← Джавами‘

Джавами‘ · id 7703

دروس للشيخ محمد حسان

محمد حسان

Полный текст (1 901 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

الحرب على الثوابت - دفاع عن الصحابة يقوم أعداء الإسلام بحرب شرسة على ثوابت الأمة ومبادئها، وقد استأجروا لذلك شرذمة خاسرة من أبناء هذه الأمة؛ لتبرز في هذه الحرب بمظهر الناصح المشفق! إمعاناً في الكيد والمكر! وقد صوبوا سهامهم في مرحلتهم الأولى من هذه الحرب ضد رموز هذه الأمة وقادتها، ضد حملة الشريعة وحراسها، ضد صحابة رسول الله ﷺ ﵃ وأرضاهم.

стр. 1507

الهجمة الشرسة على الثوابت إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الفضلاء الأعزاء! وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا، الذي جمعني مع حضراتكم في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار مقامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! (الحرب على الثوابت) سلسلة منهجية جديدة أستهلها من اليوم بإذن الله تعالى، لأفند فيها شبهات حقيرة خطيرة تثار في عصر (الإنترنت) على أصول وكليات وثوابت هذا الدين، ومكمن الخطر أننا كنا قديماً نرد الشبهات على المستشرقين وعلى الملحدين، ولكننا اليوم نرد شبهات حقيرة وخطيرة على أيدي أناس كثيرين ممن يتكلمون بألسنتنا وينتسبون إلى الإسلام! فمكمن الخطر في هذه المرحلة، أن الذي يعلن الحرب على أصول وكليات وثوابت الإسلام هم رجال ينتسبون إلى الإسلام! بل ينتسبون من طرف خفي إلى العلم الشرعي! رجال من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا يثيرون شبهات حقيرة وخطيرة، لا على الفرعيات والجزئيات بل على الثوابت والأصول والكليات. فاستخرت الله رب الأرض والسماوات، لأبين هذه الشبهات، لا من منطلق أن الإسلام متهم، كلا، ولا من منطلق أنني أود أن أرفع من قدر الإسلام، كلا، وإنما لأرفع من قدر نفسي وقدر إخواني وأخواتي؛ لأن الإسلام باق، ومات أعداؤه منذ زمن، وسيموت الحاقدون الحاسدون على الإسلام، وسيبقى الإسلام شامخاً؛ لأن الذي وعد بحفظه وإظهاره على الدين كله هو الحي الباقي الذي لا يموت ﷻ . وأستهل هذه السلسلة -التي أسأل الله أن ينفع بها وان يجعلها خالصة لوجهه الكريم- بالدفاع عن الأطهار، عن أصحاب النبي المختار ﷺ ؛ لأن هؤلاء بدءوا بإعلان الحرب على الصحابة؛ لغاية خبيثة سأبينها الآن لحضراتكم، وسأركز الحديث مع حضراتكم في هذا الموضوع الجليل في العناصر المحددة التالية: أولاً: دعاة على أبواب جهنم. ثانياً: مكانة الصحابة في القرآن والسنة. ثالثاً: وهل يسب الأخيار؟! وأخيراً: هم القدوة فاعرفوا لهم قدرهم. فأعيروني القلوب والأسماع أيها الأخيار الكرام! والله أسأل أن يجعلنا ممن يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ.

стр. 1508

دعاة على أبواب جهنم أيها الأحبة! إن الدعاة ينقسمون إلى قسمين، وهذا التقسيم ليس من عندي، إنما هو من كلام الصادق الذي لا ينطق عن الهوى: دعاة على أبواب الجنة، أسال الله أن نكون منهم، ودعاة على أبواب جهنم، أعاذنا الله وإياكم من حرها. فمكمن الخطر أن الذي يعلن الحرب على ثوابت الدين هم دعاة على أبواب جهنم، وهم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، في الصحيحين من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ قال: (كان الناس يسألون رسول الله عن الخير، وكنت أسأله عن الشر؛ مخافة أن يدركني -فقه عال رفيع من حذيفة - فقلت: يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير -أي: بالإسلام-، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت -والقائل حذيفة -: فهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن، قلت: وما دخنه يا رسول الله؟! قال: قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير -أي: الذي شابه الدخن- من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: صفهم لنا يا رسول الله! فقال ﵊ -وهو الذي لا ينطق عن الهوى، وكأن النبي يعيش عصرنا وقرننا، قرن الشبهات والشهوات، ويبين لنا هذا الصنف الخبيث النكد-: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا)، ليسوا من المستشرقين، لا، قد مضى زمنهم، وليسوا من الملحدين، لا، قد مضى زمنهم، بل هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. وفي لفظ مسلم، وتدبر هذا اللفظ البديع في رواية مسلم، قال النبي ﵊: (رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس) ينكرون عذاب القبر تارة، وينكرون الأحاديث المتواترة في المهدي تارة، وينكرون نعيم القبر تارة، وينكرون شفاعة الحبيب تارة، بل وينكرون السنة بالكلية تارة، بل ويشككون ويثيرون الشبهات على القرآن تارة، بل ويشككون في الله تارة! وسأبين لحضراتكم بالدليل في كل لقاء مستقل شبهاتهم الحقيرة الخطيرة على هذه الأصول، على الصحابة، على السنة، على القرآن، على رب العزة، على عذاب القبر ونعيمه، على الأحاديث الثابتة عن النبي ﵊، على كل النصوص، سأبين لحضراتكم بالدليل أقوالهم وشبهاتهم الحقيرة الخطيرة على ثوابت هذا الدين. يثيرون الآن شبهات عفنة على من؟! على أطهر الخلق بعد الأنبياء، على أصحاب النبي ﷺ . وقفت على كتابين، لا أقول: على مقالين بل على كتابين، لشيخ من شيوخ الضلالة، لشيخ أفاك أثيم، ولست في حاجة إلى أن أذكر اسم الكتابين الآن، وهذا فقه متين علمنا إياه الإمام مسلم ﵀ في مقدمة صحيحه المبارك. مادام الكتاب ليس مشهوراً بين المسلمين، ولا بين كثير ممن يستمعون إلي الآن، فليس من الفقه ولا من الحكمة أن اذكر اسم الكتابين، فربما وقع على هذين الكتابين رجل مريض القلب، أو على الأقل رجل لا يحسن التعامل مع الأدلة ولا ما يناقضها، ولا يستطيع أن يقف على الأصول العلمية والقواعد الشرعية الثابتة، فيضل من حيث ندري أو لا ندري، نعوذ بالله من الخذلان، ونسأل الله أن يجنبنا وإياكم الفتن ما ظهر منها وما بطن. في هذين الكتابين الخبيثين يقول شيخ الضلالة هذا في حق الصحابة ﵃ بالحرف، وأنا أعي ما أقول تماماً حينما أقول: بالحرف، يقول في أحد كتابيه: (إن الصحابة كانوا يمثلون مجتمعاً متحللاً!). يقول عن مجتمع الصحابة، مجتمع الطهر: إنه مجتمع متحلل!: (إن الصحابة كانوا يمثلون مجتمعاً متحللاً مشغولاً بالرذائل والهوس الجنسي!). تصور! أن الصحابة الذين استولوا على نصف الأرض في وقت قصير من الزمان، لا يساوي في حساب الزمن شيئاً على الإطلاق، ثم يدعي أن هؤلاء الأطهار كانوا محبين للرذائل والهوس الجنسي! يعني: لا هم لهم إلا النساء، تصور أن هذا يقال عن الصحابة! ثم يقول هذا الدنيء الوضيع: (ولم تكن التجاوزات مقصورة على مشاهير الصحابة، بل تعدتهم إلى صحابيات معروفات!). ثم يقول في كتابه الثاني: (ولما كان التصاق الذكر بالأنثى والأنثى بالذكر طقساً يومياً من الطقوس الاجتماعية المعتادة في مجتمع يثرب، فقد اضطر محمد -رفعاً للحرج- أن يبيح لأصحابه أن يمروا بالمسجد وهم جنب). انظروا إلى كلماتهم الخبيثة التي تبين عقيدتهم وفساد طويتهم، ويأتي الإعلام العلماني الذي لا يرقب في الإسلام ولا في المسلمين إلاً ولا ذمة، يأتي على شاشات التلفاز وعلى صفحات الجرائد والمجلات بهذه الرءوس العلمانية التي أعلنت الحرب على الإسلام فيضخمها ويلمعها! ثم يأتي في المقابل ببعض رجال الدين ممن لا يحسنون عرض القضية، ممن يدافعون عن الشبهة من منطلق أن الإسلام متهم في قفص الاتهام! فتبدوا الشبهة للناس وكأن أصحاب الفكر العلماني أصحاب الشبهة هم المنتصرون، وكأن الإسلام برجاله قد هزم، وأنه بالفعل أن الإسلام متهم في قفص الاتهام، وهو يحتاج من العلماء من يذب عنه هذه الشبهات الحقيرة الخطيرة، التي لم يستطيعوا أن يقفوا للرد عليها أمام هؤلاء العلمانيين، أو إن شئت فقل: المثقفين والمتنورين، وممن يسمون الآن في بلاد المسلمين بالنخبة التي تشكل عقول الأمة الآن في عصر تقدم فيه الذئاب لرعي الأغنام! وراعي الشاة يحمي الذئب عنها فكيف إذا الرعاة لها الذئاب؟! وقد وصف النبي ﷺ هذه الأيام وصفاً دقيقاً كما في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والحاكم، من حديث أبي هريرة: (سيأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة)، صدق المصطفى ورب الكعبة (وينطق فيها الرويبضة، قيل: ومن الرويبضة يا رسول الله؟! قال: الرجل التافه) وفي لفظ: (الرجل السفيه يتكلم في أمر العامة). لم يعد التافهون يتكلمون في أمر العوام، بل أصبح التافهون الآن يتكلمون في أمر الإسلام، لا بل في أصول وثوابت الإسلام، ولا حول ولا قوة إلا بالله! إنه زمان الفتن، فتن الشبهات التي أخبر عنها الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁: (ستكون فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً، ويمسي كافراً -سلم يا رب! سلم-، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً! يبيع دينه بعرض من الدنيا زائل)، بعرض من الدنيا حقير، يبيع الدين بالدنيا الزائلة الحقيرة التافهة. اللهم! ثبت قلوبنا على دينك حتى نلقاك، يا مقلب القلوب والأبصار! ثبت قلوبنا على دينك يا عزيز يا غفار! الصحابة يساء إليهم بهذا القدر! أنا أتحدى هذا الدنيء الوضيع أن يسيء لقسيس، أتحداه أن يسيء إلى وزير أو إلى رئيس أو إلى أمير أو إلى ملك! لكن الصحابة في زمن قل فيه الرجال، أصبح هؤلاء الأقزام يتطاولون على هذه القمم الشماء، على قمم الطهر والشرف والكرامة. اسمعوا ماذا قال الإمام الحافظ الكبير أبو زرعة؛ لتقفوا على سر إعلان الحرب على الصحابة؟! لماذا بدءوا في إعلان الحرب على الصحابة، سؤال مهم وخطير، لماذا الصحابة بالذات؟! الجواب من الحافظ أبي زرعة يقول: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب النبي ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول حق، والقرآن حق، وما جاء به الرسول حق، والذي نقل إلينا كل ذلك هم الصحابة، وهؤلاء أرادوا أن يطعنوا في شهودنا وعدولنا؛ ليبطلوا القرآن والسنة). انظروا إلى كلام العلماء، لو شككت في أخلاقي لشككت فيما أنقله إليك من العلم، فالصحابة هم الذين نقلوا إلينا التركة المباركة عن رسول الله ﷺ ، نقلوا إلينا القرآن، نقلوا إلينا السنة، نقلوا إلينا أحاديث النبي ﷺ ، فإن الطعن في الناقل طعن في المنقول، إن ضيع الناقل ضاع المنقول، هؤلاء يريدون أن يهدموا الصحابة ليبطلوا القرآن والسنة. قال الإمام مالك: (من وجد في قلبه غيظاً على أحد من أصحاب النبي فقد أصابه قوله تعالى: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩]، وقرأ الإمام مالك قول الله جل وعلا: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٢٩]). وقال الإمام الطحاوي في عقيدته المشهورة التي تلقتها الأمة بالرضا والقبول: (ونحب أصحاب النبي ﷺ ، وبالخير نذكرهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، فحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان). أيها الأحبة الكرام! قفوا على هذا التفصيل المهم، لا يجوز البتة لرجل زائغ العقيدة مريض القلب مشوش الفكر أن يتكلم عن أصحاب النبي ﷺ ؛ لأن الحديث عن الصحابة يتطلب صفاءً في العقيدة، وإخلاصاً في النية، وأمانة في النقل، ودقة في الفهم، ونظرة فاحصة مدققة لأراجيف المغرضين والكذابين والوضاعين. وعلى أي حال أنا لا أرى لهؤلاء الأقزام مثلاً إلا كمثل ذبابة حقيرة سقطت على نخلة تمر عملاقة، فلما أرادت الذبابة الحقيرة أن تطير وتنصرف، قالت للنخلة: تماسكي أيتها النخلة! لأني راحلة عنك! فقالت لها النخلة العملاقة: انصرفي أيتها الذبابة الحقيرة! فهل شعرت بك حينما سقطت علي لأستعد لك وأنت راحلة عني؟! هل يضر السماء أن تمتد إليها يد شلاء؟! بل هل يضر السماء نبح الكلاب؟! لا والله، فإن الذي شهد للصحابة بالخي

стр. 1509

مكانة الصحابة في القرآن والسنة المناقب التي سأذكرها الآن لم ينلها الصحابة من هيئة مغرضة كذابة كمنظمة (اليونسكو) أو هيئة الأمم، أو حلف من الأحلاف، أو مجتمع ماسوني ضال مضل، لا، بل إن الذي عدّل وزكّى الصحابة هو الله، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله ومن والاه. قال جل في علاه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، المخاطب ابتداء بهذه الآية هم الصحابة: (كنتم) خطاب للصحابة ابتداء: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]، المخاطب ابتداء بالآية هم الصحابة. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٢ - ١٧٤]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٧٤] هذه شهادة من الله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٧٤] وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ﵃﴾ [التوبة:١٠٠]. تدبر -أخي الحبيب- قوله تعالى: ﵃ الله رضي عن المهاجرين والأنصار، أثبت العزيز الغفار ذلك في قرآنه إلى يوم القيامة: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١٠٠]. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨]. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤]. وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٨ - ٩] والآيات في هذه كثيرة. وتأتي السنة ليبين صاحب السنة ﷺ مكانة الصحابة، ففي الصحيحين من حديث ابن مسعود وعمران بن حصين أنه ﷺ قال: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم). وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد أنه ﷺ قال: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، وفي الصحيحين من حديث أنس قال: (مروا بجنازة على النبي ﷺ وهو جالس بين أصحابه فأثنوا عليها خيراً، فقال النبي ﷺ : وجبت، فمروا بجنازة أخرى فأثنوا عليها شراً، فقال النبي ﷺ : وجبت، فقال عمر: ما وجبت يا رسول الله؟! فقال الرسول ﷺ : أثنيتم على الأولى خيراً فوجبت لها الجنة، وأثنيتم على الثانية شراً فوجبت لها النار، أنتم شهداء الله في الأرض)، وكررها النبي ﷺ ثلاثاً: (أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض). وفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري: (أن النبي ﷺ نظر يوماً إلى السماء فقال: النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون). وفي صحيح مسلم أيضاً من حديث عائذ بن عمرو: (أن أبا سفيان مر على سلمان وصهيب وبلال، وهم من فقراء الصحابة، وأبو سفيان شريف من الأشراف وسيد من السادة، وفي المجلس أيضاً صديق الأمة الأكبر أبو بكر ﵁، فلما رأى فقراء الصحابة أبا سفيان يمشي قالوا كلمة شديدة، قالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها، فغضب الصديق لهذه الكلمة، وقال للصحابة: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟! وترك الصديق المجلس وانصرف إلى النبي ﷺ ، وأخبره بما قال الصحابة وبما قال هو، فاسمع ماذا قال رسول الله لـ أبي بكر ﵁ وأرضاه، قال ﷺ : يا أبا بكر! لعلك أغضبتهم -لعلك أغضبت سلمان وصهيباً وبلالاً، لعلك أغضبتهم فوالله إن كنت أغضبتهم فلقد أغضبت ربك . إلى هذا الحد، إلى هذا القدر، (لعلك أغضبتهم، فلئن كنت أغضبتهم فلقد أغضبت ربك ، فوالله، ثم والله، ثم والله، ما كان حديثاً يفترى، ولا كلاماً يتردد، ذلكم الحديث الذي يروي به التاريخ أسماء أطهر ثلة عرفتها الأرض بعد الأنبياء والمرسلين. وأختم بهذا الحديث -وإن كان في سنده مجهول من باب الأمانة، إلا أن متنه ثابت صحيح بالشواهد التي ذكرت- وهو من حديث عبد الله بن مغفل في سنن الترمذي أن النبي ﷺ قال: (الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك الله أن يأخذه). اللهم خذ كل من آذى أصحاب نبيك، وأصحاب رسولك، وآذى رسولك، وآذاك يا أرحم الراحمين، إن لم تقدر لهم الهداية في سابق علمك يا أحكم الحاكمين! أيها الأحبة! لو ظللت أتحدث لحضراتكم بالآية والحديث في فضل الصحابة، لاحتجت إلى لقاءات لا إلى لقاء، فإن الصحابة لو اجتمع أهل البلاغة على ظهر الأرض ليذكروا فضلهم من القرآن والسنة ما استطاعوا؛ لأن الذي عدلهم هو الله، ولأن الذي زكاهم هو الحبيب رسول الله صلى الله عليه وآله ومن والاه.

