← Джавами‘

Джавами‘ · id 7703

دروس للشيخ محمد حسان

محمد حسان

Полный текст (1 901 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

الرضا بما قسم الله جل وعلا ثانياً: الرضا بما قسم الله جل وعلا، فإن الرضا بما قسم الله كنز ثمين يجعل من بيت الزوجية جنة ولو كان فقيراً، ويجعل من بيت الزوجية سعة ورخاء ولو كان ضيقاً، فقد يكون الزوج المسلم من متوسطي الحال في المال في الجمال في الشهادات العلمية في الحسب والنسب والجاه إلى غير ذلك من حظوظ الدنيا، ولا يتمكن الزوج المسلم من أن يحقق لزوجته كل ما تصبو إليه نفسها، فإن رأى الزوج زوجته راضية بما قسم الله لها لا تتضجر ولا تتسخط على قدر الله، ولا تشكو زوجها لأهلها بل تستر عليه عيبه، وتعيش في أمن وأمان، ورضاً واطمئنان. إن رأى الزوج زوجته على هذه الحال وعلى هذه الصفة يسعد قلبه، وينشرح صدره، ويعيش في غاية السعادة والطمأنينة مع هذه الزوجة الطيبة التقية التي ترضى بما قسم الله جل وعلا لها، وهذا والله يا أختاه! هو الغنى الحقيقي، ففي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (ليس الغنى عن كثرة العرض -أي عن كثرة المال- ولكن الغنى غنى النفس). وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: (قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً، وقنّعه الله بما آتاه)، فالزوجة المسلمة الربانية هي التي ترضى بما قسم لها رب البرية، ولا تنظر إلى من فاقها من الأخوات في أمر الدنيا، بل تنظر إلى من فاقها من الأخوات في أمر الدين تنظر إلى أهل الطاعة تنظر إلى أهل السبق في الالتزام تنظر إلى أخواتها من أهل القرآن، تمتثل الزوجة المسلمة الربانية الراضية بما قسم لها رب البرية أمر سيد البشرية، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله جل وعلا). فيا أختاه! لا تنظري إلى أختك التي من الله على زوجها بالثراء التي من الله عليها بسيارة فارهة، وبأثاث فاخر، وإنما انظري إلى أهل العاهات، انظري إلى أصحاب الأمراض والأعذار، انظري إلى الفقراء والمساكين والمشردين، والمطرودين والمحرومين! انظري إلى من أقعدهم المرض في الفراش، فاحمدي الله على التوحيد، واحمدي الله على الإسلام، واحمدي الله على العافية، احمدي الله أن من عليك بزوج صالح، واحمدي الله على أن من عليك بأولاد طيبين، وجعل الله لك بيتاً يأويك، وطعاماً يكفيك، ولباساً وثياباً تسترك، فاحمدي الله. اعلمي أختي المسلمة أن المال إلى زوال، وأن متاع الدنيا إلى فناء: النفس تجزع أن تكون فقيرة والفقر خير من غنى يطغيها وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت فجميع ما في الأرض لا يكفيها هي القناعة فالزمها تكن ملكاً لو لم تكن لك إلا راحة البدن وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير الطيب والكفن إن نظرتك -أختي المسلمة- إلى أختك ممن من الله عليها بالدنيا سيملأ قلبك بالأحزان، وسيملأ بيتك بالمشكلات والأزمات، فاحمدي الله وارضي بما قسم الله لك، ولا تنظري إلى أهل الدنيا، واعلمي أن من أعظم مفاتيح الزوج أن ترضى الزوجة بما قسم الله لها، وألا تشتكي وتتسخط، وألا تنتقص من قدر زوجها فيحرم عليها ثم يحرم عليها ثم يحرم عليها أن تعير زوجها لفقره أو لنسبه، أو لقلة جاهه، أو لقلة علمه، أو لقلة شهاداته، يحرم عليها ذلك، بل إنها بذلك تتسخط على قدر الله، ولا ترضى بما قسم الله لها. فلا ينبغي ألبتة لزوجة مسلمة تتقي الله جل وعلا أن تقول لزوجها من آن لآخر: إن فلانة تعيش في رخاء وتعيش في سعادة إن زوجها قد أتى لها بثلاجة كذا وبفيديو كذا وبذهب كذا وكذا وإنني أعيش فقيرة، ما أشقاني! ما أتعسني! أسأل الله أن يخرب بيوت من زوجوني عليك. لقد كان يوماً تعيساً يوم أن دخلت بيتي، يوم أن نظرت إلى وجهك إلى آخر هذه الكلمات الخطيرة التي تتسخط فيها المرأة على قدر الله جل وعلا، ولا ترضى من خلالها عن قدر الله وقضائه . واعلمي يقيناً -أيتها الزوجة المسلمة- أن هذه الكلمات تمزق أواصر المودة والرحمة بين الزوج وزوجه. إذاً: من أعظم مفاتيح قلب الزوج: أن ترضى الزوجة بما قدر الله لها، وهو اللطيف الخبير، فإن الله قد قسم الأرزاق بين عباده بحكمته ورحمته، قال جل وعلا: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤].

стр. 1402

الوفاء ثالثاً: الوفاء: وما أحلاها ورب الكعبة من كلمة! وما أرقها من خصلة! وما أسماها من صفة! إنها الوفاء!! فالوفاء خلق جميل، وكنز ثمين، فالأيام دول، فكم من غني أصبح فقيراً؟ وكم من عزيز أصبح ذليلاً؟ وكم من قوي أصبح ضعيفاً؟! فالزوج قد تنزل به المحن والمصائب، فتتحول صحته إلى مرض، ويتحول غناه إلى فقر، وتتحول قوته إلى ضعف، وهنا يظهر معدن الزوجة الصالحة الوفية التي تقف إلى جوار زوجها في كل ضيق ومصيبة، وتخفي عيوب الزوج وتستر ذنوبه، ولا تنسى أيام الغنى، وأيام القوة والصحة والسعة، وتردد دوماً قول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧]، وتنظر إلى زوجها نظرة رحمة وأدب، ونظرة حنان وتواضع، وهي تقول له: أبشر أيها الزوج الحبيب! أنا لا أنسى أنك فعلت كذا وكذا وقدمت لي كذا وكذا ثم تذكره بقول ربها: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠]. فوالله إن الزوجة الوفية تأسر بوفائها قلب زوجها، وتحول بوفائها الفقر في البيت إلى غنى، والمرض إلى صحة، بل والضيق إلى سعة، بل والأزمات والمشكلات إلى لحظات طيبة ندية. ما أحلى الوفاء! وما أقبح الجحود! وما أقبح المرأة الجاحدة! التي تجحد فضل زوجها وكرمه!! جاء في الصحيحين من حديث زينب ﵂: أن النبي ﷺ قال: (إني رأيت النار، ورأيت أكثر أهلها النساء)، فلتحذر كل أخت مسلمة تستمع إليّ الآن أو تستمع إلي عبر شريط الكاسيت بعد هذه المحاضرة، فإنني لا أخاطب الإخوة والأخوات بين يدي، وإنما أخاطب المسلمين والمسلمات على وجه الأرض، وأسأل الله أن يجعل لهذا الشريط سبيلاً إلى كل بيت، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أقول: يقول النبي ﷺ : (إن رأيت النار ورأيت أكثر أهلها النساء، قالوا: لم يا رسول الله؟ قال: لكفرهن، قالوا: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ورأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط). فهل تقبل الزوجة المسلمة التقية الصالحة لنفسها هذه الخصلة الذميمة، وهذا الخلق اللئيم الذي يودي بأصحابه إلى نار الجحيم والعياذ بالله؟! أختاه! إن من أعظم مفاتيح قلب الزوج، ومن أعظم وسائل السعادة التي تسعدين بها قلب زوجك: الوفاء، وأسأل الله أن يرزق نساءنا وزوجاتنا الوفاء، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 1403

الطاعة رابعاً: طاعة الزوج المطلقة في غير إثم ولا معصية: من أعظم مفاتيح قلب الزوج: أن تطيع المرأة زوجها في كل شيء، إلا إن أمرها زوجها بمعصية لله، فحينئذ فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. إن أمرها زوجها بأن تظهر على إخوانه الذكور فترفض، وإن أمرها زوجها بأن تتبرج ترفض، وإن أمرها أن تتخفف في الثياب إن خرجت معه فتعصي الزوجة زوجها، وإن أمرها زوجها أن تضع قليلاً من (المكياج) وهي غير منتقبة إذا ما خرجت معه إلى الشارع فلا طاعة له، وهذه المعصية طاعة لله جل وعلا، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. أما إن أمرها الزوج بعد ذلك بأي أمر مادام هذا الأمر في غير معصية لله فيجب على الزوجة المسلمة وجوباً أن تمتثل أمر الزوج، وأن تقف عند الحدود التي حدها لها زوجها، من كتاب ربها وسنة نبيها ﷺ . وأحذر الزوجة المسلمة من العصيان والجدال والمراء، وطول الحوار وكثرة الكلام، لاسيما إن كان زوجها مغضباً، ولاينبغي أن تستغل الزوجة لين الزوج أو دينه، بل يجب عليها -أي على الزوجة الصالحة الطيبة- أن تطيع زوجها، ففي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والطبراني والبزار من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحصنت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي من أي أبواب الجنة شئت). ومن أعظم الحقوق على الزوجة لزوجها، والتي يجب على المرأة أن تطيعه فيه فوراً، وفي أي وقت يشاؤه: حق الفراش، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته؛ فبات غضبان عليها، باتت الملائكة تلعنها حتى تصبح). وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها زوجها). وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد -أي: حاضر- إلا بإذنه، ولا تأذن لأحد في بيت زوجها إلا بإذنه). أختي المسلمة! اعلمي أيتها الفاضلة! بأن امتناع المرأة عن فراش زوجها إن دعاها إلى ذلك بغير عذر شرعي وبغير سبب صحي كبيرة من أعظم الكبائر، فلتتق الله الزوجة الصالحة. ولتعلم الزوجة أن من طاعة الزوج أيضاً: أن ترضيه إذا غضب، فالزوجة المسلمة لا تنام وهي تعلم يقيناً أن زوجها غضبان، ولو كان الزوج غاضباً بسبب خطئها فلتبادر الزوجة المسلمة بالتأسف والندم بأسلوب طيب، فإن من النساء من إذا أغضبت زوجها وأرادت أن تعتذر زادت في غضبه؛ لأنها تعتذر إليه بكبر واستعلاء، وكأنها تمتن عليه بأسفها وندمها، فيتسيط الزوج غضباً بعد غضب، ويزداد قلبه ألماً بعد ألم، ويزداد جرحه جرحاً بعد جرح، فلتذهب المرأة فوراً لتتأسف بأسلوب مهذب يستشعر فيه الرجل ندمها وخلقها وأدبها. ومن أدب الزوج -كما سأبين- أن يعجل هو الآخر بقبول الأسف والندم، ولا ينبغي أن يتسلط وأن ينتفخ وينتفش، وأن يتكبر كما سأبين الآن في مفاتيح قلب الزوجة إن شاء الله تعالى. فمن طاعة الزوج أن ترضيه زوجته إن غضب، أما إن كان الغضب -أيتها الأخت- بسبب الزوج نفسه، ومع ذلك فهو غاضب عليك، فأنا أنصحك ألا تلحي في معرفة سبب الغضب، وألا تكثري الجدال، وألا تكثري المراء، بل اتركي الزوج في هذه اللحظات حتى تهدأ نفسه، ويستقر بدنه، وإن اقتربت منه بعد ذلك للحوار والنقاش، فإن النقاش والحوار سيكون جميلاً مهذباً، يعيد البسمة والمودة والرحمة إلى مجرى الحياة الزوجية من جديد، أما الذي أحذر منه أن يكون النقاش والحوار في وقت الانفعال والغضب. أسأل الله أن يرزقنا الحلم، وأن يرزق نساءنا الحكمة؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 1404

