مني، فقال يحيى لعيسى: بل أنت أفضل مني يا عيسى، فقال عيسى: لا يا يحيى، بل أنت أفضل مني؛ لأنني أنا الذي سلمت على نفسي فقلت: ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً﴾ [مريم:٣٣]، أما أنت فقد سلم الله عليك فقال: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم:١٥].
стр. 1317
انتقال الإنسان من عالم الأحشاء إلى عالم الدنيا
هذه الأحوال هي أشد الأحوال والأوقات التي يمر بها الإنسان: يوم أن يولد، ويوم أن يموت، ويوم أن يبعث حياً، لماذا أيها الأحباب؟ لأن العبد في هذه الأحوال الثلاثة ينتقل من عالم إلى عالم آخر جديد غريب عليه، فهو ينتقل في المرحلة الأولى من عالم الأحشاء في بطن أمه إلى عالم الدنيا، ثم بعد ذلك يترك عالم الدنيا إلى عالم البرزخ، فيترك القصور والدور إلى عالم الدود والقبور، ثم بعد ذلك يترك عالم البرزخ إلى عالم البعث، إلى العرض على محكمة الله جل وعلا، فما بين مسرور محبور، ومحزون مثبور، وما بين جبير وكسير، فريق في الجنة وفريق في السعير، أحوال ثلاثة عجيبة، أحوال شديدة على أي إنسان، يوم أن يولد ويوم أن يموت ويموت أن يبعث حياً.
المرحلة الأولى هي المرحلة التي ينتقل فيها الإنسان من عالم الرحم والأحشاء، ذلك العالم الآمن الأمين الحصين المكين، هذا العالم الذي تكلف الله برعايته له بكل شيء، وما كلفه الله في هذا العالم بأي شيء، فيد الله وحده هي التي ترعاه وترزقه: وسل الجنين يعيش معزولاً بلا راع ومرعى ما الذي يرعاك الله وحده هو الذي يرعاك وأنت في هذه الأحشاء، وأنت في هذه الأجواء، وأنت في هذا العالم العجيب، يد الله وحده هي التي ترعاك، ويد الله وحده هي التي ترزقك، ويد الله وحده هي التي تتكفل بعنايتك ورعايتك: وسل الجنين يعيش معزولاً بلا راع ومرعى ما الذي يرعاك ومن الذي يقدم له رزقه؟! ومن الذي يتكفل له بطعامه وشرابه؟! ومن الذي يتكفل بتنفسه في هذا العالم؟! إنه الله رب العالمين.
وفي الوقت الذي قدر الله له فيه أن يخرج من ذلك المكان الآمن يخرج إلى عالم الشقاء، يخرج إلى عالم الدنيا، يخرج إلى عالم الفتن والشهوات والشيطان، فيستقبله الشيطان منذ أول لحظة نزل فيها إلى هذه الحياة والمولدة تولده، فيستقبله الشيطان فيطعنه فيصرخ المولود، وهذا كما أخبرنا نبينا ﷺ ، في جزء من حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (ما من مولود يولد إلا ويمسه الشيطان، فيستهل المولود صارخاً من مس الشيطان إياه).
من هذه اللحظة تبدأ في مصارعة الشيطان والأهواء والفتن، وتعيش في هذه الحياة ما قدر الله لك أن تعيش تصارع الشيطان وتصارع النفس الأمارة بالسوء، وتصارى الأهواء، وتظل في هذه الحياة ما قدر الله لك فيها.
стр. 1318
نقلة الإنسان بالموت إلى عالم البرزخ
ثم تأتي اللحظة التي قدر الله لك فيها أن تترك عالم الدنيا إلى عالم البرزخ، أي: إلى عالم الفناء إلى عالم القبور، فيأتي الموت في اللحظة التي حددها الله ﵎ لك، فينقلك الموت -بعظمة الله جل وعلا- من القصور إلى القبور، ومن ضياء المهود إلى ظلمة اللحود، ومن ملاعبة الجواري والغلمان إلى مقاساة الهوام والديدان، ومن التنعم بالطعام والشراب إلى التمرغ في الوحل والتراب.
هذه هي المرحلة الثانية مرحلة الموت، يوم أن تنتقل بعد مولدك وبعد حياتك وبعد عيشك إلى عالم يسمى بعالم البرزخ، إلى عالم الفناء، إلى عالم الحق عند الله الحق جل وعلا.