стр. 1510

هل يسب الأطهار الأخيار ؟! فهل يسب هؤلاء الأطهار؟! هل يسب الأخيار؟!

стр. 1511

هل يسب عمر الفاروق ؟! وهل يسب عمر الفاروق الأواب؟! ذلكم الرجل الذي قدم لدنيا الناس كافة قدوة لا تبلى ولن تبلى، ركز معي أيها الحبيب! إنها قدوة تتمثل في عاهل كبير، بركت الدنيا كلها على داره بأموالها وزخرفها وذهبها وسلطانها، بركت الدنيا كلها على عتبة داره فسرحها سراحاً جميلاً، وقام لينثر في الناس خيراتها وأموالها، وليبعد عن الناس فتنها ومضلاتها، حتى إذا انفض عنه علائق هذا المتاع الدنيوي الزائل قام ليستأنف سيره ومسراه مع مولاه. انظر إليه ستراه هنالك يجري تحت حرارة الشمس المحرقة على رمال ملتهبة، كادت الأشعة المنعكسة على الرمال أن تخطف الأبصار، فنظر إليه عثمان وقال: يا ترى من هذا الذي خرج في هذا الجو القائض القاتل؟! ولما دنا قال: يا سبحان الله! إنه عمر، إنه أمير المؤمنين، فناداه: (يا أمير المؤمنين! ما الذي أخرجك في هذا الوقت الشديد الحر؟! فيرد عمر أمير المؤمنين: بعير من إبل الصدقة قد ند وشرد وأخشى عليه الضياع، فقال عثمان: تعال يا أمير المؤمنين إلى الظل وإلى الماء البارد، وكلف أحد عمالك ليأتيك بهذا البعير، قال: عد إلى ظلك وعد إلى مائك البارد يا عثمان! أأنت ستسأل عنه بدلاً مني أمام الله يوم القيامة؟!) انظر إليه ستراه هنالك قد أحنى رأسه الذي ارتفع ليطاول كواكب الجوزاء، أو إن شئت فقل: الذي شرفت كواكب الجوزاء بالنزول إلى الأرض لتستوي برأس عمر! انظر إليه وقد أحنى رأسه تحت قدر على نار مشتعلة ينفخ في النار، لينضج طعمة طيبة لأطفال فقراء يبكون من شدة الجوع! انظر إليه ستراه هنالك يمشي مع زوجته ليأخذها في الليل الدامس إلى أين؟! إلى امرأة قد أدركها كرب المخاض، ولا تجد من يساعدها في الولادة، فيذهب أمير المؤمنين بنفسه ليأتي بامرأته لتساعد مسلمة فقيرة مريضة! انظر إليه ستراه هنالك وهو يتفقد أحوال رعيته، يرى إبلاً سمينة عظيمة ممتلئة فيقول عمر: (ما شاء الله إبل من هذه؟! فيقولون: إبل عبد الله بن عمر، وكأن حية رقطاء قد أفرغت كل سمها في جوف عمر! إبل عبد الله بن عمر؟! ائتوني به، ويأتي عبد الله وهو إمام الورع، إمام الزهد، إمام التقى، ويقف بين يدي أبيه، فيقول له عمر: ما هذه الإبل يا عبد الله؟! فيقول عبد الله: إبل هزيلة اشتريتها بخالص مالي يا أمير المؤمنين! وأطلقتها في الحمى لترعى لأبتغي ما يبتغيه سائر المسلمين من الربح والتجارة، فقال عمر في تهكم لاذع: بخ! بخ! يا ابن أمير المؤمنين! وإذا رأى الناس إبلك قالوا: ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين، اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين، فتسمن إبلك ويزداد ربحك يا ابن أمير المؤمنين! قال: مرني يا أبت! قال: انطلق الآن فبع الإبل وخذ رأس مالك، ورد الربح إلى بيت مال المسلمين! سبحانك! يا خالق عمر سبحانك! يا خالق عمر. انظر إلى النبي ﷺ وهو يضع الأوسمة والمناقب على صدر عمر، في سنن الترمذي بسند حسن من حديث عبد الله بن عمر مرفوعاً: (إن الله تعالى جعل الحق على لسان عمر وقلبه). وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (بينا أنا نائم إذ رأيتني في الجنة، ورأيتني إلى جوار قصر، ورأيت إلى جواره جارية تتوضأ فقلت -والقائل المصطفى-: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لـ عمر بن الخطاب، يقول النبي ﷺ : لـ عمر ﵁، فتذكرت غيرتك يا عمر فأعرضت بوجهي -أي: عن النظر إلى الجارية وإلى القصر- فبكى عمر وقال للمصطفى: أومنك أغار يا رسول الله؟!). وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد قال المصطفى ﷺ : (بينا أنا نائم إذ عرض علي الناس وعليهم قمص، -جمع قميص- منها ما يبلغ الثدية، -جمع ثدي- ومنها ما دون ذلك، وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجتره، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟! قال: الدين). وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر قال: (بينا أنا نائم إذ أوتيت بقدح لبن فشربت حتى إني أرى الري يخرج من بين أظفاري، ثم أعطيت فضلتي -أي: ما تبقى من اللبن في الإناء- لـ عمر بن الخطاب قالوا: فما أولته يا رسول الله؟! قال: العلم). وفي الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص قال: (استأذن عمر بن الخطاب على رسول الله وعنده نسوة من قريش يحدثنه ويستكثرنه، عالية أصواتهن على النبي، فلما استأذن عمر وسمع النسوة صوت عمر أسرعن وقمن من مجلس النبي يبتدرن الحجاب ليختفين من عمر، فدخل عمر على النبي ﷺ والنبي يضحك، فقال عمر المهذب المؤدب: أضحك الله سنك يا رسول الله! -يعني: زادك الله سروراً على سرورك، ولم يقل: لماذا تضحك يا رسول الله؟ فقال المصطفى: عجبت لهؤلاء اللاتي كن عندي يسألنني ويستكثرنني عالية أصواتهن، فلما سمعن صوتك قمن يبتدرن الحجاب! فقال عمر -المؤدب-: أنت أحق أن يهبن يا رسول الله! ثم التفت عمر إلى النسوة وقال: يا عدوات أنفسهن! تهبنني ولا تهبن رسول الله! -والمرأة لا يخونها لسانها في مثل هذا الموضع أبداً-، فرد النسوة على عمر وقلن: نعم، فأنت أفظ وأغلظ من رسول الله، فقال النبي لـ عمر قولة عجيبة: أَوّه يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده! لو رآك الشيطان سالكاً فجاً -يعني: تمشي في طريق- لتركه لك، وسلك فجاً غير فجك يا عمر!). يا رافعاً راية الشورى وحارسها جزاك ربك خيراً عن محبيها رأي الجماعة لا تشقى البلاد به رغم الخلاف ورأي الفرد يشقيها إن جاع في شدة القوم سبقتهم في الجوع أو تنجلي عنهم غواشيها جوع الخليفة والدنيا بقبضته منزلة في الزهد سبحان موليها فمن يباري أبا حفص وسيرته أو من يحاول للفاروق تشبيها يوم اشتهت زوجته الحلوى فقال لها من أين لي ثمن الحلوى فأشريها؟ ما زاد عن قوتنا فالمسلمون به أولى فقومي إلى البيت فرديها كذاك أخلاقه كانت وما عهدت بعد النبوة أخلاق تحاكيها فهل يسب الفاروق الذي أذل كسرى وأهان قيصر؟! إنا لله وإنا إليه راجعون!

стр. 1512

هل يسب عثمان ذو النورين ؟! أيها الأحبة الكرام! وهل يسب عثمان ذلكم الحيي التقي النقي، ذو النورين المصلي إلى القبلتين، صاحب الهجرتين، الحيي الكريم، أكتفي بحديث واحد فقط في مناقب هذا العملاق: في صحيح مسلم من حديث عائشة: (استأذن أبو بكر على رسول الله وهو مضطجع في حجرة عائشة، وقد كشف عن ساقه أو فخذه، فأذن النبي للصديق فدخل وخرج والنبي على هيئته، ثم استأذن عمر فأذن له النبي وهو على هيئته، ثم لما استأذن عثمان فجلس النبي وسوى عليه ثيابه، وأذن لـ عثمان، فلما دخل عثمان ثم انصرف قالت عائشة: يا رسول الله! دخل عليك أبو بكر فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عليك عمر فلم تهتش له ولم تباله، فلما دخل عليك عثمان جلست وسويت ثيابك وأذنت له؟! فقال النبي ﷺ : يا عائشة! ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟!). أيها الإخوة! والله لا أخشى فقط إلا من الإطالة عليكم، فإن الصحابة رضوان الله عليهم يشعر الإنسان وهو يتحدث عنهم بفخر وعزة، إذ إنه ينتسب إلى هؤلاء الأشراف الأطهار الكرام، فكل أمة تفخر برجالها وأبنائها، وإن أحق الأمم بالفخار هي أمة النبي المختار بجدارة واختيار، بل وبشهادة العزيز الغفار: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠].

стр. 1513

هل يسب علي أبو السبطين ؟! وهل يسب علي رضوان الله عليه، الذي اضطر يوماً لأن يفخر فقال: محمد النبي أخي وصهري وحمزة سيد الشهداء عمي وجعفر الذي يمسي ويضحي يطير مع الملائكة ابن أمي وبنت محمد سكني وزوجي منوط لحمها بدمي ولحمي وسبطا أحمد ولداي منها فأيكم له سهم كسهمي وأكتفي بحديث واحد فقط خشية الإطالة، ففي الصحيحين أن النبي ﷺ قال يوم خيبر: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه)، وفي رواية مسلم يقول عمر: (والله ما تطلعت إلى الإمارة إلا يومها)، تمنى كل الصحابة الإمارة في هذا اليوم لعلهم ينالون هذا الشرف: (ويحبه الله ورسوله). فلما كان في الصباح قام النبي ﷺ يسأل عن القائد الذي يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله فقال المصطفى: (أين علي بن أبي طالب؟ قالوا: لم يأت اليوم يا رسول الله! إنه يشتكي عينيه، قال: ائتوني به، فأرسلوا إليه، فجاءوا به، فمسح النبي عينيه فبرأ وكأن لم يكن بهما وجع، وأعطاه الراية، وانطلق أسد الله الغالب، ففتح الله على يديه، وما لبث أن فتح حصون خيبر بهذه القولة الخالدة: الله أكبر خربت خيبر)، نسأل الله أن تعلو من جديد: الله أكبر خربت حصون اليهود، إنه ولي ذلك والقادر عليه. حب النبي على الإنسان مفترض وحب أصحابه نور ببرهان من كان يعلم أن الله سائله لا يرمين أبا بكر ببهتان ولا أبا حفص الفاروق صاحبه ولا الخليفة عثمان بن عفان ولا علياً أبا السبطين نعم الفتى وصى به المصطفى في سر وإعلان فهم صحابة خير الخلق خصهم الإله بجنات ورضوان