الأنوثة والزينة خامساً: الأنوثة والزينة: فبعد هذه الصفات الخلقية الجميلة أقول لأختي المسلمة: إن من أعظم مفاتيح قلب الزوج الأنوثة والزينة والتطيب، ففي صحيح مسلم من حديث ابن مسعود: (أن النبي ﷺ قال: إن الله جميل يحب الجمال). ومما لا شك فيه أن مما يؤثر في قلب الزوج: أن يرى الزوج امرأته في كل لحظة جميلة طيبة نظيفة، لاسيما ونحن نعيش الآن زماناً كثرت فيه الفتن: فتن المتبرجات! فتن الكاسيات! فتن العاريات! إن الرجل الآن يخرج من بيته فتعصف فتن الشهوات بقلبه، وتزداد المصيبة إن عاد إلى بيته فوجد امرأة مهملة وليست نظيفة ولا متجملة ولا متطيبة، ووالله إن هذا لا يكلف الزوجة شيئاً، وإن أهملته كلفه إهمالها لهذا الكثير والكثير، وتزداد الكارثة إن رأى الزوج امرأته تتزين وتتطيب إذا أرادت أن تخرج من البيت، وفي لحظات مكثها في البيت لا يشم من ثيابها إلا رائحة الثوم والبصل، وأنا أحذر كل مسلمة من رائحة الفم، ورائحة العرق، ورائحة الثياب، ولا حرج في الحق إطلاقاً. كم من بيوت خربت؟! وكم من علاقات أسرية تفككت؟! وكم من حب زال بسبب إهمال المرأة لجمالها وأنوثتها وزينتها وطيبها؟! وقد تقول المرأة: إنني أثق في حب زوجي لي، ولا أشك لحظة في أنه سيتركني يوماً، وهذا وهم، أيتها المسلمة! فقد يزول الحب، وتتلاشى المودة، وتنتهي الرحمة لمجرد أن ينفر الرجل من امرأته لرائحة فمها، أو لرائحة عرقها أو ثيابها، فيجب على الزوجة المسلمة أن تسعد زوجها بأنوثتها وطيبها وطهارتها، وأقول: إن العطر والطيب من ألطف وسائل المخاطرة بين الرجل وامرأته، فعلى المرأة دائماً أن تكون طيبة الريح نظيفة الثياب، جميلة تسريحة الشعر، وهذه هي المسلمة الزكية التقية النقية. وأرجو أن تنتبه أختي المسلمة إلى أن الإسلام العظيم لا يصادم أنوثتها وزينتها وجمالها، بل أمرها بالتزين للزوج وحرم عليها أن تتزين بالزينة الحرام، كأن تتزين بالوصل أو بالنمص أو بالوشم أو بتفليج الأسنان للحسن، وحرم عليها أن تظهر زينتها أياً كانت لغير زوجها. تدبري أيتها المسلمة قول النبي ﷺ كما في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵁: (لعن الله الواصلة) وهي التي تلبس الباروكة لتظهر شعرها بصورة مختلفة عن حقيقته. (لعن الله الواصلة والمستوصلة) أي: التي تفعل ذلك ويفعل بها ذلك، (لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة، والنامصة والمتنمصة)، وفي رواية ابن مسعود في الصحيحين: (والنامصة والمتنمصة، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله). فالإسلام الذي يأمر المرأة بالزينة للزوج يحرم عليها أن تتزين بزينة محرمة، ويحرم عليها أن تتزين لغير زوجها، ففي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وأبو داود من حديث أبي موسى الأشعري: (أن النبي ﷺ قال: أيما امرأة استعطرت -أي وضعت العطر والطيب والريح- فمرت على مجلس رجال ليرى الرجال من ريحها فهي كذا وكذا) أي: زانية والعياذ بالله! (والعين تزني وزناها النظر، والأنف تزني وزناها الشم، والأذن تزني وزناها السمع، واللسان يزني وزناه الكلام، واليد تزني والفرج يصدق ذلك أو يكذبه)، هذا كلام النبي ﷺ .

стр. 1405

إكرام أهل الزوج سادساً: من أعظم مفاتيح قلب الزوج -أيتها الزوجة المسلمة الزكية العاقلة- إكرام أهل الزوج، وهذا من باب التعاون على البر والتقوى، ومن حسن العشرة وجميل المعاشرة، فالزوجة المسلمة لا ينبغي لها أبداً أن تكون فتنة لزوجها في حق أبيه، أو في حق أمه، أو في حق أهله، ولا ينبغي للزوجة المسلمة أن توقع العداوة والبغضاء بين الزوج وأمه، أو بين الزوج وأهله ورحمه، ولا ينبغي أن تضع المسلمة نفسها في تلك المقارنة الصعبة، أنا أو أمك، لا، أمي ثم أمي ثم أمي، فالزوجة العاقلة لا تضع نفسها أبداً في هذه المقارنة، في الوقت ذاته لا يجوز للزوج المسلم العاقل الذي يتقي الله أن يظلم زوجته من أجل بره بأمه، فهذا لا يجوز له أيضاً، بل يعطي أمه حقها، ويعطي زوجته حقها، ولا يخلط بين الحقين، فهذا ظلم يقع فيه كثير من الأزواج، يهين امرأته لصالح أمه، وهذا ظلم لا نقره، وتأباه شريعة الله العادلة. إن الزوجة المسلمة الذكية الألمعية لا توقع زوجها في عقوق لوالديه ألبتة، كيف وقد قال المصطفى ﷺ كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: (رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف من أدرك أبويه أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة)، أنفك في التراب إن أدركت والديك أو أحدهما ولم تدخل الجنة ببرهم بتقبيل أرجلهما بطاعتهما ولو كانا على الشرك بصحبتهما بالمعروف: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥]. وفي الصحيحين من حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: (الرحم معلقة بالعرش تقول: وصل الله من وصلني، وقطع الله من قطعني)، (من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله). فاعلمي -أيتها الأخت الفاضلة المسلمة- أن أعظم الناس حقاً على الزوج أمه، بل خذي حديث النبي ﷺ الذي رواه الحاكم والبزار بسند حسن، من حديث عائشة ﵂ قالت: قلت: (يا رسول الله! أي الناس أعظم حقاً على المرأة؟! قال: زوجها، قالت: وأي الناس أعظم حقاً على الرجل؟ قال: أمه). فلتتحل الزوجة المسلمة بخلق الإيثار، ولتحذر الغيرة من الوالدين والأخوات لتنعم براحة البال، وسكينة النفس، ولتأخر حقها عن حقوق الآخرين، فيحبها الآخرون ويقدرونها، وتفوز بجنة الله جل وعلا في الآخرة.

стр. 1406

الاهتمام بنظافة وجمال البيت سابعاً: من أعظم مفاتيح قلب الزوج: الاهتمام بنظافة وجمال البيت، فالمنزل مملكة الحياة الزوجية، وأميرة المنزل هي الزوجة، ووالله ليست العبرة بكثرة الحجرات، ولا بضخامة البيت، فقد يكون البيت واسعاً، وقد يحتوي البيت على أثاث ثمين وفرش وثيرة، ولكن إن أهملت المرأة نظافة البيت هجر الزوج هذا البيت، وشعر بأن أنفاسه تختنق إن دخله؛ لأن الرائحة الكريهة تنبعث من هنا وهناك، ولأن الثياب والفراش والأثاث غير منظم، فتتوتر أعصابه، وتهيج نفسه. أختي! قد يسعد زوج مع زوجة نظيفة زكية في بيت لا يزيد عن حجرتين، يرى الزوج النظام، بل ويرى الرائحة الزكية العطرة ولو عن طريق البخور العادي البسيط التي تنبعث رائحته في كل وقت وآن من أرجاء هاتين الحجرتين، فيسعد الزوج، ويشعر بالأنس والسعادة، فليست العبرة بسعة البيوت، ولا بضخامتها، فكم من بيوت متسعة متسخة تؤلم القلب! وينفر منها صاحب النفس الزكية! وكم من بيوت ضيقة والله تدخلها فينشرح صدرك، وتعلم يقيناً أن في هذا البيت امرأة مسلمة نظيفة، لا أقول لك من مجرد أن تلقي النظرة على الفراش والأثاث، بل من مجرد كوب الماء الذي يقدم إليك في البيت، تشعر بنظافة المرأة، وجمالها ورقتها ورجاحة عقلها. إذاً: يجب على المرأة أن تهتم بنظافة وجمال بيتها، فإن هذا من أعظم مفاتيح قلب الزوج، ومن الأسباب التي تجعل الزوج يحن دائماً إلى أن يجلس في البيت أطول فترة. وهل هجر الأزواج البيوت إلا من أجل هذه الأسباب! فمن أسوأ ما ينغص على الزوج راحته في بيته أن يرى البيت غير نظيف، وأن تنبعث من بيته الروائح الكريهة، والله جل وعلا جميل يحب الجمال، وأنا أظن أن أختي المسلمة جميلة هي الأخرى تحب الجمال، وتحب الطهر والنظافة، كيف لا ودينها دين الجمال، ودين الطهر والنظافة؟! كيف لا وربها يحب الجمال؟! كيف لا ونبيها الجميل يحب كل جمال؟!

стр. 1407

الاهتمام بتربية الأولاد ثامناً: الاهتمام بتربية الأولاد: فإن مما يؤلم القلب أن المرأة الآن قد انشغلت بالأسواق، أو بالوظيفة مع عدم حاجتها للوظيفة، فقد من الله عليها بزوج أنعم الله عليه وأكرمها، وهي ليست بحاجة إلى الخروج، ولكنها تتألم غاية الألم إن لم تخرج من البيت، كيف تحبس بين هذه الجدران الأربعة؟! كيف لا تعيش فقط إلا لزوجها وأولادها؟! نفخ أهل الباطل في رأسها وفي عقلها، وتأثرت، وأصيب قلبها بهذه السهام القاتلة، فخرجت المرأة من بيتها ومن مملكتها الإيمانية، وهجرت أشرف وأغلى وأعظم وظيفة، ألا وهي وظيفة التربية، هجرت تربية الأبناء، وتركت الأبناء إلى التلفاز، والشوارع وإلى الطرقات، وأصحاب السوء، والمجلات الخليعة الماجنة، فراح الأولاد يبحثون عن قوتهم التربوي من هذه المصادر العفنة الخبيثة، فشعر الأبناء في البيت باليتم التربوي. ليس اليتيم من انتهى أبواه من هم الحياة وخلّفاه ذليلاً إن اليتيم من تلقى له أماً تخلت أو أباً مشغولاً وفي الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (والمرأة راعية في بيت زوجها، ومسئولة عن رعيتها)، وقال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]، فيجب على الزوجة المسلمة أن تعلم أن البيت قلعة حصينة، ولبنة عظيمة في هذا المجتمع المسلم، فيجب عليها أن تخّرج من هذه القلعة لدين ربها الأبطال والعلماء والقادة والفاتحين. كيف تخرج المسلمة هذا الجيل الرباني إن هجرت بيتها، وراحت لتضرب بأرجلها وأقدامها في الأسواق، تلهث وراء أحدث الموضات وأرقى الموديلات وأرقى الملابس لتهجر بيتها ولتهجر تربية أبنائها؟! أختي المسلمة! إن من أعظم مفاتيح قلب الزوج: أن يرى امرأته مهتمة بتحفيظ أولاده القرآن، وبتعليم بناته فضائل الإسلام، فتأمر الزوجة ابنتها بالخمار وبالحجاب، وتعلمها القرآن، وتصطحبها إلى بيت الله جل وعلا، وتصطحب الأولاد إلى بيت الله إن كان الزوج مشغولاً فتعلم الزوجة أبناءه دين الله، وسنة رسول الله ﷺ .

