← Джавами‘

Джавами‘ · id 7703

دروس للشيخ محمد حسان

محمد حسان

Полный текст (1 901 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الدليل النقلي على توحيد الربوبية أولاً: الأدلة النقلية، القرآن كله من أوله إلى آخره يبين هذا القسم من أقسام التوحيد، وأكتفي بهذا الدليل من سورة النمل، يقول الله جل وعلا: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل:٦٠ - ٦٤] أإله مع الله؟! لا رب غيره ولا معبود سواه. والأدلة النقلية في هذا الباب كثيرة، بل إن القرآن من أوله إلى آخره يتحدث عن هذا النوع، وصدق من قال: سل الواحة الخضراء والماء جاريا وهذه الصحاري والجبال الرواسيا سل الروض مزداناً سل الزهر والندى سل الليل والأصداح والطير شاديا وسل هذه الأنسام والأرض والسما وسل كل شيء تسمع التوحيد ساريا ولو أن هذا الليل وامتد سرمداً فمن غير ربي يرجع الصبح ثانياً أإله مع الله؟! الله ربي لا إله سواه هل في الوجود حقيقة إلا هو الشمس والبدر من أنوار قدرته والبرق والبحر فيض من عطاياه الطير سبحه والوحش مجده والموج كبره والحوت ناداه والنمل تحت الصخور الصم قدسه والنحل يهتف حمداً في خلاياه والناس يعصونه جهراً فيسترهم والعبد ينسى وربي ليس ينساه أإله مع الله؟ قل للطبيب تخطفته يد الردى يا شافي الأمراض من أرداك قل للمريض نجا وعوفي بعدما عجزت فنون الطب من عافاك قل للصحيح يموت لا من علة من بالمنايا يا صحيح دهاك قل للبصير وكان يحذر حفرة فهوى بها من ذا الذي أهواك بل سائل الأعمى خطا وسط الزحام بلا اصطدام مَنْ يقود خطاك قل للجنين يعيش معزولاً بلا راع ومرعى ما الذي يرعاك قل للوليد بكى وأجهش بالبكاء لدى الولادة ما الذي أبكاك وإذا ترى الثعبان ينفث سمه فاسأله من ذا بالسموم حشاك واسأله كيف تعيش يا ثعبان أو تحيا وهذا السم يملأ فاك واسأل بطون النحل كيف تقاطرت شهداً وقل للشهد من حلاك بل سائل اللبن المصفى كان بين دم وفرث ما الذي صفاك هل هناك مصنع على ظهر الأرض يقدر على ذلك؟! إنها قدرة الذي يقول للشيء: كن فيكون، إنها عظمة وإرادة لا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء. والأدلة النقلية في هذا الباب كثيرة جداً، ولكنني أريد أن أنهي الحديث عن أقسام التوحيد الثلاثة بإذن الله جل وعلا.

стр. 177

الدليل العقلي على توحيد الربوبية الأدلة العقلية على توحيد الربوبية كثيرة، وسأكتفي بقولين أحدهما للأعرابي الذي استشهد على وجود الله جل وعلا بكلمات عجيبة! وهو أعرابي بسيط لم يلتحق بجامعة من الجامعات، ولا بكلية من الكليات، ولكنه تخرج في جامعة الفطرة، وتربى في أحضان الطبيعة: بين سمائها وجبالها، وإبلها وحيواناتها، فسئل: ما الدليل على وجود الله؟ قال: سبحان الله! البعرة تدل على البعير، وأثر القدم يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، أفلا يدل ذلك كله على اللطيف الخبير؟!! واستشهد الإمام أحمد إمام أهل السنة والجماعة بالبيضة، فأمسك البيضة يوماً فقال: هذا حصن حصين أملس، ليس له باب ولا منفذ، ظاهره كالفضة البيضاء، وباطنه كالذهب الإبريز، فبينما هو كذلك إذ انصدع جداره، وخرج منه حيوان سميع بصير! إنها قدرة الله جل وعلا. والأدلة العقلية كثيرة في هذا الباب. فتوحيد الربوبية إذاً: هو الإقرار لله جل وعلا بالخلق والأمر، فلا خالق إلا الله، ولا رب إلا الله، ولا رازق إلا الله، ولا محيي إلا الله، ولا مميت إلا الله. هذا ومن أقر بذلك كله وكفر بتوحيد الألوهية فهو مشرك؛ لأن المشركين قد أقروا لله جل وعلا بتوحيد الربوبية، وأقروا بأن الله هو الخالق وما عداه مخلوق، وبأن الله هو الرازق وما عداه مرزوق، وبأن الله هو الرب وما عداه مربوب، ولكن لما دعاهم النبي ﷺ إلى توحيد الألوهية -أي: إلى إفراد الله جل وعلا بالعبادة- قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، فأنكروا توحيد الألوهية، فحكم الله عليهم بالشرك برغم إقرارهم بتوحيد الربوبية لله جل علا.

стр. 178

توحيد الألوهية وشروط كلمة التوحيد توحيد الألوهية هو: إفراد الله جل وعلا وحده بالعبادة. والعبادة كما عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. وهي كما عرفها ابن القيم ﵀: كمال الحب مع كمال الذل. وفي الجملة: فتوحيد الألوهية هو تحقيق معنى لا إله إلا الله، وهي كلمة التوحيد والإخلاص. هذه الكلمة من أجلها خلق الله السماوات والأرض، ومن أجلها خلق الله الجنة النار، ومن أجلها أنزل الله الكتب، وأرسل الله الرسل، وبهذه الكلمة تكون الشقاوة والسعادة، فريق في الجنة وفريق في السعير. هذه الكلمة ورد في حقها أحاديث كثيرة، وأكتفي بذكر حديث واحد، وهو ما رواه الإمام البخاري ومسلم من حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق؛ أدخله الله الجنة من أي أبوابها الثمانية شاء)، وفي رواية: (أدخله الله الجنة على ما كان من العمل).

стр. 179

تقصير بعض المسلمين في فهم كلمة التوحيد كلمة التوحيد ليست كلمة ترددها الألسنة، وتنكرها القلوب والأعمال، إن كلمة التوحيد واقع وسلوك، إن كلمة التوحيد دين كامل وشامل، فكم من المسلمين يردد كلمة التوحيد وهو لا يفهم لها معنى، ولا يعرف لها مدلولاً، ولا يعرف لها مقتضى! ولقد نجح أعداء ديننا نجاحاً باهراً في تجهيل المسلمين بحقيقة لا إله إلا الله، فجعلوا كلمة التوحيد في جانب والمسلمين بفهمهم لها في جانب آخر، حتى صار المسلمون في واد، وصار الإسلام وحقيقة التوحيد كما أرادها الله، وكما جاء بها ابن عبد الله في واد آخر. نجحوا في أن يفرغوا لا إله إلا الله من محتواها كله، ومن مضمونها كله، ومن معناها كله، حتى صار المقتضى والمعنى والمفهوم منها في جهة، وصار المسلمون في فهمهم لها في جهة أخرى، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فلا إله إلا الله لا تنفع إلا من قالها بلسانه، وصدقها بقلبه، وطبقها بأعماله، والإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان؛ هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة. فلابد أن تقولها بلسانك، وأن تصدقها بقلبك، وأن تترجم ذلك بأعمالك وجوارحك، إذا وقر الإيمان في القلب انعكس على جوارح العبد، فتحركت الجوارح بطاعة الله ، فائتمرت بأمر الله، وانتهت بنهي الله، ووقفت عند حدود الله جل وعلا. إذاً: ليس كل من قال: (لا إله إلا الله) دخل الجنة، فلهذه الكلمة شروط لا ينتفع قائلها إلا بها، وهذه الشروط -بإيجاز شديد- هي التي جمعها صاحب المعارج بقوله: العلم واليقين والقبول والانقياد فادر ما أقول والصدق والإخلاص والمحبه وفقك الله لما أحبه

стр. 180

الشرط الأول: العلم أول شرط هو: العلم، والعلم معناه: أن يكون قائلها على علم بمعناها ومقتضاها ومدلولاتها، وعلى علم بما تحمله هذه الكلمة من نفي وإثبات، وولاء وبراء، فكلمة التوحيد نفي للآلهة وللطواغيت وللأنداد وللأرباب، فهي نفي لجميع الآلهة غير الله، وإثبات للألوهية لله جل وعلا وحده. وهي إثبات العبادة لله وحده: فلا عبادة إلا لله، ولا خوف إلا من الله، ولا إذعان إلا لله، ولا انقياد إلا لله، ولا استسلام إلا لله، ولا تفويض إلا إليه، ولا رجاء إلا فيه، ولا طلب إلا منه، ولا استعانة إلا به، ولا استغاثة إلا به، ولا نذر إلا له، ولا ذبح إلا له، ولا حلف إلا به. تكون عقيدتك قولاً وعملاً: اللهم إني أبرأ من الثقة إلا بك، وأبرأ من الأمل إلا فيك، وأبرأ من التسليم إلا لك، وأبرأ من التفويض إلا إليك، وأبرأ من التوكل إلا عليك، وأبرأ من الصبر إلا على بابك، وأبرأ من الذل إلا في طاعتك، وأبرأ من الرجاء إلا لما في يديك الكريمتين، وأبرأ من الرهبة إلا لجلالك العظيم. هذا ما ينبغي أن تكون عليه عقيدتك أيها الموحد لله جل وعلا. إذاً: شرط العلم: أن تكون على علم بمعناها، نفياً وإثباتاً، فهي تنفي جميع الآلهة والأرباب والأنداد والطواغيت، وتثبت الألوهية لله وحده، والعبودية والعبادة لله وحده. وهي ولاء وبراء: ولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، وبراء من كل ما تبرأ الله منه. فالعلم: أن تكون على علم بمعناها نفياً وإثباتاً: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [محمد:١٩]، وفي الحديث الصحيح من حديث عثمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة).

