Полный текст (1 901 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
التطبيق العملي للإسلام
رابعاً: لابد من أن نحول الإسلام بأخلاقه وسلوكياته إلى واقع عملي في حياتنا ومنهج حياة.
أنا أكرر هذا القول دائماً: يا إخوة! كلنا شهد الإسلام بلسانه، لكن من منا شهد الإسلام بسلوكه وعمله وأخلاقه؟! إن بوناً شاسعاً بين منهجنا وواقعنا، بين ما نتعلمه وبين ما نحن عليه من أخلاق، لابد أن نُحول هذا الدين العظيم إلى واقع عملي في بيوتنا في مواصلاتنا في شوارعنا في وظائفنا.
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا وإن خالف القول العمل بذرت بذور النفاق في القلوب، كما قال علام الغيوب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣].
لابد للكوادر المسلمة، التي تتعلم الإسلام في المساجد من أهل العلم المتخصصين به، أن تفهم الإسلام بشموله وكماله، ولابد أن تحول الإسلام على أرض الواقع إلى عمل يتألق سمواً وروعةً وجلالاً؛ لسمو وروعة وجلال وعظمة هذا الإسلام العظيم.
أيها الأحبة الكرام! إننا لا نخاف على الإسلام؛ لأن الذي وعد بإظهاره على الدين كله هو الله الذي يقول للشيء كن فيكون، وإنما نخاف على المسلمين إن هم تركوا الإسلام وضيعوا الإسلام.
نسأل الله جل وعلا أن يرد المسلمين إلى الإسلام رداً جميلاً.
اللهم رد المسلمين إلى الإسلام رداً جميلاً، اللهم رد المسلمين إلى الإسلام رداً جميلاً، اللهم قيض لأمة التوحيد أمر رشد يُعز فيه أهل الطاعة، ويُذل فيه أهل المعصية، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم أعل بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم اشف صدور قوم مؤمنين، اللهم اشف صدور قوم مؤمنين، اللهم احفظ أهلنا في العراق، اللهم احفظ أهلنا في العراق، اللهم احفظ أهلنا في العراق، اللهم إنهم عزل فكن لهم نصيراً، اللهم إن العالم كله قد عاداهم فكن لهم معيناً، اللهم لا تخذلهم بذنوبهم يا أرحم الراحمين! اللهم لا تخذلهم بذنوبهم يا أرحم الراحمين! اللهم لا تخذلهم بذنوبهم يا أرحم الراحمين! اللهم عليك باليهود والأمريكيين، اللهم عليك باليهود والأمريكيين، اللهم أرنا فيهم يوماً كيوم عاد وثمود بقدرتك يا قوي يا عزيز! اللهم لا تُشْمِتْ بنا الأعداء، اللهم لا تُشْمِتْ بنا الأعداء، اللهم لا تُشْمِتْ بنا الأعداء، اللهم ارفع عن أمة نبيك البلاء، اللهم ارفع عن أمة نبيك البلاء، اللهم ارفع عن أمة نبيك البلاء، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وارفع اللهم مقتك وغضبك عنا، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا اللهم اقبلنا وتقبل منا، وتب علينا وارحمنا إنك أنت التواب الرحيم، اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تُهنا، وكن لنا ولا تكن علينا.
اللهم اجعل مصر واحة للأمن والأمان وجميع بلاد المسلمين، اللهم اجعل مصر سخاءً رخاءً وجميع بلاد المسلمين، اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن وجميع بلاد المسلمين، اللهم احفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا، اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، اللهم شرفنا بالإسلام يا رب العالمين! اللهم شرفنا بالإسلام يا رب العالمين! أحبتي الكرام! هذا وما كان من توفيق فمن الله وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويلقى به في النيران، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1647
لنبدأ بأنفسنا
الخطوة العملية الأولى: أن تبدأ بنفسك، وأنا أبدأ بنفسي، فلا ينبغي أن نعلق كل ما نسمع على غيرنا، فلنبدأ الآن أيها الأحباب الكرام: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥] والله هو من عند نفسي ومن عند نفسك، لو تحركت الآلاف المؤلفة وحول كل واحد منا هذا الكلام في بيته وحياته ووظيفته إلى واقع عملي ومنهج حياة، والله لغير الله حالنا، وأنا لا أخاطب الآن هذه الألوف التي بين يدي، بل أخاطب الأمة في ملايينها المملينة عبر شريط (الكاست)، فإننا رأينا الأشرطة في الشرق والغرب بالآلاف لا بالعشرات ولا بالمئات، لذا فإننا نخاطب الأمة كلها عبر شريط (الكاست): فليرجع كل مسلم إلى الله إلى كتاب الله، وإلى سنة رسول الله، وليعلم كل مسلم على وجه الأرض أن شعار المنافقين هو: السمع والعصيان، وأن شعار المؤمنين هو السمع والطاعة، فاختر لنفسك، وحدد طريقك ومنهجك.
هل تسمع عن الله فتقول: سمعنا وأطعنا؟ هل تسمع عن رسول الله، فتقول: سمعنا وأطعمنا؟ أم أنك تسمع وتقول: سمعنا وعصينا؟! حدد طريقك من الآن؛ لأن الأمر لا يحتاج إلى لف أو دوران، فلنصدق الله مرة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور:٥١].
أما شعار أهل النفاق فكما قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء:٦٠ - ٦١].
فاختر لنفسك وحدد طريقك ومنهجك، لابد من تمايز الصف الآن، هذا الغبش الذي تحمله الأمة لن ينصرها الله به أبداً، لابد من تمايز الصف، لابد أن يظهر المنافقون لعوام المسلمين، ولابد أن يظهر المؤمنون الصادقون، لابد من التمايز.
فاختر طريقك، وحدد سبيلك، وحدد غايتك، هل أنت ممتثل لأمر الله لأمر رسول الله؟ هل شعارك: سمعنا وأطعنا؟ أم شعارك: سمعنا وعصينا وإن لم يقلها لسانك؟! الإيمان ليس كلمة تقال باللسان فحسب، ولكن الإيمان: قول باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالجوارح، والأركان قال الحسن: (ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن الإيمان ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، فمن قال خيراً وعمل خيراً قبل منه، ومن قال خيراً وعمل شراً لم يقبل منه)، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم).
стр. 1648
تحقيق مبدأ الولاء والبراء
ثانياً: إقامة الفرقان الإسلامي.
هذه هي الخطوة العملية الثانية من بنود المنهج الذي يجب أن ننفذه جميعاً، وليبدأ كل منا بنفسه: إقامة الفرقان الإسلامي؛ ليستبين كل أحد سبيل المؤمنين من سبيل المجرمين، مستحيل أن ننصر الأمة ونحن في حالات من التذبذب، فترى المسلم تارة مع العلمانيين مع المجرمين مع المنافقين مع المبتدعين مع الضالين، وتراه تارة مع المسلمين مع الصادقين مع المتبعين! حالة الغبش هذه، وحالة التذبذب هذه، حالة عدم الولاء والبراء الشرعي، لن تقيم لله ديناً في أرضه، بل لابد أن توالي الله ورسوله والمؤمنين، وأن تتبرأ من الشرك بصوره، ومن جميع المشركين على وجه هذه الأرض، استغل هذه الأحداث التي تمر بها أمتنا الآن، ورب زوجك وأولادك على عقيدة الولاء والبراء.
هل أحضر واحد منا أسرته في هذه الأزمة الطاحنة، وقال: يا أبنائي! تدبروا معي قول الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]؟ فبين لهم عقيدة الأمريكيين وعقيدة اليهود، وأصل في قلوبهم من جديد عقيدة الولاء والبراء، والله لا يصح لك دين، والله لا يصح لك إيمان، والله لا تقبل لك صلاة إلا بالولاء والبراء.
دعك من هذا التميع، أين الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين؟! وأين البراء من الشرك كله والمشركين أينما كانوا وحيثما وجدوا؟! أتحب أعداء الحبيب وتدعي حباً له ما ذاك في الإمكان وكذا تعادي جاهداً أحبابه أين المحبة يا أخا الشيطان إن المحبة أن توافق من تحـ ب على محبته بلا نقصان فإن ادعيت له المحبة مع خلا فك ما يحب فأنت ذو بهتان وقال آخر: لو صدقت الله فيما دعوته لعاديت من بالله ويحك يكفر وواليت أهل الحق سراً وجهرة ولما تعاديهم وللكفر تنصروا فما كل من قد قال ما قلت مسلم ولكن بأشراط هنالك تذكر مباينة الكفار في كل موطن بذا جاءنا النص الصحيح المقرر وتصدع بالتوحيد بين ظهورهم وتدعوهم سراً بذلك وتجهر هذا هو الدين الحنيف والهدى وملة إبراهيم لو كنت تشعر قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١] قال حذيفة بن اليمان: فليخش أحدكم أن يكون يهودياً أو نصرانياً وهو لا يدري؛ لقول الله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) إذاً: لابد من إقامة الفرقان الإسلامي.
