Полный текст (1 901 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
الطريق إلى الجنة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! بقي أن نتعرف عن الطريق الموصل إلى الجنة، وأستطيع أن أضع بين أيديكم علامات ضوئية على هذا الطريق العظيم: أولاً: الإيمان بالله جل وعلا، فلا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة زكية، قال : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧].
وقال: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر:٧٣].
وقال: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥].
ثانياً: العمل الصالح، فالعمل الصالح قرين الإيمان، لا ينفك ولا يخرج العمل أبداً عن حقيقة الإيمان، فالإيمان قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، كما فصلنا ذلك في شرحنا لصحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى.
ثالثاً: من العلامات الضوئية على طريق الجنة: بناء المساجد، ففي صحيح البخاري من حديث عثمان أن النبي ﷺ قال: (من بنى لله بيتاً بنى الله له بيتاً في الجنة).
وفي رواية أحمد: (من بنى لله مسجداً يبتغي به وجه الله ولو كمفحص قطاة -أي: ولو كان هذا المسجد بمقدار عش الطائر- بنى الله له بيتاً في الجنة).
رابعاً: من أعظم الطرق التي توصل إلى الجنة: الجهاد، أسأل الله أن يرفع علم الجهاد، وأن يقمع أهل الزيغ والفساد.
فالجهاد طريق إلى الجنة بلا نزاع، والأحاديث في ذلك كثيرة جداً، والجهاد ليس طريقاً إلى الجنة فحسب، بل إن الجهاد هو الطريق الوحيد بعد الإيمان والعمل الصالح لسعادة وكرامة الأمة وشرفها؛ فإنها تهان الآن أبلغ إهانة على أيدي كلاب الأرض من اليهود، فلا عز للأمة إلا إن صححت عقيدتها، وآمنت بربها، ورفعت راية الجهاد في سبيل الله جل وعلا، أسأل الله أن يرفع علم الجهاد، وأن يرزقنا جميعاً الشهادة في سبيله، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
للشهيد عند الله درجة عالية، ومنازل عظيمة، ويكفي أن نعلم أن النبي ﷺ قد ذكر بأن للشهيد عند الله من النعيم أن يزوجه الله باثنتين وسبعين زوجة من الحور العين.
خامساً: من العلامات أيضاً -وهي ميسرة للجميع للجاهل وللعالم، للأمي ولغير الأمي، للرجل وللمرأة- على طريق للجنة: ذكر الله وتسبيحه.
روى الترمذي في سننه بسند حسنه الألباني أن النبي ﷺ قال: (لقيت ليلة أسري بي إبراهيم ﵇، فقال إبراهيم للنبي ﷺ : يا محمد! اقرأ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله، والحمد الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر).
فهذا غراس الجنة، فاغرس لنفسك في الجنة، وذلك بقول: سبحانه الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، هذا غراس الجنة فأكثر منه.
سادساً: النوافل، وهذا أيضاً أمر يستطيعه كل مسلم ومسلمة، ففي صحيح مسلم من حديث أم حبيبة أن النبي ﷺ قال: (من صلى لله ثنتي عشرة ركعة من غير الفريضة بنى الله له بيتاً في الجنة)، وفي لفظ لـ أم حبيبة أيضاً: (أربع ركعات قبل الظهر، وركعتين بعد الظهر، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الغداة)، أي: قبل صلاة الصبح.
فيا أيها الأحبة! إيمان بالله، واتباع للنبي ﷺ ، وجهاد في سبيله، وصبر على الشهوات، ومجاهدة للنفس الأمارة بالسوء، وسير على طريق النبي ﷺ ، وحتماً ستلقى في نهاية هذا الطريق حبيبك المصطفى ﷺ منتظرك على الحوض؛ ليسقيك بيده الشريفة شربة هنيئة مريئة لا تظمأ بعدها أبداً.
اللهم اجعلنا من أهل الجنان، اللهم نجنا من النيران، اللهم برحمتك وفضلك اجعلنا من أهل الجنة يا رحمان! اللهم اجعلنا من أهل الجنة يا رحمان! اللهم تجاوز عن أخطائنا وزلاتنا وذنوبنا برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع الكريم ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا ميتاً لنا إلا رحمته، ولا عاصياً بيننا إلا هديته، ولا طائعاً معنا إلا زدته وثبته، ولا حاجة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين! اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا شقياً ولا محروماً.
اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى.
اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم ائذن في تحرير الأقصى برحمتك يا رحيم يا رحمان! اللهم عليك باليهود وأعوان اليهود وأتباع اليهود، اللهم شتت شملهم، اللهم مزق صفهم، اللهم أرنا فيهم يوماً كيوم عاد وثمود، اللهم إنا نشكو إليك خيانة الخائنين، وضعف الموحدين، وإجرام المنافقين.
اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا برحمتك يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تجعل بلدنا مصر واحة للأمن والأمان، اللهم لا تحرم مصر من الأمن والأمان وسائر بلاد الإسلام.
اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تحرم مصر من التوحيد والموحدين، برحمتك يا أرحم الراحمين! أحبتي الكرام! هذا وما كان من توفيق في هذه السلسلة بطولها فمن الله جل وعلا وحده لا شريك له، وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان في هذه السلسلة بطولها فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء.
وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويلقى به في جهنم، ثم أعوذ بالله أن أذكركم بمثل هذا كله وأنساه.
وأرجو من جميع إخواننا أن يعضوا بالنواجذ على أشرطة هذه السلسلة الكريمة، فأنا أعتقد الآن اعتقاداً جازماً بأن الأمة بكل طوائفها بحكامها وعلمائها ورجالها ونسائها وأطفالها في أمس الحاجة في هذا العصر الذي طغت فيه الماديات والشهوات إلى أن تسمع هذه السلسلة مرات ومرات ومرات.
فأرجو من إخواننا أهل الفضل وأهل المال ممن منّ الله عليهم أن يتبنى كل غني سلسلة الدار الآخرة، وأن ينسخها في أشرطة، وأن يقوم بتوزيعها على السائقين، وعلى السيارات والمركبات، وعلى السيارات الكبيرة، وعلى المسئولين، وفي البيوت، وفي الجامعات وفي المدارس؛ فإننا الآن في عصر طغت فيه الشهوات طغياناً رهيباً، ونحتاج إلى من يجدد الإيمان في قلوبنا، وإلى من يذكرنا بكلام ربنا ونبينا، وبهذا اليوم الذي سنقف فيه بين يدي الله جل وعلا للسؤال عن الكثير وعن القليل ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩].
وانطلاقاً من اعتقادنا أن الإسلام دين ودنيا، فإنني أعتقد أننا الآن في أمس الحاجة إلى أن نتعلم أخلاق الإسلام في معاملات الدنيا، ومن ثَّم فسأبدأ بإذن الله تعالى سلسلة منهجية جديدة أخرى، ابتداء من الشهر القادم إن قدر الله لنا البقاء واللقاء، والتي سوف تكون بعنوان: حقوق يجب أن تعرف.
أسأل الله أن يعيننا وإياكم على طاعته، وألا يجعل حظنا من ديننا قولنا.
стр. 1612
حقيقة الطريق إلى الجنة وماهيته
السؤال الأخير الذي طرح في الخطبة: ما الطريق إلى الجنة؟
الجواب
الطريق إلى الجنة هو أوامر الإسلام ونواهيه وحدوده، أي: الامتثال للأمر، والاجتناب للنهي، والوقوف عند الحد، وبعد ذلك اذكر ما شئت من الأعمال، لكن هذا المعنى من حيث الجملة أنك تتمثل الأمر، وتجتنب النهي، وتقف عند حدود الله ورسوله ﷺ .
يقول النبي ﵊: (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات).
(حفت الجنة بالمكاره) يعني: أن الطاعة ثقيلة على النفس، فالجنة محفوفة بالمكاره، أتصبر على المكاره؟ أتصبر على الطاعة؟ أتصبر عن المعصية؟ أتمتثل الأمر؟ أتجتنب النهي، وتقف عند حدود الله ؟ هذه هي المكاره التي تدخلك الجنة.
أما النار فحفت بالشهوات، فهل تصبر عن الشهوات: شهوة الفرج، وشهوة البطن، وشهوة الجاه، وشهوة المنصب، وشهوات الدنيا كثيرة، وكذلك الشبهات.
فالطريق إلى الجنة -يا إخواننا- محفوف بالمكاره، وهناك ابتلاءات على الطريق تحتاج منا إلى صبر، فنفسك لها رغبات لابد أن تصبر عنها، وأوامر لله لابد أن تمتثلها، قال ﷺ : (ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة).
والحقيقة أن الجنة درجات، فإذا أردت أن تنالها فلابد أن تجتهد في طاعة الله وفي طاعة رسوله.
الذي يخطب امرأة من نساء الدنيا جميلة لو قال أبوها: يا فلان! نريد منك غرفة نوم، وشبكة بكذا، وشقة متكاملة بعشرين ألفاً مهراً، لقال: أنا مستعد، وأنا جاهز، هذا في امرأة من نساء الدنيا يصيبها الحيض والنفاس والبول وكل شيء! فكيف بنساء الجنة؟! ولو وقفت مع آيات القرآن في نعيم الجنة لطال المقام، وهناك مجلد كامل كبير للإمام ابن القيم بعنوان: (حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح)، في هذا الكتاب فصّل المؤلف ﵀ كل جزئية من جزئيات النعيم الواردة في القرآن والسنة، أما ما أخفاه الله فلا يعلمه إلا الله، وإنما هذا الذي ظهر في القرآن والسنة.
وفي الصحيح من حديث أبي هريرة (إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر -أول فوج يدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر- ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون).
أي: صفتهم: أنهم لا يبولون ولا يتغوطون في الجنة.
وربنا يقول: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ [الإنسان:١٤] يعني: القطوف والثمار في الجنة مذللة ميسرة قريبة دانية، فالشخص وهو متكئ على أريكته حينما يشتهي فاكهة معينة تجد الفاكهة مذللة بأمر الله في يده.
أما اللحم فيقول سبحانه: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة:٢١].
والخمر من أعظم شراب الجنة، فالذي يمنع نفسه عن خمر الدنيا سيشرب في الآخرة من خمر الجنة، وخمر الجنة يقول ربنا فيها: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ﴾ [الواقعة:١٩] (لا يصدعون) يعني: لا يصاب من شربها بالصداع والهم والدوخة والدوار، بل هو خمر لذة للشاربين.
إذاً: نأكل ونشرب، فكيف يخرج هذا الأكل والشرب؟! يقول ﵊: (يخرج الله هذا الشراب والطعام رشحاً على البدن كالمسك)، أي: بدل ما يخرج من القبل والدبر في هيئة بول وغائط، فإنه يخرج مسكاً، فلا توجد مجاري هناك في الجنة، وإنما يخرج رشحاً كالمسك.
وسبحان الله! في الدنيا تجد الإنسان يبذل الكثير من أجل نساء الدنيا مع ضعفهن، بينما الحور العين مع عدم البول والغائط ومع ذلك ليس عنده استعداد أن يبذل للآخرة، فكم نذكر في المحاضرات والدروس بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحرك الجبال، ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٧٤]، ومع ذلك هناك أناس قلوبهم لم تهبط من خشية الله! وهؤلاء كما قال الله : ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٧٤].
قال ﷺ : (إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون، ولا يتفلون ولا يمتخطون)، فلا تفل ولا مخاط في الجنة، يا سبحان الله! شيء عجيب جداً! (لا يتفلون ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب)، والمشط ليس لتسريح اللحية؛ لأنه لا لحية في الجنة، ولا يوجد أحد يدخل الجنة بلحية؛ لأن النبي ﵊ يقول: (أهل الجنة مرد -يعني: بدون لحى- كحل)، أي: من غير كحل، (أمشاطهم الذهب، وأزواجهم الحور العين).
فالذي يخطب الحور عليه أن يدفع المهر الآن في الدنيا، فما هو هذا المهر؟ إنه إيمان اتباع عمل صالح جهاد صلاة تسبيح عمارة مساجد مسارعة في الخيرات أمر بمعروف نهي عن منكر دعوة قيام ليل قراءة قرآن صدقة بر والدين، كل هذا يندرج تحت العمل الصالح.
طريق الجنة أنه إذا أمر الله بأمر فما عليك إلا أن تمتثل وتقول: يا رب! سمعنا وأطعنا، وكذلك النبي ﷺ تمتثل أمره وتقول: سمعاً وطاعة يا رسول الله! كذلك حدود رب العزة تجتنبها.
فما أقل حياء من طمع في جنة الله ولم يعمل بطاعة الله! فقد يأتي رجل ويقول: يا رب! ارزقني الجنة وهو لا يعمل بطاعة الله! فأقول له: يا أخي! السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، صحيح أن الدعاء مخ العبادة، ومطلوب منك أن تدعو وأن تتضرع، لكن كيف تقول: يا رب! ارزقني الجنة، وأنت تفضل القهوة على المسارعة إلى الصلوات حين الأذان؟! وكيف تقول: يا رب! ارزقني الجنة، وأنت لا تصلي؟! هذا مستحيل، ولا تجد ذلك في آية من القرآن ولا في حديث من أحاديث النبي ﵊.
الإيمان الذي يدخل صاحبه الجنة هو الإيمان الذي هو القول والتصديق والعمل، القول بأن تقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وتصدق بقلبك وتعمل، تصلي بالليل وتبكي وتبقى خائفاً وتقرأ قرآناً وتسبح ربنا، وتبتعد عن الحرام، والنبي ﵊ قد حذر من عدم التورع عن الحرام، فقد ورد عنه ﵊ -كما في صحيح مسلم -: (ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث، أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟!) يعني: كيف يستجاب له؟! فكل هذه علامات ضوئية توصلك إلى جنة رب البرية، لكن الإنسان إذا كان يتمنى الجنة على الله من غير عمل ومن غير عقيدة صحيحة فهذا وهم، ومن الأماني الكاذبة.
وإن قوماً ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، وقالوا: إنا نحسن الظن بالله، وكذبوا؛ لأنهم لو أحسنوا الظن في الله لأحسنوا العمل، وهذا الكلام ليس من كلام النبي ﷺ ؛ لأن من الناس من ينسبه إلى الرسول الله ﷺ ، وإنما هذا من كلام الحسن البصري رحمه الله تعالى.
فيجب علينا جميعاً -أيها الأحبة الكرام- أن نعلم يقيناً أن الجنة تحتاج إلى رجال، وتحتاج إلى أبطال، وتحتاج إلى أطهار، وتحتاج إلى أبرار، وتحتاج إلى أُسُود، وفي نفس الوقت زهاد عباد.
