← Джавами‘

Джавами‘ · id 7703

دروس للشيخ محمد حسان

محمد حسان

Полный текст (1 901 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

أسير في قيد دروس وعبر الرفق والإحسان إلى الخلق له تأثير عجيب في الدعوة إلى الله ، وما ذاك إلا لأن المقصود بالدعوة رحمة الناس والإشفاق عليهم، وقد تجلى ذلك صريحاً في دعوة النبي ﷺ ، فبرفقه ورحمته دخل الناس في دين الله أفواجاً، والوقائع التي تشهد لذلك يصعب حصرها، ومن تلك الوقائع قصة إسلام ثمامة بن أثال ﵁.

стр. 1542

الدروس والعبر المستفادة من قصة أسر ثمامة بن أثال إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة؛ فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً. وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! (أسير فى القيد دروس وعبر) هذا هو عنوان لقائنا هذا، وسوف أركز الحديث تحت هذا العنوان في العناصر التالية: أولاً: الرفق والإحسان إلى الناس يُحوِّلانِ البغض إلى حب. ثانياً: سيرة حافلة بالدروس والعبر. ثالثاً: عودة واجبة. فأعيرونى القلوب والأسماع. والله أسأل أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

стр. 1543

عظيم أثر الرفق والإحسان في الدعوة إلى الله أولاً: الرفق والإحسان إلى الناس يحولان البغض إلى حب. أحبتي في الله! روى البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ خيلاً قِبل نجد -أي: أرسل النبي ﷺ سرية عسكرية استطلاعية ناحية نجد -وكانت هذه السرية بقيادة محمد بن مسلمة - فجاءت هذه السرية برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة، فربط هذا الرجل في سارية من سواري المسجد -أي: عمود من أعمدة المسجد- وهم لا يعرفونه، وثمامة قيل من أقيال العرب، وسيد من أسياد العرب، وشريف من أشرافهم، أسروه وهو في طريقه إلى العمرة، ولكن كان على الشرك بالله جل وعلا، وأدخلوه إلى المسجد، وربطوه في عمود من أعمدة المسجد النبوي، فلما دخل النبي ﷺ رآه فعرفه، وفى رواية ابن هشام: قال النبي ﷺ لأصحابه: (ألا تعرفون هذا؟! إنه ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة) وأمر النبي ﷺ أصحابه أن يحسنوا إليه. وفي رواية الصحيحين: أن النبي ﷺ خرج إليه فقال: (ماذا عندك يا ثمامة؟! قال: عندي خير يا محمد! إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه النبي ﷺ ، فلما كان الغد خرج عليه النبي ﷺ فقال: ماذا عندك يا ثمامة؟! قال: عندي ما قلت لك: إن تقتل تقتل ذا دام، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه النبي ﷺ حتى إذا كان بعد الغد خرج عليه النبي ﷺ وقال: ماذا عندك يا ثمامة؟! فقال: عندي ما قلت لك: إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فقال النبي ﷺ : أطلقوا ثمامة) أي: لا نريد مالاً ولا نريد شيئاً. فأطلقه أصحاب النبي ﷺ ، فانطلق ثمامة إلى نخل قريب من المسجد النبوي فاغتسل، وعاد إلى المسجد، ورفع صوته وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، والتفت إلى النبي ﷺ وقال: (يا رسول الله! والله ما كان على الأرض وجهٌ أبغض إليّ من وجهك، فقد أصبح وجهُك أحب الوجوه إليّ، والله ما كان على الأرض دين أبغض إليّ من دينك، فقد أصبح دينك أحب الدين إليّ، والله ما كان على الأرض بلد أبغض إليّ من بلدك، فقد أصبح بلدك أحب البلاد إليَّ، ثم قال: يا رسول الله! لقد أخذتني خيلك وأنا أريد العمرة فبماذا تأمرني؟ فبشره النبي ﷺ ، وأمره أن يعتمر. قال الحافظ ابن حجر: بشره بخيري الدنيا والآخرة، أو بشره بالجنة، أو بشره بتكفير سيئاته؛ لأن الإسلام يهدم ما كان قبله. فلما دخل مكة قال له قائل: أصبأت يا ثمامة؟! أي: هل تركت دين آبائك وأجدادك وتبعت محمداً على دينه؟! فقال: لا، ولكني أسلمتُ مع محمد رسول الله، ثم التفت إليهم وقال: والله! لا تأتيكم من اليمامة حبةُ حنطةٍ -أي حبة قمح- حتى يأذن فيها رسول الله! وفي رواية ابن هشام: أن ثمامة لما وصل بطن مكة رفع صوته بالتلبية، فكان أول من لبى وجهر بالتلبية في مكة، فلما رأى المشركون رجلاً يتحداهم بهذه الصورة العلنية الجريئة قالوا: من هذا الذي يجترئ علينا ويرفع صوته بالتلبية في بلادنا وديارنا ويردد الكلمات التي يُعَلِمُهَا محمدٌ لأصحابه؟! فانقضوا عليه، وأرادوا أن يضربوا رأسه، فقال أحدهم: ألا تعرفون من هذا؟! إنه ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة، وأنتم تحتاجون إلى اليمامة في طعامكم، فخلوا سبيل الرجل، فالتفت ثمامة إليهم وقال: والله! لا تأتيكم حبة حنطة من اليمامة إلا بإذن رسول الله ﷺ ! وفي هذا قال بعض بني حنيفة: ومنا الذي لبى بمكة معلناً برغم أبي سفيان في الأشهر الحرم أيها الأحبة الكرام! إنه مشهد بالغ الروعة، وأنا اعترف بداية أنني أعجز عن أن أصور روعته وعظمته وجلاله، فرسول الله ﷺ هو الرحمة المهداة والنعمة المسداه، لا للموحدين فحسب بل للمشركين وللعالمين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]. قال ابن عباس ﵄: (رسول الله رحمة للبار والفاجر، فمن آمن به تمت له النعمة، وتمت له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن كفر به أمن من عذاب الدنيا حتى يلقى الله في الآخرة، مصداقاً لقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال:٣٣]). وتدبر هذا الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن عائشة قالت: يا رسول الله! هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟! فقال المصطفى ﷺ : (لقد لقيت من قومك ما لقيت يا عائشة! وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال) وهو شريف من أشراف أهل الطائف، ولكنه رفض دعوة النبي ﷺ ، وسلط الصبيان والسفهاء على الحبيب، فرموه بالحجارة حتى سالت الدماء من جسده الطاهر، (فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب) وهو مكان يبعد عن الطائف بما لا يقل عن خمسة كيلو مترات، (فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا به عليك، ولقد أرسل الله إليك ملك الجبال؛ لتأمره بما شئت فيهم يا رسول الله! فناداني ملك الجبال فسلم عليّ وقال: يا رسول الله! لو أمرتني أن أطبق عليهم الأخشبين لفعلت. فقال المصطفى: لا، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً)، وفي رواية مسلم لما قيل له: ادع على المشركين. قال: المصطفى ﷺ (إني لم أبعث لعاناً، وإنما بعثت رحمة). أيها المسلمون! تدبروا كيف حَوَّل الرفق والإحسان البُغض المتأصل في قلب ثمامة إلى حب جياش فياض!!. ثمامة بن أثال دبر لاغتيال النبي ﷺ ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة خرج إلى مكة ليعتمر قائلاً: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك! فأبى الله جل وعلا إلا أن يلبي تلبية الموحدين، فسبحان من بيده القلوب يحولها كيف يشاء! قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٤]. ثمامة أُسر ورُبط في المسجد، وقد ترجم عليه البخاري باباً يُجوّز فيه أن يدخل المشرك إلى المسجد، وأبى النبي ﷺ إلا أن يظل ثمامة فى المسجد النبوي؛ ليرى ثمامة بعينيه، وليسمع بأذنيه عظمة هذا الدين ليرى النبي بنفسه، وليسمع كلام النبي، وليرى أخلاقه، فلما رأى ثمامة رفق النبي ﷺ وإحسانه وأخلاقه؛ تحول البغض في قلبه إلى حب فياض، فهو الذي قال: (والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي!). أيها المسلمون! لابد من أن نعي هذا الدرس، ونعلم أن العنف يهدم ولا يبني، والشدة تفسد ولا تصلح، وأن الرفق والإحسان إلى الناس هو الذي يحول البغض فى القلوب إلى محبة صادقة فياضة، فما أحوجنا إلى أن نعي هذا الدرس! قد يأتي شاب شرح الله صدره للالتزام فيعفي اللحية، ويقصر الثوب، ويحافظ على مجالس العلم، ولا زال أبوه بعيداً عن طريق الله، ولا زالت أمه بعيدة عن طريق رسول الله ﷺ ، فيجعل هذا الشاب من البيت حريقاً محرقاً مدمراً، يسيء إلى والده، يسيء إلى أمه، ويسفه أباه، ويحتقر أمه، ويضرب إخوانه، يسيء إلى أخواته! فيظن أهل البيت أن الالتزام نار مشتعلة، وأن الالتزام سوء أخلاق وأدب، وأن الالتزام غصب مستمر! فنقول: يا أخي! أنت أسأت إلى الإسلام من حيث لا تدري، وأسأت إلى منهج النبي ﷺ في الدعوة من حيث لا تشعر، ففرقوا أيها الشباب! وأيها المسلمون! بين مقام الجهاد الذي يحتاج إلى الغلظة والقسوة والشدة، وبين مقام الدعوة الذي يحتاج إلى اللين والحكمة والرحمة، كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]. بل وخاطب الله نبيين كريمين هما: موسى وهارون، وأمرهما أن يقولا لفرعون الذي طغى وبغى قولاً ليناً، فقال سبحانه: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٣ - ٤٤] قرأ سيدنا قتادة ﵀ هذه الآية فبكي، وقال: سبحانك ما أحلمك! تأمر موسى وهارون أن يقولا لفرعون قولاً ليناً! فإن كان هذا هو حلمك بفرعون الذي قال: أنا ربكم الأعلى، فكيف يكون حلمك بعبد قال: سبحان ربي الأعلى؟! ثمامة تأصلَّ البغض في قلبه، ونحن نعلم أن البغض للإسلام الآن متأصل في قلوب كثيرة في الشرق والغرب والداخل. وأرجو أن نعي الدروس التي أود أن أسوقها سوقاً كريماً من خلال هذا الحدث الرائع لرسول الله مع ثمامة، تأصل البغض في قلب ثمامة للنبي، ولدين النبي، ولبلد النبي، ثم تحول هذا البغض بالرفق والإحسان والحكمة والرحمة واللين إلى حب، هذه هي متط

стр. 1544

سيرة حافلة بالدروس والعبر دروس غالية يجب أن نقف أمامها طويلاً، فإن سيرة النبي ﷺ حافلة بالدروس، وهذا هو عنصرنا الثاني: سيرة حافلة بالدروس والعبر، لكننا بكل أسف أصبحنا نتعامل -إلا من رحم الله- مع سيرة النبي لمجرد الثقافة الذهنية، أو لمجرد الاستمتاع والدراسة النظرية، وكأن سيرة النبي ﷺ كانت وفقط!! فوالله ما أرسل الله نبيه! وما جعل الله حياة نبيه وسيرته وسنته ماضياً فحسب، بل يجب أن تكون سيرته شعلة توقد شموس الحياة، ودماءً تتدفق في عروق مستقبلنا وأهلنا. سيرة النبي سيرة حافلة، وهذه السيرة ليست للدراسة النظرية، بل لنحولها في حياتنا إلى واقع حياة، وإلى منهج عملي يتألق سمواً وروعة وجلالاً على قدر سمو وروعة وجلال سيرة الحبيب النبي ﵌. فلنتعلم هذا الرفق، وهذه الرحمة، وهذه الأخلاق، وصدق ربي إذ يقول: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٤ - ٣٥] وصدق المصطفى إذ يقول -كما في الصحيحين-: (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله) فتعلموا هذا يا شباب! وفي لفظ مسلم: (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه) وفي صحيح مسلم من حديث عائشة (ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه).

стр. 1545

قصة إسلام زيد بن سعنة حبر اليهود وأختم هذه الدروس بدرس جميل آخر رواه الطبراني من حديث عبد الله بن سلام بسند رجاله ثقات أن حبر اليهود زيد بن سعنة قال: والله ما من شيء من علامات النبوة إلا وقد عرفته في وجه النبي حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أعرفهما فيه الأولى: يسبق حلمه جهله، والثانية: لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً، قال: فانطلقت يوماً فرأيت النبي ﷺ وقد أقبل عليه رجل يركب راحلته وهو يقول: يا رسول الله! إن قومي من قرية كذا أو من بني فلان في قرية كذا كانوا قد دخلوا الإسلام، وكنت وعدتهم أنهم إن دخلوا الإسلام أن يأتيهم الرزق رغداً، وقد أصابتهم اليوم شدة، فأخشى أن يخرجوا من الإسلام طمعاً كما دخلوا في الإسلام طمعاً، فإن رأيت أن ترسل إليهم بشيء من المال؛ لتغيثهم به فعلت، وجزاك الله خيراً. فالتفت النبي إلى علي بن أبى طالب الذي كان معه وكأنه يريد أن يسأل: هل عندنا من المال من شي؟ فالتفت علي إلى النبي وقال: (والله ما معنا من المال شيء)، يقول زيد بن سعنة: فأقبلت على محمد ﷺ وقلت: يا محمد! هل تبيعني تمراً في حائط بني فلان إلى أجل معلوم؟ أراد أن يعطيه مالاً إلى أجل معلوم فقال النبي: ﷺ نعم، لكن لا تسمى حائط بني فلان) فقال زيد بن سعنة: قبلت، قال: فأعطيت النبي ﷺ ثمانين مثقالاً من ذهب، فدفعها كلها إلى الرجل وقال: (أغث بهذا المال قومك) ومن المعلوم أن محمداً ﷺ كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، فانطلق الرجل بالمال كله، يقول زيد: وقبل أن يحل وقت السداد رأيت محمداً في نفر من أصحابه، يجلس إلى جوار جدار، بعد أن صلى على جنازة رجل من الأنصار، فأقبلت عليه، وأخذته من مجامع ثوبه، وقلت له: أد ما عليك من دَيْنٍ يا محمد! فوالله ما علمتكم يا بني عبد المطلب إلا مُطْلاً في سداد الديون! فانتفض عمر والتفت إلى هذا الحبر اليهودي -وهو لا يعرفه- وقال: (يا عدو الله! تقول لرسول الله ما أسمع، وتفعل برسول الله ما أرى، والله لولا أنني أحذر غضبه ﷺ لضربت رأسك بسيفي هذا!! وزيد بن سعنة يراقب وجه النبي ﷺ وكلماته، ويريد أن يسمع ماذا سيقول رسول الله ﷺ في هذا الموقف الرهيب العصيب، فالتفت النبي ﷺ إلى عمر وقال: (لا يا عمر! لقد كان من الواجب عليك أن تأمرني بحسن الأداء وأن تأمره بحسن الطلب! ثم قال: يا عمر! خذه وأعطه حقه، وزده عشرين صاعاً من تمر جزاء ما روعته) يقول زيد: فأخذني عمر فأعطاني حقي، وزادني عشرين صاعاً من التمر. فقلت له: ما هذه الزيادة؟ قال: أمرني رسول الله أن أزيدكها جزاء ما روعتك. فقال زيد بن سعنة: ألا تعرفني يا عمر؟! قال: لا، قال: أنا زيد بن سعنة قال عمر: حبر اليهود؟! قال: نعم. قال عمر: فما الذي حملك على أن تفعل برسول الله ما فعلت؟ قال زيد: يا عمر! والله ما من شيء من علامات النبوة إلا وقد عرفته في وجه محمد حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أعرفهما فيه: الأولى: يسبق حلمه جهله، والثانية: لا تزيده شده الجهل عليه إلا حلماً؛ أما وقد عرفتهما اليوم فإني أشهدك أني قد رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً ورسولاً! وعاد حبر اليهود مع عمر بن الخطاب إلى المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، وشهد مع رسول الله بعد ذلك كل المشاهد والغزوات، وتوفي في غزوة تبوك مقبلاً غير مدبر، ﵁ وأرضاه. أيها المسلمون! أيها الأحبة الكرام! ألم أقل: إن الإحسان إلى الناس يحول البغض في القلوب إلى حب؟! فليت الأمة تعي هذا الدرس بحكامها، وعلمائها، ورجالها، وشبابها، ونسائها. وليت الأمة تعود إلى سيرة النبي ﷺ ؛ لتحول هذه السيرة العطرة والأخلاق الزاكية في حياتها إلى واقع عملي، وإلى منهج حياة فوالله ما تعلقت القلوب برسول الله ﷺ إلا لهذه الأخلاق السامية.

