Полный текст (1 901 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
الحمل بسبب الزنا
ثالثاً: تشير الدراسات إلى أن الحمل أصبح مشكلة كبيرة لدى المراهقات في أوروبا وأمريكا، ففي أمريكا وحدها أكثر من مليون فتاة تحمل سنوياً من الزنا، فأصبحت المشكلة كبيرة وخطيرة، وتعالت الأصوات في هذه المجتمعات تنذر وتحذر من هذا الخطر القادم.
стр. 1577
الشذوذ الجنسي
لم يكتف اليهود وأتباع اليهود بنشر الزنا في العالم كله بصفة عامة، وفي أوروبا وأمريكا بصفة خاصة، بل راح اليهود يقنِّنون للشذوذ الجنسي، وسمعنا في الأيام الأخيرة من يقول بتعدد أشكال الأسرة، ونحن لا نعرف للأسرة إلا شكلاً واحداً، ألا وهو: الرجل والمرأة، أما الآن فقد تعددت صور الشذوذ في هذه المجتمعات، فأصبحنا نرى صورة أخرى للأسرة، أسرة تكون بين رجل ورجل، أو بين امرأة وامرأة.
لم يكتف اليهود بنشر الزنا في العالم بصفة عامة وفي أوروبا وأمريكا بصفة خاصة، بل أصبحنا نرى كثيراً من النوادي والجمعيات في أوروبا وأمريكا ترعى شئون الشاذين والشاذات، وأصبحت لهم أماكنهم الخاصة التي يجتمعون فيها، ولقد صرحت دائرة المعارف البريطانية بأن الشاذين والشاذات قد انتقل أمرهم من طور السرية إلى طور العلنية، وأصبحت لهم معابدهم وكنائسهم الخاصة التي تقوم علناً في حفلات خاصة يدعى إليها الأهل والأصدقاء لتزويج الرجال بالرجال، ولتزويج النساء بالنساء.
بل وتعجبون أشد العجب إذا علمتم أن مجلة التايم الأمريكية قد نشرت قصة ضابط يهودي يعمل ضمن صفوف الجيش الأمريكي، هذا الضابط وصلت به الحالة إلى أن علق في مكتبه الخاص لوحة كبيرة تعلن هذه اللوحة بأن هذا الضابط شاذ جنسياً، ولما طردت إدارة الجيش الأمريكي هذا الضابط اليهودي، قامت قيامة الإعلام!! وتحت هذه الثورة الإعلامية العارمة اضطرت إدارة الجيش أن ترد الضابط اليهودي مرة أخرى، ثم دعي هذا الضابط بعد ذلك؛ لإلقاء المحاضرات الرسمية عن الشذوذ في أكبر الجامعات الأمريكية إنه انتكاس الفطرة!! بل تشير الدراسات إلى أن عدد الشواذ في أمريكا وحدها قد وصل إلى عشرين مليون شاذ، من بينهم رجال من الكنائس!! لقد أضحى الأمر خطيراً، ومكمن الخطر -أيها الأحبة- يتمثل في هذه الانحرافات التي لم تعد مستغربة ولا مستنكرة، بل قنَّن لها هذا المجتمع الغربي الكافر الذي لا يؤمن بدين، ولا يلتزم بمبدأ ولا بخلق ولا بضمير، ثم راح هذا المجتمع الغربي ليفرض هذا الانحراف وهذا الشذوذ على المجتمعات الإسلامية.
أيها الأحبة! لم يكتفِ اليهود، وأذناب اليهود بنشر الشذوذ بكل صوره وأشكاله، بل راح اليهود يدعون إلى نكاح المحارم -أي: نكاح الأمهات والبنات والأخوات- وتعلمون بأن أول من دعا إلى نكاح المحارم هو فرويد اليهودي الذي بنى نظريته كلها عن الجنس، وقال بمنتهى الصراحة والوقاحة: إن الطفل يحب أمه حباً جنسياً، ويكره أباه.
وهذا الكره سماه بعقدة (أديب)، وقال: إن الطفلة تحب أباها حباً جنسياً، وتكره أمها.
وسمى هذا الكره بعقدة (ألكترا).
وللأسف أقول بمنتهى الحسرة والألم والمرارة: إن هذا الغثاء والهراء يدرس لأبنائنا وبناتنا في أخطر مراحل المراهقة في مرحلة الثانوية العامة، على أنه باب من أبواب علم النفس، وهذا ورب الكعبة شيء خطير!! بل لقد نشرت مجلة التايم الأمريكية أيضاً تحقيقاً صحفياً واسعاً عن نكاح المحارم، ونشرت فيه المجلة تقريراً لأحد الباحثين يقال له وثل أومري، يقول هذا الباحث الوقح: (لقد آن الأوان لكي نعترف بأن نكاح المحارم ليس شذوذاً، وليس دليلاً على الاضطراب العقلي، بل قد يكون نكاح المحارم -خاصة بين الأطفال وذويهم- أمراً مفيداً لكليهما).
ونجد الآن أن هذا المجتمع قد وصل إلى هذه المرحلة السحيقة من انتكاس الفطرة، بعدما تحدى منهج الله جل وعلا، وشذ عن منهجه.
هؤلاء الآن يدعون إلى نكاح المحارم إلى نكاح الأمهات والبنات والأخوات إنه انتكاس سحيق للفطرة؟! لكنه الإنسان في غلوائه ضلت بصيرته فجن جنوناً ويحي لمنتحر كأن بنفسه من نفسه حقد الحقود دفيناً اعتدت أسلحة الدمار فما رعت طفلاً ولا امرأة ولا مسكيناً واليوم مد يديه للأرحام تقتلعان منها مضغة وجنيناً قد صيغ من نور وطين فانبرى للنور يطفئه ولبى الطينا ما أضيع الإنسان مهما رقى في سبل العلوم إذا أضاع الدينا
стр. 1578
انتشار الزنا بصورة كبيرة
لقد ظهرت دراسات علمية عديدة تبين مدى الخطورة التي وصلت إليها المجتمعات الغربية، في هذا الجانب المنحرف، وكثير من أبناء المسلمين من بني جلدتنا وممن يتكلمون بألسنتنا اليوم لا يقدسون ولا يجلون إلا ما صدر من الغرب أو عن الغرب، فمن خلال هذه الدراسات -التي لا تنطق إلا بلغة الأرقام- نستطيع أن ننقل لكم بعض ما جاء فيها بقدر ما يسمح به الحياء والمقام: تقول هذه الدراسات: إن المشكلة أضحت خطيرة وكبيرة في المجتمعات الغربية، بل وارتفعت الآن كثير من الأصوات التي تنادي بالعودة إلى محاربة هذه الأعمال قبل أن يهلك هذا المجتمع بأسره.
أيها الأحبة: تشير الدراسات إلى أن (٩٠%) من غير المتزوجات يمارسن الزنا بطلاقة أو من حين لآخر في أوروبا وأمريكا.
стр. 1579
عقاب إلهي
عبد الله! أليس ربك جل وعلا هو القائل: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٦]؟! أليس هو القائل: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٧ - ٩٩]؟! نتيجة لهذا الأمن من مكر الله، بل ونتيجة لهذا الكفر بمنهج الله، ابتلى الله هذه المجتمعات الغربية الكافرة بالأمراض الفتاكة المدمرة التي وقفوا أمامها الآن وقفة العاجز الذي لا يستطيع أن يقدم شيئاً على الرغم مما وصل إليه في الجانب العلمي من تقنية الطب الحديث.
стр. 1580
العيشة الضنك والقلق في المجتمع الغربي
وأخيراً أيها الأحبة الكرام! أقول: لا سعادة للبشرية كلها بصفة عامة، وللمسلمين بصفة خاصة -لاسيما بعدما رأى المسلمون هذه الصور الشاذة وهذا العقاب الإلهي- إلا بالعودة إلى منهج الله جل وعلا؛ ليستظلوا بظلاله الوارفة، بعد أن أحرقهم لفح الهاجرة القاتل، وأرهقهم طول المشي في التيه والضلال، فلا ملجأ ولا ملاذ من الله إلا إليه ، ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٤].
هذا ورب الكعبة! هو الضنْك الذي تحياه البشرية كلها، فإن العالم اليوم بالرغم مما وصل إليه من وسائل الأمن والأمان يعيش مرحلة ما مر بها من قبل من حالة الذعر والخوف والرعب.
وبالرغم مما وصل إليه من تقنية حديثة في جانب الاتصال، فإنه يعيش حالة من الحرمان، وحالة من الفقر والضنْك.
وبالرغم مما وصل إليه من سبل الرفاهية الحديثة، فإنه يعيش حالة من القلق والاضطراب والشرود.
ومن أراد أن يتعرف على هذه الحقائق فليذهب إلى هذه المجتمعات؛ ليرى بعينه حالة القلق النفسي التي يحياها هؤلاء، على الرغم مما وصلوا إليه في الجانب المادي، ونحن لا ننكر على الإطلاق أنهم قد وصلوا إلى أرقى الدرجات في الجانب العلمي.
نعم.
غاصوا في أعماق البحار فجّروا الذرة حولوا العالم كله إلى قرية صغيرة عن طريق التقنية الحديثة، والتطور المذهل في عالم المواصلات والاتصالات، لكن بالرغم من هذا أقول: إن هذا التقدم ما جاء إلا على حساب الجانب الآخر على حساب الجانب الإيماني على حساب الجانب العقدي والأخلاقي والروحي.
إن هذه الحضارة قد أمدت البدن بكل ما يشتهيه، ونسيت هذه الحضارة أن الإنسان يتكون من طين وروح، فأعطت هذه الحضارة الطين كل ما يشتهيه وتركت الروح تصرخ في هذا الخواء! رأينا -ورب الكعبة- ذلك بأعيننا -أيها الأحبة- على من الرغم ذلك التقدم العلمي رأينا هذا الشرود رأينا هذا القلق رأينا هذا الاضطراب رأيناه بأعيننا في قلعة الكفر الآن التي تصدر كل إلحاد وضلال وفسق وانحراف إلى بلدان العالم، ألا وهي أمريكا.
رأينا ذلك بأعيننا: رأينا الدعارة، ورأينا الانحراف، رأينا عالم البهائم على الرغم مما وصلوا إليه في كل مكان، رأينا الدعارة في الطيارة في السيارة في المطار في القطار في الفندق في النادي في كل مكان!!
стр. 1581
أمراض السيلان والزهري وسرطان المستقيم وغيرها
وهناك أمراض أخرى كثيرة انتشرت واستشرت كسرطان المستقيم، وسرطان الشرج، والسيلان، والزهري، وغيرها من الأمراض الفتاكة التي انتشرت كعقاب من الله لهؤلاء الذين انحرفوا عن الفطرة، وشذوا عن منهج الله جل وعلا، وتحقق قول الصادق المصدوق ﷺ في الحديث الذي رواه ابن ماجة في سننه، والحاكم في المستدرك، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع من حديث عبد الله بن عمر، وفيه أن النبي ﷺ قال: (لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشت فيهم الأوجاع والأسقام التي لم تكن في أسلافهم)، وهذا كلام الصادق الذي لا ينطق عن الهوى.
أخي! أليس ربك هو القائل: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:١ - ٥]؟ يقول الحبيب ﷺ : (لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشت فيهم الأوجاع والأسقام التي لم تكن في أسلافهم).
وإياك أن تظن أن هذا العقاب لهؤلاء الناس خاصة، كلا فليست من الظالمين ببعيد!! إنها سنة من سنن الله الثابتة التي لا تتبدل ولا تتغير؛ فإن الله جل وعلا ليس بينه وبين خلقه نسب ولا محاباة؛ ولذلك قال رسول الله ﷺ لابنته فاطمة ﵂: (يا فاطمة! اعملي؛ فإني لا أغني عنك من الله شيئاً).
ولو أن المسلمين فتحوا الباب على مصراعيه لهذه الانحرافات، ولهذه الصور الشاذة التي تتحدى منهج الله جل وعلا، فإن هذه الأوبئة وهذا العقاب ليس منهم ببعيد.
وها نحن بدأنا نرى بعض هذه الصور في مثل بلادنا وبيئتنا.
ونسأل الله جل وعلا أن يرد المسلمين إلى منهجه رداً جميلاً؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أيها الأحباب: هذا العقاب من الله بانتشار هذه الأوبئة الخطيرة والمدمرة لكل من انحرف عن منهج الله، ولكل من شذ عن منهج الله جل وعلا إنما هي قمة العدل، وهذا ما يقتضيه عدل الله إنه عقاب من الله سبحانه لكل من حاد لكل من شذ لكل من انحرف!!
стр. 1582
مرض الإيدز
أيها الأحباب: لقد انتشرت واستشرت الآن كثير من الأمراض الفتاكة المدمرة في المجتمعات الغربية، وكلكم جميعاً يسمع في كل يوم عن هذا المرض الفتاك المدمر الذي أنفق عليه بسخاء، وبالرغم من هذا لا زال العالم إلى الآن لا يستطيع أن يخلص واحداً من براثن هذا الوباء وهذا الطاعون الذي ابتلي به.
إنه مرض (الإيدز) المعروف بمرض نقص المناعة، هذا المرض الفتاك الذي استشرى وانتشر، حتى ذكرت منظمة الصحة العالمية بأن عدد الذين يحملون فيروس (الإيدز) الآن -وكان هذا الاجتماع في عام (١٩٨٦م) ونحن الآن في (١٩٩٤م) - ذكرت منظمة الصحة العالمية بأن عدد الذين يحملون فيروس الإيدز الآن في العالم، يتراوحون ما بين خمسة إلى عشرة ملايين شخص، وعدد المصابين في أمريكا وحدها قد زاد عن المليون شخص ممن يحمل فيروس (الإيدز)، بل لقد خصصت أمريكا في كل عام ألفي مليون دولار سنوياً لمكافحة هذا المرض الفتاك المدمر.
وبالرغم من هذا السخاء في الإنفاق للوصول إلى سبب هذا المرض، وللبحث عن علاج فعَّال له، إلا أنني أقول بأن العالم المتقدم -على حد زعم من يحلو له أن يسمي هذا العالم بالعالم المتحضر- لا يستطيع أن يخلص رجلاً أصيب بهذا المرض الخطير من براثن هذا المرض الفتاك المدمر الخطير لا يستطيعون ذلك إلى يومنا هذا.