стр. 1319
الاستعداد للموت
الموت، الموت أيها الأحباب، ولقد تكلمت كثيراً كثيراً عن الموت، ولكن يجب علينا أن نتكلم عن الموت في كل زمان وفي كل مكان، ويجب علينا أن نذكر الموت في كل ساعة من ساعات حياتنا، وفي كل ساعة من ساعات عمرنا، كما أخبرنا وأمرنا بذلك نبينا ﷺ ، يقول في حديثه الصحيح الذي خرجه النسائي وخرجه الترمذي وخرجه ابن ماجة من حديث عمر بن الخطاب ومن حديث أبي هريرة ﵁: (أكثروا من ذكر هادم اللذات، قالوا: وما هادم اللذات يا رسول الله؟ قال: الموت) هادم اللذات هو الموت، وقد أمرنا النبي ﷺ أن نكثر من ذكر الموت.
ولما سأله رجل من الأنصار وقال: (يا رسول الله! من أكيس الناس؟ قال ﷺ : أكيس الناس أكثرهم ذكراً للموت، وأكثرهم استعداداً للموت، أولئك الأكياس، ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة) رواه الطبراني بإسناد حسن.
العاقل اللبيب هو الذي يذكر الموت، وهو الذي يستعد للموت، وهو الذي يذكر نفسه دائماً وأبداً بالموت، وهو الذي يعلم علم اليقين أن هذه الحياة مهما عاش فيها فهي قصيرة، ومهما عظمت فهي حقيرة، لأن الليل مهما طال لا بد من طلوع الفجر، ولأن العمر مهما طال لا بد من دخول القبر، ونبينا ﷺ يقول: (الكيس -العاقل- من دان نفسه -أي: من حاسب نفسه- وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني)، هذا هو المغرور الذي يتواكل على سعة رحمة الله ولا يعمل، الذي يتواكل على سعة عفو الله وهو في المعاصي ليل نهار، ويقول: إن الله غفور رحيم، وما الذي أنساك أن الله شديد العقاب للعاصين والمذنبين والمقصرين؟ إنها الحقيقة الكبرى أيها الأحباب، حقيقة الموت، إنها الحقيقة الكبرى في هذا الوجود، الحقيقة التي خضع في محرابها المتكبرون والمتجبرون، إنها الحقيقة الكبرى التي تسربل بها العصاة والطائعون والرسل والأنبياء والمقربون والأصفياء.
إنها الحقيقة الكبرى التي ترن في أذن كل سامع وعقل كل مفكر قائلة: إنه لا بقاء إلا لله وحده، ولا ألوهية إلا لله وحده، ولا حاكمية إلا لمن تفرد بالبقاء والجلال، فـ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨].
إنها حقيقة الموت التي قال الله ﵎ عنها: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] فالحق أنك تموت والله حي لا يموت.
(وجاءت سكرة الموت بالحق): والحق أن ترى عند موتك ملائكة الرحمة أو ترى ملائكة العذاب.
(وجاءت سكرة الموت بالحق): والحق أن تكون حفرتك روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران.
(وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد): ذلك ما كنت منه تهرب، ذلك ما كنت منه تفر، ذلك ما كنت منه تحيد إلى الطبيب إذا جاءك المرض، وتحيد إلى الطعام إذا أحسست بالجوع خوفاً من الموت، وتحيد إلى الشراب إذا أحسست بالظمأ خوفاً من الموت، ولكن أيها القوي الفتي، أيها العبقري، يا أيها الكبير ويا أيها الصغير: (وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد) وصدق من قال: كل باك فسيبكى وكل ناع فسينعى وكل مدخور سيفنى وكل مذكور سينسى ليس غير الله يبقى من علا فالله أعلى (وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد): ذلك ما كنت منه تفر، ذلك ما كنت منه تهرب، ولكن أين المفر؟ أين المآل؟ وأين المصير؟! إن المصير إلى الله، وإن المآل إلى الله، وإن المنتهى إلى الله، وإن المرجع إلى الله جل وعلا.
стр. 1320
صوت الحق ينادي المحتضر
وبينما هو يتمنى يأتيه صوت الحق من الله جل وعلا، يقول ﵎: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٨٣ - ٩٦].
﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ * فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى * أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة:٢٦ - ٤٠] بلى قادر! دع عنك ما فات في زمن الصبى واذكر ذنوبك وابكها يا مسلم لم ينسه الملكان حين نسيته بل أثبتاه وأنت لاه تلعب وغرور دنياك التي تسعى لها دار حقيقتها متاع يذهب فالليل فاعلم والنهار كلاهما أنفاسنا فيها تعد وتحسب أيا من يدعي الفهم إلى كم يا أخي الوهم تعب الذنب بالذنب وتخطي الخطأ الجم أما بان لك العيب أما أنذرك الشيب وما في نصحه ريب أما نادى بك الموت أما أسمعك الصوت أما تخشى من الفوت فتحتاط وتهتم فكم تسير في السهو وتختال من الزهو وتنفض إلى اللهو كأن الموت ما عم كأني بك تنحط إلى اللحد وتنغط هناك الجسم ممدود ليستأكله الدود إلى أن ينخر العود ويمسي العظم قد رم فزود نفسك الخير ودع ما يعقب الضير وهيئ مركب السير وخف من لجة اليم بذا أوصيك يا صاح وقد بحتك من باح فطوبى لفتى راح بآداب محمد يأتم
стр. 1321
كل شيء هالك إلا وجه الله
الحقيقة الأولى في هذا الوجود هي وحدانية الله جل وعلا، وهي أن تقر بهذه الحقيقة وهي لا إله إلا الله، ثم الحقيقة الثانية هي أن كل شيء هالك إلا وجه الله جل وعلا.