стр. 1514

هل يسب الصديق ؟! هل يسب الصديق؟! إنا لله وإنا إليه راجعون! هل يسب أبو بكر؟! رفيق النبي ﷺ في جميع الأطوار، وصاحب النبي ﷺ في جميع الأسفار، وضجيع النبي ﷺ في الروضة المحفوفة بالأنوار، الممدوح في الذكر بقوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة:٤٠]، أيسب الصديق؟! إنه أمر ينخلع له القلب، والله إنها لمرارة وغصة في الحلق أن يسب صديق الأمة في زمان الفتن، في زمان الشبهات والشهوات، على مرأى ومسمع، وفي الكتب، بل وعلى صفحات الجرائد والمجلات. يسب الصديق رضوان الله عليه وأرضاه ذلكم العملاق الكبير، الذي لو اجتمع أهل الأرض ليمدحوه ما رفعوا من قدره، وما أعلوا شأنه، وإنما رفعوا من قدر أنفسهم، وأعلوا من شأنهم، وهم يتحدثون عن صديق الأمة، عن الرجل الذي لم يتلعثم في إيمانه طرفة عين، بل كان شعار الصديق إذا تشككت الصدور، وتلعثمت الكلمات في الصدور: (إن كان محمد قد قال ذلك فقد صدق) كلمة عجيبة، ميزان دقيق، يثبت يقين الرجل وإيمانه، الرسول قال كذا، إذاً انتهى الأمر، محمد صادق! (إن كان محمد قد قال ذلك فقد صدق)؛ من أجل ذلك كان الصديق أحب الرجال إلى قلب سيد الرجال محمد ﷺ ، ففي صحيح البخاري من حديث عمرو بن العاص قال: (قلت يا رسول الله! من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة، قال: من الرجال؟ قال: أبوها -أي: الصديق - قال عمرو: ثم من؟ قال المصطفى: ثم عمر). الصديق رجل في أمة النبي ﷺ يزن أمة، وقد أفردت له لقاءً كاملاً بعنوان: رجل يزن أمة، إنه الصديق. روى أحمد في مسنده من حديث عمر بن الخطاب موقوفاً عليه أنه قال: (لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح إيمان أبي بكر) ولم لا يا إخوة؟!! الصديق لم يترك سبيلاً من سبل الخير إلا وسارع إليه بهمة عالية، في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله يدعى يوم القيامة من أبواب الجنة: يا عبد الله! هذا خير، يا عبد الله! هذا خير، فإن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، وإن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، وإن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، وإن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، فقال الصديق: يا رسول الله! وهل يدعى أحد من هذه الأبواب كلها؟ فقال النبي ﷺ : نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر)، وفي رواية ابن حبان من حديث ابن عباس بسند صحيح قال الصديق: (وهل يدعى أحد من هذه الأبواب كلها يا رسول الله؟! قال المصطفى: نعم وأنت هو يا أبا بكر). هذه درجته ومكانته، تنادي عليه كل أبواب الجنة ليدخل منها إلى نعيم مقيم: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤ - ٥٥]. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: (أن النبي ﷺ سأل الصحابة يوماً وقال: من أصبح اليوم منكم صائماً؟ فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله! فسأل المصطفى: فمن عاد اليوم منكم مريضاً؟ فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله! فسأل المصطفى: فمن أطعم اليوم منكم مسكيناً؟ فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله! فسأل المصطفى: فمن تبع اليوم منكم جنازة؟ فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله! فقال المصطفى: ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة). وتجلت مكانة الصديق في آخر أيام الحبيب، ففي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري: (أن النبي ﷺ حمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن عبداً من عباد الله خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عند الله؛ فاختار ما عند الله فبكى الصديق الذي فهم مراد حبيبه ومصطفاه وقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! فديناك بآبائنا وأمهاتنا وأموالنا وأنفسنا) فضج الناس في المسجد النبوي، وتعجبوا لكلام صديق الأمة، عجباً لهذا الشيخ ماذا يقول؟! الرسول يتحدث عن عبد مخير بين الدنيا والآخرة، فلماذا يقول الصديق مثل هذا الكلام؟! قال أبو سعيد: وكان أفهم الصحابة لكلام النبي محمد ﷺ ، فلقد فهم الصديق أن العبد المخير هو الحبيب المصطفى رسول الله ﷺ ، فبكى ﵁ وأرضاه، فقال النبي: (على رسلك يا أبا بكر! -ثم بين النبي ﷺ مكانة الصديق فقال: أيها الناس! إن أمنّ الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، وما نفعني مال أحد قط مثلما نفعني مال أبي بكر، ولو كنت متخذاً من العباد خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، وما منكم من أحد إلا وكان له عندنا يد كافأناه بها إلا الصديق فإنا قد تركنا مكافأته لله ، سدوا الأبواب كلها التي تطل على المسجد إلا باب أبي بكر ﵁. وقد فهم أهل العلم أن هذه إشارة واضحة إلى أنه سيتولى من بعد النبي ﷺ ؛ وذلك لأمر النبي أن يبقى بابه مفتوحاً. يوم مات المصطفى ﷺ تجلى يقين الصديق وإيمانه الذي لم يتزلزل ولم يتزعزع أبداً، طاش عقل عمر، وطاش عقل عثمان، وخرس لسان علي، وطاشت عقول أصحاب النبي ﷺ ، انظروا لتعرفوا قدر الصديق، انظروا لتعرفوا مكانة الصديق، عمر الفاروق الأواب صرخ بأعلى صوته وقال: (والله من قال بأن محمداً قد مات لأعلونه بسيفي هذا، فإن رسول الله ما مات، بل ذهب للقاء ربه كما ذهب موسى بن عمران، وليرجعن وليقطعن أرجل وأيدي المنافقين الذين يزعمون أنه قد مات) الذي يقول هذا هو عمر فاروق الأمة الأواب! فتصور الصحابة دون عمر كيف كان حالهم؟! وثبت الله الصديق، بل وكان موقفه بمثابة البوصلة التي حددت اتجاه التاريخ، نحو هذا العملاق الذي لم يتلعثم ولم يتزعزع ولم يتردد، بل كان هذا الموقف بمثابة الموقف الذي يبين بجلاء ووضوح أن الرجل الذي يجب أن يتقدم ليسد الفراغ الرهيب الذي سيتركه الرسول ﷺ بموته هو الصديق ﵁ وأرضاه، شق أبو بكر الصفوف، ودخل غرفة عائشة، فوجد حبيبه مسجى بأبي هو وأمي ﷺ ، فقبل الصديق رسول الله بين عينيه، وجثى على ركبتيه، وفي الرواية التي حسنها شيخنا الألباني في مختصر الشمائل أن الصديق بكى، وعلم أن الموت حق، وأن الرسول قد مات، فنادى على حبيبه وقال: (وا صفياه! وا صفياه! وا نبياه! وا حبيباه! وا خليلاه!)، وقال في رواية الصحيحين: (أما الموتة التي قد كتبها الله عليك فقد ذقتها ولا ألم عليك بعد اليوم). وخرج الصديق إلى الناس، وقال على رسلك يا عمر! انتظر يا عمر! فاجتمع الناس حول الصديق، فحمد الله وأثنى عليه وقال في ثبات مذهل، ويقين عجيب: (أيها الناس! من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وقرأ قول الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]). إنه الصديق، إذاً: يا راية الله رفرفي! إذاً: فلتتقدم أيها الرجل العملاق الكبير لتملأ هذا الفراغ الكبير الذي تركه النبي العظيم الكبير ﷺ ، إنه الصديق الذي لو ظللت أتحدث عنه الدهر ما وفيت هذا الرجل العملاق حقه. هذا الرجل الذي كان من أعظم بركاته على الأمة: أنه أطفأ نار حروب الردة، تلك النار التي صهرت الأمة صهراً، ونفت عن الصف الخبثاء والدخلاء، وميزت المؤمنين من المنافقين، تلك المحنة التي تحولت بفضل الله ورحمته إلى منحة كبيرة على الإسلام وعلى المسلمين. ومن أعظم بركاته: أنه أرسل جيش أسامة؛ ليؤدب القبائل التي غارت على حدود الدولة الإسلامية، وكانت مدعومة من الدولة الرومانية. ومن أعظم بركاته: أنه جمع القرآن الكريم بعد غزوة اليمامة التي قتل فيها كثير من القراء من حفاظ كتاب الله، من أصحاب رسول الله ﷺ . بل وإن شئت فقل: ومن أعظم بركات الصديق أيضاً: أنه قبل أن يموت أمر كتابة باستخلاف عمر على أمة النبي ﷺ ، فقيل له: (ماذا تقول لربك إن سألك وقد وليت على أمة النبي ﷺ من بعدك عمر وهو القوي الغليظ الشديد؟! قال الصديق: إن سألني ربي سأقول له: يا رب! وليت عليهم أقواهم وأعدلهم). فهل يسب الصديق؟!!

стр. 1515

هم القدوة فاعرفوا لهم فضلهم إننا نعيش في زمان قُدِمَ فيه التافهون وأصبحوا القدوة والمثال. فلقد آن الأوان لننظر بأبصارنا إلى هذه القدوات الطيبة والمثل العليا. قال ابن مسعود: (من كان مستناً فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم). وقال ابن مسعود ﵁ أيضاً: (إن الله تعالى نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد خير قلوب العباد؛ فاصطفاه لرسالته ونبوته، ونظر في قلوب العباد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد؛ فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه). اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن ترد الأمة إلى دينك رداً جميلاً، اللهم رد الأمة إليك رداً جميلاً، اللهم خذ بأيدينا إليك، اللهم خذ بأيدينا إليك، اللهم خذ بأيدينا إليك. وصلى الله وسلم على نبينا وإمامنا وحبيبنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 1516

الحشر من الأهوال العظيمة التي تنتظر الناس جميعاً أهوال يوم الحشر، حيث يحشر الناس على قدر أعمالهم -في أرض غير هذه الأرض- فمنهم من يحشر راكباً، ومنهم من يحشر ماشياً، ومنهم من يمشي على وجهه! ومن هذه الأهوال دنو الشمس من رءوس الخلائق، إلا أن من رحمة الله أن جعل في ظل عرشه أصنافاً من الناس؛ لما عملوه في هذه الدنيا من طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ .

стр. 1517

من مات على شيء بعث عليه يوم القيامة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، ونصح الأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحيَّاكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء! وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً. وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت المبارك على طاعته، أن يجمعنا مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! في رحاب الدار الآخرة. سلسلة علمية هامة تجمع بين المنهجية والرقائق، وبين التأصيل العلمي والأسلوب الوعظي، الهدف منها: تذكير الناس بحقيقة الآخرة، في عصر طغت فيه الماديات والشهوات، وانصرف كثير من الناس عن منهج رب الأرض والسموات؛ ليتذكر الناس ربهم جل وعلا، وليتوبوا إليه سبحانه قبل أن تأتيهم الساعة بغتة وهم يخصمون: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس:٥٠]. وهذا هو لقاؤنا العاشر من لقاءات هذه السلسلة الكريمة المباركة، وكنا قد أنهينا الحديث في اللقاء الماضي بحول الله جل وعلا عن البعث، وتوقفنا عند هذه المشاهد التي تخلع القلوب! حينما يخرج الناس من قبورهم حفاة عراة غرلاً، كل يبعث على نفس الهيئة التي مات عليها! فمن مات على طاعة بعث على تلك الطاعة، ومن مات على معصية بعث على نفس المعصية، وذلك لقول النبي ﷺ كما في صحيح مسلم: (يبعث كل عبد على ما مات عليه). فمن الناس من يبعث والنور يشرق من وجهه، ومن بين يديه، وعن يمينه: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم:٨]، ومنهم من يكون نوره كالجبل، ومنهم من يكون نوره كالنخلة، ومنهم من يكون نوره كالرجل القائم، ومنهم من يكون نوره على إبهامه يوقد مرة ويطفأ مرة، ومنهم من تحيط الظلمة به من كل ناحية، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم يوم القيامة من أهل الأنوار، ومنهم من يبعث وهو ينطلق في أرض المحشر قائلاً: لبيك اللهم لبيك، من هذا؟! إنه الذي مات بلباس الإحرام في حج أو عمرة، ومنهم من يبعث وينبعث منه الدم: اللون لون الدم، والريح ريح المسك، من هذا؟! إنه الشهيد في سبيل الله جل وعلا، ومنهم من يبعث ولسانه مدلىً على صدره! منظر بشع! من هذا؟! هذا الذي أكل لحوم الناس في الدنيا بالغيبة، ومنهم من يبعث وأظفاره من نحاس يمزق بها لحم وجهه! ويقطع بها لحم صدره، من هذا؟! هذا هو الذي آذى الناس في الدنيا، ومنهم من يبعث وقد انتفخت بطنه لا يقوى على القيام في أرض المحشر! بل تراه يتلبط ويتخبط كالذي يتخبطه الشيطان من المس، من هذا؟! إنه آكل الربا: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥]، وهذا رجل ينطلق من قبره إلى أرض المحشر عرياناً ومن حوله مجموعة من الأطفال الصغار يجرونه جراً، ويدفعونه دفعاً للوقف بين يدي الله سبحانه، من هذا، ومن هؤلاء؟! هؤلاء هم اليتامى وهذا آكل أموال اليتامى ظلماً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]، ومنهم من يبعث وكأس الخمر في يده وهو أنتن من كل جيفة! ومنهم من يبعث وهو يحمل على كتفه ما سرقه في هذه الحياة الدنيا! قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٦١]. إنها مشاهد تخلع القلوب يا عباد الله! فلقد أجرى الله الكريم عادته بكرمه: أن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه. فمن مات ساجداً بعث يوم القيامة ساجداً، ومن مات موحداً بعث يوم القيامة موحداً، ومن مات على معصية بعث يوم القيامة على نفس المعصية. اللهم استرنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض، برحمتك يا أرحم الراحمين!

стр. 1518

أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة محمد ﷺ وأول من يبعث، وتنشق عنه الأرض يوم القيامة حبيبنا المصطفى ﷺ ، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة)، بأبي هو وأمي ﷺ ، يقول: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأنا أول من ينشق عنه القبر، وأنا أول شافع وأول مُشَفَّع).

стр. 1519

أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم ﵇ وإذا كان المصطفى هو أول من يبعث يوم القيامة، فإن أول من يُكسى يوم القيامة هو خليل الله إبراهيم. كما في صحيح مسلم من حديث ابن عباس أنه ﷺ قال (أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله يوم القيامة حفاةً عراةً غُرْلاً، وأول الناس يُكْسى يوم القيامة إبراهيم ﵇. وفي رواية البيهقي من حديث ابن عباس أنه ﷺ قال: (أول الناس يُكسى من الجنة يوم القيامة إبراهيم ﵇، ويؤتى بي -أي: بالحبيب المصطفى- فأُكسى حُلّة من الجنة لا يقوم لها البشر). وتكلم علماؤنا عن حكمة تقديم إبراهيم ﵇ على نبينا محمد ﷺ في الكسوة يوم القيامة. ومن أجمل ما ذكره أهل العلم: أن المشركين لما هموا بحرق إبراهيم في النار، وأشعلوا النار المتأججة التي ارتفع لهيبها في عنان السماء حتى كانت الطيور تسقط من ارتفاع لهب هذه النيران! وظلوا يجمعون لها الحطب شهوراً وأياماً، فلما هموا بإلقائه جردوه من كل ثيابه، فلما صبر إبراهيم واحتسب وتوكل على الله جازاه الله على ذلك، فوقاه حر النار في الدنيا والآخرة، وكافأه يوم القيامة فكساه على رءوس الأشهاد. فأول من يبعث هو الحبيب محمد ﷺ ، وأول الناس يُكسى هو الخليل إبراهيم عليهما وعلى جميع النبيين والمرسلين أفضل الصلاة وأزكى السلام. وبعد البعث حشر. وهذا هو موضوعنا اليوم مع حضراتكم، فأعيروني القلوب والأسماع والله أسأل أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وسوف ينتظم حديثنا مع حضراتكم في موضوع الحشر في العناصر التالية: أولاً: صفة أرض المحشر. ثانياً: كيف يحشر الناس؟! ثالثاً: هول الموقف. رابعاً: في ظل عرشه.

стр. 1520

صفة أرض المحشر أولاً: صفة أرض المحشر: أيها الخيار الكرام! إن الأرض التي سيحشر الناس عليها تختلف تماماً عن الأرض التي نعيش عليها: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم:٤٨]. تختلف الأرض، بل وتتبدل وتتغير السماء، ووصف لنا المصطفى ﷺ طبيعة هذه الأرض التي سيحشر الناس عليها وصفاً دقيقاً بليغاً. ففي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ أنه ﷺ قال: (يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كَقُرْصَةِ النَّقِي) أي: على أرض كالفضة الناصعة البياض، لم يسفك فيها دم، ولم تعمل عليها خطيئة أو معصية، أرض بيضاء نقية، فالعفر: هو البياض الذي يميل إلى الحمرة. وعند ابن فارس: هو البياض الشديد الناصع البياض. (وقرصةُ النقي) أي: كالدقيق الأبيض النقي من الغش والنخال. قال سهل: (ليس عليها معلم لأحد) المعلم: هو العلامات التي يتعارف بها الناس على الشوارع، والمدن والطرقات، فهذا معلم يبين هذه المدينة، وهذا معلم يبين هذا الشارع والطريق، هذا في أرض الدنيا، أما في أرض المحشر فليس في هذه الأرض معلم لأحد، هي أرض بيضاء مستوية كالفضة البيضاء لا يوجد عليها بناء ولا أشجار، ولا أنهار. هذه هي صفة أرض المحشر كما أخبر الصادق المصدوق ﷺ .

стр. 1521

كيفية الحشر كيف يحشر الناس إلي أرض المحشر من القبور؟! هذا هو عنصرنا الثاني، فأعرني قلبك وسمعك أيها الحبيب! يخرج الناس من القبور (حفاةً عراةً غُرْلاً) كما قال المصطفى في صحيح مسلم من حديث عائشة: (يحشر الناس يوم القيامة حفاةً عراةً غُرلاً، قالت عائشة: يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال: يا عائشة! الأمر أشد من أن يهمهم ذلك). يخرجون من القبور وهم بهذا العري والذل والهوان! قال تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ * يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق:٤١ - ٤٤]. يسير على الله، فليس عند الله شيء عسير، يسير على الله أن يحشرهم من يوم أن خلق آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لا يتخلف أحد ولا يمتنع أحد، كيف ذلك؟! وهو الذي يقول سبحانه: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٧]. حشر الله الخلق جميعاً ولا يتخلف مَلِك، ولا يتكبر حاكم، أو زعيم، ولا يتعنت طاغوت أو متكبر أو طاغية، فلم نغادر منهم أحداً. قال : ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥]. لا يتخلف مخلوق، لقد أحصى الله الخلق من لدن آدم إلى آخر رجل قامت عليه القيامة، فهم ينطلقون جميعاً وراء هذا الداعي الكريم الذي جاء ليقود الخلق جميعاً إلى أرض المحشر، ينطلقون خلفه ولا يتلفتون، ولا يتخلفون، ينطلقون صامتين مستسلمين خاشعين يعلوهم صمت رهيب، ويزلزل قلوبهم سكون غامر! الأبصار خاشعة، والوجوه عانية، وجلال الحي القيوم يغمر المكان والنفوس بالعظمة والهيبة والجلال! قال سبحانه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه:١٠٨] صمتوا عن الكلام فلم يبق إلا الهمس والتخافت: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا * يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا * وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه:١٠٨ - ١١١]، وهل يستطيع مخلوق أن يتفلت أو يتخلف؟! وهل يملك طاغية أو ظالم أو زعيم أو حاكم أن يتعنت أو يتأخر، هل يستطيع؟! وقد وكل الله بكل إنسان ملكين يسوقانه سوقاً إلى أرض المحشر. قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:١٩ - ٢٢].

