← Джавами‘

Джавами‘ · id 7703

دروس للشيخ محمد حسان

محمد حسان

Полный текст (1 901 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

البعث والنشور الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من سار على دربه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم:١٥] هذه هي المرحلة الثالثة يوم أن نبعث من القبور، وإن هذه المرحلة أيضاً أمرها خطير، وخطرها عظيم، نستمع أيها الأحباب في عجالة سريعة إلى كلمات موجزة عن هذه المرحلة الثالثة والأخيرة؛ لأن ما بعدها إما عذاب وإما نعيم، إما جنة وإما نار. ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم:١٥]، هذه المرحلة الثالثة التي سلم الله فيها على يحيى ﵇، يوم أن ولد ويوم أن مات ويوم أن يبعث، يسلم الله عليه، ويؤمنه الله في هذه المواطن الثلاث.

стр. 1332

نفخة البعث وتأتي بعد ذلك نفخة البعث، يوم أن يحيى الله إسرافيل وجبريل وميكائيل وملك الموت وحملة العرش، فينادي الحق ﵎ ويقبض الله الأرواح بيمينه، فأرواح المؤمنين تتوهج لها ضياء ونور، وأرواح المشركين لها ظلمة، فيقبضها الله بيمينه ويضعها في الصور، ويأمر الله إسرافيل بالنفخ ثم يقول: وعزتي وجلالي ليرجعن كل روح إلى جسده! صاروخ موجه من قبل من يقول: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]. ثم ينادي مناد من قبل الحق على أهل القبور ويقول: أيتها العظام البالية، أيتها العظام الناخرة، قومي لفصل القضاء بين يدي رب الأرض والسماء! فيخرج الجميع بعدما أحياهم الله، وبعدما انشقت عنهم الأرض، ونبينا أول من تنشق عنه الأرض، يخرج الناس حفاة عراة غرلاً، والحافي هو من ليس في قدميه نعل، والعاري هو من ليس على بدنه ثوب، و (غرلاً) جمع أغرل، والأغرل هو الصبي قبل الختان، ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤]. فيخرج الناس مذهولين مذعورين، فكلهم في فزع، وكلهم في رعب، والكل شاخص ببصره إلى السماء ينتظر الأمر من الله جل وعلا. والشمس فوق الرءوس، ها هي أرض المحشر، وها هو يوم البعث، (ويوم يبعث حياً) يوم أن نبعث من القبور حفاة عراة غرلاً، قالت عائشة: (الرجال مع النساء يا رسول الله؟ قال: نعم يا عائشة، قالت: يا رسول الله! ينظر الرجل إلى سوءة المرأة، والمرأة إلى سوأة الرجل؟ قال: يا عائشة! إن الأمر أكبر من أن يهمهم ذلك، أما قرأت قول الله جل وعلا: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٧]). الكل شاخص ببصره ينتظر الأمر من الله، وفجأة تتنزل الملائكة صفوفاً، أهل السماء الأولى من الملائكة يصفون، ويقفون إلى جوار الخلائق وفيهم الأنبياء، تنزل الملائكة وهي وتنظر الخلائق إلى الملائكة المخلوقات النورانية، فتقول الخلائق للملائكة: أفيكم ربنا؟ فتقول الملائكة: سبحان الله! كلا، وهو آت. يأتي إتياناً يليق بكماله وجلاله للفصل بين العباد، وللقضاء بين العباد، وتتنزل الملائكة من السماء الثانية ومن الثالثة حتى السابعة، وبعد ذلك ينزل حملة العرش لهم صوت بتسبيحهم وهم يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان ذي العزة والجبروت، سبحان من لا يذوق الموت، سبحان من كتب الموت على الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح. وبعدها ينصب الكرسي حيث شاء الله وحيث أراد الله، وينزل الملك نزولاً يليق بكماله وجلاله، وكلما دار ببالك من صفات الله فالله بخلاف ذلك، ويستوي الملك على كرسيه استواءً لا تدركه العقول، ولا تكيفه الأفهام، وللكلام بقية، ولكنني أكتفي بهذا القدر وأسأله الله العظيم رب العرش الكريم، أن يحشرنا في زمرة نبيه محمد ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 1333

نفخة الفزع ونفخة الصعق يوم البعث خطره عظيم، وهو بعد مرحلة الصعق، وبعد نفخة الصعق أي: الموت، ولا بأس على الإطلاق أن نكرر ونذكر بهذا الكلام، فإننا في أمس الحاجة إلى أن نتذكره دائماً، لأن إسرافيل ينفخ في الصور ثلاث مرات، وهذا هو الصحيح: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة البعث، فنفخة الفزع يفزع بعدها كل من في السماوات وكل من في الأرض إلا من شاء الله، ثم تأتي نفخة الصعق- أي: الموت- فيموت بعدها كل حي على ظهر هذه الأرض، ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ﴾ [الزمر:٦٨] أي: فمات ﴿مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر:٦٨] وقلنا: إن الاستثناء هنا لجبريل وإسرافيل وميكائيل وملك الموت وحملة العرش. ويأتي ملك الموت إلى الله بعدما مات الملوك، ومات الحكام، ومات الرؤساء، ومات الجبابرة، ومات كل مخلوق، فيقول الملك لملك الموت: يا ملك الموت! من بقي؟ فيقول ملك الموت: يا رب! بقيت أنت الحي الذي لا تموت، وبقي جبريل وإسرافيل وميكائيل وملك الموت وحملة العرش، فيقول الله لملك الموت: ليمت جبريل -اللام لام الأمر، لام العظمة، لام الكبرياء، لام الإرادة، لام من يقول للشيء كن فيكون- فيموت جبريل، ليمت ميكائيل، فيموت ميكائيل. فيأتي ملك الموت إلى الملك فيقول الملك لملك الموت: يا ملك الموت من بقي؟ فيقول: يا رب! مات جبريل ومات ميكائيل، فيقول الله ﵎: ليمت حملة العرش، فحملة العرش الذين يحملون عرش الله يموتون، إذاً: بعد موتهم من الذي يحمل عرش الله! ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] استوى كما أخبر وعلى الوجه الذي أراد، وبالمعنى الذي قال، استواءً منزهاً عن الحلول والاستقرار، فلا العرش يحمله، ولا الكرسي يسنده، بل العرش وحملته والكرسي وعظمته؛ الكل محمول بلطف قدرته، مقهور بجلال قبضته. ليمت حملة العرش، فيموتون، فيأتي ملك الموت، فيقول الله له: من بقي؟ فيقول: يا رب بقي إسرافيل الذي ينفخ الصور، والصور هو البوق، فيأمر الله الصور فينتقل من إسرافيل، ويقول: ليمت إسرافيل، فيموت إسرافيل، ويبقى ملك الموت، فيأتي ملك الموت إلى ملك الملوك، فيقول الملك لملك الموت: يا ملك الموت من بقي من خلقي؟ فيقول: يارب! بقيت أنت الحي الذي لا تموت، وبقي عبدك الذليل الضعيف الماثل بين يديك، فيقول الله جل وعلا لملك الموت: يا ملك الموت أنت خلق من خلقي، وخلقت لما ترى، فمت يا ملك الموت، فيموت ملك الموت. مات الجميع، مات جبريل وإسرافيل وميكائيل وملك الموت وحملة العرش، إذاً: من الباقي؟ وهنا يقبض الله الدنيا ويبسطها ثلاث مرات، ويهتف بصوته ويجيب، فما من سائل يومها ولا مجيب إلا الله، فينادي ويهتف بصوته ويقول: أنا الجبار أنا الجبار أنا الجبار ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٦] ثلاث مرات؟ فلا يجيبه أحد؛ لأنه لا أحد، فيقول بذاته بلغة العظمة والكبرياء: الملك اليوم لله الواحد القهار. كان آخراً كما كان أولاً، أول بلا ابتداء وآخر بلا انتهاء، هو الأول، وهو الآخر، وهو الظاهر، وهو الباطن، وهو بكل شيء عليم.

стр. 1334

سماحة الإسلام وإرهاب الغرب لقد أذاق العالم الغربي الأمة الإسلامية على حين غفلة منها وتخاذل وابتعاد عن منهج ربها ونبيها ﷺ الويلات والنكبات العظام، فسفكوا دماءنا وانتهكوا أعراضنا، وسلبوا أرضنا، ولم نر لأمة المليار وحكامها إلا الشجب والتنديد، ولم نر من مجلس الخوف وهيئة الرمم إلا الصمت، والميل الواضح الفاضح إلى إخوانهم من أهل الكفر والإلحاد، ولا غرابة في ذلك، فالكفر ملة واحدة، وقد رموا المسلمين عن قوس واحدة، واللوم لا يرجع عليهم بل يرجع إلى هذه الأمة المتشرذمة المتناحرة إلى هذه الأمة التي ما زالت تغط في نومها العميق وغفلتها المستمرة، وإعراضها الواضح عن منهج الله ورسوله والسلف الصالح فإلى متى ستستمر الغفلة؟!

стр. 1335

صور مخزية للإرهاب الغربي إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الفضلاء الأعزاء! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله الكريم جل وعلا الذي جمعني مع حضراتكم في هذا المكان الطيب المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار مقامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه أحبتي في الله! (سماحة الإسلام وإرهاب الغرب) هذا هو عنوان لقائنا مع حضراتكم في هذا اليوم الكريم المبارك، وكما تعودت حتى لا ينسحب بساط الوقت سريعاً من تحت أقدامنا، فسوف ينتظم حديثي مع حضراتكم تحت هذا العنوان في العناصر التالية: أولاً: صور مخزية للإرهاب الغربي. ثانياً: صور مشرقة للتسامح الإسلامي. ثالثاً: لا تيأسوا من روح الله. وأخيراً هذا هو طريق النجاة. فأعيروني القلوب والأسماع، والله أسأل أن يقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 1336

المجازر الوحشية التي ارتكبها الغرب ضد المسلمين أولاًَ: صور مخزية للإرهاب الغربي: أحبتي في الله! إن الصراع بين الحق والباطل قديم بقدم الحياة على ظهر الأرض، والأيام دول، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠]، ولا شك أن الدولة الآن للغرب الذي كسب الجولة الأخيرة، وهزم الأمة المسلمة عسكرياً واقتصادياً وفكرياً ونفسياً وعلمياً بعد أن تخلت الأمة عن أسباب النصر بانحرافها عن منهج ربها ونبيها ﷺ ، وذلك مصداقاً لقول ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، راح الغرب المنتصر يسوم الأمة المهزومة سوء العذاب، ويمارس في حقها كل أشكال وألوان الإرهاب الفكري والنفسي والاقتصادي والعسكري، وفي هذا الوقت الذي يمارس فيه الإعلام الغربي لوناً قذراً من ألوان الإرهاب الفكري بوصم الإسلام والمسلمين بالأصولية، والإرهاب والتطرف، والوحشية والبربرية، والجمود والتخلف والرجعية إلى آخر هذه التهم المعلبة الجاهزة، أقول: شاء الله جل وعلا أن تسقط ورقة التوت، وأن تتمزق خيوط العنكبوت، التي طالما وارى بها النظام الغربي عوراته الغليظة، وذلك يوم أن قرر مراهق البيت الأبيض أن يضرب السودان وأفغانستان بالصورايخ والطائرات ويقطع الإرسال العالمي، ليخرج علينا إرهابي البيت الأبيض بوجهه الكالح العبوس، ليزف إلينا نبأ الغارات الجوية على السودان وأفغانستان بنفس الطريقة التي زف بها إلينا سلفه جورج بوش نبأ ذبح العراق، وبنفس الطريقة التي خرج بها سلفهما رونالد ريجن ليزف إلينا نبأ الغارات الجوية على ليبيا، مسلسل متكرر متكرر! والضحايا يتساقطون من الموحدين والمسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! يضرب السودان ذلكم البلد الإسلامي الوديع الآمن الذي لا ذنب له إلا أنه أعلن تطبيق الشريعة الإسلامية، ورفض كل أشكال الهيمنة الغربية والأمريكية. لقد حاول الغرب بكل سبيل أن يمزق الأواصر الأخوية والعلاقات الودية بين مصر والسودان؛ ليدخل البلدان دوامة صراع دموي قاتل لصالح الغرب، ولكن الله سلم، وتعاملت مصر سلمها الله مع المكر الشيطاني الغربي بغاية الحكمة والذكاء. وأفغانستان ذلكم البلد المسلم الشامخ الذي مرغ أنف الدب الروسي الوقح في الوحل والطين والتراب، أسأل الله أن يؤلف بين قلوب قادته، وأن يجعل الحركة الإسلامية الشرعية الجديدة -حركة طالبان- غصة في حلوق المنافقين، وأسأل الله أن يجعلها بداية عهد جديد لتطبيق شرع الله، ولإقامة دولة الإسلام فوق ثرى أفغانستان المبارك، الذي روي بدماء الشهداء والأبرار، إن ربنا هو العزيز الغفار! يضرب السودان وتضرب أفغانستان بحجة ماذا؟! بحجة محاربة الإرهاب في كل مكان في العالم، وأنا لا أتصور كيف يفكر هؤلاء وكيف يتصور هؤلاء البشر على وجه الأرض؟! تحارب رائدة الحضارة الغربية أمريكا الإرهاب في كل مكان في العالم، وفعلها ليس من الإرهاب في شيء، وتجويع الشعوب الآمنة، وضرب الشعوب الوديعة ليس من الإرهاب في شيء قتل عشرات الآلاف من الأطفال في العراق ليس من الإرهاب في شيء قتل الآلاف من أطفال الصومال ليس من الإرهاب في شيء قتل العشرات والمئات من أطفال ليبيا ليس من الإرهاب في شيء إبادة كاملة لهيروشيما ونجازاكي ليس من الإرهاب في شيء إبادة شعب الهنود الحمر ليس من الإرهاب في شيء المعاملة العنصرية اللونية البغيضة في أمريكا ليس من الإرهاب في شيء محاربة المكسيك في عام (١٩١٤م) لمجرد أن المكسيك لم يقفوا ليحيوا العلم الأمريكي، فحوربت المكسيك بمنتهى الشراسة ليس من الإرهاب في شيء. قتل أمريكي في غابة جريمة لا تغتفر وقتل شعب آمن مسألة فيها نظر ولا حول ولا قوة إلا بالله! ما دام الإرهاب يمارس بأيد أمريكية فليس من الإرهاب في شيء أبداً، وينبغي للعقلاء أن لا ينسبوا هذا للإرهاب ولا للتطرف، أما إن تكلم مسلم مجرد كلمة، أو إن أخطأ مسلم خطأ حركياً هنا أو هنالك ركزت المجاهر المكبرة على هذا الخطأ؛ ليوصم الإسلام كله؛ وليوصم المسلمون جميعاً بالإرهاب والتطرف والأصولية والوحشية والبربرية، والجمود والرجعية، والتخلف والتأخر إلى آخر هذه التهم المعلبة التي لم تعد تنطلي الآن إلا على السذج والرعاع أمر عجب!!