روى الطبري بسند صحيح: (أن النبي دعا يوماً عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول وقال له: يا عبد الله! هل سمعت ما قال أبوك؟ قال عبد الله: وماذا قال، بأبي أنت وأمي يا رسول الله؟! قال المصطفى: يقول أبوك: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨] فقال عبد الله المؤمن التقي: صدق -والله- أبي، فأنت الأعز وهو الأذل يا رسول الله!، والله لتسمعن ما تقر به عينك.
وانطلق عبد الله، ووقف أمام أبيه، ومنع أباه من أن يدخل داره، فصرخ رأس النفاق ابن سلول: يا للخزرج! ابني يمنعني من بيتي؟! واجتمع الخزرج إلى عبد الله، وقالوا ما الخبر؟! فقال الولد لأبيه: أأنت القائل: (لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ)؟ والله لا يؤويك ظلها -يعني: المدينة-، ولا تبيتن الليلة في بيتك إلا بإذن من الله ورسوله؛ لتعلم من الأعز ومن الأذل)! يقول الله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢]، لابد من التمايز أيها الشباب! لابد من إعلان الولاء بصفاء، ولابد من إعلان البراء بقوة وجرأة وشجاعة.
стр. 1649
المداومة على العمل الصالح شعار المؤمنين
ظاهرة الفتور والانحطاط بعد الجد في العبادة والنشاط ظاهرة يصاب بها كثير من المسلمين في كثير من الأحيان، لاسيما بعد مواسم الخيرات كشهر رمضان، ومن هنا تظهر أهمية (المداومة على العمل الصالح)؛ فهو شعار المؤمنين وديدن المخلصين، ولنا من سلف الأمة الذين ضربوا أروع الأمثلة في المداومة على الأعمال الصالحة خير قدوة وأسوة.
стр. 1650
داء الإعراض والفتور
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الأحباب الأعزاء! وطبتم جميعاً وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل العظيم جل وعلا الذي جمعني وإياكم في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته، أن يجمعني وإياكم في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! (المداومة على العمل الصالح شعار المؤمنين) هذا هو عنوان لقائنا مع حضراتكم في هذا اليوم الكريم المبارك في أول جمعة بعد شهر رمضان، وكعادتنا سوف ينتظم حديثنا مع حضراتكم تحت هذا العنوان في العناصر التالية: أولاً: إعراض وفتور.
ثانياً: ثمار زكية.
ثالثاً: أسباب معينة.
رابعاً: مُثل عليا.
وأخيراً: احذر الموت.
فأعرني قلبك وسمعك أيها الحبيب! فإن هذا الموضوع بعد رمضان من الأهمية بمكان، والله أسأل أن يجعلني وإياكم جميعاً ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب.
أولاً: إعراض وفتور.
أيها الأحبة الكرام! هاهي الساعات تمر، والأيام تجرى وراءها، وانتهى شهر رمضان، ربح فيه من ربح، وخسر فيه من خسر، وقُبل فيه من قُبل، وطُرد فيه من طُرد، فياليت شعري من المقبول منا فنهنئه ومن المطرود منا فنعزيه؟! فيا عين جودي بالدمع من أسف على فراق ليال ذات أنوار على ليال لشهر الصوم ما جُعلت إلا لتمحيص آثام وأوزار ما كان أحسننا والشمل مجتمع منا المصلي ومنا القانت القاري فابكوا على ما مضى في الشهر واغتنموا ما قد بقى إخوتي من فضل أعمار أيها الأحبة! لقد رأينا المساجد معطرة بأنفاس الصائمين في رمضان، ورأينا المساجد في رمضان مزدحمة بصفوف المصلين، بل وسمعنا للمساجد في رمضان دوياً بالذكر وكلام رب العالمين، بل وأسعد قلوبنا في رمضان تنافس أهل البر من المحسنين.
ولكن مع أول فجر من شهر شوال يتألم قلبك، وتبكي عينك، ويتحسر فؤادك، وتتمزق نفسك حسرات! أين المؤمنون؟! أين المصلون في رمضان؟! أين القائمون لله في رمضان؟! أين الذاكرون الله كثيراً والذاكرات؟! سترى المساجد خاوية مع أول فجر من شهر شوال تشكو حالها إلى الكبير المتعال!! ما الذي حدث؟ ترى إعراضاً وفتوراً يؤلم القلب الأبي التقي النقي.
والفتور في اللغة: هو الانقطاع بعد الاستمرار، وهو التكاسل والتباطؤ والتراخي؛ كما قال ابن منظور في لسان العرب: فتر يفتر فتوراً.
أي: سكن بعد حدة، ولان بعد شدة.
فإنك ترى يا عبد الله فتوراً ملفتاً لجميع الأنظار مع انقضاء آخر ليلة من ليالي شهر رمضان، بل ولست مبالغاً -ورب الكعبة- إذا قلت: إن هذا الفتور قد يتطرق ويزيد إلى درجة الإعراض، لا عن نافلة من النوافل، بل عن فريضة افترضها الله عز جل على عباده على الدوام، لا في المناسبات ومواسم الطاعات، كأن يعرض كثير من المسلمين عن صلاة الفريضة في غير رمضان.
يا عبد الله! هل كنت تعبد في رمضان رباً، وتعبد في بقية الشهور رباً آخر؟! إن رب رمضان هو رب بقية الشهور والأيام هو الإله الواحد الحق الذي لا ند له، ولا ضد له، ولا شريك له، ولا والد له، ولا ولد له.
(قل هو الله أحد) أحد في أسمائه أحد في صفاته أحد في أفعاله.
فيا من صليت لله في رمضان وضيعت الصلاة في غير رمضان احذر واعلم يقيناً بأن هذه الصفة من علامات النفاق، أسأل الله أن يملأ قلبي وقلبك إيماناً، إنه ولي ذلك ومولاه.
إن المداومة على العمل الصالح شعار المؤمنين، بل ومن أحب القربات إلى الله رب العالمين؛ كما في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن النبي صلى الله عليه وآله سلم قال: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل)، بل وفي صحيح مسلم من حديث عائشة ﵂ كذلك قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا عمل عملاً أثبته) أي: داوم وواظب عليه، فكان إذا فاته شيء من صلاة الليل لنوم أو مرض صلاه في النهار، وإذا فاته شيء من عبادة الليل قضاها في النهار ما بين الفجر والظهر، فيصلي في النهار مثلاً اثنتي عشرة ركعة.
стр. 1651
ثمار زكية للمداومة على الأعمال الصالحة
لقد رأيت أن من الحكمة ومن الفقه أن يكون حديثنا في أول جمعة في شهر شوال عن التذكير للأحباب والأخيار؛ بالمداومة على طاعة العزيز الغفار، أسأل الله أن يختم لنا ولكم بالطاعة إنه على كل شيء قدير، وهأنذا أذكر نفسي وأحبابي بفضل المداومة على الطاعة، هو عنصرنا الثاني وعنوانه: (ثمار زكية).
ثمار زكية للمداومة على الأعمال الصالحات التي ترضي رب البرية، فإن من داوم على العمل الصالح وذاق حلاوة هذه المداومة سعد في الدنيا والآخرة.
وانتبه معي أيها الكريم! لتتعرف على أهم الثمار للمدوامة على العمل الصالح الذي يرضي العزيز الغفار.
стр. 1652
تفريج الكربات والمصائب والأزمات
ثالثاً: من أعظم ثمار المداومة على العمل الصالح: أنها سبب لتفريج الكربات والمصائب والأزمات، كما قال النبي ﷺ لـ ابن عباس، والحديث رواه الترمذي وأحمد وهو حديث حسن صحيح، قال ابن عباس: (كنت رديف النبي ﷺ يوماً على حمار، فقال النبي: يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء؛ لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء؛ لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).
وفي لفظ أحمد في مسنده قال صلى الله عليه وآله سلم: (يا غلام! ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ قال ابن عباس: قلت: بلى يا رسول الله! فقال ﷺ : احفظ الله تجده أمامك؛ تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة).
فيا من داومت على العمل الصالح في الرخاء، لن يتخلى الله عنك في وقت الشدة والبلاء: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً)، فالمداومة على العمل الصالح من أعظم الأسباب للنجاة من الكروب والشدائد والبلايا والمصائب؛ لقول النبي ﷺ : (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة).
стр. 1653
حسن الخاتمة والفوز بالجنة
ومن أعظم ثمار المداومة على العمل الصالح، أنها سبب لحسن الخاتمة والفوز بالجنة، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم حسن الخاتمة.
كيف ذلك؟! يقول الحافظ ابن كثير: لقد أجرى الله الكريم عادته بكرمه أن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه؛ فإن عشت على طاعة وعلى عمل صالح اقتضى عدل الله أن يتوفاك على ذات الطاعة ونفس العمل الصالح، فإن مت على هذه الطاعة بعثت على ذات الطاعة؛ لقول النبي ﷺ في صحيح مسلم من حديث جابر: (يبعث كل عبد على ما مات عليه).