وقد كان الواحد من السلف يظل في بيته في الليل يصلي قيام الليل، ولكن الآن الأمة بأسرها تركت ذلك إلا عدداً قليلاً جداً ممن يقوم الليل، وممن يصلي لله جل وعلا، ويقف بين يديه، ويتضرع ويتذلل له سبحانه، بل بعضهم حتى الفجر يضيعه، ثم تراه يقول: يا رب! ارزقني الجنة! وكذلك صلاة العصر يضيعها ويطلب الجنة! ولا يتورع على الإطلاق من أجل أن يبني ويعمر أن يأكل الحرام، ثم يقول: يا رب! ارزقني الجنة! فيا إخواننا! الجنة سلعة غالية جداً، ومستحيل أن تشتري هذه السلعة إلا بأغلى مهر، والصحابة رضوان الله عليهم بشروا في الدنيا بالجنة، ليس بالأماني ولا بالكلام، وإنما بالعمل وبالرجولة، ألم يقل النبي ﵊ في أحد المعارك: (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، ويسمعه صحابي جليل وهو يأكل تمراً ويقول: جنة عرضها السماوات والأرض! بخ بخ! فالنبي ﷺ يقول له: ما الذي حَملك على قول بخ بخ يا عمير؟ فقال عمير: لا، والله! يا رسول الله! إلا أني أرجو أن أكون من أهلها، فالنبي ﷺ يقول له: أنت من أهلها).
فالنبي ﷺ لم يقل لـ عمير هذه العبارة من فراغ، وإنما بعد أن عرف صدق عمير حين قال: (جنة عرضها السماوات والأرض! بخ بخ) فلذلك قال له: (أنت من أهلها)؛ ولذلك رمى بالتمرات عندما تذكر جلال وجمال هذه الجنة، فقال: (والله لئن حييت حتى آكل هذه التمرات إنها لحياة طويلة) فقاتل حتى قتل ﵁ وأرضاه.
فالصحابة -يا إخوة! - لم ينالوا هذه الدرجة إلا بالكفاح، وبالجهاد، وبالمشقة، وبامتثال الأمر واجتناب النهي، وبالوقوف عند الحدود، وبالسمع والطاعة لله وللنبي ﷺ ؛ فيجب علينا أن نسلك هذا الدرب وهذا الطريق.
ونسأل الله أن يمن علينا وعليكم بجنته؛ إنه ولي ذلك ومولاه.
أسأل الله أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 1613
انتبه فالموت قادم !
أوصى النبي ﷺ بالإكثار من ذكر هاذم اللذات (الموت)؛ لأن ذلك يحمل على التوبة والاستعداد للقاء الله، والموت ما ذكر في قليل إلا كثره، ولا في كثير إلا قلله، فطوبى لمن استعد له.
стр. 1614
الموت حق
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي ينادي يوم القيامة بعد فناء خلقه ويقول: (أنا الملك، أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا العزيز، ثم يقول جل وعلا: لمن الملك اليوم؟ ويجيب على ذاته سبحانه ويقول: لله الواحد القهار)، سبحانه سبحانه سبحانه، سبحان ذي العزة والجبروت، سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان من كتب الفناء على جميع خلقه وهو الحي الباقي الذي لا يموت.
وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، شرح له صدره، ورفع له ذكره، ووضع عنه وزره، وفضله على جميع خلقه، وزكاه في كل شيء، وبعد كل هذا خاطبه بقوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠].
فاللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الأحباب وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً منزلاً من الجنة، وأسأل الله جل وعلا أن ينظر وجوهكم، وأن يزكي نفوسكم، وأن يشرح صدوركم، وأن يتقبل منا وإياكم صالح الأعمال، وأن يجمعني وإياكم في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد الدعاة وإمام النبيين في جنته ومستقر رحمته؛ إنه ولي ذلك ومولاه، وهو على كل شيء قدير.
أحبتي في الله! إننا الليلة على موعد مع هذا الموضوع الذي أتألم منه كثيراً؛ لأن دعاتنا وشيوخنا لا يذكرون الناس به إلا في المناسبات فقط، مع أننا في أمس الحاجة إلى أن نذكره وإلى أن نتذكره دائماً وأبداً، امتثالاً عملياً لوصية حبيبنا ورسولنا المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما في الحديث الذي رواه بعض أصحاب السنن -وهو حديث حسن- من حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه ﵌ قال: (أكثروا من ذكر هادم اللذات.
قيل: وما هادم اللذات يا رسول الله؟ قال: الموت)، فانتبه أيها المسلم، فإن الموت قادم، فإننا نعيش عصراً طغت فيه الماديات والشهوات، وانشغل فيه كثير من الناس عن لقاء رب الأرض والسماوات، انتبه فلابد من أن تستقر هذه الحقيقة الكبرى في قلبك وعقلك ووجدانك.
إن الحياة في هذه الأرض موقوتة محدودة بأجل، ثم تأتي نهايتها حتماً فيموت الصالحون ويموت الطالحون، يموت المجاهدون ويموت القاعدون، يموت المستعلون بالعقيدة ويموت المستذلون للعبيد، يموت المخلصون الصادقون الذي يأبون الضيم ويكرهون الذل، ويموت الجبناء الحريصون على الحياة بأي ثمن، يموت أصحاب الاهتمامات الكبيرة والأهداف العالية، ويموت الفارغون التافهون الذين لا يعيشون إلا من أجل المتاع الرخيص، الكل يموت، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥].
ولذا سمى الله هذه الحقيقة في القرآن بالحق، فقال جل وعلا: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:١٩ - ٢٢].
﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق:١٩]، والحق أنك تموت والله حي لا يموت.
﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق:١٩]، والحق أن ترى عند موتك ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب.
﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق:١٩]، والحق أن يكون قبرك روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران.
﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩].
أي: ذلك ما كنت منه تهرب، وذلك ما كنت منه تجري، وذلك ما كنت منه تخاف، تحيد إلى الطبيب إذا جاءك المرض خوفاً من الموت، وتحيد إلى الطعام إذا أحسست بالجوع هرباً من الموت، وتحيد إلى الشراب إذا أحسست بالظمأ رعباً من الموت.
أيها القوي الفتي! يا أيها الذكي! يا أيها العبقري! يا أيها الكبير! يا أيها الوزير! يا أيها الأمير! يا أيها الصغير: كل باك سيُبكى وكل ناع سيُنعى وكل مدخور سيفنى وكل مذكور سينسى ليس غير الله يبقى من علا فالله أعلى أيا من يدعي الفهم إلى كم يا أخا الوهم تعب الذنب بالذنب وتخطي الخطأ الجم أما بان لك العيب أما أنذرك الشيب وما في نصحه ريب ولا سمعك قد صم أما نادى بك الموت أما أسمعك الصوت أما تخشى من الفوت فتحتاط وتهتم فكم تسدر في السهو وتختال من الزهو وتنفض إلى اللهو كأن الموت ما عم كأني بك تنحط إلى اللحد وتنغط وقد أسلمك الرهط إلى أضيق من سم هناك الجسم ممدود ليستأكله الدود إلى أن ينخر العود ويمسي العظم قد رم فزود نفسك الخير ودع ما يعقب الضير وهيئ مركب السير وخف من لجة اليم بذا أوصيك يا صاح وقد بحت كمن باح فطوبى لفتى راح بآداب محمد يأتم
стр. 1615
كلا إذا بلغت التراقي
صدق الله جل وعلا إذا يقول: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة:٢٦ - ٣٠].
﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ [القيامة:٢٦]، أي: إذا بلغت الروح الحلقوم، ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [القيامة:٢٧]، أي: من الذي يرقيه؟ من الذي يبذل له الرقية؟ من الذي يقدم له العلاج؟ من الذي يحول بينه وبين الموت؟ انظر إليه وهو صاحب الجاه، صاحب السلطان، صاحب الأموال، صاحب السيارات، صاحب العمارات، صاحب الوزارات.
انظر إليه وهو على فراش الموت، التف الأطباء من حوله، ذاك يبذل له الرقية، وذاك يقدم له العلاج، يريدون شيئاً وملك الملوك قد أراد شيئاً آخر.
انظر إليه -أيها الحبيب- وقد اصفر وجهه، وشحب لونه، وبردت أطرافه، وتجعد جلده، وبدأ يحس بزمهرير قارس يزحف إلى أمام اليدين والقدمين، يحاول جاهداً أن يحرك شفتيه بكلمة التوحيد، فيحس أن الشفة كالجبل لا يتزحزح إلا لمن يسر الله له النطق بـ (لا إله إلا الله)، إلا لمن عاش على الإيمان ومات على الإيمان كما قال ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٢].
ينظر إلى أهله وإلى أحبابه، فيراهم مرة يبتعدون ومرة يقتربون، ويرى الغرفة التي هو فيها مرة تضيق عليه فتصغر كخرم إبرة، ومرة يراها كالفضاء الموحش، فإذا وعى ما حوله في الصحوات بين السكرات والكربات نظر إليهم نظرة استعطاف، ونظرة رجاء ونظرة أمل، ونظرة تمن، وقال لهم بلسان الحال -بل وبلسان المقال-: يا أحبابي! يا أولادي! يا أبنائي! لا تتركوني وحدي، ولا تفردوني في لحدي، أنا أبوكم، أنا حبيبكم، أنا الذي بنيت لكم القصور، أنا الذي عمرت لكم الدور، أنا الذي نميت التجارة، أنا صاحب الجاه، أنا صاحب الوزارة، أنا صاحب السلطان، أنا صاحب الأموال، أنا صاحب الكراسي، لا تتركوني وحدي، ولا تفردوني في لحدي، افدوني بأعمالكم، من منكم يزيد في عمري ساعة أو ساعتين؟ وهنا يعلو صوت الحق، كما قال الحق جل وعلا: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٨٣ - ٩٦].
سبحانك يا من ذللت بالموت رقاب الجبابرة، سبحانك يا من أنهيت بالموت آمال القياصرة، سبحانك يا من نقلتهم بالموت من القصور إلى القبور، ومن ضياء المهود إلى ظلمة اللحود، ومن ملاعبة الجواري والنساء والغلمان إلى مقاساة الهوام والديدان، ومن التنعم بألوان الطعام والشراب إلى التمرغ في الوحل والتراب.
﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [القيامة:٢٦ - ٢٧]، أي: من الذي يرقيه؟ من الذي يبذل له الرقية؟ من الذي يقدم له العلاج؟ من الذي يحول بينه وبين الموت؟ وقيل: إن معنى (مَنْ رَاقٍ) أي: من الذي سيرقى بروحه إلى الملك جل وعلا؟ وهذا معنى آخر، فمن الذي سيرتقي بهذه الروح من الملائكة؟ ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة:٢٧ - ٢٩] أهذا هو الذي سيخرج به وهو هذه الأكفان وهذا القماش؟ أين ماله؟ أين جاهه؟ أين كرسيه؟ أين سلطانه؟ أين دولاراته؟ أين أولاده؟ أين طائراته؟ أين دباباته؟ أين وزارته؟ أين الجاه؟ أهذا هو الذي سيخرج به؟
стр. 1616
حقيقة الدنيا
النفس تجزع أن تكون فقيرة والفقر خير من غنى يطغيها وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت فجميع ما في الأرض لا يكفيها وقال آخر: هي القناعة فالزمها تكن ملكاً لو لم تكن لك إلا راحة البدن وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير القطن والكفن لا والله، في الحديث عنه ﷺ : (يتبع الميت ثلاثة: ماله، وأهله، وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد) يرجع الأهل، ويقسم المال على الورثة، ولا يبقى لك إلا عملك، وينادى عليك بلسان الحال: رجعوا وتركوك يا مسكين، يا من شغلك مالك عن حقوق الله جل وعلا، يا من شغلتك تجارتك عن السجود بين يدي الله جل وعلا، يا من سمعت المؤذن يقول لك: (حي على الصلاة) وأنت في بيتك، وفي تجارتك، وفي حقلك، وفي وزارتك، وفي مكتبك ما تحرك فيك ساكن، وما قمت لله جل وعلا لتضع الأنف والجبين في التراب ذلاً لخالقك.
يقال لك بلسان الحال: رجعوا وتركوك، وفي التراب وضعوك، وللحساب عرضوك، ولو ظلوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا عملك مع رحمة الحي الذي لا يموت، انتهى كل شيء.
فكم من ليلة يفرح الناس بها، يسهرون ويمرحون ويضحكون، وفي الصباح الباكر يبكون، ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ [النجم:٤٢ - ٤٤].
يا نفس قد أزف الرحيل وأظلك الخطب الجليل فتأهبي يا نفس لا يلعب بك الأمل الطويل فلتزلن بمنزل ينسى الخليل به الخليل وليركبن عليك فيه من الثرى ثقل ثقيل قرن الفناء بنا فما يبقى العزيز ولا الذليل ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩]، نام هارون الرشيد على فراش الموت فقال لإخوانه من حوله: أريد أن أرى قبري الذي سأدفن فيه.
فحملوا هارون إلى قبره، ونظر هارون إلى القبر وبكى، ثم التفت إلى الناس من حوله وقال: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨ - ٢٩]، ثم رفع رأسه إلى السماء وبكى وقال: يا من لا يزول ملكه أرحم من قد زال ملكه.
ولقي الفضيل بن عياض رجلاً فقال له الفضيل: كم عمرك؟ قال الرجل: ستون سنة.
قال الفضيل: إذاً أنت منذ ستين سنة تسير إلى الله، يوشك أن تصل! فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون.
فقال الفضيل: يا أخي! هل عرفت معناها؟ قال: نعم، عرفت أني لله عبد، وأني إليه راجع.
فقال الفضيل: يا أخي! إن من عرف أنه لله عبد وأنه إليه راجع عرف أنه موقوف بين يديه، ومن عرف أنه موقوف عرف أنه مسئول، ومن عرف أنه مسئول فليعد للسؤال جواباً.
فبكى الرجل وقال: يا فضيل! وما الحيلة؟ قال الفضيل: يسيرة.
قال: ما هي -يرحمك الله-؟ قال: أن تتقي الله فيما بقى يغفر الله لك ما قد مضى وما قد بقي.
سفري بعيد وزادي لن يبلغني وقوتي ضعفت والموت يطلبني ولي بقايا ذنوب لست أعلمها الله يعلمها في السر والعلن أنا الذي أغلق الأبواب مجتهداً على المعاصي وعين الله تنظرني ما أحلم الله عني حيث أمهلني وقد تماديت في ذنبي ويسترني كأنني بين تلك الأهل منطرحٌ على الفراش وأيديهم تقلبني كأنني وحولي من ينوح ومن يبكي عليَّ وينعاني ويندبني وقد أتوا بطبيب كي يعالجني ولم أر الطب هذا اليوم ينفعني واشتد نزعي وصار الموت يجذبها من كل عرق بلا رفق ولا وهن وقام من كان أحب الناس في عجل نحو المغسل يأتيني يغسلني فجاءني رجل منهم فجردني من الثياب وأعراني وأفردني وأودعوني على الألواح منطرحاً وصار فوقي خرير الما ينظفني وأسكب الماء من فوقي وغسلني غسلاً ثلاثاً ونادى القوم بالكفن وحملوني على الأكتاف أربعة من الرجال وخلفي من يشيعني وقدموني إلى المحراب وانصرفوا خلف الإمام فصلى ثم ودعني صلوا علي صلاة لا ركوع لها ولا سجود لعل الله يرحمني وودعوني جميع الأهل وانصرفوا وقدموا واحداً منهم يلحدني فكشف الثوب عن وجهي لينظرني فأسكب الدمع من عينيه أغرقني وقال هلوا عليه التراب واغتنموا حسن الثواب من الرحمن ذي المنن يا نفس ويحك توبي واعملي حسناً عسى تجزين بعد الموت بالحسن وامنن عليَّ بعفو منك يا أملي فإنك أنت الرحمن ذو المنن هذه حياتك يا ابن آدم، هذه قصتك، من أنت؟ يا ابن التراب وما دون التراب غداً أقصر فإنك مأكول ومشروب علام الكبر؟ وعلام الغرور؟ أنسيت أصلك؟ أنسيت ضعفك؟ أنسيت فقرك؟ أنسيت عجزك؟ أنسيت أنك من التراب خلقت وإلى التراب تصير؟ فلماذا تحارب دين الله؟ ولم تحارب سنة الحبيب رسول الله؟ ولم تصد عن سبيل الله؟ تذكر أن الكرسي لو دام لغيرك ما وصل إليك، إن الدنيا مهما طالت فهي قصيرة، ومهما عظمت فهي حقيرة؛ لأن الليل مهما طال فلابد من طلوع الفجر، ولأن العمر مهما طال فلابد من دخول القبر.