стр. 1522

يحشر الناس ثلاثة أصناف الله أكبر! أستحلفك بالله أن تتصور معي هذه المشاهد، وأن تعيشها بقلبك وكيانك وجوارحك، ها هو رسول الله ﷺ يجسد لنا معاني هذه الآيات، فإن الكلام عن هذا المشهد من مشاهد القيامة يخلع القلوب! يجسد لنا المصطفى هذه المشاهد فيقول كما في الحديث الذي رواه الترمذي بسند حسن يقول ﵌: (يُحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنفاً مشاة، يمشون على أقدامهم، وصنفاً ركباناً، وصنفاً على وجوههم، قيل يا رسول الله! كيف يمشون على وجوههم؟! فقال المصطفى ﷺ : إن الذي أمشاهم في الدنيا على أقدامهم قادر على أن يمشيهم في الآخرة على وجوههم). وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث أنس قال رجل: (يا نبي الله! كيف يحشر الكافر على وجهه؟! فقال المصطفى: أليس الذي أمشاه في الدنيا على الرجلين قادراً على أن يمشيه يوم القيامة على وجهه؟!) قال قتادة: بلى وعزة ربنا. ونحن نقول: بلى وعزة ربنا إنه لقادر على أن يحشر الكافرين يوم القيامة على وجوههم. أيها الحبيب! هل تصورت -قبل أن ترى الحية- أن دابة تمشي على بطنها؟! لم تكن تتصور ذلك، كيف تمشي الحية على بطنها؟! ولكنك تصورت وصدقت لما رأيت الحية أمام عينيك، وبين يديك تزحف على بطنها، والذي جعل الحية تمشى بدون أرجل سيحشر الكافر ماشياً على وجهه يوم القيامة! إنه على كل شيء قدير. وأستحلفك بالله أن تتصور هذا المشهد: أناس يمشون في أرض المحشر، وأناس يركبون، وأناس يمشون على وجوههم، منظر بشع رهيب لا يستطيع بليغ فصيح أن يعبر عنه! أناس يمشون على الأقدام، وأناس يركبون، من هؤلاء الذين يركبون في هذا اليوم العصيب الرهيب؟! اسمع لربك جل وعلا، قال سبحانه: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم:٨٥] وفداً: أي: ركباناً، لا يمشي المتقون في أرض المحشر على أقدامهم، بل يهيئ الله لهم ركائب من دواب الآخرة، عليها سُرُج من ذهب، وتتنزل الملائكة لأهل التقوى في أرض المحشر؛ لتبشرهم بهذه البشارة: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٣]، ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠] ويقدم الملائكة لأهل التقى ركائب من دواب الآخرة، عليها سرج من الذهب فيركب المتقون، وينطلقون بها في أرض المحشر، فلا يمشون على أقدامهم في هذا اليوم العصيب، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟!

стр. 1523

تعريف التقوى والتقوى: أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر. وسأل سائل أبا هريرة عن التقوى؟ فقال أبو هريرة: هلا مشيت على طريق فيه شوك؟ قال: نعم، قال: فماذا صنعت؟ قال: كنت إذا رأيت الشوك اتقيته، قال أبو هريرة: ذاك التقوى. فقال ابن المعتز: خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى واصنع كماشٍ فوق أر ض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى وقال طلق بن حبيب: التقوى: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخشى عقاب الله. ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم:٨٥ - ٨٦] كما تورد البهائم لتشرب! (وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا). أما التقي: فإنه يحشر إلى الله راكباً، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المتقين، ومن السعداء في هذا اليوم العظيم، إنه على كل شيء قدير. أما الكافر فإنه يمشي على وجهه، إنه مشهد -ورب الكعبة- يخلع القلب!

стр. 1524

يحشر المتكبرون كالذر أما المتكبرون الذين انتشوا وانتفخوا في الدنيا ولم يذلوا أنفسهم لله، ولم يخفضوا جناح الذل لخلق الله، بل تراه مغروراً بكرسيه الذي جلس عليه تراه مغروراً بمنصبه تراه متكبراً بماله تراه متكبراً بسلطانه وجاهه. هل عرفت صورة حشر هذا المتكبر؟! إنه سيحشر بمنظر وبهيئة لو عرفها لوضع أنفه في التراب ذلاً لمولاه! ولخفض جناح الذل لخلق الله. يا بن التراب ومأكول التراب غداًَ اقصر فإنك مأكول ومشروب. علام الكبرياء يا بن آدم؟! وأنت تحمل البصاق في فمك!! وتحمل العرق تحت إبطيك!! وتحمل البول في مثانتك!! وتحمل النجاسة في أمعائك!! وتمسح عن نفسك بيدك القذر كل يوم مرة أو مرتين! يا أيها الإنسان ما غرك؟! مر أحد السلف على رجل متبختر مختال في مشيته، فقال له هذا الرجل الصالح: يا أخي! هذه مشية يبغضها الله ورسوله. فقال له المتكبر المنتفخ: ألا تعرف من أنا؟! قال: نعم أعرفك، فأولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت بين ذلك تحمل العذرة! من أنت أيها المتكبر؟! من أنت أيها المغرور؟! تصور معي مشهد حشر المتكبر يوم القيامة! يقول المصطفى ﷺ -والحديث رواه البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم-: (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذَّر في صور الرجال). تطؤه الأقدام. الناس يطئون النمل بأقدامهم وهم لا يشعرون، فكذلك يحشر المتكبر يوم القيامة كالذر! تدوسه الأقدام والأرجل؛ لأنه كان منتفخاً منتشياً متكبراً مغروراً في الدنيا، والجزاء من جنس العمل، فكما انتفخ واستعلى يحشر يوم القيامة في غاية الذلة والمهانة، تطؤه الأرجل والأقدام، وهم في طريقهم إلى الرحيم الرحمن جل وعلا. (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر، تطؤهم الأرجل، يعلوهم الذل من كل مكان). صور رهيبة! مشاهد تخلع القلوب -ورب الكعبة- لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، فإذا ما وصلت الخلائق كلها إلى أرض المحشر: تنزلت الملائكة ضعف من في الأرض، وتحيط الملائكة بأهل الأرض من كل جانب ومن كل ناحية، وهل يا ترى! ينتهي هذا البلاء وهذا الكرب؟! لا والله، بل إن الموقف فيه من الأهوال والكروب ما يخلع القلوب، وهذا هو عنصرنا الثالث.

стр. 1525

هول الموقف إذا ما وصل الناس إلى أرض المحشر ازداد الهم والكرب والغم! عند أن يقفوا قياماً طويلاً! وهاهي الشمس تدنو من رءوسهم حتى لا يكون بينها وبين رءوسهم إلا كمقدار ميل! يقول الراوي: لا ندري ماذا يقصد رسول الله بالميل، أهو ميل المسافة المعروفة، أم ميل المكحلة التي تكتحل به العين؟! ورد في صحيح مسلم من حديث المقداد أنه ﷺ قال: (تدنو الشمس من رءوس الخلائق يوم القيامة بمقدار ميل فيغرقون في عرقهم بمقدار أعمالهم، فمنهم من يبلغ العرق كعبيه، ومنهم من يبلغ العرق ركبتيه، ومنهم من يبلغ حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، وأشار النبي ﷺ بيده إلى فيه). وفي الصحيحين من حديث ابن عمر أنه ﷺ قال في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦]: (يقوم الناس في رشحهم إلى أنصاف آذانهم) هل تصورت هذا المشهد؟! حرارة تذيب الحديد والحجارة فوق الرءوس! ولك أن تتصور: البشرية كلها منذ أن خلق الله آدم، تحشر في مكان واحد على أرض واحدة، ليس للإنسان إلا أشبار يضع فيها قدميه، زحام يخنق الأنفاس، بل يكاد الخلق أن يهلكوا من حرارة أنفاسهم، ومن هذا الزحام الشديد، ومع ذلك تعلو الشمس الرءوس، وتكاد أن تصهر الجلود! وفي هذا المشهد وفي هذا الموقف الرهيب يزداد الهم والكرب بإتيان جهنم والعياذ بالله. يؤتى بجهنم للناس في أرض المحشر، كما قال المصطفى ﷺ -والحديث رواه مسلم من حديث جابر بن عبد الله -: (يؤتى بجهنم لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونه). فإذا أقبلت جهنم، وأحاطت بالخلائق، ورأت الخلق زفرت وزمجرت؛ غضباً منها لغضب الله جل وعلا! فإذا رأت الأمم جهنم في أرض المحشر جثت جميع الأمم على الركب من الذل والخوف والرعب. قال تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٨]. بل يخرج من جهنم عنق أسود مظلم يتكلم! والحديث رواه الترمذي بسند صحيح قال ﷺ : (يخرج عنق من النار له عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق، يقول: إني وكلت اليوم بثلاثة، وكلت بكل جبار عنيد، وبكل من جعل مع الله إلهاً آخر، وبالمصورين) أي: الذين كانوا ينحتون ليضاهوا برسومهم خلق الله ﷻ . ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم:١٥ - ١٧] نسأل الله السلامة والعافية، ونسأل الله أن يختم لنا ولكم بالتوحيد. في هذا المشهد في الزحام الرهيب، وفي الحر الشديد، وفي هذا التدافع والعري: ينادي الحق ﷻ وسط هذا الموقف الذي يُشيّب منه الولدان، ومن هول هذا الموقف لا يتكلم أحد إلا الأنبياء ودعوة الأنبياء يومها: اللهم سلم سلم!! تذهل الأم عن رضيعها وينسى الوالد ولده، وينسى الولد والده، وتنسى الأم الرحيمة ولدها، بل وينشغل الابن عن أمه قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٣ - ٣٧]. فالكل يقول: نفسي نفسي حتى الأنبياء كما سنتعرف على ذلك إن شاء الله تعالى، لا يتكلم إلا الأنبياء ويقولون يومها: اللهم سلم سلم، اللهم سلم سلم! مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور إذا كورت شمس النهار وأدنيت حتى على رأس العباد تسير وإذا النجوم تساقطت وتناثرت وتبدلت بعد الضياء كدور وإذا الجبال تقلعت بأصولها فرأيتها مثل السحاب تسير وإذا العشار تعطلت وتخربت خلت الديار فما بها معمور وإذا الوحوش لدى القيامة أحشرت وتقول للأملاك أين نسير وإذا الجليل طوى السما بيمينه طيَ السجل كتابه المنشور وإذا الصحائف نشرت وتطايرت وتهتكت للعالمين ستور وإذا الجنين بأمه متعلق يخشى القصاص وقلبه مذعور هذا بلا ذنب يخاف جناية كيف المصر على الذنوب دهور وإذا الجحيم تسعرت نيرانها ولها على أهل الذنوب زفير وإذا الجنان تزخرفت وتطيبت لفتىً على طول البلاء صبور تذكر كل هذه المشاهد: الزحام شديد يكاد يخنق الأنفاس، والشمس تكاد تصهر الرءوس، والكل يتدافع، والسؤال تخافت، والكلام همس، وجلال الحي القيوم غمر النفوس والمكان بالهيبة والجلال. في هذه اللحظات ينادي الحق ﷻ على مجموعة من الخلق في أرض المحشر أن يتقدموا، لماذا يا ترى؟! ليظلهم بظله يوم لا ظل إلا ظله. وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 1526

في ظل عرشه الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! وأخيراً: في ظل عرشه. في هذا المشهد الذي يكاد يخلع القلوب، فوالله إن مجرد الكلام عن أهوال هذا اليوم ترتعد له الفرائص، فكيف إذا عايناه وعاصرناه وعايشناه؟! في هذا الموقف ينادي الحق ﷻ على أناس ليظلهم بظله يوم لا ظل إلا ظله، يا ترى من هؤلاء السعداء؟! من هؤلاء السعداء الذين يفوزون فوزاً لا يشعرون بشقاء بعده أبداً؟!

стр. 1527

أصناف أخرى في ظل الله غير الأصناف السبعة وأرجو أن نعلم يقيناً أن هؤلاء إن أظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله فهناك غيرهم، وليس هؤلاء فقط. ولقد جمع الحافظ ابن حجر الذين يظلهم الله في ظله من هؤلاء السبعة وغيرهم، في كتاب قيم سماه: (معرفة الخصال الموصلة إلى الظلال) بين أن الله سبحانه يظل غير هؤلاء السبعة في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، ففي الحديث الصحيح أنه ﷺ قال: (من أنظر -أمهل- معسراً أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله). فهذا مثال لمن يظلهم الله في ظله غير هؤلاء السبعة. أيها الحبيب الكريم! احرص على طاعة الله، وعلى هذه الخصال الخيرة؛ ليظلك الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله. يقوم بقية الخلق في هذا الموقف قياماً طويلاً، ويشتد الكرب عليهم حتى يتمنى بعضهم أن يحشر إلى النار! ولا يقف في مثل هذا الموقف المهيب الرهيب! فهو يظن أن النار لن تكون أشد عذاباً مما هو فيه من هم وكرب! وهنا يبحث الخلق عمن يشفع لهم إلى الله جل وعلا؛ ليقضي الله ﵎ بين الخلائق، وينهي هذا الموقف المهيب الرهيب، وهنا يقول كل نبي من الأنبياء: نفسي نفسي. ويتقدم الحبيب المصطفى ﷺ صاحب المقام المحمود وصاحب الحوض المورود، وصاحب اللواء المعقود، وصاحب الشفاعة العظمى يوم الدين، يتقدم الحبيب محمد شافعاً للخلائق في أرض المحشر؛ ليقضي الله جل وعلا بينهم. ونتوقف عند هذا المشهد الكريم، عند مشهد شفاعة النبي ﷺ لأهل الموقف جميعاً. نسأل الله أن يختم لنا ولكم بالتوحيد والإيمان، وأن يجعلنا وإياكم من أهل شفاعة النبي ﵊. اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا ثبته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين! اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً. اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم نجنا من أهوال يوم القيامة، اللهم نجنا من أهوال يوم القيامة، اللهم نجنا من أهوال يوم القيامة، اللهم اجعله يوماً يسيراً علينا برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم متعنا بظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك يا رب العالمين! اللهم اقبلنا وتقبل منا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويلقى به في جهنم، ثم أعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1528