ويقول الحبيب ﷺ ، والحديث رواه الترمذي وأحمد وهو حديث صحيح: (إذا أراد الله بعبد خيراً استعمله، قيل: كيف يستعمله يا رسول الله؟ قال: يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه).
اللهم استعملنا لطاعتك يا رب العالمين! هذا هو الاستعمال: إذا وفقت للعمل الصالح وداومت عليه، قبضت على هذا العمل الصالح وعلى نفس الطاعة، وبعثت على نفس الطاعة.
ومن أعجب ما سمعت في الأسبوع الماضي: قصة طفل صغير لا يجاوز العاشرة من عمره: لما ذهبت إلى القاهرة في خطبة جمعة رأيت هذا الطفل بين يدي إلى جوار المنبر، فتعلقت به وتعرفت عليه، وفي الجمعة الماضية أقبل علي والده يبكي، فقلت له: أين ولدك؟! فبكى، قلت: سبحان الله! ما الذي حدث؟! قال: مات! قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، أسأل الله أن يعوضك خيراً، وأن يجعله فرطاً لك على الحوض، فقال لي: والله يا شيخ! أنا ما أبكي لفراقه، وإنما أبكي لحاله، فلقد رأينا منه عجباً عجاباً.
هذا الطفل الصغير رأى الإخوة الكبار العجب العجاب في حياته؛ فقد كان يأخذ مصروفه فيشتري شريطاً، ويسمع الشريط ثم يعيره لبعض إخوانه، ويأخذ جزءاً من مصروفه فيضعه في صندوق المسجد، ويشتري بالجزء الآخر قدراً من الحلوى ليوزعه على الفقراء، سبحان الله! وفي اليوم الكريم المبارك في أول جمعة من شهر رمضان اغتسل في بيته وقال لهم: أريد أن أخرج مبكراً حتى أكون في أول الصفوف في صلاة الجمعة، ولبس ثوباً أبيض جميلاً وتطيب وتعطر، وهو في طريقه إلى المسجد ينزل من السيارة وبينه وبين باب المسجد أمتار، فتأتي سيارة أخرى لتصدمه في الحال، فيُحمل وهو في غيبوبة الموت إلى المستشفى، وقرر الأطباء أن الطفل يحتضر، وأنه بالفعل في غيبوبة الموت.
ولما هم الطبيب أن ينصرف وقبل أن يخرج من غرفة العمليات أو من غرفة العناية المركزة، إذا بالأذان يرفع على المآذن للمساجد القريبة من المستشفى، إنه أذان الجمعة، فلتفتت الأنظار إلى هذا الطفل العجيب حينما رفع يديه وأشار بسبابته إلى السماء، بعد أن عجز لسانه أن يردد (لا إله إلا الله) فتحرك القلب في صدره فأصدر الأوامر إلى هذه الجلود والأعضاء، فارتفعت اليد وأشارت السبابة بإعلان توحيد الله إنها الخاتمة! إنها الخواتيم يا عباد الله.
نسأل الله أن يرزقنا وإياكم حسن الخاتمة.
عباد الله: يقول رسول الله ﷺ : (إنما الأعمال بالخواتيم).
ويقول الله جل وعلا: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧].
وقال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩]، اللهم اجعلنا من المحسنين يا رب العالمين! (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا)، يا من جاهدت نفسك!.
يا من صبّرت نفسك على طريق الطاعة وصبرت نفسك عن المعصية! اعلم أن موعود الله أن يهديك السبيل، وأن يثبتك ويسددك على الطريق، وأن يكون معك؛ لأنك حينئذٍ ستكون مع المحسنين، والمحسن: هو الذي يعبد الله كأنه يراه، وهو يعلم يقيناً أنه إن لم ير الله فإن الله جل وعلا يراه (ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك).
стр. 1654
محبة الله للعبد
ثانياً: من أعظم ثمار المداومة على العمل الصالح: أنها سبب لمحبة الله للعبد، وانتبه أيها الكريم! فأنا أقول: سبب لمحبة الله للعبد، ولم أقل: سبب لمحبة العبد للرب، وشتان شتان بين المنزلتين.
أخي! المداومة على العمل الصالح سبب لمحبة الله للعبد، ومحبة العبد لربه أمر طبيعي، أما محبة الله جل وعلا لعبده فهي أمر تحبس أمامه ألسنة البلغاء والفصحاء، يقول الله جل وعلا في الحديث القدسي الجليل: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه)، فالمداومة على العمل الصالح بفروضه ونوافله سبب لمحبة الله للعبد.
يا عبد الله! ماذا أنت صانع لو علمت أن رجلاً كبيراً من أهل الدنيا كملك من الملوك أو رئيس من الرؤساء أو وزير من الوزراء قد أعلن على مسمع من الناس ومرأى أنه يحبك؟! ماذا أنت صانع لو أعلن الإعلام على لسان هذا الرجل -وهو مهما علا فهو عبد فقير حقير إلى الله- أنه يحب فلاناً من الناس؟! تدبر في هذا!! ولله المثل الأعلى! بعد هذه أقول لك: ماذا أنت صانع لو علمت أن الملك يحبك؟! فكر في هذه وتدبرها جيداً، تدبر أن الله هو الذي سيحبك، إذا ما داومت على العمل الصالح بفروضه ونوافله.
стр. 1655
طهارة القلب من النفاق
أول هذه الثمار: أن المداومة على العمل الصالح سبب لطهارة القلب من النفاق، وصلة القلب بربه الخلاق، وهل تريد شيئاً أعظم من هذا؟! إن القلب هو الأصل الذي ينبغي أن تبذل من أجله الأوقات والمجهودات، بل والأموال والدعوات، فإن القلب هو الأصل، كما قال أبو هريرة ﵁: (القلب ملك الأعضاء، والأعضاء جنوده، فإن طاب الملك طابت جنوده، وإن خبث الملك خبثت جنوده)، فصلاح القلب صلاح للبدن كله، وفساد القلب فساد للبدن كله، كما قال الحبيب ﷺ ، والحديث مخرج في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير ﵁، وفيه أنه ﷺ قال: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).
فالقلب هو الأصل، ولذا يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: الأعمال تتفاضل عند الله جل وعلا بتفاضل ما في القلوب لا بكثرتها وصورها.
ومعنى ذلك: أن الإنسان قد يفعل فعلاً عظيماً وعملاً كبيراً في أعين الناس، وهو عند الله حقير لا وزن له؛ لأنه ما انطلق في هذا العمل إلا من أجل السمعة، والشهرة، والرياء والنفاق، والله أغنى الأغنياء عن الشرك، فمن عمل عملاً أشرك فيه مع الله غير الله، ترك الله ذلك العمل لصاحبه ولشريكه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠].
وقد يعمل الإنسان عملاً هو في أعين الناس حقير، ولكنه عند الله عظيم؛ لأنه ابتغى بهذا العمل وجه الله الكريم، تصدقت عائشة يوماً بتمرة فتعجب بعض الناس وقالوا: يا أم المؤمنين! تتصدقين بتمرة؟ قالت: نعم.
ألم تقرأ قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧]؟ قال: بلى.
قالت: وإن في هذه التمرة ذرات خير كثيرة! إنه الإخلاص! فالأعمال تتفاضل عند الله بتفاضل ما في القلوب لا بكثرة الأعمال ولا بصورها؛ لذا قال سيد الرجال ﷺ والحديث في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)، فقدم الحبيب القلوب على الأعمال؛ لأن العمل لا يقبل إلا إذا كان صاحب هذا العمل يبتغي بعمله هذا وجه الله جل وعلا.
والأعمال تتفاضل بتفاضل القلوب لا بكثرة الأعمال وصورها، فإذا استنار القلب بنور التوحيد والإيمان أقبلت إليه وفود الخيرات من كل ناحية؛ فتنقل صاحب هذا القلب من طاعة إلى طاعة، وإذا أظلم القلب -أعاذنا الله وإياكم من ظلام القلب وسواده- أقبلت عليه سحائب البلاء والشرور والهلاك، فانتقل صاحب هذا القلب المظلم من معصية إلى معصية، فيصبح كالأعمى الذي يتخبط في غياهب الظلام.
أيها الأحبة الكرام! القلب هو الأصل ولذا فإن من أعظم علامات صحة القلب وطهارته من النفاق: المداومة على العمل الصالح.
أيها الأحبة الكرام! لذلك خاف أصحاب النبي ﵌ على أنفسهم من النفاق، أو أن يكون القلب قد تسرب إليه شيء من النفاق وصاحب هذا القلب لا يدري، ولذلك قال الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠] فقالت عائشة رضوان الله عليها: (يا رسول الله! أهو الرجل يسرق ويزني ويشرب الخمر؟ قال: لا يا بنت الصديق، ولكنه الرجل يصلي ويصوم ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه) لذا كان الصحابة يخشون على أنفسهم من النفاق، حتى لا يظن ظان أنه أعلى من مستوى الوقوع في هذا الداء العضال.