(الموت)، من منا يفكر بالموت؟ من منا يذكر الموت؟ من منا يستعد للموت؟ من منا عمل لهذا اللقاء؟ من منا عمل للقاء الله جل وعلا؟ من منا استعد لسؤال الملكين في دار الحقيقة دار البرزخ، دار الصدق، دار الحق؟ من منا استعد؟ ما من يوم يمر علينا إلا ونشيع فقيداً، ما من يوم يمر علينا إلا ويموت بيننا ميتاً أو ميتة، ولكن ربما ذهبنا معه إلى القبور، وربما رأينا الموت حقيقة أمام أعيننا وبين أيدينا؛ ولكن إذا نظرت إلى الناس وجدتهم ينسون الموت، ويتكلمون في أمور الدنيا! هذا هو الحال، ولكن اعلم أيها الحبيب أنه لا مفر لك، وحتى تعلم أنه لا يمكن لأي قوة على ظهر هذه الأرض أن تحول بين الإنسان وبين هذه الحقيقة الكبرى مهما كانت تلك القوة، مهما كان منصبه، ومهما كان جاهه، ومهما كانت أموالك، ومهما كان غناك، فلن تستطيع قوة على ظهر الأرض أن تحول بينك وبين هذه الحقيقة، إنها حقيقة الموت.
انظر حينما تأتي ساعة الصفر ويقترب الأجل، وتتلاشى اللحظات الأخيرة من عمرك، وتنام على فراش الموت، وحولك أولادك وأحبابك يبكون، والأطباء من حولك يحاولون؛ بذلوا لك كل رقية، وقدموا لك كل دواء، وقدموا لك كل علاج.
فأنت من أنت؟ أنت صاحب الأفعال، وأنت صاحب الجاه، وأنت صاحب السلطان، وأنت صاحب المنصب، وأنت الغني، بذل الأطباء لك كل رقية، وقدموا لك دواء، وبذلوا لك كل علاج، ولكن انظر إليه قد اصفر وجهه، وشحب لونه، وتصبب جبينه بالعرق، وتجعد جلده، وبدأ يحس بزمهرير قارس يزحف إلى أنامل يديه وقدميه، ويريد أن يحرك شفتيه بكلمة التوحيد، فيحس أن الشفة كالجبل لا يزحزح، وينظر إلى من حوله من أحبابه، إلى أهله، إلى أقاربه، فيراهم تارة يبتعدون، وتارة يقتربون، ومرة يسمعهم ومرة لا يسمعهم، ويرى الغرفة التي هو فيها والفراش الذي هو ممتد عليه، يرى هذه الغرفة تتسع مرة كالفضاء الموحش، ومرة تضيق فتصير كخرم إبرة، وهو بين هذه السكرات، وبين هذه الكربات، وفي هذا الحزن الشديد.
فلقد فاتته الآمال ولم يحققها، بنى داره وجهد واجتهد وكنز الأموال، فهو بين حزن شديد على ما فات وبين غم شديد على أنه لا يدري ما الذي سيلاقيه بين يديه من هذا العالم الجديد، عالم البرزخ الذي سيترك عالم الدنيا ويدخل إلى هذا العالم بعد الموت.
هو في هذه السكرات، وفي هذه الكربات، وبين هذا الغم والهم، ينظر فجأة فيرى ملائكة من بعيد تقترب، يا ترى أهذه الملائكة التي أراها هي ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟! يا ترى هذا الذي جلس عند رأسي ملك الموت ينتظر الأجل أن يوفى من الله كما قدر الله جل وعلا؛ هل سينادي على روحي ويقول: يا أيتها الروح الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، ورب راض غير غضبان، أم سينادي ويقول: يا أيتها الروح الخبيثة أخرجي إلى سخط الله وعذابه؟ يا ترى هل ستكون حفرتي روضة من رياض الجنة أم ستكون حفرة من حفر النيران؟ بين حزن شديد على ما فات، وبين غم شديد؛ لأنه لا يدري ما الذي سيلاقيه، ما الذي سيكون بين يديه.
