← Джавами‘

Джавами‘ · id 7703

دروس للشيخ محمد حسان

محمد حسان

Полный текст (1 901 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

الاحتلام في نهار رمضان ليس مفسداً للصوم مسألة أخرى: شاب نام في نهار رمضان، ولما قام من النوم وجد نفسه محتلماً، فهل يفسد صومه؟ الجواب لا؛ لأن الاحتلام ليس بيده، وإنما عليه أن يقوم ويغتسل، ويتم الصيام، وصومه صحيح؛ لأن الاحتلام لا يفسد الصوم.

стр. 1437

حكم من نام من جنابة في ليل رمضان حتى طلع الفجر مسألة أخرى: رجل متزوج وجامع أهله في ليلة من ليالي رمضان، وأخذه النوم فما استيقظ إلا بعد الفجر، فهل يفسد صومه؟ الجواب لا، وصومه صحيح، وعليه أن يقوم ويغتسل، ويتم الصيام ولا شيء عليه. المهم: أن يقلع عن جماع أهله قبل الفجر، كما قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] والخيط الأبيض والخيط الأسود هو بياض النهار وسواد الليل.

стр. 1438

استحباب تعجيل الفطر وتأخير السحور إن من السنة التعجيل بالفطر، وحين الفطر يسمي الله ويقال: (ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله)، وأنا أذكر بهذا من باب ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥]. ومن آداب الصيام: تأخير السحور، وقد يقول شخص: أنا أحب أن أتسحر مبكراً، فلا حرج، لكن التمس البركة التي قال عنها النبي ﷺ : (أخروا السحور؛ فإن في السحور بركة) حتى ولو تشرب شربة ماء قبل صلاة الفجر. إذاً: تعجيل الفطر من السنة، فإذا سمعت المؤذن في المغرب يقول: (الله أكبر) فأفطر، وليس بلازم أن تنتظر حتى يقول: (حي على الصلاة، حي على الفلاح)؛ فإن هذه ليس لها أصل، فإذا أذن المؤذن فسم الله وكل، فمن السنة أن تعجل الفطر، وأن تؤخر السحور.

стр. 1439

حكم الطيب للصائم هل يتطيب الصائم؟ الجواب هذه مسألة فيها خلاف بين أهل العلم، والراجح: أنه يجوز للصائم أن يستخدم الطيب في أي وقت من أوقات رمضان، وهناك أقوال مخالفة، لكن ليس عليها أدلة، وعلى هذا فلا مانع أن يستخدم الصائم الطيب في نهار رمضان.

стр. 1440

حكم قول بعض المؤذنين: يا أمة خير الأنام! ارفعوا وانووا الصيام وأما قول بعض المؤذنين: (ارفع يا صائم! وانو الصيام) فقل له: لست برافع، وليس لك دخل في هذا؛ لأنهم بهذا يحرمون الطعام والشراب قبل الفجر بربع ساعة أو بنصف ساعة، وإنما لك أن تأكل وتشرب إلى الأذان، وأول ما يقول المؤذن: الله أكبر فأمسك.

стр. 1441

حكم النية في الصيام وأما النية فهي ركن من أركان الصيام، فإذا قال قائل: هل يجوز أن أعقد النية للشهر كله؟ ف الجواب الراجح من أقوال أهل العلم: أنه يجب عليك أن تنوي كل ليلة في رمضان، فإذا قمت تتسحر فالسحور نية، وليس معنى هذا أنك تقول: نويت صيام يوم غدٍ من شهر رمضان فرضاً علي لربي إيماناً واحتساباً؛ لأن النبي ﷺ لم يقل هذا، وإنما النية محلها القلب، فإذا قمت وأحضرت علبة زبادي وأكلتها فهذه نية للصيام، فإذا نمت ولم تتسحر فعليك أن تعقد النية من الليل أنك ستقوم للسحور، وهذا يُعد نية، فالأمر ميسر من فضل الله ، وليس هناك حرج.

стр. 1442

الرخصة في الإفطار للحامل والمرضع وأما الحامل والمرضع فإذا كان الصوم يشق عليهما فلهما أن تفطرا، ومن أهل العلم من قال: عليها القضاء والإطعام، ومنهم من قال كـ ابن عباس وابن عمر: تطعم كل يوم مسكيناً، فهي بمنزلة من لا يطيق.

стр. 1443

صيام المسافر وأما المسافر إذا قال: أنا أقدر على الصيام، فنقول له: لو قدرت أن تصوم فلا ننكر عليك الصيام، وأصحاب النبي ﷺ كانوا في السفر لا ينكر الصائم على المفطر، ولا المفطر ينكر على الصائم، وقال أبو حمزة الأسلمي لرسول الله ﷺ : (يا رسول الله! إني أجد مني قوة على الصوم في السفر، فقال له: فإنما هي رخصة من الله تعالى، فمن أخذ بها فحسن، ومن لم يأخذ بها فلا شيء عليه) وعمر بن عبد العزيز قال: (أيسرهما أفضلهما) فإن كان ليس عليك مشقة في السفر وصمت فلا حرج عليك. والله أعلم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1444

لماذا هزمت الأمة ؟ إن لله سنناً ربانية في الكون لا تتبدل ولا تتغير، ولا تحابي تلك السنن أحداً من الخلق، ومن هذه السنن سنة التغيير وسنة الابتلاء وسنة التداول وسنة النصر، وبمعرفة هذه السنن تعرف أسباب هزيمة الأمة، وتعرف أسباب تمكينها وعزها.

стр. 1445

واقع الأمة المرير بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد صلى الله عليه وعلى من اتبعه بإحسان إلى يوم الدين، وبعد: حياكم الله جميعاً أيها الإخوة الأخيار! وأيتها الأخوات الفاضلات! واسمحوا لي أن أخص بالتحية شيخنا المبارك أبا عبد الرحمن الذي أتقرب إلى الله بحبه، وأسأل الله سبحانه أن يمتعه بالإيمان والعافية، وأن يبارك له في أهله وولده، وأن يجعله إماماً من أئمة الهدى، وأن يبارك فيه وفي جميع علماء هذه الأمة المخلصين الصادقين، وأن يحفظهم بحفظه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. ووالله ما ظننت أن أتحدث الليلة بين يديه، فما أتيت إلا تلميذاً له، لا أقول ذلك على سبيل التواضع، فأنا ممن يعرف قدر الشيخ، فأسأل الله أن يرفع قدره في الدنيا والآخرة، وأن يسترنا وإياه في الدنيا والآخرة. أبى الشيخ بعظيم تواضعه إلا أن أتقدم بين يديه، فأسأل الله أن يتقبل منا ومنه ومنكم جميعاً صالح الأعمال. أحبتي في الله! لماذا هزمت الأمة؟! لماذا صارت الأمة الآن ذليلة لأذل أهل الأرض من إخوان القردة والخنازير؟! لماذا تحولت الأمة الآن إلى قصعة مستباحة لكل أمم الأرض؟! هل لأن الأمة فقيرة؟! أم لأن الأمة ضعيفة؟! أم لأن الأمة قليلة؟! أم لأنها تفتقر إلى العقول والأدمغة التي تفكر وتبدع؟! أم لأنها تفتقر إلى المناخ أو الثروات أو الموقع الاستراتيجي الهام؟! لا، الأمة ليست فقيرة، وليست قليلة العدد والعُدد والعتاد، وليست فقيرة في العقول والأدمغة التي تبدع وتفكر. إذاً: لماذا هزمت الأمة، وصار الدم الإسلامي أرخص دم على وجه الأرض، وصار اللحم الإسلامي أرخص اللحم على وجه الأرض، يتناثر كل ساعة على مرأى ومسمع من الشرق والغرب؟! ما هذا الذل والهوان؟! أي مصيبة هذه التي حلت بأمة الإسلام ليتحكم فيها سفاح مجرم كـ شارون وبوش؟! يطالعنا هذا بوجهه الذي يشبه وجه الخنزير، والآخر بوجه يشبه وجه القرد! بتصريحات تفجر الدم من العروق، والأمة الآن تقتل بسكين بارد، وتذبح بسكين بارد، ومازالت الأمة إلى هذه اللحظة لا تسمع من الزعماء والمسئولين إلا ما يجيدون من لغة الشجب والاستنكار! وقد مضى بالفعل زمن لغة الشجب ولغة الاستنكار، مضى زمن الشجب ولغة الاستنكار، انتهى زمن التنظير، ومضى زمن الكلام! كيف والدبابات اليهودية بالصنع الأمريكي المتقن تحاصر أهلنا ونساءنا وأولادنا وبناتنا وأطفالنا، وتدك البيوت على رءوس هؤلاء المستضعفين؟! فلا وقت للتنظير، ولا وقت للكلام. وأرجع إلى السؤال لماذا وصلت الأمة إلى هذه الحالة من حالات الذل والهوان؟! متنا قروناً والمحاق الأعمى يليه محاق، أي شيء في عالم الغاب نحن آدميون أم نعاج نساق نحن لحم للوحش والطير منا الجثث الحمر والدم الدفاق وعلى المحصنات تنوح البواكي يا لعرض الإسلام كيف يراق قد هوينا لما هوت وأعدوا وأعدوا من الردى ترياق واقتلعنا الإيمان فاسودت الدن يا علينا واسودت الأعماق وإذا الجذر مات في باطن الأر ض تموت الأغصان والأوراق

стр. 1446

سنن الله الكونية لماذا هزمت الأمة وانتبهوا إليّ جيداً؟! إن لله سنناً ربانية في الكون لا تتبدل ولا تتغير ولا تحابي تلك السنن أحداً من الخلق بحال مهما ادعى لنفسه من مقومات المحاباة، وسنطرح هذا التسلسل للسنن: فهناك سنة التغيير، وسنة التداول، وسنة الابتلاء بالتمحيص، وسنة النصر والتمكين. لقد كانت الأمة العربية قبل البعثة المحمدية مبعثرة لا قيمة لها ولا كرامة، فجاء الإسلام فجعلها خير أمة أخرجت للناس، يوم كسا رسول الله ﷺ أمة الإسلام ثوب التوحيد، وراحت لترفل في هذا الثوب فأذلت الأكاسرة، وأهانت القياصرة، وغيرت مجرى التاريخ في فترة لا تساوي في حساب الزمن شيئاً على الإطلاق، وأقامت للإسلام دولة من فتات متناثر وسط صحراء تموج بالكفر موجاً، فإذا هي بناء شامخ لا يطاوله بناء!

стр. 1447

سنة النصر والتمكين بعد مرحلة التمحيص وتمايز الصفوف تأتي مرحلة النصر والتمكين، ونحن على أبوابها إن شاء الله تعالى، لا أقول ذلك من باب الأحلام الوردية، ولا من باب الرجم بالغيب، وإنما أقول ذلك من باب فهمي لآيات الله الكونية والقرآنية، وفهم أحاديث النبي ﷺ . بعد مرحلة التمحيص والابتلاء يثبت من يثبت على الصف ليرفع الراية في سبيل الله، لا من أجل أي أمر من أمور الدنيا أو الهوى، وإنما من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا، فتأتي سنة الله ﵎ التي وعد بها. واعتصموا بحبل الله، أي: بجماعة المسلمين، واعتصموا بحبل الله، أي: امتثلوا أمره، واجتنبوا نهيه، وقفوا عند حدوده، كل هذا ثابت عن السلف، يقول ربنا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج:٧٨] من اعتصم بالله فقد اعتصم بنعم المولى ونعم النصير، لا مجال الآن أمام الأمة إلا أن تعتصم بالله، إلا أن توظف ما عندها من أسباب ومن طاقات وإمكانيات، ولترجع إلى الله لتردد مع السابقين الأولين قولتهم الخالدة: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥]، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج:٧٨]، روى البخاري وغيره أنه لما انتهت معركة أحد نادى أبو سفيان بأعلى صوته وقال: أفي القوم محمد؟ ﷺ ، فقال النبي ﷺ : (لا تجيبوه) فكررها أبو سفيان ثلاثاً: أفي القوم محمد؟ أفي القوم محمد؟ فلما لم يجبه أحد اطمأن إلى أن النبي ﷺ قد قتل، فنادى ثانية: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال النبي: (لا تجيبوه) فكررها ثلاثاً، فلما لم يجبه أحد اطمأن إلى أن الصديق هو الآخر قد قتل، فنادى في المرة الثالثة: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال النبي: (لا تجيبوه) فكررها ثلاثاً، فاطمأن إلى أن هؤلاء جميعاً قد قتلوا، فالتفت أبو سفيان إلى قومه من المشركين وقال: أما هؤلاء فقد قتلوا. فلم يتمالك عمر بن الخطاب نفسه فرد على أبي سفيان وقال: كذبت والله يا عدو الله! إن هؤلاء الذين عددت لأحياء كلهم، وقد بقي لك ما يحزنك. وفي لفظ: ما يخزيك، وفي لفظ: ما يسوءك، فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، وستجدون في القوم مثلة لم آمر بها، ولم تسؤني ثم أخذ يقول: اعل هبل، اعل هبل! اعل هبل، وهنا قال النبي ﷺ : (ألا تجيبونه؟!) مع أنه قبل لحظات كان يقول: (لا تجيبوه)؛ لأن القضية في المرة الأولى متعلقة بالأشخاص، حتى ولو كانت بشخص النبي ﷺ ، أما القضية في هذه المرة فهي متعلقة بالعقيدة، متعلقة بذات الله جل وعلا يقول: (اعل هبل! فقال النبي: ألا تجيبونه؟! قالوا: فما نقول يا رسول الله؟! قال: قولوا له: الله أعلى وأجل، الله أعلى وأجل. فقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم! فقال النبي: ألا تجيبونه؟! قالوا: فما نقول يا رسول الله؟! قال: قولوا له: الله مولانا ولا مولى لكم!). قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١]، فمتى ستعرف الأمة هذه المعاني؟! متى ستعرف الأمة نعم المولى ونعم النصير؟!