هذا المرض المرعب الذي يستشري وينتشر بصورة مفزعة مرعبة، ولن يستطيعوا أن يصلوا إلى علاجه الحقيقي مادامت الأسباب الحقيقية لانتشاره موجودة في هذه المجتمعات، ألا وهي الانحراف عن منهج الله، والوقوع في الزنا، والشذوذ الجنسي إلى آخر هذه الصور.
ولقد أثبتت الدراسات والأبحاث العلمية بأن الأسباب الرئيسية لانتشار هذه الأمراض، وبأن أعلى الناس إصابة بهذا المرض هم أهل الانحراف والشذوذ، فما دامت هذه الأسباب الحقيقية موجودة في هذه المجتمعات، فلن تستطيع العلاجات والأدوية أن تحقق نجاحاً لهذا المرض إلا بتدمير هذه الرذائل، وبالعودة إلى الفضيلة، أو إن شئت فقل: بالعودة إلى منهج الله جل وعلا.
стр. 1583
سبيل النجاة من الأمراض والانحرافات
أيها الأحبة! رأينا هذه الحضارة التي أمدت الطين بكل ما يشتهيه وتركت الروح الآن تصرخ، وإن شئت أن تتعرف على ذلك فراجع إحصائيات الجريمة في مثل هذا البلد، لتتعرف على أن الإنسان لا يريد فقط ما يشتهيه البدن، وإنما لابد أن نمد الروح هي الأخرى بغذائها.
ولابد أن تعلم هذه المجتمعات الكافرة أن غذاء هذه الروح بالعودة وبالإذعان إلى منهج الله جل وعلا، ورحم الله صاحب الظلال إذ يقول: (إن هذه الحياة البشرية من خلق الله، ولن تفتح مغاليق فطرتها إلا بمفاتيح من صنع الله، ولن تعالج أمراضها وعللها إلا بالدواء الذي يقدم لها من يد الله).
ومن أروع ما قرأت: ما قاله المفكر الشهير اشبنجل إذ يقول: إن للحضارات دورات فلكية، فهي تغرب هنا لتشرق هناك، وإن حضارة أوشكت على الشروق في أروع صورة ألا وهي حضارة الإسلام الذي يملك وحده أقوى قوة روحانية عالمية نقية.
ومحل الشاهد من هذه الفقرة أن الإسلام وحده هو الذي يمد الروح بغذاء إلهي نقي، وهو الذي جاء به رسول الله ﷺ ، ولا ملجأ لهذه البشرية من هذا الضنك إلا بالعودة إلى منهج الله .
ويألم القلب أن يقال هذا الكلام للمسلمين الذين يلهثون الآن وراء كل ناعق؛ ووراء الشرق الملحد تارة، ووراء الغرب الكافر تارة أخرى.
لما سقط الشرق الملحد ها نحن نرى الآن كثيراً من العلمانيين يعزفون على وتر العودة إلى كل ما هو غربي، حتى قال أحدهم في وضوح: لقد عزمنا على أن نأخذ كل ما عند الغربيين، حتى الالتهابات التي في رئاتهم، والنجاسات التي في أمعائهم.
وطبقت الأمة قول الصادق ﷺ كما في الصحيحين من حديث أبي سعيد (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضبِّ لدخلتموه -وفي لفظ: لتبعتموهم- قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟! قال فمن؟).
راحت الأمة تحاكي محاكاة عمياء، وتقلد تقليداً أعمى، ومكمن الخطر -كما ذكرت- أنه يحاول الآن أن يفرض على المجتمعات المسلمة ما وصلت إليه المجتمعات الكافرة من انتكاس سحيق للفطرة من زنا وشذوذ وانحراف.
فلا سعادة للبشرية عامة وللمسلمين خاصة إلا بالعودة إلى منهج الله ؛ لأن الله هو خالق الإنسان، وهو وحده الذي يعلم ما يفسده وما يسعده، أليس ربك هو القائل: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]؟! عباد الله! لا ملجأ من الله إلا إليه، فواجب على الأمة أن تفيء مرة أخرى إلى منهج الله ، ولابد أن نعلم جميعاً أن منهج الله لا يحارب الفطرة ولا يستصغرها، وإنما يرقيها وينظمها ويطهرها، ويرتقي بها إلى أسمى ما يليق بالإنسان كإنسان.
ونقول للعلمانيين: إن منهج الله لا يحارب دوافع الفطرة ولا يستصغرها، بل يرقيها ويطهرها ويرقى بها إلى أسمى الأحوال التي تليق بالإنسان كإنسان.
إن منهج الله قد وضع كثيراً من الضمانات الوقائية التي تحفظ للمجتمع طهره وصفاءه ونقاءه، ويعاقب منهج الله كل من شذَّ عن هذه الضمانات الوقائية وانطلق ليتمرغ في أوحال الرذيلة طائعاً مختاراً غير مضطر.
ومنطق العقلاء يقول دائماً: لو أن مريضاً ابتلي في ضرس من أضراسه بمرض السرطان، وقرر الأطباء قلع هذا الضرس حتى لا ينتقل المرض في كل الأضراس الأخرى، أليس من الحكمة بل من الرحمة أن نستأصل هذا الضرس لنبقي على بقية الأضراس الأخرى بأمر الله ؟! أليست هذه الرحمة بعينها أيها الأحبة؟! أليست هذه الحكمة؟! هذا هو منطق العقلاء.
كذلك منهج الله ؛ لو أن إنساناً توفرت له الضمانات الوقائية في المجتمع الإسلامي، وترك هذا الإنسان تلك الضمانات، وراح ليتمرغ في وحل الرذيلة الآسن العفن طائعاً مختاراً غير مضطر، فحينئذ يتقدم منهج الله ليعاقب هذا الإنسان، حتى لا ينطلق لينشر في الأرض الفساد، أو لينتهك الحرمات والأعراض، وهذه قمة الرحمة بعينها!! أيقال حينئذ بأنها قسوة بأنها عنف؟! لا، ورب الكعبة! بل: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٩].
стр. 1584
عقوبات الفواحش في الشرع
ومن هنا شدد منهج الله في عقوبة الزناة وفي عقوبة من يعملون عمل قوم لوط وهكذا؛ ليحفظ للمجتمع نقاءه وشرفه وطهره وعرضه، فإن العرض هو شرف الإنسانية المتوارث على طول الزمان والمكان، فلابد من حفظ هذا الشرف المتوارث للإنسانية كلها، ولن نجد حرصاً على هذا العرض في منهج من المناهج الأرضية على الإطلاق، لا نجده إلا في منهج الله ؛ لأنه وحده خالق الإنسان وهو وحده الذي يعلم ما يفسده وما يصلحه: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤].
стр. 1585
عقوبة فاحشة الزنا
قال الله : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢ - ٣].
أهمس وأقول: إن من ابتلي بالوقوع في كبيرة من هذه الكبائر فيجب عليه أن يتوب إلى الله إن لم يرفع أمره إلى ولي الأمر المسلم؛ لأننا لا نرى الآن شرعاً لله، وإنما قد بدل شرع الله وحرف، وقدم القانون الوضعي الفاجر الكافر من صنع حفنة ضعيفة من البشر، فإن ستر الله عليك ولم يقم عليك حد الله، فيجب عليك أن تبادر، وأن تسرع بالتوبة الصادقة الخالصة.
ومن أروع ما قرأت أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول: الأصل في الكبائر التوبة، فمن ستره الله فيجب عليه أن يتوب إلى الله، وأن يعجل بالتوبة والأوبة، فإن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
أما إذا كان الزاني محصناً فحكمه -كما تعلمون- هو الرجم.
نسأل الله أن يرد حكام المسلمين إلى شرعه رداً جميلاً، وأن يرد الأمة إلى شرعه رداً جميلاً!
стр. 1586
عقوبة عمل قوم لوط
قال الله في عمل قوم لوط: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ [النمل:٥٤ - ٥٦].
ما ذنبهم ما جريمتهم؟! ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل:٥٦] سخرية قديمة حديثة، القديمة أنهم أهل طهر أنهم أهل عفة أنهم أهل شرف ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ * فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ [النمل:٥٦ - ٥٨].
وقال في سورة الحجر: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر:٧٤] نسأل الله السلامة والعافية.
ورب الكعبة! إن هذه الحجارة ليست من الظالمين ببعيد، فهذا عقاب الله جل وعلا لهؤلاء الذين انتكست فطرتهم، وانحرفوا عن المنهج السوي الذي جاءهم به نبي الله لوط على نبينا وعليه الصلاة والسلام، بل لقد ورد في الحديث الذي رواه أحمد في مسنده وأبو داود والترمذي في السنن، وكذا ابن ماجة وصحح الحديث الشيخ الألباني في (إرواء الغليل) من حديث ابن عباس ﵄، أنه ﷺ قال: (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به).
أقول أيضاً لمن ابتلي بهذا -والعياذ بالله، ونسأل الله لنا ولكم السلامة والستر والعافية في الدين والدنيا والآخرة- ولم يُقم عليه حد الله أن يجدد التوبة والأوبة، وأن يصحح النية في توبته إلى الله ، وأن يعلم يقيناً أن الله يغفر أي ذنب بعد الشرك بشرط أن تقلع عن هذا الذنب، وأن تندم على فعله، وأن تكثر من العمل الصالح.
وأسأل الله سبحانه أن يسترنا وإياكم في الدنيا والآخرة، وأن يتقبل منا وإياكم صالح الأعمال، وأن يثبتنا على الطاعة، وألا يذلنا بمعصيته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أيها الأحبة الكرام! لا سعادة للبشرية عامة وللمسلمين خاصة إلا بالعودة إلى منهج الله جل وعلا.
أسأل الله جل وعلا أن يشرفنا وإياكم بالعمل لهذا الدين، وأن يتقبل منا وإياكم جميعاً صالح الأعمال، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 1587
في ظلال الإسراء والمعراج
معجزة الإسراء والمعراج من المعجزات العظيمة التي أكرم الله بها نبيه ﷺ ، وأعلى بها شأنه، وكانت تخفيفاً لألم رسول الله وحزنه وما لاقاه من قومه من إعراض وأذى.
وليس هناك تاريخ ثابت يحدد زمن حادثة الإسراء، والمهم هو أن نعلم أن رحلة الإسراء والمعراج وقعت يقظة لا مناماً، وكانت بجسده ﷺ وروحه.
وإن حادثة الإسراء برسول الله ﷺ إلى بيت المقدس لتؤكد هوية القدس الإسلامية، وتوجب على الأمة إخراج اليهود منه، ولا يتم ذلك إلا برفع علم الجهاد، أما طاولة المفاوضات فلن ترد حقاً ولن تردع عدواً، وإنما هي استهلاك إعلامي، وتخدير للشعوب، وتمييع للقضية.
стр. 1588
تاريخ وتحقيق
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة وبلغ الرسالة، ونصح للأمة فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاًَ عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور وطبتم جميعاً أيها الآباء وأيها الإخوة الأعزاء وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله جل وعلا الذي جمعني وإياكم في هذا البيت العامر على طاعته، أن يجمعني وإياكم في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
عنوان لقائنا مع حضراتكم في هذا اليوم الكريم المبارك: (في ظلال الإسراء والمعراج)، وحديثي معكم سوف يتركز في العناصر التالية: أولاً: تاريخ وتحقيق.
ثانياً: ولماذا الإسراء؟! ثالثاً: الأقصى الجريح.
رابعاً: المعراج إلى السماوات العلى.
وأخيراً: دروس وعبر من الأحداث.
فأعيروني القلوب والأسماع، فإن هذا الموضوع من الأهمية بمكان.
стр. 1589
اختلاف العلماء في تحديد زمن الإسراء
أولاً: تأريخ وتحقيق: لقد اعتاد المسلمون -إلا من رحم الله جل وعلا من المحققين- أن يحتفلوا بذكرى الإسراء والمعراج في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب، احتفالاً باهتاً بارداً لا يليق بمقام المصطفى ﷺ .
لقد اعتقد الكثيرون أن الإسراء كان في ليلة السابع والعشرين، والتحقيق أن العلماء قد اختلفوا اختلافاً كبيراً في يوم الإسراء، بل في شهر الإسراء، بل في سنة الإسراء!! قال السدي: كان الإسراء في شهر ذي القعدة.
قال الزهري: كان الإسراء في شهر ربيع الأول.
قال ابن عبد البر: كان الإسراء في شهر رجب.
قال النووي: كان الإسراء في شهر رجب.
قال الواقدي: كان الإسراء في شهر شوال.
وفى قول آخر قال: كان في شهر رمضان.
وقيل: كان الإسراء قبل الهجرة بستة أشهر، وقيل: كان الإسراء قبل الهجرة بتسعة أشهر، وقيل: كان الإسراء قبل الهجرة بسنة، وقيل: كان الإسراء قبل الهجرة بسنة وستة أشهر، وقيل: كان الإسراء قبل الهجرة بثلاث سنين، حكاه ابن الأثير، ومن ثم فإن اليوم والشهر والعام للإسراء لا يعلمه إلا الله.
والتحديد للإسراء بيوم وشهر ضرب من المجازفة والتخمين، ولا دليل عليه من كلام الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ ، وربما يسمع الآن كثير من آبائي هذا الكلام ويعجب ويقول: كيف وقد احتفلنا السنوات الماضية بالإسراء ليلة السابع والعشرين؟! أقول: لو احتفل المصطفى وأصحابه والتابعون من بعد الأصحاب بذكرى الإسراء ليلة السابع والعشرين من شهر رجب في كل عام لعلم ذلك لنا ولنقل إلينا بالتواتر، فلما لم يحتفل النبي ﷺ والصحابة والأتباع من بعدهم بذكرى الإسراء، وجب علينا أن يسعنا ما وسع هؤلاء الكرام.
فكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف، والتحقيق أن الإسراء كان بعد البعثة وقبل الهجرة من مكة زادها الله تشريفاً، وكان إلى المسجد الأقصى الجريح -خلَّصَه الله من أيدي إخوان القردة والخنازير- ثم من المسجد الأقصى إلى السماوات العلى كما سأفصل الآن بحول الله وقوته.