وانتبه واعلم أن الدنيا دار ممر، وأن الآخرة هي دار المقر، فخذوا من ممركم لمقركم، ولا تفضحوا أستاركم عند من يعلم أسراركم.
قال لقمان لولده: أي بني! إنك من يوم أن نزلت إلى الدنيا استدبرت الدنيا واستقبلت الآخرة، فأنت إلى دار تقبل عليها أقرب من دار تبتعد عنها.
كم ستعيش أيها المسئول؟ يا من حملك الله أمانة الحكم، وأمانة الإعلام، وأمانة الوزارة، وأمانة التربية، وأمانة التوحيد، وأمانة الأبوة.
стр. 1617
الموت قادم
أيها المسلم! أيتها المسلمة! فلنتذكر جميعاً هذه الحقيقة، وهي أن الموت قادم، إنها الحقيقة الكبرى التي تعلن على مدى الزمان والمكان في أذن كل سامع وعقل كل مفكر، أنه لا بقاء إلا للحي الذي لا يموت، إنها الحقيقة التي يسقط عندها جبروت المتجبرين وعناد الملحدين وطغيان الطغاة المتألهين، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
انتبه فإن الموت قادم! حقيقة لابد أن تستقر في النفس، إذا تذكرها الحاكم عدل، إذا تذكرها المسئول اتقى الله في رعيته، إذا تذكرها رجل أمني اتقى الله في الناس، إذا تذكرها الأب اتقى الله في أولاده وزوجته، إذا تذكرتها الأم اتقت الله في زوجها وأولادها، إذا تذكرها كل مسلم عرف أن الموت قادم، وأنه في الغد القريب سيترك ماله، وسيترك كرسيه، وسيترك جاهه، وسيترك منصبه ليرى نفسه واقفاً بشحمه ولحمه بين يدي ملك الملوك وجبار السماوات والأرض ليكلمه ربه، نعم سيكلمك الحق جل وعلا، وسيكلمك الملك.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا * كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا * يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا * وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا * يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه:٩٨ - ١٠٨].
وفي الحديث يقول ﷺ : (ما منكم من أحد إلا وسيكمله ربه يوم القيامة)، فانتبه يا مسكين، إنك لو وقفت أمام قاض من قضاة الدنيا ربما ارتعدت فرائصك واضطربت جوارحك واصفر لونك وشحب وجهك، فهل فكرت في موقف ستعرض فيه بين يدي ملك الملوك جل وعلا؟ اذكر وقوفك يوم العرض عرياناً مستوحشاً قلق الأحشاء حيرانا والنار تلهب من غيظ ومن حنق على العصاة وتلقى الرب غضبانا اقرأ كتابك يا عبدي على مهل فهل ترى فيه حرفاً غير ما كانا لما قرأت ولم تنكر قراءته إقرار من عرف الأشياء عرفانا نادى الجليل خذوه يا ملائكتي وامضوا بعبد عصى للنار عطشانا المشركون غداً في النار يلتهبوا والمؤمنون بدار الخلد سكانا يقول ﷺ : (ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه -عن يمينه- فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه -أي: عن شماله- فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة).
فانتبه أيها الحبيب، ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ [ق:١٩ - ٢٠]، من النافخ؟ إسرافيل.
بأمر من؟ بأمر الملك.
لماذا؟ ينفخ النفخة الأولى للفزع، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [النمل:٨٧]، ويأمره الله بعد نفخة الفزع أن ينفخ نفخة الصعق، أي: نفخة الموت، كما قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الزمر:٦٨] أي: فمات ثم يأمره الثالثة: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨].
يخرج الناس من القبور حفاة عراة غرلاً، الرجال والنساء؛ نعم.
الرجل مع المرأة، المرأة أمامه عارية وهو أمامها عار لا ينظر إليها ولا تنظر إليه.
ما هذا الذي وقع؟ وما هذا الذي حدث؟ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢].
﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٣ - ٣٦]، لماذا؟ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٧].
مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور إذ كورت شمس النهار وأدنيت حتى على رأس العباد تسير وإذا النجوم تساقطت وتناثرت وتبدلت بعد الضياء كدور وإذا الجحيم تسعرت نيرانها فلها على أهل الذنوب زفير وإذا الجبال تقلعت بأصولها فرأيتها مثل السحاب تسير وإذا العشار تعطلت وتخربت خلت الديار فما بها معمور وإذا الوحوش لدى القيامة أحشرت وتقول للأملاك أين نسير وإذا البحار تفجرت نيرانها فرأيتها مثل الجحيم تفور وإذا الصحائف نشرت وتطايرت وتهتكت للعالمين ستور وإذا الجليل طوى السما بيمينه طي السجل كتابه المنشور وإذا الجنين بأمه متعلق يخشى القصاص وقلبه مذعور هذا بلا ذنب يخاف جناية كيف المصر على الذنوب دهور وإذا الجنان تزخرفت وتطيبت لفتىً على طول البلاء صبور قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ [ق:٢٠]، إنه يوم القيامة، إنه يوم الحسرة والندامة، إنه يوم الحاقة، إنه يوم الآزفة، إنه يوم الزلزلة، إنه يوم الوعيد، ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران:٣٠].
انتبه -أيها الحبيب- فإن هذا اليوم قادم، والله لو أن الأمر توقف عند الموت بدون بعث وبدون حساب لكان الأمر سهلاً وهيناً وميسوراً، ولكن بعد الموت بعث، وبعد البعث حشر، وبعد الحشر صحف، وبعد الصحف ميزان، وبعد الميزان جنة ونيران.
стр. 1618
شدة الموقف بين يدي الله
إن الأمر جد خطير، ستقف بين يدي الله جل وعلا ليكلمك وتكلمه، إن كنت من أهل التوحيد ومن أهل الإيمان ومن أهل الاستقامة قربك الله جل وعلا منه سبحانه، كما في الصحيحين من حديث ابن عمر، قال ﵌: (يدنى المؤمن من ربه يوم القيامة) أي: أن ربنا يقرب المؤمن (حتى يضع رب العزة عليه كنفه) والكنف لغة: الستر والرحمة، لا تأويلاً للصفة (ثم يقرره الله بذنوبه) يعني: أن ربنا يقرر العبد ويقول له: أنت عملت كذا يوم كذا.
وعملت كذا يوم كذا، في كتاب عند ربي لا يضل ربي ولا ينسى، ويقول له: أنت عملت الذنب الفلاني في اليوم الفلاني في المكان الفلاني، قال: (فيقول المؤمن: ربي أعرف.
فيقول الله جل وعلا: ولكني سترتها عليك في الدنيا، وأغفرها لك اليوم ويعطى كتابه بيمينه)، فيشرق وجهه، وينبسط النور من وجهه وعلى يمينه ومن بين يديه، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم:٨]، فهؤلاء هم أهل الأنوار، اللهم اجعلنا منهم! يأخذ كتابه بيمينه فيستثير وجهه، وتشرق أعضاؤه، والله جل وعلا يقول له: انطلق وأخبر أحبابك الذين هم على شاكلتك بما رأيت من الجنان والنعيم، وبشر أحبابك وأصحابك فينطلق إلى أرض المحشر ووجهه منير، النور من وجهه وعن يمينه ومن أعضائه، ينطلق إلى أحبابه وإخوانه، إلى أهل التوحيد، إلى أهل الإيمان، إلى أهل الأنوار، وهو يقول لهم: اقرءوا هذا الكتاب، هذا كتابي.
أعطانيه الله بيميني، فيا فرحتي ويا سعادتي.
سعد سعادة لن يشقى بعدها أبداً، وفاز فوزاً لن يخيب ولن يخسر بعده أبداً، يقول لهم: اقرءوا، فهذا توحيدي، وهذه صلاتي، وهذه زكاتي، وهذا حجي، وهذا بري، وهذه صدقتي، وهذه دعوتي، وهذا إخلاصي، وهذا إنفاقي، وهذا بذلي، وهذا عطائي، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٤].
أما إن كانت الأخرى -عياذاً بالله، وحفظنا الله وإياكم من ذلك، وختم لنا ولكم بخاتمة الموحدين- فيقف بين يدي الله بمنتهى الخزي والذل والعار، منكساً رأسه، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم:٥٠]، يقف بمنتهى الخزي، أين رأسك الذي رفعته في عنان السماء على الموحدين؟ أين أنفك الذي شمخت به في عنان السماء على المحرومين؟ أين مكانتك؟ أين غرورك؟ أين كبرك؟ إنّه في موقف الخزي والذل والعار، قال تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم:١٦ - ١٧]، يعطيه الله كتابه بشماله أو من وراء ظهره، ويسود وجهه، ويكسى من سرابيل القطران، ويقال له: انطلق إلى أمك الهاوية، إلى جهنم -والعياذ بالله- وأخبر من هم على شاكلتك بهذا المصير.
فينطلق وقد اسود وجهه، وكسي من سرابيل القطران في أرض المحشر، وهو يبكي ويصرخ ويقول: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٣٧]، أسأل الله أن يختم لي ولكم بالتوحيد.
أيها الحبيب الكريم! يقول تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق:٢٠ - ٢٢]، شغلك مالك، شغلك جاهك، شغلتك تجارتك، شغلتك وزارتك، شغلك مكتبك، شغلك كرسيك، شغلتك زوجتك، شغلك ولدك، شغلتك بنتك.
стр. 1619
آثار حب الدنيا وكراهية الموت
أيها الحبيب الكريم! إننا لا نريد أن نقنط أحداً أو أن نيئسه، وإنما نرى الأمة الآن قد حق عليها وصدق فيها قول من لا ينطق عن الهوى، كما ورد في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود من حديث ثوبان: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها.
قالوا: أومن قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: كلا.
أنتم يومئذ كثير، ولكن غثاء كثغاء السيل، وليوشكن الله أن ينزع المهابة من قلوب عدوكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن.
قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت).
من هنا ننطلق لنذكر الأمة بهذا الداء العضال الذي تمكن منها فذلت وأهينت من قبل إخوان القردة والخنازير الذين كتب الله عليهم الذل والذلة، أحبت الأمة الدنيا وكرهت الأمة الموت، ما عملت للموت وما استعدت للقاء الله.
أقول عن نفسي: والله لو قيل لي: إنك الآن ستلقى الله جل وعلا وسيأتيك ملك الموت، لبكيت دماً بدل الدمع على حالي، ما الذي قدمت؟ وما الذي فعلت لألقى به الله جل وعلا؟ وماذا سأجيب على ربي إذا سألني؟ فهل فكرت -أيها الحبيب- في هذا السؤال؟ هل فكرت في عرضك على الكبير المتعال؟ هل يسعدك الآن أن تلقى الله على ما أنت فيه من تقصير؟ هل يسعدك الآن أن تلقى الله على ما أنت فيه من تفريط وتضييع؟ أيها اللاهي! أيها الساهي! يا من غرتك المعاصي وشغلك الشيطان! دع عنك ما قد فات في زمن الصبا واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب لم ينسه الملكان حين نسيته بل أثبتاه وأنت لاهٍ تلعب والروح منك وديعة أودعتها ستردها بالرغم منك وتسلب وغرور دنياك التي تسعى لها دار حقيقتها متاع يذهب الليل فاعلم والنهار كلاهما أنفاسنا فيها تعد وتحسب
стр. 1620
التوبة إلى الله
أيها الحبيب الكريم! انتبه.
فإن الموت قادم، وكما رَهَّبْنا وجب علينا أن نُرَغِّبَ، وكما خوفنا يجب علينا أن نُرَجِّي.
أيها الحبيب الكريم! أقبل على الله، وتب إلى الله، ولا تقنط ولا تيأس مهما بلغت ذنوبك، ومهما كثرت معاصيك وفرطت وضيعت وخالفت، فجدد التوبة، وجدد الأوبة، وجدد العودة، وعاهد ربك على أن تتوب إليه توبة نصوحاً.
يا من ضيعت الصلاة! عد إلى الله وحافظ على الصلاة في جماعة، يا من ضيعت الزكاة! أد حق الله، يا من عصيت والدك! يا من عصيت أمك! يا من فرطت في حق الله! يا من آذيت إخوانك! يا من حاربت الله ورسوله! يا من صددت عن سبيل الله! يا من كتبت تقريراً لم تتق الله فيه في أخ من إخوانك فخربت بيته وأبكيت أعين أولاده! عد إلى الله، وتب إلى الله، واتق الله، واعلم أن الله جل وعلا غفور كريم تواب رحيم.
لنتب إلى الله جميعاً أيها المؤمنون، ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
أيها الحبيب الكريم! ورد في الحديث الذي رواه مسلم والترمذي من حديث أنس، واللفظ للترمذي أنه ﵌ قال: (قال الله تعالى: يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض -أي: بملء الأرض خطايا- ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة).
تب إلى الله وعد إلى الله أيها الحبيب، ولا تيأس ولا تقنط، ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٧٠].
فهيا أيها الشاب! عد إلى الله جل وعلا، وتب إلى الله ، واعلم أن الله سيفرح بتوبتك وسيفرح بأوبتك، وهو الغني عن العالمين، لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية، واعلم أن الدنيا إلى زوال، وأن الحياة الباقية في جنة عدن عند الكبير المتعال، ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤ - ٥٥]، (ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله هي الجنة)، والجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
أيها الحبيب الكريم! ورد في سنن ابن ماجة وصحيح ابن حبان -وفي إسناده سليمان بن موسى مختلف فيه، وبقية رجال الإسناد ثقات- من حديث أسامة بن زيد أنه ﷺ وصف الجنة يوماً لأصحابه فقال: (هي ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وفاكهة كثيرة وزوجة حسناء جميلة ثم قال ﵊: ألا هل مشمر للجنة؟ قالوا: نحن المشمرون لها يا رسول الله.
فقال لهم: قولوا: إن شاء الله .
