Полный текст (1 901 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
رحلته ﷺ إلى الطائف
وبعد موت أبي طالب كشرت قريش عن أنيابها، وضاعفت الأذى والاضطهاد على رسول الله وعلى الموحدين، وترك النبي ﷺ هذه الأرض الصماء، هذه الأرض الجامدة، وخرج يبحث عن أرض أكثر خصوبة؛ ليبذر فيها بذرة التوحيد؛ ليبذر فيها بذرة لا إله إلا الله.
ويخرج النبي ﵊ يشق الأودية والجبال تحت حرارة هذه الشمس المحرقة، وعلى هذه الرمال الملتهبة المتأججة، يمشي على قدميه المتعبتين الداميتين بلا راحلة، لماذا؟ لأنه كان لا يملك ثمن الراحلة.
يتحرك الحبيب على قدميه، لماذا؟ هل يريد جاهاً، أم يريد مالاً، أم يريد سلطاناً؟ لا، بل يريد الله والدار الآخرة، يريد أن يخرج الناس من الظلمات إلى النور، من الشرك إلى التوحيد والإيمان.
وتوجه إلى الطائف، خرج إلى الطائف يمشي أكثر من سبعين كيلو على قدميه تحت حرارة الشمس وعلى هذه الرمال، لم يركب سيارة مكيفة، ولا طائرة خاصة، وإنما على قدميه الشريفتين بأبي هو وأمي ﷺ ، ويتجه النبي ﷺ إلى الطائف لعله يجد بقية خير في قلوب أناس خارج مكة، يبحث عن أمل، يبحث عن يد حانية تمتد لرفع راية لا إله إلا الله.
مر النبي ﵊ على أشراف بني ثقيف وساداتها، ولكن القوم كانوا أشد خسة ودناءة مما فعله به المشركون في مكة المكرمة، فسبوه ونهروه وطردوه ﷺ ، وقام -بأبي هو وأمي- يطلب منهم طلباً أخيراً هو أقل ما يطلبه الإنسان من أخيه الإنسان، يقول لهم: (إذ فعلتم بي ما فعلتم فاكتموا خبر زيارتي عن أهل مكة؛ حتى لا تزداد شماتتهم وظلمهم وعدوانهم)، ولكنهم كانوا أشد خسة ودناءة مما توقعه النبي ﵊، فسلطوا عليه الصبيان والعبيد والسفهاء، ووقفوا صفين وأخذوا يرمونه بالحجارة، ويسخرون به، ويسبونه بأقبح السباب والشتائم.
وقام النبي ﷺ والألم يعصر كبده، والمرارة تمزق قلبه، قام بحالة تفتت الأكباد وتمزق القلوب: جوعان، عطشان، يتألم من ألم السير بالليل والنهار على قدميه، دعوة مطاردة، وأصحاب تتخطفهم أيدي الطغاة، لا إله إلا الله! وألجأ السفهاءُ والصبيانُ رسولَ الله ﷺ إلى بستان لـ عتبة وشيبة ابني ربيعة، ولم يجد النبي ﷺ بعدما جلس والدماء تنزف من قدميه الشريفتين الكريمتين المباركتين إلا أن يستعيد ذكريات شريط الأحزان، شريط الدعوة الطويل إلى الله جل وعلا، فتذكر أصحابه في الحبشة، وتذكر إخوانه الذين يجلدون ويعذبون في مكة، وتذكر خديجة، وتذكر أبا طالب، فلم يجد بداً من أن يرفع هذه الشكوى إلى من يسمع دبيب النملة السوداء، تحت الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، رفع إلى الله هذا الدعاء -وإن كان شيخنا الألباني قد ضعف إسناده- لجأ إلى الله بهذه الدعوات الحارة وقال: (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين! أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟! إلى بعيد يتجهمني! أم إلى عدو ملكته أمري! إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي سخطك، أو يحل علي غضبك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك).
بأبي هو وأمي ﷺ ، ونتوقف في هذا اليوم أيها الأحباب مع رسول الله ﷺ في الطائف، لنواصل المسير مع أعظم داعية عرفته الدنيا على طريق الدعوة الطويل في اللقاء القادم إن شاء الله جل وعلا إن قدر الله لنا البقاء واللقاء.
وأسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أن يجزيه عنا خير الجزاء، اللهم اجز عنا محمداً خير الجزاء، اللهم اجزه عنا خير ما جازيت به نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، اللهم وكما آمنا به ولم نره فلا تفرق بيننا وبينه حتى تدخلنا مدخله، اللهم وأوردنا حوضه الأصفى، واسقنا بيده الشريفة شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبداً يا رب العالمين، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعل كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
стр. 1367
مع أعظم داعية [٢]
جهاد رسول الله ﷺ في تبليغ هذا الدين جهاد لا نظير له، فلقد جاهد في الله حق جهاده، وصبر على الأذى، وتحمل البلاء، حتى أذن الله له بالهجرة، فهاجر وأقام أعظم دولة عرفها التاريخ، وخاض المعارك نشراً لهذا الدين، فنصره الله وأظهر دينه على الدين كله، وبعد أن أتم الله به الدين، وأكمل به الرسالة، وأقام به الحجة؛ قبضه الله العلي الأعلى، وأراحه من الدنيا ونصبها، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 1368
رجوع النبي ﷺ من الطائف إلى مكة
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو، فلا خالق غيره، ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة، ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في سبيل ربه حتى أجاب مناديه، وعاش طوال أيامه ولياليه يمشي على شوك الأسى، ويخطو على جمر الكيد والعنت، يلتمس الطريق لهداية الضالين، وإرشاد الحائرين؛ حتى علم الجاهل، وقوم المعوج، وأمن الخائف، وطمأن القلق، ونشر أضواء الحق والخير والتوحيد والإيمان كما تنشر الشمس ضياءها في رابعة النهار.
فاللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فمع اللقاء الثالث عشر من خواطر الدعوة إلى الله ، ولا زال حديثنا عن أعظم داعية عرفته الدنيا، عن محمد ﷺ ، ولقد وقفنا في اللقاء الماضي وهو في الطائف تنزف قدماه دماً، ويتألم قلبه، وقد تبدد الأمل الذي ذهب إلى الطائف من أجله، وتمنى أن يجد في أهل الطائف من يمنعه ومن ينصره؛ ليبلغ دين الله ودعوة الله .
ولكنهم فعلوا به أسوأ ما يفعله الإنسان بأخيه الإنسان، فلقد قام إليهم وهو جائع عطشان يتألم من السير الطويل على قدميه حيث لا راحلة، ولا سيارة مكيفة ولا غير مكيفة، ذهب على قدميه إلى الطائف لا يريد جاهاً ولا مالاً، وإنما يريد أن يخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن الشرك إلى التوحيد والإيمان، ثم قام يطلب منهم أن يحيلوا بين مكة وبين خبر زيارته، فأبوا عليه ذلك، وعاد النبي ﷺ وحالته تفتت الأكباد، وتمزق القلوب الحية.
عاد وقد حنت عليه السحاب، وأشفقت لمنظره الجبال والأشجار، واستعدت الجبال الصم الرواسي للانتقام له ﷺ ، ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة أنه ﷺ قال: (فانطلقت على وجهي وأنا مهموم، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا سحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل ﵇، فناداني وقال: يا رسول الله! إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم يا رسول الله! يقول الحبيب ﷺ : فناداني ملك الجبال وقال: يا رسول الله! لو شئت أن أطبق عليهم الأخشبين -والأخشبان: جبلان عظيمان بمكة شرفها الله- لو أمرتني أن أطبق عليهم الأخشبين، أي: لفعلت) أتدرون ماذا قال ينبوع الحنان؟! أتدرون ماذا قال نهر الرحمة؟ أتدرون ماذا قال الحبيب وما زالت الدماء تنزف من قدميه؟ (قال: كلا، بل إني أرجو الله جل وعلا أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً) بأبي هو وأمي ﷺ ، والله لو كان الحبيب ممن ينتقمون لأشخاصهم ولأنفسهم لأمر ملك الجبال أن ينتقم له، فطحنت الجبال تلك الجماجم، وحطمت حجارتها تلك الرءوس الصلبة، ولسالت دماء أهل الطائف حتى يراها أهل مكة في مكة، ولكنه ﷺ ما خرج إلى الطائف لنفسه، وما جاء لينتقم لذاته ولا لشخصه، إنما جاء ليحمل إلى الدنيا الرحمة والإيمان والسعادة، جاء إلى الطائف وفي قلبه نور يتلألأ، جاء إلى الطائف وفي قلبه أمل يشرق.
ولعل في أصلاب هؤلاء من يتنفس الإسلام، ولا يعيش إلا بالإسلام، وهو ﵊ لم يبعث لعاناً ولا فحاشاً، وإنما بعث رحمة مهداة، اللهم صل وسلم وزد وبارك على ينبوع الحنان، وعلى نهر الرحمة محمد بن عبد الله، يقول: (بل إني أرجو الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً) وعاد النبي ﷺ من الطائف وقد اطمأن قلبه، وثبت هذا النصر الغيبي الكبير الذي أمده الله به من فوق سبع سماوات، عاد ليستأنف رحلته الشاقة الطويلة في الدعوة إلى الله .
стр. 1369
استمرار النبي ﷺ في الدعوة إلى الله
أقبل موسم الحج للعام الحادي عشر من بعثته المباركة، وخرج الحبيب في ظلام الليل الدامس حيث نام المشركون بعد عناء طويل في النهار من تعذيب الموحدين من المستضعفين! ناموا في هذا الليل، وقام الحبيب ﷺ وهو لا يعرف النوم الطويل، ولا يعرف الراحة، ولا يعرف الهدوء والاستقرار من يوم أن نزل عليه قول ربه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢]، فقام ولم يقعد ولم يسترح ولم يهدأ له بال، ولم يستقر له قرار، قام في هذا الليل الدامس حتى لا يحول بينه وبين دعوته أحد من المشركين، قام ليتجول بين خيام القبائل التي أقبلت من كل مكان في أرض الجزيرة، لماذا؟ ليدعوهم إلى الله جل وعلا، ليعرض عليهم دين الله ﵎، فمنهم من يسبه، ومنهم من ينهره، ومنهم من يؤذيه، ومنهم من يطرده، والله ما ذهب يطلب مالاً ولا جاهاً، بل لقد ذهب إليهم بنور الدنيا والآخرة، فيطردونه من بين الخيام! ينتقل الحبيب على قدميه المتعبتين من خيمة إلى خيمة، ومن قبيلة إلى أخرى، حتى وصل إلى خيمة بددت الأحزان، وجددت الآمال، وضمدت الجراح، وصل إلى خيمة كريمة مباركة جليلة من بين هذه الخيام الكثيرة المترامية الأطراف، دخل الحبيب إلى خيمة أقوام ورجال من أهل المدينة المنورة شرفها الله، وزادها الله تشريفاً وتكريماً، حيث وجدت دعوته فيها بذوراً صالحة تقية نقية، سرعان ما تحولت إلى شجرات باسقات غيرت وجه الدنيا، وحولت مجرى التاريخ.
نعم أيها الأحباب! فلقد جلس الحبيب بين يدي ستة نفر من شباب المدينة، فعرض عليهم الإسلام، فتحركت قلوبهم لدين الله جل وعلا، فشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتجدد الأمل، وتبدد الحزن في وسط هذه الصحراء المترامية بالجهالة والشرك والكفر والإلحاد، تبدد الحزن وأشرق الأمل في قلب رسول الله ﷺ ، وقال هؤلاء: (يا رسول الله! إنا سنقدم على قومنا، وسندعوهم إلى الإسلام، فإن جمعهم الله عليك فلا رجل أعز عليهم منك) وعاد هؤلاء بهذا النور الجديد، وبهذا الفجر المشرق، عادوا إلى المدينة المنورة لينفذ نور الإسلام وفجر الإسلام في بيوتها وأرجائها، وأشرق فجر الإسلام على المدينة المنورة على أيدي هؤلاء الأبرار، على أيدي هؤلاء الأطهار الأخيار.
стр. 1370
بيعة العقبة الأولى والثانية وأثرهما على الدعوة الإسلامية
دار الزمن وأقبل موسم الحج التالي، وخرج من المدينة اثنا عشر رجلاً يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ﷺ ، وصمم هذا الوفد القليل الكبير أن يجتمع برسول الله ﵊، وتمت بيعة العقبة الأولى، تلك البيعة التي حطمت الجدران السوداء التي حالت بين نور الإسلام والناس، بين الدنيا ونور الآخرة، وطلبوا من الرسول ﷺ بعدما تمت البيعة أن يبعث معهم رجلاً ليعلمهم دين الله جل وعلا، فبعث النبي ﷺ سفير الإسلام الأول، وداعية الإسلام العظيم، ذلكم الشاب المنعم المدلل، الذي كان بالأمس القريب يلبس الحرير، ويكثر من العطر والطيب فإذا مر في طريق من طرقات مكة قال الجميع: لقد مر في هذا الطريق مصعب بن عمير!.
إنه الشاب التقي النقي الذي استعلى على الشبهات والشهوات، وتعالى على ملذات الدنيا، ولبس الخشن من الثياب، وأكل الجلد مع رسول الله، وأكل ورق الشجر مع أستاذه ومعلمه في شعب مكة حين الحصار الاقتصادي، يختاره النبي ﷺ ليكون أول داعية إلى دين الله في المدينة المنورة، ويخرج مصعب بن عمير ليتعهد شجرة الإسلام بنفسه، التي نمت وترعرعت على يديه، حتى عاد في موسم الحج المقبل ليبشر أستاذه ومعلمه بأن فجر الإسلام قد أشرق على المدينة المنورة، واجتمع عدد كبير من الأنصار في هذا الموسم مع رسول الله، وبايعوه ﷺ بيعة العقبة الثانية، على أن ينصروه إذا قدم إليهم وهاجر إليهم، وأن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأزواجهم وأبناءهم، وتمت البيعة الكبرى، ونظر أبو الهيثم بن التيهان ﵁ إلى رسول الله وقال: (يا رسول الله! إن بيننا وبين الرجال حبالاً وإنا قاطعوها -أي: إن بيننا وبين اليهود حبالاً وإنا قاطعوها- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك وأظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟! فتبسم الحبيب ﷺ وقال: كلا، بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أسالم من سالمتم، وأحارب من حاربتم) المحيا محياكم أيها الأنصار الأخيار، والممات مماتكم أيها الأنصار الأبرار، أنا منكم وأنتم مني.