стр. 1337

انعكاس الموازين عند الغرب وزيفهم أتذكر الآن ذلكم المشهد الخبيث لجندي بريطاني يقتل مسلماً من المسلمين فيدافع المسلم عن نفسه فيعض يد الجندي البريطاني فيقتله، ويذهب الجندي البريطاني إلى أخيه ليشكو إليه تطرف وإرهاب المسلم، فيقول له: تصور أنه عض يدي وأنا أقتله! تصور هذا الإرهاب عض يدي وأنا أذبحه وأقتله! فإذا كان الفعل من المسلم هو التطرف والإرهاب فما نسمي قتله؟! وقتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر وقتل شعب آمن مسألة فيها نظر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! إذا كان ضرب السودان وضرب أفغانستان بحجة محاربة الإرهاب في كل مكان فيجب على رائدة الحضارة الغربية أمريكا أن توقف إرهابها للعالم ثم أين هي من الإرهاب والتطرف اليهودي الذي يمارس الآن بعنجهية واستعلاء في فلسطين ولبنان وهضبة الجولان؟! أين رائدة الحضارة من هذا الإرهاب والتطرف؟! أين مجلس الأمن؟! أين هيئة الأمم؟! أين المنظمة العالمية لحقوق الإنسان؟! أين من يتغنون بالديمقراطية والحرية وينددون بالتطرف والإرهاب؟! أين النظام العالمي أما له أثر ألم تنعق به الأبواق؟! أين السلام العالمي لقد بدا كذب السلام وزاغت الأحداق! يا مجلس الخوف الذي في ظله كسر الأمان وضيع الميثاق أو ما يحركك الذي يجري لنا أو ما يثيرك جرحنا الدفاق وحشية يقف الخيال أمامها متضائلاً وتمجها الأذواق هذه حقيقة الغرب يا مسلمون! وينبغي على كل عاقل في أرض العرب والإسلام أن يعرف حقيقة الغرب، وطالما بحت أصواتنا بحقيقة الغرب، ولكن الأمة لا تريد أن تسمع عن الله، ولا تريد أن تسمع عن رسول الله ﷺ . أيها الأحبة! الكفر ملة واحدة! قالوا لنا الغرب قلت صناعة وسياحة ومظاهر تغرينا لكنه خاو من الإيمان لا يرعى ضعيفاً أو يسر حزيناً الغرب مقبرة المبادئ لم يزل يرمي بسهم المغريات الدينا الغرب مقبرة العدالة كلما رفعت يد أبدى لها السكينا الغرب يكفر بالسلام وإنما بسلامه الموهوم يستهوينا الغرب يحمل خنجراً ورصاصة فعلامَ يحمل قوم الزيتونا كفر وإسلام فأنى يلتقي هذا بذلك أيها اللاهونا أنا لا ألوم الغرب في تخطيطه لكن ألوم المسلم المفتونا وألوم أمتنا التي رحلت على درب الخضوع ترافق التنينا وألوم فينا نخوة لم تنتفض إلا لتضربنا على أيدينا يا مجلس الخوف اللعين إلى متى تبقى لتجار الحروب رهينا إلى متى ترضى بسلب حقوقنا منا وتطلبنا ولا تعطينا لعبت بك الدول الكبار فصرت في ميدانهن اللاعب الميمونا يا مجلساً غدا في جسم عالمنا مرضاً خفياً يشبه الطاعونا شكراً لقد أبرزت وجه حضارة غربية لبس القناع سنينا شكراً لقد نبهت غافل قومنا وجعلت شك الواهمين يقينا يا مجلس الأمن انتظر إسلامنا سيريك ميزان الهدى ويرينا إن كنت في شك فسل فرعون عن غرق وسل عن خسفه قارونا أين مجلس الأمن من الإرهاب اليهودي في فلسطين وجنوب لبنان وهضبة الجولان وكل مكان. نتنياهو يعربد كيف شاء يضرب بالأعراف والقوانين والمواثيق الدولية عرض الحائط، لا يحترم عالماً غربياً، ولا عالماً عربياً، ولا عالماً إسلامياً، بل يعربد كيف يشاء، حتى المبادرة الأمريكية الأخيرة للسلام لا زال إلى يومنا هذا يرفضها بنص صيغتها مع ظلمها البين البشع للفلسطينيين، وحق له أن يعربد كيف شاء عربد كما شئت يا هذا النتنياهو ما عاد في البيت من رب ستخشاه ما ضر لو تحتسي في الصبح قهوتنا على الأريكة في كبر عهدناه ما ضر لو تسرق الأنفاس من رئتي وتفتدي حلماً في الليل أحياه ما ضر لو تورد الأشعار إن صرخت وتجلد البحر لو يفضي بنجواه لا تخشى من سيفنا فالسيف قد صدأت أنصاله فانزوى والغمد واراه ما عاد كالأمس مزهواً بطلعته فآثرَ الغمد والتذكار سلواه أما الجواد الذي قد كنت تحسبه نجم السباق إذا المضمار ناداه فقد تخلى عن الميدان منهزماً فعاد منسحباً والعجز أعياه وأمتي لا تخف منها فقد هرمت والشيب في رأسها قد خط مجراه حليبها لم يعد يروي لنا ضمأ وضرعها جف مذ ماتت خلاياه عربد كما شئت يا هذا النتنياهو فأمتي تعشق الشجب وتهواه إن عم خطب بها فالكل ألسنة للشجب يا صاحبي والكل أفواه يا أمة عجزها قد صار قائدها وضعفها لم يعد في الدرب إلا هو يا أمة في خليط العمر نائمة تلوك ماض لها في القبر مثواه هانت على نفسها فاستعبدت وونت وسلمت كنزها للص يرعاه آسادها روضت في الأسر طائعة فأسدها دون أسد الأرض أشياه عربد كما شئت يا هذا النتنياهو فأمتي تعشق الشجب وتهواه يا قدس هذا زمان الليل فاصطبري فالصبح من رحم الظلماء مسراه يا قدس لا تقنطي فالحق منتصر وصاحب الحق ليس يرده الله ما دام في القلب عهد قد حفظناه وفي اليمين كتاب ما تركناه حق (للنتن ياهو) أن يعربد كيف شاء، فالعالم العربي والإسلامي ساكن كمياه البحر الميت، لا يجيد إلا الشجب والاستنكار. أين رائدة الحضارة الغربية من الإرهاب الصربي الذي لا زال يمارس إلى اللحظة هذه على مسلمي البوسنة ومسلمي كوسوفا تطهيراً عرقياً واسع النطاق، وإبادة جماعية بشعة على مرأى ومسمع من الغرب الذي يتغنى بالديمقراطية والحرية، وعلى مرأى ومسمع من العالم العربي والإسلامي. كوسوفو تباد والعالم كله خسة وخيانة ونفاق كوسوفو من دولة المجد عثمان أبوها والفاتح العملاق كوسوفو من قلب مكة بالتوحيد يعلو لواؤها الخفاق تركوها وحولها من كلاب الصـ ـرب طوقاً من خلفه أطواق قدمتها الصلبان للصرب قربا ناً وللصرب كلهم عشاق قد حفظنا للمرة الألف عنـ ـكم عالم الغاب ما له ميثاق ووالله لو فعلنا بالصرب ما فعلوا لرأينا مثل الذي رآه العراق أين العالم الغربي من الإرهاب الصربي من الإرهاب اليهودي من إرهاب أساطين الفساد الخلقي على وجه الأرض؟!! أين هم؟! لقد استخدم الأطفال ولأول مرة في التاريخ كله كدروع بشرية في حرب البوسنة مع الصرب الأنجاس على مرأى ومسمع من العالم الغربي. استخدم أطفال البوسنة كدروع بشرية، يفخخ الأطفال بالألغام ويطلق الأطفال إلى أهاليهم من أبناء الجيش البوسني، وعن طريق الريمونت كنترول يتم التحكم عن بعد وتفجر الألغام في الأطفال، ولأول مرة يستخدم أطفال المسلمين كفئران تجارب في البوسنة لأول مرة استخدم أطفال المسلمين كتجارة للرقيق واسعة النطاق في قلب أوروبا، أطفال البوسنة في ظل قيادة العالم الغربي للبشرية كلها، يوم أن تخلت أمة القيادة عن القيادة، يوم أن انحرفت عن منهج الله ورسوله انطلق الصرب ليحققوا عملياً على أرض الواقع ملحمتهم الشعرية الكبرى التي تسمى بإكليل الجبل والتي تقول كلماتها: سلك المسلمون طريق الشيطان دنسوا الأرض ملؤها رجساً فلنعد للأرض خصوبتها ولنطهرها من تلك الأوساخ ولنبصق على القرآن ولنقطع رأس كل من يؤمن بدين الكلاب ويتبع محمداً فليذهب غير مأسوف عليه

стр. 1338

صور مشرقة للتسامح الإسلامي أيها الأحبة! تلك عقيدة الصرب التي يحولونها إلى واقع عملي ومنهج قذر على أرض الواقع في عالم يقود فيه البشرية كلها الرجل الغربي الإرهابي المتطرف الخائن، في الوقت الذي يمارس فيه إعلامه لوناً قذراً من ألوان الإرهاب بوصم الإسلام والمسلمين جميعاً بالتطرف والأصولية والإرهاب، وفي مقابل هذه الصور المخزية للإرهاب الغربي أطيب النفوس والقلوب، وتمنيت أن لو أسمعت زعماء العالم الغربي جميعاً هذه الكلمات التي تبين الصور المشرقة للتسامح الإسلامي.

стр. 1339

الناس سواسية في ميزان الإسلام أيها الأحبة الكرام! بكل أسف شوهت صورة الإسلام الوضيئة! بكل أسف لطخت صورة الإسلام الزاكية! فالإسلام الآن متهم عند هؤلاء المجرمين بالتطرف والأصولية والإرهاب. يا مسلمون! ارفعوا أنوفكم لتعانق الرءوس كواكب الجوزاء فالإسلام دين الأمن والاستقرار والرخاء، بل وأنا أعلنها بملء فمي وأعلى صوتي: إن اليهود والنصارى ما ذاقوا نعمة الأمن والأمان والاستقرار إلا في ظلال الإسلام، وشريعة محمد بن عبد الله، والتاريخ بيننا، بل ولن أستشهد حينئذ بأقوال أئمتنا المسلمين، وإنما سأستشهد لمن أنكر هذه الحقيقة الساطعة في كبد السماء بأقوال كتاب الغرب أنفسهم من المنصفين الذين سجلوا هذه الشهادة للتاريخ، وسيظل التاريخ يتألق في هذه الصفحة -صفحة التسامح الإسلامي- إشراقاً وعظمة وجلالة، سجلوا للتاريخ كيف كانت سماحة الإسلام، وكيف كانت حضارته. أيها الأحبة! إن الإسلام عظيم لا يميز بين الناس إلا بالتقوى والعمل الصالح، فالناس جميعاً على وجه الأرض سواء، لا تفاضل بينهم إلا بالتقوى والعمل الصالح، وجاء هذا الإعلان القرآني العظيم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣]، وفي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والبيهقي من حديث جابر بن عبد الله أنه ﷺ لما خطبهم في حجة الوداع أو في أواسط أيام التشريق قال: (أيها الناس! ألا إن ربكم واحد، ألا إن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى والعمل الصالح، وقرأ النبي قول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣])، هذه حضارة الإسلام! وهذا تسامح الإسلام! لا فضل لمن ارتقى على من تواضع ولا لمن حَكم على من حُكم، ولا لمن اغتنى على من افتقر، فقد ساوى الإسلام بين سلمان الفارسي وصهيب الرومي ومعاذ الأنصاري وبلال الحبشي وحمزة القرشي وأنشدها سلمان بغاية الفخر أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم

стр. 1340

مبادئ الإسلام وتطبيقها على الواقع والسؤال الآن: هل ظلت مبادئ الإسلام السامية حبيسة الأدراج كما ظلت مواثيق الأمم المتحدة حبيسة الأدراج لا تساوي قيمة الحبر الذي كتبت به؟ ثم هل حبست المدينة المنورة -تلك المدينة التي أعلنت لأول مرة مبادئ الإسلام السامقة- هذه الأسس السامية، وهذه القوانين، وهذه الأخلاق كما حبست فرنسا بعد الثورة الفرنسية مبادئ الثورة في الحرية والديمقراطية حتى عن دولها ومستعمراتها التي ترضخ تحت حكمها؟! ثم هل نصبت حضارة الإسلام لهذه المبادئ السامية تمثالاً كتمثال الحرية المكذوب في قلب ميدان واشنطن في قلب نيويورك ذلكم التمثال الكاذب الذي يسحق أهله من الأمريكان الحرية وأهلها خارج حدود أمريكا سحقاً؟! هل حذف الإسلام تلك المبادئ السامية؟! الجواب اقرءوا التاريخ، فهذا رائد الحضارة وإمام الأنبياء محمد ﷺ كما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة: (أن امرأة من بني مخزوم من الأشراف سرقت واهتمت قريش بهذا الأمر، وقالوا: من يشفع لها عند رسول الله، وانطلق حب النبي أسامة بن زيد ليشفع للمخزومية عند المصطفى، فغضب غضباً شديداً وهو يقول لـ أسامة: أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة؟ ثم ارتقى المنبر، وقال بعد ما حمد الله وأثنى عليه: أيها الناس! إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) تلك حضارة الإسلام. وهذا عمر فاروق الأمة رضوان الله عليه لما نزل من المدينة ليتسلم مفاتيح بيت المقدس أعطى لأهل إيليا من النصارى الأمان لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم، وأمر أن لا تهدم كنائسهم! وهذا عمر بن عبد العزيز لما فتح الإسلام مدينة سمرقند وأرسل أهل سمرقند لأمير المؤمنين عمر رسالة يقولون فيها: بأن الفتح الإسلامي للمدينة فتح باطل؛ لأن الجيش لم يدعونا للإسلام، ولم يفرض علينا الجزية إن امتنعنا، ولم يخبرنا بالمنابذة، فلما عرض عمر بن عبد العزيز الأمر على قاض المسلمين أقر القاضي ببطلان الفتح الإسلامي لسمرقند، فما كان من عمر ﵁ إلا أن أصدر الأوامر لقائد جيوشه في بلاد سمرقند بالانسحاب فوراً، فخرج أهل سمرقند عن بكرة أبيهم بين يدي الجيش الفاتح -المنتصر على نفسه ابتداء- ليعلنوا جمعياً القولة الخالدة: نشهد أن لا إله إلا الله ونشهد أن محمداً رسول الله. ولما فتح المسلمون الشام، واستولوا على حمص ودمشق، وفرضوا الجزية على أهل حمص وعلى أهل دمشق، سمع القادة المسلمون بقيادة أبي عبيدة بن الجراح أن هرقل قد جمع جيشاً جراراً لينقض على الجيش الإسلامي انقضاضاً ساحقاً، فما كان من قادة المسلمين إلا أن ذهبوا إلى أهل دمشق وحمص ليخبروهم بأنهم لن يستطيعوا أن يدفعوا عنهم في مقابل الجزية، فردوا الجزية كلها إلى أهل حمص ودمشق، فخرجوا جميعاً -مع أنهم كانوا يدينون لدين النصارى من الروم- يقولون: نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، لعدلكم أيها المسلمون أحق إلينا من جور الروم وظلمهم، وإن كنا على مثل دينهم. وأظن أنكم جميعاً تعلمون قصة اليهودي الذي سرق درع علي بن أبي طالب، فيقف إلى جوار أمير المؤمنين علي أمام قاض مسلم، فيقول القاضي لـ علي وهو أمير المؤمنين: ما القضية؟ فيقول علي: الدرع درعي ولم أبع ولم أهب، فيلتفت القاضي إلى اليهودي ويقول: ما جوابك؟ فيقول: الدرع درعي وهو معي، فيقول القاضي: هل معك من بينة يا أمير المؤمنين؟ فيقول: لا، فيقضي القاضي بالدرع لليهودي، فـ (البينة على من ادعى واليمين على من أنكر)، وينطلق اليهودي بالدرع وهو يكلم نفسه: أقف إلى جوار أمير المؤمنين في ساحة القضاء، ويقضي القاضي المسلم بالدرع لي، وأنا أعلم يقيناً أن الدرع لـ علي والله إنها لأخلاق أنبياء، فيرجع اليهودي إلى القاضي ليقول له: أيها القاضي! أما الدرع فهو لـ علي، وأما أنا فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فلما سمعها علي رضوان الله عليه قال: أما وقد أسلمت فالدرع هدية مني لك. وأظن أنكم جميعاً تحفظون قصة شاب مصر ذلكم الشاب القبطي الذي سابق محمد بن عمرو بن العاص الذي كان أبوه حاكماً لمصر ووالياً عليها، فسبق القبطي ابن حاكم مصر فضربه محمد بن عمرو بالسوط ضرباً شديداً وهو يقول له: خذها وأنا ابن الأكرمين! خذها وأنا ابن الأكرمين! خذها وأنا ابن الأكرمين! فانطلق هذا القبطي إلى الأسد القابع في عرينه في مدينة المصطفى، ذلكم الرجل الذي يحب العدل، ويكره الظلم بكل كيانه، إنه عمر! ويدخل القبطي على عمر في مسجد النبي ﷺ فيقول: يا أمير المؤمنين! هذا مقام العائذ بك فيقول عمر: ما القضية ومن أنت؟ فيقول: أنا قبطي من أهل مصر -ركب من مصر إلى المدينة على ظهر دابة يقطع الفيافي والقفار- فيقول عمر: ما القضية؟ فيقول القبطي: سابقت محمد بن عمرو فسبقته فضربني بالسوط ضرباً شديداً وهو يقول لي: خذها وأنا ابن الأكرمين! فقال له عمر: اجلس هنا، وأمر الصحابة أن يكرموا هذا القبطي، وكتب عمر كتاباً إلى والي مصر -وتدبر كلام عمر أسالك بالله- بعد ما حمد الله وأثنى عليه قال: من عبد الله عمر بن الخطاب إلى والي مصر، سلام الله عليك وبعد: فإن انتهيت من قراءة كتابي هذا فاركب إلي مع ولدك محمد فدخل عمرو بن العاص وفي خلفه ولده محمد على أمير المؤمنين عمر، فقال فاروق الأمة: أين قبطي مصر؟ فقال: هأنذا يا أمير المؤمنين! قال: خذ السوط واضرب محمد بن عمرو، فضربه على رأسه، فقال له: اجعلها على صلعة عمرو، فقال: لا يا أمير المؤمنين لقد ضربت من ضربني، قال: والله لو فعلت ذلك ما حلنا بينك وبين ذلك، فما تجرأ عليك ولده إلا بسلطان أبيه، ثم قال عمر قولته الخالدة التي ترن في أذن الزمان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال عمر: يا عمرو متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟! وهذا صلاح الدين يوم أن حطم الصليبيين في موقعة حطين، وسمع أن رتشارد قلب الأسد ذلكم القائد المراوغ الخبيث قد مرض، فما كان من صلاح الدين إلا أن أرسل إليه بطبيبه الخاص وبدواء من عنده. ومحمد الفاتح ذلكم السلطان الشاب المبارك لما فتح القسطنطينية تحقيقاً للنبوءة النبوية، وأعطى الأمان لآل كنيسة (آيا صوفيا) الشهيرة، أعطاهم الأمن والأمان على أنفسهم وأموالهم وكنيستهم، ولم يصبهم بأي أذى أو بأي سوء. إنها سماحة الإسلام! تلك أخلاقنا! وهذا ديننا وكم تمنيت ورب الكعبة أن لو أسمعت العالم كله بزعمائه أن الإسلام دين لا يقر الإرهاب أبداً مهما كان لونه! ومهما كان جنسه! ومهما كان وطنه، بل هو دين الأمن والأمان دين السماحة والرخاء والاستقرار، ولكن بكل أسف شوهت الصورة المشرقة للإسلام، وركزت المجاهر المكبرة على بعض الأخطاء الفردية من المسلمين هنا وهنالك، حتى وصم الإسلام كله والمسلمون جميعاً بالأصولية والتطرف والإرهاب!

стр. 1341

لا تيأسوا من روح الله إخوتي الكرام! لا تيأسوا من روح الله! هل تظنون أن الكون كله ملك لعباد الدولار من الأمريكان؟! إن الكون كله ملك لله، يتصرف فيه كيف شاء: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:٢٦]، فوالله الذي لا إله غيره ستسقط الحشرات الأمريكية كما سقطت الحشرات الماركسية الشيوعية، فتلك سنة ربانية لا تتبدل ولا تتغير، وكما أن الله سبحانه قد جعل الابتلاء للمؤمنين سنة جارية، فإنه قد جعل أخذ الظالمين سنة جارية. أين الظالمون وأين التابعون لهم في الغي بل أين فرعون وهامان أين من دوخوا الدنيا بسطوتهم وذكرهم في الورى ظلم وطغيان هل أبقى الموت ذا عز لعزته أو هل نجا منه بالسلطان إنسان لا والذي خلق الأكوان من عدم الكل يفنى فلا إنس ولا جان أين فرعون؟ أين هامان؟ أين قارون؟ أين الطواغيت؟ أين الجبابرة؟ أهلكهم الله الحي الذي لا يموت، وبقي الإسلام شامخاً، وسيبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فأرجو أن لا تعصف رياح القنوط واليأس بقلوبنا، وأرجو أن نتعلم اليقين من هذا البدوي البسيط الذي يعيش في أرض الجزيرة في بلاد القصيم، يوم أن خرجت الطائرات لأول مرة فذهب أحدهم ليقول له: ادع الله فإن بريطانيا ستضرب بلاد المسلمين بالطائرات، قال: (شو يا خوي) الطائرات هذه؟! قال: والله الطائرات هذه أجسام ضخمة تطير في السماء، وتقذف الناس بالقنابل المحرقة؛ فتحرق المزارع، وتدمر المصانع والبيوت، وتهلك البشر، فقال لهذا الرجل المؤمن البسيط قولة عجيبة قال: (يا خوي الطائرات هذه فوق ربنا أم ربنا أعلى منها)؟ قال: بل الله أعلى وأجل، قال: إذاً: لا تخف، فإن الله يتصرف في ملكه كيف شاء. هذا هو اليقين الذي نحتاجه الآن، وبكل أسف تضع الأمة الخطة الخمسية والسنوية والشهرية، وما وضعت أبداً ضمن خطة واحدة قوة وعظمة رب البرية مالك الملك. لقد أصاب الله أمريكا في الأيام الماضية بإعصار يسمونه بإعصار (جرش) قتل ما يقرب من الثلاثمائة، وشرد ما يزيد على مليون ونصف أمريكي وأمريكية: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر:٣١] ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ * وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ [إبراهيم:٤٢ - ٤٤] معنا رصيد فطرة الإنسانية، وقبل وبعد كل ذلك معنا الله، ويا لها والله من معية لو عرفت الأمة قدرها! قال جل في علاه: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١].

стр. 1342

طريق النجاة من المصائب وأخيراً: طريق النجاة؛ لأضع بين يدي حضراتكم منهجاً عملياً في صورة عامة للأمة، وفي صورة خاصة للأفراد الذين يحضرون بين يدي الآن، ومن يستمعون إلي بعد ذلك عبر شريط الكاست، فأنا لا أخاطب هذه الألوف بين يدي فحسب، وإنما أخاطب ملايين الأمة في كل بقاع الأرض، وأسأل الله أن يوصل هذه الكلمة وأن يجعلها خالصة لوجهه، وأن لا يجعل فيها للشيطان ولا للنفس حظاً ولا نصيباً، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 1343

ترك تضخيم العدو والتقليل من شأن الأمة المعلم الثاني على طريق النجاة: أن لا تضخم الأمة من قوة عدوها، في الوقت الذي تقلل فيه من شأن طاقاتها وقدراتها وإمكاناتها، فالأمة ليست ضعيفة ولا فقيرة، لا من الناحية المادية، ولا من الناحية الفكرية، ولا من الناحية العلمية، بل إن عقول الأمة في بلاد الشرق والغرب هي التي تبدع هنالك يوم أن أوصدت الأبواب، وغلقت في وجوهها في بلاد المسلمين ولا حول ولا قوة إلا بالله. إن الأمة قوية وغنية، وليست ضعيفة ولا فقيرة، وليست مريضة ولا عاجزة، لكنها أصيبت بطائفة من المرجفين ممن يضخمون قوة أعدائنا، ويقللون دوماً من شأننا وقدراتنا وطاقاتنا وقواتنا، حتى أصيبت الأمة بأخطر هزيمة ألا وهي الهزيمة النفسية، والمهزوم نفسياً مشلول الفكر والحركة، فلنتخلص من هذه الهزيمة.

стр. 1344

رفع راية الجهاد في سبيل الله ثالثاً: رفع راية الجهاد في سبيل الله، ووالله لو تبناها زعيم عربي واحد بعد صلحه مع الله، وتطبيقه في بلده لشرع الله وقال: يا خيل الله اركبي! حي على الجهاد! والله الذي لا إله غيره لانتقض الشرق الملحد، والغرب الكافر، وهم يحرصون كل الحرص على أن تغيب قضية الجهاد عن الساحة؛ لأنهم يعلمون أن راية الجهاد لو رفعت لرفرفت راية الإسلام على بقاع الأرض كما رفرفت من قبل على أيدي سلفنا الصالح رضوان الله عليهم جميعاً. وفي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وغيره من حديث ابن عمر: (أن النبي ﷺ قال: إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، وتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم).

стр. 1345

المقاطعة الشاملة للمنتجات اليهودية المعلم الرابع: وهذا لك أنت أيها المسلم بعد أن تحول ما سمعت في حياتك إلى واقع عملي ومنهج حياة، فلا تستهن به ألا وهو المقاطعة الشاملة للمنتجات اليهودية والأمريكية. هل نعجز عن ذلك؟ إن المصيبة أن كل مسلم يقول: وما قيمة دوري أنا؟! وهل لو قاطعت أنا المنتج اليهودي والأمريكي سيتأثر الاقتصاد هنالك؟! وهل سينتعش الاقتصاد المحلي؟! دعك من هذا. وهكذا هذا يفرط في هذا، وهذا يضيع هذا الأمر، وتضيع المسئولية بين الأمة كلها، لهذه السلبية القاتلة التي تخيم الآن في سمائنا. يا أخي! أنت مسئول، فليحترق قلبك لهذه الأمة، افعل شيئاً تستطيع أن تفعله، دعك من هذه السلبية القاتلة، فوالله لن يسألك الله في حدود قدراتك وطاقاتك وإمكانياتك وإن قصرت فستسأل عن ذلك، ولا تستهينوا بهذا البند ووالله لو قاطع المسلمون البضائع اليهودية والأمريكية لاختلت الحركة والموازين تمام الاختلال. انظر إلى حجم الواردات اليهودية والأمريكية إلى بلاد المسلمين، لا تنظروا إلى مصر فحسب، بل إلى الأمة أجمع ما مقدارها؟ لو وقف المسلمون على قلب رجل واحد، بل أنا أقول لو بصق المسلمون في آن واحد لأغرقوا اليهود، والله لو بصقوا فقط لأغرقوهم بالبصاق، لكنه الذل والانهزام. لا تستهينوا بأن يقاطع كل مسلم منتجاً يهودياً أو منتجاً أمريكياً، ولنقف على قلب رجل واحد، ولنرى النتائج، والله جل وعلا لن يسألني إلا في حدود قدراتي وطاقاتي وإمكانياتي: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥].

стр. 1346

الدعاء والتضرع إلى الله وأخيراً أيها الأحبة! لا تنسوا سهام الليل واعلموا يقيناً أن التوكل الحقيقي هو الأخذ بالأسباب وتعلق القلوب بمسبب الأسباب جل وعلا، فابذل ما استطعت وما تمكنت من أسباب، لكن لا تنسى سهام الليل، لا تنسى الدعاء، وأنا سأسألكم بالله سؤالاً: عشرات الآلاف بين يدي الآن من المسلمين هل كلنا يخص الأمة بدعوة في كل سجدة في صلاته؟! هل هذا الجمع بين يدي الآن يخص الأمة بدعوة في كل سجدة؟! هل تنسى نفسك؟! لا، لكنك نسيت أمتك، ونسيت إسلامك. إن قلة قليلة فحسب من الأمة ممن يحملون هم الأمة في قلوبهم، وهم الذين يتذللون ويتضرعون إلى الله في كل سجدة أن يرفع الله الذل والهم عن أمة الحبيب المصطفى. فلا تستهن بالدعاء ولا تيأس أبداً من روح الله، ووالله الذي لا إله غيره إن الله لقادر أن يقول للشيء (كن) فيكون. لو رأى الله منا الضعف، وإننا لم نعد نملك شيئاً نقدمه وأننا بذلنا كل ما في وسعنا لرأينا أمراً آخر، لكن لا زال كل مسلم يستطيع أن يقدم المزيد والمزيد، ولكنه التكاسل، والسلبية التي أسأل الله أن يرفعها عن أمتنا. وأخيراً أيها الأحبة! أذكر بقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]، وأذكر بقول الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى كما في صحيح مسلم من حديث نافع بن عتبة: (أنه ﷺ قال: -تدبر كلام النبي الصادق- تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله، ثم تغزون بلاد فارس فيفتحها الله، ثم تغزون الروم فيفتحها الله، ثم تغزون الدجال فيفتحه الله)، والجولة القادمة بنص حديث نبوي هي غزو الروم، ذلك وعد لا يكذب، والله جل وعلا يهيئ الكون كله الآن لهذه المرحلة، بل ووالله إنها لقريبة وعلى الأبواب، يهيئ الله الأرض الآن للمهدي ﵇ الذي سيقود الأمة كلها تحت ظلال الخلافة الراشدة، لتغزوا الأمة الروم، ولتفتح الأمة القسطنطينية بالتكبير لله الكبير جل وعلا، مصداقاً لقول البشير النذير الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ . وفي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم من حديث ثوبان أن النبي ﷺ قال: (إن الله تعالى زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها)، أسأل الله جل وعلا أن يقر أعيننا بنصرة الإسلام، وعز الموحدين، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم مكن لدينك يا رب العالمين! اللهم عليك باليهود والأمريكان! اللهم عليك باليهود والأمريكان! اللهم عليك بكل من ناصب المسلمين والإسلام العداء يا رحيم يا رحمان! ربنا إننا مغلوبون فانتصر، ربنا إننا مغلوبون فانتصر، ربنا إننا مغلوبون فانتصر! اللهم إنا نشكو إليك خيانة الخائنين، اللهم إنا نشكو إليك خيانة الخائنين، وضعف الموحدين! اللهم ارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، واستر عيبنا، وفك أسرنا، واختم بالصالحات أعمالنا! اللهم تول خلاصنا، اللهم مكن لأمة نبيك المصطفى! اللهم انصر دينك وكتابك وعبادك المؤمنين! اللهم إنا نسألك أن تجعل بلدنا مصر واحة للأمن والأمان، وجميع بلاد المسلمين! اللهم ارفع عن مصر الغلاء والوباء والبلاء، وجميع بلاد المسلمين! اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن، وجميع بلاد المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع المبارك ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً بيننا إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ميتاً لنا إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا تائباً إلا زدته وثبته، ولا حاجة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين! اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا معنا شقياً ولا محروماً! اللهم اهدنا واهدِ بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى! اللهم اقبلنا وتقبل منا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم! عباد الله! هذا وما كان من توفيق فمن الله، ومن كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه، ولا أنسى أن أذكر إخواني في هذا الجمع الكريم المبارك أن لا ينصرف أحد إلا وقد ساهم بما يستطيع لهذا المركز الإسلامي العامر، وأسأل الله أن يسدد ويوفق إخواننا القائمين عليه لما يحبه ويرضاه؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1347