стр. 1408

وصية أمامة بنت الحارث لابنتها أيها الأحباب! أختم مفاتيح قلب الزوج بهذه الوصية الجامعة التي قدمتها أم عاقلة، إنها أمامة بنت الحارث التي خلت بابنتها أم إياس بنت عوف الشيباني في ليلة زفافها لزوجها، وقدمت لها تلك الوصية الغالية، فقالت الأم العاقلة لابنتها: أي بنية! إن الوصية لو تركت لفضل أدب لتركت ذلك لك، ولكنها معونة للعاقل، وتنبيه للغافل. أي بنية! لو أن امرأة استغنت عن زوجها لغنى أبويها وشدة حاجتهما إليها، لكنت أغنى الناس عن زوجك، ولكن النساء للرجال خلقن، ولهن خلق الرجال. أي بنية! لقد فارقت العش الذي فيه درجت، والبيت الذي منه خرجت، إلى مكان لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فكوني له أمة يكن لك عبداً، واحفظي له خصالاً عشراً تكن لك ذخراً. أما الأولى والثانية: فالخضوع له بالقناعة، وحسن السمع له والطاعة. وأما الثالثة والرابعة: فالتفقد لمواطن عينه وأنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح. وأما الخامسة والسادسة: فالتفقد لوقت منامه وطعامه، فإن حرارة الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة. وأما السابعة والثامنة: فالإرعاء لماله وعياله، وملاك الأمر في المال حسن التدبير، وفي العيال حسن التقدير. وأما التاسعة والعاشرة: فلا تعصي له أمراً، ولا تفشي له سراً، فإنك إن عصيت أمره أوغرت صدره، وإن أفشيت سره لم تأمني غدره، وإياك والكآبة بين يديه إن كان فرحاً! ثم إياك والفرح بين يديه إن كان مكتئباً!

стр. 1409

مفاتيح قلب الزوجة وبعد هذه الجولة الطويلة التي تسعد الرجال يقيناً، وتسعد الأزواج بصفة خاصة، يبقى السؤال كيف يسعد الرجل زوجته؟! وأنا أعلم أن أخواتي الآن ينتظرن هذا السؤال بلهف وشوق، فإن كثيراً من الزوجات يشتكين، وهذا هو عنصرنا الثالث من عناصر المحاضرة: مفاتيح قلب الزوجة:

стр. 1410

حسن الخلق والعشرة أولاً: حسن الخلق وإحسان العشرة، وإلا فبالله عليكم ما قيمة علم الرجل؟ وما قيمة ماله؟! وما قيمة جماله وما قيمة حسبه ونسبه إن كان سيء الخلق، بذيء اللسان، كثير السب واللعن والطعن، مملوءاً بالكبر، منتفخاً بالغرور، تستشف منه زوجته الكلمة الطيبة، وتتسول منه البسمة الحانية، في الوقت الذي ترى فيه الزوجة المسكينة زوجها نفسه يداعب إخوانه وأخواته، يلاطفهم ويداعبهم ويمازحهم، وهي لا تسمع إلا السب والشتم واللعن والطعن؟! ظلم بشع! وهذا والله زوج ظالم ظالم لنفسه، وظالم لأقرب الناس إليه، وعاص لربه ونبيه. قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩]، وقال تعالى: ﴿فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:٢٢٩]، وفي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم من حديث جابر بن عبد الله، وفيه أن النبي ﷺ قال: (اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله). وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (استوصوا بالنساء خيراً، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيراً). وفي الحديث الذي رواه أحمد وابن حبان وهو حديث صحيح من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خيارهم لنسائهم). فالزوج المسلم الصالح التقي النقي، ولو كان فقيراً أو مريضاً أو ضعيفاً يستطيع أن يفتح قلب زوجته بأدبه بحسن خلقه بكلامه الطيب الرقيق العذب. من الذي يعجز منا جميعاً -أيها الأزواج- أن يلقي السلام على زوجته كلما دخل عليها البيت امتثالاً لأمر ربه، وأمر نبيه ﷺ ؟ قال تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور:٦١]؟ وفي الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي وغيره من حديث أنس أن النبي ﷺ قال له: (يا بني! إذا دخلت على أهلك فسلم يكن -أي: يكن السلام- بركة عليك، وعلى أهل بيتك). من ذا الذي يعجز من الأزواج أن يمتثل أمر الله وأمر نبيه هذا؟! إذا ما دخل الزوج على امرأته بعد كل صلاة، وبعد كل دخول للبيت ولو كانت مدة خروجه دقيقة واحدة، يمتثل هدي النبي ﷺ ، وأدب السنة، فيلقي السلام على أهل بيته ليكن السلام بركة عليه وعلى أهل بيته. ومن ذا الذي يعجز من الأزواج أن يقبل على زوجته بوجه طليق؛ ليشعر أهله بالأنس والقرب، ففي صحيح مسلم من حديث أبي ذر أن النبي ﷺ قال: (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق) أي: بوجه مبتسم بوجه تشع منه الفرحة، ويشعر المقابل لهذا الوجه بالسرور والألفة، وأولى الناس بطلاقة الوجه من الزوج هي امرأته وشريكة حياته ورفيقة عمره، أما أن يظل الزوج بعيداً عن البيت طليق الوجه لطيفاً شديد المزاح، كثير المداعبة، فإذا ما دخل البيت لا يدخل إلا بوجه عابس، وبجبين يشعر فيه كل من رآه بالغضب والضيق والنفور، فهذا زوج عاصٍ لله ورسوله ﷺ . ومن ذا الذي يعجز من الأزواج أن يخاطب زوجته بكلمة طيبة رقيقة حانية لا لعن فيها ولا طعن ولا سب؟! إن مما يؤلم القلب أن يسب الرجل أهل امرأته، أو أن يسب الرجل أباها وأمها، أو أن يسب أهلها، أو أن يسب اليوم الذي دخل فيه بيتها، وهذه معصية لله ورسوله، ففي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (الكلمة الطيبة صدقة)، وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة)، وأولى الناس بالكلمة الطيبة منك -أيها الزوج المسلم- هي امرأتك، فهي شريكة حياتك ورفيقة دربك. من ذا الذي يعجز من الأزواج أن يبتعد عن الألفاظ الجارحة والكلمات النابية التي يحقر بها الزوج زوجته ويسئ إليها؟! فلا ينادي عليها إلا بأقبح الأسماء، ولا يصفها إلا بأقبح الصفات. لتعلم أخي الكريم! أن النبي ﷺ كان ينادي على عائشة ﵂ بأحب الأسماء، بل ويدللها، فلقد ثبت في صحيح البخاري أنه كان ينادي عليها بقوله: (يا عائش!)، لا يقول: يا عائشة! بل يقول: يا عائش، بل ويقول لها: (والله إني لأعلم متى تكونين عني راضية، ومتى تكونين علي ساخطة، قالت: كيف ذلك يا رسول الله؟! قال: إن كنت عني راضية قلت: ورب محمد، وإن كنت غير راضية قلت: ورب إبراهيم، فقالت عائشة -الألمعية-: والله لا أهجر إلا اسمك يا رسول الله! أما أنت ففي القلب وفي الكيان كله). هذه أخلاق النبي ﷺ : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١]. إخوتاه! أسألكم بالله أن تتدبروا معي هذه الكلمات لتعرفوا الفرق الواضح بين زوجين، بين زوج يقول: إن النساء شياطين خلقن لنا نعوذ بالله من شر الشياطين وبين زوج يقول: إن النساء رياحين خلقن لنا وكلنا يشتهي شم الرياحين شتان شتان بين زوج عبوس غاضب سباب لعان فاحش بذيء، يرى الزوجة بين يديه شيطانة، فيقول: إن النساء شياطين خلقن لنا نعوذ بالله من شر الشياطين وبين زوج مسلم تقي نقي يتقي الله في امرأته وأقرب الناس إليه، ويرى المرأة ريحانة أسيرة عنده كما قال المصطفى، فيقول: إن النساء رياحين خلقن لنا وكلنا يشتهي شم الرياحين فاحذر -أخي الزوج- من ظلم المرأة، فورب الكعبة إن ظلمتها فإن الذي سينتصر لها هو الله، ولو استطعت أن تخدع المرأة بعلاقاتك، وأن تظلمها باتصالاتك بالقوانين الوضعية الجائرة الفاجرة، فاعلم بأن الذي سيقتص منك للمرأة الضعيفة هو الله جل وعلا، فإن النبي ﷺ قد حرج على حق الضعيفين، على حق اليتيم، وعلى حق المرأة، فإن المرأة أسيرة عندك، وإن المرأة ضعيفة، فالله الله في حق الضعيفين: اليتيم والمرأة! فامتثل وصية نبيك المصطفى ﷺ ، فوالله مهما أغدقت على زوجتك من الأموال، فإن سوء الخلق وبذاءة الألفاظ والكلمات الجارحة النابية ستفسد المودة، وستقطع أواصر المحبة بينك وبين امرأتك، ولو أغدقت عليها من الأموال ما أغدقت.

стр. 1411

المعاونة على طاعة الله والنصح والتعليم ثانياً: من أعظم مفاتيح قلب الزوجة: العون على طاعة الله والنصح والتعليم: ذكرت أن سر الضنك في البيوت هو ابتعاد البيوت عن طاعة الله، وعن منهج رسول الله ﷺ ، والغفلة عن الغاية التي من أجلها أقيمت البيوت ابتداءً، بل وعن الغاية التي من أجلها خلقت البشرية كلها ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، والزوج المسلم الصالح التقي هو الذي يعين زوجته على طاعة الرب العلي هو الذي يحثها على الصدقة ولو من ماله وهو الذي يذكّرها بقراءة القرآن وهو الذي يسألها دوماً عن الصلوات وهو الذي يسألها دوماً عن قراءة الكتب الشرعية عن سماع الأشرطة العلمية للمشايخ والدعاة هو الذي يتابعها ويقوّم عوجها بالأسلوب اللطيف الحسن والكلمة الحانية. إن الزوج الصالح المسلم لا ينظر إلى البيت على أنه مكان للطعام والشراب، والتناكح والتكاثر فحسب، فليست هذه هي الغاية من إقامة البيوت في الإسلام، فإن الغاية من إقامة البيوت أن نبذر في حقل الإسلام وأرضه بذرة صالحة للعبودية والتوحيد، فالزوج المسلم هو الذي يعين زوجته على طاعة الله، وهو الذي يبين لها أن البيت ليس مكاناً للطعام والشراب والذهب والزينة والفسحة والأولاد فحسب، لا، بل إن البيت مكان للطاعة، فيحث الزوج زوجته على قيام الليل، وما أحلى وأرق وأجمل قول النبي ﵌ كما في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود وابن ماجة وغيرهما، يقول المصطفى ﷺ : (رحم الله رجلاً قام من الليل، فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء). فالزوج يفتح قلب امرأته بأن يكون عوناً لها على الطاعة، وأنا أحذرك -أيها الزوج- من أن يكون بيتك دوماً وكراً للمعاصي والشيطان، فأنا أعلم يقيناً ما أقول. أعلم أن كثيراً من بيوت المسلمين الآن لا تعرف للإيمان طعماً، ولا لليقين حلاوة، ولا للصلاة سبيلاً، ولا للقرآن طريقاً. أعلم أن كثيراً من بيوت المسلمين الآن -ورب الكعبة- لا يصلي فيها رجل أو امرأة، ولا شاب ولا فتاة، بل تسمع في هذه البيوت في الليل والنهار مزمار الشيطان. لا ترى في هذا البيت قرآناً ولا قياماً، ولا ذكراً ولا تسبيحاً ولا صلاة، فما الذي ينتظر من نبات ينبت في أرض هذه البيئة؟! هل ينبت الورد؟! هل ينبت الفل؟! هل ينبت الياسمين؟! لا والله، بل لن ينبت في هذه الأرض إلا الشوك، فمحال أن تزرع زرعاً وأن تجني ثمرة، بل إن زرعت شوكاً لا بد أن تجني شوكاً، فيخرج الولد منحلاً، وستخرج الفتاة متبرجة عارية، ومحال بعد فترة أن يسيطر الوالدان على هؤلاء الأولاد. فلذلك أخي: ازرع من أول لحظة في هذا البيت الطاعة والعبودية لله جل وعلا، لتستطيع بعد ذلك أن تسيطر على هذا البيت بأمر الله وأمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله ومن والاه. فالبيت ليس مكاناً للطعام والشراب والزينة فحسب، بل هو مكان للطاعة مكان للعبادة، فلا ينبغي أن يكون البيت المسلم مقبرة لا يصلى فيه، ولا يذكر أهل البيت فيه ربهم جل وعلا، ولا يقيمون فيه الليل، بل لا ينبغي أن يكون البيت المسلم في كل لحظات الليل والنهار لا تسمع فيه إلا غناء الشيطان، لا تسمع فيه صوت القرآن، فهذا بيت كالمقبرة، أهله أموات وإن تحركوا بين الأحياء. والله إن بيتاً يقوم أهله الليل لله، ويقرأ أهله القرآن لله، ويقيم أهله الصلاة لله، ويمتثل فيه الزوج أمر الله، ويأمر امرأته بطاعة الله وبطاعة رسول الله، والله إنه لبيت قريب من الله، حبيب إلى الله، حبيب إلى رسول الله، تتمنى أية زوجة مسلمة أن تقر وتعيش فيه، وأن تسعد به، وإن بيتاً لا يعرف الله لا يستحق أن تعيش فيه امرأة تعرف الله جل وعلا.