стр. 1371
الهجرة وتأسيس الدولة الإسلامية العظمى
تمت البيعة الثانية، واستطاع النبي ﷺ بدعوته الصابرة الحكيمة أن يؤسس للإسلام -ولأول مرة- وطناً وسط صحراء تموج بالكفر والشرك والجهالة، وبدأت طلائع الهجرة المباركة للمقهورين والمعذبين في مكة، وبدءوا يصلون إلى المدينة المنورة زادها الله تشريفاً وتكريماً.
وهنا أحس المشركون -لأول مرة- بالخطر العظيم الذي صار يهددهم بصورة جلية واضحة، وعقد البرلمان الشركي اجتماعاً طارئاً، وهو أخطر اجتماع في التاريخ، وأصدروا قراراً بالإجماع للقضاء على حامل لواء دعوة التوحيد، وللتخلص من محمد بن عبد الله؛ لقطع تيار نور التوحيد عن الوجود بأسره، ولكن: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف:٨].
وهل تستطيع الطحالب ولو اجتمعت أن توقف سير البواخر العملاقة؟! وهل تستطيع الأفواه ولو اجتمعت أن تطفئ نور الله جل وعلا؟! وهل يضر السماء نبح الكلاب؟! ويخرج الحبيب من بين أيديهم وأمام أعينهم: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩]، ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٤٠]، يخرج الحبيب وصاحبه تحت رعاية الله وتحت عين الله جل وعلا، ومن كان الله معه فمن ضده؟! ومن عليه؟! ووصل الحبيب وأصحابه إلى المدينة المنورة، إلى وطن الإسلام الجديد، واستقبلته المدينة استقبالاً بينت حقيقته تلك الدموع التي سالت على وجوه الرجال والنساء والأطفال، إنها دموع الفرح بمقدم رسول الله ﷺ .
стр. 1372
بناء الدولة الإسلامية
في المدينة بدأت مرحلة جديدة للدعوة إلى الله ، حقاً إنها مرحلة جديدة، فلقد أصبح للإسلام دولة حقيقية من حاكم وقائد وقوة وأرض ووطن، أصبح للإسلام دولة، بل وبدأ النبي ﷺ يرسل البعوث والسرايا للقيام بحركات عسكرية استطلاعية؛ ليؤذن وليعلم المشركين في مكة واليهود في المدينة أنه أصبح للإسلام قوة تحميه وتدافع عنه، وستقلم أظفار من يتطاول على القضاء عليه بعد اليوم، وعندئذٍ نزل قول الله : ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٩٠].
ما نزل الأمر بالقتال إلا بعدما استكملت القوة، وبعد أن أصبح للإسلام دولة، وبعد أن أصبح للإسلام رجال أطهار أبرار، يقفون في وجه كل من أراد أن ينال منه بعد اليوم؛ لأنه لابد للحق من قوة، قوة بالبلاغ والبيان، وقوة بالسيف والجهاد والسنان، ويوم أن تخلى المسلمون عن القوة، وعن قوله : ﴿وَأَعِدُّوا﴾ [الأنفال:٦٠] أذلهم الله لمن كتب الله عليهم الذلة من أبناء القردة والخنازير، وما أحداث الهند بعد أحداث البوسنة والهرسك منا ببعيد، فلقد قام الوثنيون الهندوس بعدما رأوا ما فعل الصرب بإخواننا في البوسنة والهرسك ولم يتحرك منا أحد، فقالوا: ولماذا نقعد نحن؟! المسلمون لا يتحرك منهم أحد، لقد مات المسلمون وكفنوا منذ زمن بعيد! فقام الهندوس الكفرة أهل الوثنية والإلحاد بتحطيم بيت من بيوت الله، حطموا الدين متمثلاً في بيوت الله جل وعلا، للقضاء على المسلمين والمسلمات، فما الذي فعله المسلمون؟! لقد وصلت البلاهة والسفاهة ببعض المسلمين إلى موت الولاء والبراء في قلوبهم، أين الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين؟! أين البراء من الشرك والمشركين؟! ما زلنا إلى يومنا هذا نأتي بالهندوس والسيخ الكفرة إلى بلاد المسلمين ليأكلوا من خيراتنا، ويأكلوا من أرزاقنا، ويقبضوا الأجور من أموال المسلمين، وليرسلوا بها إلى إخوانهم الكفرة والشياطين؛ ليقتلوا بها إخواننا وأخواتنا.
والله! إنها لأكبر جريمة ترتكب في حق الإسلام، أن يكون بعد اليوم في بلاد المسلمين هندي هندوسي كافر أو سيخي كافر، فيجب إخراجهم حتى لو تعطلت الأعمال، ووقفت الشركات، لو كان في قلوبنا ذرة إيمان وذرة ولاء وبراء لرحّلناهم ذليلين شريدين مطرودين، ولا نعطيهم ريالاً واحداً، ولا دولاراً واحداً من أرزاق وأموال المسلمين التي هي أمانة بين أيدينا، وسنسأل عنها بين يدي رب العالمين جل وعلا، اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد يا رب العالمين!
стр. 1373
معركة بدر وأثرها العظيم على الإسلام والمسلمين
يشاء الله جل وعلا أن يلتقي الفريقان لأول مرة وجهاً لوجه، فريق الإيمان وفريق الشرك، في غزوة بدر الكبرى، في ميدان البطولة، في ميدان الرجولة، في ميدان الشرف، في ساحة الوغى، يوم أن صمتت وخرست الألسنة الطويلة، وخطبت وتكلمت السيوف والرماح على منابر الرقاب والرءوس.
التقى الفريقان وقام الحبيب ﷺ يرفع أكف الضراعة إلى الله جل وعلا، يناشد الله جل وعلا -كما ورد في صحيح مسلم - يقول: (اللهم هذه قريش أقبلت بخيلائها وفخرها، تحادك وتكذب رسولك، اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم أنجز لي ما وعدتني).
وقام الصديق ﵁ ليضع الرداء الذي سقط من على كتفي رسول الله ﷺ ويقول له: والذي نفسي بيده لينجزن الله لك ما وعدك يا رسول الله.
إنه اليقين، إنها الثقة في الله جل وعلا، وأنزل الله جنده من السماء، وأنزل الله نصره على عبده، وأيد الله المؤمنين الصادقين، وفر المشركون من أرض بدر، وتبعثروا في الشعاب والوديان تبعثر الفئران، وعادوا إلى مكة بمنتهى الخزي والذلة والندامة، وقد أذهلتهم المفاجأة الإيمانية الكبرى التي غيرت وجه الدنيا، وحولت مجرى التاريخ.
انتصر المسلمون في بدر، وهم الحفاة العراة الجياع! انتصر بلال الحبشي وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، انتصر هؤلاء المعذبون، انتصر هؤلاء المقهورون.
انتصروا بفضل الله جل وعلا، وقتل السادة والأشراف، قتل أبو جهل وغيره من الصناديد، الذين طالما ساموا هؤلاء المقهورين سوء العذاب، ونصر الله عبده، وأعز الله جنده، وتم النصر الكبير، الذي علم الأقزام في أنحاء الجزيرة العربية أن للإسلام بعد اليوم قوة ستحميه، وستدافع عنه، وستقلم أظفار كل من سولت له نفسه أن ينال بعد اليوم من مسلم فضلاً عن رسول الله ﷺ .
إذاً: أيها الأحباب! لابد للإسلام من قوة، وبعد هذه الغزوة الكبرى ظهرت بوادر هذه القوة في صلح الحديبية، الذي كان هو الآخر نصراً عظيماً لمن سبر غور بنوده وشروطه وأركانه، فلقد تفرغ النبي ﷺ بعد هذا الفتح الكبير وهذا الصلح العظيم لدعوة الملوك والأمراء، وقام بإرسال الكتب إلى أنحاء الدنيا لدعوة الناس إلى الله جل وعلا، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 1374
الآثار العظيمة لصلح الحديبية
стр. 1375
التفرغ للدعوة إلى الله
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد: فيا أيها الأحباب! بدأت الدعوة مرحلة جديدة عظيمة أخرى بإرسال النبي ﷺ الكتب والرسائل إلى الملوك والأمراء في جميع أنحاء الأرض، فلقد ثبت في الصحيحين: (أنه أرسل رسالة إلى هرقل عظيم الروم، وقال فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، وختم النبي رسالته الكريمة بقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤]).
وبعث برسالة أخرى إلى كسرى عظيم فارس، والحديث رواه البخاري في كتاب المغازي فقال: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى.
أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الله، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم المجوس، فلما قرئ على كسرى -أهلكه الله- كتاب النبي ﷺ مزقه، فلما بلغ ذلك رسول الله قال: اللهم مزق ملكه) فمزق الله ملكه.
وأرسل النبي ﷺ إلى المقوقس ملك مصر والإسكندرية.
وأرسل إلى صاحب اليمامة.
وأرسل إلى صاحب دمشق.
وأرسل إلى صاحب البحرين.
وأرسل كتبه إلى الملوك والأمراء في شتى أنحاء الدنيا، ليدعوهم إلى الله جل وعلا، وكان رسول الرسول ﷺ يحمل الكتاب، ويسير في هذه الصحراء شهوراً بطولها؛ ليبلغ رسالة رسول الله ﷺ ، أما اليوم فقد تحول العالم كله إلى قرية صغيرة بعد هذا التقدم المذهل في وسائل المواصلات والاتصالات، فماذا صنعنا؟! وماذا قدمنا لدين الله جل وعلا؟! وما الذي فعلناه لدعوة الناس إلى الله، ولتوضيح حقيقة الإسلام بين أبناء الكفار؟ بل لقد وجد الكفار بيننا فماذا قدمنا؟! وما الذي فعلناه لنقيم عليهم حجة الله جل وعلا في الأرض؟! والله إنه لعار علينا أن يكون هذا حالنا، لا نتحرك لدين الله، ولا للدعوة إلى الله .
стр. 1376
فتح مكة
ظهرت ثمرة هذه الدعوة الكريمة المباركة في عشرة آلاف صحابي، رباهم رسول الله بيده، خرجوا معه، وزحف هذا الجيش الكبير الجرار الذي لا عهد لأرض الجزيرة به من قبل، خرجوا جميعاً يحيطون برسول الله ﷺ ، تعلوا رءوسهم راية التوحيد والإيمان، قائدهم محمد ﷺ ، ودينهم الإسلام، زحف هذا الجيش إلى بلد الله الحرام، إلى مكة المكرمة؛ ليطهروها من دنس الشرك والكفر، ليحطموا الأصنام التي رفعت رءوسها على بيت الله الحرام، وها هو رسول الله ﷺ الذي خرج بالأمس القريب طريداً جريحاً مضروباً؛ يدخل إلى مكة فاتحاً في وسط هذه الجموع الموحدة، وها هو يحني رأسه تواضعاً وانكساراً لله جل وعلا! إنه فضل الله، إنه نصر الله، ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١ - ٣].
ودخل رسول الله ﷺ مكة وحطم الأصنام التي حول الكعبة وهو يقول: (جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقاً).
ويحين وقت الصلاة، فيأمر الحبيب ﷺ بلالاً ﵁ أن يرتقي على ظهر الكعبة! ذلكم العبد الحبشي الأسود يرتقي على ظهر الكعبة؛ ليرفع كلمة التوحيد خفاقة عالية في أنحاء مكة كلها، يصعد بلال ليرفع أذان التوحيد والإيمان، ليرفع صوته بقوله: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ويعلن وحدانية الله جل وعلا بعدما نكست الأصنام على رءوسها: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، ويثني برسالة محمد بن عبد الله حيث قال: أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، وتنصت مكة بأسرها لهذا النداء الحلو العذب الجميل الذي تسمعه لأول مرة! وتفرح الحجارة! وتبكي الكعبة فرحاً بكلمة التوحيد! التي ارتفعت لأول مرة بعد هذه السنوات الطوال.
стр. 1377
حجة الوداع
بعد فتح مكة رجع النبي ﷺ إلى المدينة المنورة، ويخرج بعد ذلك إلى حجة الوداع؛ ليلقي النظرة الأخيرة على أحبابه على أتباعه على أمته، فلقد أدى الأمانة، ولقد بلغ الرسالة، ولقد قام بما أمره ربه خير قيام، أمره ربه بالإنذار فأنذر، وأمره ربه بالبلاغ فبلغ، وأمره ربه بالبيان فبين، ووقف ليأخذ هذا العهد وهذا الميثاق الكبير ويسأل الناس جميعاً ويقول: (إنكم ستسألون عني فماذا أنتم قائلون؟ فقالوا جميعاً: نقول: إنك قد أديت وبلغت ونصحت، فرفع النبي ﷺ سبابته إلى السماء ويشير بها إلى الناس ويرفعها ويقول: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثلاث مرات)، الحديث رواه مسلم.
стр. 1378
توديع أعظم داعية للدنيا بعد تمام الدين
بعد حجة الوداع رجع النبي ﷺ إلى المدينة المنورة، ويأتي يوم الإثنين لتبكي المدينة مرة أخرى لا من الفرح ولكن من الحزن، فلقد نام الحبيب ﷺ على فراش الموت، وخرج في صلاة الفجر والمسلمون يصلون، فكشف ستر غرفة عائشة، ونظر إلى الصحابة ليلقي نظرة الوداع على أحبابه الأطهار الأبرار الأخيار، على أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى بلال، وصهيب، وعمار، على هؤلاء الأبرار، وكاد المسلمون أن يفتنوا في الصلاة، فأشار إليهم أن اثبتوا.
لقد أديت الأمانة -يا رسول الله- ولقد بلغت الرسالة، وقد حان الأجل، واقترب موعد لقائك بربك ﷻ ، ويدخل الحبيب بيت عائشة ﵂ وملك الموت في انتظاره ﷺ ، ويزداد الكرب عليه، وتزداد السكرات والكربات، وتدخل زهرته فاطمة الزهراء، فترى الكرب يشتد على أبيها وحبيبها، فتصرخ وتقول: (وا كرب أبتاه، والرسول ﷺ يقول لها: لا كرب على أبيك بعد اليوم يا فاطمة)، والحديث رواه البخاري.