стр. 1590
لماذا الإسراء ؟
ثانياً: ولماذا الإسراء؟ وللجواب على هذا
السؤال
قصة! إنها قصة طفل طهور كالربيع!! إنها قصة طفل كريم كالنسيم!! إنها قصة طفل نشأ في مكة في بيئة تصنع الحجارة بأيديها، وتسجد لها من دون الله جل وعلا! بل كان الواحد منهم يصنع إلهه من خشب، أو من نحاس، أو حتى من حلوى أو من تمر! فإذا ما عبث الجوع ببطنه قام ليدس هذا الإله الرخيص في جوفه ليذهب عن نفسه شدة الجوع! في هذه البيئة نشأ الحبيب المصطفى ﷺ فاحتقر هذه الأصنام، وأشفق على أصحاب هذه العقول، فترك هذه البيئة الشركية وانطلق بعيداً إلى قمة جبل النور إلى غار حراء؛ ليقضى ليله ونهاره في التأمل والتفكر والتدبر والتضرع.
وفى ليلة كريمة يخشع الكون، وتصمت أنفاس المخلوقات، ويتنزل جبريل أمين وحي السماء لأول مرة على المصطفى ﷺ على قمة جبل النور، ليضم الحبيب المصطفى ضمة شديدة وهو يقول له: (اقرأ) والحبيب يقول: ما أنا بقارئ، وجبريل يقول: (اقرأ) والمصطفى يقول: ما أنا بقارئ، وفى الثالثة: غطَّه حتى بلغ منه الجهد، وقال للحبيب: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥] وانطلق الحبيب بهذه الآيات وفؤاده يرتجف، وفرائصه ترتعد، وجوارحه تضطرب، حتى وصل إلى السكن إلى رمز الوفاء إلى سكن سيد الأنبياء إلى خديجة بنت خويلد ﵂ وأرضاها.
وصل إلى هذه الزوجة العاقلة الصالحة التي استحقت أن يسلم عليها ملك الملوك من فوق سبع سماوات، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة: (أن جبريل نزل إلى المصطفى ﷺ فرأى خديجة وهي تقبل على المصطفى، وتحمل إناءً فيه إدام من طعام أو شراب، فقال جبريل: يا رسول الله! هذه خديجة قد أتت، فإن هي أقبلت فأقرئها السلام من ربها).
عش مع هذا بقلبك وكيانك ووجدانك وجوارحك! امرأة تستحق أن يسلم عليها الملك من فوق سبع سموات! إن عبداً من العبيد لو أن هيئة مشبوهة قد كرمته ومنحته جائزة مشبوهة، من أجل تفوقه العفن النتن في مجال الفكر -زعموا- حيث لا أدب ولا فكر، فإنه يرفع على الأعناق وتشير إليه الأصابع، ويحتفى به على أعلى المستويات في هذه الأمة المسكينة التي خدعت على أيدي هؤلاء الذين انطلقوا ليقودوا الأمة على حين غفلة من أهل القيادة والريادة في هذه الأمة! (وأقرئها السلام من ربها ومني -أي: ومن جبريل- وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب، فلما أقبلت خديجة بَشَّرَهَا المصطفى بهذه البشارة وقال يا خديجة: ربك يقرئك السلام وجبريل يقرئك السلام!! -فماذا قالت خديجة البليغة العاقلة العالمة؟ هل قالت: وعلى الله السلام أم ماذا؟ قالت: إن الله هو السلام ومنه السلام، وعلى جبريل السلام، وعليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته).
خديجة، عاد إليها النبي ﷺ يرجف فؤاده، وهو يقول: زملوني زملوني غطوني دفئوني، ضعوا علي الأغطية، فاستجابت خديجة، حتى استيقظ الحبيب وقد هدأت نفسه، واستقرت جوارحه، وقال: (والله لقد خشيت على نفسي يا خديجة، وقص عليه، فبشرته بهذه الكلمة الطيبة وقالت: كلا، والله لا يخزيك الله أبداً) إلى آخر ما ذكرت، والحديث رواه البخاري وهو حديث طويل.
стр. 1591
الحكمة من فتور الوحي ثم تتابعه
ثم فتر الوحي لفترة قليلة -على الراجح- ثم نزل قول الله على الحبيب المصطفى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١]، أي: يا أيها المتلف في هذه الأغطية: ﴿قُمْ فَأَنذِر * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر:٢ - ٧] قم يا محمد! دع عنك هذه الأغطية، فما كان بالأمس حلماً جميلاً أصبح اليوم حملاً ثقيلاً.
﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٥]، فقام الحبيب ولم يقعد عشرين سنةلم يعرف طعم الراحة ولم يذق طعم النوم لم يهدأ، وإنما انطلق على قدميه حاملاً نور الله إلى هذه البشرية؛ ليخرجها من ظلمات الشرك وأوحال الوثنية، إلى أنوار التوحيد والإيمان برب البرية جل وعلا.
стр. 1592
الدعوة السرية
بعد أن نزل قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢] انطلق الحبيب يدعو الناس سراً إلى الإسلام ثلاث سنين يدعو الناس إلى دين الله تحت السراديب.
لماذا؟ لأن للأصنام جيوشاً غاضبة.
إن هؤلاء القوم يقتتلون من أجل ناقة! فما ظنك بآلهة فسيذبحون لها آلاف النياق إن مُس جنابها على يد محمد بن عبد الله ﷺ !
стр. 1593
الدعوة الجهرية
وبعد هذه المرحلة السرية نزل قول الله : ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤]، ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر:٩٤] فقام الحبيب ملبياً أمر الله، فوقف على جبل الصفا، ونادى على بطون مكة: يا بني فهر! يا بني عدي! يا بني كذا! يا بني كذا! -والحديث في الصحيحين- فالتف حوله الناس من أهل مكة، ووقفوا بين يديه وعلى رأسهم أبو لهب وقام الحبيب ﷺ ليقيم الحجة على قومه بلغة النبوة، فقال: (أرأيتم لو أني أخبرتكم: أن خيلاً وراء هذا الوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: بلى، ما جربنا عليك كذباً قط، فقال الحبيب المصطفى: فإني رسول الله إليكم، فكان أول من تكلم أبو لهب عليه من الله ما يستحقه حيث التفت إلى الحبيب وقال: تباً لك سائر اليوم يا محمد!) إن أول من عادى الحبيب المصطفى عمه الذي قال له يوم الصفا: (تباً لك سائر اليوم يا محمد! ألهذا جمعتنا؟! فنزل قول الله : ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد:١ - ٥])، وبعد ذلك رعدت مكة وأبرقت، ودقت طبول الحرب على رأس المصطفى وأصحابه، وانطلقت مكة على قلب رجل واحد لتصب البلاء والإيذاء صباً على رأس المصطفى ﷺ ، حتى ورد في صحيح البخاري أن عقبة بن أبي معيط -عليه لعنات الله المتوالية- انطلق إلى النبي ﷺ فخنقه خنقاً شديداً حتى كادت أنفاس المصطفى أن تخرج بين يديه، فجاء الصديق ليدفع هذا الفاجر الكافر عن رسول الله وهو يقول: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله، وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟! وورد في تاريخ الطبري أنهم وضعوا التراب على رأسه إلى آخر ما تعرض له الحبيب المصطفى من أذى ومحن وفتن وابتلاءات.
стр. 1594
دعوة أهل الطائف وما لاقاه الحبيب المصطفى من أذى
لما رأى النبي ﷺ أن أرض مكة صلدة قاسية لا تقبل بذرة التوحيد، وليست صالحة لتلقي الخير، انطلق الحبيب إلى الطائف يبحث عن أمل يبحث عن قلوب حانية لعلها تحمل هذا النور.
انطلق الحبيب ﷺ على قدميه المتعبتين، لا يركب الراحلة؛ لأنه لا يمتلك الراحلة إذ ذاك، تحت شمس محرقة تكاد تذيب الحديد والصخور والحجارة، وعلى رمال ملتهبة إذا ما انعكست عليها أشعة الشمس كادت أن تخطف الأبصار، وكل من ذهب إلى تلك البلاد في حج أو عمرة، يعلم طبيعة هذه البيئة وشدة حرارتها.
انطلق الحبيب ﷺ في هذه الجو وهو متعب يتألم، لاسيما وقد ازداد حزنه بموت زوجته خديجة وبموت عمه أبي طالب الذي كان حائطاً منيعاً لحملات المشركين في الخارج.
انطلق النبي ﷺ وقد امتلأ قبله بالحزن مشياً على الأقدام، لا يريد مالاً ولا يريد جاهاً ولا يريد وجاهة، إنما يريد لهؤلاء خيري الدنيا والآخرة، ولكن أهل الطائف فعلوا بالمصطفى ما لم يكن يتوقع، وما لم يكن يخطر بباله، فلقد سلطوا عليه الصبيان والسفهاء فرموه بالحجارة حتى أدمي الحبيب المصطفى بأبي هو وأمي ﷺ .
إنه المؤيد بمدد السماء إنه المؤيد بوحي السماء تلقى عليه الرمال، ويلقى عليه التراب، ويقذف بالحجارة حتى يسيل الدم الطاهر من جسده ﷺ ، وحتى ألجأه الصبيان والسفهاء إلى بستان لبني ربيعة، وهنالك رفع أكف الضراعة إلى الله كما في الحديث وإن كان شيخنا الألباني قد ضعفه، إلا أن الحديث قد رواه الإمام الطبراني وقال الإمام الهيثمي في مجمع الزوائد: ورجاله ثقات ما عدا ابن إسحاق وهو مدلس ثقة، وقد رأيت شاهداً آخر يقوي هذا الحديث عند ابن إسحاق موصولاً وكلاهما يقوي بعضهما الآخر، ولا بأس أن أستشهد به لا أن أستأنس به.
لجأ الحبيب إلى الله بهذه الدعوات الصادقة، فقال:: (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس! يا أرحم الراحمين! أنت رب المستضعفين وأنت ربى، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمنى؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟! إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، أسألك بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، ألا تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك).
стр. 1595
التخفيف الإلهي لآلام وأحزان النبي ﷺ
وهكذا عاد المصطفى ﷺ وهو يحمل في قلبه هموماً وأحزاناً دعوة مطاردة خديجة ماتت أبو طالب مات أصحاب مشردون في الحبشة أمر جلل! والمصطفى ﷺ يحمل كل هذه الهموم وهو في طريقه إلى مكة يسمع نداءً كما في الحديث رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة فيلتفت فإذا جبريل في سحابة في السماء ينادي على المصطفى ويقول: (يا رسول الله! إن الله جل وعلا قد سمع ما قاله قومك لك، وهذا ملك الجبال أرسله الله إليك فمره بما شئت.
يقول المصطفى: فسلم علي ملك الجبال وقال: السلام عليك يا محمد! فرد النبي ﵇، فقال ملك الجبال: يا محمد! مرني بما شئت، لو أمرتني أن أطبق عليهم الأخشبين لفعلت) والأخشبان: جبلان عظيمان بمكة، يقال للأول: أبو قبيس، ويقال للثاني: الأحمر.
هذا ملك الجبال يستأذن النبي ﷺ أن يحطم هذه الجماجم الصلدة، وهذه الرءوس العنيدة المتكبرة الكافرة المتحجرة، ووالله لو كان المصطفى ممن ينتقم لنفسه ممن ينتقم لذاته ممن يثأر لمنصبه ممن يثأر لمكانته، لأمر المصطفى ملك الجبال، ولحطم ملك الجبال هذه الرءوس ولسالت الدماء ليرى أهل مكة دماء أهل الطائف في مكة، ولكنه ما خرج لنفسه ما خرج لذاته، إنما خرج لله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:١٠٨] لا إلى جماعة بعينها، ولا لزعامة، ولا لمنصب ولا لقيادة ولا لريادة ولا لشهرة ولا لجاه: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ).
أيها الأحباب! دعوكم من هذه العصبيات المنتنة للجماعات، وللثارات وللرايات، وليس معنى ذلك: أنني أنكر صحة العمل الجماعي، وإنما أقول: شتان بين العمل الجماعي الذي هو أصل من أصول الدين، وبين التعصب لجماعة بعينها تعصباً بغيضاً أعمى، يصم الآذان عن سماع الحق، ويعمي الأبصار عن رؤية الدليل ولو كان واضحاً كالشمس في وضح النهار! (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ).
أيها الأحباب! لو كان المصطفى ﷺ ممن يدعو لنفسه ولذاته؛ لأمر ملك الجبال فحطم ملك الجبال تلك الرءوس والجماجم ولسالت الأودية أنهاراً من الدماء حتى يرى أهل مكة دماء أهل الطائف بمكة لكن: ماذا قال الحبيب نهر الرحمة وينبوع الحنان؟! قال الحبيب المصطفى ﷺ : (لا، بل إنني أرجو الله أن يخرج من أصلابهم من يوحد الله جل وعلا) أي: من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً إنها الرحمة! ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران:١٥٩] وهذا نصر من الله للمصطفى ﷺ ، وما إن وصل الحبيب إلى مكة زادها الله تشريفاً إلا ورأى كرامة أخرى له من الله ليرى جبريل في انتظاره؛ ليأخذه إلى هذه الرحلة المباركة إلى رحلة الإسراء والمعراج، وكأن الله قد أراد أن يقول لحبيبه المصطفى: يا رسول الله! إن كان أهل مكة وأهل الطائف قد رفضوك فإن رب السماء والأرض يدعوك! يا محمد! لا تظن أن جفاء أهل الأرض يعني جفاء السماء، بل إن الله يدعوك اليوم ليعوضك بجفاء أهل الأرض حفاوة أهل السماء.
الله أكبر! يرجع الحبيب ﷺ إلى بيت أم هانئ -لنجمع بين الأحاديث وبين الروايات إذ لا تعارض بينهما كما قال الحافظ ابن حجر - فيأتيه جبريل فيشق البيت ليأخذ المصطفى ﷺ من بيت أم هانئ إلى الحجر، أو إلى الحطيم في بيت الله الحرام، ثم بعد ذلك تبدأ رحلة الإسراء بشق صدر المصطفى، والحديث متفق عليه.
يشق جبريل صدر النبي ﵊، وأنتم تعلمون أنه قد شق صدره قبل ذلك وهو غلام صغير حينما كان في ديار بني سعد عند مرضعته حليمة السعدية ﵂، يشق صدره وبعدها تبدأ الرحلة المباركة.
стр. 1596
وتبدأ رحلة الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى
ورد في صحيح مسلم من حديث أبي ذر أنه ﵌: (حينما قال له أبو ذر: يا رسول الله! أي مسجد وضع في الأرض أولاً؟ فقال الحبيب المصطفى: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم بينهما، قال أربعون سنة، قلت: ثم أي؟ قال: ثم حيث أدركتك الصلاة فصل فالأرض كلها مسجد).