стр. 1412

الإنفاق وعدم البخل ثالثاً: الإنفاق وعدم البخل: فمن أعظم مفاتيح قلب الزوجة: أن يكون الرجل سخياً كريماً، من غير سرف ولا تبذير، فالسخاء بلا تبذير، والإنفاق بلا تقتير من أعظم مفاتيح قلب الزوجة، فالزوجة تبغض بكل قلبها وكيانها زوجها البخيل، لاسيما إن كان ممن أنعم الله عليه بالمال، فإنها تبغضه ولا تحبه أبداً. ومن رحمة الله جل وعلا أن نفقة الزوج على زوجته واجبة عليه، ولكنه إن صحح النية كان له بها أجر من الله، وهي له صدقة، فلينفق الزوج على امرأته إن كان ميسوراً على أحسن حال، قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤]، وقال تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧]. واسمع إلى قول النبي ﵊ كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁، يقول المصطفى: (دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار أنفقته على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك -انظر إلى هذه الأقسام الأربعة- أعظمها أجراً عند الله الذي أنفقته على أهلك)، سبحان الله! بل وفي الحديث الذي روى البخاري ومسلم من حديث أبي مسعود البدري، أن النبي ﷺ قال: (إذا أنفق الرجل على أهله نفقة يحتسبها فهي له صدقة). وفي الحديث الذي رواه أحمد والحاكم وأبو داود من حديث عبد الله بن عمر وهو حديث صحيح: أن النبي ﷺ قال: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت)، فمن أعظم مفاتيح قلب الزوجة أن يكون الرجل سخياً كريماً، من غير إسراف ولا تبذير، فإن: ﴿الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء:٢٧] وهذا بنص قرآن رب العالمين.

стр. 1413

حق الفراش رابعاً: حق الفراش، وهذا من أوجب واجبات الزوج، كما ذهب إلى ذلك جمهور أهل العلم، قال الإمام ابن حزم طيب الله ثراه وغفر له: فرض على الرجل أن يجامع امرأته، وأقل ذلك أن يجامعها في كل طهر مرة، ومن أهل العلم من قال: بأن أقل ذلك أن يجامع الرجل زوجته في كل أربعة أيام مرة، ومنهم من قال: في كل أربعة أشهر مرة، ومنهم من قال: في كل ستة أشهر مرة، والذي أود أن أؤكد عليه الآن، وأبينه لأخواتي وإخواني، أن لقاء الرجل بامرأته ما هو إلا خلوة في لحظات كريمة طيبة في الحلال، يستمتع فيها كل زوج بالآخر؛ للإحصان والعفاف، فإن تم اللقاء في ظلال الهدي النبوي بآداب الحبيب المصطفى كان اللقاء من أعظم أسباب المودة والمحبة، وتدعيم أواصر العلاقة بين الرجل وامرأته، وشتان شتان بين رجل مسلم ذكي ألمعي أوصل امرأته إلى أن تنتظر منه هذه اللحظات، التي يذوب فيها كل زوج في الآخر، ويسكن فيها كل زوج للآخر، ويصبح فيها كل زوج لباساً للآخر. فرق بين زوج أوصل امرأته إلى أن تنتظر منه هذه اللحظات، وإلى أن تنتظر منه هذا اللقاء، وبين رجل أوصل امرأته إلى أن تنفر من هذه اللحظات، وأن تكره هذا اللقاء؛ لأنها تشعر أنها تقبل على جولة من جولات المصارعة الحرة، تستجير الله جل وعلا ألا تختنق في هذه الجولة أنفاسها، وألا تحطم فيها عظامها. فلنتأدب بأدب النبي ﷺ ، ولنتخلق بأخلاق النبي ﷺ ، فلا تعجب أخي الكريم! فإن النبي ﷺ قد بين لنا آداب الفراش واللقاء، بأبي هو وأمي، فورب الكعبة ما ترك خيراً إلا ودلنا عليه، وما ترك شراً إلا وحذرنا منه، فإن تم اللقاء في ظلال الهدي النبوي والخلق النبوي الرفيع العالي كان اللقاء سبباً رئيساً من أسباب المحبة والمودة، والسعادة التي تظلل سماء البيت بين الزوجين. أسأل الله أن يرزقنا وإياكم الحكمة والرحمة.

стр. 1414

التطيب والتجمل خامساً: التطيب والتجمل: قد يظن بعض الأزواج أن الزينة والتطيب والتجمل واجب على الزوجة فقط، أما هو فلا يعنيه ذلك، وهذا وهم، بل ومعصية لرسول الله ﷺ ، وكم من بيوت فسدت ودمرت بسبب إهمال الرجل لرائحته لرائحة فمه لرائحة عرقه لرائحة ثيابه! وكم من شكاوى ورسائل من النساء بخصوص هذا! فما الذي يكلف الرجل إن أراد أن يقبل على امرأته أن يطيب فمه بالسواك أو بالفرشاة، وأن يضع قليلاً من العطر والطيب، فإن العطر من ألطف وسائل المخاطرة بين الرجل والمرأة، وهذا هدي صحابة النبي رضوان الله عليهم وصلى الله على أستاذهم ومعلمهم، فلقد كان الصحابة يحبون أن يتزينوا لزوجاتهم، كما يحب أحدهم أن تتزين له زوجته وامرأته. كما روى ابن أبي حاتم وابن جرير بسند صحيح عن ابن عباس ﵄: (إني لأحب أن أتزين لامرأتي، كما أحب أن تتزين لي امرأتي)، ومهما كان الزوج قوياً فإن المرأة بلا نزاع تنفر نفوراً شديداً من رائحته الكريهة، وعرقه وعدم نظافته وتطيبه. فمن مفاتيح قلب الزوجة أن يكون الزوج دائماً نظيفاً طيباً جميلاً، فإن الطيب كما ذكرت من ألطف وسائل المخاطرة وكان النبي ﷺ لا يرد الطيب، ويكثر من وضع الطيب، كما في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والنسائي من حديث أنس أنه ﷺ قال: (حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة).

стр. 1415

الأمانة وحفظ الأسرار سادساً: الأمانة وحفظ الأسرار: فمن مفاتيح قلب الزوجة -أيها الأزواج- أن يكون الزوج أميناً، حافظاً لأسرار امرأته، لاسيما ما يجري بينهما في الفراش، فهناك صنف من الأزواج يتباهى بإفشاء أسرار زوجته، وهذا مما لا شك فيه أنه يفسد العلاقة الزوجية بين الزوجين، ففي صحيح مسلم وسنن أبي داود واللفظ لـ أبي داود من حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: (إن من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه امرأته، ثم يكشف سرها، ثم ينشر أحدهما سر صاحبه). وقد يحدث بين الزوج وامرأته مشاكل، وفي لحظات الغضب قد تنفلت من المرأة بعض الكلمات، وقد تنفلت من الرجل بعض الكلمات، فالزوج الأمين العاقل هو الذي لا يفشي السر، والزوجة العاقلة هي التي لا تهتك السر، ولا تخرج هذا الخلاف خارج حدود الدار، فإن خرج الخلاف خارج حدود الدار ولو لأهل الزوجة لأبيها أو لأمها فإن المشكلة قد يصعب بعد ذلك حلها، لكن مهما كانت ضخامة المشكلة ما دامت محصورة في حدود الدار وفي حدود البيت بين الرجل وامرأته، فإن لحظة عتاب حانية وديعة يزول ويذوب هذا الجليد بين الزوجين، وأما إن خرجت خارج البيت، وتدخلت أم الزوجة أو أم الزوج أو والد الزوجة أو والد الزوج تفاقمت المشكلة، وقد يصعب الحل، ونسأل الله أن يرزقنا الحكمة، إنه ولي ذلك والقادر عليه. ومن أجمل وأرق ما قرأت في حياتي: أن رجلاً من السلف أغضبته امرأته، وفشل المصلحون من الوسطاء العقلاء في الصلح بينهما، وقد أحل الله الطلاق، فصمم الزوج على أن يطلق امرأته، فلما سمع المصلحون ذلك قالوا له: ما الذي يريبك منها؟! أي: ما هي الأسباب التي جعلتك تتخذ هذا القرار في طلاقها؟ اسمع ماذا قال هذا الرجل العاقل. لما طلقت المرأة ذهب إليه أصحابه في بيته وقالوا له: ما الذي كان يريبك منها؟! لماذا طلقتها؟! فقال الرجل المسلم التقي: (ما لي ولامرأة غيري، لم تعد زوجة لي) أي: فكلامي الآن في حقها غيبة. أين هذه الأخلاق السامية الرقراقة الراقية؟! أين من يتقي الله في امرأته؟! لا أقول حتى بعد طلاقها، بل وهي معه في بيته. فاعلم أخي: أن الأمانة وحفظ الأسرار من أعظم مفاتيح قلب الزوجة.

стр. 1416

إكرام أهل الزوجة سابعاً: إكرام أهلها: فالزوج المسلم الكريم يكرم زوجته بإكرامه لأهلها، فكما تحب من زوجتك أن تكرم أهلك فواجب عليك أن تكرم زوجتك بإكرامك لأهلها، ففي الصحيحين من حديث أنس أن النبي ﷺ قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه). بل وستعجب إذا علمت أن النبي ﷺ كان يكرم أهل نسائه بل وأصدقاء نسائه، ففي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: (ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ مثلما غرت من خديجة -مع أنها لم ترها- تقول: من كثرة ما كان النبي ﷺ يذكرها، حتى كان النبي ﷺ يذبح الشاة ويقطعها ثم يقول: أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة) يكرم النبي ﷺ أهل نسائه وصديقات نسائه بعد الموت! فكيف بإكرامه لهن في حياتهن رضوان الله عليهن؟! إذاً: من مفاتيح قلب الزوجة -أيها الزوج- أن تكرم أهلها، وأن تحسن إلى والديها، وألا تسب أباها وأمها وألا تسب أهلها، فليس هذا من أخلاق الإسلام ولا من أخلاق النبي ﵊.

стр. 1417

الغيرة المحمودة ثامناً: الغيرة المحمودة: فمن صفات الزوج كامل الرجولة أن يغار على زوجته، وقد أثنى الإسلام على الرجل المسلم الغيور، ففي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إن الله يغار)، لا تعطل صفة الغيرة عند الله، ولا تكيف ولا تمثل، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، (إن الله يغار، وإن المؤمن يغار، وإن من غيرة الله أن حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن). وفي صحيح البخاري أيضاً: أن سعد بن عبادة ﵁ قال: والله لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح، فتعجب الناس من كلام سعد، ووصل الخبر إلى النبي ﷺ فقال ﵊: (أتعجبون من غيرة سعد؟! والله لأنا أغير من سعد، والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرم الله الفواحش ما ظهر منها وما بطن)، ولكن هذه الغيرة لها ضوابط وحدود، فهي تنقسم إلى قسمين: غيرة محمودة، وغيرة مذمومة. وفي الحديث الذي رواه أحمد والنسائي بسند حسن: عن جابر بن عنبرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (إن من الغيرة ما يحبه الله، ومنها ما يبغضه الله، فأما الغيرة التي يحبها الله فالغيرة في الريبة، وأما الغيرة التي يبغضها الله فالغيرة في غير ريبة). فليضع الزوج المسلم هذا المقياس النبوي بين يديه، حتى لا يقع في إفراط أو تفريط، وهذا المقياس الدقيق بلا إفراط أو تفريط من أعظم مفاتيح قلب الزوجة.