يقول ابن أبي مليكة والأثر رواه البخاري تعليقاً: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه وما منهم أحد يقول: إن إيمانه على إيمان جبريل وميكائيل.
بل لقد ذهب فاروق الأمة عمر -الذي أجرى الله الحق على لسانه وقلبه- إلى حذيفة بن اليمان الذي أطلعه النبي على أسماء المنافقين، ذهب إليه عمر يقول له: أسألك بالله يا حذيفة! هل سماني لك رسول الله في المنافقين؟! هذا عمر الذي أجرى الله الحق على لسانه وقلبه يخشى النفاق على نفسه! ويقول الحسن البصري: ما أمن النفاق إلا منافق، وما خاف النفاق إلا مؤمن، فبالجملة أقول: إن من أعظم علامات طهارة القلب وصحته أن يداوم صاحب هذا القلب على العمل الصالح، فإن من عبد الله في موسم طاعة، وتخلى بعد ذلك عن الطاعة، فإن هذا من أعظم العلامات على نفاق القلب.
أسأل الله أن يرزقنا وإياكم الإخلاص في القول العمل.
стр. 1656
الأسباب المعينة على المداومة على العمل الصالح
والعنصر الثالث من عناصر هذا اللقاء يظهر بالإجابة على سؤال مهم هو: ما هو السبيل إلى هذا الخير العظيم، وما هي الأسباب التي تعيننا على الوصول إلى هذا القدر الكبير؟ إنها أسباب أبذلها لي ولك لنستعين بها على الطاعات والأعمال الصالحات، لنلقى عليها رب الأرض والسماوات جل وعلا.
стр. 1657
صحبة الأخيار
وأخيراً من الأسباب التي تعين على المداومة والاستمرار في العمل الصالح: صحبة الأخيار؛ لأن الإنسان قد ينشط إذا رأى إخوانه من حوله على طاعة الله جل وعلا، وقد يشعر الإنسان بالخجل من نفسه إذا رأى إخوانه في طاعة وهو مقصر، وما دمت قد انطلقت في عملك ابتغاء مرضاة الله جل وعلا، فاصحب الأخيار والأطهار والصالحين الذين إذا رأيتهم تذكرك رؤيتهم بالله جل وعلا وبطاعة الله؛ ففي سنن ابن ماجة -والحديث حسن- أن النبي ﷺ قال: (إن من الناس ناساً مفاتيح للخير مغاليق للشر) فصاحِب مفاتيح الخير ليفتحوا قلبك لحب الله وذكر الله وطاعة الله جل وعلا، وانصرف عن مفاتيح الشر الذين يغلقون قلبك عن طاعة الله وعن حب الله وعن ذكر الله جل وعلا.
قال ﷺ : (مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تجد منه رائحة طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه رائحة منتنة) والنبي ﷺ لا يحرم بهذا وظيفة الحدادة، وإنما هو مثل للتوضيح والإيضاح، فاحرص على صحبة الأطهار احرص على صحبة الأخيار احرص على صحبة الذين يذكرونك بالعزيز الغفار، فإن صحبتهم ستعينك على طاعة الله، وستأخذ بيديك على الاستمرار والمداومة على العمل الصالح حتى تلقى الله جل وعلا وأنت على طاعة.
وأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 1658
الاعتدال والاقتصاد في الأعمال والطاعات
ثانياً: من أعظم الأسباب التي تعيننا على المداومة على العمل الصالح: الاقتصاد والاعتدال في الأعمال والطاعات، فلا تشدد على نفسك ولا تسرف فلا إفراط ولا تفريط، ولقد حذر النبي ﷺ من ذلك، وأنا أخاطب الآن الشباب بصفة خاصة لأن الله لا يكلفك ما لا تطيق: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧] فلا تغال أيها الحبيب! ولا تشدد على نفسك.
يقول المصطفى ﷺ ، والحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة واللفظ للبخاري، قال الحبيب: (إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة).
أخي الحبيب! إن عجزت أن تصل إلى ما تريد فقارب -أي: اقترب من هذا الخير الذي تريد أن تداوم عليه- ولا تكلف نفسك بعمل قد تعجز عنه بعد أسبوع أو بعد شهر أو شهرين، فلا تكلف نفسك ما لا تطيق، فالاقتصاد والاعتدال بلا إفراط أو تفريط من هدي سيد الرجال ﷺ .
وفي الصحيحين: (أن الحبيب دخل المسجد يوماً فوجد حبلاً ممتداً بين ساريتين في المسجد -أي: بين عمودين- فقال النبي ﷺ : ما هذا الحبل؟ قالوا: إنه حبل لـ زينب رضوان الله عليها، قال: ولمَ؟ قالوا: إذا فترت -يعني: إذا تكاسلت عن العبادة تعبت- تعلقت به؛ فقال النبي ﷺ : حلوه).
اسمع لهذه العبارات النبوية الكريمة، من المشرع الأعظم بأبي هو وأمي ﷺ حيث قال: حلوه، ثم التفت إلى أصحابه، وقال ﵌: (ليصل أحدكم نشاطه) أي: على قدر نشاطه وعلى قدر استطاعته (فإذا فتر فليرقد).
انظر إلى التشريع: (ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليرقد) لأنه لابد للنفس من فترات للترويح، وليس ذلك بالمعصية كما يظن كثير من الناس فيقول: ساعة وساعة.
أي: ساعة لقلبك وساعة لربك، وإذا قلت له: ماذا تقصد أيها الكريم بساعة لقلبك؟ يقول: ألهو وأسمر وأقضي الوقت أمام المسلسلات المسلية وإن كانت في المعاصي!! لا يا أخي! لا أيها الحبيب! وإنما ساعة وساعة تفهم من حديث حنظلة: (لما قابل الصديق ﵁، وقال له: نافق حنظلة، قال: ومم ذاك؟ قال: نكون عند رسول الله ﷺ فيذكرنا بالجنة والنار حتى كأنها رأي عين، فإذا عدنا إلى الأولاد أو إلى البيوت عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات ونسينا كثيراً، فقال أبو بكر: والله إني لأجد ما تجد، فانطلقا إلى الحبيب ﷺ ، وقال حنظلة: نافق حنظلة يا رسول الله! قال: مم ذاك؟ فأخبره بما قال لـ أبي بكر ﵁، فقال المصطفى: يا حنظلة! والذي نفسي بيده لو تدومون على الحالة التي تكونون بها عندي لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي الطرقات، ولكن ساعة وساعة!) أي: ساعة تبكي فيها العيون، وتخضل فيها اللحى، وساعة عودوا فيها إلى الأزواج فداعبوا الزوجات وداعبوا الأولاد والبنين والبنات، واهتموا بالضيعات -أي: بالتجارة والأعمال- ولا مانع من ذلك على الإطلاق.
هذا هو معنى الحديث: (ساعة وساعة) أي: ساعة للرب جل وعلا للآخرة، وساعة للدنيا، أما أن يقال: ساعة لقلبك وساعة لربك، وأن تقضي ساعة القلب في معصية الله فهذا لا يرضي الله جل وعلا.
أيها الأحبة! الاقتصاد والاعتدال والترويح عن النفس من أعظم الأسباب التي تعين الإنسان على أن يستمر وأن يداوم على العمل الصالح، وأنتم تعلمون قصة الثلاثة الذين جاءوا لبيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادته، والحديث رواه البخاري ومسلم من حديث أنس، فلما أخبروا عنها كأنهم تقالوها، وقالوا: (وأين نحن من رسول الله وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل ولا أرقد أبداً، وقال الآخر: أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر، وقال الثالث: وأما أنا فأعتزل النساء ولا أتزوج أبداً، فجاء النبي ﷺ ، فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ قالوا: بلى، قال: أما إني لأخشاكم وأتقاكم لله ، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)، إنه التوازن بين أمر الدين والدنيا، ولذلك يجمع النبي ﷺ هذا المنهج العظيم العجيب في هذا الدعاء الذي رواه مسلم في دعاء المصطفى ﷺ إذ يقول: (اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري) تدبر في هذا المنهج المتوازن المعتدل، يقول: (اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كلّ خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر).
أيها الأحبة! إن المتشدد الغالي المفرط لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع، فهذه عائشة ﵂ تقول: (كان أول ما أنزل من القرآن سور فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا تاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، تقول: ولو نزل أولاً لا تشربوا الخمر ولا تزنوا، لقال الناس: لن ندع الخمر ولن ندع الزنا أبداً).