стр. 1546

شهادة الأعداء بعظمة النبي ﷺ لقد كرم النبيَّ أعداؤه قبل أصحابه وأصدقائه. وشهد الأعداء لرسول الله -على الأقل بينهم وبين أنفسهم- بالصدق، والنبل، والرجولة، والأخلاق، والحق ما شهدت به الأعداء. فهذا عروة بن مسعود الذي ذهب ليفاوض النبي في الحديبية لما رأى النبي ﷺ ورأى أخلاقه ورأى حب الصحابة له عاد إلى قومه ليقول: يا قوم! والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على كسرى وقيصر والنجاشي فوالله ما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه كما رأيت أصحاب محمد يعظّمون محمداً! لقد تعلقت قلوب أصحابه به لنبله وخلقه، بل إن الأعداء صدقوه وإن كانوا كذبوه كبراً وعناداً، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣] قال عروة: والله ما تنخم محمد نخامة إلا ووقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده! ووالله ما توضأ إلا وكادوا يقتتلون على وضوئه! وإذا تكلموا عنده خفضوا أصواتهم وإذا أمرهم ابتدروا أمره، ولا يحدون الطرف إليه تعظيماً له وإجلالا!! إن الأمة الآن تتعامل مع هذه السيرة تعاملاً نظرياً ذهنياً، وتستمتع بالسيرة استمتاعاً سالباً!! ووالله ما كانت سيرة النبي ﷺ ماضية، بل يجب أن تكون سيرته شعلة توقد شموس الحياة لنا، ويجب أن تكون سيرته دماءً تتدفق في عروق مستقبلنا وأجيالنا؛ لنحول هذه السيرة في حياتنا إلى واقع عملي، وإلى منهج حياة، وهذا هو عنصرنا الثالث من عناصر هذا اللقاء، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 1547

حسن التصرف وحسن المعاملة يستميلان القلوب وتدبروا! أيضاً هذا الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وأحمد من حديث عبد الله بن زيد أن النبي ﷺ لما فتح حنيناً قسم الغنائم، وأعطى المؤلفة قلوبهم، وزاد لهم في العطاء، ولم يعط الأنصار شيئاً من الغنيمة، فغضب الأنصار الأطهار الأبرار وقالوا: يغفر الله لرسول الله؛ يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا لا زالت تقطر من دمائهم؟! وفي رواية ابن إسحاق بسند صحيح من حديث أبي سعيد الخدري أن بعض الأنصار قال: والله! لقد لقي رسول الله قومه -أي: لقي رسول الله ﷺ قومه من قريش- فأعطاهم ونسينا، فلما سمع ذلك سعد بن عبادة انطلق إلى النبي ﷺ فأخبره بما قاله الأنصار، فقال النبي المختار: (اجمع لي الأنصار يا سعد! فإن اجتمعوا فأعلمني) فانطلق سعد بن عبادة فجمع الأنصار لرسول الله ﷺ ، فلما اجتمعوا عن آخرهم أعلم النبي وأخبره، فخرج النبي ﷺ إليهم خطيباً، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: (يا معشر الأنصار! ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله؟ وعالة فأغناكم الله؟ وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟! فسكت الأنصار. فقال المصطفى ﷺ : ألا تجيبون يا معشر الأنصار؟! فقالوا: ماذا نقول؟ وبماذا نجيبك يا رسول الله؟! المن لله ولرسوله ﷺ ، فقال المصطفى ﷺ : والله! لو شئتم لقلتم فصدقتم: جئتنا طريداً فآويناك، وعائلاًٍ فواسيناك، وخائفاً فأمناك، ومخذولاً فنصرناك، فقال الأنصار: المن لله ولرسوله ﷺ ، فالتفت المصطفى إليهم وقال بلغة الإحسان والرفق والرحمة والحنان: يا معشر الأنصار! أما ترضون أن يرجع الناس إلى رحالهم بالشاة والبعير، وترجعون أنتم إلى رحالكم برسول الله؟! -يا لها من غنيمة- وجدتم عليَّ في أنفسكم في لعاعة -أي: في أمر تافه- من الدنيا تألفت بها قلوب قوم أسلموا حديثا، ووكلتكم إلى إيمانكم بالله ورسوله؟! يا معشر الأنصار! أما ترضون أن يرجع الناس إلى رحالهم بالشاة والبعير وترجعون أنتم إلى رحالكم برسول الله؟! ثم التفت إليهم مرة أخرى وقال: يا معشر الأنصار! والله لو سلك الناس شعباً وسلك الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت رجلاً من الأنصار، ثم رفع يديه وقال: اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار) فبكى الأنصار حتى اخضلت لحاهم من البكاء أمام هذا الإحسان والرفق وحسن التصرف والمعاملة.

стр. 1548

أثر رفق النبي ﷺ في أصحابه ٍوتدبروا هذا الدرس الذي رواه مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي قال: بينما أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجلٌ من القوم -أي: في الصلاة- فقلت له: يرحمك الله، أي: وهو في الصلاة؛ لأنه لا يعلم الحكم. يقول معاوية ﵁: (فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه! ما شأنكم تنظرون إليّ، فجعلوا يضربون على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني سكتّ، فلما صلى رسول الله ﷺ -بأبي هو وأمي- ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني وإنما قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس). ومن حديث أبي هريرة وأنس يقول أنس: (بينما نحن في المسجد مع رسول الله إذ جاء أعرابي فدخل المسجد فبال في المسجد، فقال أصحاب النبي: مه مه -يعني: ماذا تصنع- تبول في مسجد النبي؟! فقال المصطفى ﷺ : (لا تزرموه، دعوه) أي: لا تقطعوا عليه بوله. فتصور يا أخي! وتذكر هذه الكلمات النبوية الغالية: (لا تزرموه) فأنهى الرجل بوله مطمئناً، ثم نادى عليه نهر الرحمة وينبوع الحنان ومعلم الحكمة، نادى عليه بأبي هو وأمي وقال له: (إن المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما جلعت لذكر الله وللصلاة ولقراءة القرآن) وفي رواية ابن ماجة بسند صححه شيخنا الألباني ﵀: أن هذا الأعرابي أصبح فقيهاً بعد هذه الكلمات فقال: بأبي هو وأمي قام إلي، فلم يؤنب، ولم يسب، ولم يضرب. ثم تأثر هذا الأعرابي بأخلاق الحبيب النبي ﷺ ، فقام يدعو للنبي في الصلاة، كما في رواية البخاري في كتاب الأدب من حديث أبي هريرة أنه قام يدعو للنبي ويقول: (اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً! فقال له المصطفى ﷺ : لقد حجرت واسعاً) أي: ضيقت ما وسع الله جل وعلا، فالله سبحانه يقول: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦]. ولكنها انفعالة تلقائية طبيعية بهذه الأخلاق السامقة، بأخلاق النبي ﷺ .

стр. 1549

وجوب العودة والرجوع إلى الله واتباع نبيه الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أيها الأحبة الكرام! قد يكون من اليسير جداً أن نقدم منهجاً نظرياً في التربية والأخلاق، ولكن هذا المنهج النظري سيظل حبراً على ورق ما لم يتحول في حياة الناس إلى واقع عملي ومنهج حياة، بل قد لا يساوي قيمة المداد الذي كتب به ما لم يتألق في دنيا الناس سمواً وروعةً وجلالاً، ولقد نجح النبي ﷺ في أن يجعل من الأعراب ومن العرب المنبوذين في أرض الجزيرة، الذين لا ذكر لهم ولا كرامة قبل الإسلام، استطاع النبي ﷺ أن يجعل من هؤلاء الحفاة العراة جيلاً قرآنياً فريداً، لم ولن تعرف البشرية له مثيلاً على الإطلاق؛ وذلك يوم أن نجح المصطفى ﷺ في أن يطبع آلاف النسخ من المنهج التربوي الإسلامي، ولكن المصطفى لم يطبع هذه النسخ بالحبر على صحائف الورق، وإنما طبعها على صحائف القلوب بمداد من النور، فحول أصحاب النبي ﷺ هذا المنهج النظري في التربية والأخلاق إلى واقع عملي يتألق عظمة في دنيا الناس، فرأت البشرية كلها نبلهم وصدقهم، ورأت منهج الله يمشي على قدمين في دنيا الناس، كما قالت عائشة عن رسول الله ﷺ : (كان خلقه القرآن). لقد كان النبي ﷺ قرآناً متحركاً في دنيا الناس، وكذلك كان أصحاب النبي ﷺ يمتثلون أمر الله ورسوله، ويجتنبون نهي الله ورسوله، ويقفون عند حدود الله جل وعلا التي يعلمهم إياها رسوله ﷺ . ووالله! لن نكون من أتباع النبي ﷺ حقاً إلا إذا عدنا فسرنا على طريقه ودربه ﷺ ، وعلى كل نفس تدعي الإيمان بالله ورسوله، وتدعي الحب لله ولرسوله ﷺ أن تنظر أين هي من حقيقة الإيمان وحقيقة المحبة وصدق الاتباع؟ فالعودة إلى الله ورسوله ليست نافلة ولا تطوعاً ولا اختياراً، وإنما هي عودة واجبة، بل إننا أمام شرط الإسلام وحد الإيمان، إما إيمان باتباع المصطفى والسير على طريقه، وإما كفر بالانحراف عن منهج الله، وعن طريق رسول الله ﷺ ، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] وقال تعالى في حق المؤمنين الصادقين: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥١ - ٥٢] وقال في حق المنافقين الذين يسمعون ويعرضون يسمعون وينحرفون يسمعون ويهزءون ويسخرون قال الله في حقهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء:٦٠ - ٦١]. إذا: المؤمن هو الذي يسمع ويطيع للنبي ﷺ فمن أطاع النبي فقد أطاع الله، ومن عصى النبي فقد عصى الله، فسيرة النبي ليست من أجل الثقافة، ولا من أجل والمجادلات، وإنما من أجل أن تحوّلها الأمة في حياتها إلى واقع عملي، وإلى منهج حياة. فلابد من العودة إلى الله ورسوله ﵌ لا سيما في هذه الأيام، فوالله! لن تعود الأمة إلى مكانتها إلا إذا عادت إلى المنهج الذي رفعها من أسفل سافلين إلى أعلى عليين، ألا وهو منهج رب العالمين، ومنهج سيد المرسلين ﵌. هل تعلم أن مجرد رفع الصوت على النبي ﷺ يحبط العمل؟! وهل تعلم أن أبا بكر وعمر ﵄ كادا أن يقعا في الهلاك لمجرد أنهما رفعا أصواتهما فوق صوت النبي؟! فـ أبو بكر وعمر العظيمان في هذه الأمة - بعد نبيها- تعرضا للهلاك، والحديث في صحيح البخاري عن أبن أبي مليكة وفيه: (كاد الخيران أن يهلكا). فـ أبو بكر وعمر، رفعا أصواتهما في مجلس النبي ﷺ ، وذلك لما أقبل وفد بني تميم على الحبيب ﷺ ، فقال أبو بكر: أَمِّرْ عليهم القعقاع بن معبد يا رسول الله! قال عمر: لا، بل أمر عليهم الأقرع بن حابس يا رسول الله! فقال أبو بكر لـ عمر: ما أردت إلا خلافي يا عمر! وقال عمر: ما أردت خلافك يا أبا بكر! فهذه هي الكلمات بنصها فقط، وهذا هو الحوار الذي دار، فأسألكم بالله ما الذي جرى؟! وما الذي وقع؟! أبو بكر يقول: أَمِّرْ القعقاع بن معبد، وعمر يقول: أمر الأقرع بن حابس، فيرد الصديق: ما أردت إلا خلافي يا عمر! ويرد عمر: ما أردت خلافك يا أبا بكر! فما الذي حدث؟! الجواب لا شيء، إلا أن الصوت قد علا عند النبي المصطفى ﷺ ؛ فنزل القرآن يحذر من ذلك، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢]. أيها المسلمون! إذا كان مجرد رفع الصوت على النبي يحبط العمل، فكيف بتنحية شرع النبي؟! واتهام شريعته بالقصور، والجمود، والرجعية، والتخلف؟! وزعم عدم قدرتها على مسايرة مدنية القرن العشرين أو مدنية القرن الحادي والعشرين؟! إن الأمة الآن -إلا من رحم ربك- لا تعرف قدر النبي ﷺ ، ولقد رأينا الأمة تحتفل بميلاد رسول الله، وبذكرى الإسراء والمعراج! فالأمة تحسن الاحتفالات الفارغة الجوفاء! ولا تحسن أن تعود عوداً حميداً جاداً على أرض الواقع إلى منهج هذا النبي العظيم؛ لتحول شريعته إلى واقع، فالأمة الآن تحكم القوانين التي وضعها مهازيل البشر! وقد نحت -في الوقت الذي تحتفل فيه بمولد رسول الله- شريعة سيد البشر، فهل هذا حب؟! وهل هذا صدق في المحبة؟ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]. وقال الشاعر: من يدعى حب النبي ولم يفد من هديه فسفاهةٌ وهراءُ فالحب أول شرطه وفروضه إن كان صدقاً طاعة ووفاء

стр. 1550

قصة فيها درس وأختم بهذه القصة اللطيفة التي طالما ذكرت بها؛ لأبين أين نحن من المحبة الصادقة؟! فلقد جاء تلميذ إلى أستاذه وقال: يا أستاذي! علمت أنك ترى رسول الله في رؤياك. قال: وماذا تريد يا بني؟ قال: علمني كيف أراه؛ لأنني في شوق لرؤياه؟ فقال أستاذه: أنت مدعو لتناول العشاء معي في بيتي في هذه الليلة؛ لأعلمك بعد ذلك كيف ترى حبيبك رسول الله، فذهب التلميذ إلى أستاذه، ووضع الأستاذ العشاء بين يدي تلميذه، وأكثر فيه الملح، ومنع عنه الماء! فطلب التلميذ الماء مراراً، فأبى عليه أستاذه، بل وأصر عليه أن يزيد في الطعام! ثم قال له: نم، وإن استيقظنا قبل الفجر -إن شاء الله- فسأعلمك كيف ترى النبي في رؤياك، فنام التلميذ يتلوى من شدة العطش! ويتألم من الظمأ! فلما استيقظا قال له أستاذه: أي بني! قبل أن أعلمك كيف ترى النبي أسألك: هل رأيت الليلة شيئاً في النوم؟ قال: نعم. قال: ماذا رأيت؟ قال: رأيت الأمطار تمطر، والأنهار تجري، والبحار تسير!! لأنه نام وهو يتلوى من شدة العطش فرأى الماء في كل رؤياه! فقال أستاذه: نعم، يا بني! صدقت نيتك فصدقت رؤيتك، ولو صدقت محبتك لرأيت رسول الله!