стр. 1448

سنة التداول ثم وقعت سنة التداول ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠]، فالدولة الآن للكفر وأهله، الدولة الآن لليهود، الدولة الآن للهندوس، الدولة الآن للملعونين الملحدين من الروس، الدولة الآن للكفر وأهله. وتدبر معي! والله ما انتصر الكفر وأهله إلا يوم أن تخلى عن الحق أهله! سنن لا تتبدل! فالله لا يعجل لعجلة أحد، واعلم بأن الله يسمع ويرى ما يجري الآن على أرض فلسطين وعلى أرض الشيشان وعلى أرض أفغانستان، وليس أحد أغير على الحق وأهله من الله، وليس أحد أرحم بالمستضعفين من الله، لكنها السنن، لقد كان النبي ﷺ قائد المعركة في أحد، فتخلى بعض الصحابة عن بعض أسباب النصر فكانت الهزيمة، هزمت الأمة في أحد مع أن قائد المعركة هو رسول الله ﷺ ، والهزيمة سنة ربانية لا تتغير ولا تتبدل، عصى بعض الصحابة أمراً من أوامر رسول الله فكانت الهزيمة، فكيف تنصر الأمة الآن وقد ضيعت شريعة الله بالجملة، ونحت شريعة النبي ﷺ ، ونحن أمام شرط الإسلام وحد الإيمان بلفظ القرآن ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].

стр. 1449

سنة الابتلاء والتمحيص الدولة الآن للكفر وأهله، وتأتي بعد سنة التداول سنة الابتلاء، فما تحياه الأمة الآن إنها سنة أخرى من سنن الله في الكون إنها سنة الابتلاء، لماذا أيها الإخوة؟ للتمحيص، واحفظوا عني هذه العبارة جيداً، أقول: إن ما يجري الآن على أرض فلسطين، وما يجري الآن على أرض أفغانستان، وما يجري الآن على أرض الشيشان، وما يجري الآن على أرض الفلبين، وما يجري الآن في الأمة، إنما هو تربية من الله للأمة بالأحداث، إنها مرحلة التربية السماوية، الأمة لا تجد من يربي أفرادها، لا من الزعماء، ولا من العلماء إلا من رحم ربك من أفراد، فنشهد الآن مرحلة شديدة من مراحل التربية لأفراد الأمة، إنها التربية بالأحداث. فما يجري الآن على أرض فلسطين تربية، ولابد من الابتلاء للتمحيص وللتمييز، أما حالة الخلط والغبش التي تحياها الأمة فلن تنصر لله ديناً، ولن تنصر للتوحيد عقيدة، ولن ترفع للإسلام راية، فلابد من المفاصلة، لابد من إقامة الفرقان الإسلامي، لابد أن تستبين سبيل المؤمنين من سبيل المجرمين، لابد من هذه المرحلة: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:١ - ٣]. وانتبه! فالله جل وعلا يعلم ما كان وما هو كائن وما سيكون، فالله سبحانه لا يعلم الصادق من الكاذب بعد الأحداث، بل الله يعلم ما كان وما هو كائن وما سيكون، وإنما هو علم للأفراد السائرين على الدرب؛ ليثبت على الصف من يستحق شرف السير على طريق النبي ﷺ ؛ لأن هناك صنفاً يسير على طريق الدعوة إلى الله، يتاجر بالدعوة ويتاجر بالاستقامة يتاجر بالإسلام، يظن أن الدعوة صفقة تجارية! إن حقق الربح فهو سائر على الدرب مع السائرين، وإن تعرض لمحنة أو فتنة نكص على عقبيه وتقهقر: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١]. لابد من التمايز، لابد من التمحيص، ولن يكون هذا التمحيص إلا بعد الابتلاء والمحن والفتن. فما يحدث الآن إنما هو نوع من أنواع التربية، لقد علمت الأمة كلها الآن أن الكفر لا ينصر للأمة قضية، ومن الحكم العظيمة في تأخير الله للنصر -وتدبروا هذه الحكمة البالغة- ألا يبقى في صف العدو سمة من سمات الخير، حتى لا يغتر بهذه السمة ضعاف الفهم وضعاف الإيمان، فلقد شاء الله لنا الآن أن نرى العدو على حقيقته. من سنوات قليلة مضت كنا نسمع على ألسنة كثيرٍ من الكتاب والمفكرين والأدباء، العدالة الأوروبية والعدالة الأمريكية! وأن أوراق القضية على مائدة الأمريكان، وأنه لابد من التدخل الأوروبي، إلى آخر هذه الكلمات. فشاء الله أن نرى في هذه الأيام القليلة الماضية أن الكفر لا ينصر إيماناً، وأن الشرك لا ينصر توحيداً. فحال أمتنا حال عجيب! وهي لعمر الله بائسة كئيبة يجتاحها طوفان المؤامرة الرهيبة! ويخطط المتآمرون كي يغرقوها في المصيبة! وسيحفرون لها قبوراً ضد خطتهم رهيبة! قالوا: السلام السلام قلت يعود الأهل للأرض السليبة! وسيلبس الأقصى غداً بعد السلام أثواباً قشيبة! فإذا سلامهم هو التنازل عن القدس الحبيبة! فبئس سلامهم إذاً وبئست هذه الخطط المريبة! شاء الله أن يرى كل عاقل وكل منصف حقيقة الغرب وحقيقة الكفر، لقد سمعت امرأة علمانية تقول بالحرف: (هذا ليس سلام شجعان، وإنما هو سلام فئران) شاء الله بهذه الأحداث أن يظهر العدو على حقيقته، بدا من العدو السافر للإسلام الحقد والبغض، وصدق ربي إذ يقول: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، وصدق ربي إذ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١]، وصدق ربي إذ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران:١١٨]، وصدق ربي إذ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة:١]. أتحب أعداء الحبيب وتدعي حباً له ما ذاك في الإمكان وكذا تعادي جاهداً أحبابه أين المحبة يا أخا الشيطان إن المحبة أن توافق من تحب على محبته بلا نقصان فإن ادعيت له المحبة مع خلا فك ما يحب فأنت ذو بطلان وقال آخر: لو صدقت الله فيما زعمته لعاديت من بالله ويحك يكفر وواليت أهل الحق سراً وجهرة وكيف تواليهم وللكفر تنصر فما كل من قد قال ما قلت مسلم ولكن بأشراط هنالك تذكر مباينة الكفار في كل موطن إذا جاءك النص الصحيح المقرر وتصدع بالتوحيد بين ظهورهم وتدعوهم سراً لذاك وتجهر هذا هو الدين الحنيفي والهدى وملة إبراهيم لو كنت تشعر فما يحدث الآن إنما هو تربية للأمة بالأحداث، فلقد شاء الله أن يربي الأمة بالأحداث في غزوة بدر، وبالأحداث في غزوة أحد، وبالأحداث في غزوة الأحزاب، وبالأحداث في صلح الحديبية وغيرها من الأحداث، نزل في أحد قول الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]، وكأن الله جل وعلا أراد أن يعلم الأمة أن الدعاة إلى الله يجيئون ويذهبون ويخطئون ويموتون وتبقى الدعوة وستبقى خالدة على مر الأجيال والقرون، لو قتل النبي ﷺ فواجب عليكم يا أتباع النبي أن ترفعوا الراية، وأن تواصلوا السير على الطريق؛ لأن النبي ﷺ ما جاء ليخلد في الأرض، وما جاء ليبقى بين الناس، بل جاء مبلغاً دين الله، وليبلغ دعوة الله ثم يمضي إلى ربه، والناس بدعوة الله وبالعروة الوثقى متمسكون، فالأمة الآن تربى بالأحداث، رأينا الآن على أرض فلسطين تسطير البطولة فوق القدس. رأينا أمثلة ونماذج تحاكي السلف، لا أقول ذلك من باب العاطفة، والله لقد خرج طفل في العاشرة من عمره فسأله رجل كبير من الشيوخ حينما رآه يلبس زياً عسكرياً يشبه زي الجنود، فقال له: إلى أين يا بني؟! وهو طفل في العاشرة، فقال: إلى الجهاد، وهذا على أرض فلسطين. قال: إلى الجهاد؟ قال: نعم، قال: ما اسمك؟ قال: محمد، قال: كم عمرك يا محمد؟ قال: عشر سنوات، قال: أين أبوك؟ قال: استشهد قبل أربعين يوماً! قال: ألك إخوة؟ قال: رزقني الله بست أخوات وأنا الابن الوحيد! قال: هل استأذنت أمك يا محمد للخروج إلى الجهاد؟ قال: نعم استأذنت أمي! قال: وماذا قالت لك؟ فقال محمد ابن العاشرة: قالت لي أمي وأنا خارج: انطلق يا محمد للجهاد، وأسأل الله أن يلحقك بأبيك!! رأيت بعيني أماً فلسطينية تحمل رضيعها على ذراعها الأيسر وتنحني على الأرض لتأتي بحجر إلى ولدها الذي لم يبلغ الثانية عشرة من عمره وتأمر الأم ولدها أن يقذف دبابة لا تبتعد إلا عشرة أمتار، تأمر الأم ولدها أن يقذف الدبابة بالحجر!! إنها التربية بالأحداث، لقد علم هؤلاء أن الغرب لن ينصر لهم قضية، بل وأن العالم الإسلامي الهزيل المهزوم لن ينصر لهم قضية، فلجئوا إلى الله جل وعلا، واعتصموا بالله ﵎، وقدموا أرواحهم في سبيل الله ﷻ فرأينا العجب العجاب، حتى صرح أكابر جنرالات اليهود الآن أنهم صاروا يخشون كل شيء على أرض فلسطين! يقول الجنرال الكبير: صرت أخشى صندوق القمامة، صرت أخشى الحقيبة حين أفتحها، صرت أخشى الباص حين يمر بجواري، أصبحوا ينتظرون القتل والموت في كل لحظة! وأبشروا! فلقد تحولت انتفاضة إخواننا هنالك إلى انتفاضة مسلحة، صنع إخواننا الصواريخ بأيد مسلمة على أرض فلسطين، صنع إخواننا القنابل، ومع هذه الأسلحة أعظم الأسلحة وهو سلاح الإيمان واليقين، دب الرعب في قلوب إخوان القردة والخنازير، وصدق ربي إذ يقول: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠].

стр. 1450

سنة التغيير ثم تدبروا معي! بدأت الأمة تنحدر وتغير، فوقعت سنة التغيير فغير الله عليهم ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الأنفال:٥٣]. وسنتطرق إلى هذا التفصيل المهم حتى لا نصطدم بالواقع إذا تدبرنا آيات القرآن: ففي جانب العقيدة غيرت الأمة وبدلت، فذبحت العقيدة في الأمة شر ذبحة، وهجرت الأمة عقيدة التوحيد بشمولها وكمالها وصفائها، ففي الأمس القريب كانت العقيدة إذا مس جانبها سمعت الصديق يتوعد، والفاروق يزمجر! ورأيت المؤمنين الصادقين يبذلون من أجلها الغالي والنفيس. لكن العقيدة الآن تذبح في الأمة شر ذبحة، فمن هذه الأمة نرى الملايين المملينة التي لا تعرف الله جل وعلا، ولا تعرف قدره، ولا تعرف جلاله، بل ومازال كثير من أفراد هذه الأمة إلى هذه اللحظة يثق في بعض دول الغرب أكثر من ثقته برب السماء والأرض، وسمعنا زعيماً لدولة خرجت من بين الدماء والأشلاء، ومازالت في هذا الوحل إلى هذه اللحظات، سمعناه يقول: إنه ممن يعتقد أن للكون أقطاباً وأوتاداً وأبدالاً تدبر نظام الكون وتسير شئونه! وسمعنا هنا من يقول -على مرأى ومسمع وممن يشار إليهم بالبنان أنهم من أهل العلم- إننا نحتفل الليلة بمولد السيد البدوي المهاب، الذي إن دعي في البر والبحر أجاب. وسمعنا من أفراد هذه الأمة ومن رموزها من يقول: لقد عزمنا على أن نأخذ كل ما عند الغربيين حتى الالتهابات التي في رئاتهم، والنجاسات التي في أمعائهم! وسمعنا من رموز هذه الأمة من يقول: إن تطبيق الشريعة الإسلامية ردة حضارية بكل المقاييس! إلى آخر هذه الكلمات الخطيرة. نحت الأمة عقيدة التوحيد والإسلام، عقيدة تنبثق منها شريعة تنظم كل شئون الحياة، ولا يقبل الله من قوم شريعتهم إلا إذا صحت عقيدتهم. غيرت الأمة في مجال العقيدة، وغيرت الأمة في مجال العبادة، صرفت العبادة في كثير من صورها إلى غير الله ﵎، بركنيها: من كمال حب وكمال تعظيم، وبشرطيها: من إخلاص واتباع، صرفت لغير الله، والله ﵎ يقول: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. وغيرت الأمة في جانب التشريع، فنحت الأمة شرع الله جل وعلا بالجملة، واستبدلت بالعبير بعراً، وبالثريا ثرى، وبالرحيق المختوم حريقاً محرقاً مدمراً، وركبت الأمة قوارب الشرق الملحد تارة فغرقت وأغرقت، وركبت قوارب الغرب الكافر تارة فغرقت وأغرقت، وركبت قوارب الوسط الأوروبي فغرقت وأغرقت، والله ﵎ يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف:٤٠]، ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام:١١٤]، والله جل وعلا يقول: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] وفي جانب الأخلاق والمعاملات والسلوك غيرت الأمة وبدلت، انظر إلى أخلاقيات المسلمين -إلا من رحم ربك- ترى انحرافاً مزرياً عن أخلاق الإسلام، وعن أخلاق النبي محمد ﵊. غيرت الأمة في كل المجالات، فكانت السنة الحتمية لهذا التغيير كما قال ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، ماذا حدث؟! ذلت الأمة بعد عزة، وجهلت الأمة بعد علم، وضعفت الأمة بعد قوة، وأصبحت الأمة في ذيل القافلة البشرية، بل وأصبحت الأمة تتأرجح في سيرها، ولا تعرف طريقها، لا تعرف من توالي، ولا تعرف من تعادي، لا تعرف شيئاً عن عقيدة الولاء والبراء، لا تعرف شيئاً عن حقيقة الإرهاب. الأمة في اجتماعها الأخير في ماليزيا، وهو اجتماع يتكون من خمسين دولة، لم تستطع الأمة بهذا العدد الضخم أن تعرف الإرهاب، واختلفت الأمة في حقيقة الإرهاب، واعترض وزير خارجية أكبر دولة إسلامية في ماليزيا على ما يحدث الآن في أرض فلسطين وقال: إن قتل المدنيين من اليهود هذا هو الإرهاب! قالوا تطرف جيلنا لما سما قدراً وأعطى للطهارة موثقا ورموه بالإرهاب حين أبى الخنا ومضى على درب الكرامة وارتقى أوكان إرهاباً جهاد نبينا بل كان حقاً في الكتاب مصدقا أتطرف إيماننا بالله في عصر تطرف في الهوى وتزندقا إن التطرف أن نذم محمداً والمقتدين به ونمدح عفلقا إن التطرف أن نرى من قومنا من صانع الكفر اللئيم وأطرقا فالأمة مازالت مختلفة في تعريف الإرهاب على أيدي أكابر مسئوليها! الأمة تحولت من حالة العلم إلى الجهل، ومن العز إلى الذل، ومن القوة إلى الضعف؛ لأنها سنة ربانية أودعها الله كونه، لا تتبدل ولا تتغير ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الأنفال:٥٣].