стр. 1418

الحلم والعفو تاسعاً: الحلم والعفو: فمحال أن تعيش البيوت من غير مشاكل على طول الخط، فلقد وقعت المشاكل في بيوت النبي المصطفى، بل من أعجب ما قرأت: ما ثبت في صحيح البخاري أنه حدث بين النبي ﷺ وبين عائشة كلام، فغضبت عائشة فقال لها المصطفى ﷺ : (هل تقبلين أبا بكر حكماً بيننا؟! قالت: نعم، فجاء أبو بكر ﵁، فلما جلس الصديق قال النبي لـ عائشة: تتكلمي أم أتكلم أنا؟ فقالت عائشة: تكلم ولا تقل إلا حقاً؛ فانتفض الصديق ﵁ لهذه الكلمة، ولطم عائشة على وجهها لطمة أدمت فمها -نزف الدم من فمها- فقامت عائشة تجري وتختبئ خلف رسول الله، فقال النبي ﷺ : ما لهذا دعوناك وما بهذا أمرناك يا أبا بكر!). هذا بيت من بيوت النبي ﷺ . فيا من يعيش في أحلام وخيال ويعتقد أن الحياة الزوجية لا يمكن أن تتعكر أبداً، ولا يمكن أن تنتابها من آن لآخر رياح سموم، هذا زوج يعيش في الأوهام والأحلام، لكن إن اعتقدنا أن البيت ربما يعكر من آن لآخر بمشكلة خارجية أو مشكلة داخلية، فالذي يجب على الزوج في هذه الحالة أن يكون حليماً عفواً، فإن أخطأت الزوجة في حقه، وجاءت لتعتذر ولتندم على ما بدر منها فيجب عليه أن يعفو عن امرأته فوراً، ولا ينبغي أن يستكبر وأن يستعلي، وأن ينتفش وينتفخ، وأن يتمرد ولا يترك الزوجة تتودد إليه وهو مكابر عنيد. وأحياناً -كما أقرأ في الرسائل والمكالمات- تقول المرأة لزوجها: أنا مستعدة أن أقبل قدمك، وهو يستعلي وينتفخ وينتفش، وكلما سمع كلمات الندم والأسف انتفخ، وظن أنه كالبالونة ينبغي أن يطير في الهواء، ولاينبغي أن يساكن هذه المرأة الضعيفة في هذا البيت، وهذا ظلم وكبر! وهذا زوج مملوء بالكبر وهو لا يدري، (فالكبر بطر الحق، وغمط الناس)، أي: ازدراء الناس، وأقرب الناس إليك هي امرأتك، فإن وقعت المشكلة وجاءت المرأة لتتأسف ولتندم، فيجب على الزوج وجوباً أن يكون حليماً عفواً، فإن الكمال لله وحده، وإن العصمة لنبيه ﷺ . وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال لـ أشج عبد القيس: (إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة)، وفي صحيح مسلم أنه ﷺ قال: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع الرفق من شيء إلا شانه)، وما أحلى وأجمل قول الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤].

стр. 1419

المشاركة في تحمل مسئولية تربية الأبناء وأختم مفاتيح قلب الزوجة: بوجوب تحمل الزوج مسئوليته في تربية الأبناء: فإن وظيفة الزوج لا تتمثل في أن يكون الزوج ممثلاً لوزارة المالية فحسب، وأن يعتقد أن وظيفته أن يقدم الأموال والطعام والشراب، وأن يهمل تربية الأبناء والبنات، وألا يسأل عن أولاده، ولا عن بناته بحجة أنه مشغول إلى شيشته أو إلى رأسه في العمل، فهذا لا يجوز، فإن هذا تملص من مسئولية كبيرة سيسأل عنها بين يدي الله جل وعلا، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]، وكما في الصحيحين من حديث ابن عمر: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته -ثم قال: والرجل راعٍ في أهل بيته ومسئول عن رعيته). وأنا أقول: إن جلوس الرجل في بيته بين أولاده، ولو كان صامتاً لا يتكلم فيه من عمق التربية ما فيه، فكيف لو تكلم، فذكّر بالله، وذكّر برسول الله؟! إن عجز الزوج عن أن ينصح وأن يربي الأولاد لأنه لم يتعلم، ولم يقف على الدليل من كتاب الله وسنة رسوله، فمرحباً بالزوج مع امرأته وأولاده في الأحضان التربوية الطاهرة في بيوت الله، ليجلس الزوج مع امرأته وأولاده بين يدي أهل العلم المتحققين بالعلم الشرعي، ليسمع الزوج وامرأته قال الله قال رسوله ﷺ . وأخيراً: هذا هو الطريق، فلا سعادة للبيوت إلا إذا عادت من جديد إلى منهج الله، وإلى هدي رسول الله. وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وجزاكم الله خيراً.

стр. 1420

رمضان موسم الطاعات [١] لقد فضل الله بعض الأماكن على بعض، وبعض المخلوقات على بعض، وبعض الأزمنة على بعض، ومن تلك الأزمنة التي فضلها الله شهر رمضان؛ فهو أفضل شهور السنة، وفيه ليلة هي خير من ألف شهر، إذاً موسم عظيم للطاعات والقربات، فيجب على كل مسلم أن يستغله في طاعة الله، وألا يكون من المحرومين.

стр. 1421

من فضائل شهر رمضان بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة؛ فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا المكان الطيب في هذا اليوم الطيب الكريم المبارك على طاعته أن يجمعنا جميعاً مع سيد النبيين في جنته ودار كرامته؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله: رمضان موسم الطاعات، هذا هو عنوان لقائنا في هذا اليوم الكريم الميمون المبارك، في يوم الجمعة الذي وافق أول أيام هذا الشهر الكريم، الذي هو ضيف يحل علينا بأنفاسه الخاشعة الزكية، ويقبل علينا ومعه الخير كله، ولم لا وهو شهر الرحمات؟! ولم لا وهو شهر البركات؟! ولم لا وهو شهر تكفير الذنوب والسيئات؟! ولم لا وهو شهر الصيام والقرآن؟! ولم لا وهو شهر الجود والإحسان؟! ولم لا وهو شهر العتق من النيران؟! أسأل الله أن يعتقنا من النار، وأن يجعلنا من الفائزين في هذا الشهر الكريم؛ إنه على كل شيء قدير. أيها الأحبة الكرام! سوف أركز الحديث في العناصر التالية: أولاً: رمضان شهر الخير والبركة. ثانياً: رمضان شهر القرآن. ثالثاً: رمضان شهر القيام. رابعاً: رمضان شهر الإنفاق والإحسان. وأخيراً: رمضان شهر التوبة. فأعرني قلبك وسمعك أيها الحبيب! والله أسأل أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن نكون من الذين قال الله فيهم: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٨].

стр. 1422

البركات والخيرات في شهر رمضان أولاً: رمضان شهر الخير والبركة، كما في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والبيهقي والنسائي من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﵌ كان إذا أقبل شهر رمضان يقول: (أتاكم شهر رمضان؛ شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، وفيه ليلة هي خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم). وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة)، وفي رواية مسلم: (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الرحمة)، وفي رواية الترمذي: (إذا كان أول ليلة من رمضان غلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي منادٍ يا باغي الخير أقبل! ويا باغي الشر أقصر! ولله في كل ليلة من رمضان عتقاء من النار، وذلك حتى ينقضي رمضان) اللهم اجعلنا من عتقائك من النار في هذا الشهر الكريم يا عزيز يا غفار! وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة -أي: وقاية- فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم، والذي نفس محمد بيده! لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه) اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم! وفرحنا يوم لقائك يا أرحم الراحمين! فالصائم يفرح بأن يسر الله له الصيام فصام، ويفرح بأن أعانه الله على الصيام فصام، وإذا لقي ربه جل وعلا فيفرح الفرحة الكبرى التي لا شقاء ولا حزن بعدها أبداً، فيتمتع بالنظر إلى وجه ربه الكريم، ومن يسر الله له ذلك فقد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً، نسأل الله أن ينضر وجوهنا بالنظر إلى وجهه الكريم؛ إنه على كل شيء قدير. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) إيماناً بالله جل وعلا واحتساباً للفضل والأجر من عند الله ، فأبشر أيها الموحد! أبشر أيها الصائم لله في رمضان! ومما زادني فخراً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن أرسلت أحمد لي نبياً فيا من جاذبتك أشواك المعاصي قبل رمضان! ويا من زلت قدمك في بحر الذنوب قبل رمضان! ها هو شهر الطهر قد جاء، وها هو شهر الرحمة قد أهل عليك، وها هو شهر المغفرة قد أقبل عليك، فهيا ضع جبينك وأنفك في التراب ذلاً لمولاك، واطرح قلبك بانكسار بين يدي العزيز الغفار، وقل له: يا رب! يا رب! يا رب ضيعت فيما مضى، واعترف له بذنبك وقل: أنا العبد الذي كسب الذنوبا وصدته الأماني أن يتوبا أنا العبد الذي أضحى حزيناً على زلاته فزعاً كئيبا أنا العبد المسيء عصيت سراً فما لي الآن لا أبدي النحيبا أنا العبد المفرط ضاع عمري فلم أرع الشبيبة والمشيبا أنا العبد السقيم من الخطايا وقد أقبلت ألتمس الطبيبا ويا خجلاه من قبح اكتسابي إذا ما أبدت الصحف العيوبا ويا حزناه من حشري ونشري بيوم يجعل الولدان شيبا ويا خوفاه من نار تلظى إذا زفرت وأفزعت القلوبا ألا فاقلع وتب واجهد فإنا رأينا كل مجتهد مصيبا وكن للصالحين أخاً وخلاً وكن في هذه الدنيا غريبا أنا العبد الفقير ظلمت نفسي وقد وافيت بابكم منيبا أنا المقطوع فارحمني وصلني ويسر منك لي فرجاً قريبا أنا المضطر أرجو منك عفواً ومن يرجو رضاك فلن يخيبا قال ﷺ : (من صام رمضان إيماناً -بالله- واحتساباً -للأجر من الله جل وعلا- غُفر له ما تقدم من ذنبه) الله أكبر! يا له من فضل! ووالله لا يُرحم منه إلا الهالك الخاسر، ففي الحديث الذي رواه أصحاب السنن أنه ﷺ قال: (رغم أنف عبد أدرك رمضان ثم انسلخ رمضان ولم يغفر له) فمن الآن اصدق الله ، وعاهده على ألا ينسلخ رمضان من بين يديك إلا وقد غفر الله لك، وألا يخرج إلا وأنت حريص مقيم على طاعة الله، وعلى كل عمل يرضي الله جل وعلا في رمضان، وإياك! أن تنشط للعبادة في النصف الأول فإذا أقبل عليك النصف الثاني من رمضان تكاسلت وانشغلت بالمباريات والمسلسلات والأفلام! فأحذر نفسي وإياك أخي الحبيب! وأحذر نفسي وإياك يا أختاه! ألا نضيع العمر أمام المسلسلات، وأمام الفوازير والأفلام، فقد ضيعنا الأيام قبل ذلك، فوالله! ثم والله! لا نضمن أن نصوم رمضان القادم؛ فانظر إلى آبائك وأحبابك وإخوانك الذين كانوا معك في رمضان الماضي أين هم؟! لقد تركوا الأهل تركوا الأحباب تركوا الدنيا، وهم الآن بين يدي الله، ويتمنى الكثير منهم أن يرجع يوماً إلى الدنيا ليصوم لله، أو ليصلي ركعة لله، أو ليفتح كتاب الله، أو ليتصدق على فقير، أو ليزور مسكيناً، أو ليصل رحمه، قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ * حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٧ - ١٠٠]. نام هارون الرشيد على فراش الموت فبكى، وقال لمن حوله من أصدقائه وأقربائه ووزرائه: أريد أن أرى قبري الذي سأدفن فيه، فحملوا هارون إلى القبر فنظر إليه وبكى، ورفع رأسه إلى السماء وقال: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨ - ٢٩]، ثم رفع رأسه إلى السماء ثانية وقال: يا من لا يزول ملكه! ارحم من قد زال ملكه. أيها الأحباب! لا أريد أن أطيل مع كل فقرة من هذه الفقرات؛ لأعرج على بقية العناصر، إن شاء الله جل وعلا.