стр. 1551

لا يرفع ما حل بالأمة إلا بالرجوع إلى منهج الله ما أيسر الادعاء! وما أسهل الزعم! وما أرخص الكلام! لكن أين نحن من الاتباع الحقيقي؟! وأين نحن من العودة الصادقة إلى سيرة وحياة النبي ﷺ . والله إن المصائب التي حلت بالأمة ليس لها من دون الله كاشفة، إلا إذا عادت الأمة مرة أخرى إلى منهج الرب العلي، وإلى سيرة وحياة النبي ﷺ ؛ لتحول هذه السيرة العطرة، إلى واقع عملي، وإلى منهج حياة. أسأل الله جل وعلا أن يرد الأمة إليه رداً جميلاً. اللهم رد الأمة إلى الحق رداً جميلاً، اللهم رد الأمة إلى الحق رداً جميلاً، اللهم رد الأمة إلى الحق رداً جميلاً. اللهم ارزقنا الرفق في الأمر كله، اللهم ارزقنا الرفق في الأمر كله، اللهم رزقنا الحكمة في الأمور كلها. اللهم املأ قلوبنا رحمة، اللهم املأ قلوبنا حكمة، اللهم املأ قلوبنا حلماً، اللهم املأ قلوبنا حلماً. اللهم خلقنا بأخلاق الحبيب المصطفى، اللهم خلقنا بأخلاق الحبيب المصطفى. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يُعز فيه أهل طاعتك، ويُذل فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر، أنت ولي ذلك والقادر عليه. اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين. اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم اشف صدور قوم مؤمنين. اللهم اجعل مصر واحة للأمن والأمان، اللهم لا تحرم مصر من الأمن والأمان وجميع بلاد المسلمين، اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن وجميع بلاد المسلمين، اللهم اجعل مصر سخاءً رخاءً وجميع بلاد المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين! هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أونسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويلقي به في جنهم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1552

رسالة إلى أصحاب الأسرة البيضاء لقد امتدح الله الصبر وأهله، فجعل الإمامة في الدين منوطة بالصبر مع اليقين، وما ذاك إلا لأن الصبر جواد لا يكبو وحصن لا يهدم، به يكون كمال التسليم والاستسلام للمولى جل وعز، ولقد ذكر الله لنا في كتابه العزيز نماذج من الصابرين، فذكر ابتلاءه سبحانه لعبده ونبيه أيوب ﵇؛ ليكون في ذلك قدوة يقتدي به عباد الله.

стр. 1553

فضل الصابرين الحمد لله، والصلاة والسلام على سول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه: أحبتي في الله: هذه (رسالة إلى أصحاب الأسرة البيضاء) وهذا هو عنوان لقائنا مع حضراتكم في هذا اليوم الكريم المبارك، وكعادتنا فسوف ينتظم حديثنا مع حضراتكم -تحت هذا العنوان- في العناصر التالية: أولاً: صبر أيوب. ثانياً: قصة مثيرة لامرأةٍ صابرة بالمنصورة. ثالثاً: رسالة إلى أصحاب الأسرة البيضاء. وأخيراً: رسالة إلى أهل العافية من البلاء. فأعيروني القلوب والأسماع، والله أسأل أن يرزقنا وإياكم الإخلاص والصدق في القول والعمل، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه. أولاً: صبر أيوب. أحبتي في الله! إن الله جل وعلا قد جعل الصبر جواداً لا يكبو، وجنداً لا يُهزم، وحصناً لا يُهدم، وبين أن الصابرين في معيته، ويالها من كرامة، فقال جل وعلا: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦]. وبَيَّنَ فضل الصابرين فقال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧]. بل وجعل الله الإمامة في الدين منوطة بالصبر مع اليقين، فقال جل وعلا: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤]. بل وبين الله سبحانه كرامة الصابرين في الجنة، بدخول الملائكة للسلام عليهم وتهنئتهم، فقال جل وعلا: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٣ - ٢٤]، وبين جل وعلا في الجملة أن أجر الصبر لا حدود له ولا منتهى، فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠].

стр. 1554

قصة المرأة الصابرة ثانياً: قصة مثيرة لامرأة صابرة بالمنصورة، وهي التي دفعتني لاختيار هذا الموضوع في هذه الجمعة، ولولا أنني وقفت على هذه القصة بنفسي، ورأيت هذه المرأة المسلمة الصابرة بعيني، لظننت أن قصتها ضرب من الخيال. امرأة من أمة الحبيب المصطفى تجسد لنا في قرننا العشرين صبر نبي الله أيوب! الحمد لله أن رأينا من أمة الحبيب من يحاكي صبر الأنبياء. هذه المرأة تبدأ قصتها بميلادها في قرية جُدَيدة الهالة بمركز المنصورة، وفي الثامنة عشرة تتزوج، وبعد سنتين تنجب طفلها الوحيد الذي توفي في الرابعة من عمره، فتصبر وتحتسب، وفي عام سبعة وستين يهاجمها المرض، فتحس بالآم حادة في بطنها، فَتُنْقَل على الفور إلى المستشفى الجامعي بالمنصورة، ويشخص الأطباء المتخصصون الحالة بأنها انسداد في الأمعاء الدقيقة، ويقرر الأطباء للمريضة المسلمة الصابرة جراحة عاجلة لاستئصال جزء من الأمعاء، وبعد الجراحة ما شعرت المرأة بتحسن. وبعد ستة أشهر قرر الأطباء مرة أخرى جراحة ثانية لاستئصال جزء آخر من الأمعاء!! وبعد ستة أشهر قرر الأطباء جراحة ثالثة لاستئصال جزء جديد من الأمعاء!! وفي هذه المرة اكتشف الأطباء أن المرأة مصابة بمرض خطير مشهور، ألا وهو مرض (الدرن) المعروف عالمياً بـ ( T. B)، وهنا قرر الأطباء عدم التدخل الجراحي، واكتفى الأطباء بالعقاقير والحقن وتركوا أمرها لله جل وعلا!! صبرت المرأة واستسلمت لقضاء الله جل وعلا، ونامت على سريرها الأبيض في آخر غرفة في القسم الرابع عشر، باطنية مستشفى المنصورة، مستسلمة لقضاء الله وقدره. لا يفتر لسانها عن ذكر الله ، ويلهج لسانها بالثناء والشكر لله جل وعلا. ثم هاجمها المرض هجوماً عنيفاً بعد ذلك، فانتقل هذا المرض الخطير إلى الأمعاء كلها، ثم انتقل المرض بعد ذلك إلى كلِيتها اليمنى، ففشلت الكِلية اليمنى تماماً، ثم انتقل المرض بعد ذلك إلى الرحم، فأصيب الرحم بهذا المرض، ثم انتقل المرض بعد ذلك إلى العظام، فنخر المرض العظام نخراً، وأصبحت العظام هشة متآكلة، ثم فقدت عينها اليسرى، فلم تعد ترى بعينها اليسرى تماماً. انظر إلى هذه المراحل من مراحل الابتلاء، ومع كل مرحلة إذا ما عَلمِت من الطبيب المسلم ما ابتلاها الله به، تبتسم وتنظر إلى السماء، وتقول: الحمد لله الحمد لله جَبَلٌ من جِبَال الصبر منذ عام سبعة وستين لم تفارق سريرها في المستشفى الجامعي!! وطلقها زوجها بعد ست سنوات من المرض، ومات ولدها الوحيد واحتسبته عند الله جل وعلا. انظر إلى هذه المفاجأة العجيبة الغريبة، ففي عام (٨٥) قبل موسم الحج سمعت محاضراً في شريط يتحدث عن الحج، فقررت أن تحج بيت الله الحرام، وقالت للطبيب المختص: أريد أن أحج بيت الله، فابتسم، وقال: كيف ذلك؟ قالت: لقد عَزمْتُ وتوكلت على الله، فهددها الأطباء بأنها لو فارقت سريرها ستعرض حياتها للخطر في التو واللحظة، فقالت بكل ثقة ويقين: أريد أن ألقى الله وأنا على طاعة له!! قررت أن تلقى الله على طاعة، فباعت ما تملك من الأرض، وقررت حج بيت الله الحرام، واقترب منها طبيب تقي نقي فحثها على ذلك، وسأل الله لها الثبات. وهنا لما قررت السفر، وجيء بالسيارة التي ستحملها إلى الطائرة في القاهرة، تقدم الأطباء لنزع الخراطيم من هذا الجسد النحيل الضئيل، فهي امرأة لا تعيش إلا بهذه الخراطيم. أستغفر الله! بل لا تعيش إلا بأمر الملك رب العالمين!! الخرطوم الأول ينزع ما وظيفته؟ كان لتوصيل المحاليل الغذائية؛ لأن المرأة لا تأكل منذ عام سبعة وستين، بل تعيش على هذه المحاليل الغذائية عبر هذه الخراطيم!! الخرطوم الثاني: للبول -أعزكم الله- عن طريق القسطرة. الخرطوم الثالث: لأكياس الدماء التي يوصلونها إلى هذا البدن الضئيل. الخرطوم الرابع: لإخراج الرايل من الأمعاء الدقيقة عن طريق الأنف. ووقف الأطباء ينتظرون لها الموت مع أول دقيقة ينزع خرطوم واحد منها، فنزعت الخراطيم والمرأة تتحدث وتبتسم، وهي سعيدة أنها ذاهبة لحج بيت الله الحرام! وحُملت في السيارة، ثم إلى الطيارة، وحمِلت في جميع مناسك الحج، وأدت فريضة الله جل وعلا بإعجاز الملك الذي يقول للشيء (كن) فيكون، وهي تحكي هذه القصة وتتعجب وتقول: ما أكلت شيئاً إلا عن طريق الفيتامينات وعن طريق الأدوية! قضت هذه الفترة بفضل رب الأرض والسماوات جل وعلا وهى تبكي طوال الرحلة، وتشكر الله الذي أعانها في هذه الحالة حتى رأت بيته جل وعلا، وانطلقت إلى المدينة لزيارة المسجد النبوي، ثم للسلام على الحبيب النبي ﷺ ، وعادت من حج بيت الله مرة أخرى إلى سريرها، ونامت على فراشها في سريرها الأبيض، وطلبتني لزيارتها لأول مرة، فذهبت لأزورها مع بعض الأحبة الذين هم معي الآن في هذا المسجد، ذهبت إليها لأذكرها بالله، والله يا إخوة! لقد ذهبت لأذكرها بالله فذكرتني هي بالله جل وعلا، وخرجت من عندها وقد احتقرت نفسي، واحتقرت جهدي، واحتقرت عملي لله جل وعلا. امرأة عجيبة لا يفتر لسانها من ذكر الله والثناء والحمد لله جل وعلا، وقد ماتت يوم الأربعاء الماضي العاشر من شهر إبريل لعام ستة وتسعين، وقبل الموت بأربعة أيام طلبتني لزيارتها مرة أخيرة، فذهبت إليها مع بعض أحبابنا في هذا المسجد، ودخلت عليها، وجلست إلى جوارها، وهي تبتسم في وجهي وتقول: أين أنت؟ فاعتذرت لها عن تأخري عنها، فقلت لها: كيف حالك؟ قالت: الحمد لله الحمد لله. وأنا أعجب لكونها تحمد الله على هذه الحالة. نظرت إلى غرفتها -فوجدتها قد قسمت الغرفة إلى قسمين: جعلت النصف الأول مسجداً لله جل وعلا، وجعلت النصف الآخر لسريرها، ووضعت إلى جوارها صندوقاً لجمع التبرعات، لمن أراد أن يتبرع لفقراء المرضى ممن يعجزون عن شراء الدواء! وإذا ما دخل عليها طبيب أو ممرضة أعارته شريطاً لمحاضر من المحاضرين. تدعو إلى الله وهى في هذه الحالة إنها والله الحياة. فكم من أناس يتحدون الله بعافيته، كم من أناس يتحدون الله بِنَعمِه، وهي التي سلب منها كل شيء ولا تغفل عن الدعوة إلى الله جلَ وعلاَ! تدعو إلى الله بالأشرطة تدعو إلى الله بالصدقة تدعو إلى الله بالإصلاح بين الأطباء والطبيبات، تدعو إلى الله بالإصلاح بين المرضى، لقد استثمرت حياتها كلها لطاعة الله جل وعلا، ولسانها ذاكر، وقلبها شاكر، وجسدها على البلاء صابر. ذهبت إليها قبل الموت بأربعة أيام، وجلست إلى جوارها، فقلت: كيف حالك؟ قالت: الحمد لله، فأثنيت عليها خيراً فردت عليَّ وقالت: والله -يا شيخ- أنا خائفة على صبري طيلة هذه السنوات، ولكن ادع الله لي أن يرزقني حسن الخاتمة ادع الله لي أن يرزقني حسن الخاتمة. قلت: أبشري، لقد أجرى الله الكريم عادته بكرمه أن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعِثَ عليه، وصدق الله إذ يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٢]. ما أرخصها من حياة إن عشت لشهواتك ونزواتك؟! ما أرخصها من حياة يا من لا تعيش إلا من أجل متاع الدنيا الحقير؟! ما أرخصها من حياة يا من تعيش من أجل كرسيك الزائل ومنصبك الفاني؟! وما أغلاها من حياة يا من بذلت وقتك كله لطاعة الله؟! ما أغلاها من حياة يا من استخدمت كل نعمة من نعم الله التي أنعم الله بها عليك لمرضاته جل في علاه؟!