стр. 181

الشرط الثاني: اليقين الشرط الثاني: اليقين، واليقين هو الإيمان كله، كما ورد في الأثر الصحيح الذي ذكره الإمام البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (اليقين هو الإيمان كله). واليقين هو: أن يكون من قال: لا إله إلا الله على يقين جازم بمعناها ومدلولها، وذلك أن يقولها القائل بلسانه، وأن يصدقها بقلبه، وأن يطبقها بأعماله وجوارحه. وفي الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري من حديث أبي هريرة، وهو طويل، وفيه أن النبي ﷺ أعطى نعلين لـ أبي هريرة ﵁ وقال له: (يا أبا هريرة! اذهب بنعلي هاتين، فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه؛ فبشره بالجنة). ومعنى اليقين: أن يكون قائلها على يقين بمعناها، فلا يقولها بلسانه ويكذبها بقلبه وأعماله. هذا هو الشرط الثاني بإيجاز.

стр. 182

الشرط الثالث: القبول الشرط الثالث: القبول، والقبول معناه: أن نقبل كل ما جاءت به لا إله إلا الله، بأن نقبل أوامرها، وأن نقبل نواهيها، وأن نقف عند حدودها، ولا نقل كما قالت اليهود: نؤمن ببعض ونكفر ببعض! فلقد توعد الله من قال ذلك بقوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٨٥]. فالقبول معناه: أن ننقاد لـ (لا إله إلا الله) فإذا أمرنا نمتثل، وإذا نهينا ننتهي؛ لأن من المسلمين من نَحَّى شرع الله وهو يقول: (لا إله إلا الله)! ومن المسلمين من يشرب الخمر، أو يتعامل بالربا وهو يقول: لا إله إلا الله! أو زوجته سافرة وبناته سافرات وهو يقول: (لا إله إلا الله)! وإذا ما سألته، يقول: هذا شيء وذلك شيء آخر! ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٨٥]. وهذا هو ما نجح فيه أعداؤنا، نجحوا في أن يجعلوا كتاب الله جل وعلا لا يتعدى قارئ يتغنى بالقرآن، ومن حوله بعض المسلمين يستمعون وهم لا يفهمون، فأصبح القرآن في أمة القرآن لا يتعدى أن يكون كتاباً محفوظاً في علبة، أو لا يتعدى أن يكون آية في برواز ذهبي أو فضي، أو لا يتعدى أن يكون بعض الآيات التي تقرأ على الحضور أو تلقى على الصدور. نجحوا في ذلك، وفرغوا لا إله إلا الله من محتواها ومضمونها، ويوم أن حرف الجسر الحقيقي الذي يضمن لهذه الأمة البقاء والسيادة والرياسة ضاعت الأمة وسقطت من القمة إلى الحضيض والخزي والذل والهوان. فالقبول: قبول لها بأوامرها ونواهيها وحدودها، والإسلام نظام شامل كامل متكامل، لا ينبغي أن يسجن الإسلام في بيوت الله جل وعلا، وإذا ما خرج المسلمون من المساجد تركوا الإسلام في بيوت الله ، أما أن يحكم التجارة فلا! أو الاقتصاد فلا! أو الاجتماع فلا! والتعليم والإعلام إلخ، هذا هو فعل اليهود الذين أخذوا ما شاءوا وتركوا ما أرادوا، والله جل وعلا يحذر ويقول: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٨٥]. هذا -بإيجاز- هو الشرط الثالث من شروط لا إله إلا الله. الإيمان كل لا يتجزأ، نقبل لا إله إلا الله بدءاً من الحاكمية، فلا حكم إلا لله، ولا شرع إلا لشرع الله، ولا سلطان إلا لله، وحتى إماطة الأذى عن الطريق كما في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: (الإيمان بضع وستون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)، فالقبول ينبغي أن يكون قبولاً كاملاً لكل ما جاءت به لا إله إلا الله من أوامر ونواه، ومن حدود ومقتضيات.

стр. 183

الشرط الرابع: الانقياد والإذعان الشرط الرابع من شروط (لا إله إلا الله) التي لا ينتفع قائلها إلا بها: الانقياد: والانقياد هو: الاستسلام والإذعان والتسليم لأمر الله ، وهذا الانقياد له شروط: أول شرط من شروط الانقياد: هو قبول شرع الله ورفض شرع ما سواه، من قوانين ديمقراطية علمانية شيوعية بعثية إلى آخره. الشرط الثاني من شروط الانقياد هو: لا دين إلا ما شرعه الله في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ ، فالحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله ، ولا يحق لأي سلطان، ولا لأي هيئة، ولا لأي جماعة، ولا لأي مجلس، ولا لأي سلطة: أن تشرع للناس من دون الله ، بل إن الحلال ما أحله الله والحرام ما حرم الله . الشرط الثالث من شروط الانقياد هو: نفي النسك عن غير الله ، أي: نفي العبادة عن غير الله، وتوجيهها لله جل وعلا وحده، كما قال الله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. فتوجه العبادة كاملة بركنيها من كمال الحب وكمال الذل إلى الله جل وعلا. فلا عبادة إلا لله، مع الكفر بجميع الطواغيت، والإيمان بالله وحده: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة:٢٥٦]؛ قدم الله الكفر بالطاغوت على الإيمان به؛ لأنه لابد من التخلية قبل التحلية: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٥٦]. هذا بإيجاز الشرط الرابع.

стр. 184

الشرط الخامس: الصدق الشرط الخامس من شروط (لا إله إلا الله) الذي لا ينتفع قائلها إلا بها هو: الصدق، والصدق شرط رئيسي من شروط لا إله إلا الله، فمن قالها بلسانه وكذبها بقلبه فهو منافق؛ لقول الله : ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١] قالوا: نشهد أنه لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ولكنهم قالوها بألسنتهم، وكذبوها بقلوبهم والعياذ بالله. فإن من الناس من يقول: لا إله إلا الله بلسانه -وما أكثر هؤلاء! - ويكذبها بقلبه، مع أنه يقولها بلسانه، بل ويجري اللسان فيها كالسهم، وترتلها الألسنة كدخان في الهواء، ثم تلوكها الألسنة، لكن لم يكن لقولها معنى، ولم يعد لها مقتضى، وإنما قالتها الألسنة، وكذبتها القلوب والعياذ بالله؛ فهذا هو عمل أهل النفاق! فالصدق شرط رئيسي؛ ولذلك ورد في الحديث الذي رواه الإمام البخاري من حديث معاذ ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه حرمه الله على النار). وفي قصة ضمام بن ثعلبة الذي رواها الإمام مسلم، أنه جاء يسأل النبي ﷺ عن أركان الإسلام، وقال: (والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن! وانصرف، فقال النبي ﷺ : أفلح إن صدق)، وفي رواية: (لئن صدق ليدخلن الجنة). فالصدق: أن تقولها بلسانك، وأن تصدقها بقلبك، هذا بإيجاز شرط الصدق.

стр. 185

الشرط السادس: الإخلاص الشرط السادس من شروط لا إله إلا الله: الإخلاص، والصدق والإخلاص متلازمان، لا ينفع أحدهما بدون الآخر، فمن قالها بلسانه وكذبها بقلبه فهو منافق، ومن قالها بلسانه ولم يخلص فيها لله جل وعلا فهو مشرك. والشرك درجات: فهناك شرك أكبر، وهو الكفر بالله، وهو الذي لا يغفر: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وهناك الشرك الأصغر وهو الرياء، وهناك الشرك الخفي. فالصدق والإخلاص متلازمان لا ينفع أحدهما بدون الآخر، يقول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري أن أبا هريرة سأل النبي ﵊ وقال: (يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال ﷺ : من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه!). والإخلاص هو تصفية العمل بصالح النية من جميع شوائب الشرك، قال أحد السلف: (من شاهد في إخلاصه الإخلاص فقد احتاج إخلاصه إلى إخلاص). هذا بإيجاز شرط الإخلاص.

стр. 186

الشرط السابع: المحبة الشرط السابع من شروط لا إله إلا الله هو: شرط المحبة. والمحبة ركن التوحيد، وبكمالها يكمل التوحيد، وبنقصها ينقص التوحيد، قال الإمام ابن القيم ﵀: إن شجرة المحبة لو غرست في القلب، وسقيت بماء الإخلاص، وغذيت بمتابعة سيد الناس؛ أثمرت كل أنواع الثمار، وآتت أكلها كل حين بإذن ربها، فهي شجرة أصلها في قرار القلب، وفرعها يتصل بسدرة المنتهى. والمحبة ركن التوحيد، فبكمالها يكمل التوحيد، وبنقصها ينقص التوحيد، ولقد ادعى ناس المحبة، فابتلاهم الله بآية المحبة: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]. إذاً: للمحبة شروط وهي: أولاً: أن تقبل ما جاء به الله وإن خالف هواك، وأن تبغض ما أبغضه الله وإن مال إليه هواك، فهذا أول شرط، قال الحبيب ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟! قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى). والشرط الثاني: هو محبة النبي ﷺ ، بأن تكون محبتك لرسول الله أكثر من محبتك لمالك وولدك ونفسك التي بين جنبيك. ولقد ادعى كثير من المسلمين المحبة لرسول الله ﷺ ، ولكن المحبة واقع وسلوك واقتفاء لأثر الحبيب ﷺ . هذه الشروط الثقال قيدت بها كلمة التوحيد والإخلاص، فمن أتى بكلمة التوحيد بهذه الشروط فهو من أهل الجنة، أما إن قالها بلسانه وكذبها بقلبه وأنكرها بأعماله وسلوكه، فبإجماع أهل العلم أنها لا تنفعه لا إله إلا الله، وإن نفعته في الدنيا فلن تنفعه في الآخرة؛ لأن المنافقين قالوها فانتفعوا بها في الدنيا، ولن ينتفعوا بها في الآخرة، فإنهم في الدنيا عصموا بها دماءهم وأموالهم، وتزوجوا من المسلمات، وحضروا مع النبي ﷺ الجمعات والجماعات، بل وشاركوه في الغزوات، واقتسموا معه الغنائم، ولكنها لن تنفعهم يوم القيامة؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥]. إذا تقاضى الناس في أرض المحشر، وعمهم الظلام، قام أهل التوحيد بأنوار لا إله إلا الله، نورهم يضيء لهم الطريق، فيتحرك الركب النوراني بقيادة محمد ﷺ كما قال الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم:٨]؛ يوم أن يتحرك هذا الركب النوراني بقيادة محمد ﵊، يقوم أهل النفاق يريدون أن يتحركوا مع هذا الركب، فيجدون أنفسهم في ظلمة، فينادون المؤمنين: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣]. فمن قالها بلسانه وكذبها بقلبه فهو منافق، ومن قالها بلسانه وأشرك فيها مع الله فقد أشرك، فالصدق والإخلاص متلازمان. فهذه هي بعض الشروط الثقال التي قيدت بها كلمة التوحيد، ولا ينتفع قائلها إلا بهذه الشروط، نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن انتفع بها في الدنيا والآخرة. هذا بإيجاز توحيد الألوهية.