الأصناف التي يظلها الله بظل عرشه يظلهم الملك في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، لا أشجار ولا أنهار ولا بيوت، لا يستطيع الإنسان أن يأوي إلى أي ظل، والشمس فوق الرءوس، وينادي الحق ﵎ على هؤلاء السعداء، وقد أخبر النبي ﷺ عنهم في حديث صحيح رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة فقال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصبٍ وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه). اللهم اجلنا منهم بمنك وكرمك. (إمام عادل): حاكم عادل عاش ليقيم العدل في الأرض، سعدت به رعيته، وسعد برعيته، كان يتقي الله في هذه الأمانة، ويعلم يقيناً أن الحكم والمنصب أمانة سيسأل عنها بين يدي الله، كما قال المصطفى لـ أبي ذر: (يا أبا ذر! إن الولاية أمانة، وإنها يوم القيامة حسرة وندامة إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها). (إمام عادل) قضى الليل والنهار في أحوال رعيته؛ ليسعدهم فأسعدهم في الدنيا فسعدت به الرعية، وسعد هو بالرعية. ووالله إني لأستحي من الله أن أتعرض لمجرد لفظ (إمام عادل) ولا أتحدث عن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، ذلكم الفاروق الذي ملأ الدنيا عدلاً، فكان لا ينام الليل ولا النهار إلا النزر اليسير، ويقول: إذا نمت بالنهار ضيعت رعيتي، وإذا نمت بالليل ضيعت نفسي! فكان يتفقد أحوال الرعية، وهو الذي انطلق في يوم شديد الحرارة يجري وراء بعير من إبل الصدقة قد ند وجرى، فخرج عثمان بن عفان ينظر إليه من شرفة بيته، وهو يجري: يا ترى! من هذا الذي خرج في هذا الوقت الشديد الحرارة؟! من هذا الذي يجري على الرمال التي انعكست عليها أشعة الشمس فتكاد الأشعة المنعكسة أن تخطف الأبصار؟! فلما اقترب هذا الذي يجري من عثمان رأى عثمان أن الرجل الذي يجري هو أمير المؤمنين عمر! فقال عثمان: ما الذي أخرجك في هذه الساعة يا أمير المؤمنين؟! لماذا تجري؟! فقال عمر: بعير من إبل الصدقة قد ند يا عثمان وأخشى عليه الضياع، فقال عثمان: فتعال إلى الظل واشرب الماء البارد، وكلف أحد عمالك ليأتي لك بهذا البعير. فقال عمر: عد إلى ظلك ومائك البارد، وهل ستحمل عني وزري أمام الله يوم القيامة؟! إنه الرجل الذي كان يرتجف قلبه أمام كل نعمة، وأمام كل ثوب، وأمام كل لقمة، ويقول لنفسه: ماذا أنت قائل لربك يا عمر؟! يا رافعاً راية الشورى وحارسها جزاك ربك خيراً عن محبيها رأي الجماعة لا تشقى البلاد به رغم الخلاف ورأي الفرد يشقيها إن جاع في شدة قوم شركتهمُ في الجوع حتى تنجلي عنهم غواشيها جوع الخليفة والدنيا بقبضته منزلة في الزهد سبحان موليها فمن يباري أبا حفص وسيرته أومن يحاول للفاروق تشبيهاً يوم اشتهت زوجه الحلوى فقال لها من أين لي ثمن الحلوى فأشريها ما زاد عن قوتنا فالمسلمون به أولى فقومي لبيت المال رديها كذاك أخلاقه كانت وما عهدت بعد النبوة أخلاق تحاكيها إمام عادل: هذا في ظل عرش الله جل وعلا يوم لا ظل إلا ظله. (وشاب نشأ في عبادة الله): أيها الشباب! والله إن من سمع هذا الموضوع اليوم، ووقف مع بعض أهوال يوم الحشر، وعلم علماً يقينياً لا يتسرب إليه شك أن الله جل وعلا سيظله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، نشأ في عبادة الله، وانصرف عن معصية الله، وإن زلت قدمه في معصية تاب إلى الله جل وعلا وأناب؛ لينطبق عليه هذا الوصف: (شاب نشأ في عبادة الله) من علم ذلك من شبابنا أرجو الله أن لا يتأخر لحظة عن طاعة الله سبحانه. أيها الشباب! الطاعة شرف الطاعة عز، فلا عز في الدنيا والآخرة إلا بالطاعة، ولماذا الشاب؟! لأن الشاب تجري دماء الشهوة في عروقه؛ لأن الشاب -لاسيما في سن المراهقة وسن الفتوة- تعصف الشهوة بكيانه عصفاً، ولكنه خوفاً من الله ومراقبة لله يعصم نفسه ويحارب شهواته، ويحارب نفسه الأمارة خوفاً من الله وإجلالاً له وطاعة له، ولذا كافأ الله هذا الشاب الطائع، التقي، النقي، الطاهر الذي نشأ منذ نعومة أظافره يعبد الله، ويطيع الله، ويؤدي الصلاة، ويحفظ حقوق الله، ويمتثل أوامره ويجتنب نواهيه ويقيم حدوده، يكافئ الله هذا الشاب فيظله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله. أسأل الله أن يمن على شباب الأمة بالهداية، وأن يوفقهم إلى الطاعة، وأن يظلهم في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله. (ورجل قلبه معلق بالمساجد): معنى ذلك: أن قلبه في المسجد، إن صَلَّى الفرض وخرج إلى الدنيا ليسعى على رزقه من الحلال، أو عاد إلى بيته وأولاده، يخرج من المسجد وقلبه مشتاق أن يرجع إلى المسجد مرة أخرى، فهو متعلق بالمسجد يهوى الجلوس في بيت الله، بل يتمنى أن لو ييسر الله له الوقت ليقضي جُل وقته في بيت الله جل وعلا. فيا أيها المسلم! يا من تقضي الوقت أمام المسلسلات والمباريات والأفلام!! لماذا لا تحرص على أن تقضي هذا الوقت في بيت الله جل وعلا؟! فإن بيت الله سبحانه إن تعلق قلبك به أظلك الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلاَّ ظله. (ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه). إنه الحب لله، (من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان)، وإن آصرة الحب في الله هي أغلى آصرة، وإن رابطة الحب في الله هي أغلى رابطة، بل إن أحببت أخاً لك في الله لا من أجل دنيا ولا من أجل منصب ولا من أجل رئاسة، إن أحببت أخاً لك في الله ﵎ اسمع ما هي النتيجة: يقول الله سبحانه يوم القيامة -والحديث في الصحيحين-: (أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي). وأشهد الله أنني أحبكم جميعاً في الله، وأسأل الله أن يجمعنا مع المتحابين بجلاله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله. (ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه) جمعهم الحب في الله ولم يتفرقا إلا على الحب في الله. (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال -أي: للزنا- فقال: إني أخاف الله): تذكر الله جل وعلا، وراقب الله سبحانه، وامتنع عن هذه الكبيرة خوفاً من الله جل وعلا، هذا يظله الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله. (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه): خلى بنفسه، قام من الليل، وجلس يصلي أو يذكر الله فلما امتلأ قلبه بهيبة الله وبعظمة الله، فاضت عيناه بالدموع خوفاً منه وهيبة له سبحانه. (عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله). فهذا الرجل الذي فاضت عينه بالدموع خوفاً من الله وخشية لله، من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

стр. 1529

حضارة العبيد إن الناظر إلى الحضارة العالمية اليوم بقيادة الرجل الغربي يرى البون الشاسع والفرق الواضح بين حضارة الإسلام وبين هذه الحضارة المتعفنة، بل لا يجد وجهاً للمقارنة فشتان ما بين الثرى والثريا شتان بين حضارة العبيد وبين حضارة الأحرار الأطهار، فقد اعتمد الغرب الكافر في حضارته اليوم على الجانب المادي، متناسياً ومجانباً للجانب الروحي، ولا قوام لأي حضارة إلا بهذين العنصرين معاً.

стр. 1530

كلمات لها مغزى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وطبتم جميعاً وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسال الله جل وعلا الذي جمعني وإياكم في هذا الجمع المبارك على طاعته، أن يجمعني وإياكم في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! (إنها حضارة العبيد) هذا هو عنوان لقائنا مع حضراتكم في هذا اليوم الكريم المبارك، فأعيروني القلوب والأسماع؛ فإن هذا الموضوع في هذه الأزمة الحرجة التي تمر بها أمتنا من الأهمية بمكان، وسوف ينتظم حديثي مع حضراتكم تحت هذا العنوان في العناصر التالية: أولاً: كلمات لها مغزى. ثانياً: حضارة العبيد. ثالثاً: حضارة الإسلام والإنسانية الواحدة. رابعاً: حضارة الإسلام والأخلاق الفريدة الفذة. خامساً: حضارة الإسلام والرفق بالحيوان. وأخيراً: أمانة أطوق بها الأعناق. أخي! أعرني قلبك وسمعك فإن هذا الموضوع في هذا الظرف الحرج من الأهمية بمكان. أولاً: كلمات لها مغزى: أستهل بها الحديث عن هذا الموضوع الخطير الهام، وأقول: لا حاضر لأمةٍ تجهل ماضيها، ولا مستقبل لأمة تنسى فضائلها، وإذا كان الوقوف أمام الماضي للبكاء والنحيب عليه هو شغل الفارغين العاطلين التافهين، فإن ازدراء الماضي بكل ما فيه من خير ونور هو شأن الحاقدين والجاهلين!! ومن السفه أن تنطلي علينا الآن خطط الأعداء الذين حاولوا بكل سبيل أن يحولوا بين أجيال الأمة المعاصرة وبين الماضي المشرق المجيد؛ حتى لا تستمد الأجيال من الماضي المجيد المشرق نوراً يضيء لها طريق المستقبل، وشعلة توقد دروب الحياة، ودماء تتدفق في عروق المستقبل والأجيال. إن كل أمة من أمم الأرض تعتز بماضيها، ولو كان أسود مظلماً كظلام الليل، وتعقد له الاحتفالات، بل وتمنح أبناءها في الوظائف الرسمية العطلات والإجازات لذلك، وإن أحق أمم الأرض بهذا الاعتزاز والفخار بجدارة واقتدار، بل وبشهادة العزيز الغفار، هي أمة نبينا المختار، قال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]. فَكّرْ جيداً -أيها الحبيب! - في هذه الكلمات؛ لتعلم أنه من الخطر العظيم أن يحال بين ماضينا المشرق وبين مستقبلنا، أسأل الله أن يجعله مستقبلاً زاهراً للإسلام والمسلمين.

стр. 1531

حضارة العبيد ثانياً: حضارة العبيد: نعم. إنها حضارة العبيد، إنها الحضارة الخاوية الروح إنها الحضارة التي يمتطي جوادها الآن الرجل الغربي؛ ليسوم البشرية كلها سوء العذاب، فلقد شهدت البشرية اليوم في ظل حضارة العبيد من الوحشية ما لا يمكن على الإطلاق أن تجسده كلمات قواميس اللغة!! إن البشرية الآن تشهد من صنوف الوحشية والبربرية في ظل حضارة الرجل الغربي الذي تقدم ليقود العالم كله في ظل تأخر أمة القيادة، تشهد البشرية اليوم من صنوف الوحشية والبربرية والهمجية على يد الرجل الغربي ما تخجل الوحوش الضارية أن تفعله ببعضها في عالم الغابات. ليست مبالغة، وما عليك إلا أن تنظر إلى الواقع المرير للبشرية المنكودة التي حادت عن منهج ربها ومنهج نبيها ﵌.

стр. 1532

أمثلة حية تجسد حضارة الإسلام جاء في الصحيحين: أن امرأة شريفة من بني مخزوم سرقت، فغضبت قريش وحزنت لأن الرسول ﷺ سوف يقيم عليها الحد ويقطع يدها، فقالوا: لا، لابد أن يشفع أحد عند رسول الله في هذه المرأة الشريفة حتى لا تقطع يدها فبحثوا: عمن يشفع فقالوا: إنه الحب ابن الحب أسامة بن زيد، فانطلق أسامة بقلب رقيق ليشفع لهذه المرأة المخزومية عند رسول الله ﷺ ، فغضب النبي ﷺ وقال: (أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة؟! وارتقى النبي ﷺ المنبر وهو غاضب وقال: أيها الناس! إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها). إنه التطبيق العملي للمساواة، وللإنسانية الواحدة! وهذا أبو ذر الغفاري، رجل من غفار أبيض اللون، وهذا بلال الحبشي رجل من الحبشة أسمر اللون، وكلاهما من أصحاب رسول الله الأخيار، حدث بينهما خلاف واحتد الخلاف، فنظر أبو ذر لـ بلال وقال له: يا ابن السوداء! فغضب بلال، وأنطلق إلى سيد الرجال ﷺ ، فأخبره بما قال أبو ذر، فغضب النبي ﷺ غضباً شديداً، والتفت إلى أبي ذر ﵁ وقال: (أعيرته بأمه؟! إنك امرؤ فيك جاهلية) -والحديث في الصحيحين- فندم أبو ذر وبكى. انظر إلى هذا الأفق الوضيء، وإلى هذه القمة السامقة التي جسدت هذا الندم حينما وضع أبو ذر خده على الأرض، واستحلف بلالاً ﵁ أن يطأ بنعله على خده الآخر. إنه الإسلام، إنها الحضارة الإسلامية!! أيها الأحبة: لو استطردت في ذكر هذه الأمثلة لطالت الوقفة جداً، واسمحوا لي أن أُذَكِّر أيضاً بهذا المشهد، وتمنيت أن لو سمعه كل زعماء الغرب الفجرة، إنه عمر، وما أدراكم ما عمر؟! عمر بن الخطاب الذي رأى قافلة تدنو من المدينة في الليل، فقال لـ عبد الرحمن بن عوف: يا عبد الرحمن! هل لك في أجر الليلة؟ قال: ماذا تريد يا أمير المؤمنين؟ فقال: تعال بنا لنحرس هذه القافلة الليلة!! يقول هذا وهو أمير المؤمنين!! فليسمع العالم كله، ولتسمع الحضارة الغربية الكاذبة هذه النّزعة الإنسانية الفريدة!! ويقوم عمر وعبد الرحمن بن عوف يصليان ويحرسان، وفجأة سمع عمر بكاء صبي في القافلة، فدنا عمر من صوت بكاء الصبي، ثم نادى على أم الصبي وقال: اتق الله وأحسني إلى صبيك. طفل يبكي فيحرك قلب الحاكم طفل يبكي عند أمه وهي أقرب الناس إليه فيتحرك له قلب أمير المؤمنين. قلب حاكم الدولة يتحرك لبكاء طفل بين أحضان أمه، لا أقول: بين أحضان القنابل والطائرات والدبابات والرشاشات والغابات، بل بين أحضان أمه! فيقترب عمر ويقول: اتق الله وأحسني إلى صبيك، ثم ينصرف لصلاته، وبعد فترة يسمع بكاء الصبي مرة ثانية، فيدنو عمر من الأم ويقول: اتق الله وأحسني إلى صبيك، ثم يرجع إلى صلاته، وفي المرة الثالثة يسمع بكاء الصبي فيرجع إلى المرأة ويقول: اتق الله وأحسني إلى صبيك فإني أراك أم سوء، فقالت: يا عبد الله! لقد أبرمتني منذ الليلة -أي: لقد أزعجتني، وهي لا تعرف من تخاطب- إنني أفطم الولد عن الثدي كرهاً، فقال عمر: ولم تستعجليه؟ فقالت: لأن عمر بن الخطاب لا يبرم عطاءً إلا لمن فطم عن الرضاعة، فبكى عمر، وانخلع قلبه لهذه الكلمة، وعاد يجر ثوبه وهو يبكي. يقول عبد الرحمن بن عوف: فما سمع أحد منه قراءة -أي: ما عرف الناس قراءته- في صلاة الفجر من شده بكائه فلما فرغ من صلاته قبض على لحيته وبكى وقال: ويل لـ عمر يا بؤساً لـ عمر كم قتلت يا عمر من أطفال المسلمين؟! كم قتلت يا عمر من أطفال المسلمين؟! فلتسمع الدنيا فليسمع قادة الغرب وليسمع قادة المسلمين. ثم يأمر عمر بن الخطاب المنادي أن يمشي بين الناس ويقول: لا تستعجلوا صبيانكم على الفطام، فإنا نبرم العطاء لكل من ولد في الإسلام منذ أول يوم! إنها عظمة الإسلام إنها الإنسانية الفذة! إنها صورة سامقة مهما أوتيت من البلاغة والفصاحة فلن أستطيع أن أجسد لحضراتكم هذه النّزعة الإنسانية التي جاءت بها حضارة الإسلام، والتي أصَّل قواعدها وأسس بنيانها محمد ﵊، وأكتفي بهذا القدر لأُعَرِّجَ على بقية العناصر في عجالة سريعة بعد جلسة الاستراحة، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 1533

حضارة الإسلام والإنسانية الواحدة أخي! حضارة الإسلام والإنسانية الواحدة، هو العنصر الثالث: إنه الإسلام الإسلام الذي جاء فجعل الناس جميعاً سواسية بين يدي الله ، لا عصبية لراية لا عصبية للون لا عصبية لجنس لا عصبية لوطن، فكلها رايات زائفة في ظل حضارة الإسلام لا أصل لها ولا وجود. جاء الإسلام ليجعل الناس جميعاً بين يدي الله سواء.