ينظر إلى أولاده وإلى أحبابه وإلى أهله الذين التفوا من حوله يبكون، فينظر إليهم حينما يفيق بين السكرات والكربات نظرة كلها استعطاف، نظرة كلها شفقة، نظرة كلها رجاء، نظرة كلها رحمة، نظرة كلها سؤال، ويقول لهم: يا أولادي، يا أحبابي- فدوني بأعماركم، لا تتركوني وحدي، ولا تفردوني في لحدي، من منكم يزيد في عمري ساعة أو ساعتين، أنا صاحب الأموال، أنا الذي بنيت الدور، وأنا الذي بنيت القصور، وأنا الذي جمعت المال، وأنا الذي جهدت واجتهدت، فافدوني بأعماركم، زيدوا في عمري ساعة أو ساعتين، أريد أن أستمتع بالأموال، أريد أن أستمتع بالسيارات، أريد أن أستمتع بالعمارات، ولكنه في واد والناس في واد آخر!
стр. 1322
سكرات الموت يعانيها الأنبياء والصالحون
لا تستطيع قوة على ظهر الأرض أن تحول بينك وبين هذه الحقيقة مهما كان جاهك، ومهما كان منصبك، ومهما كانت قوتك، لا يمكن بأي حال ﴿وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨]؛ لأن الذي أصدر الأوامر لملك الموت هو من يقول للشيء كن فيكون، إنه الله رب العالمين.
فيا أيها الغافلون! ويا أيها اللاهون! ويا أيها الساهون! ويا أيها المذنبون! ويا أيها الظالمون! ويا أيها المقصرون! اعلموا أنكم راحلون إلى الله جل وعلا، اعلموا أنكم ستقفون بين يدي الله جل وعلا، فيحاسبكم عن القليل والكثير، وعن النقير والقطمير، وعن الصغير والكبير، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].
стр. 1323
علي بن أبي طالب يعاني سكرات الموت
وهكذا لما احتضر علي بن أبي طالب ﵁ بعد أن ضربه ابن ملجم عليه لعنة الله، كان لا يقول إلا هذه الكلمة: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله أخلو بها وحدي، لا إله إلا الله يغفر بها ذنبي، لا إله إلا الله يجبر بها كسري، لا إله إلا الله يقبل بها عملي، لا إله إلا الله ألقى بها ربي.
هكذا كان يقول علي إلى أن لقيت روحه ربها جل وعلا.
стр. 1324
المأمون وهارون الرشيد يحتضران
ولما احتضر هارون الرشيد ونام على فراش الموت طلب أن يرى كفنه، ونظر إلى كفنه بعينيه قبل أن يموت، وبكى وبكى وبكى، ثم قال: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨ - ٢٩]، أين المال؟ وأين منصبي؟ وأين جاهي وأين سلطاني؟ وأين مرءوسي؟ وأين خدمي وأين حشمي؟ وأين عماراتي؟ ما أغنى عني ماليه، هلك عني سلطانية! ولما احتضر المأمون أمرهم إذا أفاق من سكرات الموت أن يحملوه فيرى قبره بعينيه قبل أن يموت، فحملوه إلى قبره، فنظر إلى قبره وقبض على لحيته، وأخذ يبكي ويبكي ويبكي، ثم رفع رأسه إلى الله وقال: يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه.
ويروى أن أحد الصالحين قام فجعل لنفسه في بيته قبراً، وكلما سيطرت عليه الشهوات، وسيطرت عليه الدنيا، وسيطرت عليه الفتن؛ نزل إلى هذا القبر الذي حفره بيديه، ويغلقه على نفسه بخشبة أعدها لذلك، ويظل يصرخ في قبره ويصيح ويقول: رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت، ويظل يصرخ ويصيح بأعلى صوته حتى تنقطع أنفاسه، ويغرق في عرقه، فيقلع الخشبة ويخرج إلى النور والهواء، ويبكي ويقول: ها أنت يا نفس قد عدت.
стр. 1325
عمرو بن العاص يصف الموت
لما حضرَت الَوفاة عمرو بن العاص صعد إليه ولده وقال له: يا أبتي! لقد كنت تتعجب ممن نزل به الموت ولا يستطيع أن يصف الموت، ولقد نزل الموت بك اليوم، فصف لي الموت يا أبتاه! فماذا قال عمرو بن العاص؟! قال: يا بني! إن الأمر أكبر مما كنت أتوقع بكثير، إن أمر الموت أكبر من هذا بكثير، ولكنني سأصف لك شيئاً منه، والله إنني لأحس الآن أن في جوفي شوكة عوسج، وأن على شفتي جبلاً عظيماً، وإن روحي كأنها تخرج من ثقب إبرة، وأن السماء قد أطبقت على الأرض وأنا بينهما.