وأختم بهذه الأبيات، يقول علي ﵁ وأرضاه: النفس تبكي على الدنيا وقد علمت أن السلامة فيها ترك ما فيها لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها أموالنا لذوي الميراث نجمعها ودورنا لخراب الدهر نبنيها وكم من مدائن في الآفاق قد بنيت أمست خراباً وأفنى الموت أهليها أين الملوك التي كانت مسلطنة حتى سقاها بكأس الموت ساقيها إن المكارم أخلاق مطهرة الدين أولها والعقل ثانيها والعلم ثالثها والحلم رابعها والجود خامسها والعرف سادسها لا تركنن إلى الدنيا وزينتها فالموت لاشك يفنينا ويفنيها وأعمل لدار غداً رضوان خازنها والجار أحمد والرحمن بانيها قصورها ذهب والمسك طينتها والزعفران حشيش نابت فيها أنهارها لبن مصفى ومن عسل والخمر يجري رحيقاً في مجاريها والطير تجري على الأغصان عاكفة تسبح الله جهراً في مغانيها من يشتري الدار في الفردوس يعمرها بركعة في ظلام الليل يحييها واعلم أن نعيم الجنة الحقيقي ليس في لبنها، ولا في خمرها، ولا في ذهبها، ولا في قصورها، ولا في حورها، ولا في حريرها، ولكن نعيم الجنة الحقيقي في رؤية وجه ربنا، كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣].
أسأل الله جل وعلا أن يمتعني وإياكم بالنظر إلى وجهه الكريم، اللهم اغفر لنا، وتقبل منا، وتب علينا، وارحمنا؛ إنك أنت التواب الرحيم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1621
ماذا بعد رمضان ؟
أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، وقد كان النبي ﷺ يحافظ على الأعمال الصالحة ويداوم عليها، وعادة ما يأتي شهر رمضان فيتعود الناس فيه على قراءة القرآن وصلاة القيام والتراويح والصدقة ونحوها من القربات ولكن ما أن ينقضي رمضان حتى تختفي تلك القربات في دنيا الناس، وكان ينبغي الدوام عليها والاستمرار، حتى يتم للمرء الفلاح ويختم الله له بالخير.
стр. 1622
ثوابت إيمانية ينبغي المداومة عليها بعد رمضان
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله الحليم الكريم جل وعلا الذي جمعني مع حضراتكم في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار مقامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! ماذا بعد رمضان؟ هذا عنوان لقائنا مع حضراتكم في آخر يوم من أيام شهر الصيام والقيام والقرآن، وكعادتي حتى لا ينسحب بساط الوقت سريعاً من تحت أقدامنا، فسوف ينتظم حديثي مع حضراتكم في هذه العناوين المحددة التالية.
أولاً: ثوابت الإيمان.
ثانيا: حقيقة الإيمان.
ثالثاً: فضل الاستقامة.
فأعيروني القلوب والأسماع، فإن هذا الموضوع من الأهمية بمكان، والله أسأل أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب.
أولاً: ثوابت الإيمان: أيها الأحبة الكرام! أيها الصادقون القائمون القارئون للقرآن هاهو شهر رمضان قد انتهى، انتهى شهر الصيام والقيام والقرآن والبر والجود والإحسان: فيا عين جودي بالدمع من أسف على فراق ليالٍ ذات أنوار على ليال لشهر الصوم ما جعلت إلا لتمحيص آثام وأوزار ما كان أحسننا والشمل مجتمع منا المصلي ومنا القانت القاري فابكوا على ما مضى في الشهر واغتنموا ما قد بقي إخوتي من فضل أعمار إنا لله وإنا إليه راجعون وهكذا أسرعت أيام الخير والبر والفضل والطاعة، ولا شك أن ربنا جل وتعالى قد اختص رمضان بكثير من رحماته وبركاته، فأنت ترى الناس تقبل على طاعة الله في رمضان بأريحية عجيبة، وبيسر وسهولة غريبة؛ لأن الله قد هيأ الناس في رمضان للطاعة، وقد سهل الطاعة للصادقين من المؤمنين في رمضان، ولكن يا إخوة: ليس معنى ذلك أن نعرض عن كثير من الثوابت الإيمانية بعد رمضان، فأنت ترى المساجد معطرة بأنفاس الصائمين في رمضان، وترى صفوف المصلين مزدحمة في رمضان؛ بل وترى البر والجود والإحسان والبذل والإنفاق والعطاء والذكر والتوبة والاستغفار، وترى حرص الناس على الطاعة، فترى المحسن يقول للمسيء إليه: اللهم إني صائم، يذكر نفسه بالله جل وعلا، وبطاعة الله.
ليس معنى ذلك -أيها الأحبة الكرام- أن نعرض عن هذه الثوابت الإيمانية بعد رمضان، فإن للإيمان من الثوابت ما لا يستغني عنها مؤمن من المؤمنين حتى يلقى بها رب العالمين.
стр. 1623
الحرص على قيام الليل
ومن الثوابت الإيمانية التي يزيد إيمانك بها في قلبك: قيام الليل، فيا من عودت نفسك على قيام الليل في رمضان في صلاة التراويح لا تتخل عن هذا الزاد، فوالله يوم أن خرجت الأمة من مدرسة قيام الليل هانت وقست القلوب، وجمدت العيون.
كان سعد بن أبي وقاص في القادسية يمر على خيام الأبطال والمجاهدين، فإذا رأى خيمة قام أهلها لله جل وعلا للصلاة، يقول سعد: من هنا يأتي النصر إن شاء الله.
من قيام الليل يأتي النصر إن شاء الله من قيام الليل تأتي رقة القلب من قيام الليل تأتي دموع العين من قيام الليل تأتي طاعة الجوارح، لماذا؟ لأن الليل أنس المحبين، وروضة المشتاقين، وإن لله عباداً يرعون الظلال بالنهار كما يرعى الراعي غنمه، ويحنون إلى غروب الشمس كما تحن الطير إلى أوكارها، حتى إذا ما جنهم الليل، واختلط الظلام، وبسطت الفرش، وخلا كل حبيب بحبيبه؛ قاموا فنصبوا إلى الله أقدامهم، وافترشوا إلى الله جباههم، وناجوا ربهم بقرآنه، وطلبوا إحسانه وإنعامه، يقسم ابن القيم ويقول: فإن أول ما يعطيهم ربهم أن يقذف من نوره في قلوبهم.
ففي الحديث الذي رواه ابن خزيمة والحاكم بسند حسن من حديث أبي أمامة، أنه ﷺ قال: (عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة لكم إلى ربكم، ومكفر للسيئات، ومنهاة عن الإثم).
стр. 1624
المحافظة على صلاة الجماعة
من أعظم هذه الثوابت: أن تحافظ على الصلاة في جماعة كما كنت حريصاً أيها الصائم في رمضان، قال ربنا ﷻ : ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط!).
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلاً في الجنة كلما غدا أو راح).
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (أرأيتم لو أن نهراً على باب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، أيبقى من درنه شيء؟ -أي هل سيبقى على جسده شيء من النجاسة أو القذر- قالوا: لا يا رسول الله! قال: فذلكم مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا).
стр. 1625
المداومة على قراءة القرآن
وقراءة القرآن من الثوابت الإيمانية التي لا يستغني عنها مؤمن بعد رمضان، وقد رأينا الصائمين -ولله الحمد- في أشد الحرص على قراءة القرآن في رمضان، فمنهم من قرأ القرآن كله مرة؛ بل ومنهم من قرأ القرآن كله مرتين، بل ومنهم من قرأ القرآن كله ثلاث مرات، ومنهم من زاد على ذلك، فلا تتخل عن القرآن بعد رمضان، ولا تضع المصحف في عزلته مرة أخرى، وتضعه على رفٍ من أرفف المكتبة في بيتك في رمضان، فإن المسلم لا غنى له أبداً عن كتاب الله جل وعلا.
فلا بد أن تمتع بصرك، وأن تسعد قلبك وبصيرتك بالنظر يومياً في كتاب ربك ﵎، قال الله : ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩]، وقال المصطفى ﷺ كما في صحيح مسلم من حديث أبي أمامة: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه).
وقال النبي ﷺ كما في سنن الترمذي بسند صحيح من حديث ابن مسعود ﵁: (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، أما إني لا أقول (ألم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف).
وعن النواس بن سمعان، أن النبي ﷺ قال: (يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به، تقدمه سورة البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو غيايتان أو غيابتان، أو فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما يوم القيامة).
فلا تتخلّ أيها الموحد الصادق عن القرآن لا تتخل أيها الصائم عن القرآن لا تتخل أيها القائم عن القرآن، وهل ذلت الأمة وضاعت إلا يوم أن تخلت عن القرآن؟! ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]، والهجر للقرآن أنواع: - هجر التلاوة.
- وهجر السماع.
- وهجر التدبر.
-وهجر العمل بأحكام القرآن.
- وهجر التداوي بالقرآن.
- هجرت الأمة القرآن إلا من رحم ربك من أفراد، فذلت الأمة لإخوان القردة والخنازير، ولعباد البقر في كشمير، وللملحدين الملعونين في كوسوفا، وفي باكستان والشيشان، وللصليبيين الحاقدين في كوسوفا والبوسنة وفي كل مكان: ففي كل بلد على الإسلام دائرة ينهد من هولها رضوى وثهلان ذبح وصلب وتقتيل بإخوتنا كما أعدت لتشفي الحقد نيران يستصرخون ذوي الإيمان عاطفة فلم يغثهم بيوم الروع أعوان هل هذه غيرة أم هذه ضعة للكفر ذكر وللإسلام نسيان ووالله ما انتشر وانتفش الباطل وأهله إلا يوم أن تخلى عن القرآن أهله، أسأل الله أن يرد الأمة إلى القرآن رداً جميلاً.
стр. 1626
تجديد التوبة والاستمرار عليها
ومن الثوابت الإيمانية بعد رمضان: أن تكون دائم التوبة للرحيم الرحمن: من منا يستغني عن التوبة بعد رمضان؟! من منا يستغني عن الأوبة إلى الله مع كل نفس من أنفاس حياته؟ قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور:٣١] لم يقل: أيها العاصون، ولم يقل: أيها المذنبون، بل قال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم:٨].
وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: (يا أيها الناس! توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة)، هذا الحبيب المصطفى الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يستغفر الله ويتوب إليه مائة مرة وأظن أننا نحتاج إلى أن نستغفر الله ونتوب إليه في اليوم ألف مرة، نحن نحتاج إلى التوبة مع كل نفس من أنفاس حياتنا، فجدد التوبة والأوبة.
стр. 1627
المداومة على الذكر
ومن الثوابت الإيمانية التي لا غنى للمسلم عنها بعد رمضان: أن يكون دائم الذكر للرحيم الرحمن، قال الله ﵎: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢]، وقال المصطفى ﷺ كما في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري: (مثل الذي يذكر ربه، والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت).
فالذاكر لله حي ولو حبست منه الأعضاء، والغافل عن ذكر الله ميت وإن تحرك بين الأحياء.
أخي الحبيب! لا تغفل عن ذكر رب الأرض والسماء، وحافظ على ذكر الله، ففي الحديث الطويل الذي رواه أحمد من حديث الصحيح الحارث الأشعري، وفيه أنه ﷺ قال (مثل الذي يذكر ربه كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعاً فأتى على حصن حصين فاحتمى به من عدوه، فذلك مثل الذاكر لله، يحتمي بالذكر من الشيطان)، فلا تتخل عن الذكر بعد رمضان.
стр. 1628
الإنفاق في سبيل الله
ومن الثوابت الإيمانية بعد رمضان أيضاً: الإنفاق، فأنت ترى الناس تقبل على الإنفاق والجود والبر في رمضان بيسر وأريحية، فلا تتخل عن الإنفاق بعد رمضان ولو بالقليل، قال ربنا ﷻ : ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٨]، وقال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢].
وقال المصطفى ﷺ كما في الصحيحين من حديث عدي بن حاتم: (ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه يوم القيامة، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر العبد أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم -أي: في الدنيا- وينظر العبد أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم -أي: في الدنيا- وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة).
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً).
فمن الثوابت الإيمانية التي لا غنى للمسلم عنها بعد رمضان أن يظل دائم البذل والإنفاق والعطاء، كل على قدر استطاعته قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وقال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧].
стр. 1629
حقيقة الإيمان
أيها الأحبة! هذه بعض الثوابت الإيمانية التي رأيناها في رمضان، ولا ينبغي لمسلم صادق أن يتخلى عن هذه الثوابت بعد رمضان، ونحن في أمس الحاجة إلى وصية سيد ولد عدنان إلى وصية الحبيب محمد ﵊، حينما جاءه سفيان بن عبد الله وحديثه في صحيح مسلم وقال: (يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك، فقال له النبي ﷺ : قل آمنت بالله ثم استقم).
قل أيها الحبيب! آمنت بالله.
ثم استقم، وهذا أمر من النبي ﷺ لنا جميعاً، قولوا: آمنا بالله.
ثم استقيموا، وهذا هو عنصرنا الثاني من عناصر اللقاء: حقيقة الإيمان.
стр. 1630
الإيمان له حقيقة ونور وطعم وحلاوة
أيها الأحبة الكرام! إن الإيمان ليس كلمة تقال باللسان فحسب، ولكن الإيمان قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، فالإيمان له حقيقة، والإيمان له طعم، والإيمان له حلاوة، والإيمان له نور، وخذ الأدلة على كل كلمة.
الإيمان له حقيقة، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤]، فالإيمان قول، وتصديق، وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
حال الإيمان في قلبك في المسجد يختلف تماماً عن حال الإيمان في قلبك وأنت أمام مسلسل من المسلسلات، أو أمام فيلم من الأفلام، أو أمام مباراة من المباريات، شتان شتان بين حال الإيمان في قلبك في المسجد، وبين حال الإيمان في قلبك وأنت بعيد عن طاعة الرحمن جل وعلا، فالإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعاصي والزلات.
قال حبيبنا ﷺ كما في الحديث الذي رواه الطبراني والحاكم في المستدرك بسند حسن من حديث عبد الله بن عمر: (إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب -أي: كما يبلى الثوب- فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم)، فالإيمان يحتاج إلى تجديد.
أما طعم الإيمان فروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً).
والإيمان له حلاوة: روى البخاري ومسلم من حديث أنس أنه ﷺ قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار).
والإيمان له نور، ولا تصرف لفظة النور عن ظاهرها، فقد جاء في الحديث الذي رواه الديلمي وأبو نعيم، وحسنه الألباني من حديث علي أن النبي ﷺ قال: (ما من القلوب قلب إلا وله سحابة كسحابة القمر فبينا القمر مُضيء إذ علته سحابة فأظلم، فإذا تجلت عنه أضاء)، كذلك الإيمان له نور في القلب، فإذا تحركت سحابة كثيفة مظلمة من سحب المعاصي والذنوب حجبت تلك السحابة نور الإيمان في القلوب كما تحجب سحابة السماء الكثيفة المظلمة نور القمر عن الأرض، فإذا انقشعت السحابة أضاء القمر في الأرض مرة أخرى، كذا إذا انقشعت سحب المعصية أضاء الإيمان في القلب مرة أخرى كما يضيء القمر في أفق السماء، فالإيمان له حقيقة، وله طعم، وله نور، وله حلاوة.