стр. 1555

معنى الصبر وأقسامه ما هو الصبر؟ الصبر لغة: المنع والحبس. والصبر شرعاً: حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي، وحبس الجوارح عن المعاصي، وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: صبر على المأمور: أي: صبر على الطاعة. وصبر عن المحظور: أي: صبر عن المعصية. وصبر على المقدور: أي: على ما قدره الله عليك من المصائب والمحن والبلايا. والصبر الجميل: هو الذي يبتغي به العبد وجه الله الجليل، لا حرجاً من أن يقول الناس: جزع، ولا أملاً في أن يقول الناس صَبر، وإنما يبتغي بصبره وجه الله جل وعلا، يصبر واثقاً في الله، مطمئناً بقضاء الله وقدره، مستعلياً على الألم، مترفعاً على الشكوى. والتحقيق أن الشكوى نوعان: شكوى إلى الله، وشكوى من الله، أعاذنا الله وإياكم منها. فالشكوى إلى الله لا تنافي الصبر -أيها الأخيار الكرام- فلقد مدح الله نبيه أيوب ﵇، وأثبت له الصبر في قرآنه، فقال حكاية عنه، وقد رفع أيوب شكواه إلى مولاه ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص:٤١]. وأثنى الله على عبده أيوب ﵇ فقال جل وعلا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤]، ومع ذلك فقد رفع نبي الله أيوب شكواه إلى الله، كما قال الله جل في علاه: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣]. فالشكوى إلى الله لا تنافي الصبر. أما الشكوى من الله -أعاذنا الله وإياكم منها- فهي شكوى للمخلوق من الخالق. فإذا شكوت إلى ابن آدم إنما تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم

стр. 1556

صبر نبي الله أيوب ﵇ أيها الأحبة! إذا ذكر الصبر ذُكِرَ نبي الله أيوب على نبينا وعليه الصلاة السلام، فلقد ابتلى الله أيوب في ماله وولده وبدنه، ففقد المال كله، ومات جميع أبنائه جملة واحدة، وابتلاه الله في جسده بمرض أقعده في الأرض وألزمه الفراش، فصبر وامتلأ قلبه بالحب لله والرضا عنه سبحانه! لم يسلم من بدنه شيء إلا قلبه ولسانه، أما قلبه فقد امتلأ بالحب لله والرضا عنه سبحانه، وأما لسانه فلم يفتر عن ذكر الله جل وعلا، وهذه والله هي الحياة. ففي الصحيحين من حديث أبي موسى أن النبي ﷺ قال: (مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت). فالذاكر لله حي، وإن ماتت فيه الأعضاء، والغافل عن ذكر الله ميت، وإن تحرك بين الأحياء. لم يبق إلا لسانه وقلبه، أما القلب فقد امتلأ بالحب لله والرضا عن الله، وأما اللسان فلم يفتر عن ذكر مولاه، واسمع ما قاله لزوجته الصابرة الوفية حينما قالت له: ادع الله أن يفرج كربك، فقال نبي الله أيوب: لقد عشت سبعين سنة وأنا صحيح، ولله علي أن أصبر له سبعين سنة وأنا مريض، ففزعت زوجته. واختلفت الأقوال في المدة التي مكثها نبي الله أيوب في البلاء، وأصح ما ورد في هذه الأقوال ما رواه الإمام الطبري وابن حبان وابن أبي حاتم والبزار والحاكم في مستدركه وصححه على شرط الشيخين وقال الإمام الهيثمي في المجمع: ورجال البزار رجال الصحيح من حديث أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: (إن نبي الله أيوب مكث في بلائه ثماني عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد، إلا رجلين من خواص أصحابه، كانا يغدوان عليه ويروحان، فقال أحدهما للآخر في يوم من الأيام: والله إن أيوب قد أذنب ذنباً ما أذنبه أحد من العالمين، فقال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة ولم يرحمه الله) إلى آخر الحديث. قال أهل التفسير: فلما سمع أيوب ذلك خشي الفتنة، فلجأ إلى الله جل وعلا بهذا الدعاء الحنون الذي سجله الله في قرآنه، فقال جل وعلا: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣]. انظر إلى الجواب ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٨٤]. ما الذي حدث؟ هل انتقل أيوب إلى إحدى المستشفيات الخاصة في الخارج أو في الداخل؟ كلا. إذاً: ما الذي حدث؟ أمر الملك القدير جل وعلا نبيه أيوب أن يضرب الأرض من تحت قدميه، فضرب أيوب المريض المسكين الأرض ضربة هينة بقدمه، ففجر الله له عيناً من الماء، وإذ بأيوب يسمع النداء من الملك ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص:٤٢]. أمر الله أيوب ﵇ أن يشرب، فشرب أيوب من الماء، فشفاه الله من جميع أمراضه الباطنة، فأمره أن يغتسل، فاغتسل فشفاه من جميع أمراضه الظاهرة، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام:١٧]. أيها المُبتلى! كن عن همومك معرضاً ودع الأمور إلى القضا وانعم بطول سلامة تسليك عما قد مضى فلربما اتسع المضيق وربما ضاق الفضا الله يفعل ما يشاء فلا تكن متعرضا أيها المبتلى! لا كاشف للبلوى إلا الله . قل للطبيب تخطفته يد الردى من يا طبيب بطبه أرداكا قل للمريض نجا وعُوفي بعدما عجزت فنون الطب من عافاكا قل للصحيح يموت لا من علة من يا صحيح بالمنايا دهاكا قل للبصير وكان يحذر حفرةً فهوىَ بها من ذا الذي أهواكا بل سائل الأعمى خطا وسط الزحام بلا اصطدام من يقود خطاكا وسل الجنين يعيش معزولاً بلا راع ومرعى ما الذي يرعاكا وسل الوليد بكى وأجهش بالبكا لدى الولادة ما الذي أبكاكا وإذا ترى الثعبان ينفث سمه فاسأله من ذا بالسموم حشاكا واسأله كيف تعيش يا ثعبان أو تحيا وهذا السم يملأ فاكا واسأل بطون النحل كيف تقاطرت شهداً وقل للشهد من حلاكا بل سائل اللبن المصفى من بين دم وفرث من ذا الذي صفاكا؟! قل إن الأمر كله لله أإله مع الله؟ وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: (أمطر الله عليه بعدما عافاه جراداً من ذهب، فقام نبي الله أيوب ليأخذ الجراد الذهبي من ربه العلي ليضعه في ثوبه، فنادى عليه ربه جل وعلا وقال: يا أيوب! أما تشبع؟ فقال أيوب: ومن يشبع من رحمتك يارب، ومن يشبع من رحمتك يارب). وهكذا نجّى الله أيوب، ورفع الله عنه البلاء بعد هذه السنوات العجاف بالصبر الصادق. وأود قبل أن أنهي الحديث عن هذا العنصر أن أحذر مَنْ لا يجيدون السباحة في البحور الهائجة، ومن لا يجيدون النزال في اقتحام الخطوب والأهوال، الذين انساقوا وراء الاسرائيليات التي شُحنت بها قصة أيوب في كتب التفسير وكتب السير، فانساقوا ليرددوا هذا الكذب العريض في أن الله قد ابتلى نبيه أيوب بالدود، وكانت كلما سقطت دودة من جسده انحنى عليها وردها إلى جسده مرة أخرى، وانبعثت منه رائحة كريهة نتنة اشمأز الناس منها، وانصرف الناس عنه، وهذا كله كذب عريض، وحقير وخطير، تنكره العقول السليمة، والطباع الكريمة التي تعلم يقيناً أن الله جل وعلا قد نزه أنبياءه ورسله من مثل هذا، فاعلم -أيها المسلم- أن الله جل وعلا ما ابتلى نبيه أيوب بهذه القاذورات، وإنما ابتلاه بمرض ألزمه الفراش، وأقعده في الأرض. وفي هذا كفاية، لكن أين الصبر؟ وأين الصابرون؟ أيها الحبيب الكريم! لا أريد أن أطيل في هذا العنصر، قال الله جل وعلا: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [ص:٤٢ - ٤٣].

стр. 1557

رسالة إلى أصحاب الأسرة البيضاء ومن ثم فهأنذا أوجه رسالة إلى أصحاب الأسرة البيضاء، وهذا هو عنصرنا الثالث من عناصر هذا اللقاء. أيها المسلمون المبتلون الصابرون! اصبروا وأبشروا: أبشروا فإن أجركم على الصبر والبلاء لا يعلم حقيقته إلا رب الأرض والسماء، قال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠] وقد وعدك الله أيها المبتلى الصابر بأن يرحمك ويهديك، فقال سبحانه: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٦] وانظر إلى الجزاء: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٧]، إن فضل الله جل وعلا عليك عظيم. أيها المبتلى الصابر! يا من حبسك المرض على السرير الأبيض، يا من حبسك البلاء في أيِّ موطن من أرض الله جل وعلا -أياً كان هذا البلاء- اصبر وأبشر. اصبروا وأبشروا، واعلموا أن الحياة الحقيقية هى حياة القلوب، واعلموا أن الحياة الحقيقية هي ألا يغفل لسانكم عن ذكر علام الغيوب وإن حُبست تلكم الأعضاء والأبدان، وأبشروا بموعود الله وبموعود رسول الله ﷺ ، ففي الحديث الذي رواه مسلم من حديث أبي يحيى صهيب الرومي أن النبي ﵌ قال: (عجباً لأمر المُؤمن إن أمرهُ كُلهُ له خير، وليس ذلك إلا للمُؤمن: إن أصابتهُ سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابتهُ ضراء صبر فكان خيراً له). أيها المبتلون الصابرون! أبشروا بحديث الرسول ﷺ الذي رواه البخاري وغيره، فقال في الحديث: (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه، ولا يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة). وقد ابتلي المصطفى ﷺ بالحمى، وانتفض جسد الحبيب من شدة حرارتها، ودخل عليه ابن مسعود -والحديث في الصحيحين- وقال له: إني أراك توعك وعكاً شديداً يا رسول الله! فقال المصطفى: (أجل، إني لأوعك كما يُوعَكُ الرجلان منكم، فقال ابن مسعود: ذلك بأن لك أجرين يا رسول الله؟ قال: أجل، فما من مسلم يصيبه أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من سيئاته). قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢ - ٣]. وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤] وفي الحديث: (أيُّ الناس أشد بلاءً؟ قال: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلباً زيد في البلاء، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه)، فالبلاء رحمة إن صبرت عليه، يكفر الله به عنك الخطايا. وأذكركم يا أصحاب الأسرة البيضاء! بهذا الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ : (لا يتمنين أحدكم الموت لضر وقع به، فإن كان لابد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي). وأختم هذه الرسالة -أيها المسلمون الصابرون- بهذه الكلمات الدقيقة لـ شداد بن أوس ﵁ إذ يقول: (أيها الناس! لا تتهموا الله في قضائه، فإنه لا يظلم أحداً، فإذا أنزل بك خيراً تحبه فاحمد الله على العافية، وإذا أنزل بك شيئاً تكرهه فاصبر واحتسب، واعلم أن الله جل وعلا عنده حسن الثواب). أسأل الله جل وعلا لهذه المرأة المسلمة أن يغفر لها وأن يتقبلها عنده في الشهداء، فالنبي ﷺ قد أخبر أن من مات من المسلمين ببطنه فهو شهيد عند الله جل وعلا، والحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : (ما تعدون الشهداء فيكم؟ قالوا: من قتل في سبيل الله فهو شهيد، فقال المصطفى: والله إن شهداء أمتي إذاً لقليل، من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات بالطاعون فهو شهيد، ومن مات في بطن فهو شهيد). وفي حديث صحيح: (ومن مات في غرق فهو شهيد)، وفي حديث صحيح: (ومن ماتت بجمع -أي أن تموت المرأة وهي تضع ولدها أو وولدها في بطنها- فهي شهيدة)، هذا فضل الله جل وعلا، فنسأل الله أن يتقبلها عندها في الشهداء، وأسأل الله لجميع إخواننا وأخواتنا من أصحاب الأسرة البيضاء ممن ابتلاهم الله بالأمراض والبلاء أن يجعل شفاءهم سهلاً ميسوراً، اللهم اشف مرضانا ومرضى المسلمين، اللهم اجعل شفاءهم سهلاً ميسوراً يا أرحم الراحمين، اللهم أبدلهم لحماً خيراً من لحمهم، ودماً خيراً من دمهم، وأنزل عليهم رحمة عاجلة من عندك يا أرحم الراحمين. وأخيراً أختم هذا اللقاء برسالة إلى أهل العافية من البلاء، أسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأرجئ الحديث عن هذا العنصر إلى ما بعد جلسة الاستراحة، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 1558

رسالة إلى أهل العافية من البلاء الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الأحبة! كان من الواجب أن أختم هذا اللقاء برسالة أوجهها إلى أهل العافية من البلاء، أذكر نفسي وإياكم جميعاً وأقول: اسجدوا لله شكراً على العافية بعد الإسلام، فإن الصحة تاجٌ يتلألأ على رءوس الأصحاء، لا يراه ولا يعرف قدره إلا المرضى. يا منْ مَنَّ الله عليك بالعافية بعد الإسلام! اسجد لربك شكراً على هذه النعمة، واعلم بأن نعم الله عليك لا تعد ولا تحصى ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم:٣٤]. يا من تستغل العافية من الله ونعمة الله عليك في معصيته! أما تستحي؟! أما تستحي يا من تتجرأ على معصية الله بنعمة الله؟! يا من استخدمت بصرك في تتبع العورات والحرام أما تستحي؟! تذكر من فقد بصره. يا من استخدمت سمعك في سماع الحرام! أما تستحي؟! تذكر من فقد سمعه. يا من استخدمت يدك في البطش والظلم! أما تستحي؟! تذكر من فقد يده. يا من استخدمت قدمك في السعي لمعصية الله! أما تستحي؟! تذكر من ألزمه المرض الفراش. يا من استخدمت منصبك وكرسيك الذي جلست عليه لظلم العباد وللتسفيه والتحقير لخلق الله! أما تستحي؟! تذكر ضعفك وفقرك وعجزك، فأنت مسكين ضعيف، ولولا أن الله قد أطلق لك البدن للزمت الأرض وللزمت الفراش، فإياك أن يغرك مركزك ومنصبك، وجاهك ووجاهتك، فأنت ضعيف أيها المسكين، تحمل البصاق في فمك، والمخاط في أنفك، والعرق تحت إبطيك، وتحمل البول في مثانتك، وتحمل والنجاسة في بطنك، وتمسح عن نفسك النجاسة بيدك كل يوم مرة أو مرتين ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار:٦] يا من غرك جاهك! اعلم أن الله قادر على أن يسلبه منك، واعلم أن كرسيك إلى زوال، وأن منصبك إلى فناء، إذ لو دام الكرسي الذي جلست عليه لأحد ما وصل إليك، فاعلم بأن الدنيا كلها إلى زوال، وبأن المناصب كلها إلى فناء. أين الظالمون وأين التابعون لهم في الغي بل أين فرعون وهامان أين من دوخو الدنيا بسطوتهم وذكرهم في الورى ظلم وطغيان هل أبقى الموت ذا عز لعزته أو هل نجا منه للسلطان إنسان لا والذي خلق الأكوان من عدم الكل يفنى فلا إنس ولا جان وصدق الله إذ يقول: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]. تذكروا هذا يا أهل العافية! فهناك من الناس من يظن أن الرزق هو المال، وينسى نعمة العافية، ونعمة الصحة، ونعمة الإسلام قبل ذلك. النفس تجزع أن تكون فقيرة والفقر خير من غنى يطغيها وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت فجميع ما في الأرض لا يكفيها هي القناعة فالزمها تكن ملكاً لو لم تكن لك إلا راحة البدن وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير الطيب والكفن ولله در القائل: دع الحرص على الدنيا وبالعيش فلا تطمع ولا تجمع من الحرام فلا تدري لمن تجمع فإن الرزق مقسوم وسوء الظن لا ينفع فقير كل من يطمع غني كل من يقنع