стр. 187

قواعد في توحيد الأسماء والصفات القسم الثالث من أقسام التوحيد: توحيد الأسماء والصفات: وهذا هو الباب الذي ضلت فيه أفهام، وزلت فيه أقدام، نسأل الله جل وعلا أن يرزقنا وإياكم الفهم والاستدلال. نجمل هذا التوحيد في عدة قواعد، وأسميناها قبل ذلك في لقاء مستقل: القواعد الواضحات لفهم الأسماء والصفات.

стр. 188

القاعدة الأولى القاعدة الأولى: أن أسماء الله الحسنى وصفاته العلا هي التي أثبتها الله لذاته، وأثبتها له عبده ورسوله وأعرف الناس به محمد ﷺ ، وآمن بها جميع المؤمنين، وهي أسماء وصفات كمال وجلال.

стр. 189

القاعدة الثانية القاعدة الثانية: أن أسماء الله جل وعلا لا تنحصر بالتسعة والتسعين اسماً التي أخبر عنها النبي ﷺ بقوله في الحديث الذي رواه البخاري من حديث أبي هريرة: (إن لله تسعة وتسعين اسماً، مائة إلا واحداً، وهو وتر يحب الوتر، من أحصاها دخل الجنة). أقول: إن الأسماء لا تنحصر بهذا العدد، والدليل حديث النبي ﷺ الذي رواه أحمد في مسنده، وصححه الإمام ابن القيم في بدائع الفوائد، وصححه الإمام ابن حبان والحاكم من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ قال: (ما أصاب أحد قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك -إذاً: فهناك من أسماء الكمال وصفات الجلال لا يعلمها إلا الكبير المتعال- أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور بصري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي، إلا أذهب الله حزنه وهمه، وأبدله مكانه فرحاً، فقيل: يا رسول الله! أفلا نتعلمها؟ قل: بل ينبغي لكل من سمعها أن يتعلمها)، هذه هي القاعدة الثانية.

стр. 190

القاعدة الثالثة القاعدة الثالثة من القواعد الواضحات لفهم مبحث الأسماء والصفات هي: أن أسماء الله جل وعلا حق على حقيقة الذات، مطابقة وتضمناً والتزاماً، فاسم الله جل وعلا (الرحمن) حق على حقيقة ذات الله ، فلو قلت: الرحمن، لكنت على يقين أنه هو الله: ﴿قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠]، فاسم الرحمن حق على حقيقة الذات مطابقة، وفي نفس الوقت يشتمل على صفة الرحمة تضمناً، وفي نفس الوقت يشتمل على جميع صفات الكمال والجلال التزاماً. فأسماء الكمال حق على حقيقة الذات، مطابقة وتضمناً والتزاماً.

стр. 191

القاعدة الرابعة القاعدة الرابعة: هناك أسماء لا ينبغي أن تطلق إلا مقترنة مع بعضها البعض، وإذا جاءت هذه الأسماء وأفردت أوهم ذلك نقصاً في حق الله تعالى الله عن ذلك! فمن هذه الأسماء: المعطي المانع، الخافض الرافع، الضار النافع، المعز المذل، القابض الباسط، فهذه الأسماء لا ينبغي أن يشتق منها اسم واحد ليطلق على الله جل وعلا، فلا ينبغي أن يقال: بأن من أسماء الله المذل، الخافض، الضار، المانع، هذا لا يصح، وإنما ينبغي أن تطلق هذه الأسماء مع بعضها البعض؛ لأن الشرع ما ذكرها إلا كذلك، فلو قلت: إن من أسماء الله: الضار، المضل، الخافض، المانع؛ لأوهم ذلك نقصاً في حق الله، تعالى الله عن ذلك! أيضاً: هناك أفعال ذكرها الله تعالى ووصف بها نفسه من باب: الجزاء من جنس العمل كقوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠]، وكقوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة:٦٧]، وكقوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢]، فلا يجوز على الإطلاق أن نقول: إن من أسماء الله: الماكر المخادع، الناسي، وإن بعض الجهال قد اشتق من هذه الأفعال أسماء للكبير المتعال! ولكن هذه الأفعال التي وصف الله بها نفسه لا يجوز أن يشتق منها إطلاقاً بعض الأسماء لله .

стр. 192

القاعدة الخامسة القاعدة الخامسة ذكرها الإمام الشنقيطي رحمة الله عليه في مبحثه القيم مبحث الأسماء والصفات، قال: إن هذا المبحث الخطير يتركز على ثلاث أسس، من جاء بها ومات عليها مات على المعتقد الصحيح الذي كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، هذه الأسس هي: الأساس الأول: تنزيه الله وعدم تشبيهه بشيء من المخلوقات، وهذا الأصل مأخوذ من قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، ومأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، ومأخوذ من قوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤]. الأساس الثاني: أن نؤمن بما وصف الله به نفسه، وبما وصفه به عبده ورسوله محمد ﷺ . أو بعبارة أخرى قالها الشافعي: أن نؤمن بالله، وبما جاء عن الله، على مراد الله، وأن نؤمن برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله ﷺ . الأساس الثالث: قطع الطمع عن إدراك كيفية ذات الله ، فلا يعلم ذات الله إلا الله: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ [طه:١١٠]، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].

стр. 193

خلاصة مذهب أهل السنة في الأسماء والصفات القاعدة السادسة من قواعد الأسماء والصفات: هي تلخيص لمذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب من أبواب التوحيد:

стр. 194

الإيمان بأسماء الله وصفاته من غير تحريف ولا تعطيل ولا تشبيه أولاً: نؤمن بآيات الأسماء والصفات، وبأحاديث الأسماء والصفات، كما جاءت، ونمرها صريحة من غير تحريف لألفاظها، ومن غير تحريف لمعانيها، ومن غير تعطيل، ومن غير تكييف، ومن غير تمثيل. وسأكتفي بمثال واحد، ألا وهو قول الله جل وعلا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]. قال أهل التعطيل وأهل النفي للصفات، وعلى رأسهم جهم بن صفوان -عليه من الله ما يستحقه- قال: لو كان الأمر بيدي لحككتها من المصحف وجعلتها: (الرحمن على العرش استولى)! وذلك ليعطل صفة الاستواء. وهذا فعل أسلافه اليهود، قال الله جل وعلا لهم: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة:٥٨] أي: قولوا: اللهم احطط عنا الخطايا والذنوب؛ ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ [البقرة:٥٨]، فأبوا إلا أن يحرفوا ويبدلوا، فبدلاً من أن يدخلوا سجداً اعترافاً بفضل الله جل وعلا، وشكراً لله ، دخلوا يزحفون على أستاههم، أي: على مقاعدهم، وهم يسخرون بقول الله: (حِطَّةٌ) ويقولون: حنطة، فزادوا النون كما زاد جهم اللام في (استوى) فقال: استولى! قال: لو كان الأمر بيدي لحككتها من المصحف وجعلتها: (الرحمن على العرش استولى)! ليلغي صفة الاستواء، ولكن أهل السنة والجماعة يقولون: استوى كما أخبر، وعلى الوجه الذي أراد، وبالمعنى الذي قال، استواء منزهاً عن الحلول والانتقال، فلا العرش يحمله، ولا الكرسي يسنده، بل العرش وحملته، والكرسي وعظمته، الكل محمول بقدرته، مقهور بجلال قبضته. فالاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ونحن نؤمن بأسماء الكمال وصفات الجلال، ونمرها صريحة. يقول الله جل وعلا: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢]، فلا ينبغي أن نأول، وأن نتحذلق ونقول: المعنى: وجاءت قدرة ربك. الله يقول: (وَجَاءَ رَبُّكَ) هل أنت أعرف بالله من الله؟! هل أنت أعرف بالله من رسول الله؟! هو يقول: (وَجَاءَ رَبُّكَ) فنؤمن أنه يجيء مجيئاً يليق بكماله وجلاله، فكل ما دار ببالك فالله بخلاف ذلك: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].