стр. 1451

ماذا تنتظر الأمة ؟! الأمة تضع الخطط السنوية والخمسية، وإلى الآن ما وضعت ضمن خطة واحدة قدرة وعظمة رب البرية! إلى متى؟! متى ستفيق الأمة بحكامها وعلمائها؟! متى ستفيق؟! ماذا تنتظر هذه الأمة؟! هذه الخطة الأولى: اعتصام بالله، يقين في الله، ثقة في الله، توكل عليه، رجاء فيه، تفويض إليه، تجديد للإيمان، تجديد للتعبد، تحكيم للشريعة، كل هذا يندرج في إطار العقيدة. أنا قد أصلت أن الإسلام عقيدة، تنبثق من هذه العقيدة شريعة، تنظم هذه الشريعة بعد ذلك كل شئون الحياة. ولا يقبل الله من أمة شريعتهم إلا إذا صحت عقيدتهم، فلترجع الأمة إلى الله، ولتمتثل أمره، ولتجتنب نهيه، ولتقف عند حدوده، ثم بعد ذلك فلترفع الأمة راية الجهاد في سبيل الله، هذا ما ندين الله به في هذه المرحلة، تجديد للإيمان، تصحيح للعقيدة، تصحيح للاعتصام به، تجديد لليقين فيه، تجديد للثقة فيه، تجديد للتوكل عليه، تجديد للرجاء فيه، تجديد للعقيدة بشمولها وكمالها، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ووقوف عند حدوده، هذا هو تحكيم الشرع. أنا لا أفهم من آية قرآنية ولا من سنة إلهية أن الله ينصر أمة نحت دينه، وخذلت شريعة رسوله ﷺ ، فليبدأ حاكم من حكام المسلمين بمعنى هذا التأصيل الذي ذكرت، معنى تأصيل العقيدة وتحكيم الشريعة والعودة إلى دين الله، وليرفع بعدها راية الجهاد في سبيل الله، وليقل: حي على الجهاد! وليدع الفرصة للعلماء ليجيشوا ملايين الشباب، أستغفر الله! بل ملايين الشيوخ! بل ملايين النساء والأطفال! بل والله إن الأمة الآن تحترق منها القلوب، والواحد منها يتمنى أن يبذل روحه ودمه لدين الله ﵎، بل ورب الكعبة يتمنى أن يسد بصدره فوهات مدافع أعداء الله! ليعلم كلاب الأرض من اليهود أن محمداً ما مات وما خلف بنات، بل خلف رجالاً تحترق قلوبهم شوقاً للشهادة في سبيل الله! أنا لا أفهم أبداً أن ترفع الأمة راية للجهاد قبل أن ترفع الأمة راية العقيدة، وقبل أن تحكم الأمة الشريعة، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا) تدبروا هذا النداء، فالله يثبت لهم في صدر الآية الإيمان ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف:١٠] (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) ويأمرهم بالإيمان بعد أن أثبت لهم عقد الإيمان في صدر الآية في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا)، ومع ذلك يقول: (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) تدبر القرآن!: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف:١١]. ماذا تنتظر الأمة بعد هذا؟! إلى هذه اللحظة لم تتخذ الأمة حتى قرارات سياسية، فلتطرد الأمة سفراء اليهود من بلادها، ولتسحب الأمة سفراءها من بلاد اليهود وبلاد الغرب، ولتوقف الأمة بترولها عن الشرق والغرب، ولنقاطع المنتجات الأمريكية التي وضعت رءوسنا في الوحل والتراب، والله سنأكل التراب ونعيش بعزة وكرامة واعتصام بالله ﵎، ويقين فيه وثقة فيه وتوكل عليه ورجاء فيه، ثم نرفع راية الجهاد في سبيل الله، الشباب يريدون الشهادة، لماذا لا تفتح الحدود لهم؟! لماذا لا نمد إخواننا على أرض فلسطين بالسلاح إن كنا لا نريد أن نفتح الحدود بيننا وبينهم؟! لماذا لا نمد هؤلاء بالسلاح؟! فإن اليهود الآن يستعملون كل أنواع الأسلحة ذات الصنع الأمريكي ضد هؤلاء العزل! لا حل إلا بالعقيدة ثم رفع راية الجهاد في سبيل الله، هذا هو الحل ورب الكعبة! وكل أهل الشرق والغرب لا يريدون أبداً أن تظلل الساحة بمظلة الجهاد. لا يريدون لهذه اللفظة أن تتردد؛ لأنهم يعلمون أنه إذا تحولت الحرب إلى حرب عقدية؛ فستنقلب كل الموازين، فالصراع بيننا وبين اليهود ليس صراع أرض وحدود، ولكنه صراع عقيدة ووجود!

стр. 1452

دور المسلم والمسلمة في هذا الواقع المرير دورك أيها المسلم! وأيتها المسلمة! أن تحمل في صدرك قلباً يحترق، فوالله لو بكى كل مسلم ومسلمة على الأرض دمعاً مدراراً في آن واحد لأغرقت دموع الأمة اليهود! ولو بصق وتفل كل مسلمة ومسلمة على وجه الأرض على قلب رجل واحد لأغرق بصاقهم اليهود! لكنها الهزيمة النفسية، صرنا نرى الدم يسفك واللحم يتناثر، وينظر أحدنا إلى هذه المأساة، ويهز كتفيه ويمضي، وكأن الأمر لا يعنيه، فتراه يحمل قلباً بارداً لا يتأثر. فأول خطوة على الطريق أن تحمل هذا القلب التأثر الذي يحترق لهذا الواقع المرير، أن تحمل في صدرك دماء تغلي حنقاً على أعداء الله ﵎، إن لم تجد الآن في صدرك قلباً يحترق على هذا الواقع فعد الليلة إلى بيتك، وتضرع إلى الله أن يمن عليك بقلب حي فإنه لا قلب لك! ثم متى ستربي نفسك وأولادك وبناتك ونساءك على عقيدة الولاء والبراء إن لم تفعل الآن؟! من منا جمع أولاده الآن، وغرس في قلوبهم بغض اليهود، والولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، والبراء من الكفر والكافرين والشرك والمشركين؟ من منا جلس بين أولاده وهو يأكل الطعام وقال: يا أولادي! تدبر يا بني! تدبري يا بنيتي! لو أن صاروخاً يهودياً من صنع أمريكي سقط الآن على شقتنا، أو على بيتنا فمات أبوك وماتت أمك وتمزقت أشلاء أبيك وتناثرت دماء أمك أمام عينيك وبين يديك ماذا تصنع؟! ماذا تفعل؟! هل تعلم أن اليهود الآن يفعلون ذلك بأخيك وأبيك وأمك وأختك على أرض فلسطين؟! ربه على عقيدة الولاء والبراء من خلال الأحداث، رب امرأتك على عقيدة الولاء والبراء من خلال الأحداث، متى ستجلس مع امرأتك وأولادك على جزء من كتاب الله إن لم تفعل الآن؟! متى ستجلس مع امرأتك وأولادك على حديث من أحاديث رسول الله إن لم تفعل الآن؟! متى ستقيم الليل أنت وأسرتك إن لم تفعل الآن؟!

стр. 1453

وجوب الدعاء للمسلمين من منا يتضرع إلى الله في الليل؟! من منا قام الليل ليتضرع إليه سبحانه بالدعاء بالتذلل بالخضوع؟! فالدعاء سهام الليل، والله ربما لا يدعو كثير من المسلمين الآن إلا إذا دعا إمامهم فأمنوا عليه! أمة بخلت بالدعاء هل تجود بالأموال والدماء؟! إذا كان يحال بينك وبين الجهاد بالنفس فجاهد بمالك إن استطعت بالدعاء بالكلمة في الأماكن العامة في الأماكن الخاصة، فكل هذا جهاد، كل ما تستطيع أن تقدمه ستصبح بين يدي الله نادماً إن قصرت فيه، أما إن كنت مكلفاً بواجب وعجزت عن أدائه فقد سقط هذا الواجب عنك، فالواجب يسقط بالعذر كما قال شيخ الإسلام وغيره، فالواجب يسقط بالعذر، أما إن كنت قادراً على فعل شيء، وقصرت في فعله فستندم إن لم تفعله. الأمة أيها الإخوة لن تحرر الأقصى، ولن تعود إلى مكانتها وعزتها بالمظاهرات الساخنة! ولا بالمؤتمرات الصاخبة -ولست بصدد الحكم الشرعي على المظاهرات الآن- ولا بحرق الأعلام ولا بالشجب! وإنما برجوع الأمة إلى الله، لتصحح العقيدة، لتصحح العبادة، لتحكم الشريعة، لتصحح ما فقدت من الأخلاق، لتربي الجيل جيل النصر على الكتاب والسنة، على عقيدة الولاء والبراء، ثم لنثق جميعاً بوعد الله ﵎ ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠]. كل يجب عليه أن يؤدي واجبه الآن في حدود قدراته وإمكانياته وألا يتخلف، الأمة الآن في حاجة إلى كل جهد، إلى كل كلمة، بحاجة إلى تجييش كل الطاقات لتعمل لدين الله، نريد أن تتحول كل بيوتنا إلى بيت يحاكي بيت أبي بكر الصديق، الزوج يعمل فيه لدين الله، الزوجة تعمل فيه لدين الله، الولد يعمل فيه لدين الله، البنت تعمل فيه لدين الله، حتى الراعي في هذا البيت يعمل لدين الله ﵎.

стр. 1454

إصلاح النية أيها الأفاضل! عقد الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الجهاد باباً بعنوان (باب: من حبسه العذر عن الغزو) فمن رحمة الله بنا أن النبي ﷺ قال: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) هل تعلم أنك تستطيع أن تحصل أجر الشهادة كاملاً وأنت في مسجدك، ولم تشرف بأن تكون على ساحة الجهاد؟ نعم، إن صحت نيتك وصدقت (من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء) (إن في المدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم شركوكم الأجر، قالوا: وهم بالمدينة يا رسول الله؟! قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر) يا راحلين إلى البيت العتيق لقد سرتم جسوماً وسرنا نحن أرواحاً إنا أقمنا على عذر نكابده ومن أقام على عذر كمن راحا أسأل الله جل وعلا أن يعجل بالنصر، اللهم اشف صدور قوم مؤمنين بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم اشف صدور قوم مؤمنين بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم اشف صدور قوم مؤمنين بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم انصر إخواننا في فلسطين، اللهم انصر إخواننا في فلسطين، اللهم احقن دماءهم، اللهم احقن دماءهم، اللهم احقن دماءهم، اللهم اربط على قلوبهم، اللهم احفظهم بحفظك واكلأهم بعنايتك ورعايتك، اللهم إنهم حفاة فاحملهم، عراة فاكسهم، جياع فأطعمهم، اللهم إنهم مغلوبون فانتصر لهم، اللهم إنهم مغلبون فانتصر لهم، لا إله لنا سواك فندعوه، ولا رب لنا غيرك فنرجوه، لا إله لنا سواك فندعوه، ولا رب لنا غيرك فنرجوه. يا منقذ الغرقى، ويا منجي الهلكى، ويا سامعاً لكل نجوى، يا عظيم الإحسان، ويا دائم المعروف. اللهم ارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، واستر عيبنا، وتول أمرنا، وفك أسرنا، واختم بالصالحات أعمالنا. اللهم اختم بالصالحات أعمالنا. اللهم إنا نشكو إليك خيانة الخائنين، اللهم إنا نشكو إليك خيانة الخائنين، اللهم إنا نشكو إليك خيانة الخائنين، وضعف المسلمين، وضعف المسلمين، وضعف المسلمين، اللهم ارزقنا الشهادة في سبيلك، اللهم ارزقنا الشهادة في سبيلك، اللهم ارزقنا الشهادة في سبيلك. اللهم ارفع علم الجهاد، اللهم ارفع علم الجهاد، اللهم ارفع علم الجهاد. اللهم اقمع أهل الزيغ والفساد، اللهم اقمع أهل الزيغ والفساد، اللهم ارزقنا الصبر واليقين، اللهم ارزقنا الصبر واليقين، اللهم ارزقنا الصبر واليقين، اللهم اقبلنا وتقبلنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

стр. 1455

ما هي العبادة؟ ومن نعبد ؟ العبادة من أجلها خلق الله السماوات والأرض، والجنة والنار، ومن أجلها أرسل الرسل، وأنزل الكتب، والعبادة تسع الحياة كلها، فحياة المؤمن كلها عبادة إن صحت النية، وكانت العبادة الظاهرة أو الباطنة موافقة لهدي النبي عليه أفضل الصلاة والتسليم.

стр. 1456

معنى العبادة الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الفضلاء! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله الكريم جل وعلا الذي جمعنا مع حضراتكم في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار مقامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! إن الغاية العظيمة التي من أجلها خلقنا قد بينها لنا ربنا جل وعلا في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، والعبادة -أيها الأحبة الكرام- ليست أمراً على هامش الحياة، ولكنها الأصل الأول الذي من أجله خلق الله السماوات والأرض والجنة والنار، ومن أجله أنزل الكتب، وأرسل جميع الرسل، ومع ذلك فإن كثيراً ممن ينتسبون الآن إلى الإسلام لا يعرفون شيئاً عن هذه الغاية التي من أجلها خلقوا، ولأجلها ابتعثوا! فأردت في هذه الأيام الطيبة المباركة أن أذكر نفسي وأحبابي بهذه الغاية العظيمة، وفي زمان الفتن والشهوات والشبهات تحولت تلك الغاية العظيمة في حياة كثير من الناس إلى أمر هامشي في الحياة. فما هي العبادة؟ ومن نعبد؟ ولماذا نعبد؟ وبماذا نعبد؟ الإجابة على هذه الأسئلة الأربعة هو موضوع كلمتنا في هذه اللحظات بإيجاز شديد. أولاً: العبادة في اللغة: الذل، يقال: طريق معبد، أي: طريق مذلل قد وطأته الأقدام، ولكن العبادة التي أمرنا بها الله تقتضي إلى جانب الذل: الحب، فهي كما قال شيخ الإسلام: كمال الذل لله مع كمال الحب لله جل وعلا، وقد عرفها رحمه الله تعالى بقوله: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فالصلاة والصيام والزكاة والحج وبر الوالدين وجهاد المنافقين والمشركين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله والتوكل والتفويض والرجاء والإنابة والخشية والاستعانة كل هذا من العبادة. إذاً: العبادة التي خلقنا لها تسع الحياة كلها، فحياة المؤمن كلها عبادة إن صحت النية، وكانت العبادة الظاهرة أو الباطنة موافقة لهدي سيد البشرية ﷺ . ومن أعظم الأدلة النبوية على ذلك ما رواه مسلم من حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ سأله أصحابه فقالوا: (يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور -أهل الدثور أي: أصحاب الأموال- يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم -سبقونا بالصدقة والبذل والإنفاق والعطاء- فقال النبي ﵊: أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به؟! إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة -أي: في جماع الرجل لامرأته صدقة- قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته فيكون له فيها أجر؟! قال: أرأيتم لو وضعها في الحرام أيكون عليه وزر؟ قالوا: نعم، قال: فكذلك لو وضعها في الحلال فله فيها أجر).