стр. 1559

أركان الشكر أيها الأحبة! والشكر يدور على ثلاثة أركان: الاعتراف بالنعمة باطناً، والتحدث بالنعمة ظاهراً، واستغلال النعمة في طاعة الله جل وعلا. فالحمد يكون باللسان والجنان، أما الشكر فإنه يكون باللسان والجوارح والأركان. قال الرحيم الرحمن: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ:١٣]، وفي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: (قام النبي ﷺ حتى تفطرت قدماه، فقيل له: ألم يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال المصطفى: أفلا أكون عبداً شكوراً). فالشكر يدور على اللسان والجنان -أي: القلب- والجوارح والأركان، فإن من الله عليك بالعافية فاشكر الله عليها، والشكر لا يكون إلا باستغلالها في كل ما يرضيه. إن منَّ الله عليك بالأولاد فاشكر الله على هذه النعمة، ولا يكون الشكر إلا بتربية الأولاد على كتاب الله وسنة الحبيب رسول الله. إن من الله عليك بالزوجة فاشكر الله على هذه النعمة، واتق الله فيها وربها على كتاب الله وعلى سنة رسول الله. إن منَّ الله عليك بمنصب أو كرسي فاشكر الله على هذه النعمة، وسخر الكرسي لتفريج هموم الناس وكرباتهم. إن منَّ الله عليك بالأموال فاشكر الله على هذه النعمة، واعلم بأن الشكر لا يكون إلا بالبذل والعطاء والإنفاق. وهكذا إن من الله عليك بالعلم، فاعلم بأن الشكر لا يكون إلا بالتعليم والتحرك هنا وهناك للدعوة إلى الله جل وعلا. إذاً: الشكر يدور على اللسان والجنان والأركان، فاشكروا الله يا أهل العافية! واسألوا الله أن يثبتها ويديمها عليكم، وأن يعيننا وإياكم على شكرها، وأن يعيننا وإياكم على استغلالها فيما يرضيه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. يا أهل العافية! لا تبخلوا على إخوانكم المرضى بالزيارة والدعاء، فحق المرضى علينا الزيارة، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس). واسمع إلى هذا الحديث الجميل الذي رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يقول الله تعالى يوم القيامة: يا ابن آدم! مرضت فلم تعدني، فيقول العبد: يارب! كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول الله جل وعلا: لقد مرض عبدي فلان، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده، يا ابن آدم! استطعمتك فلم تطعمني، فيقول العبد: يا رب! كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ فيقول الله جل وعلا: لقد استطعمك عبدي فلان، أما علمت بأنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، يا ابن آدم! استسقيتك فلم تسقني، فيقول: يا رب! كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ فيقول الله جل وعلا: لقد استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي). فمن حق المرضى علينا -نحن أهل العافية- أن نزورهم، وأن ندخل عليهم السعادة والبسمة والسرور، وأن نبث فيهم الأمل، وأن نكثر لهم من الدعاء. وأخيراً أقول: أيها الأحبة الكرام! جددوا التوبة والأوبة، وتذكروا أن الحياة والدنيا دار ممر، وأن الآخرة هي دار المقر، فخذوا من ممركم لمقركم، ولا تفضحوا أستاركم عند من يعلم أسراركم، وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون. أقبلوا على الله، وعودوا إلى الله -أيها الشباب- يا من استغللتم نعمة العافية في معصية الله. أيها الرجال! أيها الشيبان! أيتها المسلمات! فلنعد جميعاً إلى الله سبحانه! فنحن على ثقة من رحمة الله، ونحن على يقين بكرم الله وعفوه، قال جل في علاه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].

стр. 1560

الأزمة السكانية والحلول الغائبة قد ينزوي الحق في فترة من الفترات كأنه منهزم، وقد ينتفخ الباطل وينتفش كأنه غالب، إلا أن الحقيقة الكبيرة التي يقررها الله: أن الحق غالب ظاهر، وأن الباطل زاهق زائل. وما الأزمة السكانية التي يتغنى بها الغرب اليوم إلا أزمة مفتعلة ينطوي تحتها حقد دفين على العالم الإسلامي، وخوف شديد من زوال سيادتهم في السنوات القادمة كما قرره خبراء الغرب. وقد عقد الغرب المؤتمرات تلو المؤتمرات لإيجاد حل لهذه المشكلة، إلا أن الجمل تمخض فأولد فأراً، فإذا بها حلولاً تنطوي على عداء سافر، وغيظ شديد على العالم الثالث وأما من خالجه خوف من تزايد العدد السكاني، فإن هناك حلولاً تبدد هذا الخوف، وتبعث فيه الطمأنينة.

стр. 1561

الصراع بين الحق والباطل بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشرَّ الأمور محدثاتُها وكلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وطبتم جميعاً أيها الأحبة الكرام! وطاب ممشاكم وتبوأتم منزلاً من الجنة، وأسأل الله جل وعلا أن يجمعني وإياكم في هذه الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد الدعاة وإمام النبيين في جنته، ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! الأزمة السكانية والحلول الغائبة: هذا هو عنوان لقائنا مع حضراتكم في هذا اليوم الكريم المبارك، فأعيروني القلوب والأسماع، فإن هذا اللقاء في هذه الأيام بالذات من الأهمية بمكان، وسوف ينتظم حديثي مع حضراتكم في العناصر التالية: أولاً: صراع بين الحق والباطل. ثانياً: أزمة مفتعلة وحقد دفين. ثالثاً: حلول مقترحة. وأخيراً: الحلول الغائبة. فانتبهوا معي جيداً أيها المسلمون الكرام! وأسال الله جل وعلا -بداية- أن يجعلني وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٨]. أولاً: الصراع بين الحق والباطل. أيها الأحبة الكرام! إن الصراع بين الحق والباطل بين الإيمان والكفر بين الفضيلة والرذيلة بين الخير والشر صراع دائم مستمر لا تهدأ معاركه، ولا تخبو جذوته، وقد ينزوي الحقُ في فترة من الفترات كأنه منهزم، وقد ينتفخُ الباطلُ وينتفش في تلك الفترة كأنه غالب، ولكن المؤمنين الصادقين لا يخالجهم الشك أبداً في أنه مهما انتفخ الباطل وانتفش، ومهما بدا للعيان أن الحق ضعيف، لا يخالجهم الشك أبداً في هذه الحقيقة الكبيرة التي يقررها الله جل وعلا بذاته، ويؤكدها بصيغة التوكيد، ألا وهى أن الحق غالب ظاهر، وأن الباطل زاهق زائل. يقول الله : ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]، ويقول الله : ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٨]. أقول: تلك حقيقة وسنة ثابتة قامت عليها السموات والأرض وقام عليها أمر المعتقدات والدعوات إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾. أيها الحبيب الكريم! أقدم لموضوعنا اليوم عن الأزمة السكانية والحلول الغائبة التي كثر حولها الجدل في أروقة المؤتمرات والقاعات والمجالس طيلة الأيام الماضية، أقدم لهذه الأزمة -على حد تعبيرهم- بهذه المقدمة الموجزة؛ لأننا نشهدُ الآن مرحلةً من أخطر مراحل الصراع بين الحق والباطل، انتفخ في هذه المرحلة الباطلُ وانتفش، بل وعصفت رياح القنوط واليأس بكثير من قلوب شباب الأمة المخلص المتحمس ويتولى كبر هذه المرحلة من مراحل الصراع العالم الغربي الذي تقدم الآن لقيادة البشرية على حين غفلة من أمة القيادة والحق الذي من أجله خلق الله السموات والأرض والجنة والنار، ومن أجله أنزل الله الكتب وأرسل الله الرسل. يتولى كبر هذه المرحلة العالم الغربي الآن، فلقد شهدنا في هذه الأيام القليلة الماضية هذه الضجة الإعلامية، وهذه الأزمة المفتعلة والتي يسمونها بالأزمة السكانية أو الانفجار السكاني. فانتبه معي أيها الحبيب! لتتعرف على حقيقة هذه الأزمة، وعلى حقيقة هذا الحقد الدفين الذي شاء الله أن يظهره لكل غافل، وقد غط طيلة السنوات الماضية في السبات والرقاد. إنها أزمة مفتعلة وحقد دفين!

стр. 1562

أزمة مفتعلة وحقد دفين لقد أثار الغرب في الأيام الماضية ضجة إعلامية كبيرة عما يسمونه بالأزمة السكانية أو الانفجار السكاني، إذ تشير وثيقة المؤتمر الدولي للسكان والتنمية أنه بحلول عام (٢٠٥٠) يشير الإسقاطُ المنخفض للأمم المتحدة تعداداً سكانياً عالمياً يبلغ (٧. ٨) بليون نسمة، ويشير الإسقاطُ العالي لخبراء الإسكان في الأمم المتحدة تعداداً سكانياً عالمياً يبلغ (١٢. ٥) بليون نسمة، وهذا على حد قولهم! يقولون: وهذه كارثة بكل المقاييس، إذ من المستحيل أن تفي الأرض باحتياجات هذه الأفواه الجائعة! يقولون هذا، وقد نسي هذا الإنسان المتبجحُ المغرور أنه لن يستطيع مؤتمر للسكان على ظهر الأرض أن يحدد السكان على ظهر الأرض إلا بالقدر الذي يريد رازق السكان ﷻ . ونسي الإنسان المغرور أن من يأتي غداً إلى الحياة إنما سيأتي إلى هذه الحياة بأمر الله لا بأمر الهندسة الوراثية التي عبدها الغرب اليوم في الأرض من دون الله جل وعلا. أما هؤلاء المتبجحون الذين جلسوا على الكراسي ليشرعوا وليقترحوا الحلول العاجلة لتلك الأزمة السكانية، -واضحك معي بملء فمك، فقد جلسوا ليناقشوا ويجادلوا فيمن يأتي إلى الحياة غداً ومن لا يأتي، ومن يُخلق ومن لا يخلق، وهم أنفسهم لا يملكون أن يكونوا بين الأحياء أو الأموات، فالكل راحل رغم أنفه وإن طالت به الحياة! ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] ﷻ ! ولابد أن نعلم -أيها الأحبة الكرام- وأن تستقر هذه الحقائق في قلب كل مسلم أن الغرب ما تحرك في هذه الأيام الماضية لحل هذه الأزمة المفتعلة والتي يسمونها بالأزمة السكانية من أجل سواد عيون الدول النامية، أو حرصاً على شعوبها، أو خوفاً على مطعام أهلها، كلا، فإن الغرب لا يزعجه مطلقاً أن تعيش هذه الأفواه أو أن تموت، بل إنه هو الذي يبيدها كل يوم بهذه الأسلحة الفتاكة المدمرة التي أعدت لتبيد البشرية جمعاء. أيها الأحباب! لا يتورع الغرب كل يوم عن أن يبيد العشرات -أو إن شئت فقل: المئات- بأسلحة الدمار التي اخترعها، بل وبحرمان الدول النامية -التي جاء الغرب اليوم ليتغنى بأنه ما جاء إلا لتنمية مواردها الاقتصادية- من هذا الفائض الكبير في موارده الإنتاجية، ويتعمد أن يلقي بهذا الفائض من تلك الموارد في البحر وهو يرى بعينه الآلاف المؤلفة من أبناء هذه الدول يموتون جوعاً ولا يقدم لهم شيئاً؛ لأنه لا يريد لأهل هذه البلاد الإسلامية أن ترفع رءوسها خفاقة عالية، بل تظل دول العالم الثالث -على حد تعبير الغربيين- قصعة مستباحة لهؤلاء المجرمين والموتورين. لابد أن نعلم يقيناً وأن تستقر هذه الحقائق في قلوبنا: أن الغرب الكافر ما تحرك اليوم لحل المشكلة السكانية في دول العالم الثالث -على حد تعبيرهم- إلا خوفاً على مصالحه، وخوفاً من أن يهتز ميزان القوى العالمية، وأن تتحول السيادة بعد ذلك إلى الشرق المسلم، وهذا الكلام لا أقوله تضميداً للجراح، ولا تسكيناً للآلام، ولا من باب الأحلام الوردية، كلا، ولكنها دراساتهم وأبحاثهم التي تأصل هذه الحقائق التي يغفل عنها المسلمون وحكامهم.