لكنه التدرج، وهذا ما فهمه الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز يوم أن ذهب إليه ولده وقال له: يا أبتِ! ما لي أراك لا تحمل الناس على الحق جملة واحدة -حماس الشباب مع صدق وإخلاص- فوالله لا أبالي إن غلت بي وبك القدور في سبيل الله.
أي: لا أبالي بأن أبتلى أنا وأنت في سبيل الله جل وعلا، فقال الوالد الفقيه عمر بن عبد العزيز: (يا بني! إن الله ذم الخمر في القرآن مرتين وحرمها في الثالثة، يا بني إني أخشى أن أحمل الناس على الحق جملة واحدة فيدعوا الحق جملة واحدة فتكون فتنة).
أيها الحبيب! إن التدرج في الأعمال من أعظم الأسباب التي تعينك على المداومة على العمل الصالح.
стр. 1659
الاستعانة بالله جل وعلا
إن من أعظم الأسباب التي تعينك على المداومة على العمل الصالح: أن تستعين بالملك جل وعلا، فإن من أعانه الله فهو المعان، ومن خذله الله فهو المخذول، فاطلب العون من الله أن يسددك وأن يؤيدك ويوفقك للعمل الصالح الذي يرضيه؛ لأمر النبي ﷺ لـ معاذ ﵁، حينما أمسكه بيده وقال: (يا معاذ! قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: والله إني لأحبك).
قسم ورب الكعبة يجف أمامه الحلق ويخشع أمامه الفؤاد، لو أقسم معاذ أنه يحب رسول الله لكان الأمر عادياً، ولكن الذي يقسم بالله على حب معاذ هو الصادق المصدوق: (يا معاذ! والله إني لأحبك) فيقول معاذ بن جبل: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! فوالله إني لأحبك، فيقول الحبيب المصطفى: (فلا تدعن أن تقول في دبر -أي: بعد- كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك).
فاطلب العون من الله، وقل له: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واطرح قلبك -أيها الحبيب- بين يدي الله، واعترف له بفقرك وضعفك وعجزك وتقصيرك، وقل: يا رب! لو تخليت عني بفضلك ورحمتك طرفة عين لهلكت وضللت، لا حول لي ولا قوة لي إلا بحولك وقوتك وصولك ومددك.
عبد الله! من أعانه الله فهو المعان، ومن خذله الله فهو المخذول، فاطلب من الله أن يعينك على العمل الصالح الذي يرضيه.
стр. 1660
مثل عليا في المداومة على العمل الصالح
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة! إلى حضراتكم أسوق بعض النماذج المشرقة إنها المثل العليا إنها القدوات التي يجب أن نرنو بأبصارنا إليها في وقت قدم فيه كثير من الفارهين التافهين ليكونوا القدوة والمثال لأمة مسكينة تشرذمت وتبعثرت كتشرذم وتبعثر الغنم في الليلة الشاتية المظلمة الممطرة.
مثل عليا استمروا على العمل الصالح، وقدموا أروع النماذج لهذه المداومة حتى وصلوا إلى أن يبشروا بالجنة وهم في الدنيا.
стр. 1661
أبو بكر الصديق ﵁
هذا هو الصديق صديق الأمة رضوان الله عليه، يسأل النبي أصحابه يوماً من الأيام -والحديث في صحيح مسلم - فيقول: (من أصبح اليوم منكم صائماً؟ فيقول أبو بكر: أنا يا رسول الله! فيقول: من أطعم اليوم منكم مسكيناً؟ فيقول أبو بكر: أنا يا رسول الله، فيسأل النبي: من تبع اليوم جنازة؟ فيقول أبو بكر: أنا يا رسول الله! فيسأل النبي: من عاد اليوم منكم مريضاً؟ فيقول أبو بكر: أنا يا رسول الله! فيقول المصطفى: ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة) يبشر بالجنة وهو لا زال يمشي على وجه الأرض.
ومن الذي يبشره؟! هل هي هيئة مشبوهة يهودية أو ماسونية؟ لا.
وإنما الذي يبشره بالجنة أعظم البرية ﵌، الذي لا ينطق عن الهوى قال: (ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة).
إنه التسابق! إنه التنافس على الخيرات والطاعات، وبهذا ارتقى أصحاب النبي ﷺ إلى هذه الدرجات العالية، فبشر بعضهم بالجنة من الصادق المصدوق وهو لا زال يمشي على التراب، ويعيش بين الناس في هذه الدنيا.
стр. 1662
بلال بن رباح ﵁
وإليك المثل الثاني والأخير: وهو لعبد من العبيد إنه العبد الحبشي الأسود، صاحب البشرة السمراء النيرة إنه العبد الذي عذب على رمال مكة الملتهبة التي تذيب الحجارة والحديد والصخور، فوضع على ظهره فوق هذه الرمال الملتهبة، ووضعت الحجارة على صدره، فلما انقطعت أنفاسه رفع يده ليشير بسبابته وهو يقول في صوت متقطع: أحد أحد يشير إلى وحدانية الملك جل وعلا! إنه بلال رضوان الله عليه، عبد من العبيد أسمر اللون، مزدرى في أرض الجزيرة ممتهن محتقر، فلما عرف الله أعلى الله قدره بالإسلام وبالإيمان وباتباع النبي ﵊، فنال الدرجة الشامخة التي ارتقى إليها، بعد أن كان بالأمس القريب على رمال مكة في أرض الجزيرة خادماً لسيد من سادة الكفر في مكة، قال له الحبيب يوماً -والحديث في الصحيحين-: (يا بلال! حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة) الله أكبر! إنه لأمر عجب!! بلال العبد؟! نعم.
رقاه الإسلام فارتقى به من العبودية للعبيد إلى العبودية لرب العبيد، والعبودية للملك جل وعلا عزة ورفعة، وكلما ازددت عبودية لله كلما زادك الملك رفعة ورقياً وقربى، لذا امتن الله على حبيبه ﷺ بصفة العبودية في أعلى المقامات وأجلها، فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١] فالعبودية لله شرف، والعبودية لله عز، والعبودية لله كمال، والعبودية للعبيد ذل وحقارة وامتهان.
ما جاء الإسلام إلا ليخرج الناس من عبودية العباد إلى عبودية رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.
بلال الحبشي الذي ارتقى بالإسلام والإيمان، يقول له النبي ﷺ : (يا بلال! أخبرني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة) بل إن رواية الترمذي بهذه الصيغة: (يا بلال! أخبرني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني رأيتك قد سبقتني إلى الجنة) الله أكبر! وفي لفظ: (فإني سمعت خشخشة نعليك بين يدي في الجنة) أتدرون ما هو هذا العمل؟! إنه المداومة على العمل الصالح.
قال بلال: (إن أرجى عمل عملته أنني ما توضأت وضوءاً أو تطهرت طهوراً إلا وصليت لله ركعتين)، وفي لفظ الصحيحين: (إلا وصليت لله بهذا الطهور -أو بذلك الطهور- ما كتب لي أن أصلي) إذا توضأ أو تطهر في ساعة من ليل أو نهار قام يصلي بهذا الطهور أو بهذا الوضوء ما كتب الله له أن يصلي.
إنه الحرص والمداومة على الأعمال الصالحات التي ترضي رب الأرض والسموات جل وعلا.
стр. 1663
التذكير بالموت
أيها الأحبة! أخيراً أقول: اذكر الموت فإنك إذا علمت أن أقرب غائب تنتظره هو الموت حرصت على أن تستغل كل ساعة من عمرك في طاعة الملك جل وعلا، فذكر نفسك أيها الحبيب بهذا الغائب القريب، وقل لنفسك: يا نفس قد أزف الرحيل وأظلك الخطب الجليل فتأهبي يا نفس لا يلعب بك الأمل الطويل فلتنزلن بمنزل ينسى الخليل به الخليل وليركبن عليك فيه من الثرى حمل ثقيل قرن الفناء بنا فما يبقى العزيز ولا الذليل ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] ذلك ما كنت منه تهرب.
(وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ) والحق أنك تموت والله حي لا يموت.
(وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ) والحق أن ترى عند موتك ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب.
(وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ) والحق أن يكون قبرك روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران.
(وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ) ذلك ما كنت منه تهرب، تحيد إلى الطبيب إذا جاءك المرض خوفاً من الموت، وتحيد إلى الطعام إذا أحسست بالجوع خوفاً من الموت، وتحيد إلى الشراب إذا أحسست بالظمأ خوفاً من الموت، ولكن ثم ماذا؟! أيها القوي الفتي! أيها الذكي العبقري! يا أيها الأديب! يا أيها المفكر! يا أيها الوزير! يا أيها الرئيس! يا أيها الملك! يا أيها الحبيب! ويا أيها الحقير! كل باك فسيُبكى كل ناع فسينعى كل مدحور سيفنى وكل مذكور سينسى ليس غير الله يبقى من علا فالله أعلى أخي الحبيب! بادر بالتوبة فإن الموت أقرب غائب ينتظر: أيا عبد كم يراك الله عاصياً حريصاً على الدنيا وللموت ناسيا نسيت لقاء الله واللحد والثرى ويوماً عبوساً تشيب فيه النواصيا إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى تجرد عرياناً ولو كان كاسياً ولو كانت الدنيا تدوم لأهلها لكان رسول الله حياً وباقيا ولكنها تفنى ويفنى نعيمها وتبقى الذنوب والمعاصي كما هيا أيها الحبيب! اغتنم ما بقي من العمر! لقي الفضيل بن عياض رجلاً فسأله الفضيل عن عمره: كم عمرك؟ قال: ستون سنة، قال الفضيل: إذاً أنت منذ ستين سنة تسير إلى الله توشك أن تصل، فقال له الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقال الفضيل يا أخي! هل عرفت معناها؟ قال: نعم.