ويشتد الألم على الحبيب؛ فيأمر بركوة فيها ماء، ويدخل يده في هذه الركوة، ويمسح العرق عن جبينه الأزهر الأنور، وهو يقول: (لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات، إن للموت لسكرات)، وفي رواية أحمد: (اللهم أعني على سكرات الموت)، فتقول عائشة: (مات رسول الله ﷺ بين سحري ونحري، أسندته إلى صدري فرأيته رفع أصبعه السبابة وسمعته يقول: بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى، تقول عائشة: فعلمت أنه يخير، وأنه لا يختارنا).
ويقبل ملك الموت على الحبيب ﷺ لينادي على روح المصطفى: أيتها الروح الطيبة! اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، ورب راض عنك غير غضبان، ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠]، وتسقط يد الحبيب ﷺ ، وتخرج عائشة وهي تبكي وتقول: مات رسول الله، مات خير خلق الله، مات إمام النبيين، مات سيد المرسلين، مات الحبيب ﷺ ، ويقابلها عمر فيصرخ ويشهر سيفه في الناس ويقول: من قال: إن محمداً قد مات لأعلونه بسيفي هذا، رسول الله ما مات، بل ذهب للقاء ربه كما ذهب موسى بن عمران، وليرجعن رسول الله وليقطعن أيدي وأرجل أناس من المنافقين الذين زعموا أنه قد مات.
ويأتي الصديق ﵁ ليدخل على حبيبه، ليدخل على إمام الهدى ومصباح الدجى، ليدخل عليه وقد مات ﷺ ، لن يقوم لك رسولك يا أبا بكر، ولن يرحب بك حبيبك يا أبا بكر، فلقد مات الحبيب ﷺ ، ويدخل عليه في غرفة عائشة، ويكشف البردة عن وجهه الكريم الأنور، ويخر على ركبتيه، ويقبل الحبيب بين عينيه، وفي الحديث الذي حسنه شيخنا الألباني في مختصر الشمائل أنه نادي على الحبيب قائلاً: (وانبياه، واصفياه، واخليلاه؛ وانبياه، واصفياه، واخليلاه)، وقال كما في رواية البخاري: (أما الموتة التي قد كتبها الله عليك فقد ذقتها يا رسول الله! ولا ألم عليك بعد اليوم).
وخرج الصديق ليعلن هذه الحقيقة الكبرى، لتصل إلى أذن كل سامع، وإلى عقل كل مفكر، فإنه لا يبقى إلا الله الحي الذي لا يموت، خرج وقال: (على رسلك يا عمر! أنصتوا أيها الناس! وتلتف الجموع الملتهبة الباكية حول أبي بكر ليعلن هذه الحقيقة الكبرى: أيها الناس! من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]).
اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، اللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، اللهم وكما آمنا به ولم نره فلا تفرق بيننا وبينه حتى تدخلنا مدخله.
اللهم احشرنا تحت لوائه، وأوردنا حوضه الأصفى، واسقنا من حوضه شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبداً يا رب العالمين! أسأل الله جل وعلا أن يقر أعيننا وإياكم بنصرة الإسلام، وتمكينه لدين التوحيد، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأعل بفضلك كلمتي الحق والدين.
اللهم قيض لأمة التوحيد أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، أنت ولي ذلك ومولاه.
اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لما تحبه وترضاه، اللهم وفقهم جميعاً للعمل بكتابك، والاقتداء بنبيك ﷺ ، اللهم اقبلنا، وتقبل منا، وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم.
أحبتي في الله! ما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء.
هذا وأكثروا من الصلاة والسلام على نبينا محمد، فإن الله أمركم بالصلاة عليه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1379
تذكرة الموت
الموت حقيقة لابد أن يذوقها كل إنسان، وله سكرات وزفرات، وفي لحظة الموت يعاين المرء ما هو قادم عليه من رحمة أو عذاب، ويرى ما أعد له من جنة أو نار، فعلى المسلم أن يستعد له بالأعمال الصالحة، وأن يتزود من التقوى، وأن يسارع بالتوبة إلى الله من كل ذنب.
стр. 1380
حقيقة الحياة الدنيا
الحمد لله الذي أذل بالموت رقاب الجبابرة، وأنهى بالموت آمال القياصرة؛ فنقلهم الموت من القصور إلى القبور، ومن ضياء المهود إلى ظلمة اللحود، ومن ملاعبة الجواري والنسوان إلى مقاساة الهوام والديدان، ومن التنعم في ألوان الطعام والشراب إلى التمرغ في ألوان الوحل والتراب.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ينادي يوم القيامة بعد فناء خلقه، ويقول: أنا الملك أنا الجبار أنا المتكبر لمن الملك اليوم؟ ثم يجيب على ذاته سبحانه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم:٤٨].
وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة فكشف الله به الغمة، ولبى داعي ربه حتى أجاب مناديه، وعاش طوال أيامه ولياليه يمشي على شوك الأسى، ويخطو على جمر الكيد والعنت، يلتمس الطريق لهداية الضالين، وإرشاد الحائرين، حتى علم الجاهل، وقوم المعوج، وأمن الخائف، وطمأن القلب، ونشر أضواء الحق والخير والتوحيد والإيمان كما تنشر الشمس في سائر الأكوان، رفع الله له ذكره، وشرح الله له صدره، وزكاه ربه على جميع الخلق، ومع ذلك خاطبه ربه بقوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠].
اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الأحباب الأعزاء! وطبتم جميعاً وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم جل وعلا الذي جمعني وإياكم في هذا البيت المبارك على طاعته، أن يجمعني وإياكم في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! في رحاب الدار الآخرة سلسلة علمية جديدة تجمع بين المنهجية والرقائق، وبين التأصيل العلمي والأسلوب الوعظي، تبدأ هذه السلسلة بالموت وتنتهي بالجنة، جعلني الله وإياكم من أهلها.
وقد تحتاج منا هذه السلسلة إلى عام ونصف أو عامين، إن قدر الله لنا البقاء واللقاء، أسأل الله أن ينفع بها، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يجعلني وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله، وأولئك هم أولو الألباب.
تزداد حاجتنا جميعاً بلا استثناء من طلاب علم ورجال ونساء، إلى هذه السلسلة العلمية الجديدة؛ لأننا نعيش عصراً طغت فيه الماديات والشهوات، وأعرض فيه كثير من الناس عن طاعة رب الأرض والسماوات، وتمضي الحياة مسرعة ومعظم أهلها في غفلة مريرة عما هو آتٍ.
стр. 1381
حقارة الدنيا وقصر عمرها
أيها الإخوة والأخوات! أقوام يأتون، وآخرون يرحلون، أرحام تدفع، وأرض تبلع، مثلهم كمثلِ أمواج بحر متدفقة متلاحقة، إذا انكسرت على الشط موجة تبعتها موجة أخرى، أو كمثل نهر متدفق تراه دائماً يجرى مع أن الماء الذي تراه اللحظة غير الماء الذي رأيته قبل لحظة، وحتماً سيأتي اليوم الذي ينتهي فيه الوجود الإنساني كله، فتنطفئ نجوم الليل، وتتوقف موجات البحر، بل وتجف مياه العيون والآبار، ويقوم الجميع ليقفوا بين يدي العزيز الغفار؛ كما قال سبحانه: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم:٤٨].
أيها الأحبة الكرام! أستهل هذه السلسلة اليوم بالحديث عن الموت، فهذه هي المرحلة الأولى في هذه الرحلة الطويلة.
أيها الأخيار! لقد بين الله جل وعلا لنا الغاية التي من أجلها خلقنا فقال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
وبين لنا حقيقة هذه الدنيا التي جعلها محل اختبار لنا فقال سبحانه: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد:٢٠].
وأكد الحبيب المصطفى ﷺ هذه الحقيقة في حديثه الصحيح الذي رواه الترمذي من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁، قال الحبيب: (لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء).
فالدنيا حقيرة عند الله، أعطاها للكافر والمؤمن على السواء، ولو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء؛ لذا كان المصطفى يوصي أصحابه بعدم الركون والطمأنينة إلى هذه الدار، كما أوصى بذلك عبد الله بن عمر ﵄ كما في صحيح البخاري أنه قال له: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك.
ورحم الله من قال: إن لله عباداً فطنا طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي وطنا جعلوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا
стр. 1382
الدنيا مزرعة الآخرة
الفطناء العقلاء الأذكياء هم الذين عرفوا حقيقة الدار فحرثوها وزرعوها، وهنالك في الآخرة تجنى الثمار، فالذم الوارد في القرآن والسنة للدنيا لا يرجع إلى زمانها من ليل أو نهار؛ فلقد جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، والذم الوارد في الكتاب والسنة للدنيا لا يرجع إلى مكانها ألا وهو الأرض، إذ إن الله قد جعل الأرض لبني آدم سكناً ومستقراً، والذم الوارد للدنيا في القرآن والسنة لا يرجع إلى ما أودعها الله من خيرات، فهذه الخيرات نعم الله على عباده وعلى الناس، وإنما الذم الوارد في الكتاب والسنة للدنيا يرجع إلى كل معصية تُرتكب على ظهرها في حق ربنا جل وعلا، فلابد من تأصيل هذا الفهم، لاسيما لإخواننا الدعاة وطلاب العلم الذين ربما يغيب عن أذهانهم حقيقة الزهد في هذه الحياة الدنيا، فنحن لا نريد أن نقنط أحداً من هذه الحياة، ولا نريد أن نثبت لكل عامل في هذه الدنيا ولو كان في الحلال أنه تجاوز طريق الأنبياء والصالحين والأولياء، كلا! كلا! بل الدنيا مزرعة للآخرة.
أيها الأخيار! تدبروا معي قول علي بن أبى طالب ﵁: (الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غنى لمن أخذ منها، الدنيا مهبط وحي الله، ومصلى أنبياء الله، ومتجر أولياء الله).
فالدنيا مزرعة الآخرة، كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أنس، أنه ﷺ قال: (ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً، فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كان له به صدقة).
فلابد من هذا التأصيل، ولابد من هذا الفهم الدقيق بهذا الوعي العميق لحقيقة الدنيا؛ لننطلق من هذه الدار إلى دار تجمع سلامة الأبدان والأديان إلى دار القرار، فلابد قبل أن تعبر إلى دار القرار من المرور بهذه الدار.
فالدنيا دار ممر والآخرة هي دار المقر، الدنيا مركب عبور لا منزل حبور، الدنيا دار فناء وليست دار بقاء، فلابد من وعي هذه الحقيقة لنستغل وجودنا في هذه الدار، ولنزرع هنا ونجني هنالك عند ربنا عظيم الثمار، أسأل الله أن يجعلنا من الصادقين.
إذا علمت ذلك أيها الحبيب الكريم! فاعلم هذه الحقائق، وكن على يقين جازم بأن الحياة في هذه الدنيا موقوتة محدودة بأجل، ثم تأتي نهايتها حتماً، فيموت الصالحون ويموت الطالحون، يموت المجاهدون ويموت القاعدون، يموت المستعلون بالعقيدة ويموت المستذلون للعبيد، يموت الشرفاء الذين يأبون الضيم ويكرهون الذل، ويموت الجبناء الحريصون على الحياة بأي ثمن، فالكل يموت، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
فلابد من أن تستقر هذه الحقيقة في القلب والعقل معاً، إنها الحقيقة التي تعلن على مدى الزمان والمكان في أذن كل سامع وعقل كل مفكر أنه لا بقاء إلا للملك الحي الذي لا يموت، إنها الحقيقة التي تصبغ الحياة البشرية كلها بصبغة الذل والعبودية لقهار السماوات والأرض، إنها الحقيقة التي شرب كأسها الأنبياء والمرسلون، والعصاة والطائعون، إنها الحقيقة الكبيرة التي تؤكد لنا كل لحظة من لحظات الزمن قول الله جل وعلا: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨].
стр. 1383
سكرات الموت
أيها الحبيب الكريم! تذكر هذه الحقيقة ولا تتغافل عنها؛ إذ إن النبي قد أمرنا أن نكثر من ذكرها، كما في الحديث الذي رواه الترمذي والنسائي والبيهقي والحاكم وغيرهم من حديث ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: (أكثروا ذكر هادم اللذات الموت).
إنها الحقيقة التي سماها الله في قرآنه بالحق فقال جل وعلا: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق:١٩ - ٢١].
لا إله إلا الله! إن للموت سكرات، هل علمت أن هذه الكلمات قالها حبيب رب الأرض والسموات وهو يحتضر على فراش الموت، روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: (مات رسول الله ﷺ بين حاقنتي وذاقتني، وكان بين يديه ركوة بها ماء، فكان يمد يده في داخل الماء ويمسح وجهه ويقول: لا إله إلا الله، إن للموت سكرات).
هكذا يقول حبيب رب الأرض والسماوات، قال : ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق:١٩]، فالمصطفى يذوق سكرة الموت ويقول: (لا إله إلا الله، إن للموت سكرات).
وفي رواية الترمذي كان الحبيب ﷺ يقول: (إن للموت غمرات، وإن للموت سكرات!) وفي رواية: (كان ﷺ يدعو الله ويقول: اللهم أعني على سكرات الموت).
стр. 1384
عرض الأديان على الإنسان عند السكرات
قال : ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق:١٩]، وما أدراك ما السكرات؟ وما أدراك ما الكربات؟ والله! إن الكرب والهم يزداد في لحظات السكرات.
إذا نمت على فراش الموت يا ابن آدم! ورأيت في غرفتك التي أنت فيها دون أن يرى أحد غيرك، رأيت شيطاناً قد جلس عند رأسك يريد أن يضلك عن كلمة (لا إله إلا الله) ويقول لك: مت يهودياً؛ فإنه خير الأديان! أو يقول لك: مت نصرانياً؛ فإنه خير الأديان! واستدل بعضُ أهلِ العلم على ذلك بشطر حديث صحيح رواه الإمام مسلم أنه ﷺ قال: (إن الشيطان يحضر كل شيء لابن آدم).
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٤/ ٢٥٥) عن مسألة عرض الأديان قبل الموت على العبد في فراش الموت، فقال شيخ الإسلام: من الناس من تعرض عليه الأديان، ومنهم من لا يعرض عليه شيء قبل موته، ثم قال: ولكنها من الفتن التي أمرنا النبي أن نستعيذ منها، كما في قوله: (اللهم أنى أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب جهنم، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال).