стр. 1563

أهداف الأزمة السكانية المفتعلة أيها الأحبة! إن هذه الخلفية العلمية التاريخية التي سأذكرها لكم الآن هي التي تبين خطورة هذه الهجمة الشرسة على العالم الإسلامي؛ لشل نسله ولإيقاف نموه: منذ عدة سنوات وخبراء السياسة والاجتماع يحذرون بشدة من مصير نفوذ أوروبا وأمريكا على مستوى العالم إذا ما استمرت معدلات النمو السكاني -على ما هي عليه الآن- دون ضبط أو تعديل، إذ تشير الدراسات لخبراء السكان في الأمم المتحدة -التي تعبد اليوم في الأرض من دون الله ويقرر خبراؤها أنه بعد انتهاء القرن الحادي والعشرين سيكون في مقابل كل فرد أوربي أو أمريكي ثمانية عشر فرداً من أبناء العالم الثالث وهذه كارثة بكل المقاييس. هذا على حد تعبير مسئول كبير في مركز الأبحاث السكانية الدولية في باريس. فرد واحد أوربي أو أمريكي سيقابله ثمانية عشر فرداً من أبناء العالم الثالث -أي: من أبناء الدول الإسلامية- وهذا على حد تعبيرهم كارثة بكل المقاييس. ويؤكد هذه الحقيقة أيضاً المفكر الألماني الشهير باول شمتز إذ يقول: تشير ظاهرة النمو السكاني في أقطار الشرق الإسلامي إلى احتمال وقوع هزة في ميزان القوى في العالم كله. يقول هذا المفكر الألماني: فإن ما لدى الشعوب الإسلامية من خصوبة بشرية تفوق ما لدى الشعوب الأوربية من هذه الخصوبة البشرية، وهذا الكم الهائل في الإنتاج البشري يهيئ الشرق إلى أن ينقل السلطة من الأوربيين إلى الشرق المسلم في مدة لا تتجاوز بضعة عقود. ويؤكد هذه الحقيقة أيضاً: المفوض السابق لشئون اللاجئين بالأمم المتحدة، إذ يقول: إن الزيادة السكانية المضطردة في دول العالم الثالث في الدول الإفريقية بصفة خاصة تشكل تهديداً أمنياً لجميع الدول الأوروبية بصور مباشرة. ويؤكد هذه الحقيقة أيضاً: مركز الدراسات الإستراتيجية في وزارة الدفاع الأمريكية، فلقد أجرى هذا المركز سلسلة من الدراسات طيلة السنوات الماضية، وانتهت هذه الدراسات إلى هذه الحقيقة المزعجة المرعبة لهم، إذ تقول هذه الدراسات: إن الزيادة المضطردة في النمو السكاني لدول العالم الثالث يهدد بصورة مرعبة المصالح الإستراتيجية الأمريكية بصورة مباشرة. ثم تقول الدراسة: فيجب على الولايات المتحدة أن تبذل الآن جهوداً كثيرة لوقف النمو السكاني للعالم الثالث بقدر ما تبذله الولايات المتحدة من جهود في إنتاج الأسلحة الجديدة المتطورة. هل انتبهت أيها المسلم؟! هل رأيت ما ذكرت لك؟! هذه حقائق يقررها هؤلاء أنفسهم!! إن النمو السكاني يهدد بصورة مباشرة مصالح الغربيين، وهذه أبحاثهم وتلك دراساتهم، ومن ثم فهم لا يهدأ لهم بال ولا يقر لهم الآن قرار، ويبذلون كل المحاولات لوقف هذا النمو السكاني في بلاد العالم الإسلامي لا من أجل سواد عيون هذه البلاد، ولا من أجل التنمية لموارد هذه البلاد -فهذه أضحوكة ضحكوا بها على كثير من المسلمين- ولا لمصلحة شعوبنا، ولا حرصاً على عافيتنا -لا ورب الكعبة! - بل ما جاءوا إلا خوفاً من اهتزاز ميزان القوى العالمية لصالح البلدان الإسلامية التي تتمتع الآن بخصوبة بشرية كبيرة. ومن ثم -أيها الأحبة الكرام- جاءت هذه الحملة الإعلامية تحت هذا الغطاء الذي يسمونه بـ (الأمم المتحدة) في هذا المؤتمر وقرر فيه المعونات الكبيرة لتحديد النسل بصورة خاصة في البلاد التي تشكو من كثرة عدد النسل، بل وحتى في البلاد التي تشكو من قلة النسل كسوريا، والعراق، والأردن، ولبنان، والسودان، ولم ينس الغرب هذه البلاد من هذه المعونات لوقف النسل وللحد من النمو السكاني، مع أن هذه الدول تشكو أصلاً من قلة عدد السكان، ومن ثم فهم لا يتورعون الآن من سن أي تشريع وأي قانون يصلون من خلاله لوقف هذا الزحف الهائل للنمو السكاني في بلاد العالم الثالث على حد تعبيرهم. وهذه الخلفية التي ذكرت لابد منها؛ لكي نفهم مراد هذه الصولة وهذا الإعلام الذي يشن من خلاله الآن تلك الحملة على النمو السكاني في بلاد العالم الإسلامي.

стр. 1564

الحلول المقترحة من المؤتمرات الغربية لحل الأزمة أيها الأحبة! ومن ثم جاءت الحلول المقترحة -وهي تضحك وتبكي في آن واحد، وهي: أولاً: خرج علينا جراح كبير في لندن يقترح حلاً جذرياً لمشكلة الانفجار السكاني، إذ يقول هذا العبقري الفذ: إنني أقترح حلاً لمشكلة الانفجار السكاني وهو تخليق فيروس عن طريق الهندسة الوراثية يصيب الرجال والنساء بالعقم جميعاً! ثم يقول هذا العبقري: وحتى نهتدي لتخليق هذا الفيروس يجب أن نعلن أنه لا يجوز لأحد أن ينجب إلا بتصريح رسمي من وزارة الصحة، وإذا تعدى واحد من الناس وأنجب بدون صك غفران من وزارة الصحة، يجب أن يعاقب وأن يحرم من التأمين الصحي، وأن تفرض عليه غرامة كبيرة. يقول: فإن تجاوز هذه العقوبات وأنجب بعد ذلك يجب أن يسجن وأن يعامل معاملة الشخصيات الخطرة!! ويخرج علينا عبقري آخر من جامعة (استانفورد) بأمريكا، يقول: إنني أقترح لحل المشكلة السكانية، أن يخلط القمح الذي يصدر إلى دول العالم الثالث بالعقاقير الطبية التي تمنع الحمل. وكأن هذه البلاد في نظر هذا الوقح وأمثاله مزرعة للدواجن أو حظيرة لفئران التجارب سبحان الله العظيم!. واقترح بعض المؤتمرين -إلا أن البعض الآخر قد اعترض على هذا الاقتراح- لحل المشكلة السكانية: الإجهاض، وممن اعترض أبناء الوفود الإسلامية التي شاركت في مثل هذا المؤتمر؛ لأنها قضية محسومة في شريعتنا وفي ديننا، ولست الآن بصدد بيان الحكم الشرعي في تلك المسألة الخطيرة. لكنه الإنسان في غلوائه ضلت بصيرته فجن جنونا ويحي لمنتحر كأن بنفسه من نفسه حقد الحقود دفينا اعتد أسلحة الدمار فما رعت طفلاً ولا امرأة ولا مسكينا واليوم مد يديه للأرحام تو تلعان منها مضغة وجنينا قد صيغ من نور وطين فانبرى للنور يطفئه ولبى الطينا ما أضيع الإنسان مهما قد رقى سبل العلوم إذا أضاع الدينا ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٧]. ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٧ - ٩٩]. واقترح المؤتمر اقتراحاً رابعاً وهو: تأخير سن الزواج، ولابد أن نعلم بداهة أن هذا الاقتراح إنما يفتح المجال بمصراعيه للبدائل الأخرى من الجنس الآخر، وليس هذا تعسفاً مني، وإنما قد صرحت الوثيقة للمؤتمر الدولي للسكان والتنمية بهذا، وهي عندي لمن أراد أن يطالعها، فقد قالت الوثيقة في الفصل الخامس في الصفحة رقم (٣٠): ينبغي على الحكومات أن تتخذ الإجراءات الفعالة للقضاء على جميع أشكال الإكراه والتمييز في السياسات والممارسات التي تتعلق بالزواج أو بأشكال الاقتران الأخرى. اهـ والزواج معروف والحمد لله، لكن أشكال الاقتران الأخرى هي: زواجُ الرجل بالرجل، وزواج المرأة بالمرأة، وهذا يقطع النسل من أقصر طريق، ويؤدي إلى عدم التكاثر الجنسي. هذه بعض المقترحات التي اقترحها المقترحون لوقف نمو سكان العالم الإسلامي، ونسي هؤلاء الذين شاء الله أن يفضحهم على رءوس الأشهاد في الدنيا قبل الآخرة إن لم يتوبوا ويعودوا إلى منهج الله ، وأن يتعرف العالم على سفاهة عقول القلة المترفة التي تحكم وتقود العالم بأسره الآن، -نسي هؤلاء بعمد مفضوح أن المنجم الحقيقي للتنمية هو الإنسان، وليست المشكلة في الكثافة السكانية، ولا في قلة الموارد، كذبوا ورب الكعبة! إننا نرى الآن دولاً تسقط ثمارها الناضجة من غير فعل الإنسان على الأرض، ولا تجد من يأكلها! ففي بلاد السودان أكثر من سبعين مليون فداناً صالحاً للزراعة -سبحان الله! - ولا تجد هذه الأرض من يزرعها، بل ولا من يأكل ثمارها في العراق في سوريا في الأردن في لبنان ليست المشكلة في قلة الموارد وليست المشكلة في الكثافة السكانية، ولكن المشكلة في حكام متسلطين، وفي سياسات ديمقراطية مدمرة، وفيروس قاتل يدمر الموارد، ويبدد الطاقات فيما لا جدوى من ورائه ولا طائل منه. إنه التكاسل عن استثمار هذه الموارد واستغلالها! إنه الروتين القاتل! إنه غلق أبواب الإبداع والابتكار أمام هذه الطاقات الإنسانية الهائلة. ليست الكثافة السكانية هي المشكلة، بل إن أرض الله واسعة، أمدها الله بالخيرات، ولكنه تقاعس الإنسان، بل وإن شئت فقل: ظلم الإنسان، فها نحن نرى فائضاً في الموارد عند بعض الدول الغنية المترفة، ترمي به في البحر في كل عام، ولا تمد يد المعونة والمساعدة للدول الإسلامية التي جاء الغرب اليوم ليتغنى بأنه ما جاء إلا حرصاً على عافية شعوبها وتنمية مواردها. وأمامنا بعض الأمثلة تستحق الدراسة بعناية فائقة: اليابان -مثلاً- كدولة من الدول، يزيد عددُ سكانها عن مائة وعشرين مليوناً، ومع هذا فإن عدد السكان يعيشون على مساحة تقل عن مساحة أرض مصر، وبالرغم من هذا نرى فائضاً في الإنتاج، بل نرى فائضاً يفوق الفائض الأمريكي، بل وأصبحت أمريكا الآن تلوح بالتهديد المباشر -كما في الأيام والأشهر الماضية- لليابان إذا لم تفتح أسواقها أمام المنتجات الأمريكية. اليابان لا تملك البترول، ولا تملك الحديد، ولا تملك الفحم، ومع هذا فهي من أغنى دول العالم اليوم؛ لأنها تملك أغلى كنز ألا وهو الإنسان. استغلت هذا الإنسان استغلالاً علمياً مركزاً منظماً، فوصل الإنسان الياباني إلى ما نراه الآن، حتى أنه من آخر ما وصلوا إليه أنهم صنعوا مصعداً -الأصنصير- بالصوت -يستجيب بالصوت- دون أن تضغط على زر كهربائي أو غيره، فإذا ما جلست فيه تستطيع أن ترسل إشارة صوتية إلى هذا المصعد فينزل إليك في الحال. قالوا: وإذا كان هناك من هو أعلى ينادي ومن هو أسفل ينادي واضطربت الأصوات فحينئذٍ يبرمج هذا المصعد بأن لا ينزل إلا على من نادى عليه أولاً! سبحان ربي العظيم! إنه الإنسان الذي خلقه الله ﷻ : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٢ - ١٤] إنه الإنسان! ومثل هذه التجربة تقال أيضاً عن هونج كونج سنغافورة كوريا عن هذه النمور الأسيوية التي بدأت الآن في الانطلاق. إذاً يا سادة! المشكلة لا تتمثل في كثافة السكان كما ادعى هؤلاء، ولا تتمثل في قلة الموارد التي وهب الله الأرض بها، وإنما تتمثل في سوء التوزيع وسوء الاستغلال في هذه الموارد، وعلى سبيل المثال: ففي مصرنا يعيش أكثر من (٩٧. ٧) من مجموع السكان في شريط ضيق في وادي الدلتا والنيل ويحتشدون فيه احتشاداً رهيباً، وبقية المساحة التي تصل إلى مليون كيلو متر مربع، والتي يغلب عليها الطابع الصحراوي، إذ تمثل الصحراء من مجموع المساحة الكلية (٩٦%)، وبالرغم من هذا لا يسكن هذه المساحة بأكملها إلا (٦٧١) ألف نسمة! والملايين المملينة الأخرى تحتشد إحتشاداً رهيباً في وادي الدلتا والنيل. إنه سوء توزيع وسوء استثمار، ومع هذا فإن هذه المشكلة لا تستلفت الأنظار ولا الانتباه، بقدر ما توجهت الاهتمامات لمشروع الحد من النسل أو تنظيم النسل. أيها الأحبة الكرام! القضية لا تتمثل في كثافة السكان ولا في قلة الموارد، ومن ثم نعرض سريعاً في العنصر الأخير من عناصر هذا اللقاء الحلول المقترحة ينبغي أن تسمع من الإسلاميين، وأسأل الله جل وعلا أن يوفقنا جميعاً إلى ما يحبه ويرضاه، وأن يتقبل منا وإياكم جميعاً صالح الأعمال.

стр. 1565

الحلول الغائبة الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الأحبة! سامحوني على هذه الإطالة المتعمدة بمثل هذه المعلومات، فربما ظن بعض الأحبة أنه لم يكن هناك داعٍ على الإطلاق لأن نخصص جمعة كاملة لمثل هذا الموضوع، ولكنني أخالفه شكلاً وموضوعاً، فإن هذه القضايا لابد أن تستقر في عقولنا وقلوبنا؛ وحتى نستطيع أن نفهم فهماً دقيقاً، وأن نعي وعياً عميقاً حجم هذه المؤامرة الشرسة، وخطورة هذه المرحلة الراهنة من مراحل الصراع. هذا هو البعد الحقيقي والحجم الطبيعي لقضية تحديد النسل، ولابد لكل مسلم أن يعيه وأن يعرفه وأن يلم به إلماماً.