عرفت أني لله عبد وأني إلى الله راجع.
فقال الفضيل: يا أخي! فمن عرف أنه لله عبد وأنه إلى الله راجع عرف أنه موقوف بين يديه، ومن عرف أنه موقوف عرف أنه مسئول، ومن عرف أنه مسئول فليعد للسؤال جواباً، فبكى الرجل وقال: يا فضيل! وما الحيلة؟ قال الفضيل: يسيرة، قال: ما هي يرحمك الله؟ قال: أن تتقي الله فيما بقى يغفر الله لك ما قد مضى وما قد بقي.
فعد إلى الله أيها الحبيب! وداوم على العمل الصالح.
يا من فرطت في الأسبوع أو في الأيام القليلة هذه بعد رمضان عد إلى الطريق عد إلى الطريق عرفت فالزم، ذقت الحلاوة فالزم، من ذاق عرف، ومن عرف اغترف، فاقترب من الخير واقترب من الفضل، ووالله الذي لا إله غيره إن الدنيا دار ممر وإن الآخرة هي دار المقر.
أين أجدادك؟! أين آباؤك؟! أين من سبقنا بالأموال والجاه والسلطان؟! أين الظالمون وأين التابعون لهم في الغي بل أين فرعون وهامان؟ أين من دوخوا الدنيا بسطوتهم وذكرهم في الورى ظلم وطغيان هل خلد الموت ذا عز لعزته أو هل نجا منه بالسلطان إنسان لا والذي خلق الأكوان من عدم الكل يفنى فلا إنس ولا جان فالمداومة على العمل الصالح من شعار المؤمنين وأهل الإيمان.
أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم للمداومة على العمل الصالح الذي يرضيه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
اللهم استعملنا لطاعتك يا رب العالمين! اللهم استعملنا في طاعتك يا أرحم الراحمين! اللهم يا من أعنتنا على الصيام فصمنا وعلى القيام فقمنا؛ خذ بنواصينا إليك لنرضيك يا أرحم الراحمين! اللهم لا تتخل عنا بذنوبنا فنهلك اللهم لا تتخل عنا بذنوبنا فنهلك اللهم لا حول ولا قوة لنا إلا بك يا رب العالمين اللهم أسعدنا في الدنيا بطاعتك، وفي الآخرة بجنتك اللهم أسعدنا في الدنيا بطاعتك وفي الآخرة بجنتك.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 1664
لا تحسبوه شراً لكم
كل شيء يقع في الكون قد قدره الله وأراده، فيجب على المسلم ألا يعترض على المحن والابتلاءات التي تمر بالمسلمين؛ فإن الله يريد بها خيراً، والابتلاء سنة الله في خلقه، فقد ابتلى أنبياءه وأولياءه؛ ليرفع درجاتهم، ويعلي مكانتهم.
стр. 1665
كل شيء في الكون لا يقع إلا بقدر
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: أحبتي في الله! عنوان لقائنا هذا (لا تحسبوه شراً لكم)، وسوف ينتظم حديثي في هذا الموضوع الجليل في العناصر التالية: أولاً: واقع مر أليم، وكل شيء في الكون لا يقع إلا بقدر.
ثانياً: دروس من التاريخ.
ثالثاً: والعاقبة للمتقين.
فأعيروني القلوب والأسماع، والله أسأل أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله، وأولئك هم أولو الألباب.
أولاً: واقع أليم، ولا يقع شيء في الكون إلا بقدر.
أحبتي في الله! أرى رياحاً عاتية من القنوط واليأس تعصف بقلوب كثير من المسلمين بسبب هذا الواقع المر الأليم، ومن هذه الرياح العاتية: أن هناك قلوباً قلقة، وقلوباً متشككة في قدر الله ، وفي علم الله وحكمته، وإن لم يستطع الواحد من هؤلاء أن يعبر بلسانه عن هذا الواقع المر الأليم ويمنعه خجله وحياؤه، فقد يعبر عن ذلك بلسان الحال، فيطحن الواقع الأليم قلبه إلى حد التشكك في قدر الله سبحانه وحكمته، فيقول أحدهم بلسان الحال، بل وربما بلسان المقال: ألا يسمع الله بكاء الأطفال في فلسطين؟! ألا يرى الله الدماء التي تسفك والأشلاء التي تمزق؟! ألا يسمع الله صراخ الأقصى وأنينه؟! ألا يسمع الله ويرى هذا الواقع المر الأليم لإخواننا في فلسطين؟! وقد تخلى أهل الأرض عنهم، إلا من رحم الله جل وعلا من أفراد قلائل يتألمون بآلامهم، ويعانون لمعاناتهم، ألا يسمع الله ويرى صراخ هذه البنت المسكينة التي هدم بيتها، وقتل والدها وقتلت أمها، وهي تصرخ أمام العالم كله؟! بل وتنادي المسلمين في كل مكان وتقول: أيها المسلمون! أين أنتم؟! وتقول: أنا لا أريد طعامكم وشرابكم فدمي هنا يا مسلمون يراق عرضي يدنس أين شيمتكم أما فيكم أبي قلبه خفاق أختاه أمتنا التي تدعينها صارت على درب الخضوع تساق أودت بها قومية مشئومة وسرى بها نحو الضياع رفاق إن كنت تنتظرينها فسينتهي نفق وتأتي بعده أنفاق فمدي إلى الرحمن كف تضرع فلسوف يرفع شأنك الخلاق فأمام قدرة ربنا تتضاءل الأنساب والأعراق فأين العزة؟! وأين النصرة؟! وأين الاستخلاف؟! أولم يقل الله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨]؟! أولم يقل الله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]؟! أولم يقل الله: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١]؟! أولم يقل الله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥]؟! إلى آخر هذه الآيات.
فأين العزة أيها المشايخ؟! وأين الاستعلاء؟! وأين التمكين لأهل الإيمان في الأرض؟! وأين النصرة؟! وأين السبيل للمؤمنين على الكافرين؟ والكافرون الآن قد أذلوا المسلمين ذلاً لا ذل بعده، وقد أهانوا المسلمين مهانة لا مهانة بعدها.
و
الجواب
مع هذا الواقع المر الأليم أقول: اعلموا يقيناً بأنه لا يقع شيء في كون الله إلا بقدر وعلم وحكمة، والله يسمع ويرى، ولسنا بأرحم بالمستضعفين من الله، ولسنا بأرحم بآهات المتألمين من الله، فالله يسمع ويرى، ولا يقع شيء في كونه إلا بقدره، وإلا بعلمه وحكمته، والإيمان بالقدر خيره وشره ركن من أركان الإيمان بالله جل وعلا، ولا يصح إيمانك إلا إذا آمنت بالقدر خيره وشره، قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩].
وروى مسلم في صحيحه عن أبي خيثمة قال: كان أول من قال في القدر -أي: بنفي القدر- بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، قال: فوفق لنا عبد الله بن عمر داخلاً المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي: أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، وظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليّ فقلت: أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن، ويتقفرون العلم -أي: يبحثون عن غوامض العلم وخوافيه ودقائق مسائله- وذكر من شأنهم: ويزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أنف، -أي: لا يعلم الله الأشياء إلا بعد وقوعها وحدوثها- فقال ابن عمر ﵄: (فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر! لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر) ثم قال ابن عمر: حدثني أبي عمر بن الخطاب ﵁ قال: (بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجلٌ شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد) الحديث وفيه أن هذا السائل الكريم سأل رسول الله عن الإيمان، فقال: (ما الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره)، فكل شيء في الكون بقدر، ولا يقع إلا بعلم وحكمة، وإن غابت عنا الحكمة فإن الله العليم يعلمها، وإن غابت عنا الحكم في أقدار الله وفي محن الله وابتلاءاته للمسلمين فإن الله جل وعلا يعلم الحكمة من وراء كل محنة، ويعلم الحكمة من وراء كل بلاء، ويعلم الحكمة من وراء كل قدر، فالله عليم حكيم، قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩].