فمن فتن الموت أن تأتي الشياطينُ لتصدك عن (لا إله إلا الله) ولتصدك عن كلمة التوحيد؛ فهذه من الكربات، وهذه من أشد السكرات على ابن آدم، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فهل علمت أخي في الله! أن إمام أهل السنة أحمد بن حنبل، حينما نام على فراش الموت ذهبت إليه الشياطين لتنادي عليه بهذه الكلمات؟ قال ولده: عبد الله: حضرت الوفاة أبي فنظرت إليه، فإذا هو يغمى عليه ثم يفيق، ثم يشير بيده ويقول: لا بعد، لا بعد، فلما أفاق الإمام في لحظة بين سكرات الموت وكرباته قال له ولده عبد الله: يا أبت! تقول: لا بعد، لا بعد! فما هذا؟ فقال لولده: يا بني! هناك شيطان جالس عند رأسي عاض على أنامله يقول لي: يا أحمد! لو فتني اليوم ما أدركتك بعد اليوم، وأنا أقول له: لا بعد، لا بعد! حتى أموت على (لا إله إلا الله).
стр. 1385
يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت
إن كنت من المؤمنين الصادقين الموحدين المخلصين واجتالتك الشياطين ثبتك رب العالمين، وأنزل إليك ملائكة التثبيت، كما في حديث البراء بن عازب الصحيح، ومحل الشاهد فيه: أن النبي ﷺ أخبر: (أن المؤمن إذا نام على فراش الموت جاءته ملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، فيجلسون من المؤمن مد البصر، حتى يأتي ملك الموت، ثم يجلس ملك الموت عند رأسه، وينادي على روحه الطيبة وهو يقول: يا أيتها الروح الطيبة! اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب راضٍ عنك غير غضبان، فتخرج روح المؤمن سهلة، تسيل كما يسيل الماء من في السقاء، فلا تدعها الملائكة في يد ملك الموت طرفة عين، ثم ترقى بها إلى الله جل وعلا).
هكذا أيها الأحبة! ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]، فتنزل ملائكة التثبيت على الموحدين لرب الأرض والسماء جل وعلا بهذه البشارة التي سجلها ربُنا في قرآنه في قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٢].
قال ابن عباس: (القول الثابت هو لا إله إلا الله).
стр. 1386
سكرة الموت حق
قال : ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق:١٩]، والحق: أنك تموت، والله حي لا يموت، والحق: أن ترى عند موتك ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب، والحق: أن يكون قبرك روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران.
وقوله : ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] أي: ذلك ما كنت منه تخاف، ذلك ما كنت منه تهرب، فكيف تحيد إلى الطبيب إذا جاءك المرض، وتحيد إلى الطعام إذا أحسست بالجوع، وتحيد إلى الشراب إذا أحسست بالظمأ، ثم ماذا أيها القوي الفتي؟! أيها الذكي العبقري! يا أيها الوزير والأمير والكبير! ويا أيها الصغير والفقير والحقير! كلكم كما قال الشاعر: كل باكٍ فسيُبَكى كل ناعٍ فسيُنعى كل مدخور سيفنى كل مذكور سيُنسى ليس غير الله يبقى من علا فالله أعلى وقال الشاعر الآخر: أيا من يدعي الفهم إلى كم يا أخا الوهم! تعب الذنب والذم وتخطي الخطأ الجم أما بان لك العيب؟! أما أنذرك الشيب؟! وما في نصحه ريب ولا سمعك قد صم أما نادى بك الموت؟! أما أسمعك الصوت؟! أما تخشى من الفوت؟! فتحتاط وتهتم فكم تسدر فى السهو وتختال من الزهو وتنفض إلى اللهو كأن الموت ما عم! كأني بك تنحط إلى اللحد وتنغط وقد أسلمك الرهط إلى أضيق من سم هناك الجسم ممدود ليستأكله الدود إلى أن ينخر العود ويمسي العظم قد رم فزود نفسك الخير ودع ما يعقب الضير وهيئ مركب السير وخف من لجة اليم بذا أوصيك يا صاح! وقد بحت كمن باح فطوبى لفتى راح بآداب محمد يأتم
стр. 1387
حال الإنسان عند النزع
وصدق الله جلا وعلا إذ يقول: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة:٢٦ - ٣٠].
(كلا إذا بلغت التراقي)، أي: إذا بلغت الروح الترقوة، (وقيل من راقٍ)، أي: من يرقى بروحه: ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ وقيل: أي: من يبذل له الرقية؟ ومن يبذل له الطب والعلاج؟ فهو صاحبُ الجاه صاحبُ الأموال صاحب السلطان صاحب الوزارة، وقد التف الأطباء حوله، بل نقل في سيارة خاصة إلى مستشفىً كبير، فالتف الأطباء من حوله: هذا متخصص في جراحة القلب، وهذا متخصص في جراحة المخ والأعصاب، وذاك في تخصص كذا، وذاك في تخصص كذا، وكلهم يريدون شيئاً، وملك الملوك قد أراد شيئاً آخر، قال : ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤].
وقال سبحانه: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨].
وقال جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة:٨].
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤].
التف الأطباء من حوله كل يبذل له الرقية ويقدم له العلاج، ولكن حار الأطباء حوله وداروا؛ فما الذي جرى؟ وما الذي حدث؟ اصفر وجهه، وشحب لونه، وبردت أطرافه، وتجعد جلده، وبدأ يشعر بزمهرير قارس، فينظر مرة في لحظة السكرة والكربة فيرى الغرفة التي هو فيها قد صارت فضاءً موحشاً، أو تضيق عليه فتصير كخرم إبرة، أو ينظر مرة فيرى أهله يبتعدون عنه ومرة يقتربون، لقد اختلطت عليه الأمور والأوراق، فتراه يسأل: من هذا الذي عند رأسي؟! إنه يعاينه ويراه، إنه ملك الموت! ومَنْ هؤلاء الذين يتنزلون من السماء؟ إنه يراهم بعينيه! إنهم الملائكة! فيا ترى أهي ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟! ويا ترى! ماذا سيقول لي ملك الموت؟ وهل سيقول لي: يا أيتها النفس الطيبة! اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، ورب راضٍ غير غضبان، أم سيقول: يا أيتها الروح الخبيثة! اخرجي إلى سخط الله وعذابه؟! فينظر في لحظة صحوة بين السكرات والكربات فإذا وعى من حوله من أهله وأحبابه، نظر إليهم نظرة استعطاف ونظرة رجاء وأمل، وقال بلسان الحال، بل وربما بلسان المقال: يا أولادي! يا أحبابي! يا إخواني! لا تتركوني وحدي، ولا تفردوني في لحدي؛ فأنا أبوكم، وأنا الذي بنيت لكم القصور، وأنا الذي عمرت لكم الدور، وأنا الذي نميت لكم التجارة، فمن منكم يزيد في عمري ساعة أو ساعتين؟! افدوني بأموالي، افدوني بأعمالكم: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨ - ٢٩].
стр. 1388
لا يرد الموت شيء
نام هارون الرشيد على فراش الموت، فنظر إلى جاهه وماله ثم قال: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨ - ٢٩]، وقال: أريد أن أرى قبري الذي سأدفن فيه، فحملوا هارون إلى قبره، فنظر هارون إلى القبر وبكى، ونظر إلى السماء وقال: يا من لا يزول ملكه! ارحم من قد زال ملكه.
قال : ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨ - ٢٩].
أين الجاه؟! وأين السلطان؟! وأين المال؟! وأين الأراضي؟ لقد ذهب كل شيء! وهنا يعلو صوت الحق: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٨٣ - ٩٦].
سبحان ذي العزة والجبروت! سبحان ذي الملك والملكوت! سبحان من كتب الفناء على جميع خلقه وهو الحي الذي لا يموت! سبحانك يا من أذللت بالموت رقاب الجبابرة! سبحانك يا من أنهيت بالموت آمال القياصرة! ونقلتهم بالموت من القصور إلى القبور، ومن ضياء المهود إلى ظلمة اللحود، ومن ملاعبة الجواري والنساء والغلمان إلى مقاساة الهوام والديدان، ومن التنعم في ألوان الطعام والشراب إلى التمرغ في ألوان الوحل والتراب! قال : ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [القيامة:٢٦ - ٢٧] أي: من يرقى بروحه، أو من يبذل له الرقية والطب والعلاج.
﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة:٢٨ - ٣٠].
إنه يومُ المرجع، إنه يوم العودة، انتهى أجلك وانتهت دنياك، وحتماً ستُعرض على مولاك.
стр. 1389
موعظة أبي حازم لسليمان بن عبد الملك
سأل سليمان بن عبد الملك عالماً من علماء السلف يقال له: أبو حازم، قال سليمان: يا أبا حازم ما لنا نكره الموت؟! وبعض الناس الآن ربما يتضجر إن ذُكِّر بالموت، وربما يقول لمذكره: ذكرنا بموضوع آخر، وهل ما وجدت إلا الموت لتذكرنا به؟! فقال سليمان بن عبد الملك لـ أبى حازم: يا أبا حازم ما لنا نكره الموت؟ فقال أبو حازم: لأنكم عمرتم دنياكم، وخربتم أخراكم، فأنتم تكرهون أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب! في زيارة لي إلى أمريكا نبهني أحد الإخوة إلى رجل منَّ الله عليه بالأموال، ومع ذلك لا يصلي ولا يعرف حقاً للكبير المتعال، فذهبت إليه لأذكره بالله جل وعلا، وهو مسلم عربي وليس أمريكياً، فقال لي: يا أخي! أنا ما أتيت إلى هذه البلاد إلا من أجل الدولار، وأعدك إن عدتُ إلى بلدي ألا أفارق المسجد أبداً! قلت: سبحان الله! ومن يضمن لك يا مسكين أن ترجع إلى بلدك، ومن يضمن لك أن يمر عليك يومُ بكامله، والله! لا تضمن أن تتنفس بعد هذه اللحظات.
فدع عنك ما قد فات من زمن الصبا واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب! لم ينسه الملكان حين نسيته بل أثبتاه وأنت لاهٍ تلعب والروح منك وديعة أودعتها ستردها بالرغم منك وتسلب وغرور دنياك التي تسعى لها دار حقيقتها متاع يذهب الليل فاعلم والنهار كلاهما أنفاسنا فيها تعد وتحسب دنياك مهما طالت فهي قصيرة، ومهما عظمت فهي حقيرة؛ لأن الليل مهما طال لابد من طلوع الفجر، ولأن العمر مهما طال لابد من دخول القبر.
يا أبا حازم! ما لنا نكره الموت؟ قال: لأنكم عمرتم دنياكم وخربتم أخراكم، فأنتم تكرهون أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب.
فقال سليمان بن عبد الملك: يا أبا حازم! كيف حالنا عند الله تعالى؟! قال: اعرض نفسك على كتاب الله.
قال سليمان: أين أجده؟ قال: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار:١٣ - ١٤].
قال سليمان بن عبد الملك: فأين رحمة الله يا أبا حازم؟! قال أبو حازم: إن رحمة الله قريبٌ من المحسنين.
فقال سليمان بن عبد الملك: فكيف عرضنا على الله غداً؟ فقال أبو حازم: أما المحسن فكالغائب في سفر يقدم على أهله، فيستقبله الأهل بفرح، والمسيء كالعبد الآبق يقدم على مولاه.
وفي الصحيحين من حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، قالت عائشة: يا رسول الله! أكراهية الموت، فكلنا نكره الموت، قال: لا يا عائشة! ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته، أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا بشر بسخط الله وعذابه، كره لقاء الله وكره الله لقاءه).
وفي صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال: (إذا وضعت الجنازة وحملها الرجال على الأعناق تكلمت، وسمعها كل شيء إلا الإنسان، إن كانت صالحة: قدموني قدموني! وإذا كانت غير صالحة تقول: يا ويلها! إلى أين يذهبون بها؟ ولو سمعها الإنسان لصعق)، إي والله! لو سمعت جنازة تقول: قدموني قدموني، وسمعت جنازة أخرى لحبيب لك تقول: يا ويلها! إلى أين تذهبون بها؟ لصعقت.
والحديث عن النفس حديث طويل ومكروه، فإنما هي آية ثابتة، وإنما هي أحاديث ثابتة نذكر بها كلما أردنا أن نذكر الآخرين -وأنفسنا قبل الآخرين- بالموت، وقد أمرنا النبي ﷺ أن نكثر من ذكر الموت لنستعد للقاء الله جل وعلا.
أيها اللاهي! أيها الشاب! أيها الكبير! أيها الصغير! أيها الوزير! أيها الأمير! أيها الصغير! أيها الحقير، ذكر نفسك وقل لها: يا نفس قد أزف الرحيلُ وأظلك الخطب الجليل فتأهبي يا نفس! لا يلعب بك الأمل الطويل فلتنزلن بمنزل ينسى الخليل به الخليل وليركبن عليك فيه من الثرى حمل ثقيل قرن الفناء بنا فما يبقى العزيز ولا الذليل وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 1390
وجوب التوبة إلى الله
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! هكذا تبدأ رحلتنا في رحاب الدار الآخرة بالموت بعدما بينا بإيجار حقيقة الدنيا، وتنتهي هذه المرحلة الأولى بالوصول إلى القبر، وهأنذا أقف بكم أمام القبر وعند القبر؛ لنرى في لقائنا المقبل إن شاء الله جل وعلا حقيقة القبر، وما معنى البرزخ؟ وما معنى النعيم؟ وما معنى الجحيم؟ ولماذا لم يذكر الله عذاب القبر صراحة في القرآن؟ وهل ثبتت فيه أحاديث صحيحة عن النبي ﵊؟ وما هي حقيقة القبر؟ وما هي حقيقة البعث بعد ذلك؟ لنواصل الرحلة، نسأل الله أن ينفعنا وإياكم بها.
وهأنذا أذكر نفسي وأحبابي وأخواتي في هذه اللحظات بالتوبة إلى رب الأرض والسموات.
يا من أسرفت على نفسك بالمعاصي! يا من ضيعت الصلاة في بيوت الله! يا من تركتِ الحجاب الشرعي! يا من شغلك التلفاز أو الشيطان عن الله ! يا من أعرضت عن مجلس العلم وأماكن الخير والطاعة والعبادة! يا من قضيت عمرك على المقاهي وتركت فرض الله ! تب إلى الله، والله! إنك ستموت والله! إنك ستموت، وغداً يا مسكين! ستتمنى الرجعة، كما قال : ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩٩].