стр. 1631
مثال يبين تحقق وعد الله لمن حققوا الإيمان
أيها الأحباب! بهذا الإيمان تحول أصحاب النبي ﷺ من رعاة للإبل والغنم إلى سادة وقادة للدول والأمم، واسمحوا لي أن أكرر هذه اللفظة، وأقول: بهذا الإيمان تحول الصحابة من أفراد مجهولين تماماً لا ذكر لهم ولا كرامة في أرض الجزيرة؛ تحولوا من رعاة للإبل والغنم إلى سادة وقادة للدول والأمم! والله ما عرفنا شيئاً عن أبي بكر قبل الإيمان، والله ما عرفنا عمر بن الخطاب قبل الإيمان، والله ما عرفنا خالد بن الوليد قبل الإيمان، والله ما عرفنا هؤلاء الأطهار إلا يوم أن تخرجوا من جامعة الإيمان على يد المربي الذي رباه الله على عينه ليربي به الدنيا.
وسأضرب لحضراتكم مثالاً واحداً فقط لاستعلاء هذا الإيمان في قلوب هؤلاء الصادقين، لنقف على حجم الهوة السحيقة، بين إيماننا وبين إيمان سلفنا رضوان الله عليهم، أسأل الله أن يلحقنا بهم على الخير والطاعة.
هاهو ربعي بن عامر جندي ضعيف البنية، قصير القامة، قوي الإيمان، لما هزمت جيوش كسرى أمام جيوش التوحيد بقيادة سعد بن أبي وقاص قال كسرى: لأرمين المسلمين بقائدي الذي ادخرته ليوم الكريهة، وكان قائده هذا الذي كان يربى كما تربى العجول والبهائم هو رستم.
وتولى رستم قيادة الجيوش الكسروية، وهزمت الجيوش الكسروية بقيادة رستم، أمام جحافل الإيمان وأبطال التوحيد، بقيادة خال النبي سعد بن أبي وقاص، فأرسل رستم رسالة إلى القائد سعد: أن أرسل إلينا رسولاً من قبلك لنسمع منكم ولتسمعوا منا، وليفاوضنا ولنفاوضكم.
فاختار سعد بن أبي وقاص ربعي بن عامر رضي الله عن ربعي أقول لكم: إن كتب التاريخ، وإن كتب السير تصف ربعي بن عامر بأنه كان قصير القامة، ضعيف البنية، لكنه كان قوي الإيمان.
فركب فرسه، وانطلق بثياب متواضعة جداً، فأرادوا أن يمنعوه حتى لا يدخل على سيدهم رستم وهو على ظهر جواده، وطلبوا منه أن يترجل -يعني: أن يمشي على رجليه- فأبى، وقال: أنا لم آتكم، وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت، فسمعه رستم فقال: ائذنوا له، فدخل ربعي على ظهر جواده.
تقول بعض الروايات: إنه ربط فرسه في رجل الكرسي الذي جلس عليه رستم، ومشى استعلاء في موطن يحب الله فيه الخيلاء والفخر -وشتان بين استعلاء المؤمنين واستعلاء المتكبرين- فمشى ربعي يتكئ برمحه على الفرش لا ليمزق الفرش، بل ليمزق قلب رستم، فصرخ فيه رستم: من أنتم؟! فقال: ربعي: نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، فمن قبل منا قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن حال بيننا وبين دعوة الناس بدين الله قاتلناه حتى نفضي إلى موعود الله.
قال رستم: وما موعود الله؟ قال ربعي: الجنة لمن مات منا، والنصر لمن بقي من إخواننا.
فقال رستم: سمعت قولك، فهل لكم أن تؤجلونا لننظر في أمرنا ولتنظروا في أمركم؟ قال ربعي: لقد سن لنا نبينا ﷺ أن لا نؤخر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث، فانظر في أمرك وأمرهم واختر لنفسك واحدة من ثلاث انظروا إلى العزة.
قال رستم: وما هي؟! قال ربعي الأولى: الإسلام ونرجع عنك.
قال رستم وما الثانية؟ قال ربعي: الجزية، وإن احتجت إلينا نصرناك! الجزية التي تدفعها الأمة الآن كاملة غير منقوصة: آهٍ يا مسلمون متنا قروناً والمحاق الأعمى يليه محاق أي شيء في عالم الغاب نحن آدميون أم نعاج نساق نحن لحم للوحش والطير منا الجثث الحمر والدم الدفاق وعلى المحصنات تبكي البواكي يا لعرض الإسلام كيف يراق قد هوينا لما هوت وأعدوا وأعدوا من الردى ترياق واقتلعنا الإيمان فاسودت الد نيا علينا واسودت الأعماق وإذا الجذر مات في باطن الأر ض تموت الأغصان والأوراق قال رستم: وما الثالثة؟ قال ربعي: القتال، ولن نبدأك بالقتال فيما بيننا وبين اليوم الثالث إلا إن بدأتنا أنت.
فقال رستم: أسيدهم أنت؟ يعني: هل أنت قائدهم الذي تصدر الأوامر وتخطط وتتكلم بهذه الثقة؟ قال: لا، ولكن المسلمين تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم على أعلاهم.
بهذا الإيمان سادوا بهذا الإيمان قادوا بهذا الإيمان تحولوا من رعاة في الجزيرة للإبل والغنم إلى سادة وقادة للدول والأمم، ولن ولن ولن -أكررها ثلاثاً- لن تتحقق النصرة والعزة والتمكين والاستقلال إلا إذا حققت الأمة الإيمان؛ لأن الله قد وعد بالنصرة والعزة والاستخلاف والتمكين للمؤمنين، والإيمان ليس مجرد كلمة: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨]، ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور:٥٥] إلى آخر الآية.
العزة والتمكين والنصر للمؤمنين، فكن على يقين بأن القلة المؤمنة التي تستحق النصرة والعزة والتمكين لا توجد بعد، فالإيمان ليس كلمة فحسب؛ بل قول وتصديق وعمل.
انظر إلى واقع الإيمان في الأمة الآن، كم من أناس ينتسبون الآن إلى الإسلام لا يصلون، ويتعاملون بالربا، ويعاقرون الزنا.
غيبت الشريعة ونحي القرآن، ووثقت الأمة الآن في أمريكا أو في بعض دول الأرض أكثر من ثقتها في خالق السماء والأرض، فالأمة تحتاج إلى أن تصحح وتحقق وتجدد الإيمان الذي به فقط تصبح الأمة أهلاً للنصرة والعزة، وأهلاً للاستخلاف والتمكين، وإلا فبدون الإيمان لن نرى شيئاً من هذا؛ لأن الله وعد بالنصرة والعزة والاستخلاف والتمكين للمؤمنين، أسأل الله أن يرزقنا وإياكم الإيمان الصادق، وأن يرد الأمة إلى الإيمان رداً جميلاً.
وأخيراً: أيها الحبيب الكريم! فضل الاستقامة أي: على هذا الإيمان، وعلى هذه الثوابت، وأرجئ الحديث عنها إلى ما بعد جلسة الاستراحة، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 1632
فضل الاستقامة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد:
стр. 1633
ما أعده الله لأهل الاستقامة في الجنة
في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فلو ذهبت إلى رجل من أهل الكرم والفضل، وأعد لك نزلاً -أي: ضيافة- فيعدها لك على قدر كرمه هو.
إن أهداك رجل من أهل الدنيا هدية فسيهديها لك على قدر كرمه هو، وأرجو أن تتصور معي -أيها الصائم القائم الموحد لله- نزلاً يعده لنا ملك الملوك ﷻ .
إذا أردت أن تقف على شيء من هذا النزل فقس على منزلة أقل رجل في الجنة، وأرجو أن تتصور أنت بعد ذلك منزلة السابقين الأولين، منزلة أصحاب الدرجات العالية، ففي صحيح مسلم من حديث المغيرة بن شعبة أن الحبيب ﷺ قال: (سأل موسى بن عمران ربه عن أدنى أهل الجنة منزلة، ذاك رجل يجيء فيقول الله له: ادخل الجنة، فينطلق، ثم يرجع الرجل إلى الله مرة ثانية ويقول: يا رب! لقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم، وفي لفظ يقول: يا رب! وجدتها ملأى، ليس لي مكان في الجنة: فيقول الرب سبحانه: أترضى أن يكون ملكك في الجنة كملك ملك من ملوك الدنيا؟) هل تعلمون ملك الملوك؟ فيقول: رضيت يا رب، فيقول الرب سبحانه: لك ذلك، لك في الجنة مُلك مَلك من ملوك الدنيا).
لكن قلت لحضراتكم: بأن الكريم يعطي على قدر كرمه، وبأن الرحيم يعطي على قدر فضله، فيقول الكريم سبحانه: (لك ذلك ومثله -يعني: ضعفه- لك ذلك ومثله، ومثله، ومثله، ومثله، ومثله، فيقول العبد في المرة الخامسة: رضيت يا رب رضيت يا رب، فيقول الرب: لك ذلك وعشرة أمثاله معه، ولك ما اشتهت نفسك.
قال موسى بن عمران: يا رب! هذا أدنى أهل الجنة منزلة، فما أعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر).
أبت نفسي تتوب فما احتيالي إذا برز العباد لذي الجلال وقد نصب الصراط لكي يجوزوا فمنهم من يكب على الشمال ومنهم من يسير لدار عدن تلقاه العرائس بالغوالي يقول له المهيمن يا وليي غفرت لك الذنوب فلا تبالي اللهم اغفر لنا الذنوب، واستر لنا العيوب، وفرج لنا الكروب! اللهم لا تدع لأحد منا في آخر يوم من أيام رمضان ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً بيننا إلا هديته، ولا طائعاً معنا إلا زدته وثبته، ولا حاجة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين! يا رب! اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً! اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى! يا رب! لا تخرجنا من هذا المكان إلا بذنب مغفور، وسعي مشكور، وتجارة لن تبور، برحمتك يا عزيز يا غفور! اللهم لا تخرجنا من هذا المسجد في آخر جمعة من رمضان إلا وقد غفرت لنا أجمعين مهما كانت الذنوب وكثرت العيوب، برحمتك يا ستار العيوب! يا علاّم الغيوب! يا غفار الذنوب! لا إله لنا سواك فندعوه، لا إله لنا سواك فندعوه، ولا رب لنا غيرك فنرجوه، يا من إليه يلجأ الخائفون، وعليه يتوكل المتوكلون، ولعظيم فضله تبسط الأيدي ويسأل السائلون، يا رب! اختم لنا رمضان برضوانك، اختم لنا رمضان برضوانك، اختم لنا رمضان برضوانك، واجعل مآلنا إلى رضوانك، واجعل مصيرنا في جنانك، ونجنا من سخطك ونيرانك.
اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا، يا منقذ الغرقى، ويا منجي الهلكى! ويا سامع كل نجوى! يا عظيم الإحسان! يا دائم المعروف! يا دائم المعروف! يا دائم المعروف! اللهم لا تعاملنا بما نحن أهله، فنحن أهل المعاصي والذنوب، وعاملنا بما أنت أهله، فأنت أهل المغفرة والرحمة يا علام الغيوب! اللهم استر نساءنا واحفظ بناتنا، وأصلح أخواتنا وشبابنا، واهد أولادنا، اللهم رب لنا أولادنا، ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، واجعلنا للمتقين إماماً.
يا رب! انصر إخواننا في الشيشان، يا رب! انصر إخواننا في الشيشان، اللهم إنك ترى عجزنا وضعفنا، ونحن لا نملك لهم إلا الدعاء، فتقبل دعاءنا لهم يا رب الأرض والسماء، اللهم تقبل دعاءنا لهم يا رب الأرض والسماء، شتت شمل الروس الملعونين، شتت شمل الروس الملعونين، شتت شمل الروس الملعونين، اللهم أعم أبصارهم، اللهم شتت رميهم، اللهم شتت رميهم، اللهم اجعل رميهم بعيداً عن أهلنا وإخواننا وأخواتنا.
اللهم أعم أبصارهم، وشتت رميهم، ومزق صفهم، وزلزل أركانهم، وشل جوارحهم وأعضاءهم، واملأ قلوبهم وبيوتهم ناراً، أرنا فيهم يوماً كيوم عاد وثمود، أرنا فيهم يوماً كيوم عاد وثمود.
يا من هزمت الأحزاب، ونصرت محمداً في بدر، وأيدته بجند من عندك، أيد إخواننا في الشيشان بجند من عندك يا رحيم يا رحمن! اللهم وحد صفهم، وألف كلمتهم، وسدد رميهم، وانصرهم نصراً مؤزراً، واجعل سلاح وعتاد الروس غنيمة لهم يا أرحم الراحمين! اللهم انصر إخواننا في فلسطين، اللهم انصر إخواننا في فلسطين على اليهود الملعونين وعلى أعوانهم المنافقين والمجرمين، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأعل بفضلك كلمة الحق والدين، وانصر المجاهدين عامة في كل مكان يا أرحم الراحمين! اللهم اشف صدور قوم مؤمنين بنصرة الإسلام وعز الموحدين.
يا رب اجعل مصر واحة للأمن والأمان، اللهم نج مصر من الفتن، اللهم نج مصر من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم إنك تعلم أن أعداءنا يتكالبون على هذا البلد، فاحفظه من الفتن ما ظهر منها وما بطن برحمتك يا رب العالمين! يا رب! اجعل مصر أمناً أماناً سخاء رخاء وسائر بلاد المسلمين، اللهم اجعل مصر أمناً أماناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم اجعل مصر أمنا أماناً سخاء رخاء وسائر بلاد المسلمين، اللهم احفظ أهل هذا البلد الكريم، اللهم احفظ أهل هذا البلد الكريم، ورد ولاة أمره للحكم بشريعتك يا أرحم الراحمين! أنت ولي ذلك والقادر عليه.
اللهم أغننا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم اقبلنا وتقبل منا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم!
стр. 1634
تنزل الملائكة بالبشرى لأهل الاستقامة عند الموت وعند البعث
فيا أيها الأحبة الكرام! إن الاستقامة على الإيمان لها فضل عظيم، وخير عميم، وأثر في حياة المؤمن، ألا وهو الثبات على هذا الدين في الحياة وعند الممات، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٢].
هذا فضل الاستقامة: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا)، أي: على الإيمان بالله على ثوابت الإيمان على طريق الله وعلى طريق رسول الله (تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ) متى تتنزل الملائكة على أهل الإيمان والاستقامة؟! قال مجاهد وزيد بن أسلم وغيرهما: تتنزل الملائكة على أهل الإيمان والاستقامة وهم على فراش الموت.
يا رب! اجعلنا منهم، يا رب! في هذه اللحظات لحظات السكرات والكربات هل تعلم أنها لحظات قد اشتدت على حبيب رب الأرض والسماوات؟! ففي الصحيح من حديث عائشة ﵂ قالت: مات رسول الله بين سحري ونحري -أي: على صدرها- ثم قالت: (والله لا أكره شدة الموت لأحد بعدما رأيت رسول الله قد اشتد الموت عليه حتى كان النبي ﷺ يضع يده في ركوة بها ماء -أي: في قدح به ماء- ويمسح العرق عن جبينه وهو يقول: لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات! لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات).