وقال جل وعلا: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر:١١]، فما من ورقة في شجرة أو نخلة على ظهر الأرض تسقط إلا بعلمه، وإلا بقدره سبحانه، وما من شجر على ظهر الأرض إلا ويعلمه الله، وما من نهر ولا بحر على سطح الأرض إلا ويعلم الله ما في قعره، ولا يغيب عن سمعه وبصره وعلمه شيء، وإن وقع شيء في كونه فبقدر وبحكمة، وكيف ننسب الحكمة لحكماء البشر في أقوالهم وأفعالهم وننفي الحكمة عن خالق البشرية في أقواله وأفعاله؟! أيها الأخيار! إنما هو قدر الله، وهو واقع بعلم الله وحكمة الله ﷻ ، ولابد لكل مسلم من الإيمان بهذا حتى لا تعصف رياح القنوط بقلبه، وحتى لا تهب رياح الشكوك على إيمانه في صدره، قال ﷻ : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥] أي: لم يتشككوا، ولم تعصف رياح الشك بإيمانهم قط، بل إن إيمانهم بالله ﷻ ، وإيمانهم بالقدر خيره وشره، وإيمانهم بالعليم الحكيم إيمان ثابت كثبوت الجبال الرواسي؛ لا تزلزله الفتن، ولا تعصف به المحن، وأن كل شيء يقع في الكون إنما هو بقدر الله وعلمه وحكمته.
وقد اخترت هذا العنوان الكريم: (لا تحسبوه شراً لكم)، لأؤكد لكم الخير المخبوء في المحن والفتن، وهذا على قدر علمي وإلا فقد يعلمنا الله حكماً في محنه وابتلاءاته، وقد يحجب عنا حكماً فلا يعلمها كثير من البشر، وهذا هو عنصرنا الثاني من عناصر هذا اللقاء: دروس من التاريخ.
стр. 1666
بعض الدروس المستفادة من حادثة الإفك
أيها الأخيار! اسمحوا لي أن أبدأ بهذا الدرس الذي استلهمته من قول الله تعالى في سورة النور: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١١] إلى آخر الآيات الكريمات في سورة النور.
هذا الإفك الخطير، يقول الله فيه: (لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ) وتدبر معي! فأنت قد قرأت الآيات الكريمة من قبل، لكنني اليوم أخاطب فيك عقلك وقلبك وفطرتك، الله يقول في هذا الإفك العظيم الذي طحن قلب المصطفى، ومزق فؤاده، إنه إفك رمي به المصطفى في شرفه رمي به المصطفى في عرضه رمي به المصطفى في طهارته، وهو الطاهر الذي فاقت طهارته كل العالمين، رمي به المصطفى في صيانة حرمته! إنه إفك خطير، والحديث في الصحيحين، ولا أريد أن أقف مع الحديث بطوله، وإنما نقف عند المهم منه، وفيه: أن عائشة ﵂ لما تخلفت عن الجيش في غزوة بني المصطلق لقضاء حاجتها، وكانت الغزوة بعد نزول آية الحجاب، فكانت تحمل في الهودج، وتنزل وهي بداخل الهودج، وهذا من دواعي الستر والحجاب، والهودج: هو المحمل المعلوم الذي يوضع على ظهر البعير، فإنه لما نزلت آية الحجاب كان نساء النبي ﷺ يركبن في الهودج إذا سافرن مع النبي ﷺ .
وأرجو أن تتصوروا معي عائشة الفتاة الحيية التي ترعرعت في بستان الحياء والإيمان إذا أرادت أن تقضي حاجتها وكانت في مكان فيه رجال، أتصور أنها ستنطلق بعيداً بعيداً، حتى لا تراها العين، ثم تقضي حاجتها، وهذا هو الذي كان في هذه الغزوة، فإنها لما خرجت كان الليل شديد السواد، وكان الليل حالك الظلمة، فعادت عائشة رضوان الله عليها إلى هودجها في المكان الذي نزل فيه الجيش فتحسست عقدها فلم تجده، فعادت إلى المكان الذي قضت فيه حاجتها؛ لتبحث عن عقدها، ثم عادت فوجدت الجيش قد رحل! وكان الرجال قد حملوا الهودج فوضعوه على الراحلة وهم يظنون أن أم المؤمنين بداخل الهودج، فنامت في مكانها حتى يرجع إليها القوم، وكان النبي ﷺ قد أمر صفوان بن المعطل السلمي ﵁ أن يبقى خلف الجيش؛ ليأتي بأي شيء أو بأي متاع، فلما جاء صفوان بن المعطل ورأى سواد إنسان فنظر إليها فعرفها وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، تقول عائشة: فوالله! ما استيقظت من نومي إلا على استرجاعه، فخمرت وجهي بجلبابي -أي: غطيت وجهي بجلبابي- فلما رآني عرفني وكان يراني قبل نزول آية الحجاب، قالت: والله! ما كلمني، ولا كلمته، وما سمعت منه غير استرجاعه -أي: غير قوله: إنا لله وإنا إليه راجعون- فأناخ صفوان راحلته، فركبت أم المؤمنين ﵂ حتى أدركوا الجيش في نحر الظهيرة -أي: في وقت شدة الحر- فلما رآها رأس النفاق عبد الله بن أبي قال: من هذه؟ قالوا: أم المؤمنين عائشة.
قال: ومن هذا؟ قالوا: صفوان بن المعطل السلمي ﵁، قالت: فهلك من هلك في شتمي.
وفي رواية خارج الصحيحين: قال المنافق الخبيث: من هذه؟ قالوا: أم المؤمنين عائشة، قال: ومن هذا؟ قالوا: صفوان بن المعطل السلمي فقال الوقح: امرأة نبيكم تبيت مع رجل حتى الصباح، ثم جاء يقود لها الراحلة! والله ما نجت منه وما نجا منها! إنها قولة خبيثة شريرة، وتلقفت عصابات النفاق -التي لا يخلو منها زمان ولا مكان- هذه القولة الشريرة، وهذا الإفك الخطير، ورددت هذه الكلمات التي اتهم فيها رسول الله في عرضه، وفي شرفه ودينه ورسالته، وفي كل شيء، وفي عائشة التي أحبها من كل قلبه، كما في صحيح البخاري من حديث عمرو بن العاص قال: قلت: (يا رسول الله! أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة)، فيرمى رسول الله في زوجته! ويرمى الصديق في طهارة بنته! وهو الصديق الطاهر الذي قال قولته التي تعبر عن مدى ألمه، قال: (والله! ما رضينا بهذا في الجاهلية أفنرضى به في الإسلام؟!) وعائشة هي الزهرة المتفتحة في بستان الإسلام، المترعرعة في حديقة الإيمان، التي تولى تربيتها ابتداءً صديق الأمة، ثم انتقلت في التاسعة من عمرها إلى بيت نبي هذه الأمة، فعلى أي منهج تربت عائشة؟! وعلى أي خلق ثم ترمى في عرضها وفي شرفها؟! ويرمى صفوان بن المعطل في دينه، بل ويرمى بالخيانة لربه، ولرسوله ﷺ ! وترجع المسكينة عائشة إلى بيت رسول الله في المدينة وهي لا تعلم شيئاً، فهي الحصان الرزان التي لا تأبه لمثل هذا، وخاضت عصابة المنافقين في المدينة شهراً كاملاً في هذا الإفك الخطير، ولحكمة يريدها ربنا لا ينزل الوحي على قلب المصطفى شهراً كاملاً، ويحطم الألم كبده، ويهز الحزن فؤاده، حتى خرج النبي يسأل عن عائشة! فيسأل أسامة، ويسأل علياً، ويسأل بعض الصحابة عن عائشة، وتصوروا معي حالة رسول الله ﷺ ! تقول عائشة: وأنا لا أنكر شيئاً من رسول الله ﷺ إلا اللطف الذي كنت أعرف منه، فكان يدخل عليّ فيسلم ويقول: (كيف تيكم؟) حتى دخلت عليّ أم مسطح فأخبرتني بما يقوله أهل الإفك، فلما دخل عليّ رسول الله ﷺ ، قلت: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ فأذن لها رسول الله، فذهبت إلى بيت الصديق ﵁، وبعد شهر كامل دخل رسول الله ﷺ بيت الصديق، وجلس إلى جوار عائشة ﵂، فتشهد -أي: حمد الله ، وأثنى عليه- ثم التفت إلى عائشة وقال: (يا عائشة! إن كنت قد ألممت بذنب فاستغفري الله، وتوبي إليه؛ فإن العبد إذا أذنب وتاب إلى الله تاب الله عليه، وإن كنت بريئة فسيبرئك الله ، تقول عائشة: فلما سمعت مقالة رسول الله قلص دمعي -أي: جف دمعي- والتفت إلى أبي، وقلت: أجب عني رسول الله، فقال الصديق: (والله! ما أدري يا ابنتي! ماذا أقول لرسول الله)، فتركت عائشة المسكينة أباها الصديق، والتفتت إلى أمها وقالت: أجيبي عني رسول الله، فقالت الأم المسكينة الجريحة: والله! ما أدري يا ابنتي! ماذا أقول لرسول الله، ثم قال عائشة: والله! لا أجد لي ولكم مثلاً إلا كما قال أبو يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨]، قالت: ثم نمت على فراشي، وأنا أعلم والله! أني لبريئة، وأن الله مبرئي، لكني ما كنت أظن أن ينزل الله فيّ وحياً يتلى، فلشأني في نفسي كان أحقر من أن ينزل فيّ وحي يتلى، بل كنت أرجو الله أن يرى رسول الله صلى الله عليه سلم رؤيا يبرئني الله فيها، قالت: والله! ما رام أحد مجلسه -أي: ما ترك أحد في البيت مكانه الذي يجلس فيه- وإذ بالوحي يتنزل على رسول الله ﷺ ، وكان إذا تنزل عليه الوحي أخذته شدة، فتحدر منه عرق كالجمان -أي: كحبات اللؤلؤ- في اليوم الشديد البرد؛ من شدة ما يتنزل عليه من الوحي، قالت: فسري عن رسول الله وهو يبتسم ويقول: (أبشري يا عائشة! فلقد برأك الله ، فقالت أمها: قومي يا عائشة! -أي: قومي إلى رسول الله- فاشكريه، فقالت عائشة: لا والله! والله! لا أقوم إلى رسول الله، ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي من السماء، فابتسم رسول الله ﷺ ، وكانت براءتها العظيمة من أعظم مناقب عائشة، قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١].