стр. 1457

شروط صحة العبادة حياة المؤمن كلها عبادة بهذين الشرطين: الأول: أن تصح النية. الثاني: أن تكون العبادة موافقة لهدي سيد البشرية ﷺ ، ومن خلال هذا الفهم الشامل الكامل لمفهوم العبادة يتبين لنا أن كثيراً من الناس قد انحرفوا عن مفهوم العبادة الحق انحرافاً مزرياً، فمنهم من فهم العبادة فهماً جزئياً قاصراً، وظن أن العبادة لا تتعدى الشعائر التعبدية المعروفة كالصلاة والصيام والزكاة والعمرة والحج فحسب، فهو في المسجد متعبد لله بشرعه، فإن خرج من المسجد يتعامل بالربا، ويعاقر الزنا، ويشرب الخمر، ويعق الوالدين، ويسيء إلى زملائه في العمل، وإلى مرءوسه في الوظيفة، وترى امرأته وبناته متبرجات كاسيات عاريات، فهو في المسجد مع الله بوجه وخارج المسجد مع الله ومع الناس بوجه آخر، فهو يمتثل أمر الله في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣]، ولا يمتثل أمر الله في السورة ذاتها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة:١٧٨]، يمتثل أمر الله في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦]، ويضيع أمر الله في سورة المائدة ذاتها: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، وهذا فَهْمٌ مبتور للعبادة، وفهم ناقص، والله جل علا يقول: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٨٥]، قصور في فهم العبادة. ونرى صنفاً ثانياً قد صرف العبادة لغير الله جل وعلا، فهو يذعن لغير شرع الله، ويذبح لغير الله، ويحلف بغير الله، ويطوف بغير بيت الله تعظيماً لغير الله، ويقدم النذر لغير الله، ويستغيث بغير الله، ويستعين بغير الله، ويلجأ إلى غير الله، ويفوض الأمر إلى غير الله، ويتوكل على غير الله، ويثق في بعض دول الأرض وأمم الأرض أكثر من ثقته في خالق السماء والأرض، منهم من يقول: إذا تعسرت الأمور فعليكم بأصحاب القبور! ومنهم من يقول: إنه ممن يعتقد أن للكون أقطاباً وأوتاداً وأبدالاً تدبر نظام الكون وتسير شئونه!! والله جل وعلا يقول: ﴿قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٤]، ومنهم من يقول: إننا الليلة نحتفل بمولد سيدي السيد البدوي المهاب، الذي إن دعي في البر والبحر أجاب، والله جل وعلا يقول: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٢]، أئله مع الله يجيب المضطر في البر والبحر؟! والله جل وعلا يقول: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام:١٧]. ومن الناس من صرف العبادة لله -وهذا هو الصنف الثالث- يبتغي بالعبادة وجه الله، لا نشكك في إخلاصه، ولكنه تعبد لله على غير هدي المصطفى، وعلى غير السنة، فعبادته مردودة على رأسه لا قبول لها عند الله جل وعلا، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، وفي الصحيحين من حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: (من أحدث في أمرنا -أي: في ديننا - هذا ما ليس منه فهو رد) مردود على رأسه لا قبول له عند الله جل وعلا. من أجل ذلك -يا إخوة- شن الإسلام حملة شديدة على الشرك، وعلى صرف العبادة لغير الله، وأصّل تأصيلاً لتوحيد الألوهية في كلمة واحدة، فتوحيد العبادة هو إفراد الله ﵎ بالعبادة بلا منازع أو شريك؛ امتثالاً عملياً لقوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣].

стр. 1458

وجوب عبادة الله وحده وخطورة الشرك شن الإسلام حملة شديدة على الشرك، وبين أن الشرك هو الذنب الوحيد الذي لا يغفر، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: (من مات يشرك بالله شيئاً دخل النار، ومن مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة) وفي الصحيحين من حديث سعيد بن المسيب عن أبيه قال: (لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي ﷺ وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فجلس النبي إلى جوار عمه وقال: يا عم! قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله يوم القيامة، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب يا أبا طالب؟! قال: بل على ملة عبد المطلب، فخرج النبي من عنده وهو يقول: لأستغفرن لك ما لم أنْهَ عنك، فنزل عليه قول الله جل وعلا: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة:١١٣]). من أجل ذلك ينبغي أن يحدد كل واحد منا الجواب بدقة على هذا السؤال من نعبد؟ وقد يستعجب بعض الإخوة من طرحي مثل هذا السؤال: من نعبد؟! وهل هذا سؤال يستحق الطرح؟! وسيزول عجبك واستنكارك وغرابتك إذا علمت أن العالم مليء بركام هائل من التصورات الفاسدة، والعقائد الباطلة، والآلهة والأرباب والأنداد والطواغيت التي عبدت في الأرض من دون الله جل وعلا، فمن الناس من عبد القمر من دون الله، ومن الناس من عبد الشمس من دون الله، ومن الناس من عبد الجن من دون الله، ومن الناس من عبد الكواكب من دون الله، ومن الناس من عبد الحجارة والأصنام من دون الله ، بل ومن الناس من عبد التراب، هل تصدقون ذلك؟! روى أبو نعيم في الحلية بسند صحيح عن أبي رجاء العطاردي قال: كنا نعبد الحجر، فإذا وجدنا حجراً أحسن من الأول ألقينا الأول وأخذنا الثاني لنعبده من دون الله جل وعلا! فإذا لم نجد حجراً جمعنا كومة من التراب، وأتينا بغنم لنا فحلبنا على هذا التراب من اللبن ثم طفنا بها! أي: لنعبدها من دون الله جل وعلا! انظر إلى فساد عقول هؤلاء ومقدارها، يعبدون التراب من دون الله ! ومن الناس من عبد البشر، قال فرعون لقومه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وقال لهم: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، وعبد اليهود عزيراً من دون الله، وعبد النصارى ولازالوا يعبدون المسيح ابن مريم من دون الله، كل طوائف النصارى، ودعك من الدجل الإعلامي، فالملكية واليعقوبية والنصطورية والمارونية كلهم يعبدون عيسى من دون الله جل وعلا، وهذا قانونهم المشهور عندهم بقانون الأمانة الذي يسمونه: سنهوداً، منهم من يقول: عيسى هو الله، ومنهم من يقول: عيسى ابن الله، ومنهم من يقول: عيسى ابن زوج الإله، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، ولله در ابن القيم إذ يقول: أعباد المسيح لنا سؤال نريد جوابه ممن وعاه إذا مات الإله بصنع قوم أماتوه فهل هذا إله ويا عجب لقبر ضم رباً وأعجب منه بطن قد حواه أقام هناك تسع من شهور لدى الظلمات من حيض غذاه وشق الفرج مولوداً صغيراً ضعيفاً فاتحاً للثدي فاه ويأكل ثم يشرب ثم يأتي بلازم ذاك فهل هذا إله تعالى الله عن إفك النصارى سيسأل كلهم عما افتراه ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩]، والراجح من أقوال المحققين من أهل التفسير وهو قول جمهور المفسرين: أن مريم حملت بعيسى تسعة أشهر كاملة، وإن كنا لا ننكر أن الله قادر على أن تحمل مريم بعيسى وتلده في ساعة واحدة، فنحن لا ننكر إمكان ذلك بقدرة الله، ولكن الصحيح أن مريم حملت بعيسى حملاً عادياً تسعة أشهر، فلما رأى يوسف النجار -الذي اتهم بأنه قد فعل بها الفاحشة- بوادر الحمل تظهر على مريم يوماً بعد يوم عرَّض لها في القول وقال لها: يا مريم! إني سائلك عن شيء فلا تعجلي علي. فقالت مريم: سل يا يوسف عما شئت، ولا تقل إلا حقاً. فقال لها: يا مريم! هل يكون زرع بغير بذر؟! وهل يكون نبات بغير مطر؟! وهل يكون ولد بغير أب؟! فقالت مر يم: نعم يا يوسف. قال: كيف ذلك يا مريم؟! قالت: يا يوسف أنسيت أن الله تعالى خلق الزرع يوم خلقه من غير بذر، وخلق النبات يوم خلقه من غير مطر، وخلق آدم يوم خلقه من غير أب ومن غير أم. قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير. لقد خلق الله آدم من غير أب ومن غير أم، وخلق حواء من أب دون أم، وخلق عيسى من أم دون أب، وخلقني وخلقك من أب وأم لتكتمل قدرة الله، وليتبين للخلق جميعاً أن الله على كل شيء قدير. فمن الناس من عبد عزيراً، ومن الناس من عبد عيسى ابن مريم، ولا زالوا في عصر الذرة يعبدونه من دون الله جل وعلا! ومن الناس إلى الآن من يعبدون الأيدلوجيات والنظريات والقوميات والوطنيات والبعثيات، ألم تسمع قول القائل: هبوني ديناً يجعل العرُبْ أمة وسيروا بجثماني على دين برهمي أي: على دين إبراهيم الخليل. سلام على كفر يوحد بيننا وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم ألم تسمع قول القائل: آمنت بحزب البعث رباً لا شريك له وبالعروبة ديناً ما له ثان ألم تسمع قول القائل: إن مصر ستظل فرعونية، ولو وقف الإسلام حجر عثرة في طريق فرعونيتنا لنحينا الإسلام جانباً؛ لتبقى مصر فرعونية؟! أقوال خطيرة. إذاً: يزول الإشكال وتزول الغرابة إذا طرحنا هذا السؤال: من نعبد؟

стр. 1459

غنى الله عن العالمين حدد الجواب من تعبد؟ لمن تسمع؟ من تطيع؟ سؤال مهم يحتاج إلى تكرار، بل ولا ينبغي أن نمل من طرحه؛ من أجل ذلك شن الإسلام حملة ضارية على الشرك، وبين خطر الشرك، وبين أن التوحيد هو طريق النجاة الأوحد، ففي الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت أنه ﷺ قال: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل)، وفي رواية عتبان بن مالك: (فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله ، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢]. وأنا أقول لكم أيها الأحبة: والله لو تخلى الخلق على وجه الأرض عن عبادة الله جل وعلا ما ضروا إلا أنفسهم، فإن الله غني عن خلقه، لا تنفعه الطاعة، ولا تضره المعصية، بل إن الكون كله يسبح الله ويوحد الله، انظر إلى السماء وارتفاعها، انظر إلى الأرض واتساعها، انظر إلى الجبال وأثقالها، انظر إلى الأفلاك ودورانها، انظر إلى البحار وأمواجها، انظر إلى كل ما هو متحرك، وإلى كل ما هو ساكن، فوالله إن الكل يقر بتوحيد الله، ويعلن الشكر لله، ولا يغفل عن ذكر مولاه إلا من كفر من الإنس والجن ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج:١٨]، كل شيء في الكون يسجد لله ويوحد الله ، ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء:٤٤]، ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:١٩ - ٢٠]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]. وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر عن النبي ﷺ عن رب العزة في الحديث القدسي وفيه: (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجداً خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه).

стр. 1460

لماذا نعبد الله ؟

стр. 1461

نعبد الله طلباً لجنته وخوفاً من ناره ثالثاً: نعبد الله طلباً لجنته وخوفاً من ناره، وقد قال بعض أهل التصوف حكاية عن رابعة: اللهم إن كنت أعبدك طمعاً في جنتك فاحرمني منها! وإن كنت أعبدك خوفاً من نارك فاحرقني فيها! وإن كنت أعبدك لأنك تستحق أن تعبد لذاتك فلا تحرمني من النظر إلى وجهك الكريم! فقالوا: من عبد الله طلباً لجنته وخوفاً من ناره فهو كأجير السوء، إن أخذ الأجرة عمل، وإن لم يأخذ الأجرة لم يعمل. فرد عليهم أهل التحقيق والعلم وقالوا: إن أعرف الناس بالله وبجلاله وبكماله هم الأنبياء والرسل، أليس كذلك؟! بلى، الأنبياء والرسل أعرف الناس بجلال الله، وبقدره، وبكماله، وبعظمته، ومع ذلك عبدوا الله وهم يسألونه الجنة، ويستعيذون به من النار، قال قدوة الموحدين وإمام المحققين وخليل رب العالمين إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام في دعائه لربه: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء:٨٥]، وقال أيضاً: ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء:٨٧]، وهل هناك خزي أخزى من النار يوم يبعثون؟! وهذا إمام الموحدين وقدوة المحققين وأعرف الخلق قاطبة برب العالمين، سيد المرسلين محمد ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وغيره أن النبي ﷺ سأل يوماً صحابياً من أصحابه فقال له: (بم تدعو الله في صلاتك؟ قال: يا رسول الله! أنا لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، بل أدعو الله بدعوتين اثنتين، قال: ماذا تقول؟ قال: أقول: اللهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار، فإني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال النبي: حولها ندندن) وفي رواية: (وهل تصير دندنتي أنا ومعاذ إلا أن نسأل الله الجنة، ونعوذ به من النار؟!). وقد جمع الإمام ابن القيم بفهمه الراقي القولين، وأزال الخلاف بين الفريقين، بأسلوب رائع قلما تقف عليه لغير ابن القيم فقال ﵀: وسر الخلاف ناتج عن فهم مغلوط لحقيقة الجنة، فالفريق الأول ظن أن الجنة هي دار للنعيم المادي فحسب، الذي هو الأنهار والأشجار والحور والذهب والفضة والحرير إلى آخره. ثم قال ابن القيم: ولكن الجنة اسم لدار النعيم المطلق، وأعلى درجات هذا النعيم هو النظر إلى وجه الرب الكريم، فنعيم الجنة الحقيقي ليس في خمرها ولا في ذهبها ولا في فضتها، ولا في أنهارها ولا في قصورها، ولا في حريرها ولا في حورها، ولكن أعلى نعيم الجنة في النظر إلى وجه الله؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة:٧٢] أي: أكبر من الجنة بما فيها من نعيم، روى مسلم وغيره أن النبي ﷺ قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله تعالى: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أدخلتنا الجنة، ونجيتنا من النار؟! فيقول الله : أفلا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقول أهل الجنة: وأي شيء أفضل من ذلك؟! فيقول الله جل وعلا: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً) ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة:٧٢]. ولله در القائل: قليل منك يكفيني ولكن قليلك لا يقال له قليل وفي حديث صهيب وأبي سعيد: (ثم يكشف الحجاب فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى وجه الله جل وعلا)، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، أي: الجنة، والزيادة هي: النظر إلى وجه الله ﵎ في جنات النعيم. إذاً: أيها الأحبة الكرام! نحن نعبد الله طلباً لجنته وخوفاً من ناره.