стр. 195

خطورة الإلحاد في الأسماء والصفات لقد حذر الله ﵎ من القول بغير علم في مبحث الأسماء والصفات، فقال في سورة الأعراف: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠]. يقول صاحب معارج القبول: الإلحاد في الأسماء ينقسم إلى ثلاثة أقسام: إلحاد المشركين، وهو الذي قال عنه ابن عباس ﵄: (وذروا الذين يلحدون في أسمائه) أي: يشركون في أسمائه، فسموا اللات من الإله، وسموا العزى من العزيز. القسم الثاني: إلحاد المشبهين، الذين شبهوا الله في أسمائه وصفاته بالمخلوقين. القسم الثالث: إلحاد النفاة الذين نفوا أسماء الله جل وعلا وصفاته. وهؤلاء ينقسمون إلى قسمين: قسم أثبت لله جل وعلا الأسماء الحسنى، ونفى عن هذه الأسماء ما تضمنته من صفات. القسم الثاني: قسم أنكر الأسماء والصفات، فكفر بالله . هذا بإيجاز معنى قول النبي ﷺ : (الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله)؛ فإن قدر الله جل وعلا لنا اللقاء والبقاء، فسوف يكون حديثنا في اللقاء المقبل عن الشق الثاني لشهادة التوحيد. أسأل الله جل وعلا أن يتوفانا وإياكم على التوحيد، وأن يجنبنا الشرك، وأن يختم لي ولكم بخاتمة الإيمان، إنه ولي ذلك ومولاه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

стр. 196

صبر أيوب يبتلى الناس على قدر إيمانهم، فأكثرهم بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل. وإن من توفيق الله لأهل البلاء أن يوفقهم للصبر على البلاء وعدم التسخط، فإن التسخط على القضاء لا يرفع البلاء ولا يجبر المصيبة، وإنما يذهب الأجر ويجلب الوزر. أما الصبر على المصيبة فإنه يجبر الكسر ويجلب الأجر. وإن من أروع من سطر الصبر في التاريخ نبي الله أيوب ﵇، حتى إن الصبر لا يذكر -غالباً- إلا معه، فهو قدوة وأسوة في الصبر ﵇. وما زال الصابرون يسطرون أروع الأمثلة على مر الزمان، وحتى في زماننا الحاضر، وذلك لأن أمر المؤمن كله له خير، فإن أصابته ضراء صبر، وإن أصابته سراء شكر.

стр. 197

نبي الله أيوب ﵇ نموذج للصبر بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدَّى الأمانة، وبلَّغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، اللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الأحباب الأعزاء! وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم جل وعلا الذي جمعني وإياكم في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته، أن يجمعني وإياكم في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! (رسالة إلى أصحاب الأَسِرَّة البيضاء) هذا هو عنوان لقائنا مع حضراتكم في هذا اليوم الكريم المبارك، وسوف ينتظم حديثنا مع حضراتكم تحت هذا العنوان في العناصر التالية: أولاً: صبر أيوب. ثانياً: قصة مثيرة لامرأة صابرة بالمنصورة. ثالثاً: رسالة إلى أصحاب الأَسِرَّة البيضاء. وأخيراً: رسالة إلى أهل العافية من البلاء. فأعيروني القلوب والأسماع، والله أسأل أن يرزقنا وإياكم الإخلاص والصدق في القول والعمل، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أولاً: صبر أيوب. أحبتي في الله! إن الله جل وعلا قد جعل الصبر جواداً لا يكبو، وجنداً لا يهزم، وحصناً لا يهدم، وبين أن الصابرين في معيته، ويا لها من كرامة، فقال جل وعلا: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦]، وبين فضل الصابرين وكرمهم فقال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧] , بل وجعل الله الإمامة في الدين منوطة بالصبر مع اليقين، فقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤]، بل وبين الله سبحانه كرامة الصابرين في الجنة بدخول الملائكة للسلام عليهم وتهنئتهم فقال جل وعلا: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٣ - ٢٤]، وبين جل وعلا بالجملة: أن أجر الصبر لا حدود له ولا منتهى، فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠].

стр. 198

تعريف الصبر وأقسامه الصبر لغة: المنع والحبس. والصبر شرعاً: حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي، وحبس الجوارح عن المعاصي. وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: صبر على المأمور، أي: صبر على الطاعة، وصبر عن المحظور، أي: صبر عن المعصية، وصبر على المقدور، أي: على ما قدره الله عليك من المصائب والمحن والبلايا. والصبر الجميل: هو الذي يبتغي به العبد وجه الله الجليل, لا تحرجاً من أجل ألا يقول الناس: جزع، ولا أملاً في أن يقول الناس: صَبَر، وإنما يصبر ويبتغي بصبره وجه الله جل وعلا، يصبر واثقاً بالله، مطمئناً بقضاء الله وقدر الله، مستعلياً على الألم، مترفعاً عن الشكوى.

стр. 199

أنواع الشكوى والتحقيق أن الشكوى نوعان: شكوى إلى الله، وشكوى من الله, أعاذنا الله وإياكم من الأخيرة. فالشكوى إلى الله لا تنافي الصبر، فلقد مدح الله نبيه يعقوب، وأثبت له الصبر في قرآنه فقال حكاية عنه: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨] ومع ذلك فقد رفع يعقوب شكواه إلى مولاه، فقال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦] وأثنى الله على عبده أيوب فقال جل وعلا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤] ومع ذلك فقد رفع نبي الله أيوب شكواه إلى الله كما قال الله جل في علاه: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣] فالشكوى إلى الله لا تنافي الصبر. أما الشكوى من الله -أعاذنا الله وإياكم منها- فهي شكوى للمخلوق من الخالق. فإذا شكوت إلى ابن آدم إنما تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم! وإذا ذكر الصبر ذكر نبي الله أيوب، على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فلقد ابتلى الله أيوب بماله وولده وبدنه: فقد المال كله! مات جميع أبنائه جملة واحدة! ابتلاه الله في جسده بمرض أقعده في الأرض وألزمه الفراش؛ فصبر، وامتلأ قلبه بالحب لله والرضا عن الله، ولم يسلم من بدنه البتة إلا قلبه ولسانه! أما قلبه: فقد امتلأ بالحب لله والرضا عن الله، وأما لسانه: فلم يفتر عن ذكر الله جل وعلا، وهذه والله هي الحياة، ففي الصحيحين من حديث أبي موسى أن النبي ﷺ قال: (مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت)، فالذاكر لله حي وإن ماتت فيه الأعضاء، والقاعد عن ذكر الله ميت وإن تحرك بين الأحياء، لم يبق إلا لسانه وقلبه، أما القلب: فقد امتلأ بالحب لله والرضا عن الله، وأما اللسان: فلم يفتر عن ذكر مولاه، وفزعت زوجته الصابرة الوفية حينما قالت له: ادع الله أن يفرج كربك، فقال نبي الله أيوب: لقد عشت سبعين سنة وأنا صحيح، ولله عليَّ أن أصبر له سبعين سنة وأنا سقيم، ففزعت زوجته!

стр. 200

دعا أيوب ربه فاستجاب الله دعاءه واختلفت الأقوال في المدة التي مكثها نبي الله في البلاء، وأصح ما ورد من هذه الأقوال ما رواه الإمام الطبري، وابن حبان وابن أبي حاتم والبزار والحاكم في مستدركه وصححه على شرط الشيخين، وقال الهيثمي في المجمع: ورجال البزار رجال الصحيح. من حديث أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (إن نبي الله أيوب مكث في بلائه ثماني عشرة سنة)، فرفضه القريب والبعيد، إلا رجلين من خواص أصحابه كانا يغدوان عليه ويروحان، فقال أحدهما للآخر في يوم من الأيام: والله إن أيوب قد أذنب ذنباً ما أذنبه أحد من العالمين، فقال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: مرض ثماني عشرة سنة ولم يرحمه الله! إلى آخر الحديث، قال أهل التفسير: فلما سمع أيوب بذلك خشي الفتنة، فلجأ إلى الله تعالى بهذا الدعاء الحنون، الذي سجله الله في قرآنه فقال جل وعلا: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣] فأجاب الله دعاءه: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٨٤] ما الذي جرى؟ ما الذي حدث؟ هل انتقل أيوب إلى إحدى المستشفيات الخاصة في الخارج أو في الداخل؟ كلا، إذاً: ما الذي حدث؟ أمر الله جل وعلا نبيه أيوب أن يضرب الأرض من تحت قدميه، فضرب أيوب المريض المسكين الأرض ضربة هينة بقدمه, ففجر الله له عيناً من الماء، وإذ بأيوب يسمع النداء من الملك: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص:٤٢] أمر الله أيوب أن يشرب فشرب أيوب من الماء فشفاه الله من جميع أمراضه الباطنة، وأمره أن يغتسل فاغتسل، فشفاه الله من جميع أمراضه الظاهرة، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام:١٧]. أيها المبتلى! كن عن همومك معرضاً ودع الأمور إلى القضا وانعم بطول سلامة تسليك عما قد مضى فلربما اتسع المضيق وربما ضاق الفضا الله يفعل ما يشاء فلا تكن متعرضا وقال آخر: قل للطبيب تخطفته يد الردى يا شافي الأمراض من أرداكا قل للمريض نجا وعوفي بعدما عجزت فنون الطب من عافاكا قل للصحيح يموت لا من علة من بالمنايا يا صحيح دهاكا بل سائل الأعمى خطا وسط الزحام بلا اصطدام من يقود خطاكا وسل البصير وكان يحذر حفرة فهوى بها من ذا الذي أهواكا وسل الجنين يعيش معزولا بلا راع ومرعى من الذي يرعاكا وإذ ترى الثعبان ينفث سمه فاسأله من ذا بالسموم حشاكا واسأله كيف تعيش يا ثعبان أو تحيا وهذا السم يملأ فاكا واسأل بطون النحل كيف تقاطرت شهداً وقل للشهد من حلاكا بل سائل اللبن المصفى كان بين دم وفرث من الذي صفاكا ﴿قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٤] , ﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٠] , ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص:٤٢] فاغتسل نبي الله وشرب، فشفاه الله وعافاه، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة (أمطر الله عليه بعدما عافاه جراداً من ذهب، فقام نبي الله أيوب ليأخذ الجراد الذهبي من ربه العلي ليضعه في ثوبه، فنادى عليه ربه جل وعلا وقال: يا أيوب أما تشبع؟! فقال أيوب: ومن يشبع من رحمتك يا رب!)، وهكذا نجى الله أيوب ورفع الله عنه البلاء، بعد هذه السنوات الطوال من الصبر الصادق. وأود قبل أن أنهي الحديث عن هذا العنصر أن أحذر من لا يجيدون السباحة في البحور الهائجة، ومن لا يجيدون النزال عند اقتحام الخطوب والأهوال، من أمثال هؤلاء الذين انساقوا وراء إسرائيليات خطيرة شحنت بها قصة أيوب، في كتب التفسير وكتب السير، فانساقوا ليرددوا هذا الكذب العريض، وأن الله قد ابتلى نبيه أيوب بالدود! وكانت كلما سقطت دودة من جسده انحنى عليها وردها إلى جسده مرة أخرى! وانبعثت منه رائحة كريهة نتنة! اشمأز الناس منها وانصرف الناس عنه! هذا كذب عريض، وكذب حقير خطير، يمتهن العقول السليمة والطباع الكريمة، التي تعلم يقيناً أن الله جل وعلا قد نزه أنبياءه ورسله عن مثل هذا. فاعلم أيها المسلم! أن الله جل وعلا ما ابتلى نبيه أيوب بمثل هذه القاذورات، وإنما ابتلاه بمرض ألزمه الفراش وأقعده في الأرض، وفي هذا كفاية، لكن أين الصبر وأين الصابرون؟! أيها الحبيب الكريم! لا أريد أن أطيل في هذا العنصر، قال الله جل وعلا: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [ص:٤٢ - ٤٣].