وكما في الحديث الآخر واللفظ لـ مسلم من حديث أنس: (أتيت بالبراق) وبكل أسف قرأنا عن البراق هذا، وسمعنا ما يستحي الإنسان أن يردده الآن في أمة ينبغي أن تحترم علمها وقرآنها ونبيها وعقلها.
سمعنا أن له عرفاً كالديك، وأن له أجنحة وأن وأن وأن! البراق بنص الحديث الصحيح، قال عنه المصطفى: (دابة) وحدد النبي لونه فقال: (أبيض) وحدد صفته، فقال: (فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه) له سرعة مذهلة! وقف الحافظ ابن حجر عند قوله: (البراق) فقال: البراق من البريق.
أي: من اللمعان؛ لأن النبي ﷺ حدد لونه بالبياض، وقال: البراق من البرق، والبرق ضوء.
وهذا هذا هو البراق أيها الأحباب! وورد عند الترمذي، والإمام أحمد في المسند، وعبد الرازق في مصنفه، والبيهقي في السنن من حديث أنس: (أن النبي ﷺ لما انطلق ليركب البراق استصعب عليه، فقال جبريل للبراق: ما حملك على هذا؟ والله ما ركبك أحد من خلق الله أكرم على الله منه -أي: من محمد بن عبد الله ﷺ )، والحديث رواه أحمد والترمذي وعبد الرزاق في المصنف والبيهقي في السنن وهو صحيح على شرط الشيخين.
ركب النبي ﷺ البراق وانطلق من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في هذه الرحلة الجميلة وعنصر الإعجاز في رحلة الإسراء الأرضية هو الزمن، إذ كيف انطلق النبي ﷺ من مكة إلى المسجد الأقصى في زمن قليل؟! وهذا الذي أنكره المشركون في مكة، فقالوا: نضرب لها أكباد الإبل شهراً من مكة إلى بلاد الشام، وأنت تقول: بأنك انطلقت من مكة إلى المسجد الأقصى إلى السماوات العلى وعدت في جزء من الليل! يقول الله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء:١] و (ليلاً) عند علماء اللغة، أي: في جزء من الليل ولم يقل: ليلة، ولنقل إن الإسراء قد استغرق ليلة بكاملها لا، بل استغرق جزءاً من الليل: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء:١].
وختمت الآية بقوله تعالى: (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) وكان من السياق: (إنه على كل شىء قدير)، (إنه عزيز حكيم) ليظهر عظمته وقدرته، وإنما قال (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) أي: الذي سمع قول قومك لك، ورأى فعل قومك بك فأراد أن يكرمك وأن يشرفك.
والإسراء معجزة ليست تأييداً للدعوة وإنما هي تأييد في المقام الأول لصاحب الدعوة ﷺ .
أيها الأحباب! إننا أمام معجزة فريدة، ليست تأييداً للدعوة بقدر ما هي تأييد لصاحب الدعوة، بأبي هو وأمي ﷺ .
стр. 1597
الأقصى جريح
الأقصى الجريح: عنصرنا الثالث في هذا اللقاء الكريم.
إنه الأقصى الذي تدوسه الآن أقدام إخوان القردة والخنازير من أبناء يهود، على مرأى ومسمع من العالم كله، بل لقد تبنت زعيمة الكفر على ظهر الأرض أمريكا هذه المقولة الخطيرة التي تغنى بها أعضاء الكونجرس حيث قالوا: سننقل السفارة الأمريكية إلى القدس؛ لتصبح القدس عاصمة أبدية لأبناء يهود، ولإخوان القدرة والخنازير! عار وشنار على ألف مليون! أين هم؟! أين من لا يجيدون إلا لغة الجعجعة والصياح والشجب والاستنكار؟! هل ستصبح القدس الشريفة مسرى الحبيب محمد وأولى القبلتين وثالث الحرمين عاصمة أبدية لإخوان القردة والخنازير والمسلمون لا يجيدون إلا الشجب والصياح والاستنكار والجعجعة، ولا يجيدون إلا لغة الإنكار في الجرائد والمجلات؟ أين هم؟! أين العمل؟! أين السلوك؟! أين الأخلاق؟! أين الإسلام الذي أمرهم الله أن يحولوه إلى واقع، وإلى منهج حياة؟! لا أصل له ولا أثر، لا يجيدون إلا الاحتفالات.
نحتفل بذكرى الإسراء، ونسمع القصائد والأشعار ونسمع الكلمات، ونحتفل بذكرى المولد، ونحتفل بذكرى النصف من شعبان.
هؤلاء هم الذين عشقوا الهزل يوم أن كرهوا الجد والرجولة والبطولة والجهاد في سبيل الله! لقد كان المسجد الأقصى قبلة النبي ﷺ والمسلمين في الصلاة، واشتاق النبي ﷺ إلى بيت الله الحرام، فنزل قول الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٤٤] فأمر الله بتحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، وهو المسجد المبارك الثالث الذي أمر النبي ﷺ بشد الرحال إليه: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجد المصطفى ﷺ يعني: لا يجوز لك أن تشد الرحل إلى مسجد ولي من الأولياء، وإنما تشد الرحل فقط إلى المسجد الحرام في مكة، وإلى المسجد الأقصى في فلسطين الذبيحة، وإلى مسجد المصطفى في المدينة المنورة.
أسأل الله أن يرزقني وإياكم صلاة في مسجده الحرام، وصلاة في مسجد النبي ﵊، وصلاة في المسجد الأقصى؛ إنه ولي ذلك ومولاه!
стр. 1598
الصراع بين المسلمين واليهود صراع عقيدة
أيها الأحبة! إن الصراع بين المسلمين واليهود صراع عقيدة ووجود وليس صراع أرض وحدود، فلو كانت القضية قضية دولة وقضية أرض لانتهت منذ مئات السنين، ولكنها قضية اعتقاد قضية وجود لهذه الأمة أو لا وجود.
المسجد الأقصى الآن يداس بأنجس الأرجل!! الحفريات تحت جدران المسجد الأقصى من كل ناحية مستمرة إلى يومنا هذا، وهذا معلوم للقاصي والداني، وللصغير وللكبير فالحفريات تحت جدران المسجد مستمرة، بحجة التوسعة وبحجة الترميم! ليسقط المسجد الأقصى، وليقيم إخوان القردة والخنازير عليه ما يسمونه بهيكل سلميان.
إنها حقائق لابد أن ترسخ في القلوب والعقول.
الصراع بين اليهود وبين المسلمين صراع عقائدي، ولن ينتهي إلى قيام الساعة، ومن ثم فإن ما يحاوله البعض من القيام بحلول عبر مفاوضات ومؤتمرات، إنما هو تضييع للوقت وللجهد وللمال ومسخ للهوية؛ لأن النبي ﷺ قد قال والحديث في الصحيحين، من حديث أبي هريرة: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر، فينطق الله الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم! يا عبد الله! ورائي يهودي تعال فاقتله! قال المصطفى: إلا الغرقد فإنه من شجر يهود) والآن يقوم اليهود بحملة واسعة لزراعة شجر الغرقد الذي لن ينطق؛ لأنهم يصدقون كلام محمد بن عبد الله ﷺ في وقت كذب فيه كثير من أبناء أمة الحبيب الحبيبة ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!! الأقصى فتحه عمر وحرره صلاح الدين فهل من صلاح جديد!!
стр. 1599
الجهاد الطريق الوحيد لتحرير الأقصى
أيها الأحبة! فلنتق الله ولنعد إليه ولنرجع إلى الدين، ولنتخل عن هذه القنوات المشبوهة وعن هذه القوانين الوضعية الفاجرة الجائرة التي نتحدى بها مولانا، ولنرجع إلى الله، فوالله ثم والله، ثم والله لن يحرر الأقصى جيل تربى على الخلاعة جيل تربى على الميوعة جيل تربى على الأفلام القذرة جيل تربى على المسلسات الداعرة لن يحرر الأقصى إلا جيل أحب الآخرة، كما أحب أصحاب المصطفى الآخرة جيل يحب الموت في سبيل الله كما يحب جيلنا الآن الحياة لن يحرر الأقصى إلا إذا رفع علم الجهاد.
اللهم ارفع علم الجهاد، واقمع أهل الزيغ والفساد! أيها الأحباب! إن من أبناء الأمة الآن من يتمنى بكل قلبه أن لو رفعت راية الجهاد ليسد فوهة المدافع بصدره وليلقى الله شهيداً سعيداً فما أرخصها من حياة حياة الذل والهوان والعار! إن لم تمت بالسيف مت بغيره تعددت الأسباب والموت واحد لا شرف لهذه الأمة إلا بذروة سنام هذا الدين إلا بالجهاد في سبيل الله، ورحم الله ابن المبارك الذي أرسل برسالة من ميدان الجهاد من ميدان الشرف والبطولة إلى أخيه العابد التقي النقي عابد الحرمين الفضيل بن عياض ليبين له فيه شرف الجهاد، فقال له: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب من كان يتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الصبيحة تتعب ولقد أتانا من مقال نبينا قول صحيح صادق لا يكذب لا يستوي غبار خيل الله في أنف امرئ ودخان نار تلهب وفي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وأبو داود أنه ﷺ قال: (إذا تبايعتم بالعينة -وهذا نوع من أنواع البيوع الربوية المحرمة- ورضيتم بالزرع، وتبعتم أذنان البقر، وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم).
إنه الذل! الذل لمن؟! لإخوان القردة والخنايز.
الذل لمن؟! للشيوعيين في الشيشان.
الذل لمن؟! للصليبيين الحاقدين في البوسنة.
الذل لمن؟! لأحقر أمم الأرض لعباد البقر في الهند.
إنه الذل: (سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم).
اللهم كما فتحت المسجد الأقصى على يد عمر وحررته على يد صلاح الدين فارزق الأمة بصلاح ليحرر الأقصى من جديد يا رب العالمين! أنت ولي ذلك والقادر عليه.
اللهم ارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واستر عيبنا، وفك أسرنا، وتول خلاصنا برحمتك يا أرحم الراحمين! يقول الله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ﴾ [الإسراء:١] أي: لنري الحبيب المصطفى (مِنْ آيَاتِنَا) من آيات الله (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).
ما وجه الاعتراض من المشركين؟ قالوا: كيف تقطع هذه المسافة في جزء من الليل؟! أقول أيها الأحبة: إن معتقد أهل السنة والجماعة: أن الإسراء كان بجسد النبي ﷺ وروحه يقظة لا مناماً.
لماذا ينكر المشركون ذلك، وينكره من يعبد العقل الآن؟! ينكرون ذلك لعنصر الزمن، إذ كيف يقطع هذه المسافة التي يقطعها الناس في شهور في لحظات؟!! وأنا أقول: سبحان: تنزيه لأفعاله وأسمائه وصفاته جل وعلا.
أي: إذا كان الفعل من الله فنزهوا فعل الله عن فعلكم، ونزهوا صفات الله عن صفاتكم، ونزهوا قول الله عن قولكم.
(الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ): والعبد لغة: تطلق على الإنسان بروحه وبدنه، ولا يطلق لفظ العبد على الروح دون البدن (الذي أسرى بعبده ليلاً) والسري: هو السير ليلاً، وبعضهم قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء:٦٠] فلقد كانت رؤيا منام؟! نقول: لو كانت رؤيا في المنام ما ضج المشركون، وما اعترض على النبي ﷺ ، فلو أني قلت لك الآن: لقد رأيت بالأمس في نومي أني ذهبت إلى مكة، وطفت بالبيت سبعاً، ومشيت بين الصفة والمروة سبعاً، وحلقت، ثم انطلقت إلى المدينة وعدت بعد ذلك، هل ستنكر علي؟ لن تنكر علي؛ لأنني أقول لك: رأيت في الرؤيا رأيت فيما يرى النائم، فلو أن النبي ﷺ قال لهم: إنها رؤيا نوم ما أنكر المشركون على النبي ﷺ ذلك.
أخي! خذ معي هذا الدليل الذي يحلو لبعض من يريد أن يقدم العقل في كل شيء أن يستمع إليه، أنا بداية لا أقلل من قدر العقل ولا من شأن العقل ولا أريد أن أمتهن العقل، إنما أقول: إن نور الوحي يزكي ويبارك نور العقل، بشرط أن يذعن العقل لله رب العالمين.
أقول: لو أنني حملت طفلي الرضيع وصعدت به إلى قمة جبل من الجبال، ثم قلت لكم: لقد صعدت بولدي إلى قمة هذا الجبل، هل سيسأل عاقل طفلي الرضيع ويقول: كيف صعدت أيها الطفل هذا الجبل؟! إن الذي أسرى به هو الله، فلا تسألوا النبي ﷺ عن إسرائه، وإنما إن شئتم فاسألوا الذي أسرى به جل وعلا، والقاعدة تقول: إن الزمن يتناسب تناسباً عكسياً مع القوة أو القدرة، بمعنى: لو ركبت سيارة إلى القاهرة فستقطع بك المسافة في زمن معين، ولو ركبت طائرة ستقطع بك المسافة في زمن أقل، فلو ركبت صاروخاً سيقطع بك المسافة في زمن أقل، فإن ركبت مركبة فضاء ستقطع بك المسافة في زمن أقل، وهكذا يقل الزمن مع قوة القدرة التي تحملك إلى هذا السفر، وإذا علمت ذلك فاعلم أن القوة التي حملت المصطفى هي قوة الله.
إذاً: لا عجب، فإن الذي أسرى بعبده هو الله، والأمر بين ولله الحمد، ونحن الآن رأينا الصاروخ ورأينا الطائرة وإن كان العربي الأول في أرض الجزيرة لم ير هذا.
رأينا الطائرة ورأينا الصاروخ ورأينا مركبة الفضاء، وعلمنا سرعة الضوء الذي هو برق، وعلمنا أن البراق من البرق إلى آخره.
اتضحت الآن لنا الصورة أكثر بكثير مما كان عليه الحال عند العربي الأول في أرض الجزيرة العربية، والآن رأينا المصعد الكهربي، بل ورأينا السلم الكهربي، وإذا ذهب أحدكم إلى حج بيت الله فسيرى هذا السلم الكهربي، وبعضكم رآه في المطارات، وهناك الآن مصاعد كهربائية تصعد إلى ما يزيد عن مائة دور في أقل من دقيقتين.