стр. 1566

التيقن أن الرزاق هو الله وأخيراً: نقترح نحن هذه الحلول: أولاً: كنا نود أن نقول لتلك الجمهرة من جميع أنحاء العالم أنهم قد نسوا حقيقة كبيرة تسمى بالرزاق ذو القوة المتين. إنها حقيقة تملأ قلب كل موحد، الرزاق الذي تكفل بأرزاق العباد والدواب على ظهر هذه الأرض، وأوجب على نفسه -اختياراً منه سبحانه- رزق كل دابة تدب على سطح الأرض، فقال جل وعلا: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود:٦]. أيها الحبيب الكريم! هذه الدواب التي لا يحصيها علم ولا يلم بها إحصاء بشري رزقها على ربي جل وعلا، أوجب الله على نفسه ذلك اختياراً منه سبحانه. وأنا أقول: إذا كان ربنا يرزق الكفار أينسى من وحدوا العزيز الغفار؟! إنه الرزاق ذو القوة المتين! وانظر معي وتدبر معي هذه اللفتة القرآنية اللطيفة، إذ يقول الله : ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٢ - ٢٣]. الرزق في السماء مع أن الأسباب الظاهرة لأرزاقنا في الأرض! ولكن الله جل وعلا يريد أن يلفت القلوب النقية والعقول الذكية إلى وجوب الأخذ بالأسباب في هذه الأرض، والتيقن أن الأسباب وحدها لا تضر ولا تنفع، ولا ترزق ولا تمنع، إلا بأمر مسبب الأسباب ﷻ . ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾. واسمع إلى هذا الحديث العظيم الذي رواه الإمام مسلم من حديث أبي ذر ﵁: (أنه ﷺ قال: قال الله تعالى: يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا، يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم)، من الذي يطعم هذه الأفواه؟! ليس الشرق الملحد وليس الغرب الكافر يا حكام المسلمين! لا يطعم هذه الأفواه إلا خالقها ﷻ : ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]. لا تخشوا فقد معونة شرقية ولا معونة غربية، فإن الذي يرزق الشرق الملحد والغرب الكافر هو الله، أفيرزق الله الكفار وينسى من وحدوا العزيز الغفار؟! (يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه). وتدبر معي هذا الحديث المبارك الذي رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري في كتاب التوحيد من حديث أبى هريرة أنه ﷺ قال: (إن يمين الله ملأى لا تغيظها نفقة -أي: لا تنقصها النفقة- سحاء الليل والنهار). ما أنفقه ربكم منذ خلق السموات والأرض لم ينقص ما في يمينه جل وعلا. إذاً: أيها الأحبة! إننا نرفع رءوسنا وإن ضحك العلمانيون بملء أفواههم وقالوا: انظروا لهذا الدرويش الذي جاء يقترح علينا حلاً للمشكلة والأزمة السكانية، ويتمثل اقتراحه وحله في كلمة اسمها: (الرزاق)، بل وربما تأتي الجرائد على صفحاتها الأولى وتحكي قصة هذا الرجل البدائي الذي جاء ليحل هذه الأزمة باسم الرزاق، ومع هذا فإننا نؤمن بهذه الحقيقة بقدر ما يكذب بها العلمانيون. ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٢ - ٢٣]، واسمحوا لي أن أكرر عن عمد قصة تلك البنت التقية بنت حاتم الأصم رحمه الله تعالى الذي أراد أن يحج بيت الله الحرام يوماً من الأيام، فجمع أبناءه وقال: إني ذاهب لحج بيت الله، فقال الأولاد: ومن يأتينا بطعامنا وشرابنا؟ فقالت بنت من بناته: يا أبتِ! اذهب لحج بيت الله فإنك لست برازق، وانطلق الرجل، وبعد أيام قليلة انتهى الطعام في بيت حاتم الأصم، وانطلقت الأم لتأنب هذه الفتاة التقية النقية، وسرعان ما عرفت الفتاة الحل والعلاج، فخلت هذه الفتاة بنفسها لترفع شكواها إلى الرزاق ذي القوة المتين، إلى من يسمع دبيب النملة السوداء تحت الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، وفي هذا الوقت كان أمير البلدة يمر على الرعية ليتفقد أحوالهم، وأمام باب حاتم الأصم أحس بعطش شديد، فقال الأمير: ائتوني بكوب من الماء، فدخل شرطي من الشرطة على بيت حاتم الأصم وهو أقرب باب، فأحضروا كوباً نظيفاً وماءً بارداً، فلما شرب الأمير قال: بيت من هذا؟ قالوا: بيت حاتم الأصم، قال: هذا العبد الصالح؟ قالوا: نعم. قال: الحمد لله الذي سقانا من بيوت الصالحين، أين هو لنسلم عليه؟ فقالوا: ذهب لحج بيت الله الحرام، فقال الأمير: إذاً حق علينا أن نكافئ أهل بيته في غيبته. لقد استجاب الله دعاء الفتاة في الحال أليس ربك هو القائل: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]. استجاب الله دعاءها، فأرسل الأمير بكيس مملوء بالذهب وألقاه في بيت حاتم الأصم، ولكن الرزاق أراد الزيادة، فالتفت الأمير إلى الشرطة من حوله، وقال: من أحبني فليصنع صنيعي، ومن أحبه ومن لم يحبه فسوف يلقي ما معه من مال لعل الله أن يكرمه في أول تشكيل وزاري ليصبح وزيراً، فألقى كل شرطي ما معه من الأموال وامتلأ بيت حاتم بالذهب ودخلت الفتاة التقية النقية تبكي، فدخلت عليها أمها وإخوانها يقولون لها: تعالي! لماذا البكاء؟ لقد امتلأ بيتنا بالذهب وأصبحنا أغنى الناس في البلدة، فنظرت إليهم الفتاة التقية المؤمنة وقالت: لقد نظر إلينا مخلوق نظرة فاغتنينا، فكيف لو نظر الخالق إلينا؟! إنه الرزاق ذو القوة المتين الذي قال وقوله الحق: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣].

стр. 1567

التقوى ثانياً: الإيمانُ والتقوى: فليضحك العلمانيون بملء أفواههم، فإن الإيمان والتقوى من أعظم الأسباب لحل المشكلة السكانية. كيف ذلك؟ اسمع إلى الحق سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦] هذه حقيقية أيضاً، وينبغي أن تستقر حقيقة الإيمان في قلوبنا، وأن نحقق التقوى لربنا جل وعلا.

стр. 1568

الاستغفار ثالثاً: الاستغفار: ما علاقة الاستغفار بالمشكلة السكانية؟ إنه مفتاح حلها! كيف ذلك؟ اسمع إلى الحق سبحانه وهو يقول حكاية عن نبيه نوح ﵇: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ﴾ [نوح:١٠ - ١٢] بأموال لا يحتاجون بعدها إلى المرابي الأكبر -صندوق النقد الدولي- ولن تخشوا بعدها قطع معونة شرقية ولا غربية، فاستغفروا ربكم جل في علاه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح:١٠]. ما هي النتيجة؟ ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا * مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١١ - ١٣]. ما لكم لا توحدون الله حق توحيده؟ ولا تعبدون الله حق عبادته، ولا تجلون الله حق جلاله، ولا تقدرون الله حق قدره سبحانه؟ ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣].

стр. 1569

الاستغلال الأمثل للموارد رابعاً: الاستغلال الأمثل للموارد بالعدالة في التوزيع، وبكسر الحاجز الجغرافي والنفسي الذي وضعه الاستعمار بين شعوب العالم الإسلامي؛ لتكون خطوة أولى على طريق التكافل والتكامل، لاسيما ونحن نعيش الآن عصراً يسمى بعصر التكتلات، ولا أريد أن أتوقف طويلاً -أيها الأحبة- ولكن هذا ما ندين الله به في هذه المشكلة الخطيرة وهذه الأزمة السكانية الكبيرة التي يعاني منها الغرب ويتغنون بها في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة طيلة الأشهر الماضية. أسأل الله أن يرد الأمة إليه رداً جميلاً. اللهم رد الأمة إليك رداً جميلاً اللهم رد الأمة إليك رداً جميلاً اللهم رد الأمة إليك رداً جميلاً اللهم خذ بنواصينا إليك! اللهم خذ بنواصينا إليك اللهم عجل بالقائد الرباني الذي يحكم الأمة بكتابك وبسنة نبيك المصطفى ﷺ . اللهم استرنا ولا تفضحنا وأكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا! اللهم وسع أرزاقنا اللهم وسع أرزاقنا اللهم ارزقنا الحلال الطيب وبارك لنا فيه، وابعد عنا الحرام وإن كان كثيراً يا أرحم الراحمين. اللهم احصن نساءنا وبارك في أولادنا، واجعلهم قرة عين لنا في الدنيا والآخرة. اللهم بقدرتك ورحمتك أطعم المسلمين الجياع، واكس المسلمين العراة. اللهم أطعم المسلمين الجياع اللهم أطعم المسلمين الجياع اللهم اكس المسلمين العراة اللهم اكس المسلمين العراة اللهم احمل المسلمين الحفاة بقدرتك ورحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم استرنا ولا تفضحنا وأكرمنا ولا تهنا وكن لنا ولا تكن علينا! اللهم بقدرتك وعظيم رحمتك ارفع عن مصرنا الغلاء والبلاء! اللهم ارفع عن مصر الغلاء والبلاء اللهم ارفع عن مصر الغلاء والبلاء والفتن والوباء اللهم اجعل مصر واحة للأمن والأمان واحة للرخاء والاستقرار اللهم وسع أرزاق شعبها اللهم وسع أرزاق أهلها اللهم وسع أرزاق أهلها اللهم! اجعل مصر سخاء رخاء وسائر بلاد المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أغننا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، أنت ولي ذلك والقادر عليه! إلهنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وارفع اللهم مقتك وغضبك عنا اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا! اللهم إنا ضعاف فقونا اللهم اجبر كسر قلوبنا، واغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وآمن روعاتنا، واكشف همومنا، وأزل غمومنا، وفرج كروبنا، يا غياث المستغيثين! ويا مجيب المضطرين يا غياث المستغيثين! ويا مجيب المضطرين يا غياث المستغيثين! ويا مجيب المضطرين ويا كاشف هم المهمومين! ويا مفرج كرب المكروبين! ويا مفرج كرب المكروبين! يا ودود يا ودود! يا ودود يا ودود! يا ودود يا ودود! يا ذا العرش المجيد! يا فعال لما يرد! يا من ملأ نوره أركان عرشه! يا مغيث المستغيثين! ويا مجيب المضطرين! ويا مفرج كرب المكروبين! يا منقذ الغرقى! ويا منجي الهلكى! ويا سامع كل نجوى! يا عظيم الإحسان! ويا دائم المعروف! إن أردت بالناس فتنة فاقبضنا إليك غير خزايا ولا مفتونين ولا مفرطين، ولا مضيعين ولا مبدلين ولا مغيرين! اللهم إنا نعوذ بك من الذنب بعد العطاء اللهم إنا نعوذ بك من الذنب بعد العطاء اللهم إنا نعوذ بك من الذنب بعد العطاء اللهم اقبلنا وتقبل منا، وتب علينا وارحمنا، إنك أنت التواب الرحيم! أحبتي في الله! هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويلقى به في جهنم، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.

стр. 1570

ففروا إلى الله إن الناظر إلى الحضارة الغربية اليوم وما شاع فيها من انتشار للفواحش من زنا وشذوذٍ جنسي وغير ذلك، والتقنين لها وحمايتها من قبل الحكومات، ليدرك مدى الانتكاسة والأزمة الأخلاقية التي تعيشها هذه الحضارة، وما ذاك إلا لبعدها عن منهج الله تعالى ودينه وشرعه.

стр. 1571

أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وطبتم جميعاً وطاب ممشاكم وتبوأتم منزلاً من الجنة، وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل مني وإياكم جميعاً صالح الأعمال، وأن يجمعنا في هذه الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد الدعاة وإمام النبيين في جنته ومستقر رحمته؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! ففروا إلى الله!! هذا هو عنوان محاضرتنا في هذه الليلة الكريمة المباركة، وحتى لا ينسحب بساط الوقت من تحت أقدامنا سريعاً، فسوف ينتظم حديثي مع حضراتكم في العناصر التالية: أولاً: سفينة واحدة. ثانياً: انتكاس الفطرة. ثالثاً: عقاب إلهي. وأخيراً: لا ملجأ من الله إلا إليه. فأعيروني القلوب والأسماع فإن هذا اللقاء من الأهمية بمكان، وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل مني وإياكم صالح الأعمال، وأن يجعلني وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، فأولئك الذين هداهم الله، وأولئك هم أولو الألباب. أولاً: سفينة واحدة: أيها الأحبة! نحن جميعاً ركاب سفينة واحدة، إن نجت نجونا، وإن هلكت هلكنا جميعاً، ولقد جسَّد النبي صلى الله عليه وآله سلم هذه الحقيقة في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري من حديث النعمان بن بشير، أنه ﷺ قال: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً حتى لا نؤذي من فوقنا، يقول المصطفى ﷺ : فإن يتركوهم وما أردوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً). وهذا مثل دقيق يضربه المصطفى ﷺ لأبناء المجتمع الواحد، فهذا المجتمع كالسفينة، إن لم يوجد في هذا المجتمع أهل الصلاح الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، فإن الهلاك سيصيب الجميع، وإن السفينة ستغرق بالجميع، ولن يفرق الهلاك ساعتها بين الصالحين والطالحين. وفرق بين المصلح والصالح، فلابد من وجود المصلحين الذين يأخذون على أيدي السفهاء الساقطين والواقعين في حدود رب الأرض والسماء جل وعلا. لابد أن تكون هناك فئة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر لا تأخذها في الله لومة لائم، تبين هذه الفئة المصلحة الصادقة الحق والباطل؛ حتى لا يعم الله الجميع بعقاب من عنده. أيها الأحبة! هذه الفئة المصلحة سبب من أسباب نجاة المجتمع من الإهلاك العام؛ لأن النبي ﷺ قد جعل الإنكار فرض عين على كل مسلم وإن اختلفت مراتبه ودرجاته، إلا أنه لابد من أن تبقى درجة من درجات الإنكار فرض عين على كل مسلم لا يعذر منها إن تركها على الإطلاق؛ فلقد ثبت عند مسلم من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﵌ قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان).

стр. 1572

العلمانية تدعو إلى إماتة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن مسعود أنه ﵌ قال: (ما من نبي قد بعثه الله قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنه تخلف من بعدهم خُلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) أي: أن كل مسلم إن عجز أن ينكر بيده أو أن ينكر المنكر بلسانه لم يعذر أن ينكر المنكر بقلبه، بمعنى أن يبغض المنكر وأهله لا أن يأنس أو يسعد بهم أو أن ينكر على منكره في يوم من الأيام، ثم بعد ذلك تتوالى الأيام، فيعايش أهل المنكر بأريحية وانشراح صدر فلا يتألم قلبه بعد ذلك لهذا المنكر. ولذلك أيها الأحبة الكرام! خشي صدِّيق الأمة يوماً هذه السلبية القاتلة التي يرفع اليوم شعارها العلمانيون، وهي: دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله إنك لن تبدل الكون، ولن تغير نظامه. إذاً: لا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة، فما عليك إلا أن تصلي لله، وأن تتعبد لله ، فواجب عليك حينئذ أن تغض الطرف عن كل منكر تراه عينك، أو تسمعه أذنك، أو تراه مجدداً في واقعك الذي تراه فيه، فهذا هو معنى: دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله!! بل قد يتشدق أحد العلمانيين -كالثعلب الذي برز يوماً في ثياب الواعظين- ليقنِّن هذه السلبية القاتلة، وليقنِّن هذه السلبية المدمرة بآية من كتاب الله ، فربما يقرأ على أسماعنا قول الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥]، ومن منطلق هذا الفهم المغلوط لهذه الآية الكريمة انطلق كثير من الناس يرددون ما يقوله العلمانيون: (دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله) فلا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة، فلا مانع على الإطلاق من أن نرى مسلماً يصلي لله جل وعلا، ثم يخرج لترى زوجته عارية لترى بناته متبرجات أو لترى أمواله في البنوك يأكل من الحرام والربا، أو ليمتثل قول الله في سورة البقرة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣] ويضيِّع أمر الله في السورة نفسها: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٩] فالإسلام في بيوت الله فحسب، أما إن خرج المسلم من المساجد فلا داعي على الإطلاق أن نزجَّ بالإسلام في قضايا الإعلام، أو في قضايا الإجهاض، أو في قضايا الإسكان، أو في قضايا الانفجار السكاني، أو في قضايا التعليم، أو في قضايا الإخصاب، أو في قضايا المرأة؛ لأن الإسلام أسمى وأجل من أن نزج به في مثل هذه القضايا والمسائل هكذا زعموا قاتلهم الله!