стр. 1423

فضل قراءة القرآن في شهر رمضان ثانياً: رمضان شهر القرآن. قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥]. أيها الأحبة! كان سلفنا الصالح ﵃ إذا دخل عليهم رمضان فرغوا جل وقتهم لقراءة القرآن، حتى قال الزهري: (إذا دخل رمضان فإنما هو لقراءة القرآن، ولإطعام الطعام). وكان إمام دار الهجرة مالك بن أنس إذا دخل شهر رمضان فرغ جل وقته لقراءة القرآن، وترك قراءة الحديث النبوي الشريف. فاقرأ القرآن، ولا يخرج عنك الشهر إلا وقد قرأت القرآن على أقل تقدير مرة؛ فإن السلف رضوان الله عليهم منهم من كان يختم القرآن في رمضان في كل ثلاث ليال مرة، فلا تضيع رمضان إلا وقد قرأت كتاب الله كله مرة على أقل تقدير، فإن قرأت القرآن أكثر من ذلك فأنت على خير، واسمع ماذا قال لك حبيبك المصطفى -والحديث رواه الترمذي وصححه الألباني من حديث ابن مسعود - قال ﵊: (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف). وفي صحيح مسلم من حديث أبي أمامة أنه ﷺ قال: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه). وفي الصحيحين من حديث عائشة أنه ﷺ قال: (الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة -أي: مع الملائكة- والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران) فللقارئ أجر على قراءته، وأجر على مشقته وصبره على هذه المشقة. وفي الصحيحين من حديث ابن عمر أنه ﷺ قال: (لا حسد -والحسد هنا بمعنى: الغبطة- إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار). فيا أيها الحبيب الكريم! اجعل لنفسك في رمضان وقتاً لقراءة القرآن، وضع لنفسك -من اليوم- برنامجاً عملياً للطاعة، واعلم أن أعلى هذه الطاعات في رمضان أن تفرغ جل وقتك لقراءة القرآن. ووالله لقد هجرت الأمة القرآن في هذه الأيام هجراً مروعاً، والهجر أنواع كما قال ابن القيم طيب الله ثراه: هجر التلاوة، وهجر السماع، وهجر التدبر، وهجر العمل بأحكامه، وهجر التداوي به. ويوم أن هجرت الأمة القرآن أذلها الله لمن كتب الله عليهم الذل والذلة، ولا عزة ولا كرامة لهذه الأمة إلا إذا عادت من جديد إلى أصل عزها وشرفها وهو كتاب ربها جل وعلا؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٤] وها نحن نرى الأمة تعيش عيشة الضنك والشقاء في كل مجال من مجالات الحياة، وما ذاك إلا يوم أن أعرضت عن كتاب الله، أسأل الله جل في علاه أن يرد الأمة إلى القرآن رداً جميلاً؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 1424

فضل الصلاة والقيام في شهر رمضان ثالثاً: رمضان شهر القيام، فلا تنشغل بالفوازير والمسلسلات والأفلام، ولكن انشغل بطاعة الرحيم الرحمن، ففي هذا الوقت من الليل يصلي المسلمون صلاة القيام، وصلاة التراويح، ومن السنة ألا تنصرف من صلاة التراويح حتى ينصرف الإمام من الصلاة، فلا تصل ركعتين وتنصرف لتتابع مسلسلاً أو فلماً من الأفلام، بل صبر نفسك على طاعة الله، فلقد مضى عمرك وقضيت الساعات الطوال أمام التلفاز قبل ذلك، فلا تضيع دقيقة في هذا الشهر، وكن في كل لحظة في طاعة لله، حتى وأنت في عملك انشغل بالأذكار، وانشغل بكلمة التوحيد، وانشغل بالصلاة على محرر العبيد، ولا تضيع دقيقة، وليكن لسانك رطباً في كل دقيقة بذكر الله ، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) فانظر إلى فضل صلاة التراويح: (من قام) أي: من صلى صلاة القيام، أو صلاة التراويح. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) وليلة القدر هي في العشر الأواخر في الأيام الوترية، فاحرص على أن تقيم العشر كلها لله، ليرزقك الله ليلة القدر، فإن رزقت بهذه الليلة سعدت في دنياك وأخراك، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاء﴾ [الحديد:٢١] (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه). ولا ينبغي أن أنسى أن أذكر إخواني بالمحافظة على بقية الصلوات في نهار رمضان في جماعة، فلا تتخلف في رمضان عن صلاة في بيت الله إلا لعذر شرعي، واحرص على الجماعة، قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج:٧٧]، وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى:١٤ - ١٥]. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط!). وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات أيبقى من درنه شيء؟ -أي: هل يبقى على جسده شيء من القذر؟ - قالوا: لا، يا رسول الله! قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا). وفي معجم الطبراني الصغير والأوسط بسند حسنه الألباني في (صحيح الترغيب والترهيب) من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه آله وسلم قال: (تحترقون تحترقون -أي: بالذنوب والمعاصي- فإذا صليتم الصبح غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم الظهر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العصر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتم المغرب غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتم العشاء غسلتها، ثم تنامون فلا يكتب عليكم شيء حتى تستيقظوا) فإذا فعلت ذلك تنام طاهراً مبرأً. إنه فضل الصلاة!! وأحذر نفسي وأحبابي من تضييع صلاة الفجر والعصر؛ لأن كثيراً من أحبابنا يقضون الليلة أمام السهرات الرمضانية التلفزيونية، ويضيعون صلاة العصر؛ لأنهم يعودون بعد العمل فينامون، فتضيع صلاة العصر طيلة أيام الشهر، فأحذر نفسي وأحبابي من هذا التفريط؛ أما صلاة الفجر فمن ضيعها بصفة مستمرة فيخشى عليه النفاق، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال (إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة الفجر وصلاة العشاء). وفي صحيح البخاري من حديث بريدة أنه ﵌ قال: (من ضيع صلاة العصر فقد حبط عمله) وهذا حديث في أعلى درجات الصحة. أي: من ضيعها من غير عذر شرعي؛ فإن كنت متعباً وضبطت ساعة الوقت على أن تقوم لصلاة العصر فحبس الله روحك ونفسك فلم تستيقظ فلا حرج عليك إن شاء الله؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا تفريط في النوم) لكن أرجو ألا تكون معتاداً لذلك، وعليك أن تحرص، والله جل وعلا يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] فاحرص على صلاة الفجر والعصر والعشاء في جماعة في بيت الله جل وعلا، فضلاً عن بقية الصلوات، أسأل الله أن يعيننا وإياكم على الصلاة في جماعة في رمضان وفي غيره، وعلى قيام ليله، إنه على كل شيء قدير.

стр. 1425

فضل الإنفاق والجود والإحسان في شهر رمضان رابعاً: رمضان شهر الإنفاق والإحسان، فقد روى البخاري من حديث ابن عباس أنه ﷺ كان أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان. أخي الحبيب! أخرج زكاة مالك في رمضان لتنال الأجر المضاعف من الرحمن، وأكثر من الصدقة في رمضان، وتعرف على بيوت الفقراء والمساكين في رمضان، وعليك أن تجعل ضمن برنامج الطاعة في رمضان نصف ساعة لتذهب إلى بيوت الفقراء والمساكين في الليل البهيم؛ لتدخل إلى قلوبهم البسمة والسعادة والسرور؛ ليملأ الله قلبك سعادة في الدنيا والآخرة، فأنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالاً، فوالله لن يقلَّ مالك من الصدقة. روى أحمد بسند صحيح من حديث أبي كبشة الأنماري عن النبي ﷺ أنه قال: (ثلاث أقسم عليهن -الرسول يقسم وهو الصادق الذي لا يحتاج إلى قسم-: ما نقص مال عبد من صدقة، وما ظُلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزاً، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر) فأنفق أيها الحبيب! يا من منَّ الله عليك بالمال، أطعم الطعام في رمضان، وليس بالضرورة أن يكون إطعام الطعام للفقراء فحسب في بيوت الله، وإنما قدم الطعام ليأكل منه الغني والفقير والمسافر والمقيم، فأطعم الطعام فإن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وهذا شطر من حديث معاذ الصحيح الذي فيه: (ألا أدلك على أبواب الخير: الصوم جنة -أي: وقاية- والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) فأكثر من الصدقة والإنفاق، فقد جاء في الصحيحين مرفوعاً: (وما من يوم إلا وينادي ملكان من السماء؛ فيقول الأول: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الثاني: اللهم أعط ممسكاً تلفاً) والله يقول: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٨] فمالك يا ابن آدم! تقول: مالي مالي مالي؟، الدولارات، والعمارات، والسيارات! (وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت؟!). وفي صحيح مسلم أنه ﷺ سأل أصحابه فقال: (أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ -أي: من منكم يحب مال الورثة بدرجة تفوق حبه لماله الخاص؟ - قالوا: ما منا أحد إلا وماله أحب إليه من مال وارثه، فقال ﷺ : فإن ماله ما قدم، ومال وارثه ما أخر) فهيا نافس أهل الخير على قدر جهدك وطاقتك، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] فابحث عن الفقراء والمساكين وأطعمهم؛ فإن هناك من بيوت المسلمين من لا يذوق طعم اللحم في العام إلا مرة أو مرات قليلة، في الوقت الذي يرمى فيه اللحم في كثير من بيوت المسلمين بعد موائد الطعام، ولا أنسى أن أذكر مرة أخرى برجل طيب في مدينة المنصورة الطيبة، وقد ذكرت قصته في شريط (الإسلام وسعادة البشرية) ذلكم الرجل الأستاذ الدكتور الذي أصيب بمرض في قلبه، وانطلق هنا وهنالك عند الأطباء ليبحث عن دواء وعلاج، وأخيراً قرر السفر إلى لندن في بريطانيا، وأجريت له الفحوصات، وبذل له الأطباء العلاج، وقرروا له جراحة عاجلة، فقرر هذا الرجل الطيب المسلم أن يعود مرة أخرى إلى المنصورة ليلتقي بأهله وأحبابه، وكان يقول: ظننت أن هذه الجراحة سينتهي بها الأجل، فأحببت أن أرى الأهل والأحباب قبل أن ألقى الله ، فعاد إلى المنصورة، وقبل السفر إلى لندن بأيام كان يجلس مع صديق له في مكتبه الخاص إلى جوار رجل يبيع اللحم، وفجأة لفت نظره وشد انتباهه مشهد مؤلم يحطم القلب، رأى امرأة كبيرة في السن تلتقط العظم واللحم النيئ الذي يلقى على الأرض من جوار هذا الرجل الذي يبيع اللحم، فنظر إليها، وتأثر بها! ونادى عليها وقال: ما تصنعين يا أماه؟! قالت: والله يا بني إن أولادي ما ذاقوا طعم اللحم منذ ستة أشهر، فأردت أن أجمع لهم بعض العظام مع بعض اللحم النيئ، فتأثر الرجل، ورقت عينه، وخشع قلبه، وانطلق إلى هذا الجزار وقال: هذه المرأة إن أتتك في أي وقت فأعطها ما تشاء من اللحم، وأخرج له على الفور مالاً يعادل قيمة اللحم الذي ستأخذه في سنة كاملة، فبكت المرأة وتأثرت، وعادت إلى البيت في غاية السعادة والسرور بقطع اللحم الذي ستسعد بها أولادها وأبناءها، وعاد الرجل إلى بيته سعيداً فرحاً، وهو صاحب القلب المريض الذي لا يقوى على الحركة، ولكنه حس بالنشاط والحيوية، وحس بالسعادة والانشراح، ولما دخل البيت قابلته ابنته فقالت: يا أبت! ما شاء الله؛ أراك نشيطاً سعيداً، فقص عليها ما قد كان، فبكت البنت وقالت: أسأل الله أن يسعدك بشفاء مرضك كما أسعدت هذه الفقيرة وأبناءها، واستجاب الملك دعاء الفقيرة ودعاء الفتاة، والتفت الجميع إلى خفته وحيويته ونشاطه فتعجبوا، وقال: أشعر -ولله الحمد- بأن الله قد عافاني، ولا أشعر بأي عرض من الأعراض التي كنت أشعر بها قبل ذلك، فصمم الجميع على سفره إلى لندن، وهنالك لما نام بين يدي طبيبه ليجري له الفحوصات مرة أخرى فزع الطبيب واندهش، وقال له: عند أي الأطباء في مصر قد تعالجت؟! فقال: تاجرت مع الله فشفاني الله ! فالصدقة -يا إخوة- تطفئ الخطيئة، وتطفئ غضب الرب جل وعلا، فلا تحتقر أمر الصدقة، والله الذي لا إله غيره! إن الله سيدفع بالصدقة عنك من الأذى والمصائب والبلاء ما لو عرفته لأنفقت لله في الليل والنهار، فضع ضمن برنامج رمضان الصدقة، فتصدق، وأخرج زكاة مالك؛ لأن الله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] والمال ظل زائل، وعارية مسترجعة، كما قال الشاعر: النفس تبكي على الدنيا وقد علمت أن السلامة فيها ترك ما فيها لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبينها فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها أموالنا لذوي الميراث نجمعها ودورنا لخراب الدهر نبنيها كم من مدائن في الآفاق قد بنيت أمست خراباً وأفنى الموت أهليها أين الملوك التي كانت مسلطنة حتى سقاها بكأس الموت ساقيها لا تركنن إلى الدنيا وما فيها فالموت لا شك يفنينا ويفنيها واعمل لدارٍ غداً رضوان خازنها والجار أحمد والرحمن بانيها قصورها ذهب والمسك طينتها والزعفران حشيش نابت فيها أنهارها لبن مصفى من عسل والخمر يجري رحيقاً في مجاريها والطير تجري على الأغصان عاكفة تسبح الله جهراً في مغانيها من يشتري الدار في الفردوس يعمرها بركعة في ظلام الليل يحييها قال جل وعلا: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف:٤٥ - ٤٦]. وقال الشاعر: النفس تجزع أن تكون فقيرة والفقر خير من غنى يطغيها وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت فجميع ما في الأرض لا يكفيها وقال آخر: هي القناعة فالزمها تكن ملكاً لو لم تكن لك إلا راحة البدن وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير الطيب والكفن فأنفق أيها الحبيب! وتصدق على الفقراء والمساكين؛ فإن رمضان شهر الإنفاق والجود والإحسان، وأكتفي بهذا القدر، وأسأل الله أن يتقبل منا صالح الأعمال، وأواصل ما تبقى من عناصر هذا اللقاء بعد جلسة الاستراحة في عجالة إن شاء الله تعالى، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 1426