стр. 201

صبر امرأة في زماننا المعاصر ثانياً: قصة مثيرة لامرأة صابرة بالمنصورة: وهي التي دفعتني لاختيار هذا الموضوع في هذه الجمعة، ولولا أنني وقفت على هذه القصة بنفسي, ورأيت هذه المرأة المسلمة الصابرة بعيني، لظننت أن قصتها ضرب من الخيال! امرأة من أمة الحبيب المصطفى تجسد لنا في قرننا العشرين صبر نبي الله أيوب! الحمد لله أن رأينا من أمة الحبيب من يحاكي صبر الأنبياء. هذه المرأة تبدأ قصتها بميلادها في قرية بمركز المنصورة، وفي الثامنة عشرة تتزوج، وبعد سنتين تنجب طفلها الوحيد، الذي توفي في الرابعة من عمره، فتصبر وتحتسب، وفي عام سبعة وستين يهاجمها المرض، فتحس بآلام حادة في بطنها، فتنقل على الفور إلى المستشفى الجامعي بالمنصورة، ويشخص الأطباء المتخصصون الحالة بأنها امتداد في الأمعاء الدقيقة، ويقرر الأطباء للمريضة المسلمة الصابرة جراحة عاجلة؛ لاستئصال جزء من الأمعاء، وبعد الجراحة لم تشعر المرأة بتحسن، وبعد ستة أشهر قرر الأطباء جراحة ثانية؛ لاستئصال جزء آخر من الأمعاء! وبعد ستة أشهر قرر الأطباء جراحة ثالثة؛ لاستئصال جزء جديد من الأمعاء! وفي هذه المرة اكتشف الأطباء أن المرأة مصابة بمرض خطير مشهور ألا وهو مرض الدرن المعروف عالمياً، وهنا قرر الأطباء عدم التدخل الجراحي، واكتفى الأطباء بالعقاقير والحقن وتركوا أمرها لله جل وعلا، صبرت المرأة واستسلمت لقضاء الله جل وعلا، ونامت على سريرها الأبيض في آخر غرفة في القسم الرابع عشر باطني بمستشفى المنصورة، مستسلمة لقضاء الله وقدر الله جل وعلا، لا يفتر لسانها عن ذكر الله ، ثم هاجمها المرض هجوماً عنيفاً بعد ذلك، فانتقل هذا المرض الخطير إلى الأمعاء الدقيقة كلها، ثم انتقل المرض بعد ذلك إلى كليتها اليمنى، ففشلت الكلية اليمنى تماماً، ثم انتقل المرض بعد ذلك إلى الرحم، فأصيب الرحم بهذا المرض، ثم انتقل المرض بعد ذلك إلى العظام، فنخر المرض العظام نخراً، وأصبحت العظام هشة متآكلة، ثم فقدت عينها اليسرى، فلم تعد ترى بعينها اليسرى تماماً، انظروا إلى هذه المراحل من مراحل الابتلاء! ومع كل مرحلة، إذا ما علمت من الطبيب المسلم ما ابتلاها الله به، تبتسم وتنظر إلى السماء، وتقول: الحمد لله! الحمد لله! جبل من جبال الصبر! منذ عام سبعة وستين لم تفارق سريرها في المستشفى الجامعي! وطلقها زوجها بعد ست سنوات من المرض، ومات ولدها الوحيد واحتسبته عند الله جل وعلا! انظروا إلى هذه المفاجأة العجيبة، انظروا إلى هذه المفاجأة الغريبة، ففي عام خمسة وثمانين وقبل موسم الحج سمعت شريطاً لأحد المحاضرين يتحدث منه عن الحج، فقررت قراراً عجيباً! قررت أن تحج بيت الله الحرام! ما هذا؟! وقالت للطبيب المختص: أريد أن أحج بيت الله! فابتسم وقال: كيف ذلك؟! قالت: لقد عزمت وتوكلت على الله، فهددها الأطباء بأنها لو فارقت سريرها ستعرض حياتها للخطر في التو واللحظة، فقالت بكل ثقة ويقين: أريد أن ألقى الله وأنا على طاعة الله، فقررت أن تلقى الله على طاعة، فباعت ما تملك من الأرض، وقررت حج بيت الله الحرام، واقترب منها طبيب تقي نقي، فحثها على ذلك، وسأل الله لها الثبات، ولما تقرر السفر, وجيء بالسيارة التي ستحملها إلى الطائرة في القاهرة، وتقدم الأطباء لنزع الخراطيم من هذا الجسد النحيل الضئيل، فهي امرأة ما تعيش إلا بهذه الخراطيم، استغفر الله! بل لا تعيش إلا بأمر الملك رب العالمين. فالخرطوم الأول: وظيفته توصيل المحاليل الغذائية؛ لأن المرأة لا تأكل منذ عام سبعة وستين، بل تعيش عبر هذه المحاليل الغذائية وعبر هذه الخراطيم! والخرطوم الثاني: للبول -أعزكم الله- عن طريق القسطرة. والخرطوم الثالث: لأكياس الدماء التي يوصلونها إلى هذا البدن الضئيل. والخرطوم الرابع: لإخراج الفضلات من الأمعاء الدقيقة عن طريق الأنف. ووقف الأطباء ينتظرون لها الموت مع أول دقيقة ينزع فيها أول خرطوم، فنزعت الخراطيم، والمرأة تتحدث وتبتسم، وهي سعيدة أنها ذاهبة لحج بيت الله الحرام! وحملت في السيارة، ثم إلى الطيارة، وحملت في جميع مناسك الحج، وأدت فريضة الله جل وعلا بإعجاز الملك الذي يقول للشيء كن فيكون، وهي تحكي هذه القصة وتتعجب وتقول: ما أكلت شيئاً إلا عن طريق الفيتامينات، وعن طريق الأدوية، بل عن طريق فضل رب الأرض والسماوات جل وعلا. وهي تحكي صورة الرحلة وتشكر الله الذي أعانها في هذه الحالة أن رأت بيته، وزارت ربها في بيته جل وعلا، وانطلقت إلى المدينة لزيارة المسجد النبوي، ثم للسلام على الحبيب النبي ﷺ وعادت مرة أخرى إلى سريرها، ونامت في فراشها على سريرها الأبيض، وطلبتني لزيارتها لأول مرة، فذهبت لأزورها مع بعض الأحبة، ووالله يا إخوة! ذهبت لأذكرها بالله فذكرتني هي بالله جل وعلا، وخرجت من عندها وقد احتقرت نفسي واحتقرت شأني، واحتقرت عملي لله جل وعلا! امرأة عجيبة لا يفتر لسانها عن ذكر الله، ولا يفتر لسانها عن الحمد والثناء على الله جل وعلا، وقبل الموت بأربعة أيام -وقد ماتت يوم الأربعاء الماضي، العاشر من شهر إبريل لعام ستة وتسعين- وطلبتني لزيارتها مرة أخيرة، فذهبت إليها مع بعض أحبابنا، ودخلت عليها وجلست إلى جوارها، وهي تبتسم في وجهي، وتقول: أين أنت؟! فأعتذر لها عن تأخري عنها، فقلت لها: كيف حالك؟ فقالت: الحمد لله، تحمد الله على هذه الحالة. أما غرفتها فقد قسمت الغرفة بستارة إلى قسمين: فجعلت نصفها مسجداً لله جل وعلا، وجعلت النصف الآخر لسريرها، ووضعت إلى جنبها صندوقاً لجمع التبرعات، فمن أراد أن يتبرع لفقراء المرضى ممن يعجزون عن شراء الدواء فعل ذلك، ووضعت إلى جوارها مكتبة صغيرة للأشرطة مع التسجيل، فإذا ما دخل عليها طبيب أو ممرضة، أعارته شريطاً لمحاضر من المحاضرين! تدعو إلى الله وهي في هذه الحالة! إنها الحياة، هذه والله هي الحياة، فكم من أناس يتحدون الله بعافيته، كم من أناس يتحدون الله بنعمه، وهي التي سلب منها كل شيء, لا تغفل عن الدعوة إلى الله جل وعلا! تدعو إلى الله بالأشرطة، تدعو إلى الله بالصدقة، تدعو إلى الله بالإصلاح بين الأطباء وبين الطبيبات، تدعو إلى الله بالإصلاح بين المرضى، استثمرت حياتها كلها في طاعة الله جل وعلا، فلسانها ذاكر، وقلبها شاكر، وجسدها على البلاء صابر! ذهبت إليها قبل الموت بأربعة أيام، وجلست إلى جوارها، فقلت: كيف حالك؟ قالت: الحمد لله، فأثنيت عليها خيراً، فردت عليَّ وقالت: والله يا شيخ! أنا خائفة. قلت: لماذا؟ قالت: أخشى أن لا يتقبل الله مني صبري طيلة هذه السنوات! ولكن ادع الله لي أن يرزقني حسن الخاتمة. قلت: أبشري! لقد أجرى الله الكريم عادته بكرمه: أن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه، وصدق الله إذ يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٢] ما أرخصها من حياة إن عشت لشهواتك ونزواتك! ما أرخصها من حياة يا من لا تعيش إلا من أجل متاع الدنيا الحقير! ما أرخصها من حياة يا من تعيش من أجل كرسيك الزائل ومنصبك الفارغ! وما أغلاها من حياة يا من بذلت وقتك كله لطاعة الله! ما أغلاها من حياة يا من استخدمت كل نعمة من نعم الله في مرضاته جل وعلا.