стр. 1573

خطورة عدم تغيير المنكر (دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله) شعار يدندن حوله الآن العلمانيون في كل مناسبة أو بدون مناسبة، ويستدل بعضهم بقول الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥]، ولقد خشي الصديق هذه السلبية المدمرة يوماً فارتقى المنبر وقال: أيها الناس! إنكم تقرءون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه، أوشك الله أن يعمهم بعقابه) وفي لفظ: (إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه، يوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده) والحديث رواه أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه، والترمذي في السنن، وحسنه الحافظ ابن حجر، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع. أيها الأحبة الكرام! لابد أن نعلم أن وجود المصلحين سبب من أسباب النجاة للأمة بأسرها، وسبب من أسباب عدم الإهلاك العام للأمة، فلابد أن توجد هذه الفئة الصالحة في نفسها المصلحة لغيرها، التي لا تترك الواقعين في حدود الله ينخرون بمعاول من الذنوب والمعاصي في هذه السفينة حتى تغرق بالجميع، وإن كان فيها الصالحون. إن هذه الفئة إن تخلت عن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتخلت عن الأخذ على أيدي السفهاء الساقطين في حدود الله جل وعلا، أوشك أن يعمنا الله جميعاً بعقاب من عنده، كما ثبت في الصحيحين من حديث زينب بنت جحش ﵂: (أن النبي ﷺ دخل عليها يوماً فزعاً -وفي لفظ: استيقظ فزعاً- وهو يقول: لا إله إلا الله! ويل للعرب من شر قد اقترب! لا إله إلا الله! ويل للعرب من شر قد اقترب! فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بأصبعيه: السبابة والإبهام، ثم قالت زينب لرسول الله ﷺ : يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟! فقال المصطفى: نعم. إذا كثر الخبث). قال ﷺ : (نعم. إذا كثر الخبث). وأنا أقسم بالله إن الخبث قد كثر!! ولذا نرى الإمام مالكاً يبوِّب باباً في موطِّئه بعنوان (باب ما جاء في تعذيب الله للعامة بعمل الخاصة)، فإن الله يعذب العامة بعمل الخاصة؛ وذلك إذا لم يأخذ المصلحون على أيدي السفهاء الواقعين في حدود الله . بل لقد ورد في مسند أحمد، وسنن الترمذي، وسنن ابن ماجة، وصحح الحديث الشيخ الألباني أنه ﷺ قال: (إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم ولا يغيروه ولا ينكروه، وهم قادرون على ذلك)، فحينئذ يعذب الله العامة والخاصة. هذه مقدمة -أيها الأحبة- أردت أن أدخل بها للعناصر المتبقية في هذا الموضوع، فنحن جميعاً كما ذكرت ركاب سفينة واحدة إن نجت هذه السفينة نجونا جميعاً، وإن هلكت هذه السفينة هلكنا جميعاً، فلابد من وجود الفئة المصلحة التي تغير المنكر بأي مرتبة من مراتب التغيير أو بمراتب الإنكار.

стр. 1574

صور من انتكاس الفطرة في العالم الغربي أيها الأحبة! إننا نشهد الآن مؤامرة موتورة يريد أصحابها وأذنابهم أن يفرضوا على المجتمعات المسلمة ما وصلت إليه المجتمعات الغربية الكافرة من انتكاس سحيق للفطرة، فأصبح الآن يقنن ويشرع على المستوى الرسمي لهذه المؤامرة المفضوحة. إن هذه المجتمعات الغربية الكافرة التي استشرت فيها النزعات الحيوانية لا يمكن على الإطلاق -أيها الأحبة- أن نسميها بالمجتمعات المتحضرة أو المتقدمة، وإن بلغت ما بلغت إليه من التقدم العلمي. هذه المجتمعات انتشرت فيها النزعات الحيوانية بكل أشكالها انتشر فيها الزنا والشذوذ الجنسي وانتشر فيها نكاح المحارم، بل وأصبحت هذه المجتمعات لا تدعو لهذا فحسب، بل قنَّنت وشرعت له، وإن هذا لهو مكمن الخطر، ولم تعد مثل هذه الأمور مستغربة أو مستنكرة في مثل هذه المجتمعات.

стр. 1575

ازدياد عدد حالات الإجهاض ثانياً: تشير الدراسات إلى أن عدد حالات الإجهاض الذي كان يدندن حوله في الإيام الماضية قد بلغ في عام (١٩٨٣م) إلى خمسين مليون طفل في العالم.

стр. 1576

الحمل بسبب الزنا ثالثاً: تشير الدراسات إلى أن الحمل أصبح مشكلة كبيرة لدى المراهقات في أوروبا وأمريكا، ففي أمريكا وحدها أكثر من مليون فتاة تحمل سنوياً من الزنا، فأصبحت المشكلة كبيرة وخطيرة، وتعالت الأصوات في هذه المجتمعات تنذر وتحذر من هذا الخطر القادم.

стр. 1577

الشذوذ الجنسي لم يكتف اليهود وأتباع اليهود بنشر الزنا في العالم كله بصفة عامة، وفي أوروبا وأمريكا بصفة خاصة، بل راح اليهود يقنِّنون للشذوذ الجنسي، وسمعنا في الأيام الأخيرة من يقول بتعدد أشكال الأسرة، ونحن لا نعرف للأسرة إلا شكلاً واحداً، ألا وهو: الرجل والمرأة، أما الآن فقد تعددت صور الشذوذ في هذه المجتمعات، فأصبحنا نرى صورة أخرى للأسرة، أسرة تكون بين رجل ورجل، أو بين امرأة وامرأة. لم يكتف اليهود بنشر الزنا في العالم بصفة عامة وفي أوروبا وأمريكا بصفة خاصة، بل أصبحنا نرى كثيراً من النوادي والجمعيات في أوروبا وأمريكا ترعى شئون الشاذين والشاذات، وأصبحت لهم أماكنهم الخاصة التي يجتمعون فيها، ولقد صرحت دائرة المعارف البريطانية بأن الشاذين والشاذات قد انتقل أمرهم من طور السرية إلى طور العلنية، وأصبحت لهم معابدهم وكنائسهم الخاصة التي تقوم علناً في حفلات خاصة يدعى إليها الأهل والأصدقاء لتزويج الرجال بالرجال، ولتزويج النساء بالنساء. بل وتعجبون أشد العجب إذا علمتم أن مجلة التايم الأمريكية قد نشرت قصة ضابط يهودي يعمل ضمن صفوف الجيش الأمريكي، هذا الضابط وصلت به الحالة إلى أن علق في مكتبه الخاص لوحة كبيرة تعلن هذه اللوحة بأن هذا الضابط شاذ جنسياً، ولما طردت إدارة الجيش الأمريكي هذا الضابط اليهودي، قامت قيامة الإعلام!! وتحت هذه الثورة الإعلامية العارمة اضطرت إدارة الجيش أن ترد الضابط اليهودي مرة أخرى، ثم دعي هذا الضابط بعد ذلك؛ لإلقاء المحاضرات الرسمية عن الشذوذ في أكبر الجامعات الأمريكية إنه انتكاس الفطرة!! بل تشير الدراسات إلى أن عدد الشواذ في أمريكا وحدها قد وصل إلى عشرين مليون شاذ، من بينهم رجال من الكنائس!! لقد أضحى الأمر خطيراً، ومكمن الخطر -أيها الأحبة- يتمثل في هذه الانحرافات التي لم تعد مستغربة ولا مستنكرة، بل قنَّن لها هذا المجتمع الغربي الكافر الذي لا يؤمن بدين، ولا يلتزم بمبدأ ولا بخلق ولا بضمير، ثم راح هذا المجتمع الغربي ليفرض هذا الانحراف وهذا الشذوذ على المجتمعات الإسلامية. أيها الأحبة! لم يكتفِ اليهود، وأذناب اليهود بنشر الشذوذ بكل صوره وأشكاله، بل راح اليهود يدعون إلى نكاح المحارم -أي: نكاح الأمهات والبنات والأخوات- وتعلمون بأن أول من دعا إلى نكاح المحارم هو فرويد اليهودي الذي بنى نظريته كلها عن الجنس، وقال بمنتهى الصراحة والوقاحة: إن الطفل يحب أمه حباً جنسياً، ويكره أباه. وهذا الكره سماه بعقدة (أديب)، وقال: إن الطفلة تحب أباها حباً جنسياً، وتكره أمها. وسمى هذا الكره بعقدة (ألكترا). وللأسف أقول بمنتهى الحسرة والألم والمرارة: إن هذا الغثاء والهراء يدرس لأبنائنا وبناتنا في أخطر مراحل المراهقة في مرحلة الثانوية العامة، على أنه باب من أبواب علم النفس، وهذا ورب الكعبة شيء خطير!! بل لقد نشرت مجلة التايم الأمريكية أيضاً تحقيقاً صحفياً واسعاً عن نكاح المحارم، ونشرت فيه المجلة تقريراً لأحد الباحثين يقال له وثل أومري، يقول هذا الباحث الوقح: (لقد آن الأوان لكي نعترف بأن نكاح المحارم ليس شذوذاً، وليس دليلاً على الاضطراب العقلي، بل قد يكون نكاح المحارم -خاصة بين الأطفال وذويهم- أمراً مفيداً لكليهما). ونجد الآن أن هذا المجتمع قد وصل إلى هذه المرحلة السحيقة من انتكاس الفطرة، بعدما تحدى منهج الله جل وعلا، وشذ عن منهجه. هؤلاء الآن يدعون إلى نكاح المحارم إلى نكاح الأمهات والبنات والأخوات إنه انتكاس سحيق للفطرة؟! لكنه الإنسان في غلوائه ضلت بصيرته فجن جنوناً ويحي لمنتحر كأن بنفسه من نفسه حقد الحقود دفيناً اعتدت أسلحة الدمار فما رعت طفلاً ولا امرأة ولا مسكيناً واليوم مد يديه للأرحام تقتلعان منها مضغة وجنيناً قد صيغ من نور وطين فانبرى للنور يطفئه ولبى الطينا ما أضيع الإنسان مهما رقى في سبل العلوم إذا أضاع الدينا

стр. 1578

انتشار الزنا بصورة كبيرة لقد ظهرت دراسات علمية عديدة تبين مدى الخطورة التي وصلت إليها المجتمعات الغربية، في هذا الجانب المنحرف، وكثير من أبناء المسلمين من بني جلدتنا وممن يتكلمون بألسنتنا اليوم لا يقدسون ولا يجلون إلا ما صدر من الغرب أو عن الغرب، فمن خلال هذه الدراسات -التي لا تنطق إلا بلغة الأرقام- نستطيع أن ننقل لكم بعض ما جاء فيها بقدر ما يسمح به الحياء والمقام: تقول هذه الدراسات: إن المشكلة أضحت خطيرة وكبيرة في المجتمعات الغربية، بل وارتفعت الآن كثير من الأصوات التي تنادي بالعودة إلى محاربة هذه الأعمال قبل أن يهلك هذا المجتمع بأسره. أيها الأحبة: تشير الدراسات إلى أن (٩٠%) من غير المتزوجات يمارسن الزنا بطلاقة أو من حين لآخر في أوروبا وأمريكا.

стр. 1579

عقاب إلهي عبد الله! أليس ربك جل وعلا هو القائل: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٦]؟! أليس هو القائل: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٧ - ٩٩]؟! نتيجة لهذا الأمن من مكر الله، بل ونتيجة لهذا الكفر بمنهج الله، ابتلى الله هذه المجتمعات الغربية الكافرة بالأمراض الفتاكة المدمرة التي وقفوا أمامها الآن وقفة العاجز الذي لا يستطيع أن يقدم شيئاً على الرغم مما وصل إليه في الجانب العلمي من تقنية الطب الحديث.

стр. 1580

العيشة الضنك والقلق في المجتمع الغربي وأخيراً أيها الأحبة الكرام! أقول: لا سعادة للبشرية كلها بصفة عامة، وللمسلمين بصفة خاصة -لاسيما بعدما رأى المسلمون هذه الصور الشاذة وهذا العقاب الإلهي- إلا بالعودة إلى منهج الله جل وعلا؛ ليستظلوا بظلاله الوارفة، بعد أن أحرقهم لفح الهاجرة القاتل، وأرهقهم طول المشي في التيه والضلال، فلا ملجأ ولا ملاذ من الله إلا إليه ، ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٤]. هذا ورب الكعبة! هو الضنْك الذي تحياه البشرية كلها، فإن العالم اليوم بالرغم مما وصل إليه من وسائل الأمن والأمان يعيش مرحلة ما مر بها من قبل من حالة الذعر والخوف والرعب. وبالرغم مما وصل إليه من تقنية حديثة في جانب الاتصال، فإنه يعيش حالة من الحرمان، وحالة من الفقر والضنْك. وبالرغم مما وصل إليه من سبل الرفاهية الحديثة، فإنه يعيش حالة من القلق والاضطراب والشرود. ومن أراد أن يتعرف على هذه الحقائق فليذهب إلى هذه المجتمعات؛ ليرى بعينه حالة القلق النفسي التي يحياها هؤلاء، على الرغم مما وصلوا إليه في الجانب المادي، ونحن لا ننكر على الإطلاق أنهم قد وصلوا إلى أرقى الدرجات في الجانب العلمي. نعم. غاصوا في أعماق البحار فجّروا الذرة حولوا العالم كله إلى قرية صغيرة عن طريق التقنية الحديثة، والتطور المذهل في عالم المواصلات والاتصالات، لكن بالرغم من هذا أقول: إن هذا التقدم ما جاء إلا على حساب الجانب الآخر على حساب الجانب الإيماني على حساب الجانب العقدي والأخلاقي والروحي. إن هذه الحضارة قد أمدت البدن بكل ما يشتهيه، ونسيت هذه الحضارة أن الإنسان يتكون من طين وروح، فأعطت هذه الحضارة الطين كل ما يشتهيه وتركت الروح تصرخ في هذا الخواء! رأينا -ورب الكعبة- ذلك بأعيننا -أيها الأحبة- على من الرغم ذلك التقدم العلمي رأينا هذا الشرود رأينا هذا القلق رأينا هذا الاضطراب رأيناه بأعيننا في قلعة الكفر الآن التي تصدر كل إلحاد وضلال وفسق وانحراف إلى بلدان العالم، ألا وهي أمريكا. رأينا ذلك بأعيننا: رأينا الدعارة، ورأينا الانحراف، رأينا عالم البهائم على الرغم مما وصلوا إليه في كل مكان، رأينا الدعارة في الطيارة في السيارة في المطار في القطار في الفندق في النادي في كل مكان!!
следующие страницы →