فضل التوبة في شهر رمضان الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد. فيا أيها الأخ الكريم! وأخيراً: رمضان شهر التوبة، فلا تضيع هذا الموسم، ولا تفرط في هذه الفرصة، ويا من أسرفت! تب إلى الله، ويا من ضيعت وفرطت عد إلى الله، ولا تقل: لقد وقعت في كبائر الذنوب، فإن الله أطيب وأكبر وأعظم وأجل، فعد إليه، وعاود الطرق على باب التوبة، فإن الله جل وعلا عند ظن عبده به، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (قال الله تعالى في الحديث القدسي: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍٍ خير منهم، وإن تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً تقرب منه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة) فانظر إلى فضل الله! وانظر إلى جوده وكرمه. وفي الصحيحين أنه ﵌ قال: (ينزل رب العزة كل ليلة إلى السماء الدنيا) نزولاً يليق بكماله وجلاله؛ فكل ما دار ببالك فالله بخلاف ذلك، كما قال سبحانه عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] (ينزل رب العزة كل ليلة إلى السماء الدنيا ويقول: أنا الملك، من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر) لا يزال ربك ينادي عليك وأنت نائم، وأنت في غفلة -إلا من رحم الله جل وعلا- فاستيقظ في الوقت الذي ينادي عليك فيه رب العزة وملك الملوك، فإن قال: من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ فقل: عبدك الذليل الضعيف الماثل بين يديك يقر لك بذنبه، ويعترف لك بجرمه، ويطرح قلبه بذل وانكسار بين يديك يا عزيز يا غفار! قم في هذا الوقت؛ فإن الله لا يزال كذلك حتى يضيء الفجر، فلا تقنط ولا تيأس أبداً، لأن الله يعلم ضعفك وفقرك، ويعلم نقصك، والله هو الذي خلقك، وهو الذي يعلم فيك كل هذه الصفات من النقائص، فإن رأى الله الندم والأوبة والتوبة منك فرح بك، وهو الغني عنك الذي لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية، ففي صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال: (إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها) إذا طلعت الشمس وعاد الكافر إلى الله فحينئذٍ لن يقبل الله منه الإيمان، وإن عاد العاصي إلى الله فلن يقبل الله منه التوبة، فبادر بالتوبة قبل أن تغرغر، وقبل أن تطلع الشمس من مغربها؛ فإن الباب مفتوح على مصراعيه في الليل والنهار، قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم:٨]. فيا نادماً على الذنوب أين أثر ندمك؟ وأين بكاؤك على زلة قدمك؟! واحسرتاه إذا جاءك الموت وما أنبت واحسرتاه إذا دعيت في أول رمضان إلى التوبة وما استجبت. أخي: إن لم تتب اليوم فمتى؟! وإن لم ترجع اليوم إلى الله فمتى؟ إن أقرب غائب ننتظره يا إخوتاه هو الموت، فبادر الآن قبل فوات الأوان، وكن على يقين أن ربك الرحمن لن يغلق باب التوبة في وجهك أبداً ما دمت مقراً له بالذنوب والتقصير والعصيان، فأقلع عن الذنوب، ولير الله منك الندم، وداوم على الاستغفار والعمل الصالح، وتحلل من عباد الله، وتحلل من كل ذنب ارتكبته في حق أخ من إخوانك أو أخت من الأخوات، وهذه هي شروط التوبة النصوح. أخي الحبيب: بادر الآن قبل فوات الأوان، واعلم بأن الله ينادي عليك بهذا النداء العذب الندي فيقول سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]. اللهم اغفر لنا ذنوبنا اللهم اغفر لنا ذنوبنا اللهم اغفر لنا ذنوبنا، لا إله لنا سواك فندعوه، لا إله لنا سواك فندعوه، ولا رب لنا غيرك فنرجوه، ولا رب لنا غيرك فنرجوه، يا منقذ الغرقى! يا منقذ الغرقى! يا منجي الهلكى! يا سامع كل نجوى! يا عظيم الإحسان! يا عظيم الإحسان! يا عظيم الإحسان! يا دائم المعروف! يا دائم المعروف! يا دائم المعروف! نعترف لك بذنوبنا، ونقر لك بجرمنا. اللهم إنا وقفنا على بابك سائلين، اللهم إنا وقفنا على بابك سائلين، ولمعروفك راجين، ولعظيم فضلك طالبين، فلا تردنا خائبين، ولا من رحمتك يائسين، ولا من عفوك خائبين، اللهم اغفر لنا أجمعين، اللهم اغفر لنا أجمعين، اللهم أغفر لنا أجمعين! إلهنا! إلهنا! إلهنا! إنا وقفنا على بابك فلا تحرمنا من فضلك وعظيم ثوابك، اللهم اغفر لنا الذنوب، واستر علينا العيوب، وفرج لنا الكروب، واكشف عنا الهموم، وادفع عنا النقم، وادفع عنا النقم، وادفع عنا النقم، واكس المسلمين العراة، واحمل المسلمين الحفاة، اللهم أعنا على صيام رمضان، اللهم أعنا على قيام رمضان، اللهم أعنا على البذل والجود والإنفاق في رمضان، اللهم اجعلنا من عتقائك من النار، اللهم اجعلنا من عتقائك من النار، اللهم اجعلنا من عتقائك من النار، برحمتك يا عزيز يا غفار! اللهم أقر أعيننا بنصر الإسلام وعز الموحدين، اللهم اجعل مصرنا واحة للأمن والأمان، اللهم ارفع عن مصر الغلاء والوباء والبلاء! اللهم لا تحرم مصر من التوحيد والموحدين، اللهم فك سجن المسجونين وأسرى المأسورين واربط على قلوبهم يا أرحم الراحمين! اللهم إن أردت بالناس فتنة فاقبضنا إليك غير خزايا ولا مفتونين، ولا مفرطين ولا مضيعين، ولا مغيرين ولا مبدلين. اللهم اهد أولادنا، اللهم اهد أولادنا، اللهم وأصلح شبابنا، اللهم أصلح شبابنا، اللهم استر نساءنا، اللهم احفظ بناتنا، اللهم احفظ بناتنا، اللهم بارك لنا في أولادنا، اللهم اجعلهم قرة عين لنا في الدنيا والآخرة يا أرحم الراحمين! اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا، اللهم اقبلنا وتقبل منا، وتب علينا وارحمنا، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم اقبلنا وتقبل وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم! اللهم اقبلنا وتقبل منا، وتب علينا؛ إنك أنت التواب الرحيم! هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان؛ والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويلقى به في جهنم! وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه!

стр. 1427

رمضان موسم الطاعات [٢] الوقت رأس مال الإنسان، فيجب عليه أن يستغل وقته في طاعة الله -وخاصة الأوقات والمواسم الفاضلة كشهر رمضان- فيجب على المسلم أن يستغل رمضان في طاعة الله، وأن يجعل له برنامجاً في المحافظة على وقته، ويجب عليه أن يتعلم أحكامه ومسائله حتى يكون صومه صحيحاً.

стр. 1428

برنامج المسلم في رمضان بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الأحبة! أسال الله أن يتقبل منا ومنكم جميعاً صالح الأعمال، وموضوع الخطبة اليوم مقدمة بمثابة برنامج عملي لرمضان؛ لأن أي إنسان عندما يريد أن يعمل مشروعاً وكان من الذين منَّ الله عليهم بالمال، فإنه يعمل دراسة جدوى، ويدرس المشروع، ويضع برنامجاً زمنياً، كما تخطط الدولة وتقول خطة خمسية، وخطة سنوية، وخطط مستقبلية، فالمسلم الذكي الفطن -أسأل الله أن يجعلنا كذلك- هو الذي يستغل هذا الموسم المبارك؛ فيضع لنفسه برنامجاً عملياً. فعلى سبيل المثال: أداء الصلاة في جماعة، فتسأل نفسك عندما تستيقظ في الصباح: هل ستصلي الصلوات في جماعة هل عندك صدق في النية؟! إن كنت كذلك فإن الله سيسر لك، وفي آخر النهار تحاسب نفسك هل صليت الخمس الصلوات في جماعة؟ ثم تكمل البرنامج بعد ذلك؛ فإذا قلت: للأسف لم أصل الفريضة هذه في المسجد؛ فإن كنت في عذر شرعي منعك من أن تصلي الفريضة في المسجد، كأن نمت مثلاً، فالنبي ﷺ يقول: (لا تفريط في النوم) أو كنت مريضاً، أو لم تسمع الأذان ولم تنتبه، أو نسيت، فهذه أعذار، والنسيان عذر؛ لأن الله قد رفع النسيان عن الأمة، يقول ﵊: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها حين يذكرها) فانظر هل صليت اليوم خمس صلوات في جماعة أو لا؟ وهكذا مع القرآن، فعليك أن تعمل لنفسك برنامجاً مع القرآن، وحدد الأجزاء التي ستقرؤها، فإذا قال قائل: كيف أقرأ وأنا في الشغل؟ فنقول: الأصل أن وقت العمل للعمل، فإذا كنت في الوظيفة وعندك عمل فإنهائك لأعمال الجمهور بأخلاق من أعظم العبادات، وهو عمل عظيم جداً. وكثير من إخواننا إذا كان موظفاً يقول: لا تضايقني؛ لأني صائم، فنقول: سبحان الله! وهل فرض الله الصيام لتضييق أخلاق الناس أو لتهذيب أخلاق الناس؟! إن ربنا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] فيبقى الأصل أن الهدف من الصيام هو التقوى، ولذلك يقول النبي ﷺ : (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم).