فثلاً مركز التجارة العالمي في أمريكا يزيد على مائة دور، وللدور الأخير فقط مصعد مختص به، إذا ما ركب أحدكم هذا المصعد الكهربائي لا يرى إلا أن تثبت الشاشة: الدور الأول، وإذا ما أغمض عينه وفتحها فيرى الشاشة تعطيه الإشارة أنه قد وصل إلى الدور الذي يزيد عن مائة! إذا كان هذا من صنع الإنسان الذي خلقه الله فكيف بالخالق الذي يقول للشيء (كن) فيكون: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن:٣٣].
وأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 1600
ابتداء رحلة المعراج من بيت المقدس إلى سدرة المنتهى
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: بدأت الرحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ودخل النبي ﷺ المسجد الأقصى وصلى ركعتين، وبعدما خرج وجد جبريل يقدم له إناءين: إناءً من لبن، وإناءً من خمر، فاختار النبي ﷺ اللبن، فقال له جبريل: قد أصبت الفطرة يا محمد! ثم تبدأ رحلة المعراج، وهنا نرجع مرة أخرى إلى حديث أنس في صحيح البخاري.
يقول: (ثم انطلق بي جبريل حتى أتى السماء الأولى فاستفتح، فقيل: من؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم)، ولا تفهم أخي قوله: (أوقد بعث إليه) أي: هل هو رسول مبعوث من قبل الله؟! وإنما المراد: أوقد بعث إليه ليصعد إلى الملأ الأعلى، (أوقد بعث إليه؟ قال: نعم، قيل: فمرحباً به فنعم المجيء جاء، يقول: وإذا آدم ﵇، فيقول جبريل: هذا أبوك آدم فسلم عليه، فيقول المصطفى: فسلمت عليه في السماء الأولى فرحب بي، ورد علي السلام، ودعا لي بخير وقال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح، يقول: ثم صعد بي حتى أتى السماء الثانية فرأيت عيسى ويحيى ابنا الخالة، فقال جبريل: هذا يحيى وعيسى سلم عليهما، فسلم النبي عليهما فردا ﵇، وقالا له: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح ودعيا للنبي بخير.
يقول: ثم صعد بي حتى أتى السماء الثالثة يقول: فإذا يوسف، فقال جبريل: هذا يوسف فسلم عليه، فسلم النبي عليه وقال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح إلى آخره، ثم قال له إدريس في الرابعة مثل ذلك، ثم قال له هارون في الخامسة مثل ذلك، ثم قال له موسى في السادسة مثل ذلك، ثم قال له إبراهيم في السابعة، مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح، كما قال آدم ﵇، يقول المصطفى: ثم رفعت إلى سدرة المنتهى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:١ - ١٤]) الرائي هو محمد، والمرئي هو جبريل على نبينا وعليه الصلاة والسلام، رآه النبي ﷺ على حقيقته التي خلقه الله عليها.
يقول: (فرفعت إلى سدرة المنتهى، وإذا نبتها كقلال هجر)، الثمرة من النبق -الثمر المعروف- كقلال هجر، ضخامة: (وإذا ورقها كآذان الفيلة)، جمع فيل أو جمع فيول، واللغتان صحيحتان: (وإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان ونهران ظاهران، فقال المصطفى: ما هذا يا جبريل؟! فقال جبريل: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما النهران الظاهران، فالنيل والفرات)، أصلهما من الجنة، ولكن لا تفهم أنهما الآن متصلان بالجنة.
يقول المصطفى ﷺ : (ثم رفع لي البيت المعمور)، والبيت المعمور بناء كالكعبة، والراجح والصحيح أن في كل سماء بيتاً معموراً، لكن الرسول ﷺ رأى في السماء السابعة إبراهيم ﵇ وقد أسند ظهره إلى البيت المعمور، وهو بمحاذات بيت الله الحرام، بمعنى: لو خر البيت المعمور لخر على الكعبة، والبيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ولا يعودون، فإن غفلت أنت عن الذكر فعنده من يذكره جل وعلا، لا يغفلون عن ذكره ولا يفترون: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:٢٠].
وفي رواية صحيحة: (ثم انطلقت إلى مكان يسمع فيه صريف الأقلام) اقترب النبي ﷺ هذا القرب الكبير وكرمه الله هذا التكريم العظيم ثم فرض الله عليه الصلاة، خمسين صلاة فقبل ورضي وسلم واستسلم فهو المطيع لربه دوماً، ولما مر على إبراهيم في السابعة لم يقل له شيئا وقد تلحظ طبيعة إبراهيم في هذا: إنه لأواه حليم: (ثم مر على موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فقال له موسى -الذي قد تلمح طبعه أيضاً من هذا، بل ومن آيات كثيرة في القرآن- قال: فما أمرت؟ قال: أمرني الله بخمسين صلاة كل يوم وليلة، فقال موسى: لقد جربت الناس قبلك، إن أمتك لا تستطيع ذلك، فلقد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك) صلى الله على موسى وصلى الله على محمد، لا نفرق بين أحد من رسوله ولا داعي لسرد الأقوال التي تنضح بالحقد، والتي تريد أن تبث العداء بين أنبياء الله ورسوله، فالحديث صريح في لفظه وواضح في معناه، لا يحتاج إلى لي لأعناق الكلمات ولا لأعناق النصوص.
قال موسى: (إني قد عالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فسله التخفيف؛ فإن أمتك لا تطيق ذلك، فرجع المصطفى إلى الله، فحط الله عنه عشراً، وعاد إلى موسى فقال: ارجع، فحط الله عنه عشراً وهكذا حتى بلغت الصلاة عشراً فقال له موسى: ارجع، فرجع حتى حط الله عنه خمساً، وفرض الله عليه خمس صلوات فلما عاد إلى موسى قال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف فإني قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فقال له له المصطفى: إني قد استحييت من ربي وإنما أرضى وأسلم، يقول: فانطلقت فسمعت المنادي يقول: قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي).
وهكذا أيها الأحبة! تنتهي رحلة المعراج.
اللهم لا تدع لأحد منا في هذا المكان المبارك ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا ثبته، ولا حاجة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين! اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا ولا معنا شقياً ولا محروماً.
اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى اللهم أقلنا وتقبل منا وتب علينا وارحمنا إنك أنت التواب الرحيم! هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1601
وصف الجنان
لقد أعد الله لعباده المتقين المؤمنين المحسنين جنات عرضها السماوات والأرض، ورغبهم فيها، وقد وصفها سبحانه -ووصفها النبي ﷺ ، حيث أنه دخلها ليلة الإسراء والمعراج، ورأى قصورها وأنهارها وثمارها وحورها- وصفاً دقيقاً، كأن من يستمع إليه يراها رأي العين.
стр. 1602
وصف الجنة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته.
وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء! وطبتم جميعاً وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً.
وأسأل الله الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت الكريم المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى ﷺ في جنته ودار كرامته؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! في رحاب الدار الآخرة، سلسلة علمية كريمة جمعت بين المنهجية والرقائق، وبين التأصيل العلمي والأسلوب الوعظي، كان هدفي من ورائها: أن أجدد الإيمان في قلبي وفي قلوب إخواني وأخواتي في الله جل وعلا، في عصر طغت فيه الماديات والشهوات، وانحرف كثير من الناس عن منهج رب الأرض والسماوات؛ ليتداركوا ما قد فات قبل أن تأتيهم الساعة بغتة وهم يخصمون، فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون.
ونحن اليوم -بحول الله وطوله- على موعد مع اللقاء الأخير من لقاءات هذه السلسلة الكريمة المباركة.
وكنّا قد توقفنا في اللقاءين الماضيين مع أحوال الناس في المرور على الصراط، فمنهم من يمر على الصراط كالبرق، ومنهم من يمر عليه كطرف العين، ومنهم من يمر عليه كالريح، وكأجاويد الخيل والركاب، فناجٍ مسلم، ومخدوش مرسل، ومكردس في نار جهنم.
فإذا ما نجى الله أهل الإيمان من النيران، وعبروا الصراط بأمن وأمان؛ انطلق بعد ذلك أهل التوحيد والإيمان إلى جنة الرحيم الرحمن، وقبل أن ينطلق المؤمنون إلى الجنة فإنهم يحبسون على قنطرة بين الجنة والنار؛ ليطهرهم الله جل وعلا من المظالم التي كانت بينهم في الدنيا.
ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا خلص المؤمنون -أي: من النار- حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار؛ ليقتص الله من المظالم التي كانت بينهم، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، يقول المصطفى: فوالذي نفسي بيده! لأحدهم أهدى -أي: أعرف- بمنزله في الجنة من منزله الذي كان في الدنيا).
أي: أنهم ينطلقون مباشرة إلى الجنة، وكل واحد يعرف بيته ودرجته، ولا يحتاج أحد من أهل الإيمان والجنان أن يستفسر عن بيته من أحد آخر.
يقول ابن عباس: (فينطلقون إلى بيوتهم في الجنة، كما ينطلق أهل الجمعة بعد الجمعة إلى منازلهم).
أيها الأحبة! تعالوا بنا لندخل الجنة مع هؤلاء بأرواحنا وقلوبنا، سائلين المولى جل وعلا أن يجمعنا فيها بحبيبنا ونبينا؛ إنه ولي ذلك ومولاه.
والحديث عن الجنة حديث طويل ذو شجون، إنه حديث يحرك القلوب إلى أجل مطلوب، إنه حديث يشوق النفوس إلى مجاورة الملك القدوس، وسوف أركز لنركز الحديث في هذا الموضوع الرقيق الجميل في العناصر التالية: أولاً: وصف الجنة.
ثانياً: أدناهم منزلة وآخرهم دخولاً.
ثالثاً: نعيم أهل الجنة.
رابعاً: هل رضيتم؟ وأخيراً: فما الطريق إلى الجنة؟ فأعيروني القلوب والأسماع جيداً، والله أسأل أن يجعلننا من أهل الجنان، وأن يجمعنا فيها بسيد ولد عدنان؛ إنه ولي ذلك ومولاه، وهو الرحيم.
أولاً: وصف الجنة.
أحبتي الكرام! لا يجوز لنا بحال مهما جنح بنا الخيال أن نتكلم كلمة في وصف الجنة إلا بآية من آيات الكبير المتعال أو بحديث من أحاديث سيد الرجال؛ لأن الجنة غيب لا ينبغي للمخلوق أن يتكلم عنها إلا بآية أو حديث، ولا يستطيع أحد بحال مهما صدح به الخيال أن يتصور جنة ذي العظمة والجلال؛ فنعيم الجنة فوق الوصف، ويقصر دونه أي خيال، فتعالوا بنا لنعيش مع آيات القرآن، ومع كلمات النبي ﵊؛ لنعيش في هذه اللحظات بأرواحنا وقلوبنا في جنة ربنا إلى أن يمن الله علينا لنستقر فيها بأبداننا وأرواحنا، برحمته ومنته؛ إنه على كل شيء قدير.
نقول في وصف الجنة بما يقول فيها ربنا؛ فإنه هو خالقها، وهو الذي غرس كرامتها بيديه لأوليائه، ونقول فيها بقول نبينا الذي رأى الجنة وشاهدها مشاهدة العيان، فنبينا دخل الجنة ليلة الإسراء والمعراج ورآها بعينيه، ونبينا رأى الجنة في الدنيا، ففي صحيح مسلم من حديث ابن عباس ﵄ أنه قال: (صلى النبي ﷺ الكسوف ثم فعل أمراً لم يفعله من قبل، مد يده وكأنه يريد أن يأخذ شيئاً، ثم تركه وتقهقر -أي: تأخر- فلما فعل النبي ﷺ ذلك وأنهى صلاته قال له الصحابة: يا رسول الله! رأيناك فعلت شيئاً لم تفعله، رأيناك تناولت شيئاً ثم تقهقرت، فقال المصطفى ﷺ : إني رأيت الجنة، وتناولت منها عنقوداً -أي: من فاكهتها وثمارها- ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا).
أي: لأكلتم من هذا العنقود الواحد ما بقيت الدنيا.
стр. 1603
قصور الجنة وبناؤها
في الصحيحين من حديث أنس أن النبي ﷺ قال: (أدخلت الجنة -أي: ليلة الإسراء والمعراج -فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ -أي: القباب العالية من اللؤلؤ- وإذا تربتها -أي: طينتها- المسك).
فربنا هو الذي يصف لنا الجنة؛ لأنه خالقها، ونبينا هو الذي يصف لنا الجنة؛ لأنها دخلها ورآها بعينيه في الدنيا، دخلها ليلة الإسراء والمعراج؛ وحديث النبي ﷺ لأمته عن نعيم الجنة هو حديث من رأى بعينيه، وسمع بأذنيه؛ وليس الخبر كالمعاينة.
فاسمع ماذا يقول المصطفى ﷺ ! سأل الصحابةُ رسولَ الله ﷺ أن يصف لهم الجنة فقال الحبيب: (الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة -أي: طوبة- وملاطها المسك الأذفر، وتربتها الزعفران، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت والمرجان، من يدخلها ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت، لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم).
فلا تبلى الثياب في الجنة، ولا ينتهي الشباب في الجنة، ولا ينقطع النعيم في الجنة.
وأرجو أن تجنح معي وأن تتصور كلمات الصادق الذي لا ينطق عن الهوى حين وصف لنا بيتاً في الجنة من لؤلؤة مجوفة، تصور معي بيتاً من لؤلؤة مجوفة! وتصور معي قصراً مبنياً من الذهب الخالص! كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: (نزل جبريل ﵇ على رسول الله ﷺ يوماً فرأى خديجة بنت خويلد ﵂ فقال جبريل للمصطفى: يا رسول الله! هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتت فأقرئها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب أي: قصب اللؤلؤ، وليس ما يتبادر إلى أذهاننا من النبات المعروف- لا صخب فيه ولا نصب)، أي: لا تسمع فيه خديجة ضوضاء، ولا تتألم فيه ولا تحزن، ولا ينتابها الهم أبداً.
أما القصر من الذهب ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك عن المصطفى ﷺ أنه قال: (أدخلت الجنة -أي: ليلة الإسراء والمعراج- فإذا أنا بقصر من ذهب، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا لي: هذا القصر لفتىً من قريش -لشاب من شباب قريش- يقول المصطفى ﷺ : فظننت أني أنا هو -أي: ظن المصطفى أن هذا القصر له ﷺ فقيل لي: لا، هذا لـ عمر بن الخطاب، فقال المصطفى ﷺ لـ عمر: فأردت أن أدخله لأنظر إليه يا عمر فتذكرت غيرتك، فبكى عمر وقال: بأبي أنت وأمي! أو عليك أغار يا رسول الله؟!) فتصور معي بيتاً من لؤلؤة، وتصور معي قصراً كاملاً من ذهب خالص، فأي نعيم هذا؟!! وأي فضل هذا؟!! يعيش ملك من ملوك الدنيا أو أمير من الأمراء في قصر لو دخلت إليه لكاد -ورب الكعبة- أن يطيش عقلك.