العودة الصادقة إلى القرآن والسنة أيها الأحبة الكرام! ما هو طريق النجاة؟ إن المعلم الأول على طريق النجاة للأمة من هذا المأزق الحرج هو: العودة الصادقة إلى القرآن والسنة، وإحياء عقيدة الولاء والبراء؛ فإن الكفر ملة واحدة، والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه الآن، وأن لا نسأم من تكراره هو: لماذا لم تحارب أمريكا التطرف اليهودي والصربي؟ و الجواب لأن الكفر ملة واحدة، وتلك حقيقة قرآنية نبوية: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠] ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:١٠٩] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]. قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران:١١٨]، وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقّ﴾ [الممتحنة:١]. الكفر ملة واحدة، وأنا أسأل وأقول: متى سنربي أنفسنا ونساءنا وبناتنا وأولادنا على عقيدة الولاء والبراء في شمولها وصفائها إن لم نترب على هذه العقيدة في هذه الأيام؟! متى ستزول حالة الغبش التي يحياها المسلمون إلا من رحم ربك؟! متى ستزول هذه الحالة إن لم تزل الآن بعد هذه العلامات الناصعة البينة الواضحة على إرهاب وكفر وحقد هذه الأنظمة؟! ومتى تكون العودة الصادقة إلى القرآن والسنة؟ إن العودة الصادقة إلى الكتاب والسنة ليست نافلة ولا تطوعاً ولا اختياراً، بل إنها شرط الإسلام وحد الإيمان: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦]، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:١]، وقال سبحانه: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠]، وقال جل في علاه: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف:٣٩]. فالعودة إلى القرآن والسنة ليست نافلة ولا اختياراً، بل إنها شرط الإسلام وحد الإيمان.

стр. 1348

متى نصر الله ؟ الإسلام هو العدو الأكبر لجميع ملل الكفر، ولذا فهم حريصون على حربه وحرب أتباعه، ولكن الله متم نوره ولو كره الكافرون، والإسلام قادم من جديد، فعلى المسلمين أن يهيئوا أنفسهم حتى يكونوا أهلاً لنصر الله، فيعملوا بأسباب النصر، ومن أعظمها: تحقيق الإيمان والتقوى، وإعداد ما يستطاع من قوة.

стр. 1349

الإسلام هو العدو الأكبر لجميع الكفار إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة التي يطول -والله- شوقي دائماً إليها، وزكى الله هذه الأنفس الكريمة التي انصهرنا معها في بوتقة الحب في الله، وشرح الله هذه الصدور العامرة التي جمعنا وإياها كتاب الله، طبتم جميعاً -أيها الأخيار- وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله جل وعلا أن يجمعني وإياكم في هذه الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد الدعاة وإمام النبيين في جنته ومستقر رحمته؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! (متى نصر الله؟) هذا هو عنوان محاضرتنا هذه، في وقت تجمعت فيه كل جاهليات الأرض مرة أخرى للقضاء على الإسلام، واستئصال شأفة المسلمين، وتجمعت الأحزاب للكيد للإسلام، وللقضاء على المسلمين، وتفنن أعداء هذا الدين في عقد المؤامرات المنظورة بمسميات لا تنفق إلا على الغوغاء والرعاع، فآثرت أن يكون لقاؤنا هذا بعنوان: (متى نصر الله؟). وسوف ينتظم حديثي في العناصر التالية: أولاً: مقدمة لابد منها. ثانياً: ولمنهج الله حكم. ثالثاً: بالرغم من كل هذا فإن الإسلام قادم. وأخيراً: فلنكن على مستوى هذا الدين. فأعيروني القلوب والأسماع، فإن هذا اللقاء في هذه الظروف الحرجة من الأهمية بمكان. أولاً: مقدمة لابد منها: أيها الأحبة الكرام! يجب أن نعلم يقيناً أن الإسلام هو الخطر الماثل أمام الشرق الملحد والغرب الكافر، وما زال هذا الإسلام منذ أن بزغ فجره، وأشرق نوره على أرجاء الدنيا؛ مستهدفاً من قبل أعدائه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ مصداقاً لقول ربنا: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧]. وحتى لا أستطرد طويلاً مع كل عنصر من عناصر هذا اللقاء يكفي أن نقف بتأنٍ وتدبر وتفكر أمام هذه الكلمات الخطيرة للمنصر الصليبي الحقود لورنسد ورد إذا يقول هذا المنصر الصليبي الحقود: لقد كان قادتنا يخوفوننا بشعوب مختلفة، ثم تبين لنا بعد الانتظار والتجربة أنه لا داعي لهذه المخاوف، كانوا يخوفوننا بالشعب اليهودي، ويخوفوننا بالشعب الشيوعي، ثم تبين لنا بعد ذلك أن اليهود هم أصدقاؤنا، وأن الشيوعيين هم حلفاؤنا، وتبين لنا أن عدونا الأوحد هو الإسلام! ولذلك كانت أنشودتهم التي يتغنون بها طيلة السنوات الماضية في حربهم للإسلام والمسلمين تقول كلماتها: أنا ذاهب لسحق الأمة الملعونة! هذا ما يردده الجندي المشرك الكافر الذي يرضع من لبن أمه هذه العقيدة، وهذه المعاني، وتلك الأصول، ينطلق في حربه للإسلام والمسلمين وهو يتغنى بهذه الأنشودة الوقحة ويقول: أنا ذاهب لسحق الأمة الملعونة، ولأحارب الديانة الإسلامية، ولأمحو القرآن بكل قوتي! هذه هي أنشودتهم. أيها المسلمون! أيها الشباب! لازالت هذه المعاني الوقحة الخطيرة هي التي تحرك أعداء ديننا في حروبهم مع المسلمين، وفي ذبحهم للمسلمين ذبح الخراف في كل بقاع الدنيا، وما أحداث البوسنة منا ببعيد، وستعلمون أن هذه المعاني هي التي يتغنى بها الصربيون الكفرة الفجرة على مرأى ومسمع من الدنيا كلها في عالم يسمونه بالعالم المتحضر، أو المتنور، أو المتطور! لازال الجندي الصربي يتغنى بأنشودته التي رددت معانيها آنفاً، وإن اختلفت في كلماتها، يردد الصرب أنشودتهم التي تُسمى بإكليل الجبل، وتقول كلمات هذه الأنشودة: سلك المسلمون طريق الشيطان، دنسوا الأرض ملؤها رجساً، فلتعد للأرض خصوبتها، ولنطهرها من تلك الأوزار، ولنبصق على القرآن، ولنقطع رأس كل من يؤمن بدين الكلاب، ويتبع محمداً، وليذهب غير مأسوف عليه!

стр. 1350

حرب الإسلام بأيدي منافقين يتظاهرون بالإسلام بالرغم من ضراوة هذه الحرب المعلنة التي لن تنته إلى قيام الساعة كما قال : ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧]، بالرغم من ضراوة هذه الحرب الخطيرة المعلنة من أعدائنا الظاهرين الحقيقيين الواضحين فإنني أقول: إن مكمن الخطر يتمثل في أن تعلن الحرب على الإسلام والمسلمين على أيدي الكثيرين من أبنائه ممن يتكلمون بألسنتنا، ويتزيون بزينا، إن مكمن الخطر -بالرغم من ضراوة هذه الحرب المعلنة- يكمن في أن تعلن الحرب في كل زمان ومكان على أيدي الكثيرين من أبناء هذا الدين، ممن يتسمون بالمسلمين من بني جلدتنا، وممن يتكلمون بألسنتنا، وقد حذرنا الله شرهم، وحذرنا النبي شرهم، ووصفهم لنا وصفاً دقيقاً محكماً، ولكن يبدو أن الأمة تنسى أو تتناسى، ويبدو أن الأمة تغفل، ولا تجيد أن تفرق بين أعدائها الحقيقيين الذين يلبسون عباءة الإسلام في كل زمان وحين وبين الدعاة الصادقين والهداة المخلصين الذين تحترق قلوبهم كمداً وحزناً على أحوال الأمة، فينطلقون وهم يحملون أنفاسهم ونفوسهم على أكفهم، ويصرخون بالأمة أن ترجع إلى أصل علمها، ونبع شرفها، وأن تعلن الحرب، وأن تنابذ كل هذه المؤتمرات المشبوهة، وكل هذه المؤامرات الحاقدة، وأن تستيقظ الأمة لنفسها، وأن تحرص الأمة على دينها، وأن تعض الأمة بالنواجذ على دعوة الحبيب نبيها ﵌.

стр. 1351

صفات المنافقين أصبحت الأمة لا تفرق بين هذا وبين ذاك، مع أن الصادق المصدوق ﵌ قد وصف لنا هذا الصنف الخبيث وصفاً دقيقاً محكماً في حديث رواه البخاري ومسلم من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ وأرضاه، واسمع أيها الموحد لله إلى هذا الحديث، وأصغ لي سمعك، وأحضر لي قلبك، يقول حذيفة: (كان الناس يسألون رسول الله عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت: يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير -أي: بهذا الإسلام العظيم، وبهذا الدين الكريم- فهل بعد هذا الخير من شر؟ فقال الحبيب: نعم، فقال حذيفة: فهل بعد ذلك الشر من خير؟ فقال الحبيب: نعم، وفيه دخن -خير سيأتي بعد هذا الشر لكن فيه دخن- فقال حذيفة: وما دخنه يا رسول الله؟! فقال الحبيب: قوم يهتدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر، فقال حذيفة: فهل بعد هذا الخير -أي: الذي شابه هذا الدخن- من شر يا رسول الله؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، فقال حذيفة: صفهم لنا -يا رسول الله- لنتقي شرهم) أي: لنتقي خطرهم، ولنعرف خبثهم، ولنعرف صفتهم؛ لأنهم قد يزينون لنا الكلام؛ فهم من ألطف الناس بياناً، ومن أفصح الناس كلاماً، ومن أعظم الناس أجساماً، ومن أحسن الناس بياناً، ومن أحسن الناس جمالاً، قال : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة:٢٠٤ - ٢٠٥]، ولا يؤلمه إلا أن يتكاثر نسل المسلمين، لا يسعده أن يتكاثر نسل الضعفاء من الدول النامية على حد تعبيرهم وزعمهم، ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [البقرة:٢٠٥ - ٢٠٦] اتق الله! واعلم بأن الرزاق هو الله، اتق الله! واعلم بأن الملك كله لله. اتق الله! ولا تخش معونة أمريكية، ولا تخش معونة شرقية، واعلم بأن الذي يرزق الكلاب هو الله، أفيرزق الله الكلاب وينسى الموحدين؟!! اتق الله واعلم بأن الرزق والأمر بيد الله، واعلم بأن الملك كله لله، واعلم بأن الضر والنفع بيد الله، واعلم بأن الخافض الرافع هو الله، واعلم بأن القابض الباسط هو الله، واعلم بأن الكون كله لله، قال : ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ﴾ [الأعراف:٩٦]، فقال هذا الصنف: لا نصدق الله، بل نكذب الله، ونكذب رسول الله، ونصدق الشرق الملحد، ونصدق الغرب الكافر!! ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ [الأعراف:٩٦] أي: لو كانوا أهل إيمان بالله وتقوى لله، ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦]، من الذي يفتح؟ هل الشرق الملحد أم الغرب الكافر؟! لا ورب الكعبة! فنريد إيماناً يملأ القلوب، ونريد يقيناً في كلام علام الغيوب. والله! إن القلب ليتقطع، وما من يوم يمر علي إلا وأجلس لأتابع وثيقة هذا المؤتمر، فيكاد قلبي أن ينخلع، يشرعون للدعارة، ويشرعون لسوء الأخلاق، ويريدون أن يحطموا الأسرة، ويريدون أن يلقوا الإسلام، ثم بعد ذلك يعلنون الحرب على الإرهاب والتطرف، وعلى كل من يحذر اليوم من مؤتمر السكان! هل هذا هو الحوار؟! وهل هذه هي الديمقراطية؟! وهل هذه الحرية؟! فليقرأ كل مسلم غيور هذه الوثيقة المشبوهة الداعرة؛ ليتعرف على خطورة الأمر، وعلى أن الأمر جلل، وعلى أن الأمر عظيم، وعلى أن الكارثة -والله- لا تبقي على الأخضر ولا على اليابس. فلابد أن نعي هذه الحقائق، لقد أخذ الله الميثاق على أهل العلم ألا يكتموه وأن يبينوه، ورب الكعبة! ما تعودت أن أثير العواطف، ولا أن أهيج المشاعر، ولكن سامحوني واعذروني؛ فإني كأي مسلم يخشى على دين الله، ويتحرق قلبه لدعوة رسول الله ﵌، ويتألم لأحوال أمته ولأحوال أهل ملته التي أسأل الله في عليائه وسمائه أن يحميها، وأن يحرسها، وأن يحفظ عليها توحيدها، وأن يحفظ عليها دينها، إنه ولي ذلك ومولاه، وهو على كل شيء قدير. أيها الأحبة الكرام! لابد أن تستقر هذه الحقائق في قلوبنا وعقولنا، فإن مكمن الخطر الحقيقي يكمن في أن تعلن الحرب على الإسلام من هذه العصبة التي تعلن الإسلام بلسانها، وتخفي العداء لهذا الدين بقلبها، قال : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة:٢٠٦]. قال حذيفة: صفهم لنا يا رسول الله! أي: حتى نحذر ونتقي شرهم، فقال الحبيب: (هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا) وفي لفظ مسلم: (قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، فقال حذيفة: فما تأمرني إن أدركني ذلك يا رسول الله؟! قال: أن تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قال: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: أن تعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك). هذا الصنف الخبيث الخطير جلس على أبواب جهنم يدعو الناس إليها بأقواله وأفعاله وتقاريره وتشريعاته من دون الله ، ومع هذا لبسوا ثياب أهل الإيمان وقلوبهم قلوب أهل الزيغ والخسران، فالظواهر ظواهر الأنصار، والبواطن قد تحيزت إلى المنافقين والفجار، وليس هذا حكماً منا على بواطن الناس؛ فإن الأمر لله جل وعلا، ولكننا نقول هذا من منطلق قول الله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء:٦٠ - ٦١]. إذاً: أيها الأحبة الكرام! لابد أن نعي أن مكمن الخطر يتمثل في جيش فكري أمين يناصر أعداء هذا الدين، ولا يفتأ أفراد هذا الجيش أن يعلنوا الحرب الهوجاء على الإسلام والمسلمين من آنٍ لآخر؛ فاحذروا هذا الصنف، واعلموا خطره، واسمعوا بآذانكم وقلوبكم إلى الدعاة الصادقين والهداة المخلصين الذين يدعون الناس إلى الجنة بأقوالهم وأفعالهم. أسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا منهم، بمنه وكرمه؛ إنه ولي ذلك ومولاه، وهو على كل شيء قدير.