стр. 1462

العبادة غذاء الروح ثانياً: نعبد الله تعالى؛ لأن العبادة غذاء لأرواحنا نحن، ليست لربنا جل وعلا، الإنسان بدن وروح، والبدن له طعام وله غذاء وله شراب، وكذلك الروح لها غذاؤها وشرابها، فإن أعطيت البدن كلما يشتهيه بقيت الروح في أعماق البدن تصرخ تريد غذاءً ودواءً، وهذا ما يعانيه الغرب الآن، أعطى الغرب البدن كلما يشتهيه، وبقيت الروح في أعماق البدن تصرخ تريد دواءً وتريد غذاءً، فوقف الغرب أمام الروح عاجزاً؛ لأن الروح لا توزن بالجرام ولا تقاس بالترمومتر الزئبقي، ولا توضع في بوتقة التجارب في معامل الكيمياء أو في معامل الفيزياء، ومن هنا وقف الغرب عاجزاً أمامها؛ لأنه لا يعلم غذاء الروح إلا خالقها، ولن يتوصل العبد إلى غذاء الروح إلا من طريق الأنبياء والمرسلين، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]، فهم قد قفزوا قفزات هائلة جداً في الجانب العلمي المادي، لكن علمهم في الآخرة في الحضيض كما قال الله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٦]، وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧]، فوقعوا في الضنك والشقاء، فلا تظنوا أن الغربي سعيد، لا والله، بل يذوق الضنك كما قال الله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٤]. كنت ألقي محاضرة في يوم من الأيام في المركز الإسلامي في لوس أنجلس في أمريكا، وقاطعني وأنا ألقي المحاضرة أخوان مسلمان سوريان، ومعهما رجل أمريكي ثالث، وقالا لي: نريد أن يردد هذا الأمريكي من خلفك الشهادتين. قلت: أهلاً وسهلاً تفضل يا أخي! وقبل أن يشهد أن لا إله إلا الله أردت أن أسأله، لماذا أتيت لتسلم وأحوال المسلمين لا تسر عدواً ولا حبيباً؟! ما الذي جاء بك إلينا ومصيبتنا عظيمة؟! فقال لي هذا الأمريكي: إنه ملياردير يمتلك الأساطيل والأموال والشركات الكثيرة، ثم قال لي: ولكن والله يا أخي! ما ذقت طعم السعادة قط، بل وانتشلت من محاولات الانتحار أكثر من عشر مرات. وسأنتقل بكم لنلقي نظرة على حياة هذا الرجل في عجالة، فبعد أن شرح الله صدره للإسلام دعاني لتناول الغداء معه في قصره، فدخلت قصراً على المحيط مصنع من الزجاج! ونصف القصر في الماء! إن نزلت إلى الجانب الذي في المحيط تشعر أنك من بين الأشياء التي تعيش في المحيط! ترى الأسماك وترى الشعاب، ثم تنتقل إلى الشاطئ الآخر، ملك عجيب! وجلسنا لتناول الغداء، وكنا في برد قارس، فضغط على زر إلى جواره فأذاب الجليد الذي تراكم على السيارة وفي أرضية الممر، ثم ركبت جواره، وضغط على زر آخر فامتدت ذراع إلكترونية لتلمع له حذاءه وهو جالس على كرسي السيارة! أرجو أن تتصور أنت حياة بهذه الكيفية، ومع ذلك يقول: ما شعر بطعم السعادة، لا إله إلا الله!! ما شعر بطعم السعادة؛ لأن البدن أخذ كلما يشتهيه: نساء وخمور وسفر وو لكن بقيت الروح، وعلى قدر ما يأخذ البدن من شهوات على قدر شقاء الروح إن لم تأخذ شيئاً من غذائها ودوائها، قد لا يشعر بهذا الشقاء الروحي كثير منا؛ لأنك تصلي تقرأ القرآن تصلي الليل تجلس في مجلس علم، فلا تشعر بشقاء الروح. يقول لي هذا الرجل الأمريكي: لفت نظري هذا الأخ، وأشار إلى أخ من الأخوين السوريين، يقول: ما دخلت يوماً الشركة إلا وأنا مخمور ومهتز، ودائماً أرى هذا الرجل سعيداً مبتسماً نشيطاً، ثم لفت نظري أنه يغسل قدمه في حوض الماء الذي أغسل فيه وجهي، فتعجبت منه وقلت: ماذا تصنع؟ قال: أتوضأ. قلت: لماذا الوضوء؟ قال: لأصلي. قلت: لمن الصلاة؟ قال: لله. قلت: من الله؟ فبين له بكلمات بسيطة جداً، والرجل ليس داعية ولا عالماً ولا شيخاً، كلمات سهلة. فقال له الأمريكي: ما دخلت يوماً عليك إلا ورأيت البسمة على وجهك، ورأيت النشاط في جسمك. قال: أنا مسلم، والنبي ﷺ علمني حديثاً يقول فيه: (عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير، وليس ذلك إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له) فأنا صابر وسعيد في كل الأحوال. وأنا أؤكد أن الأمريكيين لا يعتقدون شيئاً، أؤكد لكم أن قلوبهم خاوية، وأنا أقول لإخواني دائماً في الشرق والغرب حينما أسافر إليهم: إن الذي سيكسب هو الذي سيسبق، الأمريكي مستعد ليتلقى العقيدة السيخية والبوذية واليهودية والشركية والإلحادية والإسلامية، من يسبق إليه ليبين له معتقداً يربطه بقوة خارقة من وجهة نظر هذا الأمريكي سيؤمن بها، ما عنده شيء على الإطلاق. فقال له: هل لو دخلت دينك الذي أنت فيه سأشعر بالسعادة التي تشعر بها الآن؟ قال: نعم. قال: أدخلني فيه. قال: اغتسل، فاغتسل وجاء به إلى المركز، وقدر الله لي هذا الرزق من غير سبب، وقام الرجل ليردد خلفي الشهادتين، وقال: كنت لأول مرة أشعر بثقل الشهادة، يردد الرجل الحروف خلفي، وكأنه ينقل حجارة من جبل إلى آخر، فلما انتهى من النطق بالشهادتين بكى، وارتج جسمه بالبكاء، فلما أراد الإخوة أن يسكتوه قلت: اتركوه، دعوه، فلما هدأ قلت له: يا أخي! لماذا بكيت؟! فأجابني في ترجمة حرفية تقريباً: أشعر الآن بسعادة ما ذقت طعمها قبل الآن! قلت: إنها نعمة شرح الصدر بالإسلام، ومحال أن تتذوق طعمها إلا إن دخلت إلى الإسلام بصدق وإخلاص، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٤]. فالعبادة -إذاً- لتغذي أرواحنا، لتقربنا من ربنا جل وعلا، فنحن نحتاج إلى العبادة، قال أحد السلف: مساكين والله أهل الغفلة، خرجوا من الدنيا ولم يذوقوا أطيب ما فيها، قيل له: وما أطيب ما فيها؟ قال: ذكر الله والأنس به، لا تشعر بحلاوة ولا بلذة ولا بسعادة ولا بطمأنينة إلا في رحاب الله، إلا مع الله، إلا في طاعة الله. ولست أرى السعادة جمع مال ولكن التقي هو السعيد

стр. 1463

العبادة حق الله على عباده قد تقول: نحن معك، ونوافقك على أن الله غني عن خلقه، لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية، ولا يزيد في ملكه حمد الحامدين، ولا شكر الشاكرين؛ ولا ينقص ملكه إعراض المعرضين، ولا كفر الكافرين، ولا إنكار المنكرين، ولا جحود المكذبين، إذاً: لماذا أمرنا بعبادته؟! هذا هو عنصرنا الثالث: لماذا نعبد الله؟ والجواب يا إخوة في نقاط محددة أيضاً: نعبد الله ؛ لأن العبادة حق الله على عباده، ففي الصحيحين من حديث معاذ قال: (كنت دريف النبي ﷺ يوماً على حمار، فقال لي رسول الله: يا معاذ! قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟! قال معاذ: الله ورسوله أعلم، فقال المصطفى ﷺ : حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً). فليس بمستنكر ولا بمستغرب أن يكون لله حق علينا، لكن المستنكر والمستغرب أن نجحد حق الله علينا. أخي الكريم! لو أتاك الليلة رجل إلى بيتك في جوف الليل وقال لك: أخي في الله! لقد سمعت أنك تمر بضائقة مالية، ثم قدم لك عشرة آلاف ريال، أنا أسألك: هل ستنسى إحسان هذا الرجل إليك طوال حياتك؟! لا والله لن تسنى إحسانه إليك أبداً. ونحن غارقون من رءوسنا إلى أقدامنا، ومن حياتنا إلى مماتنا في إحسان ربنا، ومع ذلك نجحد إحسانه إلينا، وكن على يقين بأن هذا الرجل الذي أتاك إلى دارك، ما أتاك إلا لإحسان الله سبحانه إليك، من الذي حرك قلبه، ولين مفاصله وجوارحه ليأتيك في بيتك في جوف الليل؟! إنه الله، فتذكر إحسان عبد إليك، وتنسى إحسان خالقك إليك! إننا غرقى في نعم الله وفضله، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم:٣٤]. والله -يا إخوة- لقد دعاني إخوانكم في منطقة المعادي في القاهرة لإلقاء محاضرة، ولجمع تبرعات لصالح إخواننا وأخواتنا في مستشفى الأمراض العقلية، ودعوت الناس لجمع التبرعات، وجمعنا في تلك الليلة مبلغاً يصل إلى خمسة وعشرين ألفاً من الجنيهات، وأنا أؤكد بأن الناس ما أصيبوا بأزمة بخل، ولكنهم أصيبوا بأزمة ثقة فيمن يدفعون إليهم أموالهم، واشترينا الملابس والطعام والهدايا، وأصر الإخوة أن أذهب معهم إلى إخواننا فذهبت، ودخلنا العنبر الأول وكان للنساء، فجاءت فتاة علمت بعد ذلك أنها خرجت من كلية الطب، فأخذت هذه الغترة وجرت، ثم ألقتها على الأرض، ثم ضحكت، ثم بكت، ثم تركتنا وذهبت إلى ركن من أركان العنبر، وتجردت من ثيابها كيوم ولدتها أمها! وقد من الله عليها بجمال خلقي منقطع النظير، فبكيت والله وكأني لم أبك من قبل، وقلت لإخواني الذين معي: يا إخوة أشهد الله ثم أشهدكم أنني ما فكرت في نعمة العقل إلا في هذه اللحظة، فهل فكرت في نعمة العقل قبل ذلك؟! هل شكرت الله على نعمة العقل؟! كثير منا يظن أن النعمة هي المال فقط، فإن منّ الله عليه بالمال فهو في نعمة، وإن سلب الله منه المال وأعطاه كل النعم فما أنعم الله عليه بشيء! النفس تجزع أن تكون فقيرة والفقر خير من غنى يطغيها وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت فجميع ما في الأرض لا يكفيها وقال آخر: هي القناعة فالزمها تكن ملكاً لو لم تكن لك إلا راحة البدن وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير الطيب والكفن كان أحد السلف إذا دخل الخلاء على قدميه، وطهر نفسه بيده، خرج وهو يقول: يا لها من نعمة منسية، غفل عن شكرها كثير من الناس! دخل ملك من ملوك الدنيا يوماً على ابن السماك الواعظ، وألح عليه في طلب كوب من الماء البارد، فلما أحضر له ابن السماك كوب الماء البارد قال له: أسألك بالله يا سيدي لو منع منك هذا الكوب من الماء فبكم تشتريه الآن؟ قال: والله بنصف ملكي. قال: أسألك بالله! ولو حبس فيك هذا الماء فبكم تشتري إخراجه؟ قال: بالنصف الآخر. فبكى ابن السماك وقال: اشرب هنأك الله، وأف لملك لا يساوي شربة ماء. ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار:٦]، تجحد إحسان الله إليك، وفضل الله عليك، وأنت غارق في نعمه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]. إذاً: ليس بمستغرب أن نعبد الله لنوفي حق الله، ولكن المستغرب والمستنكر أن ننكر حق الله! وأن ننكر فضل الله ، وألا نمتثل أمره، وألا نجتنب نهيه، وألا نقف عند حدوده!

стр. 1464

بماذا نعبد الله ؟ وأخيراً: بماذا نعبد الله؟ والجواب في كلمات قليلة -فلقد أطلت عليكم- نعبد الله بما شرعه لنا على لسان نبيه ورسوله المصطفى، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وجماع الدين أصلان: الأول: أن نعبد الله وحده لا شريك له. والأصل الثاني: أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله، وهذان الأصلان هما حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فبالشهادة الأولى يعرف المعبود ، وبالشهادة الثانية يعرف الطريق الذي تصل من خلاله إلى المعبود ، إذ إن كل الطرق إلى الله مسدودة إلا طريق المصطفى ﷺ ، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]. ولله در القائل: من يدعي حب النبي ولم يفد من هديه فسفاهة وهراء فالحب أول شرطه وفروضه إن كان صدقاً طاعة ووفاء ما العبادة؟ من نعبد؟ لماذا نعبد؟ بماذا نعبد؟ أسئلة مهمة تحتاج إلى جواب دقيق صادق من كل مسلم ومسلمة، فهيا حدد لنفسك من الآن جواباً على هذه الأسئلة، والله أسأل أن يجعلنا وإياكم من الصادقين المخلصين، وأن يختم لنا ولكم بخاتمة الموحدين، وأن يحشرنا في زمرة سيد النبيين. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 1465

من أنا ؟ لقد أنشأ أهل الزيغ والضلال والإلحاد من العلمانيين والاشتراكيين وغيرهم معتقدات باطلة، ونظريات ملحدة كافرة، فأنكروا وجود الله، وأنكروا أنه خلقهم، وأنهم إذا ماتوا سيبعثون إليه؛ ولذا نشأ عن هذه النظريات حيرة في العقول عند بعضٍ فجعل يتساءل: من أنا؟ ومن أين جئت؟ ولماذا جئت؟ فهذه شكوك وأسئلة نتجت عن تلك العقائد والنظريات، ولكن القرآن قد وقف لتلك المعتقدات بالمرصاد، فنقضها وبين بطلانها، وأجاب عن هذه الأسئلة، فمن بعد عن القرآن حري به أن يتغير عقله وتفسد فطرته بملابسة هذه الأفكار.