فإن كان كافراً سيتمنى الرجعة، وإن كان مسلماً عاصياً سيتمنى الرجعة: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] سبحان ربي! هو غير متأكد إن كان سيعمل صالحاً أو لن يعمل صالحاً، مع أنه يتمنى على الله أن يعود! ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] فيأتيه الجواب كالصفعة على خديه: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ﴾ [المؤمنون:١٠٠] أي: كلمة حقيرة، كلمة تافهة لا وزن لها عند الله: ﴿هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠].
فتب إلى الله، وأذكر نفسي وإياك ألا تيأس ولا تقنط مهما بلغت ذنوبك، فعد إلى الملك مهما كثرت معاصيك، واطرق باب الرحمن جل وعلا، والله! لن يغلق الرحمن الباب في وجهك، وإن ارتكبت الزنا، وإن شربت الخمر، وإن قتلت، فعد إلى الله، فإن الله يقبل توبة المشرك إن خلع رداء الكفر على عتبة الإسلام، كما قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
وقال سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
فعاهد ربك الآن على التوبة، وعاهدي ربك على التوبة.
قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم:٨].
وأذكرك بهذا الحديث الذي رواه مسلم والترمذي واللفظ للترمذي من حديث أنس؛ أن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى في الحديث القدسي: يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالى، يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة)، فاسجد لربك شكراً يا من خلقت موحداً! وبعث الله إليك محمداً، فإن هذا من فضل الله علينا.
أيها الحبيب! اجتهد في الدنيا، وعمر الكون، وإن استطعت أن تربح مليوناً فافعل، بشرطين: أن تربح من الحلال، وأن تؤدي حق الكبير المتعال، فاجتهد في الدنيا، وازرع للآخرة؛ فأنا لا أريد أن أقنطك من هذه الحياة أبداً، وإنما أريد أن أذكر نفسي وإياك بأن الدنيا مزرعة للآخرة، فلا ينبغي أن تنشغل بالدار الفانية عن الدار الباقية، فغداً سترحل عن هذه الحياة، ولن ينفعك إلا ما قدمت، كما قال ﷺ : (يتبع الميت ثلاثة: ماله وأهله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع الأهل والمال، ويبقى العمل) وينادى عليك هنالك في القبر بلسان الحال: رجعوا وتركوك، وفى التراب وضعوك، وللحساب عرضوك، ولو ظلوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا عملك مع رحمة الحي الذي لا يموت.
اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم، ولا تعذبنا فأنت علينا قادر.
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، وبلغنا مما يرضيك آمالنا.
اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم إن أردت بالناس فتنة فاقبضنا إليك غير خزايا ولا مفتونين، ولا مفرطين ولا مضيعين، ولا مغيرين ولا مبدلين.
اللهم ارزقنا حسن الخاتمة يا أرحم الراحمين! اللهم اختم لنا بخاتمة السعادة، اللهم لا تحرمنا الزيادة، اللهم اختم لنا بخاتمة السعادة، اللهم لا تحرمنا الزيادة.
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا ألا تدع لأحد منا ذنباً إلا غفرته.
اللهم اغفر ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم لا تدع لأحد منا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً لنا إلا رحمته، ولا عاصياً بيننا إلا هديته، ولا طائعاً معنا إلا زدته وسددته يا رب العالمين! ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده دوماً تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا شقياً ولا محروماً.
اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى.
أيها الأحبة! هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويلقى في جهنم، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 1391
كيف نستقبل رمضان ؟
رمضان شهر الخير واليمن والبركات، وفيه تتنزل الرحمات، وتغلق أبواب النار، وتفتح أبواب الجنات، فعلى المرء أن يتأهب ويستعد لاستقبال شهر رمضان، وعليه أن يستغل شهر رمضان في الطاعات والأعمال الصالحة، فإنه من الأوقات الفاضلة التي ينبغي ألا يفرط فيها.
стр. 1392
رمضان شهر التوبة والإنابة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وطبتم جميعاً أيها الأحبة الكرام! وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله جل وعلا أن يجمعني وإياكم في هذه الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد الدعاة وإمام النبيين وسيد المرسلين في جنته ودار كرامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! تتزاحم علي الأفكار في هذه اللحظات، ولكن أرى أنه من الجفاء ألا نحيي اليوم ضيفاً كريماً قد نزل بنا، إنه ضيف عزيز كريم مبارك، قد أهل علينا بأنفاسه الخاشعة الزكية، ورحماته المباركة الندية، إنه شهر القرآن إنه شهر القيام والصيام إنه شهر الجود والبر والإحسان والعتق من النيران إنه شهر رمضان.
لقد أهل علينا هذا الشهر، وأرى أنه من الجفاء ألا يكون حديثنا هذا عن شهر رمضان، لذا فاسمحوا لي أيها الأحبة الكرام! أن يكون لقاؤنا هذا بعنوان: (كيف نستقبل رمضان؟) وسوف أركز الحديث حول هذا الموضوع في العناصر التالية: أولاً: تب إلى الله جل وعلا أيها الحبيب! من جميع المعاصي والذنوب.
أيها المسلم! أيتها المسلمة! إن أهل الباطل يخططون لكم من قبل رمضان؛ ليشغلوا أوقاتكم بالمسلسلات الفاجرة، والأفلام الداعرة، والفوازير الخليعة الماجنة، فاحذر أيها الحبيب! واحذري أيتها المسلمة! من أهل الباطل، وتب إلى الله من هذه اللحظة وأنت جالس في موضعك، وارفع أكف الضراعة إلى الله بقلب خاشع منيب أواب، واسأله أن يغفر لك جل وعلا ما مضى من الذنوب والآثام، واعلم بأن الله سيفرح بتوبتك، وسيفرح بعودتك، وهو الغني عن العالمين الذي لا تنفعه الطاعة، ولا تضره المعصية.
فيا صاحب الخطايا! أين الدموع الجارية؟! يا أسير المعاصي! ألا تبكي على الذنوب الماضية؟! يا متجرئاً على الله! ألا تخشى من هول القيامة؟! يا أسير المعاصي! ابك على ذنبك الآن، يا أسير الذنوب! ابك على خطيئتك الآن، وتب إلى الرحيم الرحمن جل وعلا، فورب الكعبة ما من يوم يمر علينا إلا ويتنزل الملك ﷻ إلى السماء الدنيا، تنزلاً يليق بكماله وجلاله، فكل ما دار ببالك فالله بخلاف ذلك، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، والحديث رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (يتنزل جل وعلا كل ليلة إلى السماء الدنيا إذا مضى ثلث الليل الأول، ثم يقول جل وعلا: أنا الملك، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، من ذا الذي يسألني فأعطيه، حتى يضيء الفجر) فالله ينادي عليك كل ليلة أيها الحبيب! والله ينادي عليك أيتها المسلمة! ويقول جل وعلا: (من ذا الذي يدعوني فأستجيب له) فهل يجدك الله وقد وضعت أنفك وجبينك في التراب ذلاً لخالقك؟! أم سيراك الله أمام المسلسلات؟! أم سيراك الله أمام الفوازير؟! أم سيراك الله أمام الأفلام؟!! يا عبد الله! والله! إن العمر قصير، وإن الوقت قليل، وإن أقرب غائب تنتظره هو الموت، فكم ودعت من أحبابك وإخوانك في الأيام الماضية إلى القبور؟! ذهب الأحباب وذهب الأخلاء، وأنت قدر الله لك أن تعيش إلى رمضان، ولا تملك ولا تضمن أن تعيش إلى رمضان المقبل! فهيا أيها الحبيب! تب إلى الله، ففي صحيح مسلم ومسند أحمد من حديث أبي موسى الأشعري أنه ﷺ قال: (إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها) أي: حتى يأذن الله جل وعلا لمراحل الساعة الكبرى فتبدأ، ومنها: طلوع الشمس من مغربها، وإذا طلعت الشمس من مغربها وقعت العلامات الكبرى للساعة وللقيامة يا عباد الله! أيها الحبيب! هل تعلم أنك إن تبت إلى الله فرح الله بتوبتك؟! قال جل وعلا: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك أنه ﷺ قال: (لله أفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه راحلته وعليها الطعام والشراب، فأيس من راحلته، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها وقد أيس من راحلته، وبينما هو كذلك إذ به يرى راحلته قائمة عند رأسه، فقال: اللهم لك الحمد، أنت عبدي، وأنا ربك! يقول الحبيب ﷺ : أخطأ من شدة الفرح) فالله يفرح بتوبتك وعودتك أعظم وأجل من فرحة هذا العبد بعودة راحلته إليه مرة أخرى.
فيا أيها الحبيب! من منا لم يذنب؟! ومن منا لم يعص الله؟! فكل بشر على ظهر هذه الأرض خطاء، ولكن ربك جل وعلا هو الغفور الرحيم، فهيا من هذه اللحظة تب إلى الله، وعد وارجع إلى الله جل وعلا.
واسمع إلى ربك وهو ينادي عليك في الحديث القدسي الجليل الذي رواه مسلم والترمذي بسند حسن صحيح واللفظ للترمذي من حديث أنس عن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة).
هذه هي اللمحة الأولى والعنصر الأول الذي أردت أن أذكر نفسي وأحبابي به، أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من التائبين.
ولا تظن أيها الحبيب! أن التوبة لأهل المعاصي فحسب، كلا، بل لقد أمر الله أهل الإيمان بالتوبة، فقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم:٨].
стр. 1393
تنزل الرحمات في رمضان
ثانياً: أيها الحبيب! إياك أن تحرم نفسك في رمضان من رحمة الرحيم الرحمن، فإن الخاسر ورب الكعبة! هو من مر عليه رمضان ولم يفز فيه برحمة الرحيم الرحمن، ففي الحديث الذي رواه الطبراني -ورواته ثقات- من حديث عبادة بن الصامت ﵁ أنه كان الحبيب ﷺ إذا أقبل شهر رمضان يقول: (أتاكم رمضان شهر بركة، يغشاكم الله فيه، ينزل الرحمة، ويحط الخطايا، ويستجيب فيه الدعاء، وينظر فيه إلى تنافسكم في الخير، ويباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيراً، فإن الشقي من حرم في رمضان رحمة الله .
أيها الحبيب! فكر في هذا الحديث جيداً من الآن: هل تتنزل عليك الرحمة أمام المسلسل؟! وهل تتنزل عليك الرحمة أمام الفلم؟! وهل تتنزل عليك الرحمة أمام الفوازير الماجنة؟! إنما تتنزل الرحمات في بيئة الطاعات، وفي بيوت رب الأرض والسماوات، وإن جلست في بيتك وجمعت زوجتك وأولادك، وجلست تقرأ القرآن الكريم، أو جلست في بيتك تستغفر الله الرحمن الرحيم، فهذه هي البيئة التي تتنزل عليك فيها الرحمات، فيا أخي في الله! اتق الله في رمضان، وإياك أن تضيع دقيقة في غير طاعة، عليك ألا تمر دقيقة إلا وأنت في طاعة لله، فورب الكعبة! إنك لا تضمن أن تعيش إلى رمضان المقبل، فرمضان شهر الرحمات، فعرض نفسك لرحمة الله، ولن تنال رحمة الله إلا إذا كنت على طاعة لله جل وعلا.
стр. 1394
وجوب المحافظة على صلاة الجماعة
ثالثاً: أيها الحبيب المبارك! حافظ على الصلوات في جماعة في بيوت الله ، فلقد كان حبيبك المصطفى حريصاً على الجماعة حتى في مرضه الأخير، وكذا كان الصحابة رضوان الله عليهم، وقد نقل الإمام البغوي في (شرح السنة) اتفاق أهل العلم، فقال: اتفق أهل العلم على أنه لا رخصة لأحد في ترك الجماعة إلا من عذر شرعي) فلا يجوز لأحد أن يترك صلاة الجماعة إلا من عذر شرعي، والعذر الشرعي الذي يمنعك من صلاة الجماعة في بيوت الله هو: المرض، والمطر الشديد، والظلام الحالك الذي تخشى فيه على نفسك الهلاك، والبرد الشديد الذي قد يصيبك بأذى أو بمرض، أو وضع الطعام بين يديك في وقت أذن فيه للصلاة، فإذا كنت جائعاً فقدم الطعام أو العَشاء على العِشاء، أما فيما عدا ذلك فلا يجوز لك أن تؤخر الصلاة في بيوت الله جل وعلا عن وقتها.
وكم من المسلمين من يترك صلاة الجماعة في بيوت الله، وعذره: حتى ينتهي الفلم أو المسلسل أو المباراة! فهل هذا عذر شرعي يا عباد الله؟! بل الواجب عليك أن تهرع إلى بيت الله إذا نودي عليك بحي على الصلاة! أيها الحبيب الكريم! اسمع إلى عبد الله بن مسعود ﵁، والحديث رواه مسلم، يقول عبد الله: (من سره أن يلقى الله تعالى غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله قد شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو صليتم في بيوتكم -أي: لم يترك الصلاة، وإنما يصلي، ولكنه يصلي في بيته- كهذا المتخلف الذي يصلي في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلف عن صلاة الجماعة إلا منافق معلوم النفاق! -والله! إنها عبارة تخلع القلب الحي- ولقد كان يؤتى بالرجل يهادى به بين الرجلين -أي: كرجل عجوز كبير مريض يؤتى به وهو يتمايل بين رجلين: رجل عن يمينه، ورجل عن يساره- حتى يُقام في الصف) أي: ليصلي الجماعة في بيت الله جل وعلا.
فيا أيها الحبيب! الله الله في الصلاة! ولا تضيع صلاة في بيت الله، فإذا نودي عليك وأنت في بيتك إذا نودي عليك وأنت في عملك إذا نودي عليك وأنت في بقالتك أو تجارتك، فقم إلى الله جل وعلا وضع جبينك وأنفك في التراب شكراً لرازقك وخالقك جل في علاه.
أيها الحبيب! لقد توعد المصطفى من أخر صلاة الجماعة وصلى في بيته بأشد الوعيد، وأنا لا أتكلم الآن عمن ترك الصلاة، ولا أتحدث الآن عمن ضيع الصلاة، فلا حول ولا قوة إلا بالله! لكنني أتحدث عن الذي يصلي، لكنه يصلي في بيته، ويدع الصلاة في بيوت الله، فلم بنيت بيوت الله جل وعلا؟! والله يقول: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨] فالمساجد هذه ما بنيت إلا ليجتمع فيها الموحدون، وإلا ليركع فيها الراكعون، وإلا ليسجد فيها الساجدون المؤمنون لله رب العالمين، لقد توعد المصطفى من تأخر عن صلاة الجماعة بأشد الوعيد -ونحن نعاهد الله ألا نذكر إلا حديثاً صحيحاً عن رسول الله ﷺ ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس -أي: في موضع ومكان الحبيب المصطفى- ثم أنطلق مع رجال معهم حزم من الحطب إلى أقوام يصلون في بيوتهم لأحرق عليهم بيوتهم بالنار) هذا كلام الحبيب المصطفى محمد ﷺ .