стр. 1352

منهج الله فيه حكم كل شيء ثانياً: ولمنهج الله حكم. أيها المسلمون! لابد أن تعلموا جميعاً أنه ما من شاردة ولا واردة في قضية من القضايا أو مسألة من المسائل القديمة أو الحديثة إلا ولمنهج الله فيها حكم، ولمنهج الله عليها تصور، فقضية تحديد النسل لها حكم في منهج الله. وقضية الإجهاض لها حكم في منهج الله. وقضية العلاقات الزوجية لها حكم في منهج الله. وقضية العلاقات الشاذة بين الرجل والرجل باللواط وبين المرأة والمرأة بالسحاق، لها حكم واضح في منهج الله. وكذا قضية تعدد أشكال الأسرة، وما معنى تعدد أشكال الأسرة؟ يعني: شكل يكون بين زوج وزوجة، وشكل آخر يكون بين رجل ورجل، وشكل ثالث امرأة مع امرأة، فتعدد أشكال الأسرة، وتوفير الثقافة الجنسية للمراهقين من الشباب لحمايتهم من الوقوع في مرض نقص المناعة المعروف بالإيدز، كل هذا له حكم في منهج الله، ولمنهج الله تصور واضح لكل هذه القضايا. وعلاقة العبد بخالقه لها حكم في منهج الله. وعلاقة العبد بالناس لها حكم في منهج الله. وعلاقة الإنسان بأعدائه لها حكم في منهج الله. والمعاملات الاقتصادية لها حكم في منهج الله. والمعاملات السياسية لها حكم في منهج الله. والمعاملات السياسية في الحرب والسلم لها حكم في منهج الله. وما من قضية من القضايا أو مسألة من المسائل إلا ولها حكم في منهج الله، فهل يجوز لمسلم يؤمن بالله أن يقدم شرع البشر على شرع الله؟ الجواب لا، بل يجب أن يعرض تشريع المؤتمرات على تشريع رب الأرض والسماوات. وما هو الذي يجب علينا أن نقدمه، وأن نعرض كل مؤتمرات الدنيا وكل تشريعات البشر عليه؟ الجواب: إنه تشريعنا وديننا، إنه قول ربنا وسنة نبينا ﵌، هذا هو الأصل، وذلكم هو الميزان الحساس الدقيق، وأهلاً ومرحباً بأي قانون يضعه الغرب شريطة أن يعرض هذا القانون على كتاب ربنا وعلى سنة نبينا، فإن أقر القرآن والسنة هذا القانون قبلناه، وإن اعترض القرآن والسنة عليه ورفضا هذا القانون رفضناه، وضربنا به عرض الحائض، ولو شرع هذا القانون البيت الأبيض أو الأحمر أو الأسود! وهذه قضية خطيرة، فنحن أمام حد الإسلام وشرط الإيمان، فيا مسلمون! هذه قضية خطيرة كبيرة، وأنتم أمام شرط الإسلام وحد الإيمان، بمعنى: إما إسلام بالإذعان لشرع الله، وإما كفر بالاعتراض على شرع الله، إما إيمان بالانقياد لحكم الله ورسوله وإما كفر بالاعتراض على حكم الله ورسوله، هذه قضية يقررها الله بنفسه، ويقسم عليها بذاته، فقال : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥] وليس هذا فقط، بل يجب أن تحكم الله ورسوله، وأن تكون في غاية الحب والرضا عن الله وعن رسول الله وعن حكم الله وعن حكم رسول الله ﵌. (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، ويؤلم القلب المؤمن أن الفاتيكان ترفض كثيراً من بنود هذا المؤتمر، وترفض كثيراً من توصيات هذا المؤتمر، وترفض أن يشارك في المؤتمر الشاذون جنسياً، ويوجد خمسمائة شاذ يشاركون في المؤتمر! فهل نأخذ توصياتنا عن الشواذ؟! وهل نأخذ تشريعنا من الشواذ؟! وهل نأخذ قانوننا من الشواذ؟! وهل هذا يرضي الله أو يرضي رسول الله؟! ثم بعد ذلك تعلن الحرب الهوجاء على كل من حذر الأمة من هذا الخطر الدامغ والماحق لهذه الأمة، ويوصف بالإرهاب والتطرف! لا ورب الكعبة! بل إن الإرهاب والتطرف بعينه هو أن نأتي للأمة بهذا الخطر الماحق، وبهذا الخطر الدامس الدامغ، ثم بعد ذلك نقول: لا يجوز لأحد أن يحذر أو أن ينذر أو أن يذكر. فلا نريد شعارات، وإنما نريد عملاً وسلوكاً، ونريد واقعاً، لقد صرخت الأمة طيلة السنوات بالشعارات فماذا فعلت؟! وماذا صنعت؟! إن العالم كله الآن يتحرك برجولة، ويتحرك بجدية وبقوة، ولا زال المسلمون يتغنون؛ ولا يجيدون إلا لغة الشعارات والشجب والاستنكار، وتخرج علينا المجلات والصحف أمام كل كارثة، وأمام كل مصيبة بالخطوط العريضة: نشجب ونستنكر!! ما شاء الله! هذه هي لغتنا، أما العمل، وأما السلوك، وأما أن نقدم لدين الله شيئاً، فلا! إنا نريد أن نثبت للعالم كله أن الإسلام وأن محمداً -كما يقول اليهود- لم يخلف بنات، بل ترك رجالاً أطهاراً يعلمون حقيقة هذه الدنيا وحقيقة هذا الدين؛ فتتحرق قلوبهم كمداً وغيضاً، وتتحرك جوارحهم للعمل لهذا الدين، ويشهدون شهادة عملية لهذا الدين العظيم، ولهذا الإسلام الكريم. أقول أيها المسلمون الأحبة: ما من قضية إلا ولمنهج الله فيها حكم، نريد أن نعي هذه الحقيقة وهذه القضية الكبيرة ألا وهي: أنه لا يجوز لأحد إن كان مسلماً أن يقدم شرع المهازيل من البشر على شرع رب البشر وسيد البشر ﵌، ومرفوض أي تشريع يصدر عن مؤتمرات أو برلمانات أو مجالس شعبية أو برلمانية أو هيئات أو منظمات أو بيوت بيضاء أو سوداء أو حمراء إن كان يخالف تشريع ربنا، ولا يجوز لمسلم على ظهر هذه الأرض أن يقبله، نقول ذلك بملء أفواهنا: لا يجوز لمسلم أن يفعل ذلك إلا إذا كان قد ترك إسلامه، وقد تخلى عن دينه، فله أن يفعل ذلك حينئذٍ، أما وهو يعلن أنه مسلم فلا يجوز له ألبتة أن يقدم تشريع المهازيل من البشر على تشريع رب البشر جل وعلا، قال : ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥١ - ٥٢]. إذاً: أيها الحبيب الكريم! منهج الله لابد أن يقدم، وتشريع الله لابد أن يقدم، يقول صاحب (الظلال): إن هذه الحياة البشرية من خلق الله، ولن تفتح مغاليق فطرتها إلا بمفاتيح من صنع الله، ولن تعالج أمراضها وعللها إلا بالدواء الذي يقدم إليها من يد الله، فرحم الله السيد قطب؛ فإنه يلخص المسألة في هذه الفقرات: إن الحياة البشرية من خلق الله، ولن تفتح مغاليق فطرتها إلا بمفاتيح من صنع الله، ولن تعالج أمراضها وعللها إلا بالدواء الذي يقدم لها من يد الله، قال : ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٧]. وهذا هو أخطر عنصر من عناصر المحاضرة، ولا أريد أن أطيل فيه أكثر من هذا، ولكني أقول: منهج الله له حكم لكل مسألة، وله حكم لكل قضية، فيجب أن نعرض القضايا والمسائل على منهج الله ابتداءً، فإن أقرها منهج الله أقررناها وقبلناها، وإن رفضها منهج الله رفضناها وضربنا بها عرض الحائط، حتى ولو قالها أعلم أهل الأرض، ولو لم نخرج من هذه المحاضرة إلا بهذا العنصر لكفى. فتحديد النسل، والإجهاض -الإجهاض الآمن أو غير الآمن- والعلاقات الأسرية، والعلاقات الزوجية، والعلاقات الاجتماعية، والعلاقات الاقتصادية، والعلاقات السياسية، والعلاقات الحربية، والإعلام والتعليم، وكل صغيرة وكبيرة؛ منهج الله له حكم وله تصور لكل هذه القضايا، ولكل تلك المسائل، فيجب علينا -نحن المسلمين- أن نحكم منهج الله وشرعه في كل قضية وفي كل مسألة، بل وفي كل جزئية، يقول الله : ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه:١ - ٣]، يقول السيد قطب رحمه الله تعالى: يا محمد! ما أنزل الله عليك هذا القرآن لتشقى بأوامره، أو لتشقى بنواهيه، أو لتشقى بتكاليفه، أو لتشقى به أمتك من بعدك، بل ما أنزل الله عليك هذا القرآن إلا لتقيم به أمة، وإلا لتنشئ به دولة، وإلا لتربي به العقول والقلوب والضمائر والأخلاق، وواجب على الأمة أن تعود إلى هذا القرآن، يقول: والعودة إلى القرآن ليست نافلة ولا تطوعاً ولا اختياراً، إنما الإيمان أو لا إيمان، ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].

стр. 1353

الإسلام قادم الثالث: من عناصر المحاضرة: الإسلام قادم، بالرغم من كل هذا أيها الأحبة! فإني بكل ثقة وبكل يقين أزف إليكم البشرى بأن الإسلام قادم، فهل تصدقون الله؟ وهل تصدقون رسول الله؟ اسمع إلى الله واسمع إلى رسوله لتعلم يقيناً حتى لا تهب عليك ذرة ريح من رياح القنوط واليأس؛ لتعلم أن الإسلام وإن طال ليله فهو قادم كقدوم الليل والنهار، وأن أهل الأرض ولو اجتمعوا ومهما وضعوا في طريق الإسلام من الحديد والنيران فإن الإسلام دين الله الذي تكفل بنصرته، وهو الذي يقول للشيء: كن فيكون. فلا تخشوا على الإسلام أبداً، ولا تخافوا على الإسلام أبداً، فإن الإسلام دين الله، وهل تستطيع قوة على ظهر هذه الأرض أن تعلن الحرب على الله؟! الجواب أبداً والله! فاسمع إلى الله لتستبشر، وليمتلأ قلبك يقيناً بأن الإسلام قادم، فأمة الإسلام قد تمرض، وقد تعتريها فترات من الركود، وربما الركود الطويل، ولكنها بفضل الله لا تموت، ولن تموت بإذن الله جل وعلا، وإن أشد ساعات الليل سواداً هي الساعة التي يليها ضوء الفجر، وفجر الإسلام قادم بإذن الله . وإن الذي يفصل في الأمر في نهاية المطاف ليس ضخامة الباطل، وإنما الذي يفصل في الأمر في نهاية المطاف هو قوة الحق، ولا شك على الإطلاق أن معنا الحق الذي من أجله خلقت السماء، وخلقت الجنة والنار، وأنزلت الكتب، وأرسلت الرسل، معنا رصيد فطرة الكون، ومعنا رصيد فطرة الإنسان، وقبل كل ذلك وبعد كل ذلك معنا الله، ويا لها والله! من معية كريمة مباركة! يقول الله : ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]. فاسمع إلى الله ، يقول : ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٣٩ - ٤٠]. واسمع إلى الله جل وعلا وهو يقول: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥]. واسمع إلى الله جل وعلا وهو يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]. فهم ينفقون على مؤتمرات، وعلى مؤامرات، ويعملون دعايات، ولكن: ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]، نعم يغلبون، ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]، لتتم هنالك حسرتهم الكبرى في جهنم والعياذ بالله! أيها المسلم! كم أنفق من مليارات لتنصير المسلمين؟! وكم أنفق من مليارات لتحطيم صرح الأسرة وهدم كيانها بالمسلسلات الفاجرة والأفلام الداعرة والقصص الخليعة الماجنة؟! وكم أنفق من مليارات على أندية الأنترنت العالمية؟! وكم أنفق من مليارات على أندية الماسونية العالمية؟! وكم أنفق من مليارات للقضاء على طلائع الجهاد الأبية؟! وكم أنفق من مليارات لإخراج المسلمين عن دينهم بالجملة؟! ولكن ما هي النتيجة؟!! ينبئك عنها اللطيف الخبير: ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ [الأنفال:٣٦]، وورب الكعبة! إنهم الآن يتحسرون، فبعد كل هذه السنوات من الغزو الفكري من غسيل المخ ومن المؤامرات والضربات والهجمات يرون هذه النبتة الطيبة، ويرون هذه الصحوة العملاقة التي جعلتهم في ذهول، وجعلتهم الآن يرقصون رقصة الموت.

стр. 1354

يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم أيها المسلمون! اعلموا أن الذي يغرس لهذا الدين إنما هو الله، واسمع إلى هذه البشارة القرآنية لأختم بها، اسمع إلى الله جل وعلا وهو يقول في سورة الصف: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [الصف:٨]، يريدون ليطفئوا نور الله بمؤتمراتهم، فهم يريدون ليطفئوا نور الله بإعلامهم، يريدون ليطفئوا نور الله بمجلاتهم، يريدون ليطفئوا نور الله بكلامهم، ولكن كلا! قال : ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف:٨ - ٩] فالقائل هو الله رب العالمين، فهل تستطيع جميع الأفواه ولو اجتمعت أن تطفئ نور الله؟! وهل يستطيع ذلكم الدخان الكثيف الأسود المتصاعد تباعاً من أوعية الذل والحقد والحسد في صدور أعدائنا أن يحجب نور الله ؟! وهل يضر السماء نبح الكلاب؟! وهل تستطيع جميع الطحالب الحقيرة الفقيرة ولو اجتمعت على سطح الماء أن توقف سير البواخر الكبيرة العملاقة؟! الجواب كلا! قال : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح:٢٨].