وفي رواية أحمد بسند صحيح: (كان المصطفى ﷺ يقول: لا إله إلا الله، إن للموت سكرات! اللهم هوّن عليّ سكرات الموت).
في هذه اللحظات لحظات السكرات والكربات تتنزل الملائكة على أهل الاستقامة والإيمان برب الأرض والسماوات، فترى المؤمن المستقيم على الطاعة في هذه اللحظات مبتسماً سعيداً، ويخفف الله عليه السكرات والكربات، فإذا اشتد الكرب والهم والغم والألم تنزلت الملائكة بهذه البشارة: (أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ)، فيقول المؤمن المستقيم: يا لها من فرحة وسعادة! من أنتم؟ فيكون
الجواب
( نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ)، روى الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح من حديث أبي هريرة، أنه ﷺ قال: (تحضر الملائكة -عند الموت، فإذا كان الرجل صالحاً قالت الملائكة وهي تخاطب روحه: أيتها الروح الطيبة في الجسد الطيب اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب راض غير غضبان)، (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ)، قال ابن عباس وابن أبي حاتم وغيرهما: (تتنزل الملائكة على أهل الإيمان والاستقامة عند الخروج من القبور يوم البعث والنشور).
وأنا أقول: لا تعارض بين القولين، بل إن الجمع بينهما هو الأصل عندي، فالملائكة تتنزل على أهل الإيمان والاستقامة مرتين: مرة وهم على فراش الموت، ومرة إذا خرجوا من القبور يوم البعث والنشور، لتذكرهم ملائكة العزيز الغفور بهذه البشارة: (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ)، بنص الآية: (وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا) يعني: في الجنة (مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ).
(نزلاً) أي: ضيافة وإنعاماً وإكراماً (من غفور) غفر لكم الذنوب، (رحيم) رحمكم يوم الأهوال والكروب، وستر عليكم الزلات واليعوب.
стр. 1635
الإسلام قادم تعليق على الأحداث الأخيرة
غاصت الأمة الإسلامية في أوحال المعاصي والذنوب، إلا من رحم الله، فنتج عن ذلك أن زحف اليأس إلى قلوب كثير من المسلمين، من عودة الأمة إلى دين ربها وسنة نبيها، ولكن تباشير الفجر قد اقترب ظهورها، تنبئ بمستقبل مشرق للإسلام، وإن الأحداث التي تجري في مختلف أنحاء الأرض، لأكبر شاهد على ذلك.
стр. 1636
واقع الأمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
اللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحفاده وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء! وطبتم جميعاً وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلا، وأسأل الله العظيم الكريم الحليم جل وعلا، الذي جمعنا في هذا الجمع الكريم المهيب المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار مقامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! إن الإسلام قادم! هذا هو عنوان لقائنا مع حضراتكم في هذا اليوم الكريم المبارك، وفي هذه الظروف العصيبة الرهيبة التي تمر بها أمتنا.
وسوف أركز الحديث مع حضراتكم تحت هذا العنوان في العناصر التالية: أولاً: واقع أليم.
ثانياً: ولكن الإسلام قادم.
ثالثاً: منهج عملي واجب التنفيذ.
فأعيروني القلوب والأسماع جيداً، والله أسأل أن يقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، وأن يشفي صدور قوم مؤمنين، إنه ولي ذلك ومولاه، وهو على كل شيء قدير.
стр. 1637
الأمة لم تمت ولكن طال نومها
لا شك أن الأمة نامت وطال نومها، ولا شك أن الأمة مرضت واشتد مرضها، ولكن الأمة بحول الله -مع ما ذكرت- لم تمت ولن تموت بموعود الصادق الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ ، فإن أبناء الطائفة المنصورة في هذه الأمة لا يخلو منهم زمان بشهادة الصادق الذي لا ينطق عن الهوى كما في الصحيحين من حديث معاوية ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس).
أسأل الله أن يجعل هذا الجمع الكريم كله من هذه الطائفة المنصورة التي تعيش لدين الله وتتمنى أن تنصر دين الله بكل سبيل.
والله ثم والله إنني لأعتقد اعتقاداً جازماً أنه لو دعي الآن إلى الجهاد في سبيل الله تحت كتاب الله وشريعة رسول الله لرأت أميركا العجب العجاب! ولعلم اليهود أن محمداً ما مات وخلف بنات، كما يدعي اليهود المجرمون!! بل سيعلم العالم كله أن محمداً ترك رجالاً يتمنون -ورب الكعبة- أن تسد أجسادهم فوهات مدافع الأمريكيين ومدافع اليهود؛ ليرفعوا راية لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هل يتبناها زعيم مسلم على وجه الأرض؟! نتمنى زعيماً مسلماً يحكّم شريعة الله ويحكّم سنة رسول الله وليقل: حي على الجهاد، حي على الجهاد، وسيرى العالم الملايين المملينة من شباب هذه الأمة خارجاً لنصرة دين الله جل وعلا.
اللهم ارفع راية الجهاد، اللهم ارفع علم الجهاد، اللهم ارفع علم الجهاد، اللهم ارفع علم الجهاد، اللهم ارفع علم الجهاد، اللهم اقمع أهل الزيغ والفساد، اللهم اقمع أهل الزيغ والفساد، اللهم انصر دينك وكتابك وعبادك المؤمنين يا قوي يا عزيز! أيها المسلمون! إن الطائفة المنصورة لا يخلو منها زمان ولا مكان على وجه الأرض: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس).
لئن عرف التاريخ أوساً وخزرجاً فلله أوس قادمون وخزرج وإن كنوز الغيب تخفي طلائعاً حر رغم المكائد تخرج وقال آخر: صبح تنفس بالضياء وأشرقا وهذه الصحوة الكبرى تهز البيرقا وشبيبة الإسلام هذا فيلق في ساحة الأمجاد يتبع فيلقا وقوافل الإيمان تتخذ المدى ضرباً وتصنع للمحيط الزورقا ما أمر هذه الصحوة الكبرى سوى وعد من الله الجليل تحققا هي نخلة طاب الثرى فنمى لها جذع قوي في التراب وأعذقا هي في رياض قلوبنا زيتونة في جذعها غصن الكرامة أورقا فجر تدفق من سيحبس نوره أرني يداً سدت علينا المشرقا
стр. 1638
واقع مر أليم
أحبتي الكرام! لقد ابتليت الأمة الإسلامية بنكسات وأزمات كثيرة على مرِّ الزمان، مروراً بأزمة الردة الطاحنة، والهجمات التترية الغاشمة، والحروب الصليبية الطاحنة، لكن الأمة مع كل تلك الأزمات كانت تمتلك مقومات النصر: من إيمان صادق، وثقة مطلقة في الله، واعتزاز بهذا الدين، فكتب الله جل وعلا لها النصر والعز والتمكين، ولكن واقع الأمة المعاصر واقع أليم، فقدت فيه الأمة جُل مقومات النصر! بعد أن انحرفت انحرافاً مروعاً عن منهج رب العالمين، وعن سبيل سيد المرسلين ﷺ ، انحرفت الأمة ووقعت في انفصام نَكد مُزرٍ بين منهجها المنير وواقعها المؤلم المرير، انحرفت الأمة في الجانب العقدي، والجانب التعبدي، والجانب التشريعي، والجانب الأخلاقي، والجانب الفكري، بل وحتى في الجانب الروحي.
وما تحياه الأمة الآن من واقع أليم وقع وفق سنن ربانية لا تتبدل ولا تتغير ولا تحابي هذه السنن أحداً من الخلق بحال مهما ادعى لنفسه من مقومات المحاباة، بل ولن تعود الأمة إلى عزها ومجدها إلا وفق هذه السنن التي لا يجدي معها تعجل الأذكياء ولا هم الأصفياء، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] والله! لقد غيرت الأمة وبدلت في جميع الجوانب، بل لقد وقعت الأمة في العصر الحديث في المنكر الأعظم، ألا وهو: أن نحت شريعة الكبير المتعال، وشريعة سيد الرجال، وحكّمت في الأعراض والأموال والحروث والثمار القوانين الوضعية الكافرة التي وضعها مهازيل البشر على وجه الأرض! استبدلت الأمة بالعبير بعراً، وبالثريا ثرى، وبالرحيق المختوم حريقاً محدقاً مدمراً! وولت الأمة شريعة الله وشريعة رسول الله ظهرها، وراحت تلهث وراء الشرق الملحد تارة، ووراء الغرب الكافر تارة أخرى، وظنت الأمة المسكينة أنها قد ركبت قوارب النجاة، فغرقت وأغرقت، وهلكت وأهلكت، ولن تعود الأمة إلى سيادتها وريادتها إلا إذا عادت من جديد إلى أصل عزها ونبع شرفها ومعين شرفها ومعين بقائها ووجودها وهو: كتاب ربها وسنة الحبيب نبيها ﷺ .
стр. 1639
الأمة قصعة مستباحة
انحرفت الأمة فزلَّت وأصبحت قصعة مستباحة لكل أمم الأرض، وصدق في الأمة قول الصادق الذي لا ينطق عن الهوى كما في حديثه الصحيح الذي رواه أحمد وأبو داود من حديث ثوبان أنه ﷺ قال: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟! قال: كلا، ولكنكم يومئذ غثاء كغثاء السيل، وليوشكن الله أن ينزع المهابة من قلوب عدوكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن.
قيل: وما الوهن يا رسول الله؟! قال: حب الدنيا، وكراهية الموت).
لقد أصبحت الأمة الآن غثاء من النفايات البشرية، تعيش متفرقة في دويلات متناثرة، بل متصارعة، بل متحاربة، تدخل بينها حدود جغرافية مصطنعة، وأعراف قومية منتنة، وصارت ترفرف على سماء الأمة -بلا استثناء- رايات القومية والوطنية! وتحكم الأمة كلها قوانين الغرب العلمانية! وتدور الأمة كلها في الدوامات السياسية، فلا تملك الأمة نفسها عن الدوران، بل ولا تختار لنفسها حتى المكان الذي ستغور فيه! فأُبدلت ذلاً بعد عزة وجهلاً بعد علم، وضعفاً بعد قوة، وأصبحت الأمة الإسلامية في ذيل القافلة الإنسانية كلها، بعد أن كانت في الأمس القريب جداً الدليل الحاذق الأريب، حيث كانت تقود القافلة الإنسانية كلها بجدارة واقتدار، وأصبحت الأمة الآن تتسول على موائد الفكر الإنساني والعلمي كله!! بعد أن كانت بالأمس القريب جداً منارة تهدي الحيارى والتائهين ممن أحرقهم لفح الهاجرة القاتل، وأرهقهم طول المشي في التيه والظلام، وأصبحت الأمة المسكينة تتأرجح في سيرها، بل لا تعرف طريقها الذي ينبغي أن تسلكه، والذي يجب أن تسير فيه! بعد أن كانت الأمة بالأمس القريب الدليل الحاذق الأريب في الدروب المتشابكة، وفي الصحراء المهلكة التي لا يهتدي للسير فيها إلا الأدلاء المجربون.
أهذه هي الأمة التي زكاها الله في القرآن بالخيرية في قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]؟! أهذه هي الأمة التي زكاها الله في القرآن بالوسطية في قوله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]؟! أهذه هي الأمة التي أمرها الله بوحدة الصف والاعتصام بحبل الله المتين في قوله سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]، وفى قوله سبحانه: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥]؟! إن الناظر إلى الأمة في واقعنا المعاصر سينقلب إليه بصره خاسئاً وهو حسير؛ فإن واقع الأمة الأليم لا يكاد يخفى الآن على أحد، وما تتعرض إليه الأمة اليوم -لا أقول العراق، بل ما تتعرض له الأمة كلها اليوم- من إذلال مهين من قلعة الكفر على ظهر الأرض أمريكا، ما تتعرض له الأمة كلها الآن من ذل وهوان وضرب بالنعال؛ ليؤكد تأكيداً جازماً هذا الواقع المر الأليم، الذي لا يحتاج من داعية أو عالم من علماء الأمة الآن إلى مزيد بيان أو إلى مزيد تشخيص أو تدليل!! فإن الواقع الأليم الذي تحياه الأمة لا يجهله إلا مسلم لا يعيش إلا لشهواته الحقيرة ونزواته الرخيصة، أما مسلم يحترم نفسه يحترم أمته يحترم هذا الدين لا أظن ألبتة أنه يجهل هذا الواقع الأليم.
стр. 1640
الإسلام قادم
عنصرنا الثاني: ولكن الإسلام قادم!! هذا وعد ربنا برغم أنف المشركين والمنافقين، وهذا وعد نبينا برغم أنف المشركين والمنافقين والمجرمين! إن الإسلام قادم يا شباب! نعم، أنا أعي ما أقول، وأعي واقع الأمة المر الأليم الذي أشرت إليه باختصار، ومع ذلك أؤكد لكم جميعاً: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩]، بالإيمان لن تهنوا بالإيمان لن تحزنوا بالإيمان أنتم الأعلون، والله إنني لأعتقد اعتقاداً جازماً أنه لا يوجد على وجه الأرض -أبداً- شر محض، وحتى مع ما نراه الآن من تهديدات لا للعراق فحسب، بل للأمة كلها، إن هذا الشر سيجعل الله جل وعلا فيه خيراً كثيراً؛ فما من أزمة مرت بالأمة إلا وجعلها الله ﵎ سبباً لقوة الإسلام، وما من ابتلاء إلا وجعله الله سبباً لتمحيص الصف، وسبباً لتمييز الخبيث من الطيب، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢ - ٣].
ولقد ذكر سلطان العلماء الإمام العز بن عبد السلام في البلاء سبع عشرة فائدة، فلا تظنوا أبداً أنه مع هذه الأزمة سيزول الإسلام، وسينتهي المسلمون!! لا والله.
لقد هجم القرامطة على المسلمين في بيت الله! وذبحوا الطائفين حول بيت الله، واقتلع أبو طاهر القرمطي الخبيث المجرم الحجر الأسود من الكعبة! وظل يصرخ بأعلى صوته في صحن الكعبة، وهو يقول: أين الطير الأبابيل؟! أين الحجارة من سجيل؟! انظروا إلى هذه الفتنة العاصفة!! وظل الحجر الأسود بعيداً عن بيت الله ما يزيد على عشرين سنة! ومع ذلك رد الله الحجر، ورد المسلمين إلى دينه، وانتصر الإسلام على القرامطة كما تعلمون.
وهاجم التتار بغداد، وظلوا يذبحون ويقتلون المسلمين أربعين يوماً! حتى امتلأت شوارع بغداد بالدماء، ومع ذلك رد الله المسلمين إلى الإسلام، وأخزى التتار وهزمهم شر هزيمة على أيدي الصادقين المخلصين الأبرار: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾، لكننا نريد الإيمان، نريد أن تحقق الأمة الإيمان قال تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩] تدبروا قول رب العالمين: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف:٨ - ٩].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦].
ما يزيد على مائة وخمسين بليوناً من الدولارات أنفقت في حرب الحادي والتسعين، وما هي النتيجة؟! (ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ) ما زال الإسلام قوياً شامخاً، وسيبقى الإسلام قوياً شامخاً.