هذا قليل من كثير! ويكفيك في سكرات الموت وكربات الموت، أن ترى ملك الموت، فلرؤية وجه ملك الموت أشد من آلاف الضربات بالسيوف، رؤية وجه ملك الموت أشد من ضربة بسيف، فيا أيها المسلمون، يا أيها العاصون، يا أيها المذنبون، يا أيها الغافلون، يا من تمرحون وراء الفتن، ويا من تمرحون وراء الهوى، ويا من تمرحون وراء الشهوات، ويا من تعصون الله ليل نهار! انتبهوا فإن الموت قريب، إن الموت يأتي بغتة، وبعد الموت ستعرضون على الله فرداً فرداً، وستسألون أمام الله حرفاً حرفاً، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].
هذه هي المرحلة الثانية، يوم أن تنتقل بالموت من عالم الحياة إلى عالم الفناء، من القصور إلى القبور، من ضياء المهود إلى ظلمة اللحود، من ملاعبة الجواري والغلمان إلى مقاساة الهوام والديدان، من التنعم بالطعام والشراب إلى التمرغ في الوحل والتراب.
أسأل الله سبحانه أن يجعلني وإياكم ممن ختم الله لهم عند موتهم بالتوحيد، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.
стр. 1326
عثمان بن عفان يعاني سكرات الموت
ولما حصر عثمان بن عفان ﵁ دخل عليه عبد الله بن سلام ليزوره في هذا الحصار الشديد، فقال عثمان: يا عبد الله بن سلام والله لقد كنت مع رسول الله في الليلة الماضية، لقد جاءني رسول الله ﷺ البارحة وقال لي: (يا عثمان! حصروك؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: يا عثمان: منعوا عنك الماء؟ قلت: نعم يا رسول الله، فقال عثمان: فأدلى لي النبي دلواً فشربت من دلو النبي ﷺ حتى إني أجد برد هذا الماء على ثديي وعلى كتفي الساعة، ثم قال لي رسول الله ﷺ : يا عثمان إن شئت أن ينصرك الله نصرك عليهم، وإن شئت أن تفطر عندنا اليوم فلك ما شئت، فقال عثمان: بل أفطر معك الليلة يا رسول الله).
أترك هذا العالم عالم الشقاء وعالم الهم والغم وأفطر معك اليوم يا رسول الله! فقتل من يومها، واحتضر عثمان في يومها، وما كان يتكلم إلا بهذه الكلمة: اللهم اجمع أمة محمد ﷺ ، قالها عثمان ثلاثاً، ثم لقيت روحه ربها ﵎.
стр. 1327
عمر بن الخطاب وسكرات الموت
يا عمر، يا ابن الخطاب، يا فاروق الأمة، يا أعدل الناس بعد رسول الله ﷺ ، يا من قال النبي في حقه: (لو كان نبي بعدي لكان عمر)! يا ابن الخطاب، يا عمر، يا فاروق هذه الأمة، يا من قال في حقك ابن مسعود (أكثروا من ذكر عمر، فإنكم إذا ذكرتم عمر ذكرتم العدل، وإذا ذكرتم العدل ذكرتم الله) يا عمر، كيف وجدت الموت؟ لما احتضر عمر بعد أن طعنه أبو لؤلؤة عليه لعنة الله، سأل الفاروق أول ما حملوه إلى داره: من الذي قتلني؟ طمئنوني وأخبروني، فقالوا: اطمئن يا أمير المؤمنين، إن الذي قتلك شاب مجوسي، فسجد عمر بن الخطاب شاكراً لله، ثم قال: الحمد لله الذي جعل قتلي على يد رجل ما سجد لله سجدة فيحتج بهذه السجدة علي أمام الله يوم القيامة! فنظر وغشي عليه، وبعدما أفاق من سكرات وضربات الموت، نظر إلى ولده عبد الله وقال: يا عبد الله! أين أنا؟ فوجد رأسه على فخذ ولده عبد الله، فنظر عمر وبكى وقال: ما هذا يا عبد الله! ما هذا! قال: ماذا تريد يا أبتي؟! قال: ضع رأسي على التراب، ضع هذا الرأس على التراب يا عبد الله، قال: وما ضرك يا والدي، وما ضرك يا أبتي ورأسك بين فخذي؟! فبكى عمر الفاروق وقال: ويحك يا عبد الله! ضع رأسي على التراب، حتى ينظر الله إلي بعين رحمته، فيخفف علي سكرات الموت.
هذا هو عمر.
стр. 1328
أبو بكر الصديق يعاني سكرات الموت
وهاهو الصديق ﵁ وأرضاه، لما نام على فراش الموت جاءت ابنته عائشة تبكي وتصرخ، وتقول: يا أبتاه، يا أبتاه، وتقول في حقه شعراً لـ حاتم الطائي، فكشف الصديق الغطاء عن وجهه وقال: لا تقولي شعراً، وإنما قولي قول الحق جل وعلا، قولي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩]، فقالوا: يا أبا بكر، ويا خليفة المسلمين، نستدعي لك الطبيب، فقال الصديق: لقد جاءني الطبيب ونظر إليَّ، فقالوا: وماذا قال لك؟ قال: قال لي: إني فعال لما أريد.