стр. 1355

بشائر نبوية بالنصر والتمكين اسمعوا هذه البشائر النبوية: روى الإمام أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك، وصحح الحاكم الحديث على شرط الشيخين، وتعقبه الإمام الألباني فقال: بل هو صحيح على شرط مسلم، من حديث تميم الداري أن النبي ﵌ قال: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر). وفي الحديث الذي رواه أحمد في مسنده، وصححه الحافظ العراقي من حديث حذيفة من اليمان ﵁ أن النبي ﵌ قال: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً، فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرياً -وها نحن الآن نعيش هذه المرحلة- فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة)، اللهم عجل بها يا رب العالمين! وأقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم آمين. وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد أيضاً في مسنده، والحاكم في المستدرك، وابن أبي شيبة في مصنفه، وصحح الحديث الشيخ الألباني من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: (كنا نكتب حول رسول الله ﵌، فسأله سائل وقال: يا رسول الله! أي المدينتين تفتح أولاً القسطنطينية أم روما؟ فقال الحبيب الصادق المصدوق: مدينة هرقل تفتح أولاً) ومدينة هرقل هي القسطنطينية، وقد فتحت بعد البشارة النبوية بثمانية قرون، وليس بثمان سنين، فتحت على يد البطل الشاب محمد الفاتح، أسأل الله أن يفتح على الأمة بفاتح، فتحت على يد هذا البطل بعد ثمانية قرون تقريباً من بشارة رسول الله، ويبقى الشطر الآخر في البشارة، وعد لا يكذب إن شاء الله، اللهم عجِّل به، آمين يا رب العالمين! وأختم البشائر النبوية بهذه البشارة الكريمة: في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أنه ﵌ قال: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون) هذا كلام الصادق ونحن نعتقده تماماً، (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر، فينطق الله الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم! يا عبد الله!) وليس كما قال واحد مخرف ومحرف: الحجر يقول: يا عربي! وليس معنى هذا أنني أنكر العروبة، كلا! وإنما أقول: ينبغي أن تكون الآصرة هي آصرة الإسلام، وأن تكون الوشيجة هي وشيجة الإيمان، كما قال الشاعر: أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم (ينطق الله الحجر والشجر ويقول: يا مسلم! يا عبد الله! ورائي يهودي تعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود). وستعجبون إذا علمتم أن اليهود يقومون بحملة واسعة لزراعة شجر الغرقد؛ لأنهم يصدقون رسولكم ﵌، بل أعجب من ذلك أيها المسلم! إذا علمت أن رسولك قد حدد أرض المعركة، فالصادق ﷺ حدد أرض المعركة قبل غزوه بدر، والحديث في صحيح البخاري، أخذ النبي ﵊ عصاه وقال: (هنا مصرع فلان بن فلان، وهنا مصرع فلان بن فلان، وهنا مصرع فلان بن فلان، يقول عبد الله بن مسعود: فوالذي نفسي بيده ما أخطئوا الأماكن التي حددها رسول الله) فالمكان هو المكان؛ لأن الذي يبلغ هو سيد ولد عدنان عن الرحيم الرحمن، قال : ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:١ - ٥]، بأبي هو وأمي ﷺ . حدد النبي أرض المعركة كما في رواية البزار ورجالها رجال الصحيح قال الحبيب: (أنتم - يا مسلمون! شرقي الأردن وهم غربيه) ولم تكن هناك يومها دولة تعرف بالأردن على الإطلاق، لم تكن دولة اسمها الأردن، وإنما كان اسمها بلاد الشام، والنبي سمى الدولة بالضبط: (أنتم شرقي الأردن، وهم غربيه) فهذا وعد الله، وهذا وعد الصادق رسول الله ﵌.

стр. 1356

وجوب التمسك بالدين لنكون أهلاً لنصر الله وأختم في عجالة وأقول: وأخيراً فلنكن على مستوى هذا الدين، لأجيب على سؤال عنوان المحاضرة: متى نصر الله؟ وأقول كما قال : ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤]، بشرط أن نكون على مستوى هذا الدين، وأن ننبذ هذا الخلاف، وهذه العصبية والفرقة؛ كفاية فرقة، ألا يوجد مصيبة تجمعنا أبداً؟ كل هذا يحصل على الأمة وما زلنا متفرقين! ولا زال كل طرف يتغنى بجماعته! فنريد أن نلتقي على قلب رجل واحد، ونريد أن ننبذ هذه الفرقة وهذا الخلاف، وليقترب كل أخ من أخيه، وليصحح له الخطأ بحب ورحمة وحكمة وتواضع. إلى متى سنظل على هذه الفرقة يا إخواني؟! إلى متى سنظل على هذا الخلاف؟ وإلى متى سنظل على هذه الأواصر وعلى هذه الموالاة وعلى هذه المعاداة؟ إن لم تكن في جماعتي فأعاديك وإلا أواليك! هذا لا يرضي الله ولا يرضي رسول الله ﵌. فلتلتقي القلوب على قلب رجل واحد، وليصحح كل أخ لأخيه خطأه بالحكمة والرحمة والمحبة والتواضع. فقد اتفق الشرق والغرب على القضاء على الإسلام واستئصال شأفة المسلمين، ولا زال خير الأمة من العلماء والدعاة وطلبة العلم متفرقين! هذا لا يرضي رب العالمين، ولا سيد المرسلين ﵌. فلنكن على مستوى هذا الدين، فلننبذ العصبية والفرقة والخلاف، ولتمتلئ قلوبنا بالحب في الله لإخواننا وأحبابنا، وليقترب كل أخ من أخيه؛ فإن رأيت أخاك على خطأ عقدي -وما ظنك إذا كان أخوك على خطأ حركي- فاقترب منه، وذب معه في بوتقة الحب في الله، وقل له: يا حبيبي في الله! هذا خطأ، وليرى أخوك منك الرحمة والحب والحكمة والتواضع، وأنا أعي يقيناً أنه إن رأى منك ذلك فسيذلل الله قلبه للحق الذي أجراه الله على لسانك. فلننبذ الفرقة والسلبية، ولنكن إيجابيين، وليبذل كل واحد منا عملاً لدين الله؛ فلا نريد كلاماً، بل نريد عملاً، ففكر كيف تخدم الدين؟ ولا نريدكم -يا إخواني- كلكم أن تكونوا دعاة على المنابر، ولا نريد أن تتحول الأمة كلها دعاة على المنابر، كلا! وإنما نريد أن تتحول الأمة كلها دعاة إلى دين الله من موقع الإنتاج، ومواطن العطاء، وأنا أحزن جداً لما يجيء إلي أخ فيه الخير ويقول لي: أنا أريد أن أترك كلية الطب، أو كلية الهندسة! فأقول له: لماذا؟ فيقول: أريد أن أتفرغ للعلم الشرعي! وأقول: يا إخواني! نريد أن نعد الكوادر الإسلامية المتخصصة في كل مناحي الحياة، وكل شئون الدنيا؛ لتسيير نظام الحياة من خلال منظور الإسلام، فمن الذي سيسير دفة الحياة من منظور إسلامي إلا مسلم متخصص في تخصصه، ويعرف دين ربه وسنة نبيه. وانظر معي -أيها الشاب- نظرة سريعة حتى تطمئن لكلامي، انظر نظرة سريعة إلى الدعاة المؤثرين الآن في الساحة؛ لتعلم يقيناً أن دراستهم التي وفقوا فيها ووصلوا بها إلى أرقى الدرجات لم تكن أبداً دراسة شرعية، وستجد أن هذا خريج طب، وهذا خريج هندسة، وهذا خريج إعلام، وهذا خريج كذا، وهذا خريج كذا، وسبحان الله! أحدهم لم تمنعه دراسته من أن يصرف وقتاً ليحصل فيه العلم الشرعي، وليتحرك لدين الله، ولدعوة الله . يا أيها الحبيب! أخلص في عملك، واجتهد في تخصصك، وفكر كيف تخدم دينك من هذا الموقع؛ فنحن نريد الطبيب المسلم، والمهندس المسلم، والفلكي المسلم، والطيار المسلم، والوزير المسلم، والدبلوماسي المسلم، والجيولوجي المسلم، والمدرس المسلم، والتاجر المسلم، ونريد الكوادر المسلمة الواعية الفاهمة لدين الله، التي تقف في مواقع إنتاجها ومواطن عطائها لتقول بسلوكها وفعلها وعملها: هذا هو الإسلام؛ لأننا الآن نعيش عصراً أصبح يُحكَم فيه على الإسلام من خلال واقع المسلمين المر الأليم. وأخيراً: فلنتحرك جميعاً لدعوة الله، ولدين الله، بكل جهد وبكل طاقة، وبسلاح من الخلق العلي، والحكمة البالغة، والكلمة الطيبة، لا نريد إلا هذا، ولنتذكر دائماً قول الله لنبيه: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران:١٥٩]. اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم إن أردت بالناس فتنة فاقبضنا إليك غير خزايا ولا مفتونين، اللهم إن أردت بالناس فتنة فاقبضنا إليك غير خزايا ولا مفتونين، ولا مفرطين ولا مضيعين برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم ارفع عن مصر الوباء، اللهم اجعل مصر واحة للأمن والأمان، اللهم اجعل مصر واحة للرخاء والاستقرار، اللهم ارفع عن مصر الغلاء، اللهم ارفع عن مصر الوباء، اللهم ارفع عن مصر البلاء، اللهم احفظ على مصر توحيدها، اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين. اللهم لا تدع لأحد منا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا ثبته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين! أحبتي في الله! هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني أنا ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.

стр. 1357

مع أعظم داعية [١] كان العالم يتخبط في ظلمات الجاهلية وخرافات الوثنية، فبعث الله محمداً ﷺ رحمة للعالمين ونوراً وهدى للناس، لكن الجاهلية الغاشمة لم تفقه ما أريد لها، فقام كفار مكة في وجهه، فآذوه ومن أسلم معه واضطهدوهم واضطروهم للخروج من مكة، والبحث عن بلاد آمنة للدعوة إلى الله. وكان ما نزل بالنبي ﷺ من الأذى والابتلاء أمراً عظيماً، يسلي الدعاة من بعده، ويحملهم على تحمل الأذى والمشاق في سبيل الله، والاضطلاع بأمور الدعوة مع التحلي بالصبر والجلد والاستمرار.

стр. 1358

مقدمات الدعوة وبدء الوحي الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو، فلا خالق غيره، ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة، ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢]. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه حتى لبى داعيه، وجاهد في سبيل ربه حتى أجاب مناديه، وعاش طوال أيامه ولياليه يمشي على شوك الأسى، ويخطو على جمر الكيد والعنت، يلتمس الطريق لهداية الضالين، وإرشاد الحائرين، حتى علم الجاهل، وقوم المعوج، وأمن الخائف، وطمأن القلق، ونشر أضواء الحق والخير والإيمان والتوحيد، كما تنشر الشمس ضياءها في رابعة النهار، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فمع اللقاء الثاني عشر من خواطر الدعوة إلى الله ، ونحن اليوم على موعد لإجمال ما فصلناه في اللقاءات الطويلة الماضية، وذلك بتقديم صورة عملية مشرقة للدعوة إلى الله ، لأعظم داعية عرفته الدنيا، لإمام النبيين، وسيد المرسلين محمد ﷺ ، فهو قدوتنا، وأسوتنا، وإمامنا، وأستاذنا، ومعلمنا، ولم تكن دعوته ولن تكون ماضياً يحاول أعداؤنا في الليل والنهار أن يقطعوا الصلة بيننا وبينه، كلا، إن دعوته شعلة توقد شموس الحياة، ودماء تتدفق في عروق المستقبل والأجيال. أحبتي في الله! لقد نشأ أعظم داعية ﷺ في بيئة شركية، تصنع الحجارة بيديها، وتسجد لها من دون الله جل وعلا، فاحتقر هذه الأصنام، وأشفق على أصحاب هذه العقول، فهاهو يرى الواحد منهم ينحت إلهه الذي يعبده بيديه من حجر أو خشب أو نحاس أو حديد، أو حتى من التمر إذا اضطر إلى ذلك، فإذا ما عبث الجوع ببطنه قام يدس هذا الإله الرخيص في جوفه؛ ليذهب به أذى هذا الجوع بيئة عجيبة! فترك النبي ﷺ هذه البيئة الشركية، واختار العزلة بعيداً في غار حراء، على قمة جبل النور بمكة المكرمة شرفها الله وزادها تشريفاً، خرج النبي ﷺ بعيداً عن أصنام مكة، وبعيداً عن سدنتها وكهانها، وذهب بعيداً إلى هذا الجبل، الذي يستغرق الصعود إليه ساعة أو أكثر، يخلو بنفسه ليقضي النهار في التأمل والتفكر والتدبر، ويقضي الليل في التبتل والتعبد والتضرع. وفي ليلة من هذه الليالي الكريمة المباركة يتنزل الوحي على قلب محمد ﷺ كتنزل حبات الندى على الزهرة الظمأى ليبشر النبي ﷺ بحياة جديدة، بل ويبشر البشرية كلها بحياة جديدة، هاهي النبوة ترفع أعلامها، وهاهي النبوة تدق ناقوسها، وتقول: أنت يا محمد نبي الله لهذه البشرية كلها، ويأتيه الملك كما في الحديث الذي رواه البخاري، في كتاب بدء الوحي من حديث عائشة: (يأتيه الملك ويقول له: اقرأ، فيقول: ما أنا بقارئ -أي: أنا رجل أمي لا أتقن القراءة ولا أحسن الكتابة- يقول ﷺ : فأخذني وغطني -أي: ضمني ضمة شديدة- حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطي الثالثة ثم أرسلني وقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ [العلق:١ - ٣]). فرجع النبي ﷺ بها يرجف فؤاده، وترتعد فرائصه وتضطرب جوارحه، رجع إلى من؟ رجع إلى القلب الحنون، رجع إلى العقل الكبير، رجع إلى أمنا خديجة ﵂ وهو يقول لها: (يا خديجة والله لقد خشيت على نفسي، قالت: كلا، والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الدهر) وانطلقت به ﷺ إلى ابن عمها ورقة بن نوفل وكان رجلاً قد تنصر، وكان يكتب الكتاب العبراني، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت: (يا ابن عمي! اسمع من ابن أخيك، فقال ورقة: ماذا ترى يا ابن أخي؟ فأخبره النبي ﷺ بما رأى، فقال ورقة: هذا والله الناموس الذي نزل الله على موسى، يا محمد! والله إنك لنبي هذه الأمة، ليتني كنت فيها جذعاً -أي: شاباً صغيراً- لأنصرك ولأحميك ولأدفع عنك، ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك، فقال النبي ﵊: أومخرجي هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا أوذي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً)، وما لبث أن توفي ورقة، وفتر الوحي، أي: انقطع فترة عن رسول الله ﷺ ، وأصيب رسول الله ﵊ بالحيرة، ما هذا الذي جرى؟ ما هي رسالته؟ ما هو دوره؟ ما هي وظيفته؟ يقول ﵊ كما في حديث جابر الذي رواه البخاري ومسلم (بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتاً في السماء يقول: يا محمد! يا محمد! فرفعت رأسي فإذا بالملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، يقول ﵊: فرعبت منه -وفي رواية مسلم: فجئثت منه حتى هويت إلى الأرض، ورجعت إلى أهلي وأنا أقول: زملوني زملوني، يقول ﵊: فدثروني -أي: وضعوا عليه الأغطية- وإذا بالأمر يتنزل على قلب الحبيب من الله جل وعلا لينادي عليه ربه بهذه الآيات ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر:١ - ٥]). قم يا محمد! وأزل عنك هذه الأغطية، وأزل عنك هذه الفرش، فما كان بالأمس حلماً جميلاً أصبح اليوم حملاً ثقيلاً، قم يا محمد! للعبء الثقيل الذي ينتظرك، قم يا محمد! للأمانة الكبرى التي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها، قم يا محمد! لعبء العقيدة لعبء الدعوة إلى الله لتزيح عن هذه البشرية وعن هذا الوجه الكالح هذا الشرك وهذا الكفر العتيد العنيد، قم يا محمد! لترفع راية لا إله إلا الله، لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة. فنهض محمد وقام، وظل قائماً بعدها أكثر من عشرين عاماً، لم يقعد، ولم يكسل، ولم يجلس، ولم يسترح، ولم يعش لنفسه ولا لأهله قط، وإنما عاش لله، وعاش لدين الله، وعاش لدعوة الله، وعاش للا إله إلا الله، وعاش من أجل هذه البشرية المنكوبة تحت سياط الشرك والكفر، قام وظل قائماً. ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر:١ - ٣]، كبر الكبير المتعال الذي هو أكبر من كل شيء، هو أكبر من السماوات، وأكبر من الأرض، وأكبر من هؤلاء الطواغيت والفجار. ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر:٣ - ٥]، أي: اهجر هذه الأصنام وهذه التماثيل التي لا تضر ولا تنفع، ولا تسمع ولا تبصر، ولا تغني عن نفسها شيئاً.