стр. 1466

بيان حقيقة الإنسان، وبيان الكمة التي من أجلها خلق إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الفضلاء! وأيتها الأخوات الفاضلات! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله الحليم الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى، في جنته ودار مقامته؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. أيها الأحبة! من أنا؟!! ولأهمية الجواب على هذا السؤال أؤصله بمقدمة مهمة جداً بين يدي الجواب، وأستهل هذه المقدمة بهذه الكلمات، فأقول: إن كل جهل مهما عظمت نتائجه قد يغتفر، إلا أن يجهل الإنسان خالقه ، وسر وجوده، والغاية التي من أجلها خُلق، فالجهل في جانب العقيدة لا يغتفر، وهو أن يجهل الإنسان خالقه، وأن يجهل الإنسان الغاية التي من أجلها خُلق، فأكبر عار على هذا الإنسان الذي آتاه الله العقل والإرادة وميزه على سائر المخلوقات في الكون أن يعيش غافلاً عن الله، فيأكل ويتمتع كما تأكل الأنعام، ولا يفكر في خالق، ولا يبحث عن الغاية، ولا عن الوظيفة التي من أجلها خُلق، ولها ابتعث، ولا يبحث عن طبيعة دوره في هذه الأرض، حتى يأتيه الأجل والموت دون أن يستعد لهذا اليوم، فيجني ثمرة الغفلة والجهل والانحراف في عمره الطويل أو القصير، وحينئذ يندم يوم لا ينفع الندم، وهو بين يدي الله ﵎ يرى نفسه أخس من البهائم والحيوانات، فإن البهائم والحيوانات كلها عرفت ربها وسجدت له، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج:١٨]. وقال تعالى في شأن هذا الصنف الذي هو أخس من البهائم، الذي يجهل خالقه، ويجهل غاية وجوده وسر ابتعاثه في هذه الأرض: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩]. فهذا الصنف صنف خبيث، يقول قائله: جئت لا أعلم من أين؟ ولكني أتيت! ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت! وسأمضي في طريقي شئت هذا أم أبيت! كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري، لست أدري!! إنه كالبهيمة! لأنه لا يعرف غاية وسر وجوده في هذه الأرض، كما قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد:١٢] فأي جهل أبشع وأفظع من أن يجهل الإنسان -الذي يتعالى بعقله، ويتعالى بإبداعاته المادية- ربه ؟! وأي جهل أجهل من أن يجهل هذا الإنسان المتعالي ربه وخالقه الذي خلقه وبعثه وأوجده ؟! هذا هو الجهل المدقع الذي لا يغتفر. ولهذا كان لزاماً على كل إنسان عاقل أن يبادر ليسأل نفسه هذا السؤال لماذا خُلقت؟ وما هي الغاية من خلقي؟ وحتماً قبل طرح هذين السؤالين لابد وأن تطرح على نفسك سؤالين مهمين آخرين: السؤال الأول هو: من أين أنا؟ ومن أنا؟ ومن أوجدني؟ ومن خلقني؟ السؤال الثاني: ما هو المصير؟ وإلى أين نسير؟ لابد من أن تطرح على نفسك هذين السؤالين لتتعرف على الغاية التي من أجلها خلقت، فإن عرفت من خالقك، وعرفت الغاية التي من أجلها خلقت، فحينئذ ستعرف من أنت، وستعرف مصيرك ومسيرك، فلابد من الإجابة على هذه الأسئلة: من أين؟ وإلى أين؟ ولماذ؟ أي: ولماذا خلقت؟ هذه الأسئلة الثلاثة هي التي صاحبت الإنسان في كل فترات حياته، وفي كل مكان وجد فيه، وهي تطلب من أي إنسان الجواب الشافي لها في كل مرحلة من مراحل العمر، وفي كل مكان على وجه البسيطة من يوم خلق الله آدم ﵇. و الجواب أقول: أما السؤال الأول: فهو عقدة العقد عند الماديين الملحدين في كل زمان ومكان؛ فعليهم أن يطرحوا على أنفسهم هذا السؤال: من أين أنا؟ ومن الذي خلقني؟ ومن الذي أوجدني؟ ولكن هؤلاء لا يؤمنون إلا بما تقع عليه الحواس، أي: إلا بما تراه الأعين، فأحدهم يؤمن بالمصباح؛ لأنه يراه بعينه منيراً مضيئاً، لكنه في الوقت ذاته يغض الطرف عن التيار الكهربائي الذي لا يراه بعينه والذي هو سر إضاءة هذا المصباح!! فهو مادي أعمى لا يؤمن إلا بما تراه عينه، حتى ولو كذبه عقله، لكنه لا يؤمن إلا بما تحسه الأيدي وبما تراه العيون، وهؤلاء يتخذون منطق العقل -زعموا- دليلاً على الوصول إلى الحق والحقيقة، ويصرون في عمى عجيب على أن هذا الكون بما فيه ومن فيه وُجِدَ وحده، وكل ما في هذا الكون من إحكام وترتيب إنما هو صنع المصادفة العمياء!!

стр. 1467

نداء الفطرة يجيب عن أسئلة الماديين وأما الذين يستجيبون لنداء الفطرة في كل زمان ومكان فهؤلاء يقرون حتماً بأن لهذا الكون إلهاً ورباً حكيماً عظيماً ﷻ ، تتجه قلوبهم إليه بالتعظيم، والرجاء، والخشية، والتفويض، والتوكل، والإنابة والعبادة بصفة عامة، ويشعرون بخالق هذا الكون، ويتجهون إليه سبحانه بفطرهم السليمة النقية التي لم تعكرها الماديات والشبهات والشهوات، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠]. لكن هذا الصوت - أعني: صوت الفطرة - قد يخفت في قلب وعقل إنسان، أو قد يكبت هذا الصوت صاحبُه عمداً عن كبر، فالمشركون لم ينكروا أن الله هو الخالق، بل كفروا به كبراً وعناداً، كما قال : ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات:٣٥]. وقال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل:١٤] فهؤلاء يقرون بهذه الحقيقة، لكنهم قد يرفضونها كبراً وعناداً -وهذا كلام مهم جداً - فالفطرة قد تخفت في قلب وعقل إنسان عن قصد وعن عمد من صاحبه، فإذا نزلت بهذا الإنسان نفسه أزمة أو أحداث مريرة أو مشكلة، واهتز هذا الإنسان أمام هذه الأزمة وأمام هذه الشدة، وخاب أمله في كل الناس من حوله، تراه ينطلق مرة أخرى مستجيباً لهذا الصوت الذي يعلو في أعماقه، ألا وهو صوت الفطرة، فيتجه مرة أخرى -رغم أنفه- لله جل وعلا. وتدبر معي هذا الحوار النفيس الجميل! بين رجل وبين الإمام جعفر الصادق ﵁، وقد بينت من قبل أننا لا ننكر ما لآل بيت النبي ﷺ من مناقب بدعوى أن الروافض قد رفعوهم إلى مرتبة الألوهية، ونحن لا نسقط ما لهم من مناقب بهذه الدعوى، بل نثبت لهم ما ثبت من الحق بدليله، وقد بينت ذلك وأنا أرد على الشيعة، وقلت بأنهم يتمسحون بالإمام العالم العلم جعفر الصادق وهو بريء من كل ما يؤصلونه مخالفاً لقرآن الله وكلام رسول الله ﷺ ، فهؤلاء من أعلم الناس ومن أكثر الناس اتباعاً لهدي رسول الله ﵊، فلقد سأل هذا الرجل الإمام جعفراً الصادق ﵁ عن الله؟! فقال له جعفر: ألم تركب البحر؟! -يعني: هل ركبت باخرة أو مركباً أو سفينة؟ قال: بلى، فقال جعفر: فهل حدث لك مرة أن هاجت بكم الريح عاصفة؟! قال: نعم، قال جعفر: وانقطع أملك من الملاحين ووسائل النجاة؟ قال: نعم، قال: فهل خطر في بالك وانقدح في نفسك أن هناك من يستطيع أن ينجيك إن شاء؟! قال: نعم، قال: هذا هو الله . وهذه الحقيقة تثبتها آيات كثيرة جداً في القرآن، وتدبر معي قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ [الزمر:٨]، بل وتدبر آية هي أوضح من السابقة، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان:٣٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ [الإسراء:٦٧] ولا حول ولا قوة إلا بالله! فهذه طبيعة الإنسان، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٦ - ٨]. فإذا كان منطق الفطرة يهدي إلى الله تعالى، والفطرة ليست وجداناً خالصاً، بل وليست عقلاً خالصاً، ولكنها مزيج بين الوجدان -وهو القلب- وبين العقل.

стр. 1468

العقل السليم يؤمن بقانون السببية أقول: إن العقل السوي فقط هو الذي يرى الإيمان بالله تبارك تعالى ضرورة لا يستطيع الإنسان على الإطلاق أن يعيش بدونها، وأقول: إذا كانت الفطرة مزيجاً بين الوجدان والعقل فإن العقل وحده فقط يرى الإيمان بالله ﵎ ضرورة يستحيل أن يعيش الإنسان السوي بدونها، فإن العقل بغير تعلم وبغير اكتساب يؤمن حتماً بقانون السببية، هذه الورقة في يدي الآن تهتز لسبب، وهذا هو قانون السببية؛ لأنني أحركها، فالعقل بدون تعلم وبدون اكتساب يؤمن بقانون السببية، ويؤمن بهذا القانون إيمانه بكل البدائيات والأولويات التي لا تحتاج إلى دليل، يعني: أنه لا يبنبغي لعاقل إذا رأى الشمس ساطعة فى أفق السماء أن يقول: ما هو الدليل على أن الشمس طالعة؟ فإذا كان كذلك فيجب أن يسأل: ما هو الدليل على وجود عقله في رأسه؟ دخل بعض الملاحدة يوماً على طلابه، وأراد بهذا القانون أن يثبت الضد، فقال لهم: يا أولاد! هل ترون أستاذكم؟ قالوا: نعم، فقال: هل ترون السبورة التي أكتب لكم عليها؟ قالوا: نعم، فقال: هل ترون الكرسي الذي أجلس عليه؟ قالوا: نعم، وتدرج بهذه الأسئلة إلى أن قال: هل ترون الله؟!! قالوا: لا، قال: إذاً: هو غير موجود!! وهؤلاء هم الماديون الأغبياء الذين لا يؤمنون إلا بالمحسوس المرئي، فقيض الله تلميذاً صغيراً من تلاميذه، فاستأذن أستاذه ووقف إلى جواره، واتجه التلميذ إلى زملائه وقال: يا أولاد! هل ترون عقل الأستاذ؟ قالوا: لا، قال: إذاً: هو غير موجود!! أي: أنه مجنون، والمجنون ليس له قيمة! فالعقل بدون تعلم وبدون اكتساب يؤمن بقانون السببية إيمانه بالأمور الأولية الابتدائية التي لا تحتاج إلى دليل على وجودها، فلا يقبل العقل السوي فعلاً بغير فاعل أبداً، ولا يقبل العقل السوي صنعة بغير صانع، بل هذا مستحيل! وهذا القانون هو الذي عبر عنه الأعرابي الأول ببساطة شديدة، حيث لم يتخرج في جامعة من الجامعات، ولا في كلية من الكليات، وإن شئت فقل: ما تخرج إلا من جامعة الفطرة، فحينما سئل عن الله قال مستدلاً بعقله الذي آمن بقانون السببية البدائية: البعرة تدل على البعير، وأثر السير يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، أفلا يدل كل ذلك على اللطيف الخبير؟! هذا هو القانون ببساطة شديدة، هذا هو الذي عبر عنه إمام أهل السنة أحمد بن حنبل طيب الله ثراه حينما أمسك البيضة يوماً وقال: هنا حصن حصين، أملس ليس له باب، وليس له منفذ، ظاهره كالفضة البيضاء، وباطنه كالذهب الإبريز، وبينما هو كذلك إذ انصدع جداره، وخرج منه حيوان سميع بصير، ذو شكل حسن، وصوت مليح. هذا هو القانون الذي عبر عنه الشافعي عندما أمسك ورقة التوت يوماً فقال: ورقة التوت، تأكلها الغزالة فتعطينا مسكاً، وتأكلها الشاة فتعطينا لبناً، وتأكلها دودة القز فتعطينا حريراً، إن الطعام واحد ولو كانت الأمور بالمصادفة العمياء لكانت عصارة الطعام للطعام الواحد واحدة، ولكنها كانت في الشاة لبناً، وكانت في الغزالة مسكاً، وكانت في الدودة حريراً. ولكن هؤلاء الملاحدة كما قال الله : ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦].