لقد دخلت قصراً في الإمارات لأمير من الأمراء دعاني إلى الزيارة، ورب الكعبة! لقد كاد عقلي أن يطيش، فقلت لإخوة معي: يا إخوة! هذا الذي نراه من إعداد البشر للبشر، فما ظنكم بإعداد رب البشر، في جنة لم يخطر نعيمها على قلب بشر؟! ففي الجنة بيت من لؤلؤة، وقصر من ذهب، وبناء الجنة لبنة من ذهب، ولبنة من فضة.
ويزداد الجمال إذا عرفت أن هذه البيوت وهذه القصور تجري من تحتها الأنهار.
تصور معي قصراً من ذهب فوق نهر، وبيتاً من لؤلؤة فوق نهر، إنه منظر عجيب! والأنهار: نهر من ماء، ونهر من لبن، ونهر من خمر، ونهر من عسل، قال : ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد:١٥]، اللهم اجعلنا من أهلها.
تجري هذه الأنهار من الماء، والأنهار من اللبن، والأنهار من الخمر، والأنهار من العسل، تحت هذه البيوت والقصور، ويزداد الجمال ويزداد الكمال ويزداد الحسن بالأشجار والظلال والثمار.
стр. 1604
أشجار الجنة وثمارها
هل تعلمون أنه ما من شجرة في الجنة إلا وساقها من الذهب الخالص؟! فلا تظنوا أن شجر الجنة كشجر الدنيا، يقول المصطفى ﷺ : (شجر الجنة ساقها من الذهب الخالص).
وفي الصحيحين عن المصطفى ﷺ قال: (إن في الجنة شجرة يسير الراكب -وليس الماشي- في ظلها مائة عام، قال المصطفى ﷺ : اقرءوا إن شئتم قوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة:٣٠]).
شجر الجنة لا ينقطع ثمره، ولا ينقطع عطاؤه، وأما شجر الدنيا فمنه ما يثمر في الصيف، ومنه ما يثمر في الشتاء، ومنه ما يثمر في الربيع أو في الخريف، لكن شجر الجنة دائم العطاء، ودائم الظل، ودائم الثمار، وتدبر معي قول الملك جل وعلا وهو يقول: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ * وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ * وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ * وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة:٢٧ - ٣٤] ثمر الجنة لا ينقطع، وظل الجنة دائم لا ينتهي، وبالجملة يقول عنها المصطفى ﷺ : (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ثم قال: اقرءوا إن شئتم قول الله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]).
стр. 1605
أدنى أهل الجنة منزلة وآخرهم دخولاً الجنة
علينا أن نتدبر جميعاً؛ لكي نتعرف على نعيم آخر رجل يدخل الجنة؛ ليتضح لنا بعد ذلك نعيم أهل الدرجات العلى.
روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث المغيرة بن شعبة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (سأل موسى بن عمران -على نبينا وعليه الصلاة والسلام- ربه جل وعلا وقال: يا رب! ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ فقال الله جل وعلا: يا موسى! ذلك رجل يجيء بعدما أدخل أهل الجنة الجنة فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: يا رب! كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟ -يعني: ينطلق فيخيل إليه من كثرة أهل الجنة أن الجنة قد امتلأت، ولم يعد له مكان بين أهلها- فيقول الله جل وعلا: أما ترضى أن يكون لك مثل مُلْك مَلِك من ملوك الدنيا؟ فيقول العبد: رضيت يا رب! رضيت يا رب! فيقول الرب: لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله فيقول العبد في الخامسة: رضيت يا رب! رضيت يا رب! فيقول الرب جل وعلا: لك ذلك وعشرة أمثاله معه، ولك فيها ما اشتهت نفسك، ولذت عينك).
الله أكبر! هذه منزلة أدنى رجل في الجنة.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إن أدنى مقعد أحدكم من الجنة أن يقال للرجل: تمن -أي: اطلب ما شئت وتمن- فيتمنى، فيقول الله له: تمن، فيتمنى، فيقول الله سبحانه: لك ما تمنيت ومثله معه).
هذا هو أدنى أهل الجنة منزلاً، فكيف يكون حال آخر رجل يدخل الجنة؟ في صحيح مسلم من حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (آخر رجل يدخل الجنة رجل يمشي مرة -أي: على الصراط- ويكبو مرة، وتسفعه النار مرة، حتى إذا ما نجاه الله وعبر الصراط، التفت إلى النار من خلفه وقال: تبارك الذي نجاني منك، الحمد لله الذي أعطاني ما لم يعط أحداً من الأولين والآخرين -ولمَ لا وربنا جل وعلا يقول: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥]؟! -يقول المصطفى ﷺ : فترفع له شجرة من شجر الجنة، فإذا رآها العبد قال: أي رب! أدنني من هذه الشجرة -أي: قربني إليها- لأستظل بظلها، ولأشرب من مائها، فيقول الله جل وعلا: فهل لو أدنيتك منها ستسألني غيرها؟ يقول: لا، لا أسألك غيرها -وهل بعد هذا النعيم من نعيم؟ - فيقربه الله منها، يقول المصطفى ﷺ : وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه، ثم ترفع له شجرة -أي: ثانية- هي أحسن من الأولى، فيقول العبد: أي رب! أدنني من هذه الشجرة لأستظل بظلها ولأشرب من مائها، فيقول الرب جل وعلا: يا بن آدم! ألم تعط العهود والمواثيق ألا تسألني غير الذي سألت؟ فيقول: وعزتك! لا أسألك غيرها، فيقول الله جل وعلا: فهل لو قربتك منها ستسألني غيرها؟ يقول: لا، لا أسألك غيرها، فيقربه الله جل وعلا، يقول المصطفى ﷺ : وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه، يقول الحبيب: ثم ترفع له شجرة -أي: ثالثة- عند باب الجنة هي أحسن من الأوليين، فإذا ما رآها وسمع قال: أي رب! أدنني من هذه الشجرة، وعزتك لا أسألك غير هذه، فيقول الله: ألم تعط العهود والمواثيق ألا تسألني غير الذي سألت، فيقول: وعزتك لا أسألك غيرها: فيقربه الله منها، فإذا ما اقترب منها وسمع أصوات أهل الجنة يقول: أي رب! أدخلني الجنة!! فيقول الرب: يا بن آدم! ما يرضيك مني؟ - أي: أي شيء يرضيك؟ - أيرضيك أن تكون لك الدنيا ومثلها معها، فيقول العبد: أتهزأ مني وأنت رب العالمين؟!! وهنا ضحك ابن مسعود، وقال لأصحابه: لمَ لا تسألونني: ممَ أضحك؟ قالوا: مم تضحك يا ابن مسعود؟! قال: أضحك لضحك رسول الله ﷺ ، فلقد ضحك النبي، فسئل: ممَ تضحك يا رسول الله؟! قال: أضحك من ضحك رب العزة، فإن العبد لما قال للرب: أتهزأ مني وأنت رب العالمين، يضحك الرب جل وعلا من عبده ويقول: لا أستهزئ منك، ولكني على ما شاء قادر).
هذا هو آخر رجل يدخل الجنة.
وأقول: الضحك صفة من صفات الحق جل وعلا، يجب علينا أن نؤمن بها كما جاءت في النص النبوي، من غير تحريف للفظها أو لمعناها، ومن غير تعطيل أو تكييف أو تمثيل، قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فكل ما ببالك فالله بخلاف ذلك، جل الله عن الشبيه وعن النظير وعن المثيل، فلا ند له، ولا كفء له، ولا ولد له، ولا شبيه له، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤].
هذا هو حال آخر رجل يدخل الجنة.
стр. 1606
نعيم أهل الجنة
стр. 1607
نساء أهل الجنة
أما نساء أهل الجنة فوصفهن لا يقوى عليه بليغ، ولا يملكه أديب، فتعال معي لنسمع وصف خالق نساء الجنة.
زوجتك التي معك الآن في الدنيا إن كانت من الصالحين ومن أهل الجنان فهي زوجتك كذلك في جنة الرحيم الرحمن، بعدما يهيئها ربها ويعدها إعداداً جديداً يليق بكمال الجنة وجمالها وحسنها، وسترى امرأتك في الجنة في ريعان الشباب، حتى ولو ماتت بعد المائة ستراها في الجنة في ريعان الشباب في الثلاثين من عمرها في غاية الحسن والجمال والجلال؛ لأن الكبير المتعال سينشئها لك إنشاءً جديداً يليق بحسن الجنة وجمالها.
والمرأة في الجنة عروب، والعروب في لغة العرب: هي المرأة التي لا تحسن أبداً إلا أن تقول لزوجها كلاماً رقيقاً جميلاً، ولا تستطيع أن تقول كلمة سيئة.
ونساء الجنة أتراب، أي: في سن واحدة، وهن لأصحاب اليمين.
ومع نساء الدنيا يمن ربنا جل وعلا على أهل الجنة بالحور العين، والحور: جمع حوراء، والحوراء هي: المرأة الشابة الحسناء الجميلة شديدة سواد العين، والحور خلق ليس من جنس خلق بنات آدم وبنات حواء، بل إن الحور خلق يهيئه الملك الغفور لأهل الجنة، ولا يعلم حسنه إلا الله، يقول ربنا جل وعلا في وصف الحور في أواخر سورة الرحمن: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن:٧٠]، (خيرات) أي: لا يظهر منهن الشر أبداً، (حسان) أي: جميلات، ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٠ - ٧٨].
تبارك الله أحسن الخالقين! ويقول المصطفى ﷺ في وصف الحور -والحديث في صحيح البخاري - (لو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت على الدنيا لأضاءت ما بين السماء والأرض، ولنصيفها -أي: خمارها- على رأسها خير من الدنيا وما فيها).
وفي رواية أحمد وأبي يعلى بسند حسن أن النبي ﷺ قال: (ينظر أحدهم وجهه في خدها أصفى من المرآة، وإن اللؤلؤة الواحدة على رأسها لتضيء ما بين السماء والأرض).
وفي الصحيحين يقول النبي ﷺ : (إن للمؤمن في الجنة خيمة طولها ستون ميلاً في السماء، له فيها أهلون يطوف عليهن لا يرى بعضهم بعضاً).
وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (لكل واحد منهم زوجتان -أي: من الحور- يرى مخ سوقهما من وراء الثياب من شدة حسنهن وجمالهن، قلوبهن كقلب واحد؛ لا تباغض بينهن ولا تحاسد، يسبحن الله بكرة وعشياً).
إنه وصف عجيب! ومن أعجب ما قرأت أن النبي ﷺ قال: (إن الحور يستقبلن أزواجهن من أهل الجنة بالغناء بأحسن الأصوات؛ ما سمع أحد صوتاً أحسن منه قط)، ففي الحديث الذي رواه الطبراني من حديث ابن عمر، وصحح الحديث الألباني في صحيح الجامع، قال: (وإن مما يتغنين به -أي: الحور- لأزواجهن في الجنة أن يقلن: نحن الخالدات فلا يمتنه، نحن الآمنات فلا يخفنه، نحن المقيمات فلا نظعنه، نحن الخيرات الحسان، أزواج قوم كرام، ينظرن بقرة أعيان).
هذا بعض وصف النساء في الجنة.
стр. 1608
تفاوت نعيم أهل الجنة
تدبر معي أيها الحبيب! في نعيم أهل الجنة، وأسأل الله جل وعلا أن يجعلنا جميعاً من أهلها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
نعيم أهل الجنة نعيم يفوق الوصف، ويقصر دونه خيال أي بليغ أديب مرهف الحس والمشاعر، وأرجو أن نعلم ابتداءً أن أهل الجنة في الجنة متفاوتون في النعيم، محال أن يكون أهل الإيمان بتفاوت إيمانهم ويقينهم في درجة واحدة، بل كل ينزل منزلة ودرجة في الجنة على حسب إيمانه ويقينه في الدنيا، قال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا * كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:١٩ - ٢١].
كما فضل الله أهل الدنيا في الدنيا بالدرجات، كذلك فضل الله أهل الآخرة بالدرجات ((وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً)).
فالناس متفاوتون في النعيم، يقول الحبيب المصطفى ﷺ كما في صحيح البخاري: (إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة).
وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال -وتدبروا هذا الحديث الرقراق-: (إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف كما تتراءون الكوكب الدري في الأفق من المشرق أو المغرب، فقال الصحابة: يا رسول الله! هؤلاء هم الأنبياء الذين لا يشاركهم في منازلهم أحد، فقال المصطفى: لا والذي نفسي بيده! إنهم رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين).
ولا شك أن أعلى منزلة وأرفع درجة في الجنة هي لنبينا وحبيبنا ﷺ ، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو: (إذا سمعتم المؤذن يؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ فإنه من صلى عليّ مرة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له شفاعتي).
فالوسيلة هي أعلى درجات الجنة، وهي لا تنبغي البتة إلا لعبد واحد، وهذا العبد هو حبيب الله المصطفى ﷺ ، فهو الذي ينزل وحده في هذه المكانة وفي هذه الدرجة، فأهل الجنة متفاوتون في النعيم.
стр. 1609
طعام أهل الجنة وشرابهم وفرشهم وثيابهم
إن سألتني -أيها الحبيب الكريم- عن طعامهم وشرابهم وخدمهم وفرشهم وثيابهم، فلن أزيد عن كلمات كريمات طيبات، أتلوها من كتاب رب الأرض والسماوات، يبين لنا فيها ربنا جل وعلا نعيم أهل الجنة، وطعام أهل الجنة، وشراب أهل الجنة، وخدم أهل الجنة، وفرش أهل الجنة، فتدبر كلام خالق الجنة جل وعلا وهو يقول: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٢ - ٢٦].
ويقول جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة:١٠ - ١٢].
وقال : ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الصافات:٤٤].
وقال تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ * وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الواقعة:١٧ - ٢٣].
ويقول جل وعلا: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا * وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا * وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا * وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا * عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا * إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان:١٢ - ٢٢].