стр. 1359

مرحلة الدعوة السرية وبدأت المرحلة الأولى من مراحل الدعوة لدين الله جل وعلا، في تكتم شديد وسرية كاملة، نعم! إن الأمر جد خطير، إن للأصنام جيوشاً تتلمظ وتستعد لنحر كل من يعتدي عليها، ما بالك بأقوام يعتدي بعضهم على بعض ويقتل بعضهم بعضاً على ناقة، فما ظنك بما سيفعلونه من أجل آلهة ينحرون لها آلاف النياق لترضى عنهم بزعمهم! فلابد من التكتم، ولابد من السرية في هذه الآونة. وانطلق النبي ﵊ بدعوة في سراديب من التكتم والسرية؛ ليبذر وليغرس جذور التوحيد في باطن الأرض في القلوب، لتؤدي ثمارها وأكلها بعد حين بإذن ربها، إذا ما خرجت على سطح الأرض قوية يافعة لا تستطيع قوة على ظهر الأرض أن تجتثها أو أن تقتلعها؛ لأن الجذر الذي في باطن الأرض غرسه أعظم داعية بيديه ﷺ ، غرس النبي ﷺ العقيدة الصحيحة الخالصة في القلوب، وينبغي على كل داعية أن يبدأ بما بدأ به حبيب القلوب محمد ﷺ ، لابد من عودة إلى العقيدة؛ لزرع جذورها في القلوب زرعاً صحيحاً أكيداً قوياً لا تزعزعه الرياح، ولا تؤثر عليه الأهواء والشبهات. فأسلمت خديجة، وأسلم أبو بكر، وعلي، وزيد بن حارثة، وعثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وبلال، وأبو ذر، وأبو عبيدة، وسمية، وعمار، وياسر وغيرهم من السابقين الأولين، ﵃ وأرضاهم أجمعين.

стр. 1360

الجهر بالدعوة واستمرت المرحلة السرية في الدعوة إلى الله ثلاث سنوات، كان ﷺ يدعو إلى الله جل وعلا تحت السراديب، يدعو إلى الله جل وعلا تحت باطن الأرض لا على ظهرها، حتى نزل الأمر من الله جل وعلا ثانية يأمر رسوله ﷺ أن يعلن دعوته وأن يجهر بها، يقول ابن مسعود ﵁: (ما زال النبي ﷺ مستخفياً حتى نزل قول الله جل وعلا: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر:٩٤]، يقول ابن مسعود: فخرج النبي ﷺ هو وأصحابه). ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر:٩٤]، تبدأ من هنا المرحلة الثانية من مراحل الدعوة إلى الله جل وعلا، ألا وهي المرحلة العلنية أو الجهرية، ونزل قول الله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤ - ٢١٥]، فصعد النبي ﷺ على جبل الصفا بمكة المكرمة، والحديث رواه البخاري وغيره: (صعد على الصفا ونادى على بطون قريش يا بني عدي! يا بني فهر! -وفي رواية-: وضع أصبعيه في أذنيه وظل يصرخ بأعلى صوته، واصباحاه واصباحاه! فاجتمع إليه الناس، واجتمعت إليه بطون قريش، حتى إن الرجل الذي عجز عن أن يذهب بنفسه وكل رسولاً يذهب عنه ليخبره ما الخبر، ووقف الناس بين يدي رسول الله ﷺ -فأقام عليهم الحجة ابتداءً- وقال: (أرأيتم لو أني أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذباً قط، فقال ﷺ : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد)، وفي رواية في الصحيح: إنما أنا النذير العريان، أي: الذي لم يمهله الوقت ليرتدي ثيابه، فجاء عرياناً لينذر قومه من النار. وكان أول من رد عليه عمه أبو لهب نظر إليه نظرة يتطاير منها الشرر الذي قتله وأحرقه بعد ذلك وقال له: (تباً لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟!)، أي: أجمعتنا من أجل هذا الكذب ومن أجل هذا الهراء؟! أنت رسول الله إلينا؟! أنت نذير إلينا من عند الله جل وعلا؟! ألهذا جمعتنا؟! فنزل قول الله جل وعلا: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد:١ - ٥]، يقتص الله جل وعلا فورياً لحبيبه ورسوله ﷺ . وهنا كأن صاعقة برقت ورعدت وزلزلت أرجاء مكة، وبدأت طبول الحرب تدق بأعلى قوة على محمد ﷺ ، لماذا؟ ما جاء يطلب مالاً، ولا يطلب جاهاً، ولا يريد سلطاناً، ولا يريد ملكاً، وإنما جاء بخيري الدنيا والآخرة، جاء ليخرجكم من ظلمات الشرك والكفر والإلحاد إلى أنوار التوحيد والإيمان، وهكذا كل من يدعو إلى الله يصنع به ذلك. نعم، إنها سنة قديمة حديثة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣٢].

стр. 1361

بداية المرحلة المكية وإيذاء المشركين للدعوة وتفنن أهل مكة في إيذاء الحبيب، وسبحان الله! لم يمض على الجهر بالدعوة إلا أشهر معدودة وإذ بموسم الحج يقترب، والعرب كانوا يحجون البيت قبل الإسلام وهم على الشرك، وكانوا يقدسون البيت تقديساً عجيباً. واجتمع المشركون في مكة وخافوا على العرب من دعوة محمد ﷺ ؛ فإن كلامه يسري إلى القلوب كسريان الماء بين الشقوق، وكسريان الدماء بين العروق، فاتفقوا على كلمة حتى لا يكذب بعضهم بعضاً، واتفقوا جميعاً على قولة المتكبر المعاند الذي عرف الحق وتكبر عليه وأعرض عنه، وهي مقولة الوليد بن المغيرة، الذي فكر في الأمر وقلبه من جميع جوانبه، ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ [المدثر:١٨ - ٢٢]-كشر- ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر:٢٣ - ٢٤]، إن الذي جاء به محمد سحر يفرق بين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وأبيه، وبين المرء وقبيلته وعشيرته، وانفضوا جميعاً وقد اتفقوا على أن يقولوا: إن محمداً ساحر، بأبي هو وأمي ﷺ . حتى أقبلت الوفود، فقام النبي ﵊ يدعوهم إلى لا إله إلا الله، وأبو لهب يمشي خلفه ويقول: لا تصدقوه فإنه صابئ كذاب! اتهموه بالجنون ونادوا عليه وقالوا: يا مجنون! ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر:٦]، ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [ص:٤]. وازداد الأمر سوءاً، واشتد البلاء والاضطهاد على رسول الله ﷺ ، حتى إن امرأة تتطاول على صاحب المقام العالي ﷺ ، وتذهب هذه المرأة التي داست على أنوثتها وتطاولت بل وفاقت المشركين شراسة ووقاحة، إنها أم جميل التي تمزق قلبها من الحسرة على ما سمعت من القرآن الذي تلي في حقها وزوجها، وأخذت الحجارة في يديها، وذهبت إلى رسول الله حول بيت الله لتلقي بالحجارة على رأسه وعلى فمه، وذهبت إليه وهو جالس مع صاحبه أبي بكر ﵁ وقالت: يا أبا بكر أين صاحبك؟ -لقد أخذ الله بصرها عن رسول الله ﷺ ، لقد بلغني أنه يهجوني، ووالله إني لشاعرة، ثم قالت: والله لو وجدته لرميت فاه بهذا الفهر -أي: بهذه الحجارة-، ثم أنشدت وقالت: مذمم عصينا -أي: محمد عصينا-. ودينه قلينا. وأمره أبينا. وفتحت هذه المرأة الشريرة الباب للمشركين أن يتطاولوا، وأن يصبوا العذاب صباً على أشرف رأس وأطهر رأس وأعظم بدن دب على ظهر هذه الأرض. وروى البخاري من حديث عبد الله بن مسعود: (جلس أبو جهل وأصحابه من حوله، ورسول الله ﷺ يصلي عند الكعبة، فقال أبو جهل عليه لعنة الله: من يقوم منكم إلى سلا جزور بني فلان فيلقيه على ظهر محمد وهو ساجد، فانبعث أشقى القوم عقبة بن أبي معيط، وجاء بسلا الجزور النجس وانتظر حتى سجد الحبيب ﷺ وألقاه على ظهره وعلى رأسه، وظل النبي ﷺ ساجداً لا يرفع رأسه)، أتلقى النجاسة على رأس رسول الله؟! نعم، وظل الحبيب ﷺ ساجداً لا يرفع رأسه (حتى جاءت إليه ابنته فرفعت الأذى عن أبيها)، ابنة تنظر إلى أبيها على أنه أعظم الرجال، هاهي تدفع الأذى والنجاسة بيديها عن رأسه وعن ظهره الشريف، ويرفع النبي ﷺ رأسه. وفي البخاري أيضاً: (أن عقبة ذهب مرة أخرى وخنق النبي ﵊ خنقاً شديداً حتى كادت أنفاسه أن تخرج، ويأتي الصديق ﵁ ويأخذ بمنكبيه ويدفعه وهو يقول له: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟!) ليس له جريمة إلا أنه يقول: لا إله إلا الله، أصبحت كلمة التوحيد جريمة في القديم وفي الحديث! ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر:٢٨]. أصبح التوحيد جريمة، أصبح التوحيد تطرفاً، أصبح التوحيد إرهاباً، ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر:٢٨]. بل ويزداد الأمر سوءاً -كما روى الطبري وابن إسحاق -: فيلقي عليه بعض الأنذال الأوباش تراباً على رأسه، ويرجع النبي ﷺ إلى بيته والتراب على رأسه، فتقوم إليه إحدى بناته لتغسل التراب من على أشرف رأس وأطهر رأس، وهي تبكي والنبي ﷺ يقول لها: لا تبكي ولا تحزني يا ابنتي، إن الله مانع أباك إن شاء الله بأبي هو وأمي ﷺ .

стр. 1362

شدة الأذى والهجرة إلى الحبشة كل هذا يفعل برسول الله، فما ظنكم بما يفعل بالمستضعفين، هذا ما يفعل برسول الله مع دفاع أبي طالب ومع مكانته في قومه، فما ظنكم بما يفعل بالمستضعفين من الموحدين؟! كلنا يعلم أن أول شهيدة في الإسلام سمية ﵂، لقد عذبها أبو جهل عذاباً شديداً، وفي النهاية طعنها بحربته في فرجها فماتت، فهي أول شهيدة في الإسلام، تطعن بحربة في فرجها؛ لأنها قالت: لا إله إلا الله! ولم ير النبي ﷺ بداً أمام هذه الحرب الشرسة الضروس، إلا أن يشير على أصحابه المستضعفين بالهجرة. سيتركون مكة، ويتركون الأهل، ويتركون الديار، ويتركون الأموال، ويتركون الأوطان، ويتركون الأحباب؛ كل ذلك من أجل الدين، من أجل العقيدة، إنها أغلى ما يملك الإنسان في هذا الوجود، فهي أغلى من وطنه، وأغلى من ماله، وأغلى من أولاده، وأغلى من نفسه، هكذا ينبغي أن تكون. والهجرة إلى أين؟ إلى أين سيذهب أصحابك يا رسول الله؟ سيذهبون إلى أرض بلال إلى الحبشة، لتغسل شلالاتها دماء ودموع المستضعفين من الموحدين؛ لتطهر شلالاتها جروح المستضعفين من أثر السياط والرماح. ولماذا الحبشة؟ والجواب من رسول الله ﷺ : (إن بها ملكاً عادلاً لا يظلم عنده أحد، فاخرجوا إلى بلاده حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً). ونتوقف مع أصحاب النبي ﷺ وهم يغادرون مكة في غاية الحزن والألم والأسى، وهم يرحلون عن حبيبهم وإمامهم ونبيهم، وهم يتخلون عن ديارهم وعن بيت ربهم، نسأل الله جل وعلا أن يجزيهم عنا خير الجزاء، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم

стр. 1363

أثر إسلام حمزة وعمر على الدعوة الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الأحبة! ويخرج أصحاب النبي ﷺ في شهر رجب من السنة الخامسة من بعثة رسول الله ﵊، يخرجون إلى أرض الحبشة، ويشتد الأذى ويزيد البلاء والاضطهاد على رسول الله ﷺ ، وعلى الموحدين من المستضعفين. ويشاء الله جل وعلا لهؤلاء المقهورين نصراً يزلزل أرجاء مكة، نعم، فلقد أسلم أسد الله وأسد رسوله حمزة ﵁، وبعد ثلاثة أيام فقط من إسلام حمزة يبرق ضوء شديد في مكة كلها، يضيء للمقهورين طريقهم -ولأول مرة- إلى بيت الله الحرام ليطوفوا باطمئنان وثقة وثبات، ولم لا وقد أسلم عمر؟! نعم أسلم عمر بعد ثلاثة أيام من إسلام أسد الله وأسد رسوله حمزة ﵃ جمعياً وأرضاهم، ولأول مرة يخرج النبي ﷺ مع أصحابه المستضعفين المقهورين في صفين: على رأس الصف الأول حمزة، وعلى رأس الصف الثاني الفاروق عمر، وبين يدي الصفين إمام الهدى ومصباح الدجى محمد ﷺ ، إلى أين؟ إلى بيت الله الحرام الذي حرمهم المشركون من التمتع به والتلذذ به، والتعبد والصلاة عنده. نصر جديد من عند الله جل وعلا.

стр. 1364

حصار الشعب وآثاره على المسلمين ومن معهم بل ويزداد النصر حينما يصر بنو هاشم وبنو المطلب مسلمهم وكافرهم على منع رسول الله ﷺ ، بعدما سمع وعلم أبو طالب أن المشركين قد صمموا على قتل النبي ﷺ والتخلص منه، ويتفق المشركون جميعاً على مقاطعة كاملة وحصار اقتصادي -شنشنة قديمة حديثة- فرضوا الحصار الاقتصادي الشامل الكامل على بني هاشم وبني المطلب، وأجمعوا على أن لا يؤاكلوهم ولا يناكحوهم ولا يتاجروا معهم ولا يتزوجوا منهم، ولا يسمحوا لهم بطعام أو بشراب، حتى أكل النبي ﷺ ومن معه الجلود وورق الشجر. واستمر الحصار على رسول الله وعلى الموحدين الأتقياء الأطهار ثلاث سنوات! نعم، وفرج الله الكرب، وأذهب الله الهم والغم.