стр. 1469

علماء الغرب واعترافهم بوجود الله وهناك عالم الطبيعة المشهور إسحاق نيوتن، وأنا لا أستشهد بقول هؤلاء لأثبت الحق الذي نحن عليه، كلا! فإنه لا يجوز لمسلم ألبتة أن يستشهد بكلام مخلوق على وجه الأرض على صدق الله وصدق رسوله، وأنا لا أستشهد بأقوال أهل العلم -علماء الطبيعة والجيولوجيا والفلك والرياضيات- على صحة وصدق قول الله وقول الرسول، ولا أستشهد بالنظريات العلمية على صدق كلام رب البرية وكلام سيد البشرية، إنما أنا أثبت للناس ممن -وبكل أسف- يصدقون ما يأتي من علماء الغرب لا أقول: كتصديقهم لكتاب الله، بل أشد من تصديقهم لكلام الله ورسوله! وهذا صنف موجود، وأنا لا أبالغ ولا أغالي، ولا أجيش العواطف بكلام فارغ أجوف، كلا! بل هذا صنف موجود يصدق كلام علماء الغرب أكثر من تصديقه لرب السماء والأرض، وأكثر من تصديقه للنبي ﷺ رسول رب السماء والأرض! وقد ضربت قبل ذلك مثالاً بحديث الذباب: (إذا ولغ الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داءً وفي الآخر دواءً) فكم ممن ينسبون إلى الإسلام قد ردوا هذا الحديث وأنكروه بدعوى أنه لا يعقل! ويقولون: كيف يعقل أن الذبابة إن سقطت في سائل كهذا أن يغمسها عاقل بدعوى أنها تحمل في أحد جناحيها الداء وفي الآخر الدواء؟ فلما قدم البحث من جامعة (هارفرد) وقام هذا العالم الشهير برثيلد وبحث هذا الحديث، ووجد أن الذبابة بالفعل تحمل في جناح من جناحيها داءً خطيراً عن طريق فيروس معين في جناح الذبابة، فإذا سقطت تفرز هذا الفيروس، ثم اكتشف هذا العالم أن الذبابة في الوقت ذاته تحمل على الجناح الآخر وعلى باطن الذبابة من أسفل نوعاً من أنواع الفطريات سماها هو (أميوزا موسكي) هذا الفطر الذي يمثل نوعاً واحداً من أنواع المضادات الحيوية لهذا الفيروس قال: بأن جراماً واحداً من هذا الفطر الذي يشكل مضاداً حيوياً على جناح أو على جسم الذبابة كفيل بأن يحمي ألفي لتر من اللبن المبستر من الجراثيم، والعجيب أن هذا العالم اكتشف أن الذبابة لا تفرز هذا الفطر الذي يشكل مضاداً حيوياً للفيروس إلا إذا غمست كلها في السائل، فمن الذي علم المصطفى ذلك؟! ولكن الذي يدمي القلب أن هذا البحث عندما قدم صدق كل من رد الحديث قول النبي ﷺ ، وهذا خلل! فيجب عليك أن تصدق وإن لم يقتنع عقلك، بشرط أن تثبت صحة الرواية إلى رسول الله، يعني: إن ثبتت نسبة هذا الحديث إلى النبي ﷺ بالقواعد التي وضعها الصيارفة النقاد، والجهابذة الأعلام من علماء الحديث فيجب عليك حينئذ أن تسلم، وأن تستسلم لكلام رسول الله ﷺ وإن لم يدركه عقلك؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، قال جل وعلا: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٣ - ٥]. فأنا أستدل بهذه الأقوال لعلماء الغرب من علماء الطبيعة والفلك والجيولوجيا لا لأصدق بكلامهم كلام ربنا وكلام نبينا ﷺ ، وإنما لأثبت لأصحاب هذه العقول الضعيفة -لا أريد أقول المريضة-أن الحق ما جاء به نبينا ﷺ من عند ربنا ﷻ . ومنهجنا أننا نقبل الحق على لسان أي أحد، ونرد الباطل على لسان أي أحد، هذا منهجنا الذي ندين لله به، ولو كان من شيوخنا الذين نتتلمذ ونتربى ونتلقى العلم على أيديهم، من هذا المنطلق أقول: يقول إسحاق نيوتن عالم الطبيعة المشهور: لا تَشُكّوا في الخالق -والكلام لما يأتي من عالم من هؤلاء العلماء يكون له طعم، وهذا ليس من رجل موحد مؤمن يقول هذه عقيدته، ولكن لما يقول هذا الكلام عالم من غير المسلمين يكون له مغزىً- فإنه مما لا يعقل أن تكون المصادفات وحدها هي قاعدة هذا الوجود!! فليس بممكن أبداً أن تكون المصادفات وحدها هي قاعدة هذا الوجود، وليس بممكن أبداً أن تكون الصدفة هي التي خلقت هذا الوجود بهذا الإبداع والجمال والجلال، والله العظيم! الله العظيم! لو نظر عالم من هؤلاء العلماء الذين يؤمنون بالله إلى حبات الذرة لوحد الله وعبده؛ لو نظر إلى هذه الحبات اللؤلؤية البيضاء كيف رصت بهذا الجمال والإتقان والتناسق والإبداع -والله! لو أنصف- لوحد الله وعبده، ومستحيل أن ترص هذه الحبات بهذا الجمال والتناسق والإبداع على السنبلة صدفة! ويقول سبنسر نقلاً عن عالم آخر يقال له هرشل: كلما اتسع نطاق العلم ازدادت البراهين الدامغة القوية على وجود خالق أزلي لا حد لقدرته ولا نهاية، فالجيولوجيون والرياضيون والفلكيون والطبيعيون قد تعاونوا على تشييد صرح العلم، وهو صرح عظمة الله وحده إلى آخر هذه الأقوال الخطيرة التي قد ذكرت كثيراً منها. وأنا أتحدث عن قضية الاستنساخ التي بدأت تطفو على السطح مرة أخرى من جديد، لكننا نؤكد ونكرر أنهم لن يتمكنوا من أن يخلقوا ذبابة، والاستنساخ ليس خلقاً يضاهي خلق الله ، وإنما هم يعملون على خلق لله، ألا وهو الحيوان المنوي والبويضة، فإن أرادوا أن يزعموا الخلق فعلاً فليخلقوا حيواناً منوياً واحداً! وصدق ربي حيث يقول: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة:٥٨ - ٥٩] . ويقول سبنسر: إن العالم الذي يرى قطرة الماء، فيعلم أنها تتركب من الأكسجين والهيدروجين بنسبة خاصة -كم ذرة أكسجين؟ وكم ذرة هيدروجين؟! نسب دقيقة جداً- بحيث لو اختلفت هذه النسبة لكانت شيئاً آخر. أي: لو اختلفت هذه النسبة لتحولت إلى نار مشتعلة متأججة، قال الله : ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار:٣] فهذه البحار التي نراها تتحول إلى نار مشتعلة يوم القيامة؛ لأن النسب التي هي موجودة بين الأكسجين والهيدروجين تختل، فيبقى الماء في اشتعالات ونار متأججة، فالنسبة الآن موضوعة بدقة لكي تكون ماءً، يقول: إن العالم الذي يرى قطرة الماء فيعلم أنها تتركب من الأكسجين والهيدروجين بنسبة خاصة، بحيث لو اختلفت هذه النسبة لكانت شيئاً آخر غير الماء، يعتقد عظمة الخالق وقدرته وحكمته وعلمه الواسع بصورة هي أقوى وأعظم من هذا الذي لا يرى في قطرة الماء إلا أنها نقطة ماء فحسب. انظر إلى العالم الذي يدرك الحقائق، فالعالم عندما ينظر إلى نسب الأكسجين والهيدروجين في الماء يعرف لماذا نسبة الأكسجين زادت، ولماذا نسبة الهيدروجين قلَّت، فينظر إلى هذه الآية فيزداد إيماناً بالله ، وهذا الإيمان يختلف عن إيمان العبد الذي ينظر إلى قطرة الماء على أنها قطرة ماء. ويقول فرنسيس بيكون: إن القليل من الفلسفة يميل بعقل الإنسان إلى الإلحاد. فما هي هذه الفلسفة؟ هذه الفلسفة طريق للإلحاد، مثل ما كانوا يعلمونا في الثانوية العامة وما زال، أول قاعدة: (أنا أشك، إذاً: أنا موجود) ومثل ما قلت في خطبة (صفحات سود): لو صدقوا لقالوا: (أنا أشك، إذاً: أنا دبوس) لكن ما هي علاقة الشك بالوجود؟ أنه بدأ حياته بالشك ابتداءً، والشك لا يمكن أبداً أن يوصل إلى حقيقة مطلقة أبداً، بل إن عصفت رياح الشكوك بالإيمان في القلوب ضل الخلق، ولذلك رب العزة يصف المؤمنين بأن رياح الشك لا تهب ولا تعصف بقلوبهم أبداً، كما قال : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥] أي: لم يتشككوا. إن من يبدأ بالشك لكي يصل إلى الحقيقة قد يضل، ومثل هذا إضلال لعقول أبنائنا وأولادنا، وكم من الناس اقتنع بهذه النظريات الفلسفية الباهتة الفارغة، التي يغني بطلانها عن إبطالها. لكننا بكل أسف كنا نسلم العقول والقلوب لهؤلاء على أنهم لا ينطقون عن الهوى، فإذا جاء القول من عالم غربي سلمنا العقل والقلب وكأن هذا لا يخطئ!! ثم جاء بعد ذلك صنف خبيث ممن ينسبون إلى الإسلام في بلاد المسلمين فضخموا هؤلاء، ونفخوا فيهم؛ ليكونوا شيئاً مذكوراً، وهم في الحقيقة كالطبل الأجوف، يُسمَعُ من بعيد وباطنه من كل الخيرات خالٍ، فيقال مثلاً: عميد الأدب العربي والاجتماعي الأول للأزهر، والأستاذ الدكتور، ونحو ذلك، فنفخ في هذا الصنف الذي نسج على هذا الدرب المظلم -درب العلمانيين، ودرب علماء الغرب الملحدين- وقالوا كلمات خبيثة، وأنا لا أقول ذلك من باب الدعوى، كلا! وإنما هي حقائق. وهل تتصور أن يقول رجل ينسب إلى العلم ويشار إليه بالبنان لطلابه في كلية الآداب: ارفعوا القداسة عن القرآن، واقرءوه كتاباً بين أيديكم كأي كتاب من الكتب التي تستحق النقد والثناء؟!! فأنا لا أقول ذلك من باب الدعاوى، أقول: هذه حقائق، ثم يقول: ليس للقرآن أن يحدثنا عن إبراهيم وعن إسماعيل فهذه أسطورة لا تستحق التصديق!! إلى آخر هذه الأقوال الكفرية. يقول فرنسيس بيكون: إن القليل من الفلسفة يميل بعقل الإنسان إلى الإلحاد. فالإنسان إذا تفلسف يصل إلى طريق مسدود مستحيل؛ لأن هناك حقائق لا يتوصل لها بالعقل أبداً، وهذا لأجل أن يختصر على نفسه الطريق، وهناك من الحقائق ما لا يستطيع بشر أن يصل إليها بعقل مجرد أبداً. فرب العزة لا تصل بعقلك إلى صفات كماله وأسماء جلاله! ولابد من الوصول إلى هذه الحقيقة عن طريق الوحي، فهناك حقائق لا تستطيع التوصل إليها بالعقل، فأقول: إن القليل من الفلسفة يميل بعقل الإنسان إلى الإلحاد، ولكن التعمق فيها -أي: التعمق بالعقل في هذه الأشياء بإنصاف- ينتهي بالعقول إلى الإيمان، وذلك لأن عقل الإنسان قد يقف عندما يصادفه شيء من أسباب ثانوية مبعثرة، وهنا قد ينكر فلا يتابع السير إلى ما وراءها، ولكنه إذا أمعن النظر شهد سلسة الأسباب وكيف تتصل حلقاتها، ثم لا يجد بداً من التسليم بالله . فهذه شهادة أولئك الذين رسخوا في علم الكون -الطبيعة والفيزياء- وأنا لا أريد أن أستطرد في أقوالهم، ورحم الله القائل: لله في الأفاق آيات لعل أقلها هو م