стр. 1329
خاتم الأنبياء يعاني سكرات الموت
كيف وجدت الموت يا رسول الله، يا خير خلق الله، يا من غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ انظروا إلى احتضار النبي ﷺ ، احتضر النبي ونام على فراش الموت، وتألم للموت وأحس بسكرات الموت، ورشح جبينه الأنور بالعرق، ووضع يده في إناء به ماء كانت تحمله عائشة فمسح جبينه الأنور ثم قال: (لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات) حتى أنت يا حبيبي يا رسول الله، حتى أنت يا رسول الله: (إن للموت لسكرات، اللهم هون علي سكرات الموت).
هذا هو حال نبينا، هذا هو حال رسولنا ﷺ ، وظل هكذا يقول: (إن للموت لسكرات) إلى أن نزل عليه جبريل فقال: السلام عليك يا رسول الله، فرد النبي ﷺ ﵇، فقال جبريل: يا رسول الله! ها هو ملك الموت قد أرسله الله إليك، ولكنه لن يدخل عليك إلا بعد أن تأذن له يا رسول الله! لقد أمره الله ألا يدخل عليك إلا بعد أن تأذن له، والله ما استأذن ملك الموت على أحد من قبلك، ولن يستأذن ملك الموت على أحد من بعدك، فقال النبي ﷺ (ائذن له يا جبريل).
ودخل ملك الموت فقال: السلام عليك يا رسول الله، لقد أمرني الله أن أخيرك، إن أمرتني أن أقبض روحك قبضت، وإن أمرتني أن أترك تركت، فمرني بما شئت يا رسول الله! فنظر النبي إلى جبريل، فقال جبريل: يا رسول الله! إن ربك مشتاق إليك، إن الله مشتاق إليك يا رسول الله! فنظر الحبيب المصطفى إلى جبريل وقال: وأنا قد اشتقت إلى لقاء ربي ، وأنا قد اشتقت إلى لقاء الله جل وعلا، انصرف يا جبريل، أقبل يا ملك الموت، فقال جبريل: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليكم أهل البيت ورحمة منه وبركاته.
وانصرف جبريل ﵇، وأقبل ملك الموت، وجلس عند أشرف رأس، وعند أطهر روح، جلس عند رأس المصطفى وقال: يا أيتها الروح الطيبة، روح محمد بن عبد الله، روح خير خلق الله، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، ورب راض عنك غير غضبان، ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ [الفجر:٢٧ - ٢٨] نفس محمد، نفس رسول الله، ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠].
هذا هو حال المصطفى ﷺ عند الموت، يقول: (إن للموت لسكرات، اللهم هون على أمتي سكرات الموت).
ها هو الموت أيها المسلمون، ها هو الموت أيها الغافلون، ها هو الموت أيها المذنبون، ها هو الموت أيها العاصون، رسول الله ﷺ يقول: (إن للموت لسكرات، إن للموت لسكرات، إن للموت لسكرات، اللهم هون علينا سكرات الموت).
стр. 1330
إبراهيم وموسى يعانيان سكرات الموت
إنه الموت، إنها الحقيقة الكبرى، وانتبهوا أيها الموحدون، انتبهوا أيها المسلمون، أذكركم ونفسي أولاً بهذه الحقيقة، سأل الله إبراهيم الخليل عن الموت، فقال له: كيف وجدت الموت يا إبراهيم؟ ومن هو إبراهيم؟ إنه خليل الرحمن! كيف وجدت الموت يا إبراهيم؟ فقال إبراهيم: يا رب! وجدت الموت كسفود موضوع بين صوف مبلول-أي: كقطعة حديد شديدة الصلابة، وضعت في وسط صوف مبلول- وجذبت هذه الحديدة بشدة.
فقال الله لإبراهيم: أما إنا قد هونا عليك الموت يا إبراهيم.
كيف وجدت الموت يا موسى بن عمران؟ فقال موسى: وجدت الموت كعصفور وضع على مقلاة يقلى على النار! هكذا وجد موسى الكليم الموت، وجدت الموت كعصفور وضع على مقلاة، لا يستطيع أن يطير فينجو، ولا هو يموت فيستريح.
стр. 1331
البعث والنشور
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من سار على دربه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم:١٥] هذه هي المرحلة الثالثة يوم أن نبعث من القبور، وإن هذه المرحلة أيضاً أمرها خطير، وخطرها عظيم، نستمع أيها الأحباب في عجالة سريعة إلى كلمات موجزة عن هذه المرحلة الثالثة والأخيرة؛ لأن ما بعدها إما عذاب وإما نعيم، إما جنة وإما نار.
﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم:١٥]، هذه المرحلة الثالثة التي سلم الله فيها على يحيى ﵇، يوم أن ولد ويوم أن مات ويوم أن يبعث، يسلم الله عليه، ويؤمنه الله في هذه المواطن الثلاث.
стр. 1332
نفخة البعث
وتأتي بعد ذلك نفخة البعث، يوم أن يحيى الله إسرافيل وجبريل وميكائيل وملك الموت وحملة العرش، فينادي الحق ﵎ ويقبض الله الأرواح بيمينه، فأرواح المؤمنين تتوهج لها ضياء ونور، وأرواح المشركين لها ظلمة، فيقبضها الله بيمينه ويضعها في الصور، ويأمر الله إسرافيل بالنفخ ثم يقول: وعزتي وجلالي ليرجعن كل روح إلى جسده! صاروخ موجه من قبل من يقول: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩].
ثم ينادي مناد من قبل الحق على أهل القبور ويقول: أيتها العظام البالية، أيتها العظام الناخرة، قومي لفصل القضاء بين يدي رب الأرض والسماء! فيخرج الجميع بعدما أحياهم الله، وبعدما انشقت عنهم الأرض، ونبينا أول من تنشق عنه الأرض، يخرج الناس حفاة عراة غرلاً، والحافي هو من ليس في قدميه نعل، والعاري هو من ليس على بدنه ثوب، و (غرلاً) جمع أغرل، والأغرل هو الصبي قبل الختان، ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤].
فيخرج الناس مذهولين مذعورين، فكلهم في فزع، وكلهم في رعب، والكل شاخص ببصره إلى السماء ينتظر الأمر من الله جل وعلا.
والشمس فوق الرءوس، ها هي أرض المحشر، وها هو يوم البعث، (ويوم يبعث حياً) يوم أن نبعث من القبور حفاة عراة غرلاً، قالت عائشة: (الرجال مع النساء يا رسول الله؟ قال: نعم يا عائشة، قالت: يا رسول الله! ينظر الرجل إلى سوءة المرأة، والمرأة إلى سوأة الرجل؟ قال: يا عائشة! إن الأمر أكبر من أن يهمهم ذلك، أما قرأت قول الله جل وعلا: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٧]).
الكل شاخص ببصره ينتظر الأمر من الله، وفجأة تتنزل الملائكة صفوفاً، أهل السماء الأولى من الملائكة يصفون، ويقفون إلى جوار الخلائق وفيهم الأنبياء، تنزل الملائكة وهي وتنظر الخلائق إلى الملائكة المخلوقات النورانية، فتقول الخلائق للملائكة: أفيكم ربنا؟ فتقول الملائكة: سبحان الله! كلا، وهو آت.
يأتي إتياناً يليق بكماله وجلاله للفصل بين العباد، وللقضاء بين العباد، وتتنزل الملائكة من السماء الثانية ومن الثالثة حتى السابعة، وبعد ذلك ينزل حملة العرش لهم صوت بتسبيحهم وهم يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان ذي العزة والجبروت، سبحان من لا يذوق الموت، سبحان من كتب الموت على الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح.
وبعدها ينصب الكرسي حيث شاء الله وحيث أراد الله، وينزل الملك نزولاً يليق بكماله وجلاله، وكلما دار ببالك من صفات الله فالله بخلاف ذلك، ويستوي الملك على كرسيه استواءً لا تدركه العقول، ولا تكيفه الأفهام، وللكلام بقية، ولكنني أكتفي بهذا القدر وأسأله الله العظيم رب العرش الكريم، أن يحشرنا في زمرة نبيه محمد ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 1333
نفخة الفزع ونفخة الصعق
يوم البعث خطره عظيم، وهو بعد مرحلة الصعق، وبعد نفخة الصعق أي: الموت، ولا بأس على الإطلاق أن نكرر ونذكر بهذا الكلام، فإننا في أمس الحاجة إلى أن نتذكره دائماً، لأن إسرافيل ينفخ في الصور ثلاث مرات، وهذا هو الصحيح: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة البعث، فنفخة الفزع يفزع بعدها كل من في السماوات وكل من في الأرض إلا من شاء الله، ثم تأتي نفخة الصعق- أي: الموت- فيموت بعدها كل حي على ظهر هذه الأرض، ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ﴾ [الزمر:٦٨] أي: فمات ﴿مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر:٦٨] وقلنا: إن الاستثناء هنا لجبريل وإسرافيل وميكائيل وملك الموت وحملة العرش.