أين التتار؟! أين الصليبيون؟! أين المجرمون؟! بل أين فرعون؟! بل أين هامان؟! أين أصحاب الأخدود؟! أين كل من عادى الإسلام؟! هلك الجميع وبقي الإسلام، وسيبقى بموعود الرحمن وسيد ولد عدنان: (فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ).
стр. 1641
انتشار المساجد في بلاد الكفر
لقد بلغ عدد المساجد في قلعة الكفر ما يقرب من ألفي مسجد، ففي ولاية (نيويورك) وحدها مائة وخمسة وسبعون مركزاً إسلامياً ومسجداً.
حتى في هذه البلاد يظهر الإسلام، ألم يقل ربنا: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة:٣٣]؟! إن الإسلام دين الفطرة، وإن الإسلام قادم لا محالة، مهما وُضِعت في طرقه العقبات والسدود والعراقيل: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣]، إنه وعد الله جل وعلا.
وآخر الإحصائيات في فرنسا تقول: عدد المسلمين في فرنسا يزيد على خمسة ملايين مسلم، وفي بريطانيا المجرمة: عدد المسلمين فيها الآن يزيد على مليوني مسلم، وفي كل سنة يدخل الإسلام من البريطانيين ما يزيد على الألفين من أصول بريطانية.
أرقام تبشر بخير، فالإسلام دين الفطرة كما ذكرنا، وهؤلاء إن سمعوا عن الإسلام وعرفوا صورته الحقيقية جاءوا مسرعين إلى دين الفطرة؛ لأنهم يعيشون حالة قلق رهيبة.
ومن سافر إلى بلاد الشرق والغرب ووقف على حجم عيادات الطب النفسي، عرف حجم هذا الخطر، فإنهم كما ذكرت قبل ذلك قد أعطوا البدن كل ما يشتهيه، وبقيت الروح في أعماق أبدانهم تصرخ وتبحث عن دوائها وغذائها، ولا يعلم دواء الروح وغذاءها إلا الله، قال جل في علاه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥].
وفي تركيا يريد العلمانيون الآن بكل قوة أن يخلعوا عنها عباءة الإسلام، يقول لي أخ تركي في هذه الزيارة الأخيرة: إن عدد المساجد في تركيا يزيد عن خمسة وستين ألف مسجد، ويقسم لي بالله أنهم في رمضان الماضي كانوا يصلون في صلاة الفجر خارج المسجد كأنهم في صلاة الجمعة، انظر إلى الطحن والضربات التي تكال على تركيا كيلاً، يريد أتباع أتاتورك الخبيث الهالك أن يجعلوها علمانية، بعيدة عن الإسلام!! ولكنهم عاجزون، إنهم يرقصون رقصة الموت؛ لما يرون كل يوم شباباً في ريعان الصبا، وفتيات في عمر الورود، يغذون هذا المد الإسلامي الهائل، لا أقول في مصر وفي بلاد المسلمين، بل في العالم كله!!
стр. 1642
بشارات نبوية
إننا والله نرى العجب العجاب! ونرى الخير الكثير!! وهذا من باب قول الله سبحانه: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩]، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد من حديث حذيفة بن اليمان -وهو حديث صحيح- أن النبي ﷺ قال: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً، فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرياً فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة).
أسأل الله أن يعجل بها وأن يمتعنا بالعيش في ظلالها، وإن لم يقدر لنا ذلك، فأسأله ألا يحرم أبناءنا وأولادنا، إنه ولى ذلك والقادر عليه.
وفي الحديث الذي رواه مسلم من حديث ثوبان أن الصادق المصدوق ﷺ قال: (إن الله تعالى زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها).
م اليأس؟!! ولم القنوط؟!! إن هذا التقهقر سيزيد النشيط خذلاناً، وسيزيد اليائس والقانط قنوطاً ويأساً.
الرسول -في أحلك الأوقات والأزمات وهو يُطارد، وأصحابه مهاجرون- يقول ل خباب بن الأرت: (والذي نفس محمد بيده لَيُتِمَّنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه).
﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩].
واعلموا علم اليقين أن كل ابتلاء يزيد الإسلام صلابة، ويزيد المسلمين قوة، ويخرج من اندس في صفوف المؤمنين وقلبه مملوء بالنفاق، وببغض رب العالمين وسيد النبيين ﷺ .
إذاً: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك إلا للمؤمن: إن اصابته سَّراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له).
وجاء في الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه على شرط الشيخين وأقر الحاكم الذهبي، وقال الألباني: بل هو صحيح على شرط مسلم من حديث تميم الداري أن الحبيب النبي ﷺ قال: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترُكُ الله بيت مَدَرٍ ولا وَبَر إلا أدخله الله هذا الدين، بعزِّ عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر).
ومن جميل ما قاله المفكر الشهير اشبنكنز: إن للحضارات دورات فلكية، فهي تغرب هنا لتشرق هنالك، وإن حضارة أوشكت على الشروق في أروع صورة، ألا وهي حضارة الإسلام الذي يملك وحده أقوى قوة روحانية عالمية نقية.
أيها الأحبة الكرام! والله ما بقي إلا أن ترتقي الأمة إلى مستوى هذا الدين، وأن تعرف الأمة قدر هذه النعمة التي امتن بها عليها رب العالمين، وحملها هذه الأمانة سيد النبيين ﷺ ، وهذا ما سنتعرف عليه في عنصرنا الثالث والأخير وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 1643
زحف الإسلام في دول الكفر
في العشر الأواخر من رمضان الماضي كنت في زيارة لأمريكا، ووقفت على وثيقة التنصير الكنسي، ورأيت بابا الفاتيكان جون بول الثاني يصرخ في هذه الوثيقة على كل المبشرين أي: على كل المنصرين في أنحاء الأرض -تدبر- ويقول: هيا تحركوا بسرعة؛ لوقف الزحف الإسلامي الهائل في أنحاء أوروبا! مع أنه لا يتحرك أحد للإسلام، بل نحن قد نمنع من الخروج للدعوة إلى الإسلام! فالإسلام لا يتبنى قضاياه الكبرى أحد إلا على مستوى الأفراد، ولو بذل للإسلام ما يبذل لأي دين على وجه الأرض، والله لن يبقى على وجه الأرض من الأديان إلا الإسلام.
أيها الأحبة الكرام! في الثالث والعشرين من رمضان الماضي التقيت برئيس جمعية الشرطة المسلمين في أمريكا وأرجو أن تركزوا معي؛ لنعلم أن الإسلام ينتشر حتى في قلب قلعة الكفر أمريكا، ولا تستطيع قوة على وجه الأرض أن تمنع الإسلام أبداً، حتى قلعة الكفر أمريكا.
هل تعلمون أن عدد المسلمين في أمريكا الآن في إحصائية ١٢/ ٩٧م وصل إلى ثلاثة عشر مليون مسلم! صحيح ممكن أن يكون كثير من هذا العدد غثاء لا يحرك ساكناً، لكنها إحصائية تحوي الكثير والكثير من الاستفسارات والعلامات! جمعية يرأسها ضابط أمريكي أبيض، التقيت به ودار بيني وبينه حوار طويل، نقلته للإخوة في خطبة العيد في المنصورة، وألخصه لحضراتكم هنا بإيجاز: قلت له: كيف أسلمت؟! وتعجبت حينما قال لي: إنه كان قسيساً متعصباً للنصرانية! يقول: لقد قرأت القرآن -أي: الترجمة- وقرأت عدداً لا بأس به من أحاديث صحيح البخاري، وأسلم زميل لي في العمل -وهو أمريكي- يقول: فذهبت يوماً أبحث عنه؛ لأمر خاص بالعمل، فقالوا: إنه في المسجد، فدخلت المسجد لأنادي عليه، يقول: واستمعت -وأنا على باب المسجد- لكلمات الأذان، يقول لي: لقد هزت كلمات الأذان أعماقي، وشعرت بتغيير كبير في داخلي! يقول: إني لا أستطيع أن أعبر لك عنه؛ لأنني ما تذوقت طعمه قبل أن أستمع إلى كلمات الأذان، يقول: ثم نظرت إلى المسلمين وهم يصلون: يركعون مع بعضهم، ويسجدون مع بعضهم، وأنا أنادى زميلي في العمل وهو في الصلاة، فلا يرد عليَّ! فلما أنهى الصلاة قلت له: أنا رئيسك في العمل وأنادي عليك، لماذا لم تجبني؟! قال: لأني كنت في صلاة بين يدي ربي جل وعلا، وإذا كنت كذلك فلا أجيب إلا الله .
يقول: فأحسست بسلام عميق في صدري لهذا الدين! فقلت لزميلي: ماذا تصنعون إن أردتم أن تدخلوا الإسلام؟! فأمروه بالاغتسال، فاغتسل وخرج إلى صحن المسجد، وشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وكان يسمى: ب مايكل، وهو الآن يسمى بـ عبد الصبور.
قلت له: ما نظرتك إلى مستقبل الإسلام في أمريكا؟ قال: الإسلام قوي جداً في أمريكا، وأرجو أن تدققوا في الكلمات (الإسلام) وأنا لا أقول: المسلمون، وإنما الإسلام قوي جداًَ في أمريكا، هذه ترجمة حرفية لكلام الرجل، ثم قال لي: أبشرك بأن كثيراً من الأمريكيين بدءوا يفهمون الآن جيداً أن الإسلام الحقيقي ليس هو إسلام الشرق الأوسط، وبدءوا يفهمون أن رسالة عيسى هي رسالة محمد، وهي الإسلام.
قلت له: فهل لك أن تقص عليَّ قصة مؤثرة لعضو من أعضاء جمعيتكم؟! قال: يا أخي! القصة الوحيدة التي أستطيع أن أؤكدها لك هي: أن الإسلام ينتشر بقوة في الشرطة الأمريكية! قلت له: فهل عندك من الإحصائيات والأرقام ما تؤكد لي به هذه المعلومة؛ إذ إنني أستبشر خيراً كثيراً لا في كثير من المسلمين في أمريكا، ولكن فيمن يدخلون الإسلام من الأمريكيين، فإن قلت له: هذه سنة، لا يناقش، هذه بدعة، لا يجادل، ولقد ذهبت مع بعض إخواني من الدعاة والمشايخ إلى مسجد التقوى، وهو لإخواننا الأمريكيين السود، فورب الكعبة يا شباب! لقد احتقرنا أنفسنا بينهم، ترى الواحد منهم في صلاته خاشعاً، يذكرك بسلف هذه الأمة، فمن هنا يأتي الأمل، ومن عند هؤلاء نرجو الخير الكثير بإذن الله، يقول لي: عدد الضباط والجنود في الشرطة الأمريكية في ولاية (نيويوورك) أربعة وخمسون ألف ضابط وجندي، يقول لي: أصبح من بين هذا العدد -ولله الحمد- ما يزيد على ألفين وخمسين ضابطاً يوحدون الله جل وعلا، وهذا عدد كبير ليس بالعدد القليل الهين، ثم قص علي قصة، فقال: لقد أسلمت ضابطة أمريكية، ثم لبست الحجاب، وجاءت إلى العمل بالحجاب، فقال لها رئيسها: ما هذا؟! قالت: لقد أسلمت.
قال: لا حرج!! لك ذلك، لكن عليكِ أن تخلعي هذا الثوب.
قالت: لا.
وردت المرأة بقول عجيب أتمنى أن تستمع إليه كل متبرجة في بلدنا، وهي تنتسب إلى الإسلام، قالت: إن الله هو الذي أمرني بالحجاب، ولا توجد سلطة على وجه الأرض تملك أن تنزع عني هذا الحجاب إلا بأمر الله.
كلمات عجيبة! قلت له: أخي! أود منك أن توجه ثلاث رسائل: الرسالة الأولى للأمريكيين، والرسالة الثانية للمسلمين في أمريكا، والرسالة الثالثة للمسلمين في مصر، فقال: أما رسالتي الأولى للأمريكيين فهي: إننا نؤمن بعيسى كما نؤمن بمحمد، إنه فهم دقيق عميق، ولا عجب؛ فقد كان الرجل قسيساً.
إننا نود أن يعلم هؤلاء أننا نجل عيسى، ونؤمن بعيسى، ونجل مريم ﵍ وعلى عيسى ونبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام.
قلت: وجه رسالة للمسلمين في أمريكا، قال: أقول لهم: اصبروا ولا تتعجلوا، فإنه لا يتحقق شيء أبداً بدون الصبر -ترجمة حرفية لكلام الرجل- ثم قال: أود أن أقول لهم: إن أخطأ واحد منكم فلا ينبغي أن تفزعوا ولا أن تحزنوا، فلو لم نخطئ ما احتجنا إلى الرب ، فإننا نخطئ؛ لنتوب إلى الله .
قلت: فوجه رسالة أخيرة للمسلمين في مصر سأنقلها عنك إلى الآلاف المؤلفة من المسلمين، فقال: قل لهم: إن باعدت بيننا وبينكم آلاف الأميال فإن رحمة الله قد وسعت كل شيء، وإننا نحبكم في الله.
стр. 1644
واجب المسلمين اليوم حتى ينصرهم الله
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! ذكرت لحضراتكم في أول اللقاء: أن ما وقع للأمة وقع وفق سنن ربانية لا تتبدل ولا تتغير، ولن تعود الأمة إلى عزتها وسيادتها إلا وفق هذه السنن التي لا ينفع معها تعجل الأذكياء ولا وهم الأصفياء.
إذاً: محال أن ينصر الله هذه الأمة -وأرجو أن تتقيدوا بالألفاظ- وهي خاذلة لدينه، بل لابد أن تنصر الأمة دين الله؛ لينصرها الله: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ﴾ [الحج:٤٠]، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]، ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥] لابد من تحقيق هذه الشروط وهذه الضوابط، ومن ثم فإنه لابد أن نقف جميعاً على هذا المنهج العملي الواجب التنفيذ، وهذا هو عنصرنا الثالث والأخير من عناصر هذا اللقاء.
على الأمة أن تعود عوداً حميداً إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، والعودة للقرآن والسنة ليست نافلة ولا تطوعاً ولا اختياراً، بل إنها عودة واجبة، بل إنها حدّ الإسلام وشرط الإيمان: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
إن الله لا ينصر أمة نحت شريعته، واستهزأت بسنة نبيه، وفتحت الباب على مصراعيه لأندية الليل التي حولت الليل نهاراً، وللخمر، ولبيوت الدعارة! إن الله لن ينصر أمة عزلت دين ربها وعزلت دين نبيها وانحرفت عن كتاب الله وعن سنة رسول الله.
стр. 1645
رفع راية الجهاد
ثالثاً: رفع راية الجهاد.
لا عز للأمة إلا إذا رفعت راية الجهاد، ولن ترفع الأمة راية الجهاد إلا إذا عادت إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله، وإلا فعلى أي شيء ترفع راية الجهاد؟! لابد أن ترفع راية الجهاد؛ لتكون كلمة الله هي العليا، لا من أجل وطنية، ولا من أجل قومية، ولا من أجل حمية؛ لقول سيد البشرية: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله).