стр. 1534

العدل والمساواة في حضارة الإسلام منذ اللحظات الأول رفع الإسلام شعار المساواة، فقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]. الله أكبر! منذ اللحظات الأولى والدين الإسلامي يقول: لا فضل لعربي على أعجمي ويؤصل لهذا الأصل العظيم، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم). وفي الحديث الذي رواه أحمد بسند صحيح والبيهقي في سننه من حديث جابر بن عبد الله قال: (خطبنا رسول الله ﷺ في وسط أيام التشريق خطبة الوداع فقال: أيها الناس! ألا إن ربكم واحد، ألان إن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأسود على أحمر، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى). هذا هو الإسلام الذي يؤصل الإنسانية الواحدة، لا فرق بين لون ولون وجنس وجنس وأرض وأرض إلا بالتقوى والعمل الصالح ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣]. وفي يوم فتح مكة وقف المصطفى ﷺ ليؤصل هذا الأصل العظيم، كما في الحديث الذي رواه الترمذي من حديث أبي هريرة وقال: حديث حسن، ورواه الترمذي كذلك من حديث عبد الله بن عمر وقال: حديث حسن غريب، ولفظ حديث أبي هريرة أنه ﷺ وقف يوم فتح مكة وقال: (أيها الناس! إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وتعاظمها بآبائها، ألا إن أباكم واحد، وإن آدم من تراب، فالناس رجلان: رجل بر تقي كريم على الله، ورجل فاجر شقي هين على الله، وتلا النبي قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣]). لقد جاء الإسلام ليسوي بين بلال الحبشي، وأبي ذر الغفاري، ومعاذ الأنصاري، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، وحمزة القرشي، بل لما افتخر بعضهم بأنسابهم قال سلمان: أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم فلما سمعها عمر بكى رضوان الله عليه، وقام لينشد بيت سلمان وهو يقول: أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم أيها الأحبة: لقد رفع الإسلام سلمان فارس ووضع الكفر الشريف أبا لهب، والسؤال الآن -وأعرني قلبك وسمعك لهذا السؤال-: هل ظلت هذه المبادئ الإنسانية التي جاءت بها حضارة الإسلام حبراً على ورق في أدراج حبيسة؟ هل ظلت حبراً على ورق حبست في أدراج كميثاق حقوق الإنسان في هيئة الرمم؟! أقصد: هيئة الأمم؟ هل ظلت هذه المبادئ السامية حبراً على ورق كميثاق حقوق الإنسان في هيئة الأمم؟ هل ظلت هذه المبادئ التي جاءت بها حضارة الإسلام حبيسة في البلد الذي نادى أول مرة بهذه المبادئ في المدينة المنورة كما حبست فرنسا مبادئ الثورة الحرة -كما زعمت- عن مستعمراتها وبلدانها ورعاياها؟ وهل قامت هذه الحضارة الإسلامية لتجسد هذه المبادئ بتماثيل وأصنام كاذبة فارغة كما فعلت أمريكا بتنصيب تمثال للحرية في وسط ميدان فسيح في نيويورك، يصدم الداخل للمدينة أول مرة؟ إن أمريكا نصبت تمثالاً للحرية وسط ميدان فسيح من ميادينها وخرجت أمريكا خارج أرضها لتلعن الحرية ولتسحق الأحرار الشرفاء الأطهار الأبرار!! هل فعلت حضارة الإسلام هذا؟ لا والله. ما الدليل؟ اقرءوا التاريخ، وشهادة التاريخ أصدق شهادة، ماذا فعل الإسلام ليحول هذه المبادئ إلى منهج حياة وإلى واقع يسمع ويرى في دنيا الناس؟!! ولنستهل الأدلة العملية برائد حضارتنا وأسوتنا وقدوتنا المتجددة على مر الأجيال والقرون، بمحمد ﵌، الذي حول هذه المبادئ والمواثيق الشريفة التي نادى بها على أرض الواقع إلى منهج حياة، يشرق ويتألق سمواً وروعة وجلالاً.

стр. 1535

مقومات الحضارة أيها الأحبة: لابد للحضارة من عنصرين ألا وهما: العنصر المادي، والعنصر الأخلاقي. ونحن لا ننكر ألبتة ما وصلت إليه الحضارة الغربية في عالم المادة، فليس من الإنصاف ولا من التعقل أن ننكر ذلك، بل إننا نثبت ذلك للحضارة الغربية في عالم المادة، ونقر بأن الرجل الغربي قد انطلق بعيداً بعيداً في أجواء الفضاء، وانطلق بعيداً بعيداً في أعماق البحار والمحيطات، وفجَّر الذرة، وصنع القنبلة النووية، وصنَّع القنابل الجرثومية، بل وحوَّل العالم كله إلى قرية صغيرة عن طريق هذا التقدم المذهل في عالم الاتصالات والمواصلات. لا ننكر ذلك أبداً، ولا نتجاهل هذا، ولكننا على يقين جازم أن الحياة ليست كلها مادة، فلو استطاع طائر جبار أن يحلق في أجواء الفضاء بجناح واحد فلن يستطيع أن يواصل طيرانه وتحليقه، وإنما سيسقط حتماً لينكسر جناحه الآخر، وإن طالت مدة طيرانه في هذا الفضاء الفسيح. الحياة ليست مادة فحسب، بل لابد للجانب الأخلاقي من تواجد فعال في هذه الحضارة، فالحضارة المادية التي وصلت إليها الحضارة الغربية ما استطاعت أن ترتقي بالإنسان -ابن هذه الحضارة- إلى طهارة إنسانيته أو إلى وضاءة آدميته، بل ما استطاعت أن توفر لابن هذه الحضارة سعادة البال، وانشراح الصدر، وطمأنينة النفس، بل يقف علماء النفس والطب في حيرة ودهشة أمام هذه الحالات المتزايدة لعدد المصابين بالأمراض النفسية والعصبية، وأمام هذه الحالات الهائلة للانتحار الجماعي في مثل هذه البلاد المتحضرة، التي وصل فيها الإنسان إلى ما وصل إليه في جانب المادة كما تعلمون وكما ترون وتسمعون، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٧]. لقد عجزت الحضارة المادية أن ترتقي بإنسانها -ابن هذه الحضارة الخاوية الروح- إلى السعادة إلى انشراح الصدر إلى راحة الضمير إلى طمأنينة النفس وراحة البال، عجزت؛ لأن الروح لا توزن بالجرام، ولا تقاس بالترمومتر، ولا تخضع للتجارب المعملية في أحد المعامل، فهذه الروح يعجز أي إنسان على هذه الأرض أن يقدم لها المنهج الذي يرقيها ويغذيها، إذ لا يستطيع أن يقدم لهذه الروح منهج صلاحها وفلاحها في الدنيا والآخرة إلا خالق هذه الروح، قال جل وعلا: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤].

стр. 1536

فقدان الحضارة الغربية للعنصر الأخلاقي أيها الأحبة: إن الناظر إلى الحضارة الغربية يجد أنها قد فقدت العنصر الأخلاقي، ومن المعلوم أن سنة الله في تطوير الحياة أن الحضارة اللاحقة حتماً ولابد أن تتفوق على الحضارة السابقة في الجانب المادي، وهذه سنة من سنن الله في تطوير هذه الحياة، فمن العبث أن نطالب الحضارة السابقة بما وصلت إليه الحضارة اللاحقة في جانب التطوير المادي. وأضرب لكم مثالاً ليتضح ما أقول: انظر إلى الكتابة في الماضي السحيق، وانظر الآن إلى الكتابة بعد هذا التطور المذهل في آلات الطباعة الحديثة التي تطبع الآن عشرات الآلاف من الكلمات في الدقيقة الواحدة، فما وصل إليه الغربي الآن إنما هو محصلة لأدمغة وعقول عشرات الأجيال، فمن العبث أن نطالب الحضارة السابقة بما وصلت إليه الحضارة اللاحقة في جانب المادة، لكن محال أن ترتقي حضارة على ظهر الأرض أو أن تدوم بالعنصر المادي فقط، بل إن الحضارة لا تسود ولا تبقى إلا بالعنصر الأخلاقي؛ ليحدث التوازن بين العنصر المادي وبين العنصر الأخلاقي. وارجع البصر مرة ومرة وكرة بعد كرة إلى العنصر الأخلاقي في ظل قيادة الرجل الغربي؛ لتعلم أنها حضارة قد تجردت من الأخلاق، لتعلم أنها حضارة العبيد، يسعد فيها ابن الحضارة الكافرة بأن يجلس لا على كرسي، بل على عظام أخيه الإنسان! يسعد فيها ابن هذه الحضارة لا بشرب كأس من الماء البارد، وإنما بشرب برك دماء لإخوانه هنا وهناك! انظر لتتعرف على حقيقة هذه الحضارة التي تجردت من كل خُلق ومن كل فضيلة! انظر الآن إلى ما يجري على أرض البوسنة، وارجع البصر كرة أخرى إلى ما يجري الآن على أرض الشيشان!! وارجع البصر كرة ثالثة إلى ما يجري الآن على أرض فلسطين!! وارجع البصر كرة رابعة إلى ما يجري الآن على أرض العراق!! وارجع البصر كرة خامسة إلى ما يجرى الآن على أرض كشمير!! وارجع البصر كرة سادسة وسابعة وعاشرة إلى ما يجري الآن في كل مكان وُحِّدَ فيه الملك ﷻ ؛ لترى إلى أي درك دنيء وصلت حضارة الغرب في جانب الأخلاق! لا خلق، لا فضيلة، وإن خرج علينا ابن هذه الحضارة الكافرة بهذه الشعارات الرنانة الجوفاء كحقوق الإنسان، والديمقراطية المشئومة، وحرية المعتقدات، والنظام العالمي والسلام العالمي، إلى آخر هذه الدعاوى الكاذبة التي لم تعد تنطلي الآن إلا على السذج والرعاع. إن هذه الأفعال البشعة تبين بجلاء لكل ذي لب حضارة الغرب في هذه الأيام، رغماً عن أنف الدجل الإعلامي والعهر السياسي الذي يتغنى به قادة الغرب في قاعات المؤتمرات وفي المجالس والهيئات والمنظمات، يتغنى قادة العالم الغربي بهذه الشعارات والواقع يكذِّب هذا الدجل الإعلامي، ويكذب هذا العهر السياسي.

стр. 1537

جراجات المسلمين في ظل الحضارة العالمية الجديدة إخواني في الله: انظروا الآن إلى ما يجري على أرض البوسنة منذ أربع سنوات، لأبين لحضراتكم قيمة هذه الحضارة التي يتغنى بها أولئك وهؤلاء في كل مناسبة. وبدون مناسبة، منذ أربع سنوات قُتِلَ إلى يومنا هذا على أرض البوسنة بمنتهى الوحشية والبربرية ما يزيد على نصف مليون. في ظل حضارة الرجل الغربي اغتصاب جماعي منظم للنساء على أرض البوسنة على مرأى ومسمع من ابن الحضارة الغربية التي يتغنى بها في الليل والنهار!! صرخت المسلمة باسم الإنسانية صرخت في الضمير العالمي كله وقالت: أنا أيها الناس مسلمة طوى أحلامها الأوباش والفساق أخذوا صغيري وهو يرفع صوته أمي وفي نظراته إشفاق ولدي وتبلغني بقية صرخة مخنوقة ويقهقه الأفاق ويجرني وغدٌ إلى سردابه قهراً وتظلم حولي الآفاق ويئن في صدري العفاف ويشتكي طهري وتغمض جفنها الأخلاق أنا لا أريد طعامكم وشرابكم فدمي هنا يا مسلمون يراق عرضي يدنس أين شيمتكم أما فيكم أبِيٌٌّ قلبه خفاق أختاه أمتنا التي تدعينها صارت على درب الخضوع تساق أودت بها قومية مشئومة وسرى بها نحو الضياع رفاق إن كنت تنتظرينها فسينتهي نفق وتأتي بعده أنفاق فمدي إلى الرحمن كف تضرع فلسوف يرفع شأنك الخلاق لا تيأسي فأمام قدرة ربنا تتضاءل الأنساب والأعراق هذا ما يُفعل بالمرأة في ظل الحضارة الغربية!! هذا ما يفعل بالمرأة في ظل النظام العالمي الجديد!! هذا ما يفعل بالمرأة في ظل السلام العالمي الجديد!! هذا ما يفعل بالمرأة على مرأى ومسمع من ابن الحضارة التي يتغنى بحضارته الخاوية الكافرة في الليل والنهار!! حتى الأطفال شهدوا -في ظل حضارة الغربيين- ما لا يمكن لمخلوق على ظهر الأرض أن يجسده، كما ذكرت في خطبة (البوسنة بين الملحمة الصربية والعمرية) أن الأطفال لم يسلموا في ظل حضارة العبيد التي يمتطي جوادها الآن الرجل الغربي اللعين الملعون. حتى الطفل يستخدم الآن على أرض البوسنة كدرع بشري، بمعنى أن يفخخ الأطفال بالألغام، وينادي الصرب الكفرة الفجرة أنهم قد أفرجوا عن مجموعة كبيرة من أطفال المسلمين، فإذا ما وصل الأطفال إلى قواعد البوسنة المسلمة، وخرج القادة وخرج الأهل لاستقبال أطفالهم وأبنائهم، يقوم الصرب عن طريق أجهزة التحكم من بُعد -التي تعرف بالريموت كنترول- بتفجير الألغام التي وضعوها في هؤلاء الأطفال المساكين، فيقتل الأطفال ويقتل كل من خرج لاستقبالهم! في ظل حضارة الغربي اللعين الفاجر الملعون المرأة لم تسلم الشيخ الكبير لم يسلم الطفل الرضيع والصغير لم يسلم، بل قد كانوا يأتون بالأم وينتزعون ولدها الرضيع من صدرها، بل ووالله قد نشرت وكالات الأنباء بالصور أنهم كانوا يبقرون البطون ويخرجون الأجنة من بطون أمهاتهم! ينتزع الطفل من صدر أمه، وتقيد الأم بالأغلال، ويوضع الطفل على النار ليشوى والأم تنظر، فإذا ما انتهى هؤلاء الفجرة من شَيِّهِ أُجبرت الأم تحت تهديد الرصاص أن تأكل من لحم طفلها المشوي. في ظل الحضارة الغربية فعل هذا بالأطفال، وقتلوا أربعين ألف طفل، وشردوا مائة ألف طفل إلى مخيمات اللاجئين الكنسية في زغرب في مقدونيا، وفي ألبانيا، وأوروبا كلها. أخي! فكر الآن في طفلك، فكر في ولدك لتشعر بما أقول. أطفالنا ناموا على أحلامهم وعلى لهيب القاذفات أفاقوا يباع الطفل المسلم الآن في أوروبا بمائة دولار فقط. تشهد أوروبا الآن أبشع تجارة رقيق للأطفال في التاريخ كله، بل يستخدم الطفل الآن كفأر تجارب في معامل قلعة الكفر أمريكا وإنجلترا وهولندا في هذه الدول التي تتغنى بالحضارة المكذوبة الكافرة الفاجرة يستخدم الطفل كفأر تجارب! أطفالنا ناموا على أحلامهم وعلى لهيب القاذفات أفاقوا أطفالنا بيعوا وأوروبا التي تشري ففيها راجت الأسواق أين النظام العالمي أما له أثر ألم تنعق به الأبواق أين السلام العالمي لقد بدا كذب السلام وزاغت الأحداق يا مجلس الأمن! بل يا مجلس الرعب يا مجلس الخوف الذي في ظله كسر الأمان وضيع الميثاق أو ما يحركك الذي يجرى لنا أو ما يثيرك جرحنا الدفاق يعفى عن الصرب الذين تجبروا ويفرد بالعقاب عراق وحشية يقف الخيال أمامها متضائلاً وتمجها الأذواق إنها ورب الكعبة حضارة العبيد بكل المقاييس!! أين هذه الحضارة التي يفعل الإنسان في ظلها بأخيه الإنسان ما تستحي الوحوش الضارية أن تفعله ببعضها البعض في عالم الغابات؟! هل نسيتم ما فعله ابن هذه الحضارة بقنبلته النووية في هيروشيما وناجازاكي؟ هل نسيتم ما يفعله ابن هذه الحضارة في قلعة الكفر أمريكا بالزنوج السود؟! وليست أحداث لوس أنجلوس من أحد ببعيد. هل نسيتم ما يفعله ابن هذه الحضارة في كل مكان بأخيه الإنسان؟! من أجل ماذا؟ من أجل التطهير العرقي! من أجل ماذا؟! من أجل اللون!! من أجل العقيدة! من أجل الدين!! هذا ما يفعله الإنسان الآن بأخيه الإنسان في ظل قيادة الرجل الغربي!! إنها -يا إخوة! - حضارة العبيد، ولا أريد أن أتوقف طويلاً مع هذا العنصر فإن الجراح دامية، ولكن تعال معي لنبين لهؤلاء الذين يخشون الإسلام، ويخافونه، بل ويستحي أحدهم أن يعلن أنه مسلم، أو أن يذكر في مؤتمر من المؤتمرات لفظة إسلام أو آية قرآن، أو حديثاً عن النبي ﵊، وكأن الإسلام ليس إلا دين التطرف والإرهاب، بل إني والله أعجب حينما تحدث مصيبة في أي موقع أو أي مكان فإذا بها تنسب إلى الإسلام والمسلمين والمتطرفين والإرهابيين. كنت أتوقع يوم أن حدثت أحداث لوس أنجلوس في أمريكا أن يقولوا بأن الذي فجر هذه الأحداث هم الإرهابيون والمتطرفون!! كنت أتوقع يوم أن وقع الزلزال في مصر أن يقولوا بأن الذي أحدث الزلزال هم الإسلاميون والإرهابيون والمتطرفون! وكنت أتوقع إذا حدثت أي مصيبة -ولا زلت- أن تلصق المصيبة والتهمة بالإسلام بالإرهابيين بالمتطرفين!! وإذا أردت أن تتحقق من صدق ذلك -فإني لست مبالغاً ولا مهولاً- ما عليك الليلة إلا أن تجلس أمام مسلسل فاجر من المسلسلات التي يعزف على وترها إعلامنا الوقور الحيي الذي يحارب التطرف والإرهاب لترى السخرية لا بالمتطرف والمتطرفين ولا بالإرهاب والإرهابيين، إنما بسنة سيد النبيين، وأنتم جميعاً تشاهدون وتسمعون وتقرءون!! إنه الواقع المر الأليم!! والله لو علمتم عظمة الإسلام وحقيقته وعدالته؛ لمنحتم الدعاة الصادقين الجوائز والمكافئات لينطلقوا وليعلموا الناس جميعاً في الشرق والغرب -بعد بلاد المسلمين- حقيقة هذا الإسلام.