стр. 1429

التحذير من الإسراف في رمضان أيها الإخوة! قبل أن يدخل رمضان تجد الاستعداد في موائد البيوت، والأصل أن رمضان شهر اقتصاد، وأنا لن أحرم عليكم طيبات أحلها الله لكم، كما قال : ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:٣٢] لكن فلنكن كما قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان:٦٧] فخير الأمور الوسط، وليس هناك داعٍ للإسراف. قد تجد مائدة طعام وأول ما يؤذن المؤذن يأكل الناس ويقومون ليتركوا أكثر ما في المائدة يرفع والأدهى والأمر أن جل ما يرفع يُرمى. فهل هذا يرضي الله؟! أنت رجل طول النهار في عبادة وطاعة، وتأتي في آخر النهار فتقع في معصية؟! وهذه معصية لقول الله جل وعلا: ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ و﴾ [الإسراء:٢٦ - ٢٧] ومن التبذير أن تلقي بلقمة خبز أو بقطعة لحم أو بصحن أرز أو بصحن طبيخ أو نحو ذلك في سلة المهملات؛ وهناك بيوت من بيوت المسلمين في أمس الحاجة إلى هذا الكم من الأرز أو الطبيخ أو اللحم أو الخبز. يا إخواني! كانوا يقولون منذ زمن: (لا أحد يموت من الجوع)، ونحن كلنا كنا نعرف هذا، ولكن انظر اليوم إلى واقع البوسنة والصومال، والشيشان وطاجكستان وكشمير، فستجد عشرات المئات يموتون الآن من شدة الجوع. إي والله! يموتون من الجوع، في الوقت الذي يوجد فيه جماعة من الناس مثخنة بالطعام، وعاصية بالتبذير والإسراف؛ ولذلك أحد مشايخنا يقول: (تأكلون الأرطال وتشربون الأسطال، وتنامون الساعات الطوال، وتزعمون أنكم أبطال!) وهذا أمر واقع؛ فالطعام موجود بأرطال وبكميات كبيرة جداً -وأسأل الله أن يوسع علينا من الحلال- لكن يا إخواني ليس من الممكن أبداً أن نفرط في تناول الطعام ثم نصلي القيام بنشاط، والنبي ﵊ كان يفطر على تمر أو رطب، وإن لم يجد شرب قليلاً من الماء، وكثير من الناس يضيعون صلاة المغرب بحجة أنهم يأكلون؛ فنقول: افطر على تمر وصل ثم ارجع وكل أكلاً خفيفاً واخرج لصلاة التراويح، وبعد ذلك ستشعر بشدة الجوع، وستأكل أكلاً لذيذاً هنيئاً إن شاء الله تعالى، وبهذا تكون قد صليت مستريحاً بفضل الله، ولا تسرف في الأكلة الثانية فإن كثيراً من الصائمين يسرفون في الطعام والشراب، ووالله العظيم إن الواحد ليخشى أن يقع في شيء ليس له أصل، وقد دخلت البيت حاجات غير الذي اعتادت عليه البيت، لدرجة أن هناك أشياء أصبحت كأنها من لوازم هذا الشهر التي لا ينبغي أن تنفك عنه، وأنا لا أقول: إنني أحرم الطيبات -معاذ الله- بل أسأل الله أن يوسع علينا من الحلال الطيب، وأن يطعمنا من الحلال الطيب، لكن لا إفراط ولا تفريط، والزائد عندك عد به على بيت فقير من بيوت إخوانك من المسلمين والمسلمات.

стр. 1430

حكم استخدام السواك للصائم أيها الأحباب: أود أن أنبه على بعض الأمور: فإن كثيراً من الناس يظن أنها قد تكون محرمة في رمضان، أو قد تفسد عليه الصيام: الأمر الأول: السواك: قد يقول لك قائل: هل يجوز أن أستخدم السواك في نهار رمضان أو لا؟ قال العلماء: يجوز ذلك لكن إلى الظهر فقط -أي: إلى قبل الزوال- ولكن الراجح: أنه يجوز أن تستخدم السواك في نهار رمضان كله، وليس هناك دليل على منع استخدام السواك بعد الزوال، فللصائم أن يستخدم السواك في أي وقت من أوقات شهر رمضان شاء.

стр. 1431

حكم غسل الصائم للتبرد الأمر الثاني: إذا رجعت من سفر في يوم ما وأحسست بالحرارة أو كان الجو حاراً مثلاً، فهل يصح أن تغتسل بنية أن تتبرد من شدة الحر من أجل أن تواصل الصيام؟ ف الجواب نعم، يجوز ولا حرج عليك على الإطلاق.

стр. 1432

حكم استخدام فرشة الأسنان للصائم الأمر الثالث: استخدام فرشة الأسنان: البعض يقول: هل يجوز أن أستخدم الفرشة؟ الجواب نعم يجوز، لكن أحذرك أن يتسرب إلى جوفك شيء من المعجون، والأولى أن تستخدم الفرشة بعد الإفطار، أو وأنت تتوضأ لصلاة الفجر، ثم تكف عن ذلك، فإذا قلت: إن رائحة الفم تتغير، فأقول لك: هذه الرائحة أطيب عند الله من ريح المسك، وهي مرادة، وريحة فم الصائم الكريهة المتغيرة ليست من الفم، بل تأتي من الجوف، ولذلك مهما استخدمت لها فإنها بعد فترة ستظهر ولتعلم أن هذه الرائحة عند الله أطيب من ريح المسك، كما قال ﷺ (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك).

стр. 1433

حكم استخدام البخاخ والحقن للمريض وهو صائم الأمر الرابع: قد يقول قائل: أنا مريض بالربو -أسأل الله أن يشفي مرضى المسلمين- ومعي البخاخ، فهل يجوز لي إذا جاءتني الأزمة أن أستخدم البخاخ؟ الجواب نعم يجوز، ولا يفسد الصوم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]. وهكذا الحقن التي في الوريد أو العضل لا تفطر الصائم؛ لأنها ليست طعاماً ولا شراباً، ولا في معنى الطعام والشراب، فإذا كان الإنسان مريضاً واضطر أن يأخذ حقنة في نهار رمضان، فله الرخصة أن يفطر، لقول تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] لكن يحرص على الصيام، وعمر بن عبد العزيز يقول: (أفضلهما أيسرهما).

стр. 1434

حكم استخدام الحقن المغذية للصائم أما إذا كانت حقنة مغذية، والذي يستعملها يقول: أنا آخذها لكي أتقوى بها على الصيام، فالراجح من أقوال علمائنا: أنها تفسد الصوم؛ لأنك إذا كنت لا تقدر على الصيام فلا تصم، والله قد أعطاك الرخصة؛ والله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه، قال : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة:١٨٤] فكلمة (يطيقونه) يعني: يصومونه بشق الأنفس وبشدة، وقد لا يقدرون على الصيام فعليهم: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤]، ومن رحمة الله أنه لم يحدد نسبة للإطعام، وإنما بمثل ما تطعم به نفسك وولدك في بيتك أطعم المسكين، يعني: أنا ممكن أن أطعم مسكيناً وتكلفني الوجبة له -مثلاً- عشرة جنيهات، بينما أخ ثانٍ قد تكون وجبته في البيت بخمسة عشر جنيهاً، وأخ ثالث وجبته في البيت بجنيهين. إذاً: كل بحسب قدرته، كما قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وقال جل وعلا: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، وقال سبحانه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] فالحقنة إذا كانت مغذية فالراجح: أنها تفطر، وإذا كان الرجل ضعيفاً لا يقدر على الصيام فمعه الرخصة في أن يفطر.

стр. 1435

حكم قطرة العين والأذن للصائم وأما قطرة العين والأذن والأنف فلا تفطر الصائم ولو وجد طعمها في حلقه، وهذا هو الراجح من أقوال أهل العلم؛ لأنها ليست طعاماً ولا شراباً، وليست في معنى الطعام والشراب، ولم تدخل للإنسان من المنفذ المعتاد للطعام والشراب.

стр. 1436

الاحتلام في نهار رمضان ليس مفسداً للصوم مسألة أخرى: شاب نام في نهار رمضان، ولما قام من النوم وجد نفسه محتلماً، فهل يفسد صومه؟ الجواب لا؛ لأن الاحتلام ليس بيده، وإنما عليه أن يقوم ويغتسل، ويتم الصيام، وصومه صحيح؛ لأن الاحتلام لا يفسد الصوم.

стр. 1437

حكم من نام من جنابة في ليل رمضان حتى طلع الفجر مسألة أخرى: رجل متزوج وجامع أهله في ليلة من ليالي رمضان، وأخذه النوم فما استيقظ إلا بعد الفجر، فهل يفسد صومه؟ الجواب لا، وصومه صحيح، وعليه أن يقوم ويغتسل، ويتم الصيام ولا شيء عليه. المهم: أن يقلع عن جماع أهله قبل الفجر، كما قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] والخيط الأبيض والخيط الأسود هو بياض النهار وسواد الليل.

стр. 1438

استحباب تعجيل الفطر وتأخير السحور إن من السنة التعجيل بالفطر، وحين الفطر يسمي الله ويقال: (ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله)، وأنا أذكر بهذا من باب ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥]. ومن آداب الصيام: تأخير السحور، وقد يقول شخص: أنا أحب أن أتسحر مبكراً، فلا حرج، لكن التمس البركة التي قال عنها النبي ﷺ : (أخروا السحور؛ فإن في السحور بركة) حتى ولو تشرب شربة ماء قبل صلاة الفجر. إذاً: تعجيل الفطر من السنة، فإذا سمعت المؤذن في المغرب يقول: (الله أكبر) فأفطر، وليس بلازم أن تنتظر حتى يقول: (حي على الصلاة، حي على الفلاح)؛ فإن هذه ليس لها أصل، فإذا أذن المؤذن فسم الله وكل، فمن السنة أن تعجل الفطر، وأن تؤخر السحور.

стр. 1439

حكم الطيب للصائم هل يتطيب الصائم؟ الجواب هذه مسألة فيها خلاف بين أهل العلم، والراجح: أنه يجوز للصائم أن يستخدم الطيب في أي وقت من أوقات رمضان، وهناك أقوال مخالفة، لكن ليس عليها أدلة، وعلى هذا فلا مانع أن يستخدم الصائم الطيب في نهار رمضان.

стр. 1440

حكم قول بعض المؤذنين: يا أمة خير الأنام! ارفعوا وانووا الصيام وأما قول بعض المؤذنين: (ارفع يا صائم! وانو الصيام) فقل له: لست برافع، وليس لك دخل في هذا؛ لأنهم بهذا يحرمون الطعام والشراب قبل الفجر بربع ساعة أو بنصف ساعة، وإنما لك أن تأكل وتشرب إلى الأذان، وأول ما يقول المؤذن: الله أكبر فأمسك.
следующие страницы →