стр. 1646
التطبيق العملي للإسلام
رابعاً: لابد من أن نحول الإسلام بأخلاقه وسلوكياته إلى واقع عملي في حياتنا ومنهج حياة.
أنا أكرر هذا القول دائماً: يا إخوة! كلنا شهد الإسلام بلسانه، لكن من منا شهد الإسلام بسلوكه وعمله وأخلاقه؟! إن بوناً شاسعاً بين منهجنا وواقعنا، بين ما نتعلمه وبين ما نحن عليه من أخلاق، لابد أن نُحول هذا الدين العظيم إلى واقع عملي في بيوتنا في مواصلاتنا في شوارعنا في وظائفنا.
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا وإن خالف القول العمل بذرت بذور النفاق في القلوب، كما قال علام الغيوب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣].
لابد للكوادر المسلمة، التي تتعلم الإسلام في المساجد من أهل العلم المتخصصين به، أن تفهم الإسلام بشموله وكماله، ولابد أن تحول الإسلام على أرض الواقع إلى عمل يتألق سمواً وروعةً وجلالاً؛ لسمو وروعة وجلال وعظمة هذا الإسلام العظيم.
أيها الأحبة الكرام! إننا لا نخاف على الإسلام؛ لأن الذي وعد بإظهاره على الدين كله هو الله الذي يقول للشيء كن فيكون، وإنما نخاف على المسلمين إن هم تركوا الإسلام وضيعوا الإسلام.
نسأل الله جل وعلا أن يرد المسلمين إلى الإسلام رداً جميلاً.
اللهم رد المسلمين إلى الإسلام رداً جميلاً، اللهم رد المسلمين إلى الإسلام رداً جميلاً، اللهم قيض لأمة التوحيد أمر رشد يُعز فيه أهل الطاعة، ويُذل فيه أهل المعصية، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم أعل بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم اشف صدور قوم مؤمنين، اللهم اشف صدور قوم مؤمنين، اللهم احفظ أهلنا في العراق، اللهم احفظ أهلنا في العراق، اللهم احفظ أهلنا في العراق، اللهم إنهم عزل فكن لهم نصيراً، اللهم إن العالم كله قد عاداهم فكن لهم معيناً، اللهم لا تخذلهم بذنوبهم يا أرحم الراحمين! اللهم لا تخذلهم بذنوبهم يا أرحم الراحمين! اللهم لا تخذلهم بذنوبهم يا أرحم الراحمين! اللهم عليك باليهود والأمريكيين، اللهم عليك باليهود والأمريكيين، اللهم أرنا فيهم يوماً كيوم عاد وثمود بقدرتك يا قوي يا عزيز! اللهم لا تُشْمِتْ بنا الأعداء، اللهم لا تُشْمِتْ بنا الأعداء، اللهم لا تُشْمِتْ بنا الأعداء، اللهم ارفع عن أمة نبيك البلاء، اللهم ارفع عن أمة نبيك البلاء، اللهم ارفع عن أمة نبيك البلاء، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وارفع اللهم مقتك وغضبك عنا، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا اللهم اقبلنا وتقبل منا، وتب علينا وارحمنا إنك أنت التواب الرحيم، اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تُهنا، وكن لنا ولا تكن علينا.
اللهم اجعل مصر واحة للأمن والأمان وجميع بلاد المسلمين، اللهم اجعل مصر سخاءً رخاءً وجميع بلاد المسلمين، اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن وجميع بلاد المسلمين، اللهم احفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا، اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، اللهم شرفنا بالإسلام يا رب العالمين! اللهم شرفنا بالإسلام يا رب العالمين! أحبتي الكرام! هذا وما كان من توفيق فمن الله وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويلقى به في النيران، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1647
لنبدأ بأنفسنا
الخطوة العملية الأولى: أن تبدأ بنفسك، وأنا أبدأ بنفسي، فلا ينبغي أن نعلق كل ما نسمع على غيرنا، فلنبدأ الآن أيها الأحباب الكرام: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥] والله هو من عند نفسي ومن عند نفسك، لو تحركت الآلاف المؤلفة وحول كل واحد منا هذا الكلام في بيته وحياته ووظيفته إلى واقع عملي ومنهج حياة، والله لغير الله حالنا، وأنا لا أخاطب الآن هذه الألوف التي بين يدي، بل أخاطب الأمة في ملايينها المملينة عبر شريط (الكاست)، فإننا رأينا الأشرطة في الشرق والغرب بالآلاف لا بالعشرات ولا بالمئات، لذا فإننا نخاطب الأمة كلها عبر شريط (الكاست): فليرجع كل مسلم إلى الله إلى كتاب الله، وإلى سنة رسول الله، وليعلم كل مسلم على وجه الأرض أن شعار المنافقين هو: السمع والعصيان، وأن شعار المؤمنين هو السمع والطاعة، فاختر لنفسك، وحدد طريقك ومنهجك.
هل تسمع عن الله فتقول: سمعنا وأطعنا؟ هل تسمع عن رسول الله، فتقول: سمعنا وأطعمنا؟ أم أنك تسمع وتقول: سمعنا وعصينا؟! حدد طريقك من الآن؛ لأن الأمر لا يحتاج إلى لف أو دوران، فلنصدق الله مرة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور:٥١].
أما شعار أهل النفاق فكما قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء:٦٠ - ٦١].
فاختر لنفسك وحدد طريقك ومنهجك، لابد من تمايز الصف الآن، هذا الغبش الذي تحمله الأمة لن ينصرها الله به أبداً، لابد من تمايز الصف، لابد أن يظهر المنافقون لعوام المسلمين، ولابد أن يظهر المؤمنون الصادقون، لابد من التمايز.
فاختر طريقك، وحدد سبيلك، وحدد غايتك، هل أنت ممتثل لأمر الله لأمر رسول الله؟ هل شعارك: سمعنا وأطعنا؟ أم شعارك: سمعنا وعصينا وإن لم يقلها لسانك؟! الإيمان ليس كلمة تقال باللسان فحسب، ولكن الإيمان: قول باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالجوارح، والأركان قال الحسن: (ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن الإيمان ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، فمن قال خيراً وعمل خيراً قبل منه، ومن قال خيراً وعمل شراً لم يقبل منه)، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم).
стр. 1648
تحقيق مبدأ الولاء والبراء
ثانياً: إقامة الفرقان الإسلامي.
هذه هي الخطوة العملية الثانية من بنود المنهج الذي يجب أن ننفذه جميعاً، وليبدأ كل منا بنفسه: إقامة الفرقان الإسلامي؛ ليستبين كل أحد سبيل المؤمنين من سبيل المجرمين، مستحيل أن ننصر الأمة ونحن في حالات من التذبذب، فترى المسلم تارة مع العلمانيين مع المجرمين مع المنافقين مع المبتدعين مع الضالين، وتراه تارة مع المسلمين مع الصادقين مع المتبعين! حالة الغبش هذه، وحالة التذبذب هذه، حالة عدم الولاء والبراء الشرعي، لن تقيم لله ديناً في أرضه، بل لابد أن توالي الله ورسوله والمؤمنين، وأن تتبرأ من الشرك بصوره، ومن جميع المشركين على وجه هذه الأرض، استغل هذه الأحداث التي تمر بها أمتنا الآن، ورب زوجك وأولادك على عقيدة الولاء والبراء.
هل أحضر واحد منا أسرته في هذه الأزمة الطاحنة، وقال: يا أبنائي! تدبروا معي قول الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]؟ فبين لهم عقيدة الأمريكيين وعقيدة اليهود، وأصل في قلوبهم من جديد عقيدة الولاء والبراء، والله لا يصح لك دين، والله لا يصح لك إيمان، والله لا تقبل لك صلاة إلا بالولاء والبراء.
دعك من هذا التميع، أين الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين؟! وأين البراء من الشرك كله والمشركين أينما كانوا وحيثما وجدوا؟! أتحب أعداء الحبيب وتدعي حباً له ما ذاك في الإمكان وكذا تعادي جاهداً أحبابه أين المحبة يا أخا الشيطان إن المحبة أن توافق من تحـ ب على محبته بلا نقصان فإن ادعيت له المحبة مع خلا فك ما يحب فأنت ذو بهتان وقال آخر: لو صدقت الله فيما دعوته لعاديت من بالله ويحك يكفر وواليت أهل الحق سراً وجهرة ولما تعاديهم وللكفر تنصروا فما كل من قد قال ما قلت مسلم ولكن بأشراط هنالك تذكر مباينة الكفار في كل موطن بذا جاءنا النص الصحيح المقرر وتصدع بالتوحيد بين ظهورهم وتدعوهم سراً بذلك وتجهر هذا هو الدين الحنيف والهدى وملة إبراهيم لو كنت تشعر قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١] قال حذيفة بن اليمان: فليخش أحدكم أن يكون يهودياً أو نصرانياً وهو لا يدري؛ لقول الله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) إذاً: لابد من إقامة الفرقان الإسلامي.
روى الطبري بسند صحيح: (أن النبي دعا يوماً عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول وقال له: يا عبد الله! هل سمعت ما قال أبوك؟ قال عبد الله: وماذا قال، بأبي أنت وأمي يا رسول الله؟! قال المصطفى: يقول أبوك: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨] فقال عبد الله المؤمن التقي: صدق -والله- أبي، فأنت الأعز وهو الأذل يا رسول الله!، والله لتسمعن ما تقر به عينك.
وانطلق عبد الله، ووقف أمام أبيه، ومنع أباه من أن يدخل داره، فصرخ رأس النفاق ابن سلول: يا للخزرج! ابني يمنعني من بيتي؟! واجتمع الخزرج إلى عبد الله، وقالوا ما الخبر؟! فقال الولد لأبيه: أأنت القائل: (لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ)؟ والله لا يؤويك ظلها -يعني: المدينة-، ولا تبيتن الليلة في بيتك إلا بإذن من الله ورسوله؛ لتعلم من الأعز ومن الأذل)! يقول الله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢]، لابد من التمايز أيها الشباب! لابد من إعلان الولاء بصفاء، ولابد من إعلان البراء بقوة وجرأة وشجاعة.
стр. 1649
المداومة على العمل الصالح شعار المؤمنين
ظاهرة الفتور والانحطاط بعد الجد في العبادة والنشاط ظاهرة يصاب بها كثير من المسلمين في كثير من الأحيان، لاسيما بعد مواسم الخيرات كشهر رمضان، ومن هنا تظهر أهمية (المداومة على العمل الصالح)؛ فهو شعار المؤمنين وديدن المخلصين، ولنا من سلف الأمة الذين ضربوا أروع الأمثلة في المداومة على الأعمال الصالحة خير قدوة وأسوة.
стр. 1650
داء الإعراض والفتور
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الأحباب الأعزاء! وطبتم جميعاً وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل العظيم جل وعلا الذي جمعني وإياكم في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته، أن يجمعني وإياكم في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! (المداومة على العمل الصالح شعار المؤمنين) هذا هو عنوان لقائنا مع حضراتكم في هذا اليوم الكريم المبارك في أول جمعة بعد شهر رمضان، وكعادتنا سوف ينتظم حديثنا مع حضراتكم تحت هذا العنوان في العناصر التالية: أولاً: إعراض وفتور.
ثانياً: ثمار زكية.
ثالثاً: أسباب معينة.
رابعاً: مُثل عليا.
وأخيراً: احذر الموت.
فأعرني قلبك وسمعك أيها الحبيب! فإن هذا الموضوع بعد رمضان من الأهمية بمكان، والله أسأل أن يجعلني وإياكم جميعاً ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب.
أولاً: إعراض وفتور.
أيها الأحبة الكرام! هاهي الساعات تمر، والأيام تجرى وراءها، وانتهى شهر رمضان، ربح فيه من ربح، وخسر فيه من خسر، وقُبل فيه من قُبل، وطُرد فيه من طُرد، فياليت شعري من المقبول منا فنهنئه ومن المطرود منا فنعزيه؟! فيا عين جودي بالدمع من أسف على فراق ليال ذات أنوار على ليال لشهر الصوم ما جُعلت إلا لتمحيص آثام وأوزار ما كان أحسننا والشمل مجتمع منا المصلي ومنا القانت القاري فابكوا على ما مضى في الشهر واغتنموا ما قد بقى إخوتي من فضل أعمار أيها الأحبة! لقد رأينا المساجد معطرة بأنفاس الصائمين في رمضان، ورأينا المساجد في رمضان مزدحمة بصفوف المصلين، بل وسمعنا للمساجد في رمضان دوياً بالذكر وكلام رب العالمين، بل وأسعد قلوبنا في رمضان تنافس أهل البر من المحسنين.
ولكن مع أول فجر من شهر شوال يتألم قلبك، وتبكي عينك، ويتحسر فؤادك، وتتمزق نفسك حسرات! أين المؤمنون؟! أين المصلون في رمضان؟! أين القائمون لله في رمضان؟! أين الذاكرون الله كثيراً والذاكرات؟! سترى المساجد خاوية مع أول فجر من شهر شوال تشكو حالها إلى الكبير المتعال!! ما الذي حدث؟ ترى إعراضاً وفتوراً يؤلم القلب الأبي التقي النقي.
والفتور في اللغة: هو الانقطاع بعد الاستمرار، وهو التكاسل والتباطؤ والتراخي؛ كما قال ابن منظور في لسان العرب: فتر يفتر فتوراً.
أي: سكن بعد حدة، ولان بعد شدة.
فإنك ترى يا عبد الله فتوراً ملفتاً لجميع الأنظار مع انقضاء آخر ليلة من ليالي شهر رمضان، بل ولست مبالغاً -ورب الكعبة- إذا قلت: إن هذا الفتور قد يتطرق ويزيد إلى درجة الإعراض، لا عن نافلة من النوافل، بل عن فريضة افترضها الله عز جل على عباده على الدوام، لا في المناسبات ومواسم الطاعات، كأن يعرض كثير من المسلمين عن صلاة الفريضة في غير رمضان.
يا عبد الله! هل كنت تعبد في رمضان رباً، وتعبد في بقية الشهور رباً آخر؟! إن رب رمضان هو رب بقية الشهور والأيام هو الإله الواحد الحق الذي لا ند له، ولا ضد له، ولا شريك له، ولا والد له، ولا ولد له.
(قل هو الله أحد) أحد في أسمائه أحد في صفاته أحد في أفعاله.
فيا من صليت لله في رمضان وضيعت الصلاة في غير رمضان احذر واعلم يقيناً بأن هذه الصفة من علامات النفاق، أسأل الله أن يملأ قلبي وقلبك إيماناً، إنه ولي ذلك ومولاه.
إن المداومة على العمل الصالح شعار المؤمنين، بل ومن أحب القربات إلى الله رب العالمين؛ كما في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن النبي صلى الله عليه وآله سلم قال: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل)، بل وفي صحيح مسلم من حديث عائشة ﵂ كذلك قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا عمل عملاً أثبته) أي: داوم وواظب عليه، فكان إذا فاته شيء من صلاة الليل لنوم أو مرض صلاه في النهار، وإذا فاته شيء من عبادة الليل قضاها في النهار ما بين الفجر والظهر، فيصلي في النهار مثلاً اثنتي عشرة ركعة.
следующие страницы →