стр. 1538

الحضارة الإسلامية والنزعة الأخلاقية الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الأحبة! عنصرنا الرابع من عناصر هذا اللقاء: الحضارة الإسلامية والنّزعة الأخلاقية، وستعجب إذا قلت لك أيها الحبيب: إن الإسلام كان فريداً في أخلاقه حتى عَلَى أرض المعارك وفي ميادين الحروب، مع أن رؤية الدم تثير الدم، ومع أن القتال يثير الحمية في النفوس والانتقام، وبالرغم من ذلك كله أقول: إن الإسلام كان فريداً في أخلاقه حتى في ميادين القتال والحروب الله أكبر. (يغضب النبي حينما يرى امرأة قد قتلت في الميدان، ويأمر الصحابة ألا يفعلوا ذلك)، ويأمر الصديق جيش أسامة ويقول: لا تقتلوا شيخاً، ولا امرأة، ولا رجلاً تفرغ للعبادة في صومعته، ولا تقطعوا شجرة، ولا تذبحوا بقرة إلا للأكل. هذه مُثُلُ الإسلام حتى في عالم الحروب والمعارك. بل ولا يعلم التاريخ أحداً فُعلَ به من الأذى والاضطهاد ما فُعلَ في نبينا محمد ﷺ أوذي في مكة وضع التراب على رأسه وضعت النجاسة على ظهره خنق حتى كادت أنفاسه أن تخرج طرد من بلده حرم من بيته وماله أوذي أصحابه أشد الإيذاء، وبالرغم من ذلك، وبعد أن ترك بلده ووطنه وهاجر إلى المدينة ما تركه المشركون حتى في المدينة، بل جردوا عليه السيوف ورفعوها، ولما عاد النبي ﷺ منتصراً في يوم فتح مكة، ووقف أهل مكة جميعاً بين يديه، قال لهم صاحب الخلق: (ماذا تظنون أَنِّي فاعل بكم؟! قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: أقول لكم ما قاله أَخِي يوسف لإخوته: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف:٩٢]، اذهبوا فأنتم الطلقاء)، وللأمانة العلمية أقول: إن هذا الحديث ضعيف. سبحان الله! حتى في هذه الأوقات الحرجة؟! انظروا إلى أخلاق النبي ﷺ : (عاد النبي ﷺ من الطائف بعد أن رمي بالحجارة وطرد، وفعل به أهل الطائف أبشع ما يفعله الإنسان بأخيه الإنسان، ونزل إليه ملك الجبال وقال له: مرني بما شئت يا رسول الله -فماذا قال صاحب الخلق في هذه الأوقات التي قد يميل القلب فيها إلى التشفي والانتقام، إذ إن الإنسان يشعر بالظلم- فقال: إني لم أبعث لعاناً ولا فحاشاً، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون). وطبق الصحابة والمسلمون هذه المبادئ أعظم تطبيق شهدته الأرض وعرفه التاريخ. انظروا ماذا فعل المسلمون يوم أن امتدت الفتوح الإسلامية إلى بلاد سمرقند في عهد عمر بن عبد العزيز، وأرسل حاكم سمرقند رسالة إلى قاضي القضاة يخبره بأن الفتح الإسلامي لسمرقند فتح باطل؛ لأنهم دخلوا عليهم عنوة، ولم يفرضوا عليهم جزية، ولم ينذروهم بالقتال، وأرسل قاض القضاة إلى عمر بن عبد العزيز ليخبره بذلك، فما كان من عمر ﵁ إلا أن أمر قائد الجيوش في سمرقند بالانسحاب فوراً، ولما علم أهل سمرقند أن الجيش قد انسحب بأمر أمير المؤمنين عمر، خرج أهل سمرقند عن بكرة أبيهم بين يدي الجيش الفاتح المنتصر؛ ليعلنوا جميعاً شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. تاريخ الحروب الإسلامية تاريخ مشرف، فليقرأ الناس التاريخ، وليقفوا جميعاً أمام عبر هذا التاريخ، وأنتم تعلمون ما فعله صلاح الدين بالصليبيين، وتعلمون أنه قدم طبيبه الخاص في أرض المعركة لقائد الحملة الصليبية، لما سمع أنه مريض ولا يوجد من يبذل له الدواء والعلاج، فأرسل له صلاح الدين طبيبه الخاص ليبذل له الدواء والعلاج. ولما صرخت امرأة نصرانية، ورمت بنفسها على خيمة صلاح الدين في الليل، سألها ما الخبر؟ فأخبرته أن أحد أفراد الجيش قد أخذ ولدها، فأمر صلاح الدين أن يرد الجيش -بأي سبيل- هذا الطفل، ولم يهدأ حتى اطمأن بنفسه أن المرأة قد رد إليها طفلها. وتعلمون ما فعله محمد الفاتح بالنصارى الصليبيين في كنيسة -آيا صوفيا- حينما فتح القسطنطينية، فعل ما سيقف التاريخ أمامه وقفة إعزاز وإجلال وإكبار. اقرءوا التاريخ لتعرفوا ما فعله هؤلاء الأطهار الأبرار حتى في المعارك والحروب والميادين. لقد ضرب الإسلام أروع الأمثال في السماحة حتى في أرض المعارك التي تثير فيها رؤية الدم الدماء، وينتشي القادة الفاتحون بسكرة النصر للتشفي والانتقام، ولكن هذا لم يحدث في ظل حضارة الإسلام التي أصل أصولها وأسس بنيانها محمد ﵊.

стр. 1539

حضارة الإسلام والرفق بالحيوان وهنا نأتي إلى حضارة الإسلام والرفق بالحيوان، فحتى الحيوان لم يغفل عنه الإسلام، وقبل أن تتغنى أوروبا وأمريكا بجمعيات الرفق بالحيوان أَصل الإسلام أصول الرفق بالحيوان، ففي الصحيحين من حديث أبى هريرة أن النبي ﵌ قال: (دخلت امرأة النار في هرة لا هي أطعمتها ولا هي تركتها لتأكل من خشاش الأرض) أي: حبستها حتى ماتت فدخلت النار من أجلها. وقبل أن تتغنى أوروبا وأمريكا بالرفق بالحيوان، جاء في الصحيح: (أن بغياً -امرأة زانية- من بغايا بني إسرائيل مرت على بئر فشربت منه، ثم مر عليها كلب يلهث يأكل الثرى من شدة العطش، فقالت: لقد وقع العطش بهذا الكلب مثل ما وقع بي، فعادت البغي إلى البئر فملأت موقها -أي: خفها- ماء وقدمت إلى الكلب فشرب، فغفر الله لها بذلك غفر الله لها) من أجل كلب. وأنا أقول: أيها الأحبة: إذا كانت الرحمة بالكلاب تغفر الخطايا للبغايا، فكيف تصنع الرحمة بمن وحد رب البرايا؟!!

стр. 1540

أمانة أطوق بها الأعناق وأخيراً أيها الأحبة! فهذه أمانة أطوق بها الأعناق أطوق بها الأعناق، أطوق بها أعناق حكامنا أطوق بها أعناق علمائنا أطوق بها أعناق المسلمين والمسلمات في كل مكان أن يظهر حكامنا هذا الإسلام وحقيقته بعدم محاربته بعدم الصد عن سبيل الله، وأن يعلنوا للعالم كله -إذ إن القضية في أيديهم في المقام الأول- حقيقة الإسلام، وأنا أتألم أشد الألم حينما أرى حكام المسلمين في كل مؤتمر من المؤتمرات، بمناسبة وبدون مناسبة، لا يتكلمون إلا عن التطرف والإرهاب. إذاً: ستوصمون أنتم أمام الغربيين بذلك، فدعوكم من هذه النغمة الممجوجة، وبينوا للعالم كله حقيقة الإسلام، وعظمة الإسلام، وعدالة الإسلام، ورحمة الإسلام، وإن وقع من بعض المسلمين بعض الأخطاء فلا ينبغي أبداً أن نركز المجاهر المكبرة على هذه الأخطاء؛ لنعلق على هذه الشماعة الظلم السياسي، والظلم الاجتماعي، والاستبداد الأخلاقي، والفساد الطبقي: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم:٢٢]. سبحان الله! هذه الأفعال تمارس في كل ساعة على خشبة المسرح العالمي، فأين أنتم من التطرف اليهودي في فلسطين؟!! أين أنتم من التطرف الصربي في البوسنة؟!! أين أنتم من التطرف الوثني الشيوعي في الشيشان؟! أين أنتم من التطرف الوثني البقري في كشمير؟!! أين أنتم من التطرف في طاجكستان في الصومال في كل مكان؟! لا ينبغي أن تركز المجاهر المكبرة على بعض الأخطاء التي قد يقع فيها بعض الشباب، وإنما ينبغي أن نفتح صدورنا لهؤلاء الشباب، وأن يفسح المجال للعلماء المخلصين والدعاة الصادقين ليبينوا الحق لهؤلاء الشباب وليأخذوا بأيديهم إلى ما جاء به الإسلام من عظمة وخلق وعدل ورحمة. هذه أمانة أطوق بها أعناق العلماء: يا علماء الأمة! أنتم مشاعل الهداية، إننا في وقت لا وقت فيه ولا مجال فيه للنفاق ولا للتملق ولا للمداهنة، ولو دامت الكراسي لأحد ما وصلت إليكم. إن الكراسي زائلة، وإن المناصب فانية، وإن أعظم خدمة الآن تقدمونها لدين الله أن تصدقوا الحكام النصيحة، وأن تبذلوا النصيحة الصادقة بأدب. نعم بأدب، فنحن لا نخرج عن قواعد الأدب، بل بأدب وبإجلال وبتواضع واحترام، فلا ينبغي أن تجترنا عنتريتنا على المنابر أو هنا أو هناك لنسفه هذا أو ذاك، لا أبداً، إنما أقول: نبذل النصيحة -أيها العلماء- لهؤلاء الحكام بأدب وإخلاص وبصدق، فإن الوقت لا مجال فيه ألبتة للتملق ولا للمداراة ولا للمداهنة. وأنتم أيها المسلمون! اشهدوا لهذا الإسلام بسلوككم بأخلاقكم بأعمالكم كفانا خطباً، إن الإسلام لن نعيده للأرض بالخطب الرنانة، ولا بالمواعظ المؤثرة، إنما أنت أيها المسلم، وأنت أيتها المسلمة، حولوا الإسلام إلى الواقع، انقلوا الإسلام من المساجد إلى كل مناهج ومناخ الحياة، فلير العالم كله كيف أن المسلمين قد ارتقوا بإسلامهم، إذ إن العالم يحكم الآن على الإسلام من خلال واقعكم أنتم أيها المسلمون، فليشهد الطبيب لإسلامه، وليشهد المهندس لإسلامه، وليشهد العالم لإسلامه، وليشهد الموظف لإسلامه، وليشهد المدرس لإسلامه، ولتشهد المرأة لإسلامها، لابد أن نحول الإسلام في حياتنا كلها إلى منهج حياة وإلى واقع يتحرك في دنيا الناس. اللهم رد الأمة إليك رداً جميلاً اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأعل بفضلك كلمة الحق والدين اللهم أقر أعيننا بنصرة التوحيد والموحدين اللهم احمل المسلمين الحفاة، واكس المسلمين العراة، وأطعم المسلمين الجياع. اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع المبارك ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا ثبته، ولا حاجة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين! اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً ولا تجعل فينا ولا منا ولا معنا شقياً ولا محروماً. اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى! اللهم ألف بين قلوبنا، ووحد بين صفوفنا! اللهم إنا نسألك النصرة والعزة والتمكين لإخواننا اللهم انصر المجاهدين في كل مكان اللهم انصر المجاهدين في كل مكان اللهم انصر المجاهدين في كل مكان اللهم شتت شمل الصرب يا قوي يا متين! اللهم سلط الكروات على الصرب، وسلط الصرب على الكروات، وأخرج أهل البوسنة والمسلمين من بينهم سالمين غانمين برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نشكو إليك خيانة الخائنين اللهم إنا نشكو إليك خيانة الخائنين وإجرام المنافقين المجرمين. اللهم ارفع مقتك وغضبك عن الأمة يا أرحم الراحمين! اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، لا إله لنا سواك فندعوه، ولا رب لنا غيرك فنرجوه يا منقذ الغرقى! ويا منجي الهلكى! ويا سامع كل نجوى! يا عظيم الإحسان! ويا دائم المعروف! يا غياث المستغيثين! ويا مفرج الكرب عن المكروبين! ويا كاشف الهم عن المهمومين! فرج الكرب عن أمة سيد النبيين. اللهم فرج كرب أمة سيد النبيين اللهم فرج كرب أمة سيد النبيين، وردها إلى الحق رداً جميلاً يا أرحم الراحمين! اللهم ارفع عن مصر الغلاء والوباء والبلاء! اللهم لا تحرم مصر من التوحيد والموحدين برحمتك يا أرحم الراحمين! أيها الأحبة! هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو لحن أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.

стр. 1541

أسير في قيد دروس وعبر الرفق والإحسان إلى الخلق له تأثير عجيب في الدعوة إلى الله ، وما ذاك إلا لأن المقصود بالدعوة رحمة الناس والإشفاق عليهم، وقد تجلى ذلك صريحاً في دعوة النبي ﷺ ، فبرفقه ورحمته دخل الناس في دين الله أفواجاً، والوقائع التي تشهد لذلك يصعب حصرها، ومن تلك الوقائع قصة إسلام ثمامة بن أثال ﵁.