ويأتي ملك الموت إلى الله بعدما مات الملوك، ومات الحكام، ومات الرؤساء، ومات الجبابرة، ومات كل مخلوق، فيقول الملك لملك الموت: يا ملك الموت! من بقي؟ فيقول ملك الموت: يا رب! بقيت أنت الحي الذي لا تموت، وبقي جبريل وإسرافيل وميكائيل وملك الموت وحملة العرش، فيقول الله لملك الموت: ليمت جبريل -اللام لام الأمر، لام العظمة، لام الكبرياء، لام الإرادة، لام من يقول للشيء كن فيكون- فيموت جبريل، ليمت ميكائيل، فيموت ميكائيل.
فيأتي ملك الموت إلى الملك فيقول الملك لملك الموت: يا ملك الموت من بقي؟ فيقول: يا رب! مات جبريل ومات ميكائيل، فيقول الله ﵎: ليمت حملة العرش، فحملة العرش الذين يحملون عرش الله يموتون، إذاً: بعد موتهم من الذي يحمل عرش الله! ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] استوى كما أخبر وعلى الوجه الذي أراد، وبالمعنى الذي قال، استواءً منزهاً عن الحلول والاستقرار، فلا العرش يحمله، ولا الكرسي يسنده، بل العرش وحملته والكرسي وعظمته؛ الكل محمول بلطف قدرته، مقهور بجلال قبضته.
ليمت حملة العرش، فيموتون، فيأتي ملك الموت، فيقول الله له: من بقي؟ فيقول: يا رب بقي إسرافيل الذي ينفخ الصور، والصور هو البوق، فيأمر الله الصور فينتقل من إسرافيل، ويقول: ليمت إسرافيل، فيموت إسرافيل، ويبقى ملك الموت، فيأتي ملك الموت إلى ملك الملوك، فيقول الملك لملك الموت: يا ملك الموت من بقي من خلقي؟ فيقول: يارب! بقيت أنت الحي الذي لا تموت، وبقي عبدك الذليل الضعيف الماثل بين يديك، فيقول الله جل وعلا لملك الموت: يا ملك الموت أنت خلق من خلقي، وخلقت لما ترى، فمت يا ملك الموت، فيموت ملك الموت.
مات الجميع، مات جبريل وإسرافيل وميكائيل وملك الموت وحملة العرش، إذاً: من الباقي؟ وهنا يقبض الله الدنيا ويبسطها ثلاث مرات، ويهتف بصوته ويجيب، فما من سائل يومها ولا مجيب إلا الله، فينادي ويهتف بصوته ويقول: أنا الجبار أنا الجبار أنا الجبار ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٦] ثلاث مرات؟ فلا يجيبه أحد؛ لأنه لا أحد، فيقول بذاته بلغة العظمة والكبرياء: الملك اليوم لله الواحد القهار.
كان آخراً كما كان أولاً، أول بلا ابتداء وآخر بلا انتهاء، هو الأول، وهو الآخر، وهو الظاهر، وهو الباطن، وهو بكل شيء عليم.
стр. 1334
سماحة الإسلام وإرهاب الغرب
لقد أذاق العالم الغربي الأمة الإسلامية على حين غفلة منها وتخاذل وابتعاد عن منهج ربها ونبيها ﷺ الويلات والنكبات العظام، فسفكوا دماءنا وانتهكوا أعراضنا، وسلبوا أرضنا، ولم نر لأمة المليار وحكامها إلا الشجب والتنديد، ولم نر من مجلس الخوف وهيئة الرمم إلا الصمت، والميل الواضح الفاضح إلى إخوانهم من أهل الكفر والإلحاد، ولا غرابة في ذلك، فالكفر ملة واحدة، وقد رموا المسلمين عن قوس واحدة، واللوم لا يرجع عليهم بل يرجع إلى هذه الأمة المتشرذمة المتناحرة إلى هذه الأمة التي ما زالت تغط في نومها العميق وغفلتها المستمرة، وإعراضها الواضح عن منهج الله ورسوله والسلف الصالح فإلى متى ستستمر الغفلة؟!
стр. 1335
صور مخزية للإرهاب الغربي
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الفضلاء الأعزاء! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله الكريم جل وعلا الذي جمعني مع حضراتكم في هذا المكان الطيب المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار مقامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه أحبتي في الله! (سماحة الإسلام وإرهاب الغرب) هذا هو عنوان لقائنا مع حضراتكم في هذا اليوم الكريم المبارك، وكما تعودت حتى لا ينسحب بساط الوقت سريعاً من تحت أقدامنا، فسوف ينتظم حديثي مع حضراتكم تحت هذا العنوان في العناصر التالية: أولاً: صور مخزية للإرهاب الغربي.
ثانياً: صور مشرقة للتسامح الإسلامي.
ثالثاً: لا تيأسوا من روح الله.
وأخيراً هذا هو طريق النجاة.
فأعيروني القلوب والأسماع، والله أسأل أن يقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
следующие страницы →