стр. 202

رسالة إلى أصحاب الأَسِرّة البيضاء وأوجه رسالة إلى أصحاب الأَسِرّة البيضاء، وهذا هو عنصرنا الثالث من عناصر هذا اللقاء. أيها المسلمون المعتلون الصابرون! اصبروا وأبشروا، إن صبركم على البلاء لا يعلم جزاءه إلا رب الأرض والسماء، قال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠] وقد وعدك الله أيها المبتلى الصابر بأن يصلي عليك، وبأن يرحمك، وبأن يهديك، فقال سبحانه: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٦] انظروا إلى الجزاء: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٧] فضل الله جل وعلا عليك عظيم أيها المبتلى الصابر! يا من حبسك المرض على السرير الأبيض! يا من حبسك البلاء في أي موطن من أرض الله جل وعلا! أياً كان هذا البلاء، اصبروا وأبشروا، واعلموا أن الحياة الحقيقية هي حياة القلوب، واعلموا أن الحياة الحقيقية هي: أن لا يغفل لسانكم عن ذكر علام الغيوب، وإن حبست فيكم الأعضاء والأبدان والقدمان واليدان. وأبشروا بموعود الله وبموعود رسول الله ﷺ ففي الحديث الذي رواه مسلم من حديث أبي يحيى صهيب الرومي أن النبي ﷺ قال: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له). وأبشروا أيها المبتلون الصابرون! بحديث رسول الله ﷺ الذي رواه البخاري وغيره قال: (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه)، وفي الحديث الآخر: (ولا يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وما له خطيئة, وقد ابتلي المصطفى بالحمى، وانتفض جسد الحبيب من شدة حرارتها، ودخل عليه ابن مسعود -والحديث في الصحيحين- وقال ابن مسعود: (إني أراك توعك وعكاً شديداً يا رسول الله! فقال المصطفى: أجل يا عبد الله إني لأوعك كما يوعك الرجلان منكم) , فقال ابن مسعود: ذلك بأن لك لأجرين يا رسول الله؟ قال: (أجل، فما من مسلم يصيبه أذى، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها) , المرض يحط عنك الخطايا أيها المسلم المبتلى الصابر! أيها المبتلى الصابر أبشر بحديث رسول الله ﵌ الذي رواه أحمد والترمذي وهو حديث حسن صحيح، من حديث مصعب بن سعد بن مالك عن أبيه قال: (سألت النبي ﷺ : يا رسول الله! أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلباً زيد في البلاء، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه) , فالبلاء رحمة، إن صبرت عليه يكفر الله به عنك الخطايا أيها المبتلى المسلم الصابر! وأذكركم يا أصحاب الأسِرَّة البيضاء بهذا الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ (لا يتمنين أحدكم الموت لضر وقع به، فإن كان لا بد فاعلاً فليقل: اللهم أحييني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي). وأختم لكم هذه الرسالة أيها المسلمون الصابرون! بهذه الكلمات الدقيقة لـ شداد بن أوس ﵁ إذ يقول: (أيها الناس لا تتهموا الله في قضائه، فإنه لا يظلم أحداً، فإذا أنزل الله بك خيراً تحبه فاحمد الله على العافية، وإذا أنزل بك شيئاً تكرهه فاصبر واحتسب، فإن الله عنده حسن الثواب). أسأل الله جل وعلا أن يغفر لهذه المرأة المسلمة، وأن يتقبلها عنده في الشهداء، إذ إن النبي ﷺ قد أخبر: أن من مات من المسلمين ببطنه فهو شهيد عند الله جل وعلا، والحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة، قال النبي ﷺ : (ما تعدون الشهداء فيكم؟) , قالوا: من قتل في سبيل الله فهو شهيد، فقال المصطفى: (والله إن شهداء أمتي إذاً لقليل! من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات بالطاعون فهو شهيد، ومن مات في بطن فهو شهيد) , وفي الحديث الصحيح: (ومن مات في غرق فهو شهيد) , وفي حديث صحيح: (ومن ماتت بجُمع -أي: ماتت المرأة وهي تضع ولدها، أو ماتت وهو في بطنها- فهي شهيدة) , هذا فضل الله جل وعلا، فأسأل الله أن يتقبلها عنده في الشهداء، وأسأل الله لجميع إخواننا وأخواتنا من أصحاب الأسِرَّة البيضاء، ممن ابتلاهم الله جلا وعلا بالأمراض والبلاء، أن يجعل شفاءهم سهلاً ميسوراً، اللهم اشف مرضانا ومرضى المسلمين، اللهم اجعل شفاءهم سهلاً ميسوراً يا أرحم الراحمين! اللهم أبدلهم لحماً خيراً من لحمهم، ودماً خيراً من دمهم، وأنزل عليهم رحمة عاجلةً من عندك يا أرحم الراحمين! أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 203

رسالة إلى أهل العافية من البلاء الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وكل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فأختم هذا اللقاء برسالة أوجهها إلى أهل العافية من البلاء, أذكر نفسي وإياكم جميعاً، وأقول: اسجدوا لله شكراً على العافية بعد الإسلام، فإن الصحة تاج يتلألأ على رءوس الأصحاء لا يراه ولا يعرف قدره إلا المرضى! يا مَن مَنَّ الله عليك بالعافية بعد الإسلام! اسجد لربك شكراً على هذه النعمة، واعلم بأن نعم الله عليك بالعافية بعد الإيمان لا تعد ولا تحصى ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم:٣٤] يا من تستغل العافية -وهي نعمة من نعم الله- في معصيته أما تستحي! أما تستحي بعد سماع هذا الموضوع! يا من استخدمت بصرك لتتبع العورات والحرام أما تستحي! تذكر من فقد بصره! يا من استخدمت سمعك في سماع الحرام أما تستحي! تذكر من فقد سمعه! يا من استخدمت يدك للبطش والظلم أما تستحي! تذكر من فقد يده! يا من استخدمت قدمك للسعي في معصية الله أما تستحي! تذكر من ألزمه المرض الفراش! يا من استخدمت منصبك وكرسيك الذي جلست عليه لظلم العباد، وللتسفيه والتحقير لخلق الله أما تستحي! تذكر ضعفك وفقرك وعجزك، فأنت مسكين وضعيف، ولولا أن الله قد أطلق البدن للزمت الأرض وللزمت الفراش، فإياك أن يغرك مركزك، إياك أن يغرك منصبك، إياك أن يغرك جاهك ووجاهتك، فأنت ضعيف أيها المسكين! تحمل البصاق في فمك، وتحمل المخاط في أنفك، وتحمل العرق تحت إبطيك، وتحمل البول في مثانتك، وتحمل النجاسة في بطنك، وتمسح عن نفسك النجاسة بيدك كل يوم مرة أو مرتين! ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار:٦] تذكر ضعفك يا من غرك جاهك! اعلم بأن الله قادر على أن يسلبه منك، واعلم بأن كرسيك إلى زوال، وأن منصبك إلى فناء، إذ لو دام الكرسي الذي جلست عليه لأحد ما وصل إليك! فاعلم بأن الدنيا كلها إلى زوال، وبأن المناصب كلها إلى فناء. أين الظالمون وأين التابعون لهم في الغي بل أين فرعون وهامان أين من دوَّخوا الدنيا بسطوتهم وذكرهم في الورى ظلم وطغيان هل أبقى الموت ذا عز لعزته أو هل نجى منه في السلطان إنسان لا والذي خلق الأكوان من عدم الكل يفنى فلا إنس ولا جان وصدق الله إذ يقول: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧] تذكروا هذا يا أهل العافية. وهناك من الناس من يظن أن الرزق هو المال، وينسى نعمة العافية، ونعمة الصحة، ونعمة الإسلام قبل ذلك. النفس تجزع أن تكون فقيرة والفقر خير من غنى يطغيها وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت فجميع ما في الأرض لا يكفيها هي القناعة فالزمها تكن ملكا لو لم تكن لك إلا راحة البدن وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير الطيب والكفن وقيل: دع الحرص على الدنيا وفي العيش فلا تطمع ولا تجمع من الحرام فلا تدري لمن تجمع فإن الرزق مقسوم وسوء الظن لا ينفع فقير كل من يطمع غني كل من يقنع واعلم بأن الشكر يدور على ثلاثة أركان: الاعتراف بالنعمة باطناً، والتحدث بالنعمة ظاهراً، واستغلال النعمة في طاعة الله جل وعلا، فالحمد باللسان والجنان، أما الشكر فباللسان والجنان والجوارح والأركان، قال الرحيم الرحمان: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً﴾ [سبأ:١٣] وفي الصحيحين من حديث عائشة: قام النبي ﷺ حتى تفطرت قدماه، فقيل له: ألم يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فقال المصطفى: (أفلا أكون عبداً شكوراً) , فالشكر يدور على اللسان، وعلى الجنان، يعني: على القلب، وعلى الجوارح والأركان، فإن منَّ الله عليك بالعافية فاشكر الله عليها، والشكر لا يكون إلا باستغلالها في كل ما يرضيه، إن منَّ الله عليك بالأولاد فاشكر الله على هذه النعمة، ولا يكون الشكر إلا بتربية الأولاد على كتاب الله، وسنة الحبيب رسول الله ﷺ ، إن من الله عليك بالزوجة فاشكر الله على هذه النعمة، واتق الله فيها وربِّها على كتاب الله، وعلى سنة رسول الله ﷺ ، إن منَّ الله عليك بمنصب أو كرسي فاشكر الله على هذه النعمة، وسخر الكرسي والمنصب في تفريج هموم الناس وكربات الناس، إن من الله عليك بالأموال فاشكر الله على هذه النعمة، واعلم بأن الشكر لا يكون إلا بالبذل والعطاء والإنفاق، وهكذا إن منَّ الله عليك بالعلم فاعلم بأن الشكر لا يكون إلا بالتعليم والتحرك هنا وهناك للدعوة إلى الله جل وعلا. الشكر يدور على اللسان والجنان والأركان، فاشكروا الله يا أهل العافية! واسألوا الله أن يثبتها وأن يديمها عليكم، وأن يعيننا وإياكم على شكرها، وأن يعيننا وإياكم على استغلالها فيما يرضيه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 204