стр. 1610
هل رضيتم ؟
تدبر معي هذا العنصر من عناصر هذا اللقاء: هل رضيتم؟ لتعلم أن نعيم الجنة الحقيقي بعد كل هذا لا يساوي شيئاً إلى جوار أعلى وأعظم نعيم، وهل في الجنة ما هو أجل من هذا؟ وهل في الجنة ما هو أعلى من هذا؟ نعم، إن أعلى نعيم في الجنة ليس في لبنها ولا عسلها ولا مائها ولا خمرها ولا فضتها ولا ذهبها ولا حورها ولا قصورها، وإنما أعلى نعيم في الجنة هو في رؤية وجه ربها، قال : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣].
وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله جل وعلا: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير بين يديك، فيقول ربنا جل وعلا: هل رضيتم؟ فيقول أهل الجنة: وما لنا لا نرضى وقد أدخلتنا الجنة ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة؟ ألم تنجنا من النار؟ فيقول الله جل وعلا: أفلا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقول أهل الجنة: وأي شيء أفضل من ذلك؟! فيقول الله جل وعلا: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً).
وجاء عن صهيب الرومي ﵁ في صحيح مسلم عن المصطفى ﷺ قال: (فيكشف الحجاب)، ما الحجاب؟ حجاب من النور كما في صحيح مسلم من حديث أبي موسى أن الحبيب ﷺ قال: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) هذا في الدنيا؛ لأن الناس في الدنيا ليسوا مهيئين، ولولا أن الله يهيئهم في الجنة للرؤية لوقع بهم ما وقع للجبل الذي تجلى له ربه فخر موسى صعقاً، فالله يهيئ أهل الجنة للرؤية، يقول: (فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى وجه الله جل وعلا، وتلا قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦])، والحسنى هي الجنة وكل ما فيها من نعيم، والزيادة هي النظر إلى وجه ربنا الكريم.
ولله در علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه إذ يقول: النفس تبكي على الدنيا وقد علمت أن السلامة فيها ترك ما فيها لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها أموالنا لذوي الميراث نجمعها ودورنا لخراب الدهر نبنيها وكم من مدائن في الآفاق قد بنيت أمست خراباً وأفنى الموت أهليها أين الملوك التي كانت مسلطنة حتى سقاها بكأس الموت ساقيها إن المكارم أخلاق مطهرة الدين أولها والعقل ثانيها والعلم ثالثها والحلم رابعها والجود خامسها والفضل باقيها لا تركنن إلى الدنيا وزينتها فالموت لا شك يفنينا ويفنيها واعمل لدار غداً رضوان خازنها والجار أحمد والرحمن ناشيها قصورها ذهب والمسك طينتها والزعفران حشيش نابت فيها أنهارها لبن مصفى ومن عسل والخمر يجري رحيقاً في مجاريها والطير تجري على الأغصان عاكفة تسبح الله جهراً في مغانيها فمن يشتري الدار بالفردوس يعمرها بركعة في ظلام الليل يحييها أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهل الجنان برحمته وكرمه؛ إنه الرحيم الرحمن، وبقي أن نتعرف في عجالة سريعة جداً على الطريق إلى الجنة، وذلك بعد جلسة الاستراحة إن شاء الله تعالى، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 1611
الطريق إلى الجنة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! بقي أن نتعرف عن الطريق الموصل إلى الجنة، وأستطيع أن أضع بين أيديكم علامات ضوئية على هذا الطريق العظيم: أولاً: الإيمان بالله جل وعلا، فلا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة زكية، قال : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧].
وقال: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر:٧٣].
وقال: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥].
ثانياً: العمل الصالح، فالعمل الصالح قرين الإيمان، لا ينفك ولا يخرج العمل أبداً عن حقيقة الإيمان، فالإيمان قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، كما فصلنا ذلك في شرحنا لصحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى.
ثالثاً: من العلامات الضوئية على طريق الجنة: بناء المساجد، ففي صحيح البخاري من حديث عثمان أن النبي ﷺ قال: (من بنى لله بيتاً بنى الله له بيتاً في الجنة).
وفي رواية أحمد: (من بنى لله مسجداً يبتغي به وجه الله ولو كمفحص قطاة -أي: ولو كان هذا المسجد بمقدار عش الطائر- بنى الله له بيتاً في الجنة).
رابعاً: من أعظم الطرق التي توصل إلى الجنة: الجهاد، أسأل الله أن يرفع علم الجهاد، وأن يقمع أهل الزيغ والفساد.
فالجهاد طريق إلى الجنة بلا نزاع، والأحاديث في ذلك كثيرة جداً، والجهاد ليس طريقاً إلى الجنة فحسب، بل إن الجهاد هو الطريق الوحيد بعد الإيمان والعمل الصالح لسعادة وكرامة الأمة وشرفها؛ فإنها تهان الآن أبلغ إهانة على أيدي كلاب الأرض من اليهود، فلا عز للأمة إلا إن صححت عقيدتها، وآمنت بربها، ورفعت راية الجهاد في سبيل الله جل وعلا، أسأل الله أن يرفع علم الجهاد، وأن يرزقنا جميعاً الشهادة في سبيله، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
للشهيد عند الله درجة عالية، ومنازل عظيمة، ويكفي أن نعلم أن النبي ﷺ قد ذكر بأن للشهيد عند الله من النعيم أن يزوجه الله باثنتين وسبعين زوجة من الحور العين.
خامساً: من العلامات أيضاً -وهي ميسرة للجميع للجاهل وللعالم، للأمي ولغير الأمي، للرجل وللمرأة- على طريق للجنة: ذكر الله وتسبيحه.
روى الترمذي في سننه بسند حسنه الألباني أن النبي ﷺ قال: (لقيت ليلة أسري بي إبراهيم ﵇، فقال إبراهيم للنبي ﷺ : يا محمد! اقرأ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله، والحمد الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر).
فهذا غراس الجنة، فاغرس لنفسك في الجنة، وذلك بقول: سبحانه الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، هذا غراس الجنة فأكثر منه.
سادساً: النوافل، وهذا أيضاً أمر يستطيعه كل مسلم ومسلمة، ففي صحيح مسلم من حديث أم حبيبة أن النبي ﷺ قال: (من صلى لله ثنتي عشرة ركعة من غير الفريضة بنى الله له بيتاً في الجنة)، وفي لفظ لـ أم حبيبة أيضاً: (أربع ركعات قبل الظهر، وركعتين بعد الظهر، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الغداة)، أي: قبل صلاة الصبح.
فيا أيها الأحبة! إيمان بالله، واتباع للنبي ﷺ ، وجهاد في سبيله، وصبر على الشهوات، ومجاهدة للنفس الأمارة بالسوء، وسير على طريق النبي ﷺ ، وحتماً ستلقى في نهاية هذا الطريق حبيبك المصطفى ﷺ منتظرك على الحوض؛ ليسقيك بيده الشريفة شربة هنيئة مريئة لا تظمأ بعدها أبداً.
اللهم اجعلنا من أهل الجنان، اللهم نجنا من النيران، اللهم برحمتك وفضلك اجعلنا من أهل الجنة يا رحمان! اللهم اجعلنا من أهل الجنة يا رحمان! اللهم تجاوز عن أخطائنا وزلاتنا وذنوبنا برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع الكريم ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا ميتاً لنا إلا رحمته، ولا عاصياً بيننا إلا هديته، ولا طائعاً معنا إلا زدته وثبته، ولا حاجة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين! اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا شقياً ولا محروماً.
اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى.
اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم ائذن في تحرير الأقصى برحمتك يا رحيم يا رحمان! اللهم عليك باليهود وأعوان اليهود وأتباع اليهود، اللهم شتت شملهم، اللهم مزق صفهم، اللهم أرنا فيهم يوماً كيوم عاد وثمود، اللهم إنا نشكو إليك خيانة الخائنين، وضعف الموحدين، وإجرام المنافقين.
اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا برحمتك يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تجعل بلدنا مصر واحة للأمن والأمان، اللهم لا تحرم مصر من الأمن والأمان وسائر بلاد الإسلام.
اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تحرم مصر من التوحيد والموحدين، برحمتك يا أرحم الراحمين! أحبتي الكرام! هذا وما كان من توفيق في هذه السلسلة بطولها فمن الله جل وعلا وحده لا شريك له، وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان في هذه السلسلة بطولها فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء.
وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويلقى به في جهنم، ثم أعوذ بالله أن أذكركم بمثل هذا كله وأنساه.
وأرجو من جميع إخواننا أن يعضوا بالنواجذ على أشرطة هذه السلسلة الكريمة، فأنا أعتقد الآن اعتقاداً جازماً بأن الأمة بكل طوائفها بحكامها وعلمائها ورجالها ونسائها وأطفالها في أمس الحاجة في هذا العصر الذي طغت فيه الماديات والشهوات إلى أن تسمع هذه السلسلة مرات ومرات ومرات.
فأرجو من إخواننا أهل الفضل وأهل المال ممن منّ الله عليهم أن يتبنى كل غني سلسلة الدار الآخرة، وأن ينسخها في أشرطة، وأن يقوم بتوزيعها على السائقين، وعلى السيارات والمركبات، وعلى السيارات الكبيرة، وعلى المسئولين، وفي البيوت، وفي الجامعات وفي المدارس؛ فإننا الآن في عصر طغت فيه الشهوات طغياناً رهيباً، ونحتاج إلى من يجدد الإيمان في قلوبنا، وإلى من يذكرنا بكلام ربنا ونبينا، وبهذا اليوم الذي سنقف فيه بين يدي الله جل وعلا للسؤال عن الكثير وعن القليل ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩].
وانطلاقاً من اعتقادنا أن الإسلام دين ودنيا، فإنني أعتقد أننا الآن في أمس الحاجة إلى أن نتعلم أخلاق الإسلام في معاملات الدنيا، ومن ثَّم فسأبدأ بإذن الله تعالى سلسلة منهجية جديدة أخرى، ابتداء من الشهر القادم إن قدر الله لنا البقاء واللقاء، والتي سوف تكون بعنوان: حقوق يجب أن تعرف.
أسأل الله أن يعيننا وإياكم على طاعته، وألا يجعل حظنا من ديننا قولنا.
стр. 1612
حقيقة الطريق إلى الجنة وماهيته
السؤال الأخير الذي طرح في الخطبة: ما الطريق إلى الجنة؟
الجواب
الطريق إلى الجنة هو أوامر الإسلام ونواهيه وحدوده، أي: الامتثال للأمر، والاجتناب للنهي، والوقوف عند الحد، وبعد ذلك اذكر ما شئت من الأعمال، لكن هذا المعنى من حيث الجملة أنك تتمثل الأمر، وتجتنب النهي، وتقف عند حدود الله ورسوله ﷺ .
يقول النبي ﵊: (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات).
(حفت الجنة بالمكاره) يعني: أن الطاعة ثقيلة على النفس، فالجنة محفوفة بالمكاره، أتصبر على المكاره؟ أتصبر على الطاعة؟ أتصبر عن المعصية؟ أتمتثل الأمر؟ أتجتنب النهي، وتقف عند حدود الله ؟ هذه هي المكاره التي تدخلك الجنة.
أما النار فحفت بالشهوات، فهل تصبر عن الشهوات: شهوة الفرج، وشهوة البطن، وشهوة الجاه، وشهوة المنصب، وشهوات الدنيا كثيرة، وكذلك الشبهات.
فالطريق إلى الجنة -يا إخواننا- محفوف بالمكاره، وهناك ابتلاءات على الطريق تحتاج منا إلى صبر، فنفسك لها رغبات لابد أن تصبر عنها، وأوامر لله لابد أن تمتثلها، قال ﷺ : (ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة).
والحقيقة أن الجنة درجات، فإذا أردت أن تنالها فلابد أن تجتهد في طاعة الله وفي طاعة رسوله.
الذي يخطب امرأة من نساء الدنيا جميلة لو قال أبوها: يا فلان! نريد منك غرفة نوم، وشبكة بكذا، وشقة متكاملة بعشرين ألفاً مهراً، لقال: أنا مستعد، وأنا جاهز، هذا في امرأة من نساء الدنيا يصيبها الحيض والنفاس والبول وكل شيء! فكيف بنساء الجنة؟! ولو وقفت مع آيات القرآن في نعيم الجنة لطال المقام، وهناك مجلد كامل كبير للإمام ابن القيم بعنوان: (حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح)، في هذا الكتاب فصّل المؤلف ﵀ كل جزئية من جزئيات النعيم الواردة في القرآن والسنة، أما ما أخفاه الله فلا يعلمه إلا الله، وإنما هذا الذي ظهر في القرآن والسنة.
وفي الصحيح من حديث أبي هريرة (إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر -أول فوج يدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر- ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون).
أي: صفتهم: أنهم لا يبولون ولا يتغوطون في الجنة.
وربنا يقول: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ [الإنسان:١٤] يعني: القطوف والثمار في الجنة مذللة ميسرة قريبة دانية، فالشخص وهو متكئ على أريكته حينما يشتهي فاكهة معينة تجد الفاكهة مذللة بأمر الله في يده.
أما اللحم فيقول سبحانه: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة:٢١].
والخمر من أعظم شراب الجنة، فالذي يمنع نفسه عن خمر الدنيا سيشرب في الآخرة من خمر الجنة، وخمر الجنة يقول ربنا فيها: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ﴾ [الواقعة:١٩] (لا يصدعون) يعني: لا يصاب من شربها بالصداع والهم والدوخة والدوار، بل هو خمر لذة للشاربين.
إذاً: نأكل ونشرب، فكيف يخرج هذا الأكل والشرب؟! يقول ﵊: (يخرج الله هذا الشراب والطعام رشحاً على البدن كالمسك)، أي: بدل ما يخرج من القبل والدبر في هيئة بول وغائط، فإنه يخرج مسكاً، فلا توجد مجاري هناك في الجنة، وإنما يخرج رشحاً كالمسك.
وسبحان الله! في الدنيا تجد الإنسان يبذل الكثير من أجل نساء الدنيا مع ضعفهن، بينما الحور العين مع عدم البول والغائط ومع ذلك ليس عنده استعداد أن يبذل للآخرة، فكم نذكر في المحاضرات والدروس بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحرك الجبال، ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٧٤]، ومع ذلك هناك أناس قلوبهم لم تهبط من خشية الله! وهؤلاء كما قال الله : ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٧٤].