стр. 1542

الدروس والعبر المستفادة من قصة أسر ثمامة بن أثال إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة؛ فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً. وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! (أسير فى القيد دروس وعبر) هذا هو عنوان لقائنا هذا، وسوف أركز الحديث تحت هذا العنوان في العناصر التالية: أولاً: الرفق والإحسان إلى الناس يُحوِّلانِ البغض إلى حب. ثانياً: سيرة حافلة بالدروس والعبر. ثالثاً: عودة واجبة. فأعيرونى القلوب والأسماع. والله أسأل أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

стр. 1543

عظيم أثر الرفق والإحسان في الدعوة إلى الله أولاً: الرفق والإحسان إلى الناس يحولان البغض إلى حب. أحبتي في الله! روى البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ خيلاً قِبل نجد -أي: أرسل النبي ﷺ سرية عسكرية استطلاعية ناحية نجد -وكانت هذه السرية بقيادة محمد بن مسلمة - فجاءت هذه السرية برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة، فربط هذا الرجل في سارية من سواري المسجد -أي: عمود من أعمدة المسجد- وهم لا يعرفونه، وثمامة قيل من أقيال العرب، وسيد من أسياد العرب، وشريف من أشرافهم، أسروه وهو في طريقه إلى العمرة، ولكن كان على الشرك بالله جل وعلا، وأدخلوه إلى المسجد، وربطوه في عمود من أعمدة المسجد النبوي، فلما دخل النبي ﷺ رآه فعرفه، وفى رواية ابن هشام: قال النبي ﷺ لأصحابه: (ألا تعرفون هذا؟! إنه ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة) وأمر النبي ﷺ أصحابه أن يحسنوا إليه. وفي رواية الصحيحين: أن النبي ﷺ خرج إليه فقال: (ماذا عندك يا ثمامة؟! قال: عندي خير يا محمد! إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه النبي ﷺ ، فلما كان الغد خرج عليه النبي ﷺ فقال: ماذا عندك يا ثمامة؟! قال: عندي ما قلت لك: إن تقتل تقتل ذا دام، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه النبي ﷺ حتى إذا كان بعد الغد خرج عليه النبي ﷺ وقال: ماذا عندك يا ثمامة؟! فقال: عندي ما قلت لك: إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فقال النبي ﷺ : أطلقوا ثمامة) أي: لا نريد مالاً ولا نريد شيئاً. فأطلقه أصحاب النبي ﷺ ، فانطلق ثمامة إلى نخل قريب من المسجد النبوي فاغتسل، وعاد إلى المسجد، ورفع صوته وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، والتفت إلى النبي ﷺ وقال: (يا رسول الله! والله ما كان على الأرض وجهٌ أبغض إليّ من وجهك، فقد أصبح وجهُك أحب الوجوه إليّ، والله ما كان على الأرض دين أبغض إليّ من دينك، فقد أصبح دينك أحب الدين إليّ، والله ما كان على الأرض بلد أبغض إليّ من بلدك، فقد أصبح بلدك أحب البلاد إليَّ، ثم قال: يا رسول الله! لقد أخذتني خيلك وأنا أريد العمرة فبماذا تأمرني؟ فبشره النبي ﷺ ، وأمره أن يعتمر. قال الحافظ ابن حجر: بشره بخيري الدنيا والآخرة، أو بشره بالجنة، أو بشره بتكفير سيئاته؛ لأن الإسلام يهدم ما كان قبله. فلما دخل مكة قال له قائل: أصبأت يا ثمامة؟! أي: هل تركت دين آبائك وأجدادك وتبعت محمداً على دينه؟! فقال: لا، ولكني أسلمتُ مع محمد رسول الله، ثم التفت إليهم وقال: والله! لا تأتيكم من اليمامة حبةُ حنطةٍ -أي حبة قمح- حتى يأذن فيها رسول الله! وفي رواية ابن هشام: أن ثمامة لما وصل بطن مكة رفع صوته بالتلبية، فكان أول من لبى وجهر بالتلبية في مكة، فلما رأى المشركون رجلاً يتحداهم بهذه الصورة العلنية الجريئة قالوا: من هذا الذي يجترئ علينا ويرفع صوته بالتلبية في بلادنا وديارنا ويردد الكلمات التي يُعَلِمُهَا محمدٌ لأصحابه؟! فانقضوا عليه، وأرادوا أن يضربوا رأسه، فقال أحدهم: ألا تعرفون من هذا؟! إنه ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة، وأنتم تحتاجون إلى اليمامة في طعامكم، فخلوا سبيل الرجل، فالتفت ثمامة إليهم وقال: والله! لا تأتيكم حبة حنطة من اليمامة إلا بإذن رسول الله ﷺ ! وفي هذا قال بعض بني حنيفة: ومنا الذي لبى بمكة معلناً برغم أبي سفيان في الأشهر الحرم أيها الأحبة الكرام! إنه مشهد بالغ الروعة، وأنا اعترف بداية أنني أعجز عن أن أصور روعته وعظمته وجلاله، فرسول الله ﷺ هو الرحمة المهداة والنعمة المسداه، لا للموحدين فحسب بل للمشركين وللعالمين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]. قال ابن عباس ﵄: (رسول الله رحمة للبار والفاجر، فمن آمن به تمت له النعمة، وتمت له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن كفر به أمن من عذاب الدنيا حتى يلقى الله في الآخرة، مصداقاً لقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال:٣٣]). وتدبر هذا الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن عائشة قالت: يا رسول الله! هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟! فقال المصطفى ﷺ : (لقد لقيت من قومك ما لقيت يا عائشة! وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال) وهو شريف من أشراف أهل الطائف، ولكنه رفض دعوة النبي ﷺ ، وسلط الصبيان والسفهاء على الحبيب، فرموه بالحجارة حتى سالت الدماء من جسده الطاهر، (فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب) وهو مكان يبعد عن الطائف بما لا يقل عن خمسة كيلو مترات، (فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا به عليك، ولقد أرسل الله إليك ملك الجبال؛ لتأمره بما شئت فيهم يا رسول الله! فناداني ملك الجبال فسلم عليّ وقال: يا رسول الله! لو أمرتني أن أطبق عليهم الأخشبين لفعلت. فقال المصطفى: لا، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً)، وفي رواية مسلم لما قيل له: ادع على المشركين. قال: المصطفى ﷺ (إني لم أبعث لعاناً، وإنما بعثت رحمة). أيها المسلمون! تدبروا كيف حَوَّل الرفق والإحسان البُغض المتأصل في قلب ثمامة إلى حب جياش فياض!!. ثمامة بن أثال دبر لاغتيال النبي ﷺ ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة خرج إلى مكة ليعتمر قائلاً: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك! فأبى الله جل وعلا إلا أن يلبي تلبية الموحدين، فسبحان من بيده القلوب يحولها كيف يشاء! قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٤]. ثمامة أُسر ورُبط في المسجد، وقد ترجم عليه البخاري باباً يُجوّز فيه أن يدخل المشرك إلى المسجد، وأبى النبي ﷺ إلا أن يظل ثمامة فى المسجد النبوي؛ ليرى ثمامة بعينيه، وليسمع بأذنيه عظمة هذا الدين ليرى النبي بنفسه، وليسمع كلام النبي، وليرى أخلاقه، فلما رأى ثمامة رفق النبي ﷺ وإحسانه وأخلاقه؛ تحول البغض في قلبه إلى حب فياض، فهو الذي قال: (والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي!). أيها المسلمون! لابد من أن نعي هذا الدرس، ونعلم أن العنف يهدم ولا يبني، والشدة تفسد ولا تصلح، وأن الرفق والإحسان إلى الناس هو الذي يحول البغض فى القلوب إلى محبة صادقة فياضة، فما أحوجنا إلى أن نعي هذا الدرس! قد يأتي شاب شرح الله صدره للالتزام فيعفي اللحية، ويقصر الثوب، ويحافظ على مجالس العلم، ولا زال أبوه بعيداً عن طريق الله، ولا زالت أمه بعيدة عن طريق رسول الله ﷺ ، فيجعل هذا الشاب من البيت حريقاً محرقاً مدمراً، يسيء إلى والده، يسيء إلى أمه، ويسفه أباه، ويحتقر أمه، ويضرب إخوانه، يسيء إلى أخواته! فيظن أهل البيت أن الالتزام نار مشتعلة، وأن الالتزام سوء أخلاق وأدب، وأن الالتزام غصب مستمر! فنقول: يا أخي! أنت أسأت إلى الإسلام من حيث لا تدري، وأسأت إلى منهج النبي ﷺ في الدعوة من حيث لا تشعر، ففرقوا أيها الشباب! وأيها المسلمون! بين مقام الجهاد الذي يحتاج إلى الغلظة والقسوة والشدة، وبين مقام الدعوة الذي يحتاج إلى اللين والحكمة والرحمة، كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]. بل وخاطب الله نبيين كريمين هما: موسى وهارون، وأمرهما أن يقولا لفرعون الذي طغى وبغى قولاً ليناً، فقال سبحانه: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٣ - ٤٤] قرأ سيدنا قتادة ﵀ هذه الآية فبكي، وقال: سبحانك ما أحلمك! تأمر موسى وهارون أن يقولا لفرعون قولاً ليناً! فإن كان هذا هو حلمك بفرعون الذي قال: أنا ربكم الأعلى، فكيف يكون حلمك بعبد قال: سبحان ربي الأعلى؟! ثمامة تأصلَّ البغض في قلبه، ونحن نعلم أن البغض للإسلام الآن متأصل في قلوب كثيرة في الشرق والغرب والداخل. وأرجو أن نعي الدروس التي أود أن أسوقها سوقاً كريماً من خلال هذا الحدث الرائع لرسول الله مع ثمامة، تأصل البغض في قلب ثمامة للنبي، ولدين النبي، ولبلد النبي، ثم تحول هذا البغض بالرفق والإحسان والحكمة والرحمة واللين إلى حب، هذه هي متط

стр. 1544

سيرة حافلة بالدروس والعبر دروس غالية يجب أن نقف أمامها طويلاً، فإن سيرة النبي ﷺ حافلة بالدروس، وهذا هو عنصرنا الثاني: سيرة حافلة بالدروس والعبر، لكننا بكل أسف أصبحنا نتعامل -إلا من رحم الله- مع سيرة النبي لمجرد الثقافة الذهنية، أو لمجرد الاستمتاع والدراسة النظرية، وكأن سيرة النبي ﷺ كانت وفقط!! فوالله ما أرسل الله نبيه! وما جعل الله حياة نبيه وسيرته وسنته ماضياً فحسب، بل يجب أن تكون سيرته شعلة توقد شموس الحياة، ودماءً تتدفق في عروق مستقبلنا وأهلنا. سيرة النبي سيرة حافلة، وهذه السيرة ليست للدراسة النظرية، بل لنحولها في حياتنا إلى واقع حياة، وإلى منهج عملي يتألق سمواً وروعة وجلالاً على قدر سمو وروعة وجلال سيرة الحبيب النبي ﵌. فلنتعلم هذا الرفق، وهذه الرحمة، وهذه الأخلاق، وصدق ربي إذ يقول: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٤ - ٣٥] وصدق المصطفى إذ يقول -كما في الصحيحين-: (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله) فتعلموا هذا يا شباب! وفي لفظ مسلم: (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه) وفي صحيح مسلم من حديث عائشة (ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه).

стр. 1545

قصة إسلام زيد بن سعنة حبر اليهود وأختم هذه الدروس بدرس جميل آخر رواه الطبراني من حديث عبد الله بن سلام بسند رجاله ثقات أن حبر اليهود زيد بن سعنة قال: والله ما من شيء من علامات النبوة إلا وقد عرفته في وجه النبي حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أعرفهما فيه الأولى: يسبق حلمه جهله، والثانية: لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً، قال: فانطلقت يوماً فرأيت النبي ﷺ وقد أقبل عليه رجل يركب راحلته وهو يقول: يا رسول الله! إن قومي من قرية كذا أو من بني فلان في قرية كذا كانوا قد دخلوا الإسلام، وكنت وعدتهم أنهم إن دخلوا الإسلام أن يأتيهم الرزق رغداً، وقد أصابتهم اليوم شدة، فأخشى أن يخرجوا من الإسلام طمعاً كما دخلوا في الإسلام طمعاً، فإن رأيت أن ترسل إليهم بشيء من المال؛ لتغيثهم به فعلت، وجزاك الله خيراً. فالتفت النبي إلى علي بن أبى طالب الذي كان معه وكأنه يريد أن يسأل: هل عندنا من المال من شي؟ فالتفت علي إلى النبي وقال: (والله ما معنا من المال شيء)، يقول زيد بن سعنة: فأقبلت على محمد ﷺ وقلت: يا محمد! هل تبيعني تمراً في حائط بني فلان إلى أجل معلوم؟ أراد أن يعطيه مالاً إلى أجل معلوم فقال النبي: ﷺ نعم، لكن لا تسمى حائط بني فلان) فقال زيد بن سعنة: قبلت، قال: فأعطيت النبي ﷺ ثمانين مثقالاً من ذهب، فدفعها كلها إلى الرجل وقال: (أغث بهذا المال قومك) ومن المعلوم أن محمداً ﷺ كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، فانطلق الرجل بالمال كله، يقول زيد: وقبل أن يحل وقت السداد رأيت محمداً في نفر من أصحابه، يجلس إلى جوار جدار، بعد أن صلى على جنازة رجل من الأنصار، فأقبلت عليه، وأخذته من مجامع ثوبه، وقلت له: أد ما عليك من دَيْنٍ يا محمد! فوالله ما علمتكم يا بني عبد المطلب إلا مُطْلاً في سداد الديون! فانتفض عمر والتفت إلى هذا الحبر اليهودي -وهو لا يعرفه- وقال: (يا عدو الله! تقول لرسول الله ما أسمع، وتفعل برسول الله ما أرى، والله لولا أنني أحذر غضبه ﷺ لضربت رأسك بسيفي هذا!! وزيد بن سعنة يراقب وجه النبي ﷺ وكلماته، ويريد أن يسمع ماذا سيقول رسول الله ﷺ في هذا الموقف الرهيب العصيب، فالتفت النبي ﷺ إلى عمر وقال: (لا يا عمر! لقد كان من الواجب عليك أن تأمرني بحسن الأداء وأن تأمره بحسن الطلب! ثم قال: يا عمر! خذه وأعطه حقه، وزده عشرين صاعاً من تمر جزاء ما روعته) يقول زيد: فأخذني عمر فأعطاني حقي، وزادني عشرين صاعاً من التمر. فقلت له: ما هذه الزيادة؟ قال: أمرني رسول الله أن أزيدكها جزاء ما روعتك. فقال زيد بن سعنة: ألا تعرفني يا عمر؟! قال: لا، قال: أنا زيد بن سعنة قال عمر: حبر اليهود؟! قال: نعم. قال عمر: فما الذي حملك على أن تفعل برسول الله ما فعلت؟ قال زيد: يا عمر! والله ما من شيء من علامات النبوة إلا وقد عرفته في وجه محمد حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أعرفهما فيه: الأولى: يسبق حلمه جهله، والثانية: لا تزيده شده الجهل عليه إلا حلماً؛ أما وقد عرفتهما اليوم فإني أشهدك أني قد رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً ورسولاً! وعاد حبر اليهود مع عمر بن الخطاب إلى المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، وشهد مع رسول الله بعد ذلك كل المشاهد والغزوات، وتوفي في غزوة تبوك مقبلاً غير مدبر، ﵁ وأرضاه. أيها المسلمون! أيها الأحبة الكرام! ألم أقل: إن الإحسان إلى الناس يحول البغض في القلوب إلى حب؟! فليت الأمة تعي هذا الدرس بحكامها، وعلمائها، ورجالها، وشبابها، ونسائها. وليت الأمة تعود إلى سيرة النبي ﷺ ؛ لتحول هذه السيرة العطرة والأخلاق الزاكية في حياتها إلى واقع عملي، وإلى منهج حياة فوالله ما تعلقت القلوب برسول الله ﷺ إلا لهذه الأخلاق السامية.
следующие страницы →