يريد المصطفى أن يأمر بالصلاة فتقام، وأن ينطلق هو في وقت إقامة الصلاة؛ ليبحث عن البيوت التي تخلف أهلها عن صلاة الجماعة من غير عذر شرعي فيحرق عليهم بيوتهم، وهذا وعيد شديد! وفي صحيح مسلم وسنن الترمذي وسنن أبي داود أنه جاء رجل أعمى إلى رسول الله يقول له: (ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فهل ترخص لي أن أصلي في بيتي؟ فرخص له المصطفى ﷺ ، فلما انصرف الرجل نادى عليه رسول الله وقال له: هل تسمع النداء؟ قال: نعم، قال المصطفى: فأجب) أي: أجب النداء إلى بيت الله، وفي لفظ أبي داود بسند حسن صحيح، قال له المصطفى ﷺ : (هل تسمع (حي على الصلاة)؟ قال: نعم، فقال المصطفى: فحيَّ هلاً) أي: لب نداء الله إلى بيت الله جل وعلا.
هل علمت أن الله لم يسقط صلاة الجماعة عن المقاتلين في ميدان القتال؟! بل أمر الله المصطفى أن يقسم الجيش إلى فريقين: فريق يحرس في أرض المعركة، ويصلي هو بالفريق الآخر الجماعة، فإذا أنهى الفريق الأول صلاة الجماعة يأتي الفريق الثاني الذي كان يتولى الحراسة ليصلي هو الآخر جماعة مع الحبيب المصطفى ﷺ ، فهل يوجب تعالى صلاة الجماعة على المقاتلين، ويسقطها عن الفارغين غير المنشغلين؟! فيا أيها الحبيب الكريم! احرص في رمضان كله بل وفي كل حياتك وأوقاتك على أن تؤدي الصلاة في جماعة في بيوت الله ، ولا يكن حالك كحال المنافقين الذين قال النبي ﷺ فيهم: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة الفجر وصلاة العشاء) والحديث في الصحيحين، فانظر إلى بيوت الله في صلاة الفجر تجد المساجد تبكي وتشكي حالها إلى الله جل وعلا، فأين الموحدون؟! وأين المخلصون في صلاة الفجر؟! ولكن كما قال ﷺ : (إن أثقل الصلاة على المنافقين: صلاة الفجر وصلاة العشاء) هذا كلام سيد المرسلين، فيا أيها الحبيب! قد يقضي الواحد منا ساعة أمام مباراة، وقد يقضي الواحد منا نصف ساعة أمام مسلسل أو أكثر، ولكنه إذا دخل الصلاة -وربما لا يقرأ الإمام بربع في الركعتين- ربما يستطيل الصلاة، وأنا أخشى على مثل هذا إن لم يكن عنده عذر، كما قال الشاعر: تأتي إلى الصلاة في فتور كأنك قد دعيت إلى البلاء وإن أديتها جاءت بنقص لما قد كان منك من شرك الرياء وإن تخلو عن الإشراك فيها تدبر للأمور بالارتقاء ويا ليت التدبر في مباح ولكن في المشقة والشقاء وإن كنت المصلي بين خلق أطلت ركوعها بالانحناء وتعجل خوف تأخير لشغل كأن الشغل أولى من لقاء وإن كنت المُجالس يوماً أنثى أضعت الوقت من غير اكتفاء أيا عبد لا يساوي الله معك أنثى تناجيها بحب أو صفاء
стр. 1395
رمضان شهر الإنفاق
رابعاً: أنفق في سبيل الله في هذا الشهر، ولا تبخل، ولا تخش الفقر ولا الفاقة، وأنفق يمنة ويسرة، ففي الصحيحين عن النبي ﷺ : (ما من يوم إلا وينزل ملكان إلى السماء، فيقول الأول: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً).
أيها المسلمون! يا من منَّ الله عليكم بالأموال اعلموا أن لكم إخواناً فقراء، ربما لا يتذوقون طعم اللحم في رمضان كله، فيا أيها المسلم! تدخر لمن؟! قال الحبيب ﷺ -والحديث في صحيح البخاري - لأصحابه: (أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟) أي: من منكم يحب المال الذي سيتركه للورثة أكثر من حبه لماله هو؟ فقالوا: يا رسول الله! كلنا ماله أحب إليه من مال وارثه، فقال الحبيب: (فإن مالك ما قدمت، ومال ورثتك ما أخرت).
وقد أمر المصطفى ﷺ عائشة أن تتصدق بالشاة المذبوحة، فقد روى الترمذي بسند حسن صحيح: أنه ﷺ عاد إليها وقال: (ما بقي من الشاة يا عائشة؟ فقالت: ما بقي منها شيء أبداً إلا الذراع هذا، تركته لك؛ لأني أعرف أنك تحب الذراع يا رسول الله! أو قالت: ما بقي منها شيء إلا كتفها، فقال الحبيب: بل بقيت كلها إلا كتفها) فما تصدقت به فهو الباقي، وما أكلت فهو الفاني.
وفي الحديث الذي في صحيح البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن الشخير ﵁ قال: قال الحبيب المصطفى ﷺ : (ما لك يا بن آدم! تقول: مالي مالي! وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟) أي: ليس لك إلا لقمة تؤكل، أو ثياب تبلى، أو صدقة تبقى.
فيا أيها الحبيب! لقد كان الحبيب المصطفى ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة في رمضان، وما منع النبي ﷺ سائلاً أبداً، بل لقد ورد في صحيح مسلم أن رجلاً جاء إلى المصطفى فسأله، فنظر النبي ﷺ إلى غنم بين جبلين، فقال: (انظر إلى هذه الغنم، سقها فهي لك! فساق الرجل الغنم كلها بين يديه، وذهب إلى قومه قائلاً: يا قوم! أسلموا، فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر).
فيا أيها المسلم! أنفق في رمضان، وهيا فكر من الآن، فإن منَّ الله عليك بالمال فلا تنس جارك الفقير، ولا تنس الفقراء والمساكين، فيا أهل الأموال! قدموا الطعام والصدقة، فإن المال ظل زائل، وعارية مسترجعة، ومالك أيها الحبيب! هو ما قدمت، ومال ورثتك هو ما أخرت، فورب الكعبة! لن ينفعك أحد على ظهر هذه الأرض، فيا أيها المسلم! ويا أيها الحبيب! أنفق لله في رمضان، ولا تخش الفقر ولا الفاقة، فإن الذي تكفل بالأرزاق هو الرزاق كما قال في كتابه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود:٦].
وسامحوني على تكرار هذا الحدث، فإنه يحلو لي أن أذكّر به في كل مرة أتطرق فيها للحديث عن قضية الرزق: هذا عبد من عباد الله الصالحين يقال له: حاتم الأصم -ووالله! ما أذكرها هنا إلا لأذكر بها؛ فإن الذكرى تنفع المؤمنين- أراد حاتم الأصم أن يحج بيت الله الحرام، فجمع هذا الرجل الصالح أبناءه وقال: إني ذاهب إلى حج بيت الله، فبكى الأبناء وقالوا: ومن يطعمنا؟! ومن يأتينا بما نريد؟! وكان لهذا الرجل فتاة تقية نقية، فقالت الفتاة لأبيها: يا أبت! اذهب، فإنك لست برازق، فانطلق الرجل، وبعد أيام قليلة نفد الطعام الذي كان في البيت، فقامت الأم لتعنف هذه الفتاة، وقام الأخوات ليعنفن هذه الفتاة، وخلت هذه الفتاة التقية بنفسها، ورفعت شكواها إلى من يسمع دبيب النملة السوداء تحت الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، إلى من -قال وقوله الحق- ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣] رفعت شكواها إلى الله، فاستجاب الله دعاءها، وفي الوقت نفسه كان أمير البلدة يمر ليتفقد أحوال الناس، وعند باب حاتم الأصم أحس بعطش شديد كاد أن يقتله، فقال جندي من الشرطة معه: أدركني بكوب من الماء، فأسرع الجندي إلى أقرب باب إلى باب بيت حاتم الأصم، فأحضر له أهل البيت كوباً نظيفاً، وماءً بارداً، من باب: (أنزلوا الناس منازلهم) وهذا أيها الشباب! ليس من المداهنة وليس من الرياء أو النفاق، فيجب علينا أن ننزل الناس منازلهم، وأن نقدر الناس قدرهم، وهذا من الدين ومن الإسلام، فلما شرب الأمير الماء، قال: بيت من هذا؟ قالوا: بيت حاتم الأصم، قال: هذا العبد الصالح؟! قالوا: نعم، قال: الحمد لله الذي سقانا من بيوت الصالحين، أين هو لنسلم عليه؟ قالوا: ذهب لحج بيت الله الحرام، فقال الأمير: إذاً: حق علينا أن نكافئ أهل بيته في غيبته -وكانت عملتهم من الذهب- فجاء بكيس مملوء بالذهب وألقاه في بيت حاتم الأصم، ولكن الرزاق أراد الزيادة، فأنطق الله الأمير، فالتفت الأمير إلى الجند الذين من حوله وقال: من أحبني فليصنع كصنيعي، فألقى كل جندي ما معه من الأموال، وامتلأ البيت بالذهب، ودخلت البنت التقية النقية تبكي، وراحت الأم تفرح وتسعد مع الأخوات، فدخلوا عليها وسألوها: لماذا هذا البكاء، وقد أصبحنا من أغنى الناس؟ فقالت لهم: لقد نظر إلينا مخلوق نظرة فاغتنينا، فكيف لو نظر الخالق إلينا؟! فلا تخش انعدام الرزق، فإن الذي تكفل بالأرزاق هو الرزاق ذو القوة المتين، كما قال سبحانه: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٢ - ٢٣].
وأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 1396
الحرص على الخير والإكثار منه لاسيما في شهر الخير
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الحبيب الكريم! أختم بهذه الكلمة -وتذكروها جيداً- فأقول: إننا اليوم قد أهلّ علينا شهر رمضان.
وبعد انتهائه سنقول جميعاً: قد انتهى رمضان، وهكذا رمضان في كل عام، فإنه يأتينا ثم يمضي من بين أيدينا سريعاً، فيربح الرابح، ويخسر الخاسر.
فيا أيها الحبيب الكريم انتبه! واحمد الله أن وجدت من يذكرك بهذه الحقيقة من الآن، واحفظ وقتك، فإني أتألم كثيراً حينما أسمع من أحبابي من يقول: ذهبنا إلى المكان الفلاني لنضيع الوقت! وقتك غالٍ أيها الموحد! وقتك يساوي جنة أو ناراً، فساعة في الطاعة تقربك من الجنة، وساعة في المعصية تقربك من النار، والعياذ بالله.
فيا أيها الحبيب الكريم! احفظ وقتك، واعلم أن العمر قصير وأن الأجل قريب، وأن الدنيا مهما طالت فهي قصيرة، ومهما عظمت فهي حقيرة، وأن الليل مهما طال لابد من طلوع الفجر، وأن العمر مهما طال لابد من دخول القبر.
لقي الفضيل بن عياض رجلاً فقال له الفضيل: كم عمرك؟ فقال الرجل: ستون سنة، فقال الفضيل: إذاً أنت منذ ستين سنة تقطع الطريق إلى الله، يوشك أن تصل، فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون! فقال الفضيل: يا أخي! هل عرفت معناها؟ قال: نعم، عرفت أني لله عبد، وأني إليه راجع، فقال الفضيل: يا أخي! فمن عرف أنه لله عبد، وأنه إليه راجع عرف أنه موقوف بين يديه، ومن عرف أنه موقوف عرف أنه مسئول، ومن عرف أنه مسئول فليعد للسؤال جواباً، فبكى الرجل، وقال: يا فضيل! وما الحيلة؟ قال الفضيل: يسيرة، قال: ما هي يرحمك الله؟ قال الفضيل: هي أن تتقي الله فيما بقي يغفر الله لك ما قد مضى وما قد بقي.
قال الشاعر: تذكر وقوفك يوم العرض عرياناً مستوحشاً قلق الأحشاء حيرانا والنار تزفر من غيظ ومن حنق على العصاة ورب العرش غضباناً اقرأ كتابك يا عبدي على مهل فهل ترى فيه حرفاً غير ما كانا فلما قرأت ولم تنكر قراءته وأقررت إقرار من عرف الأشياء عرفاناً نادى الجليل خذوه يا ملائكتي وامضوا بعبد عصى إلى النار عطشانا المشركون غداً في النار يلتهبوا والموحدون بدار الخلد سكانا قال : ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا * وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٧ - ٤٩].
فانتبه أيها المسلم! قال الشاعر: أيا من يدعي الفهم إلى كم يا أخا الوهم تعبي الذنب والذم وتخطي الخطأ الجم أما بان لك العيب أما أنذرك الشيب وما في نصحه ريب كأن سمعك قد صم أما نادى بك الموت أما أسمعك الصوت أما تخشى من الفوت فتحتاط وتهتم فكم تسير في السهو وتختال من الزهو وتنفض إلى اللهو كأن الموت ما عم كأني بك تنحط إلى اللحد وتنغط وقد أسلمك الرهط إلى أضيق من سم هناك الجسم ممدود ليستأكله الدود إلى أن ينخر العود ويمسي العظم قد رم فزود نفسك الخير ودع ما يعقب الضير وهيئ مركب السير وخف من لجة اليم بذا أوصيك يا صاح وقد بحتك من باح فطوبى لفتى راح بآداب محمد يأتم وصدق الله إذ يقول: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة:٢٦ - ٣٠] ويفتح سجلك أيها اللاهي! ويفتح سجلك أيها الغافل! وإذا به: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة:٣١ - ٣٢]، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فذكر نفسك أيها الحبيب! وأذكر نفسي وإياك بقول الشاعر: يا نفس قد أزف الرحيل وأظلك الخطب الجليل فتأهبي يا نفس! لا يلعب بك الأمل الطويل فلتنزلن بمنزل ينسى الخليل به الخليل وليركبن فيه عليك من الثرى ثقل ثقيل قرن الفناء بنا فما يبقى العزيز ولا الذليل أسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، في هذه اللحظات الكريمة المباركة، وفي هذه الأيام المشهودة الكريمة، ألا يدع لأحد منا ذنباً إلا غفره، اللهم لا تدع لأحد منا ذنباً إلا غفرته، اللهم لا تدع لأحد منا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا طائعاً إلا ثبته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا شقياً ولا محروماً.
اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى.
اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأعل بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم إنا نشهدك أن العالم الغربي والعالم الإسلامي قد تخلى عن إخواننا في البوسنة والهرسك، وتخلى عن إخواننا في الشيشان، وتخلى عن إخواننا في فلسطين، وتخلى عن إخواننا في طاجيكستان، وتخلى عن إخواننا في أفغانستان، وتخلى عن إخواننا في كشمير، فاللهم كن لهم ناصراً يوم انعدم الناصر، اللهم كن لإخواننا معيناً يوم انعدم المعين، اللهم لا تتخلى عنا وعنهم بذنوبنا يا أرحم الراحمين! اللهم إنا نشكو إليك أعراض أخواتنا التي انتُهكت، ونشكو إليك دماء إخواننا التي سُفكت، ونشكو إليك أرضنا التي نُهبت، اللهم لا تتخلى عنا بذنوبنا يا أرحم الراحمين! يا أرحم الراحمين! يا ودود يا ودود! يا ذا العرش المجيد! يا فعال لما يريد! يا من ملأ نوره أركان عرشه! يا غياث المستغيثين! ويا مجيب المضطرين! ويا مفرج كرب المكروبين! ويا كاشف هم المهمومين! فرج الكرب عن أمة حبيبك المصطفى يا رب العالمين! اللهم رد الأمة إليك رداً جميلاً، اللهم رد الأمة إليك رداً جميلاً، اللهم رد الأمة إليك رداً جميلاً، اللهم ارزق الأمة القائد الرباني الذي يقود الأمة بكتابك وسنة نبيك المصطفى.
اللهم اربط على قلوب المجاهدين في كل مكان، اللهم اربط على قلوب المجاهدين في كل مكان.
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا أن تجعل مصر واحة للأمن والأمان، اللهم اجعل مصرنا واحة للأمن والأمان، وسائر بلاد الإسلام، اللهم اجعل مصر سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، اللهم لا تحرم مصر من التوحيد، ولا تحرم مصر من الأطهار الأبرار برحمتك يا عزيز! يا غفار! أيها الأحبة الكرام! أكثروا من الصلاة والسلام على نبينا وحبيبنا محمد، فلقد أمرنا الله جل وعلا بذلك في محكم تنزيله فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة، ويُلقى به في جهنم، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 1397
السعادة الزوجية
هذه مجموعة وسائل شرعية تثمر علاقة زوجية سعيدة، ومحبة نفسية عالية بين الزوجين، ومنها ما هو واجب على الزوجين فعله، منها ما هو مستحب، وهذه -بمجموع تلك الوسائل- هو السحر الحلال الذي به أمر الزوجان، وبه يتم بناء علاقة زوجية إيمانية سعيدة مدى الحياة!!
стр. 1398
الحياة الزوجية مملكة إيمانية
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الفضلاء! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله جل وعلا الذي جمعني مع حضراتكم في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى، في جنة ودار مقامته؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله: الطريق إلى السعادة الزوجية، هذا هو موضوع محاضرتنا مع حضراتكم في هذه الليلة الطيبة، وكما تعودت حتى لا ينسحب بساط الوقت سريعاً من تحت أقدامنا، فسوف ينتظم حديثنا مع حضراتكم في هذا الموضوع المهم في العناصر التالية: أولاً: الحياة الزوجية مملكة إيمانية.
ثانياً: مفاتيح قلب الزوج.
ثالثاً: مفاتيح قلب الزوجة.
وأخيراً: هذا هو الطريق.
فأعيروني القلوب والأسماع، فإنني أعتقد اعتقاداً جازماً أنه لا يوجد الآن بيت من بيوت المسلمين على وجه الأرض إلا وهو في أمس الحاجة إلى هذا الموضوع، والله أسأل أن يجعلنا جميعاً ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٨].
أولاً: الحياة الزوجية مملكة إيمانية: فملكها وربانها، والمسير لدفة شئونها هو الزوج المسلم، لما جعل الله له من القوامة، كما في قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤]، والزوجة هي الأخرى ملكة متوجة في هذه المملكة، فهي شريكة الحياة، ورفيقة الدرب، وقرة العين، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:٢١]، والرعية في هذه المملكة الكريمة الإيمانية هم ثمرة الفؤاد، ولب الكبد، وزهرة الحياة الدنيا، قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف:٤٦].
أيها الأحبة! هذه المملكة الإيمانية لو ظلل سماءها منهج رب البرية، وسيد البشرية، وروي نباتها بماء المودة والرحمة الندية، آتت تلك المملكة ثمارها كل صبح وعشية، وأنبتت أرض هذه المملكة كل زهرات الحب والوفاء والأخلاق الندية العلية، ولو ظهر في يوم من الأيام في أرض هذه المملكة الإيمانية نبتة شيطانية فإنها سرعان ما تذبل أو تموت؛ لأن مثل هذه النباتات لا يمكن ألبتة أن تحيا وأن يدوم نباتها في هذه البيئة الزكية.
فورب الكعبة إن سر الضنك الذي تحياه الآن كثير من الأسر المسلمة، هو البعد عن منهج الله جل وعلا، والإعراض عن الغاية التي من أجلها أقيمت الأسرة المسلمة؛ لأننا وبكل أسف نبحث عن الغاية التي من أجلها خلق كل شيء لنا في الكون، ولا نفكر بل ننسى أو نتجاهل أن نبحث عن الغاية التي خلقنا نحن من أجلها، والتي قال الله في حقها: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨].
والله ما شعرت بيوتنا بالضنك إلا لإعراضها عن منهج الله ﷻ ، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٤].
стр. 1399
مفاتيح قلب الزوج
أيها المسلمون والمسلمات! إن السعادة الحقيقية في البيوت لا يمكن ألبتة أن تتحقق إلا في ظلال منهج الله، وفي رحاب هدي الحبيب رسول الله صلى الله عليه وآله ومن والاه، مع الفهم الدقيق، والوعي العميق للحقوق والواجبات من كلا الزوجين، ولن أتحدث الليلة عن الزواج كآية ربانية، وسنة نبوية، وفطرة إنسانية، وضرورة اجتماعية، وسكن للغريزة الجسدية، بل ولن أتحدث أيضاً عن الزواج وعن حقوقه الظاهرة المعروفة الجلية، فكل هذه الموضوعات قد غطاها إخواننا من الدعاة جزاهم الله خيراً، ولكنني أود الليلة أن أتطرق إلى بعض القضايا المهمة وبعض اللمسات الخفية التي هي في غاية الأهمية، بل إنني أؤكد لحضراتكم بأن هذه اللمسات، وتلك القضايا هي المقومات الحقيقية للسعادة الزوجية، وأستهل هذه المقومات بمخاطبة الزوجة المسلمة الزكية التقية: كيف تسعد زوجك؟ وكيف تتملك مفاتيح قلبه؟ وهذا هو عنصرنا الثاني بإيجاز وهو لب الموضوع.
стр. 1400
حسن الخلق
أولاً: حسن الخلق: فإن سفينة الحياة الزوجية التي تخوض بحر الحياة بهدوء واتزان وسط هذه الرياح الهوجاء والأمواج المتلاطمة، يقودها حتماً قائد مسلم تقي ألمعي ذكي، وتعينه على القيادة وتوجيه الدفة كلما انحرفت السفينة زوجة تقية زكية ألمعية نقية، بل إنني أؤكد للإخوة والأخوات أن النجاح والاستمرار، والسكن والاستقرار، وهدوء النفس وراحة البال، وراءه زوجة صالحة تقية زكية عرفت كيف تسعد زوجها، واستطاعت أن تمتلك مفاتيح قلبه، بل ونجحت في أن تحول البيت إلى جنة خضراء، يسعد الزوج حينما يأوي إلى ظلاله الوارفة، وتتبدد كل همومه وأحزانه وآلامه وهو في ظلال هذه الجنة، وإلى جواره زوجة طيبة تضمد جراحه، وتسكن آلامه بحسن خلقها، وعظيم ورفيع أدبها.
أيها الأحبة! إن حسن الخلق من أجمل الزينة التي تتحلى به المرأة لزوجها، وإن حسن الخلق هو أقصر طريق لتأسر فيه الزوجة قلب زوجها، فالمرأة التي تتخذ حسن الخلق والأدب الرفيع العالي منهجاً في التعامل والخطاب، والحوار بينها وبين زوجها امرأة صالحة ذكية ألمعية، استطاعت بحسن خلقها أن تأسر قلب الزوج بلا نزاع.
يا إخوة! ويا أخوات! إن المرأة لو كانت ذات نقص في الجمال أو في المال أو في الحسب أو النسب أو في العلم فإنها تستطيع أن تعوض كل ذلك بحسن الخلق والأدب الرفيع العالي، وإلا ما قيمة الجمال عند المرأة؟ وما قيمة المال؟ وما قيمة حسبها ونسبها؟! وما قيمة شهاداتها وعلمها إن كانت بذيئة اللسان سيئة الخلق، لا تحسن أن تتكلم مع زوجها بالكلمات الرنانة، أو بالكلمات الرقراقة الرقيقة الطيبة؟! إن الكلمة الطيبة، والخلق العالي، والأدب الرفيع هو البلسم الشافي -أيتها الزوجة المسلمة! - وهو الضمادة العظيمة الأكيدة التي تضمدين بها كل جرح ينبت أو يظهر من آن لآخر على جسد العلاقة الزوجية.
وفي الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي وابن حبان من حديث أبي الدرداء: أن النبي ﷺ قال: (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق).
وفي الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي وابن حبان وأحمد وغيرهم من حديث أبي هريرة ﵁: (أن النبي ﷺ سئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال ﵊: تقوى الله وحسن الخلق)، (وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار؟ فقال ﵊: الفم والفرج).
وفي الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود وابن حبان من حديث عائشة ﵂ قالت: (قال رسول الله ﷺ : إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم).
فأنا أؤكد لأخواتي المسلمات المتزوجات بأن أول مفتاح تفتح به الزوجة المسلمة قلب زوجها في كل لحظة وحين، إنما هو حسن الخلق والأدب الرفيع العالي! والكلمة الطيبة الرقيقة الرقراقة!
стр. 1401
الرضا بما قسم الله جل وعلا
ثانياً: الرضا بما قسم الله جل وعلا، فإن الرضا بما قسم الله كنز ثمين يجعل من بيت الزوجية جنة ولو كان فقيراً، ويجعل من بيت الزوجية سعة ورخاء ولو كان ضيقاً، فقد يكون الزوج المسلم من متوسطي الحال في المال في الجمال في الشهادات العلمية في الحسب والنسب والجاه إلى غير ذلك من حظوظ الدنيا، ولا يتمكن الزوج المسلم من أن يحقق لزوجته كل ما تصبو إليه نفسها، فإن رأى الزوج زوجته راضية بما قسم الله لها لا تتضجر ولا تتسخط على قدر الله، ولا تشكو زوجها لأهلها بل تستر عليه عيبه، وتعيش في أمن وأمان، ورضاً واطمئنان.
إن رأى الزوج زوجته على هذه الحال وعلى هذه الصفة يسعد قلبه، وينشرح صدره، ويعيش في غاية السعادة والطمأنينة مع هذه الزوجة الطيبة التقية التي ترضى بما قسم الله جل وعلا لها، وهذا والله يا أختاه! هو الغنى الحقيقي، ففي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (ليس الغنى عن كثرة العرض -أي عن كثرة المال- ولكن الغنى غنى النفس).
وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: (قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً، وقنّعه الله بما آتاه)، فالزوجة المسلمة الربانية هي التي ترضى بما قسم لها رب البرية، ولا تنظر إلى من فاقها من الأخوات في أمر الدنيا، بل تنظر إلى من فاقها من الأخوات في أمر الدين تنظر إلى أهل الطاعة تنظر إلى أهل السبق في الالتزام تنظر إلى أخواتها من أهل القرآن، تمتثل الزوجة المسلمة الربانية الراضية بما قسم لها رب البرية أمر سيد البشرية، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله جل وعلا).
فيا أختاه! لا تنظري إلى أختك التي من الله على زوجها بالثراء التي من الله عليها بسيارة فارهة، وبأثاث فاخر، وإنما انظري إلى أهل العاهات، انظري إلى أصحاب الأمراض والأعذار، انظري إلى الفقراء والمساكين والمشردين، والمطرودين والمحرومين! انظري إلى من أقعدهم المرض في الفراش، فاحمدي الله على التوحيد، واحمدي الله على الإسلام، واحمدي الله على العافية، احمدي الله أن من عليك بزوج صالح، واحمدي الله على أن من عليك بأولاد طيبين، وجعل الله لك بيتاً يأويك، وطعاماً يكفيك، ولباساً وثياباً تسترك، فاحمدي الله.
اعلمي أختي المسلمة أن المال إلى زوال، وأن متاع الدنيا إلى فناء: النفس تجزع أن تكون فقيرة والفقر خير من غنى يطغيها وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت فجميع ما في الأرض لا يكفيها هي القناعة فالزمها تكن ملكاً لو لم تكن لك إلا راحة البدن وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير الطيب والكفن إن نظرتك -أختي المسلمة- إلى أختك ممن من الله عليها بالدنيا سيملأ قلبك بالأحزان، وسيملأ بيتك بالمشكلات والأزمات، فاحمدي الله وارضي بما قسم الله لك، ولا تنظري إلى أهل الدنيا، واعلمي أن من أعظم مفاتيح الزوج أن ترضى الزوجة بما قسم الله لها، وألا تشتكي وتتسخط، وألا تنتقص من قدر زوجها فيحرم عليها ثم يحرم عليها ثم يحرم عليها أن تعير زوجها لفقره أو لنسبه، أو لقلة جاهه، أو لقلة علمه، أو لقلة شهاداته، يحرم عليها ذلك، بل إنها بذلك تتسخط على قدر الله، ولا ترضى بما قسم الله لها.