الدعاء للمرضى وزيارتهم واجب على أهل العافية ومن رسالتي لأهل العافية: لا تبخلوا على إخوانكم المرضى بالزيارة والدعاء، فحق المرضى علينا: الزيارة، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس) , واسمع إلى هذا الحديث الجميل الذي رواه مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (يقول الله تعالى يوم القيامة: عبدي! مرضت فلم تعدني! فيقول العبد: يا رب! كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! فيقول الله جل وعلا: لقد مرض عبدي فلان، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟! يا ابن آدم! استطعمتك فلم تطعمني! فيقول العبد: يا رب! كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! فيقول الله : لقد استطعمك عبدي فلان، أما علمت بأنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟! يا ابن آدم! استسقيتك فلم تسقني؟! فيقول: يا رب! كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟! فيقول الله جل وعلا: لقد استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي؟!) , فمن حق المرضى علينا -نحن أهل العافية- أن نزورهم، وأن ندخل عليهم السعادة والبسمة والسرور، وأن ننفس لهم في الأجل، وأن نكثر لهم من الدعاء. وأخيراً: أيها الأحبة الكرام! جددوا التوبة والأوبة، وتذكروا أن الحياة الدنيا دار ممر، وأن الآخرة هي دار المقر، فخذوا من ممركم لمقركم، ولا تفضحوا أسفاركم عند من يعلم أسراركم، ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١] أقبلوا إلى الله، وعودوا إلى الله. أيها الشباب! يا من استخدمتم نعمة العافية في معصية الله! أيها الرجال! أيها الشيبان! أيتها المسلمات! فلنعد جميعاً إلى الله سبحانه، ونحن على ثقة في رحمة الله، ونحن على يقين بكرم الله وعفو الله، قال جل في علاه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]. اسأل الله أن يقينا وإياكم حرَّ جهنم، وأن يجعل هذه الدقائق في موازين حسناتنا جميعاً يوم نلقاه، ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]. اللهم اشف مرضانا ومرضى المسلمين، اللهم اشف مرضانا ومرضى المسلمين، اللهم اجعل شفاءهم سهلاً ميسوراً يا رب العالمين، اللهم أنزل عليهم رحمة من عندك، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأعل بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم لا تدع لأحد منا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا ثبته، ولا حاجة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنَّا، وكن لنا ولا تكن علينا، اللهم عليك باليهود وأتباعهم يا رب العالمين! اللهم جمِّد الدماء في عروق اليهود يا قوي يا عزيز! اللهم كما أفزع اليهود إخواننا في لبنان فاملأ قلوبهم وبيوتهم رعباً وفزعاً يا قوي يا عزيز! اللهم إنا نشكوا إليك خيانة الخائنين، وإجرام المجرمين، وتكاسل الزعماء والقادة، اللهم عليك باليهود وأتباع اليهود، اللهم عليك باليهود وأتباع اليهود، اللهم شتت شملهم، اللهم مزِّق صفهم، اللهم املأ بيوتهم وقلوبهم رعباً وفزعاً يا رب العالمين! اللهم ثبت إخواننا اللبنانيين، وإخواننا المسلمين المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 205

الاستقامة على الطاعة بعد رمضان الاستقامة على الطاعة نعمة عظيمة جزاؤها الجنة، ولما كان الإنسان لا يدري متى يأتيه الموت، وجب عليه أن يستمر على الطاعة طوال عمره، حتى يكون مستعداً للقاء الله في أي لحظة، وكثير من الناس يستقيم على الطاعة في رمضان، ثم يترك بعد رمضان، وكأنه يعبد رمضان ولا يعبد الله، أو كأن رب رمضان غير رب الشهور الأخرى، وهذه غفلة عظيمة يجب على كل مسلم أن يتداركها ويصلح حاله مع الله.

стр. 206

توديع لرمضان الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد لك ملك السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد ﷺ حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمنا، وبك آمنا، وإليك خاصمنا، وعليك توكلنا، وبك خاصمنا، وإليك حاكمنا، فاغفر اللهم لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله لنا إلا أنت! وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أول بلا ابتداء، وآخر بلا انتهاء، ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣] هو الأول الذي لا شيء قبله، وهو الآخر الذي لا شيء بعده، وهو الظاهر فلا شيء فوقه، وهو الباطن فلا شيء دونه، وهو على كل شيء قدير، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. إلهي وسيدي ومولاي!! لبست ثوب الرجا والناس قد رقدوا وبت أشكو إلى مولاي ما أجد فقلت يا أملي في كل نائبة ومن عليه لكشف الضر أعتمد أشكو إليك أموراً أنت تعلمها ما لي على حملها صبر ولا جلد وقد مددت يدي بالذل مبتهلاً إليك يا خير من مدت إليه يد فلا تردنها يا رب خائبة فبحر جودك يروي كل من يرد وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين؛ أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل منا وإياكم صيامنا وقيامنا وصالح أعمالنا، وأن يجعلنا وإياكم من المقبولين ومن عتقائه من النار في رمضان، إنه ولي ذلك ومولاه، وهو على كل شيء قدير. أحبتي في الله: وهكذا قد انتهى رمضان، ومضى شهر الصيام والقيام والقرآن، وودعنا شهر البر والجود والإحسان، وقد ربح فيه من ربح، وخسر فيه من خسر، وقبل فيه من قبل، وطرد فيه من طرد، فيا ليت شعري من المقبول منا في رمضان فنهنيه، ويا ليت شعري من المطرود منا في رمضان فنعزيه! فيا عين جودي بالدموع على فراق ليال ذات أنوار على ليال لشهر الصوم ما جعلت إلا لتمحيص آثام وأوزار ما كان أحسننا والجمع مشتمل منا المصلي ومنا القانت القاري فابكوا ليالٍ قد مضت واغتنموا ما قد بقى من فضل أعمار

стр. 207

الحث على الاستقامة بعد رمضان أيها الأحبة في الله: لقد رأينا المساجد معطرة في رمضان بأنفاس الصائمين، وشهدنا المساجد عامرة في رمضان بصفوف المصلين، وسمعنا للمساجد في رمضان دوياً بكتاب رب العالمين، وأسعد قلوبنا في رمضان تسابق أهل البر والجود من المحسنين، ولكن مما يؤلم القلب ويحزن النفس ويدمي العين، أن نرى المساجد بعد رمضان مباشرة خالية خاوية تشتكي حالها إلى الله جل وعلا، وأن نعرض إعراضاً عن كثير من الطاعات والعبادات التي افترضها علينا رب الأرض والسماوات، وكأن الناس في رمضان يصلون لرب، ويقرءون القرآن لرب، ويعتكفون في المساجد لرب، ويتسابقون في أصناف البر والجود لرب، فإذا ما انتهى شهر رمضان وجاءت الشهور الأخرى كأن لهذه الشهور ربّاً غير رب رمضان والعياذ بالله. إن رب رمضان هو رب بقية الشهور: (يا أيها الناس! من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت)، نرى المساجد بعد رمضان خالية تشتكي حالها إلى الله جل وعلا! أين المصلون أين الصائمون أين القائمون والتالون لكتاب رب العالمين أين المحسنون وأين المنفقون بعد رمضان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وإنا لله وإنا إليه راجعون؟

стр. 208

من عاش على شيء مات عليه أيها الحبيب! استقم على الطاعة فإنك لا تدري متى سيأتيك ملك الموت: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]. لقد أجرى الله الكريم عادته بكرمه أن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه، وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله أنه ﷺ قال: (يبعث كل عبد على ما مات عليه). فيا من عشت على الطاعة، ويا من عشت على التوحيد، اعلم بأنك ستموت على الطاعة والتوحيد، وستبعث يوم القيامة على الطاعة والتوحيد، وقد ورد في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود ﵁، أنه ﷺ قال: (فوالله الذي لا إله غيره! إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون يبنه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها). وفي صحيح البخاري من حديث سهل بن سعد أنه ﷺ قال: (إنما الأعمال بالخواتيم)، فلا تغرنك الطاعة يا عبد الله، فبادر إلى الطاعة والاستقامة عليها، لأنك لا تدري متى سيأتيك ملك الموت، واعلم أن كل عبد يبعث على ما مات عليه، ووالله لقد مزق الخوف من سوء الخاتمة قلوب الصادقين من الموحدين، فقد كان سلفنا الصالح يخافون من سوء الخاتمة، حتى قال أحدهم: أخاف أن يسلب مني الإيمان وأنا على فراش الموت: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]. وكان مالك بن دينار يقوم في الليل البهيم الأسود، ويقبض على لحيته ويبكي، ثم ينظر إلى السماء ويقول: يا رب! لقد علمت ساكن الجنة من ساكن النار، ففي أي الدارين منزل مالك بن دينار.