стр. 1470

الإيمان بالله تعالى ضرورة عقلية وأخلص من هذه الكلمات الدقيقة المهمة إلى هذه الحقيقة الكبيرة ألا وهي: أن الإيمان بالله ﵎ ليس غريزة فطرية فحسب، ولكنه ضرورة عقلية أيضاً، وبدون هذا الإيمان سيظل هذا السؤال يحتاج إلى جواب. ذلكم هو السؤال الخالد فى قول الله ﵎: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور:٣٥ - ٣٦]. وسيظل هذا السؤال مطروحاً يحتاج إلى جواب من هؤلاء المعاندين، و الجواب لا يقول عاقل بأنه خُلق من غير شيء. والسؤال الثاني: فهل خلقوا أنفسهم؟ والجواب: لا، ولم يزعم عاقل على وجه الأرض على طول التاريخ أنه خلق نفسه أو خلق الأرض أو خلق السماوات، فيبقى السؤال مطروحاً ويحتاج إلى جواب من كل عاقل منصف على وجه الأرض: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور:٣٥ - ٣٦] فهم يقولون ببساطة شديدة في مصير هذا الإنسان بعد رحلة هذه الحياة الدنيا: إنه الفناء والعدم المطلق، أي: أن الأرض تطويه في بطنها كما طوت ملايين الحيوانات الأخرى، ثم تعيد هذا الجسد مرة أخرى إلى عناصره الأولى فيعود تراباً ثم تذروه الرياح، وهكذا!! هذه هي قصة الحياة عند هؤلاء الماديين الظالمين، فهم يقولون: أرحام تدفع، وأرض تبلع، ولا جزاء ولا حساب، ولا نعيم ولا عذاب!! ويستوي في ذلك عند هؤلاء من أحسن غاية الإحسان ومن أساء غاية الإساءة!! ويستوي في ذلك من عاش عمره للناس على حساب شهواته، ومن عاش عمره لشهواته على حساب الناس!! ويستوي في ذلك من ضحى بحياته في سبيل الحق ومن ضحى بالحق فى سبيل حياته!! ويستوي في ذلك من اعتدى على حياة الآخرين فى سبيل الباطل ومن عاش من أجل أن يرد وأن يدفع الباطل!! ويستوي في ذلك من عبد الله وحده لا شريك له ومن عبد آلهة أخرى باطلة مدعاة!! ويستوي في ذلك الموحدون والمشركون!! ويستوي في ذلك الظالمون والمظلومون!! ويستوي في ذلك القاهرون والمقهورون والمعذبون والمعذبَون!! وكل هذا ظلم، فأما المؤمن الذي مَنَّ الله عليه بالإيمان، وكرمه بالقرآن، وبرسالة محمد ﵊، فإنه لا يتلعثم في الجواب طرفة عين، فالمؤمن يعرف مصيره، ويعرف إلى أين يسير، فهو يؤمن بقول الملك القدير: (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧]، وشتان بين مادي ملحد وبين مؤمن يعرف أن الله هو العدل وهو الحق، فالمؤمنون يعلمون أنهم خلقوا لحياة الخلود ودار البقاء، وهم في هذه الحياة الدنيا إنما يستصلحون وينقون، ويهذبون، ويعدون في هذه الدار إعداداً ليؤهلهم للعيش في دار البقاء؛ ليطيبهم الله ﵎، وليكونوا أهلاً لدار طيبة، وليكونوا أهلاً لسلام الملائكة عليهم إذا دخلوا جنة ربهم جل وعلا، بأن يقولوا لهم: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر:٧٣]. إنه لعسير على العقل السوي أن يؤمن بخالق عليم حكيم عظيم أحسن هذا الكون خلقاً وصنعاً، وقدر فيه كل شيء تقديراً بحكمة، ووضع كل شيء في هذا الكون بميزان وحساب، ثم بعد كل ذلك يؤمن بأن سوق الحياة سينفض بالموت، وقد سرق فيه من سرق، ونهب من هب، وكفر من كفر، وظلم من ظلم، وأساء من أساء، واعتدى من اعتدى، ثم لا يقف بعد ذلك هؤلاء جميعاً بين يدى الله ﵎ ليقتص للمظلوم من الظالم، وليثيب الموحد على توحيده، والعابد على عبادته، لا يصدق عقل سوي مثل هذا أبداً، وما أروع كلام الله حيث قال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦]. وما أروع قول الله ﵎: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة:٣٦]. يعني: مهملاً لا سؤال ولا حساب ولا عقاب، كلا! وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١]. وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ * أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٧ - ٢٨]، فهذا محال يا أخي! وهذا ظلم يستحيل على الله الحق العدل . وقال جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الدخان:٣٩ - ٤٠]. ولا يمكن أبداً أن تنتهي الحياة إلى الموت أو عند الموت، ولا أن السارق سرق وانتهى، والظالم ظلم وراح، وظلم من ظلم دون أن ينتصر له، كل ذلك ليس صحيحاً. من ألطف وأجمل ما قرأت الحديث الذي حسنه شيخنا الألباني رحمه الله تعالى في صحيح الجامع وهو: أن النبي ﷺ سأل أصحابه من مهاجري الحبشة عن أعجب ما رأوا بأرض الحبشة فقال: (حدثُوِنى بَأَعَاجِيبِ مَا رَأَيُتم بِأَرضِ الحَشَبةِ؟ فقال أحدهم: رأيت امرأة عجوزاً تحمل جرة ماء على رأسها، فجاء شاب فدفعها في ظهرها بين كتفيها من الخلف دفعة فأوقعها على الأرض، فخرت على ركبتيها وقد انكسرت جرتها أو قلتها، فلما استوت المرأة على الأرض نظرت إلى هذا الشاب وقالت: سوف تعلم يا غدر! أي: يا غادر! يا ظالم! - إذا وضع الله الكرسي يوم القيامة واقتص للمظلوم من الظالم، سوف تعلم مكاني ومكانك عنده غداً. فقال النبي ﷺ : صدقت صدقت! لا يقدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم من قويهم). فانظروا إلى فطرة هذه المرأة، وكيف أبرزت مشهداً من أعظم مشاهد يوم القيامة، ألا وهو مشهد الحساب، ومشهد الميزان، ومشهد الحق، نعم إنه مشهد حق، فسوف يعلم الظالم إذا وضع الله الكرسي يوم القيامة واقتص للمظلوم من الظالم أنه لابد من قصاص. أيها المظلوم صبراً لا تهن إن عين الله يقظى لا تنام نم قرير العين واهنأ خاطراً فعدل الله دائماً بين الأنام أيها الظالمون! اظلموا فإنا متظلمون، وإنا إلى الله شاكون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، فلا بد من وقفة يقف فيها الجميع بين يدي الله ﵎، ليجازي الله كل واحد بعمله، كما قال : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]. وقال سبحانه: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٣ - ١٤]، فالمؤمن يعرف المسير، ويعرف المصير، ويعرف أن المؤمنين إلى جنة عرضها السماوات والأرض، وأن الكافرين إلى نار، نسأل الله أن يجعلنا من أهل الجنان، وأن يحرمنا على النيران؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 1471

الغاية التي من أجلها خلق الإنسان إذاً السؤال الثالث والأخير والمهم بعدما عرف الإنسان خالقه، وبعدما عرف الإنسان مسيره ومصيره، يجب عليه أن يسأل نفسه هذا السؤال لماذا خُلقت؟ وما هي الغاية التي من أجلها خُلقت ووجدت؟ والجواب عند المؤمنين حاضر لا يحتاج إلى تفكير، فكل صانع يعلم سر صنعته لماذا صنعها؟ فالمؤمن حينما يبحث عن هذا السؤال عند خالقه يرى الجواب واضحاً، فإن سأل: لماذا خلقت؟ فسيأتي الجواب من الخالق الذي يعلم الغاية من الخلق، فهو الذي خلق الخلق لغاية يعلمها ويريدها سبحانه، سيأتي الجواب واضحاً: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨]. وتدبروا معي هذه الآية الجميلة التي قلّ من فكر فيها منا، قال الله سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢] فهذه الآية جعلت معرفة الله هي الغاية من خلق السموات والأرض، وتدبر الآية مرة أخرى! قال : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢]، فالغاية هي أن تعرف الله، وأن تعرف أسماء جلاله، وأن تعرف صفات كماله، وأن تعرف قدره وعظمته، وأن تعرف أنك ما خلقت إلا لتوحده، وأنك ما خلقت إلا لتعبده، وأنك ما خلقت إلا لتخشاه وترجوه وتتوكل عليه، وإلا لتخلص العبادة له وحده بلا منازع أو شريك، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٧]. فالإنسان وبكل أسف يسأل عن الغاية التي خلق من أجلها كل شيء في الكون، مع أن كل شيء في الكون خُلق من أجلك أنت أيها الإنسان! فأنت تسأل: لماذا خُلقت السماوات؟ ولماذا خُلقت الأرض؟ ولماذا شق الله البحار؟ ولماذا أجرى الأنهار؟ ولماذا خلق الله الأزهار؟ ولماذا كذا؟ ولماذا كذا؟ في الوقت الذي لا يسأل الإنسان عن سبب خلقه هو، وعن غاية خلقه، ولا يقول: لماذا خُلقت أنا؟ فالله خلق الماء للأرض، وخلق الله الأرض للإنبات وللحياة، وخلق الله النبات للحيوان وللإنسان، وخلق الله الحيوان للإنسان، وخلق الله الإنسان له وحده، فأنت مخلوق لله وحده، وأنت مربوب لله وحده، ولا يجوز لك ألبتة أن تصرف العبادة لغير خالقك ، فالإنسان مخلوق لله؛ ليفرد الله خالقه بالعبادة وحده بلا منازع أو شريك؛ وهذه العبادة يا إخوة! لا يجوز أن تكون إلا لله وحده، وهي العهد والميثاق العظيم الذي أخذه الله على الخلق، قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس:٦٠ - ٦١]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٢ - ١٧٣]. فلا عجب يا إخوة! أن تكون العبادة هي الصيحة الأولى لكل نبي، وهي التوجيه الأول لكل رسول، فما من نبى ولا رسول بُعث في قومه إلا ودعا قومه أول ما دعاهم إلى عبادة الله وحده: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) فهذه دعوة آدم، وهذه دعوة إبراهيم، وهذه دعوة موسى، وهذه دعوة نوح، وهذه دعوة عيسى، وهذه دعوة محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، قال الله : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل:٣٦]. وقال الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] وقال الله : ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢]، فالعبادة أمر الله بها كل الخلق، وأمر بها سيد الخلق ﷺ ، قال تعالى لنبيه المصطفى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]، واليقين هنا هو الموت. فالتكليف بالعبادة لازم للنبي ﷺ ولكل بشر على وجه الأرض حتى يلحق بربه ﵎، بل وبين الله أن المسيح عيسى بن مريم الذي عبده النصارى وجعلوه إلهاً من دون الله أنه لن يستنكف أن يكون عبداً له ، فقال جلا وعلا: ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٧٢] وعبادة الله هي الغاية التي من أجلها خلق الله الخلق. وأكتفي بهذا القدر، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين.

стр. 1472

وصف الرسول ﷺ لقد زكى الله نبيه ﷺ تزكية كاملة، ظاهراً وباطناً: زكى باطنه وطهره من الشرك والكفر، وزكى ظاهره فجعله في أبهى صورة وأجملها. وقد وصف الصحابة لنا رسول الله ﷺ ، وفصلوا وأجملوا في وصفه، فوصفوا وجهه وأنفه وجبينه وحاجبيه وعرقه وصدره وعنقه وبطنه وكفه ورجله، حتى مشيته وهيئة جلوسه ووقوفه.

стр. 1473

تزكية الله سبحانه لرسوله ﷺ إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهداه، واستن بسننه، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الأحبة الكرام! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله جل وعلا أن يجمعني وإياكم في هذه الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفى الآخرة مع سيد الدعاة وإمام النبيين في جنته، ودار كرامته، إنه ولى ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! إننا في هذه الليلة على موعد مع رسول الله ﷺ ، وما أحلى أن يكون اللقاء معه! وما أجمل أن تكون الكلمات عنه! ورب الكعبة مهما أوتيتُ من فصاحة البيان وبلاغة الأسلوب والتبيان، فلن أستطيع أن أوفي الحبيب قدره، كيف لا وهو حبيب الرحيم الرحمن؟! ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨]. فلقد خلق الله الخلق واصطفى من الخلق الأنبياء، واصطفى من الأنبياء الرسل، واصطفى من الرسل أولي العزم الخمسة، واصطفى من أولي العزم الخمسة إبراهيم ومحمداً، واصطفى محمداً على جميع خلقه. زكاه ربه، ومن زكَّاه ربه فلا يجوز لأحد من أهل الأرض قاطبةً أن يظن أنه يأتي في يوم من الأيام ليزكيه، بل إن أي أحد وقف ليزكي رسول الله، وليصف رسول الله، وليتكلم عن قدر رسول الله، فإنما يرفع من قدر نفسه، ومن قدر السامعين بحديثه عن الحبيب المصطفى ﷺ . زكَّاه ربه في كل شيء: زكَّاه في عقله فقال جل وعلا: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:٢]، وزكَّاه في بصره فقال جل وعلا: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧]، وزكَّاه في صدره فقال جل وعلا: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١]، وزكَّاه في ذكره فقال جل وعلا: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:٤]، وزكَّاه في طهره فقال جل وعلا: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح:٢]، وزكَّاه في صدقه فقال جل وعلا: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣]، وزكَّاه في علمه فقال جل وعلا: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٥]، وزكَّاه في حلمه فقال جل وعلا: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، وزكَّاه في خلقه كله فقال جل وعلا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الله أكبر! ومما زادني فخراً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن أرسلت أحمد لي نبياً من أنا؟! ومن أنت؟! لنتشرف بأن يكون حبيبنا ونبينا ورسولنا هو ابن عبد الله المصطفى ﷺ .

стр. 1474

أهمية معرفة شمائله ﷺ أيها الأحبة! هذا الحبيب يحلو لكل مسلم محب أن يتذكره، وأن يتصوره، وأن يتخيله، وأن يعيش بقلبه مع هذا الحبيب، ليعرف كيف كانت حياته؟ كيف كان وجهه؟ كيف كان شعره؟ كيف كانت لحيته؟ كيف كان صدره؟ كيف كانت يده؟ كيف كانت قدمه؟ كيف كانت مشيته؟ كيف كانت نومته؟ كيف كان طعامه؟ كيف كان شرابه؟ كيف كان أكله؟ كيف كان ذكره؟ كيف كان الحبيب ﵌؟ ولم لا؟! وقد أمرنا الله جل وعلا أن نقتفي أثره، وأن نسير على دربه، وأن نقلده في كل شيء، قال جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]. أنت مأمور أيها المسلم الموحد! أن تسير على دربه، وأن تقتفي أثره، وأن تتبع سنته، تعرف كيف كان يأكل لتأكل مثله، وكيف كان يجلس لتجلس مثله، وكيف كان ينام لتنام على هيئته، وكيف كان يتكلم لتتكلم على طريقته، وكيف كان يمشي لتمشي على طريقته، فهو حبيبك وقدوتك وأسوتك، ولن تصل إلى الله جل وعلا إلا من طريقه، ومن الباب الذي دلك عليه الحبيب ﵌. إن رسول الله -أيها الأحبة- بشر: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ﴾ [الكهف:١١٠]، ولكنه لم يكن بشراً عادياً. فمبلغ العلم فيه أنه بشر ولكنه خير خلق الله كلهم ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف:١١٠]، وهذه هي التي رفعت قدره، وأعلت شأنه، ورفعت مكانته عند الله جل وعلا وعند الخلق، ولن تنال رفقته في الجنة وشفاعته يوم القيامة إلا إن اتبعت سنته، وسرت على طريقته، واقتفيت أثره: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]. رسول الله لم يكن بشراً عادياً أيها الأحبة؛ لأنه شرف بالوحي الذي أنزله الله عليه. ألم تعلم أخي الحبيب! أنه قد ثبت في الصحيحين من حديث جابر: (أنه ﵌ كان إذا نام تنام عينه ولا ينام قلبه): (جاءت ملائكة إلى النبي ﷺ وهو نائم، فقال بعضهم: إن لصاحبكم هذا مثلاً فاضربوا له مثلاً: فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقال بعضهم: مثله كمثل رجل بنى داراً، وجعل فيها مأدُبةً، وبعث داعياً، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة، فقال بعضهم: أوِّلوها له يفقهها -فسروا له الرؤيا هذه- فقال بعضهم: إنه نائم، وقال البعض: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: الدار هي الجنة، والداعي هو محمد فمن أجاب محمداً دخل الجنة، ومن لم يجب محمداً لم يدخل الجنة، ومحمد فرَّق بين الناس). فمن آمن بالحبيب، وسار على درب الحبيب، واتبع سنة الحبيب، نال شفاعة الحبيب يوم القيامة، ونال رفقته وصحبته في الجنة، ومن خالف هدي الحبيب لم ينل الشفاعة، وحُرِمَ من هذه الرِّفعة وتلك الصُّحبة. أسأل الله جل وعلا أن يمتعنا وإياكم بصحبته بحبنا له، إنه ولى ذلك والقادر عليه.

стр. 1475

صفات النبي ﷺ الخلقية في هذه الليلة نعيش مع النبي ﵊، وقد يقول قائل: كيف ستصف لنا النبي ﷺ ، والذي يصف النبي لابد أن يكون صحابياً عاش مع النبي، ونظر إلى النبي، وكلم النبي، وسمع النبي ﷺ ؟ وأقول: قد نقلت إلينا سنة الحبيب ونقلت إلينا أوصاف الحبيب، فكما نقل لنا الصحابة سنته وأحاديثه الشريفة، فإنه نقل إلينا بعضهم وصفه ﷺ .
следующие страницы →