قال ﷺ : (إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون، ولا يتفلون ولا يمتخطون)، فلا تفل ولا مخاط في الجنة، يا سبحان الله! شيء عجيب جداً! (لا يتفلون ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب)، والمشط ليس لتسريح اللحية؛ لأنه لا لحية في الجنة، ولا يوجد أحد يدخل الجنة بلحية؛ لأن النبي ﵊ يقول: (أهل الجنة مرد -يعني: بدون لحى- كحل)، أي: من غير كحل، (أمشاطهم الذهب، وأزواجهم الحور العين).
فالذي يخطب الحور عليه أن يدفع المهر الآن في الدنيا، فما هو هذا المهر؟ إنه إيمان اتباع عمل صالح جهاد صلاة تسبيح عمارة مساجد مسارعة في الخيرات أمر بمعروف نهي عن منكر دعوة قيام ليل قراءة قرآن صدقة بر والدين، كل هذا يندرج تحت العمل الصالح.
طريق الجنة أنه إذا أمر الله بأمر فما عليك إلا أن تمتثل وتقول: يا رب! سمعنا وأطعنا، وكذلك النبي ﷺ تمتثل أمره وتقول: سمعاً وطاعة يا رسول الله! كذلك حدود رب العزة تجتنبها.
فما أقل حياء من طمع في جنة الله ولم يعمل بطاعة الله! فقد يأتي رجل ويقول: يا رب! ارزقني الجنة وهو لا يعمل بطاعة الله! فأقول له: يا أخي! السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، صحيح أن الدعاء مخ العبادة، ومطلوب منك أن تدعو وأن تتضرع، لكن كيف تقول: يا رب! ارزقني الجنة، وأنت تفضل القهوة على المسارعة إلى الصلوات حين الأذان؟! وكيف تقول: يا رب! ارزقني الجنة، وأنت لا تصلي؟! هذا مستحيل، ولا تجد ذلك في آية من القرآن ولا في حديث من أحاديث النبي ﵊.
الإيمان الذي يدخل صاحبه الجنة هو الإيمان الذي هو القول والتصديق والعمل، القول بأن تقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وتصدق بقلبك وتعمل، تصلي بالليل وتبكي وتبقى خائفاً وتقرأ قرآناً وتسبح ربنا، وتبتعد عن الحرام، والنبي ﵊ قد حذر من عدم التورع عن الحرام، فقد ورد عنه ﵊ -كما في صحيح مسلم -: (ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث، أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟!) يعني: كيف يستجاب له؟! فكل هذه علامات ضوئية توصلك إلى جنة رب البرية، لكن الإنسان إذا كان يتمنى الجنة على الله من غير عمل ومن غير عقيدة صحيحة فهذا وهم، ومن الأماني الكاذبة.
وإن قوماً ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، وقالوا: إنا نحسن الظن بالله، وكذبوا؛ لأنهم لو أحسنوا الظن في الله لأحسنوا العمل، وهذا الكلام ليس من كلام النبي ﷺ ؛ لأن من الناس من ينسبه إلى الرسول الله ﷺ ، وإنما هذا من كلام الحسن البصري رحمه الله تعالى.
فيجب علينا جميعاً -أيها الأحبة الكرام- أن نعلم يقيناً أن الجنة تحتاج إلى رجال، وتحتاج إلى أبطال، وتحتاج إلى أطهار، وتحتاج إلى أبرار، وتحتاج إلى أُسُود، وفي نفس الوقت زهاد عباد.
وقد كان الواحد من السلف يظل في بيته في الليل يصلي قيام الليل، ولكن الآن الأمة بأسرها تركت ذلك إلا عدداً قليلاً جداً ممن يقوم الليل، وممن يصلي لله جل وعلا، ويقف بين يديه، ويتضرع ويتذلل له سبحانه، بل بعضهم حتى الفجر يضيعه، ثم تراه يقول: يا رب! ارزقني الجنة! وكذلك صلاة العصر يضيعها ويطلب الجنة! ولا يتورع على الإطلاق من أجل أن يبني ويعمر أن يأكل الحرام، ثم يقول: يا رب! ارزقني الجنة! فيا إخواننا! الجنة سلعة غالية جداً، ومستحيل أن تشتري هذه السلعة إلا بأغلى مهر، والصحابة رضوان الله عليهم بشروا في الدنيا بالجنة، ليس بالأماني ولا بالكلام، وإنما بالعمل وبالرجولة، ألم يقل النبي ﵊ في أحد المعارك: (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، ويسمعه صحابي جليل وهو يأكل تمراً ويقول: جنة عرضها السماوات والأرض! بخ بخ! فالنبي ﷺ يقول له: ما الذي حَملك على قول بخ بخ يا عمير؟ فقال عمير: لا، والله! يا رسول الله! إلا أني أرجو أن أكون من أهلها، فالنبي ﷺ يقول له: أنت من أهلها).
فالنبي ﷺ لم يقل لـ عمير هذه العبارة من فراغ، وإنما بعد أن عرف صدق عمير حين قال: (جنة عرضها السماوات والأرض! بخ بخ) فلذلك قال له: (أنت من أهلها)؛ ولذلك رمى بالتمرات عندما تذكر جلال وجمال هذه الجنة، فقال: (والله لئن حييت حتى آكل هذه التمرات إنها لحياة طويلة) فقاتل حتى قتل ﵁ وأرضاه.
فالصحابة -يا إخوة! - لم ينالوا هذه الدرجة إلا بالكفاح، وبالجهاد، وبالمشقة، وبامتثال الأمر واجتناب النهي، وبالوقوف عند الحدود، وبالسمع والطاعة لله وللنبي ﷺ ؛ فيجب علينا أن نسلك هذا الدرب وهذا الطريق.
ونسأل الله أن يمن علينا وعليكم بجنته؛ إنه ولي ذلك ومولاه.
أسأل الله أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 1613
انتبه فالموت قادم !
أوصى النبي ﷺ بالإكثار من ذكر هاذم اللذات (الموت)؛ لأن ذلك يحمل على التوبة والاستعداد للقاء الله، والموت ما ذكر في قليل إلا كثره، ولا في كثير إلا قلله، فطوبى لمن استعد له.
стр. 1614
الموت حق
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي ينادي يوم القيامة بعد فناء خلقه ويقول: (أنا الملك، أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا العزيز، ثم يقول جل وعلا: لمن الملك اليوم؟ ويجيب على ذاته سبحانه ويقول: لله الواحد القهار)، سبحانه سبحانه سبحانه، سبحان ذي العزة والجبروت، سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان من كتب الفناء على جميع خلقه وهو الحي الباقي الذي لا يموت.
وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، شرح له صدره، ورفع له ذكره، ووضع عنه وزره، وفضله على جميع خلقه، وزكاه في كل شيء، وبعد كل هذا خاطبه بقوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠].
فاللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الأحباب وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً منزلاً من الجنة، وأسأل الله جل وعلا أن ينظر وجوهكم، وأن يزكي نفوسكم، وأن يشرح صدوركم، وأن يتقبل منا وإياكم صالح الأعمال، وأن يجمعني وإياكم في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد الدعاة وإمام النبيين في جنته ومستقر رحمته؛ إنه ولي ذلك ومولاه، وهو على كل شيء قدير.
أحبتي في الله! إننا الليلة على موعد مع هذا الموضوع الذي أتألم منه كثيراً؛ لأن دعاتنا وشيوخنا لا يذكرون الناس به إلا في المناسبات فقط، مع أننا في أمس الحاجة إلى أن نذكره وإلى أن نتذكره دائماً وأبداً، امتثالاً عملياً لوصية حبيبنا ورسولنا المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما في الحديث الذي رواه بعض أصحاب السنن -وهو حديث حسن- من حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه ﵌ قال: (أكثروا من ذكر هادم اللذات.
قيل: وما هادم اللذات يا رسول الله؟ قال: الموت)، فانتبه أيها المسلم، فإن الموت قادم، فإننا نعيش عصراً طغت فيه الماديات والشهوات، وانشغل فيه كثير من الناس عن لقاء رب الأرض والسماوات، انتبه فلابد من أن تستقر هذه الحقيقة الكبرى في قلبك وعقلك ووجدانك.
إن الحياة في هذه الأرض موقوتة محدودة بأجل، ثم تأتي نهايتها حتماً فيموت الصالحون ويموت الطالحون، يموت المجاهدون ويموت القاعدون، يموت المستعلون بالعقيدة ويموت المستذلون للعبيد، يموت المخلصون الصادقون الذي يأبون الضيم ويكرهون الذل، ويموت الجبناء الحريصون على الحياة بأي ثمن، يموت أصحاب الاهتمامات الكبيرة والأهداف العالية، ويموت الفارغون التافهون الذين لا يعيشون إلا من أجل المتاع الرخيص، الكل يموت، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥].
ولذا سمى الله هذه الحقيقة في القرآن بالحق، فقال جل وعلا: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:١٩ - ٢٢].
﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق:١٩]، والحق أنك تموت والله حي لا يموت.
﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق:١٩]، والحق أن ترى عند موتك ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب.
﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق:١٩]، والحق أن يكون قبرك روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران.
﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩].
أي: ذلك ما كنت منه تهرب، وذلك ما كنت منه تجري، وذلك ما كنت منه تخاف، تحيد إلى الطبيب إذا جاءك المرض خوفاً من الموت، وتحيد إلى الطعام إذا أحسست بالجوع هرباً من الموت، وتحيد إلى الشراب إذا أحسست بالظمأ رعباً من الموت.
أيها القوي الفتي! يا أيها الذكي! يا أيها العبقري! يا أيها الكبير! يا أيها الوزير! يا أيها الأمير! يا أيها الصغير: كل باك سيُبكى وكل ناع سيُنعى وكل مدخور سيفنى وكل مذكور سينسى ليس غير الله يبقى من علا فالله أعلى أيا من يدعي الفهم إلى كم يا أخا الوهم تعب الذنب بالذنب وتخطي الخطأ الجم أما بان لك العيب أما أنذرك الشيب وما في نصحه ريب ولا سمعك قد صم أما نادى بك الموت أما أسمعك الصوت أما تخشى من الفوت فتحتاط وتهتم فكم تسدر في السهو وتختال من الزهو وتنفض إلى اللهو كأن الموت ما عم كأني بك تنحط إلى اللحد وتنغط وقد أسلمك الرهط إلى أضيق من سم هناك الجسم ممدود ليستأكله الدود إلى أن ينخر العود ويمسي العظم قد رم فزود نفسك الخير ودع ما يعقب الضير وهيئ مركب السير وخف من لجة اليم بذا أوصيك يا صاح وقد بحت كمن باح فطوبى لفتى راح بآداب محمد يأتم
стр. 1615
كلا إذا بلغت التراقي
صدق الله جل وعلا إذا يقول: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة:٢٦ - ٣٠].
﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ [القيامة:٢٦]، أي: إذا بلغت الروح الحلقوم، ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [القيامة:٢٧]، أي: من الذي يرقيه؟ من الذي يبذل له الرقية؟ من الذي يقدم له العلاج؟ من الذي يحول بينه وبين الموت؟ انظر إليه وهو صاحب الجاه، صاحب السلطان، صاحب الأموال، صاحب السيارات، صاحب العمارات، صاحب الوزارات.
انظر إليه وهو على فراش الموت، التف الأطباء من حوله، ذاك يبذل له الرقية، وذاك يقدم له العلاج، يريدون شيئاً وملك الملوك قد أراد شيئاً آخر.
انظر إليه -أيها الحبيب- وقد اصفر وجهه، وشحب لونه، وبردت أطرافه، وتجعد جلده، وبدأ يحس بزمهرير قارس يزحف إلى أمام اليدين والقدمين، يحاول جاهداً أن يحرك شفتيه بكلمة التوحيد، فيحس أن الشفة كالجبل لا يتزحزح إلا لمن يسر الله له النطق بـ (لا إله إلا الله)، إلا لمن عاش على الإيمان ومات على الإيمان كما قال ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٢].
ينظر إلى أهله وإلى أحبابه، فيراهم مرة يبتعدون ومرة يقتربون، ويرى الغرفة التي هو فيها مرة تضيق عليه فتصغر كخرم إبرة، ومرة يراها كالفضاء الموحش، فإذا وعى ما حوله في الصحوات بين السكرات والكربات نظر إليهم نظرة استعطاف، ونظرة رجاء ونظرة أمل، ونظرة تمن، وقال لهم بلسان الحال -بل وبلسان المقال-: يا أحبابي! يا أولادي! يا أبنائي! لا تتركوني وحدي، ولا تفردوني في لحدي، أنا أبوكم، أنا حبيبكم، أنا الذي بنيت لكم القصور، أنا الذي عمرت لكم الدور، أنا الذي نميت التجارة، أنا صاحب الجاه، أنا صاحب الوزارة، أنا صاحب السلطان، أنا صاحب الأموال، أنا صاحب الكراسي، لا تتركوني وحدي، ولا تفردوني في لحدي، افدوني بأعمالكم، من منكم يزيد في عمري ساعة أو ساعتين؟ وهنا يعلو صوت الحق، كما قال الحق جل وعلا: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٨٣ - ٩٦].
سبحانك يا من ذللت بالموت رقاب الجبابرة، سبحانك يا من أنهيت بالموت آمال القياصرة، سبحانك يا من نقلتهم بالموت من القصور إلى القبور، ومن ضياء المهود إلى ظلمة اللحود، ومن ملاعبة الجواري والنساء والغلمان إلى مقاساة الهوام والديدان، ومن التنعم بألوان الطعام والشراب إلى التمرغ في الوحل والتراب.
﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [القيامة:٢٦ - ٢٧]، أي: من الذي يرقيه؟ من الذي يبذل له الرقية؟ من الذي يقدم له العلاج؟ من الذي يحول بينه وبين الموت؟ وقيل: إن معنى (مَنْ رَاقٍ) أي: من الذي سيرقى بروحه إلى الملك جل وعلا؟ وهذا معنى آخر، فمن الذي سيرتقي بهذه الروح من الملائكة؟ ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة:٢٧ - ٢٩] أهذا هو الذي سيخرج به وهو هذه الأكفان وهذا القماش؟ أين ماله؟ أين جاهه؟ أين كرسيه؟ أين سلطانه؟ أين دولاراته؟ أين أولاده؟ أين طائراته؟ أين دباباته؟ أين وزارته؟ أين الجاه؟ أهذا هو الذي سيخرج به؟
следующие страницы →