стр. 209

الاستقامة أصل السعادة أخي! (قل: آمنت بالله ثم استقم) قل ربي الله ثم استقم ولا تضيع الصلوات، ولا تترك القراءة في كتاب رب الأرض والسماوات، ولا تنتقل عن الاستغفار والذكر والعبادة والطاعات. عباد الله: إن الاستقامة على الطاعة أصل السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة، يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي في كتابه القيم (جامع العلوم والحكم): وأصل الاستقامة استقامة القلب على توحيد الله جل وعلا، فإذا استقام القلب على توحيد الله استقامت الجوارح كلها على الطاعة، لأن القلب هو الملك، ولأن الأعضاء والجوارح هي جنوده ورعاياه، فإذا صلح هذا الملك صلحت الجنود والرعايا، كما قال المصطفى ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث النعمان بن بشير: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب). فأصل الصلاح هو القلب، ومحط الاستقامة هو القلب، فإذا استقام القلب استقامت الجوارح، وإذا طهر القلب وأشرق فيه مصباح التوحيد استقامت الجوارح كلها على طاعة العزيز الحميد، وإذا كان القلب في أغلفة تلو الأغلفة كفر بربه، وكفرت الجوارح بربها والعياذ بالله، وإذا نكس القلب عرف ثم أنكر، وأبصر ثم عمي نافقت الجوارح الناس، وتناست رب الناس الذي يعلم السر وأخفى.

стр. 210

الأعمال بالخواتيم أيها المسلمون! إن الاستقامة على الطاعة أمر ضروري: (قل آمنت بالله ثم استقم) فيا من أطعت الله في رمضان، إياك أن تحيد عن طاعة الله في غير رمضان، فإن الاستقامة على الطاعة أصل السعادة في الدنيا والآخرة! يا من صمت نهار رمضان، وقمت الليل وعشت مع القرآن، وتسابقت في أوجه البر والخير والجود والإحسان، وستنفصل عن الطاعة بعد رمضان؛ هل ضمنت متى سيأتيك ملك الموت؟ هل سيأتيك ملك الموت على طاعة أم سيأتيك على معصية؟ أخي: لا يغرنك العمل، فإن العبرة بالخواتيم، ووالله إن أشد الخوف من سوء الخاتمة الذي أفزع رسول الله ﷺ ، والذي فطر قلبه على توحيد الله ولانت جوارحه وانقادت لطاعة الله، فكان يكثر في دعائه من قول: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)، فقالت له أم سلمة -والحديث في مسند الإمام أحمد بسند حسن-: (يا رسول الله! أو إن القلوب لتتقلب؟ قال: ما من قلب من قلوب بني آدم إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء الله أقامه وإن شاء الله أزاغه). وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو أنه صلى الله عليه سلم قال: (إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن ، كقلب واحد يصرفه الله حيث يشاء، ثم قال ﷺ : اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك)، فهذا دعاء من فطر قلبه على توحيد الله دعاء من لانت وانقادت جوارحه في الليل والنهار لطاعة الله، بل ووالله لقد كانت عيناه تنام ولا ينام قلبه عن ذكر خالقه جل وعلا، يقوم يدعو الله ويناجيه ويقول: (اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك).

стр. 211

رب رمضان هو رب الشهور كلها إن رب رمضان هو رب شوال، وهو رب الشهور كلها، فينبغي أن نطيعه في كل لحظة وفي كل أوان وفي كل زمان، لأن من أعظم القربات والطاعات إلى الله جل وعلا: المداومة على الأعمال والطاعات وإن قلَّت، كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل). فيا من جعلت لنفسك ورداً يومياً وليلياً مع كتاب الله! ويا من جعلت لنفسك ساعة يومية مع الاستغفار والذكر والصلاة والسلام على رسول الله! ويا من جعلت لنفسك تسابقاً في أوجه البر والخير والطاعات في رمضان! ويا من حرصت كل الحرص على أن تؤدي الصلاة في بيوت الرحيم الرحمن؛ اعلم أن من أحب القربات إلى الله أن تداوم على هذه الطاعات وأن تستمر على هذه الأعمال، فإن أحب الأعمال إلى الله جل وعلا أدومها وإن قل، ومن ثم لما جاء الصحابي الجليل سفيان بن عبد الله ﵁ يسأل النبي ﷺ سؤالاً جامعاً في أمر دينه، فقدم له الحبيب المصطفى ﷺ هذه الوصية الغالية التي ينبغي أن نضعها اليوم في قلوبنا، وأن نغمض عليها أجفاننا، وأن نحولها إلى واقع عملي متحرك مضبوط. قال له سفيان: (يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك؟)، فلخص له الحبيب المصطفى ﷺ أمر السعادة في الدنيا والآخرة في كلمتين اثنتين، فأعيروني القلوب والأسماع، فهي وصية رسول الله لنا لنسعد في الدنيا والآخرة: (يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك؟ فقال له المصطفى ﷺ : قل آمنت بالله ثم استقم)، وهذا لفظ مسلم، ولفظ الترمذي بسند حسن صحيح: (قال سفيان: يا رسول الله! حدثني بأمر أعتصم به، فقال ﷺ : قل ربي الله ثم استقم، قال سفيان: فما أخوف ما تخاف علي يا رسول الله؟ قال: فأخذ رسول الله بلسان نفسه ثم قال ﷺ : أخوف ما أخاف عليك هذا).

стр. 212

أقسام القلوب القلوب تنقسم إلى أربعة أقسام، كما قال حذيفة بن اليمان ﵁ وأرضاه، والحديث رواه الإمام أحمد في مسنده والإمام الطبراني في معجمه الصغير، وأبو نعيم في الحلية، إلا أن من علمائنا الكبار من ضعف هذا الحديث كالإمام الذهبي والإمام الهيثمي، ومدار تضعيفهم لهذا الحديث على الليث بن أبي سليم وهو متكلم فيه، إلا أن حديثه لا يرد كما قال الإمام أحمد، لذا فإن الحديث حسن إن شاء الله تعالى، يقول حذيفة: القلوب أربعة: قلب أجرد فيه سراج يزهر، فذلك قلب المؤمن، -نسأل الله أن يجعلنا إياكم من هؤلاء- وقلب أغلف، فذلك قلب الكافر، وقلب منكوس عرف ثم أنكر وأبصر ثم عمي، فذلك قلب المنافق، وقلب تمده مادتان: مادة إيمان ومادة نفاق، وهو لما غلب عليه منهما، فتارة تراه في وسط القلوب المؤمنة، وتارة تراه في وسط القلوب المنافقة، وهذا يخشى عليه والعياذ بالله، أنه لا يدري متى سيأتيه ملك الموت، هل سيأتيه وقلبه في جانب أهل الإيمان، أم سيأتيه وقلبه في جانب أهل النفاق. القلب الأول: هو القلب الذي أشرق فيه مصباح التوحيد، وأنار فيه مصباح الإيمان، وذلك هو القلب السليم الذي سلم من الشرك وسلم من الشك، وسلم من الغل والحقد، وسلم من الحسد، وسلم من الشهوات والشبهات، فانقادت له الجوارح بالطاعة لرب الأرض والسموات، ذلك القلب صاحبه في جنة في الدنيا، وفي جنة في البرزخ، وفي جنة في الآخرة، وذلكم هو القلب الذي ينفع صاحبه يوم القيامة: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩].

стр. 213

شروط سلامة القلب إن القلب لا يسلم إلا بشروط خمسة، تعرف عليها اليوم لتتعرف على سلامة قلبك، وأين يقع قلبك بين هذه القلوب الأربعة. يقول الإمام ابن القيم ﵀: ولا يسلم القلب حتى يسلم من خمسة أشياء. تلك هي أركان سلامة القلب، وتلك هي شروط صحته وطهارته ونقائه واستقامته، لتستقيم الجوارح بعده على طاعة الله جل وعلا: يقول: لا يسلم القلب حتى يسلم من شرك يناقض التوحيد، ومن بدعة تناقض السنة، ومن غفلة تناقض الذكرى، ومن شهوة تناقض الأمر، ومن هوى يناقض الإخلاص. تلك هي شروط سلامة القلب، وتلك هي أركان صحة القلب.

стр. 214

سلامة القلب من الشهوة عبد الله! ولا يسلم القلب حتى يسلم من شهوة تناقض الأمر: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)، هذا قول المصطفى ﷺ ، مصداقاً لقول الله جل وعلا: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].

стр. 215

سلامة القلب من الهوى أما الشرط الخامس من شروط سلامة القلب فهو: ولا يسلم القلب حتى يسلم من هوى يناقض الإخلاص، فإن الهوى قد يدمر القلوب، ويبعثر الأعمال، والله جل وعلا لا يقبل الأعمال إلا إذا كانت خالصة، وفي الصحيحين من حديث أسامة أن النبي ﷺ قال: (يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار ويقولون: ما لك يا فلان، ألم تك تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه) ذلكم هو الهوى، نسأل الله جل وعلا أن يرزقنا وإياكم الإخلاص في القول والعمل، وأن يتقبل منا وإياكم صالح الأعمال. وهكذا أيها الأحبة! لا يستقيم القلب إلا إذا استقام على التوحيد، ولا تستقيم الجوارح على الطاعة إلا إذا استقام القلب على توحيد الله جل وعلا، وحتماً لا تستقيم الجوارح على طاعة الله إلا بعد استقامة القلب (قل آمنت بالله ثم استقم). أخي الحبيب! أذكر نفسي وإياك بالاستقامة على طاعة الله جل وعلا بعد رمضان، حتى يأتينا ملك الموت ونحن على الطاعة، فإن الله تعالى قد أجرى عادته بكرمه أن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. أسأل الله جل وعلا أن يتوفاني وإياكم على التوحيد والإيمان، إنه ولي ذلك ومولاه، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
следующие страницы →