فلا ينبغي ألبتة لزوجة مسلمة تتقي الله جل وعلا أن تقول لزوجها من آن لآخر: إن فلانة تعيش في رخاء وتعيش في سعادة إن زوجها قد أتى لها بثلاجة كذا وبفيديو كذا وبذهب كذا وكذا وإنني أعيش فقيرة، ما أشقاني! ما أتعسني! أسأل الله أن يخرب بيوت من زوجوني عليك.
لقد كان يوماً تعيساً يوم أن دخلت بيتي، يوم أن نظرت إلى وجهك إلى آخر هذه الكلمات الخطيرة التي تتسخط فيها المرأة على قدر الله جل وعلا، ولا ترضى من خلالها عن قدر الله وقضائه .
واعلمي يقيناً -أيتها الزوجة المسلمة- أن هذه الكلمات تمزق أواصر المودة والرحمة بين الزوج وزوجه.
إذاً: من أعظم مفاتيح قلب الزوج: أن ترضى الزوجة بما قدر الله لها، وهو اللطيف الخبير، فإن الله قد قسم الأرزاق بين عباده بحكمته ورحمته، قال جل وعلا: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤].
стр. 1402
الوفاء
ثالثاً: الوفاء: وما أحلاها ورب الكعبة من كلمة! وما أرقها من خصلة! وما أسماها من صفة! إنها الوفاء!! فالوفاء خلق جميل، وكنز ثمين، فالأيام دول، فكم من غني أصبح فقيراً؟ وكم من عزيز أصبح ذليلاً؟ وكم من قوي أصبح ضعيفاً؟! فالزوج قد تنزل به المحن والمصائب، فتتحول صحته إلى مرض، ويتحول غناه إلى فقر، وتتحول قوته إلى ضعف، وهنا يظهر معدن الزوجة الصالحة الوفية التي تقف إلى جوار زوجها في كل ضيق ومصيبة، وتخفي عيوب الزوج وتستر ذنوبه، ولا تنسى أيام الغنى، وأيام القوة والصحة والسعة، وتردد دوماً قول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧]، وتنظر إلى زوجها نظرة رحمة وأدب، ونظرة حنان وتواضع، وهي تقول له: أبشر أيها الزوج الحبيب! أنا لا أنسى أنك فعلت كذا وكذا وقدمت لي كذا وكذا ثم تذكره بقول ربها: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠].
فوالله إن الزوجة الوفية تأسر بوفائها قلب زوجها، وتحول بوفائها الفقر في البيت إلى غنى، والمرض إلى صحة، بل والضيق إلى سعة، بل والأزمات والمشكلات إلى لحظات طيبة ندية.
ما أحلى الوفاء! وما أقبح الجحود! وما أقبح المرأة الجاحدة! التي تجحد فضل زوجها وكرمه!! جاء في الصحيحين من حديث زينب ﵂: أن النبي ﷺ قال: (إني رأيت النار، ورأيت أكثر أهلها النساء)، فلتحذر كل أخت مسلمة تستمع إليّ الآن أو تستمع إلي عبر شريط الكاسيت بعد هذه المحاضرة، فإنني لا أخاطب الإخوة والأخوات بين يدي، وإنما أخاطب المسلمين والمسلمات على وجه الأرض، وأسأل الله أن يجعل لهذا الشريط سبيلاً إلى كل بيت، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أقول: يقول النبي ﷺ : (إن رأيت النار ورأيت أكثر أهلها النساء، قالوا: لم يا رسول الله؟ قال: لكفرهن، قالوا: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ورأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط).
فهل تقبل الزوجة المسلمة التقية الصالحة لنفسها هذه الخصلة الذميمة، وهذا الخلق اللئيم الذي يودي بأصحابه إلى نار الجحيم والعياذ بالله؟! أختاه! إن من أعظم مفاتيح قلب الزوج، ومن أعظم وسائل السعادة التي تسعدين بها قلب زوجك: الوفاء، وأسأل الله أن يرزق نساءنا وزوجاتنا الوفاء، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 1403
الطاعة
رابعاً: طاعة الزوج المطلقة في غير إثم ولا معصية: من أعظم مفاتيح قلب الزوج: أن تطيع المرأة زوجها في كل شيء، إلا إن أمرها زوجها بمعصية لله، فحينئذ فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
إن أمرها زوجها بأن تظهر على إخوانه الذكور فترفض، وإن أمرها زوجها بأن تتبرج ترفض، وإن أمرها أن تتخفف في الثياب إن خرجت معه فتعصي الزوجة زوجها، وإن أمرها زوجها أن تضع قليلاً من (المكياج) وهي غير منتقبة إذا ما خرجت معه إلى الشارع فلا طاعة له، وهذه المعصية طاعة لله جل وعلا، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
أما إن أمرها الزوج بعد ذلك بأي أمر مادام هذا الأمر في غير معصية لله فيجب على الزوجة المسلمة وجوباً أن تمتثل أمر الزوج، وأن تقف عند الحدود التي حدها لها زوجها، من كتاب ربها وسنة نبيها ﷺ .
وأحذر الزوجة المسلمة من العصيان والجدال والمراء، وطول الحوار وكثرة الكلام، لاسيما إن كان زوجها مغضباً، ولاينبغي أن تستغل الزوجة لين الزوج أو دينه، بل يجب عليها -أي على الزوجة الصالحة الطيبة- أن تطيع زوجها، ففي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والطبراني والبزار من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحصنت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي من أي أبواب الجنة شئت).
ومن أعظم الحقوق على الزوجة لزوجها، والتي يجب على المرأة أن تطيعه فيه فوراً، وفي أي وقت يشاؤه: حق الفراش، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته؛ فبات غضبان عليها، باتت الملائكة تلعنها حتى تصبح).
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها زوجها).
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد -أي: حاضر- إلا بإذنه، ولا تأذن لأحد في بيت زوجها إلا بإذنه).
أختي المسلمة! اعلمي أيتها الفاضلة! بأن امتناع المرأة عن فراش زوجها إن دعاها إلى ذلك بغير عذر شرعي وبغير سبب صحي كبيرة من أعظم الكبائر، فلتتق الله الزوجة الصالحة.
ولتعلم الزوجة أن من طاعة الزوج أيضاً: أن ترضيه إذا غضب، فالزوجة المسلمة لا تنام وهي تعلم يقيناً أن زوجها غضبان، ولو كان الزوج غاضباً بسبب خطئها فلتبادر الزوجة المسلمة بالتأسف والندم بأسلوب طيب، فإن من النساء من إذا أغضبت زوجها وأرادت أن تعتذر زادت في غضبه؛ لأنها تعتذر إليه بكبر واستعلاء، وكأنها تمتن عليه بأسفها وندمها، فيتسيط الزوج غضباً بعد غضب، ويزداد قلبه ألماً بعد ألم، ويزداد جرحه جرحاً بعد جرح، فلتذهب المرأة فوراً لتتأسف بأسلوب مهذب يستشعر فيه الرجل ندمها وخلقها وأدبها.
ومن أدب الزوج -كما سأبين- أن يعجل هو الآخر بقبول الأسف والندم، ولا ينبغي أن يتسلط وأن ينتفخ وينتفش، وأن يتكبر كما سأبين الآن في مفاتيح قلب الزوجة إن شاء الله تعالى.
فمن طاعة الزوج أن ترضيه زوجته إن غضب، أما إن كان الغضب -أيتها الأخت- بسبب الزوج نفسه، ومع ذلك فهو غاضب عليك، فأنا أنصحك ألا تلحي في معرفة سبب الغضب، وألا تكثري الجدال، وألا تكثري المراء، بل اتركي الزوج في هذه اللحظات حتى تهدأ نفسه، ويستقر بدنه، وإن اقتربت منه بعد ذلك للحوار والنقاش، فإن النقاش والحوار سيكون جميلاً مهذباً، يعيد البسمة والمودة والرحمة إلى مجرى الحياة الزوجية من جديد، أما الذي أحذر منه أن يكون النقاش والحوار في وقت الانفعال والغضب.
أسأل الله أن يرزقنا الحلم، وأن يرزق نساءنا الحكمة؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 1404
الأنوثة والزينة
خامساً: الأنوثة والزينة: فبعد هذه الصفات الخلقية الجميلة أقول لأختي المسلمة: إن من أعظم مفاتيح قلب الزوج الأنوثة والزينة والتطيب، ففي صحيح مسلم من حديث ابن مسعود: (أن النبي ﷺ قال: إن الله جميل يحب الجمال).
ومما لا شك فيه أن مما يؤثر في قلب الزوج: أن يرى الزوج امرأته في كل لحظة جميلة طيبة نظيفة، لاسيما ونحن نعيش الآن زماناً كثرت فيه الفتن: فتن المتبرجات! فتن الكاسيات! فتن العاريات! إن الرجل الآن يخرج من بيته فتعصف فتن الشهوات بقلبه، وتزداد المصيبة إن عاد إلى بيته فوجد امرأة مهملة وليست نظيفة ولا متجملة ولا متطيبة، ووالله إن هذا لا يكلف الزوجة شيئاً، وإن أهملته كلفه إهمالها لهذا الكثير والكثير، وتزداد الكارثة إن رأى الزوج امرأته تتزين وتتطيب إذا أرادت أن تخرج من البيت، وفي لحظات مكثها في البيت لا يشم من ثيابها إلا رائحة الثوم والبصل، وأنا أحذر كل مسلمة من رائحة الفم، ورائحة العرق، ورائحة الثياب، ولا حرج في الحق إطلاقاً.
كم من بيوت خربت؟! وكم من علاقات أسرية تفككت؟! وكم من حب زال بسبب إهمال المرأة لجمالها وأنوثتها وزينتها وطيبها؟! وقد تقول المرأة: إنني أثق في حب زوجي لي، ولا أشك لحظة في أنه سيتركني يوماً، وهذا وهم، أيتها المسلمة! فقد يزول الحب، وتتلاشى المودة، وتنتهي الرحمة لمجرد أن ينفر الرجل من امرأته لرائحة فمها، أو لرائحة عرقها أو ثيابها، فيجب على الزوجة المسلمة أن تسعد زوجها بأنوثتها وطيبها وطهارتها، وأقول: إن العطر والطيب من ألطف وسائل المخاطرة بين الرجل وامرأته، فعلى المرأة دائماً أن تكون طيبة الريح نظيفة الثياب، جميلة تسريحة الشعر، وهذه هي المسلمة الزكية التقية النقية.
وأرجو أن تنتبه أختي المسلمة إلى أن الإسلام العظيم لا يصادم أنوثتها وزينتها وجمالها، بل أمرها بالتزين للزوج وحرم عليها أن تتزين بالزينة الحرام، كأن تتزين بالوصل أو بالنمص أو بالوشم أو بتفليج الأسنان للحسن، وحرم عليها أن تظهر زينتها أياً كانت لغير زوجها.
تدبري أيتها المسلمة قول النبي ﷺ كما في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵁: (لعن الله الواصلة) وهي التي تلبس الباروكة لتظهر شعرها بصورة مختلفة عن حقيقته.
(لعن الله الواصلة والمستوصلة) أي: التي تفعل ذلك ويفعل بها ذلك، (لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة، والنامصة والمتنمصة)، وفي رواية ابن مسعود في الصحيحين: (والنامصة والمتنمصة، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله).
فالإسلام الذي يأمر المرأة بالزينة للزوج يحرم عليها أن تتزين بزينة محرمة، ويحرم عليها أن تتزين لغير زوجها، ففي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وأبو داود من حديث أبي موسى الأشعري: (أن النبي ﷺ قال: أيما امرأة استعطرت -أي وضعت العطر والطيب والريح- فمرت على مجلس رجال ليرى الرجال من ريحها فهي كذا وكذا) أي: زانية والعياذ بالله! (والعين تزني وزناها النظر، والأنف تزني وزناها الشم، والأذن تزني وزناها السمع، واللسان يزني وزناه الكلام، واليد تزني والفرج يصدق ذلك أو يكذبه)، هذا كلام النبي ﷺ .
стр. 1405
إكرام أهل الزوج
سادساً: من أعظم مفاتيح قلب الزوج -أيتها الزوجة المسلمة الزكية العاقلة- إكرام أهل الزوج، وهذا من باب التعاون على البر والتقوى، ومن حسن العشرة وجميل المعاشرة، فالزوجة المسلمة لا ينبغي لها أبداً أن تكون فتنة لزوجها في حق أبيه، أو في حق أمه، أو في حق أهله، ولا ينبغي للزوجة المسلمة أن توقع العداوة والبغضاء بين الزوج وأمه، أو بين الزوج وأهله ورحمه، ولا ينبغي أن تضع المسلمة نفسها في تلك المقارنة الصعبة، أنا أو أمك، لا، أمي ثم أمي ثم أمي، فالزوجة العاقلة لا تضع نفسها أبداً في هذه المقارنة، في الوقت ذاته لا يجوز للزوج المسلم العاقل الذي يتقي الله أن يظلم زوجته من أجل بره بأمه، فهذا لا يجوز له أيضاً، بل يعطي أمه حقها، ويعطي زوجته حقها، ولا يخلط بين الحقين، فهذا ظلم يقع فيه كثير من الأزواج، يهين امرأته لصالح أمه، وهذا ظلم لا نقره، وتأباه شريعة الله العادلة.
إن الزوجة المسلمة الذكية الألمعية لا توقع زوجها في عقوق لوالديه ألبتة، كيف وقد قال المصطفى ﷺ كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: (رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف من أدرك أبويه أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة)، أنفك في التراب إن أدركت والديك أو أحدهما ولم تدخل الجنة ببرهم بتقبيل أرجلهما بطاعتهما ولو كانا على الشرك بصحبتهما بالمعروف: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥].
وفي الصحيحين من حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: (الرحم معلقة بالعرش تقول: وصل الله من وصلني، وقطع الله من قطعني)، (من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله).
فاعلمي -أيتها الأخت الفاضلة المسلمة- أن أعظم الناس حقاً على الزوج أمه، بل خذي حديث النبي ﷺ الذي رواه الحاكم والبزار بسند حسن، من حديث عائشة ﵂ قالت: قلت: (يا رسول الله! أي الناس أعظم حقاً على المرأة؟! قال: زوجها، قالت: وأي الناس أعظم حقاً على الرجل؟ قال: أمه).
فلتتحل الزوجة المسلمة بخلق الإيثار، ولتحذر الغيرة من الوالدين والأخوات لتنعم براحة البال، وسكينة النفس، ولتأخر حقها عن حقوق الآخرين، فيحبها الآخرون ويقدرونها، وتفوز بجنة الله جل وعلا في الآخرة.
следующие страницы →