стр. 1365

عام الحزن وبعد ستة أشهر فقط من الخروج من هذا المأزق الحرج، يصاب النبي ﷺ بفجيعة مؤلمة، فيموت عمه أبو طالب الذي كان بلا منازع حصناً حصيناً تتحطم عليه رماح المشركين وسهامهم، والذي كان بلا منازع من أول الناس دفعاً عن رسول الله ﷺ ، وبالرغم من ذلك يموت أبو طالب على دين قومه، ويتنزل فيه قول ربه جل وعلا لحبيبه ﷺ : ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]. وبعد شهرين أو ثلاثة من وقوع هذه الفاجعة يصاب النبي ﷺ بفاجعة تفتت الكبد وتمزق القلب، أتدرون ما هي؟ إنها موت زوجته خديجة، ماتت صاحبة القلب الكبير، لا إله إلا الله رحماك رحماك يا الله! مات أبو طالب وماتت خديجة ﵂ بعد شهرين أو ثلاثة، ماتت التي كانت تضم النبي ﷺ إلى صدرها؛ لترفع عنه الهم والغم، ولتخفف عنه البلاء، ولتضمد جراحه بأسلوبها العذب الرقيق، ماتت خديجة وعصر الألم قلب رسول الله ﷺ ، حتى إنه سمى هذا العام العاشر الذي مات فيه أبو طالب وخديجة، سماه النبي ﷺ : بعام الحزن، إي والله إنه لعام حزن على رسول الله ﷺ .

стр. 1366

رحلته ﷺ إلى الطائف وبعد موت أبي طالب كشرت قريش عن أنيابها، وضاعفت الأذى والاضطهاد على رسول الله وعلى الموحدين، وترك النبي ﷺ هذه الأرض الصماء، هذه الأرض الجامدة، وخرج يبحث عن أرض أكثر خصوبة؛ ليبذر فيها بذرة التوحيد؛ ليبذر فيها بذرة لا إله إلا الله. ويخرج النبي ﵊ يشق الأودية والجبال تحت حرارة هذه الشمس المحرقة، وعلى هذه الرمال الملتهبة المتأججة، يمشي على قدميه المتعبتين الداميتين بلا راحلة، لماذا؟ لأنه كان لا يملك ثمن الراحلة. يتحرك الحبيب على قدميه، لماذا؟ هل يريد جاهاً، أم يريد مالاً، أم يريد سلطاناً؟ لا، بل يريد الله والدار الآخرة، يريد أن يخرج الناس من الظلمات إلى النور، من الشرك إلى التوحيد والإيمان. وتوجه إلى الطائف، خرج إلى الطائف يمشي أكثر من سبعين كيلو على قدميه تحت حرارة الشمس وعلى هذه الرمال، لم يركب سيارة مكيفة، ولا طائرة خاصة، وإنما على قدميه الشريفتين بأبي هو وأمي ﷺ ، ويتجه النبي ﷺ إلى الطائف لعله يجد بقية خير في قلوب أناس خارج مكة، يبحث عن أمل، يبحث عن يد حانية تمتد لرفع راية لا إله إلا الله. مر النبي ﵊ على أشراف بني ثقيف وساداتها، ولكن القوم كانوا أشد خسة ودناءة مما فعله به المشركون في مكة المكرمة، فسبوه ونهروه وطردوه ﷺ ، وقام -بأبي هو وأمي- يطلب منهم طلباً أخيراً هو أقل ما يطلبه الإنسان من أخيه الإنسان، يقول لهم: (إذ فعلتم بي ما فعلتم فاكتموا خبر زيارتي عن أهل مكة؛ حتى لا تزداد شماتتهم وظلمهم وعدوانهم)، ولكنهم كانوا أشد خسة ودناءة مما توقعه النبي ﵊، فسلطوا عليه الصبيان والعبيد والسفهاء، ووقفوا صفين وأخذوا يرمونه بالحجارة، ويسخرون به، ويسبونه بأقبح السباب والشتائم. وقام النبي ﷺ والألم يعصر كبده، والمرارة تمزق قلبه، قام بحالة تفتت الأكباد وتمزق القلوب: جوعان، عطشان، يتألم من ألم السير بالليل والنهار على قدميه، دعوة مطاردة، وأصحاب تتخطفهم أيدي الطغاة، لا إله إلا الله! وألجأ السفهاءُ والصبيانُ رسولَ الله ﷺ إلى بستان لـ عتبة وشيبة ابني ربيعة، ولم يجد النبي ﷺ بعدما جلس والدماء تنزف من قدميه الشريفتين الكريمتين المباركتين إلا أن يستعيد ذكريات شريط الأحزان، شريط الدعوة الطويل إلى الله جل وعلا، فتذكر أصحابه في الحبشة، وتذكر إخوانه الذين يجلدون ويعذبون في مكة، وتذكر خديجة، وتذكر أبا طالب، فلم يجد بداً من أن يرفع هذه الشكوى إلى من يسمع دبيب النملة السوداء، تحت الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، رفع إلى الله هذا الدعاء -وإن كان شيخنا الألباني قد ضعف إسناده- لجأ إلى الله بهذه الدعوات الحارة وقال: (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين! أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟! إلى بعيد يتجهمني! أم إلى عدو ملكته أمري! إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي سخطك، أو يحل علي غضبك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك). بأبي هو وأمي ﷺ ، ونتوقف في هذا اليوم أيها الأحباب مع رسول الله ﷺ في الطائف، لنواصل المسير مع أعظم داعية عرفته الدنيا على طريق الدعوة الطويل في اللقاء القادم إن شاء الله جل وعلا إن قدر الله لنا البقاء واللقاء. وأسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أن يجزيه عنا خير الجزاء، اللهم اجز عنا محمداً خير الجزاء، اللهم اجزه عنا خير ما جازيت به نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، اللهم وكما آمنا به ولم نره فلا تفرق بيننا وبينه حتى تدخلنا مدخله، اللهم وأوردنا حوضه الأصفى، واسقنا بيده الشريفة شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبداً يا رب العالمين، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعل كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.

стр. 1367

مع أعظم داعية [٢] جهاد رسول الله ﷺ في تبليغ هذا الدين جهاد لا نظير له، فلقد جاهد في الله حق جهاده، وصبر على الأذى، وتحمل البلاء، حتى أذن الله له بالهجرة، فهاجر وأقام أعظم دولة عرفها التاريخ، وخاض المعارك نشراً لهذا الدين، فنصره الله وأظهر دينه على الدين كله، وبعد أن أتم الله به الدين، وأكمل به الرسالة، وأقام به الحجة؛ قبضه الله العلي الأعلى، وأراحه من الدنيا ونصبها، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 1368

رجوع النبي ﷺ من الطائف إلى مكة الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو، فلا خالق غيره، ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة، ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢]. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في سبيل ربه حتى أجاب مناديه، وعاش طوال أيامه ولياليه يمشي على شوك الأسى، ويخطو على جمر الكيد والعنت، يلتمس الطريق لهداية الضالين، وإرشاد الحائرين؛ حتى علم الجاهل، وقوم المعوج، وأمن الخائف، وطمأن القلق، ونشر أضواء الحق والخير والتوحيد والإيمان كما تنشر الشمس ضياءها في رابعة النهار. فاللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فمع اللقاء الثالث عشر من خواطر الدعوة إلى الله ، ولا زال حديثنا عن أعظم داعية عرفته الدنيا، عن محمد ﷺ ، ولقد وقفنا في اللقاء الماضي وهو في الطائف تنزف قدماه دماً، ويتألم قلبه، وقد تبدد الأمل الذي ذهب إلى الطائف من أجله، وتمنى أن يجد في أهل الطائف من يمنعه ومن ينصره؛ ليبلغ دين الله ودعوة الله . ولكنهم فعلوا به أسوأ ما يفعله الإنسان بأخيه الإنسان، فلقد قام إليهم وهو جائع عطشان يتألم من السير الطويل على قدميه حيث لا راحلة، ولا سيارة مكيفة ولا غير مكيفة، ذهب على قدميه إلى الطائف لا يريد جاهاً ولا مالاً، وإنما يريد أن يخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن الشرك إلى التوحيد والإيمان، ثم قام يطلب منهم أن يحيلوا بين مكة وبين خبر زيارته، فأبوا عليه ذلك، وعاد النبي ﷺ وحالته تفتت الأكباد، وتمزق القلوب الحية. عاد وقد حنت عليه السحاب، وأشفقت لمنظره الجبال والأشجار، واستعدت الجبال الصم الرواسي للانتقام له ﷺ ، ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة أنه ﷺ قال: (فانطلقت على وجهي وأنا مهموم، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا سحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل ﵇، فناداني وقال: يا رسول الله! إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم يا رسول الله! يقول الحبيب ﷺ : فناداني ملك الجبال وقال: يا رسول الله! لو شئت أن أطبق عليهم الأخشبين -والأخشبان: جبلان عظيمان بمكة شرفها الله- لو أمرتني أن أطبق عليهم الأخشبين، أي: لفعلت) أتدرون ماذا قال ينبوع الحنان؟! أتدرون ماذا قال نهر الرحمة؟ أتدرون ماذا قال الحبيب وما زالت الدماء تنزف من قدميه؟ (قال: كلا، بل إني أرجو الله جل وعلا أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً) بأبي هو وأمي ﷺ ، والله لو كان الحبيب ممن ينتقمون لأشخاصهم ولأنفسهم لأمر ملك الجبال أن ينتقم له، فطحنت الجبال تلك الجماجم، وحطمت حجارتها تلك الرءوس الصلبة، ولسالت دماء أهل الطائف حتى يراها أهل مكة في مكة، ولكنه ﷺ ما خرج إلى الطائف لنفسه، وما جاء لينتقم لذاته ولا لشخصه، إنما جاء ليحمل إلى الدنيا الرحمة والإيمان والسعادة، جاء إلى الطائف وفي قلبه نور يتلألأ، جاء إلى الطائف وفي قلبه أمل يشرق. ولعل في أصلاب هؤلاء من يتنفس الإسلام، ولا يعيش إلا بالإسلام، وهو ﵊ لم يبعث لعاناً ولا فحاشاً، وإنما بعث رحمة مهداة، اللهم صل وسلم وزد وبارك على ينبوع الحنان، وعلى نهر الرحمة محمد بن عبد الله، يقول: (بل إني أرجو الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً) وعاد النبي ﷺ من الطائف وقد اطمأن قلبه، وثبت هذا النصر الغيبي الكبير الذي أمده الله به من فوق سبع سماوات، عاد ليستأنف رحلته الشاقة الطويلة في الدعوة إلى الله .

стр. 1369

استمرار النبي ﷺ في الدعوة إلى الله أقبل موسم الحج للعام الحادي عشر من بعثته المباركة، وخرج الحبيب في ظلام الليل الدامس حيث نام المشركون بعد عناء طويل في النهار من تعذيب الموحدين من المستضعفين! ناموا في هذا الليل، وقام الحبيب ﷺ وهو لا يعرف النوم الطويل، ولا يعرف الراحة، ولا يعرف الهدوء والاستقرار من يوم أن نزل عليه قول ربه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢]، فقام ولم يقعد ولم يسترح ولم يهدأ له بال، ولم يستقر له قرار، قام في هذا الليل الدامس حتى لا يحول بينه وبين دعوته أحد من المشركين، قام ليتجول بين خيام القبائل التي أقبلت من كل مكان في أرض الجزيرة، لماذا؟ ليدعوهم إلى الله جل وعلا، ليعرض عليهم دين الله ﵎، فمنهم من يسبه، ومنهم من ينهره، ومنهم من يؤذيه، ومنهم من يطرده، والله ما ذهب يطلب مالاً ولا جاهاً، بل لقد ذهب إليهم بنور الدنيا والآخرة، فيطردونه من بين الخيام! ينتقل الحبيب على قدميه المتعبتين من خيمة إلى خيمة، ومن قبيلة إلى أخرى، حتى وصل إلى خيمة بددت الأحزان، وجددت الآمال، وضمدت الجراح، وصل إلى خيمة كريمة مباركة جليلة من بين هذه الخيام الكثيرة المترامية الأطراف، دخل الحبيب إلى خيمة أقوام ورجال من أهل المدينة المنورة شرفها الله، وزادها الله تشريفاً وتكريماً، حيث وجدت دعوته فيها بذوراً صالحة تقية نقية، سرعان ما تحولت إلى شجرات باسقات غيرت وجه الدنيا، وحولت مجرى التاريخ. نعم أيها الأحباب! فلقد جلس الحبيب بين يدي ستة نفر من شباب المدينة، فعرض عليهم الإسلام، فتحركت قلوبهم لدين الله جل وعلا، فشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتجدد الأمل، وتبدد الحزن في وسط هذه الصحراء المترامية بالجهالة والشرك والكفر والإلحاد، تبدد الحزن وأشرق الأمل في قلب رسول الله ﷺ ، وقال هؤلاء: (يا رسول الله! إنا سنقدم على قومنا، وسندعوهم إلى الإسلام، فإن جمعهم الله عليك فلا رجل أعز عليهم منك) وعاد هؤلاء بهذا النور الجديد، وبهذا الفجر المشرق، عادوا إلى المدينة المنورة لينفذ نور الإسلام وفجر الإسلام في بيوتها وأرجائها، وأشرق فجر الإسلام على المدينة المنورة على أيدي هؤلاء الأبرار، على أيدي هؤلاء الأطهار الأخيار.

стр. 1370

بيعة العقبة الأولى والثانية وأثرهما على الدعوة الإسلامية دار الزمن وأقبل موسم الحج التالي، وخرج من المدينة اثنا عشر رجلاً يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ﷺ ، وصمم هذا الوفد القليل الكبير أن يجتمع برسول الله ﵊، وتمت بيعة العقبة الأولى، تلك البيعة التي حطمت الجدران السوداء التي حالت بين نور الإسلام والناس، بين الدنيا ونور الآخرة، وطلبوا من الرسول ﷺ بعدما تمت البيعة أن يبعث معهم رجلاً ليعلمهم دين الله جل وعلا، فبعث النبي ﷺ سفير الإسلام الأول، وداعية الإسلام العظيم، ذلكم الشاب المنعم المدلل، الذي كان بالأمس القريب يلبس الحرير، ويكثر من العطر والطيب فإذا مر في طريق من طرقات مكة قال الجميع: لقد مر في هذا الطريق مصعب بن عمير!. إنه الشاب التقي النقي الذي استعلى على الشبهات والشهوات، وتعالى على ملذات الدنيا، ولبس الخشن من الثياب، وأكل الجلد مع رسول الله، وأكل ورق الشجر مع أستاذه ومعلمه في شعب مكة حين الحصار الاقتصادي، يختاره النبي ﷺ ليكون أول داعية إلى دين الله في المدينة المنورة، ويخرج مصعب بن عمير ليتعهد شجرة الإسلام بنفسه، التي نمت وترعرعت على يديه، حتى عاد في موسم الحج المقبل ليبشر أستاذه ومعلمه بأن فجر الإسلام قد أشرق على المدينة المنورة، واجتمع عدد كبير من الأنصار في هذا الموسم مع رسول الله، وبايعوه ﷺ بيعة العقبة الثانية، على أن ينصروه إذا قدم إليهم وهاجر إليهم، وأن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأزواجهم وأبناءهم، وتمت البيعة الكبرى، ونظر أبو الهيثم بن التيهان ﵁ إلى رسول الله وقال: (يا رسول الله! إن بيننا وبين الرجال حبالاً وإنا قاطعوها -أي: إن بيننا وبين اليهود حبالاً وإنا قاطعوها- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك وأظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟! فتبسم الحبيب ﷺ وقال: كلا، بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أسالم من سالمتم، وأحارب من حاربتم) المحيا محياكم أيها الأنصار الأخيار، والممات مماتكم أيها الأنصار الأبرار، أنا منكم وأنتم مني.
следующие страницы →