ويسأل الآن أصحاب القلوب القلقة المتشككة: أين الخير في هذا الإفك الخطير؟! أين الخير وقد رمي رسول الله في عرضه؟! أين الخير وقد اتهمت عائشة بالزنا؟ وأين الخير وقد رمي الصديق في شرفه؟ وأين الخير وقد اتهم صفوان بالخيانة؟! وأين الخير وقد كادت عائشة أن تموت وهي بين الأحياء؟! وأين الخير والمؤمنون الصادقون من الأوس والخزرج كادت أن تقع بينهم فتنة؟! ولكن الخير موجود كما قال تعالى: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١]، وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦].
فإن قلت: أين الحكمة في هذا الشر؟ وأين الخير في هذا الإثم؟! فأقول: تدبر معي! وسأقف على ثلاثة دروس فقط من هذا الشر؛ لأجلي الخير الذي فيه.
стр. 1667
حادثة الإفك أظهرت فضل عائشة
الدرس الثالث من دروس هذه المحنة والفتنة والابتلاء: لولا هذا الابتلاء ما عرفت الأمة مكانة عائشة؛ فلهذا الدرس تجلت مكانة الصديقة بنت الصديق واستحقت أن تكون بجدارة حبيبة رسول الله ﷺ ، وكانت عائشة تفخر بأن الله برأها من فوق سبع سماوات، وظلت في قلب المصطفى حتى مات، قالت: (مات رسول الله ﷺ في بيتي، وفي يومي، وبين سحري ونحري، وجمع الله بين ريقي وريقه في آخر يوم من أيام الدنيا، وأول يوم من أيام الآخرة) والحديث في الصحيحين.
هذه بعض الدروس، وهذا بعض الخير في هذا الشر، وصدق الله القائل: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١].
стр. 1668
رسول الله لا يعلم الغيب
الدرس الأول في هذا الإفك العظيم وهذا الابتلاء الكبير: أنه لو لم يرد الله من هذه المحنة إلا أن يعلم الأمة أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب لكفى، ويا له من خير! ويا له من درس! شهر كامل ورسول الله لا يعلم شيئاً، ولا يعلم الخبر، ويسأل عن عائشة أصحابه، قال : ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف:١٨٨] وقال : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا * قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا * إِلَّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ﴾ [الجن:٢٠ - ٢٣]، أي: إلا أن تبلغ دين الله، ورسالة الله على مراد الله، كما قال: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢].
إنه درس عظيم!
стр. 1669
الفتن والابتلاءات تظهر المنافقين
الدرس الثاني: بعد هذه المحنة ظهر المنافقون، فالمنافقون مندسون في الصف، والمؤمنون يعرفون أعداءهم الظاهرين، فيعرفون اليهود، ويعرفون أهل الكفر، لكنهم لا يعرفون المنافقين الذين يندسون في الصفوف، فتأتي المحن، وتأتي الفتن؛ لتظهر ما تكنه الصدور من نفاق، ولتظهر ما تكنه القلوب من حقد على الإِسلام وأهله، فظهر النفاق، وظهرت عصابة النفاق، فالمحن تطرد عن الصف المزيفين، ولا يثبت على الصف بعد المحن والفتن والابتلاءات إلا من صفت نفسه، وخلصت سريرته، ومشى على الطريق يريد فضل الله وأجر الله ﷻ ، فلا يتاجر بالدعوة ولا بالعقيدة في سوق التجارة والشهوات، ولا يكون ممن يبيع ويشتري بالدعوة، فإن حصل نفعاً وخيراً فهو على الطريق مع السائرين، وإن تعرض للمحنة أو الابتلاء تخلى عن الطريق، كما قال : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١]، وقال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢ - ٣].
وهل الله لا يعلم الصادقين من الكاذبين إلا بعد المحن والابتلاءات؟!
الجواب
كلا، بل إن الله علم ما كان وما هو كائن وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، وإنما ليطلع الله أهل الإيمان على أهل النفاق، ثم ليعاقب الله وليحاسب الله عباده على ما بدر منهم من قول وعمل، لا على ما علمه منهم ، وهذا قمة العدل والرحمة، فالفتن والمحن تظهر المنافقين، وتبين المخبوء في الصدور، فظهر بعد المحنة أهل النفاق وعصابة النفاق.
стр. 1670
بعض الدروس المستفادة من ابتلاءات النبي ﷺ
الدرس الثاني: في غزوة أحد شج وجه المصطفى وكسرت رباعيته ونزف الدم الشريف من جسده الطاهر، وهزم المسلمون؛ لسنة ربانية، ألا وهي: أنهم خالفوا أمر سيد البشرية، وانتشر الخبر في أرض المعركة: لقد قتل رسول الله، حتى ألقى بعض الصحابة أسلحتهم، وقال بعضهم: مات رسول الله، فما نصنع بعده؟! فقال أنس بن النضر -وحديثه في الصحيحين-: قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله.
انتشر خبر موت المصطفى ﷺ ، وهزم المسلمون، وشج وجه المصطفى، وكسرت رباعيته، وانتصر المشركون، ومع ذلك تريد أن تقول: إن هذا الأمر ليس من الشر، وفيه من الخير ما الله به عليم؟! فأقول: بلى، فيه من الخير ما الله به عليم، وتدبر معي قوله تعالى في هذه الغزوة: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩ - ١٤٤].
أيها الموحدون! أراد الله بغزوة أحد وبهذه الحادثة الأليمة أن يعلم الصحابة أن العبد عبد، وأن الرب رب، ولو كان العبد هو المصطفى ﷺ ، أراد الله أن يعلم الصحابة والأمة من بعدهم درساً لا ينسى أبداً، وهو: أن النبي ﷺ مبلغ عن الله، ورسول من عند الله، جاء ليبلغ الناس دين الله، وجاء ليربط الناس بالعروة الوثقى ثم يمضي إلى ربه وهم بالعروة الوثقى مستمسكون.
أراد الله أن يجعل عهد المسلمين معه سبحانه مباشرة لا مع أحد من خلقه، حتى إذا مات رسول الله بقي المسلمون على عهدهم مع الحي الذي لا يموت.
أراد الله أن يعلِّم المسلمين أن الدعوة أبقى من كل الدعاة، وأن الدعوة أكبر من كل الدعاة، وأن الدعاة يجيئون ويذهبون ويموتون، وتبقى الدعوة قائمة على مر الأيام والقرون، فلو ماتت الدعوة بموت داعية لماتت دعوة الإسلام بموت سيد الدعاة صلى الله عليه وآله ومن ولاه! فلا تحسبوه شراً لكم، بل هو خير لكم.
стр. 1671
بعض الدروس المستفادة من صلح الحديبية
وفي صلح الحديبية قال عمر بن الخطاب: (يا رسول الله! ألسنا على الحق؟! قال: بلى، أليسوا على الباطل؟! قال: بلى، أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟! قال: بلى، قال: فلم نعط الدنية في ديننا ونرجع؟!).
لقد خرج رسول الله ﷺ في ألف وأربعمائة رجل من أصحابه -على الراجح من أقوال المحققين من أهل السير- للعمرة، خرج رسول الله بإحرامه يسوق الهدي أمامه، ولم يخرج للقتال، ولكن المشركين تكبروا وعاندوا وأعرضوا ومنعوا رسول الله من دخول بيت الله الحرام، وأرسلوا إليه مفاوضين، حتى أرسلوا إليه سهيل بن عمرو؛ ليوقع عقد صلح الحديبية مع رسول الله، وكان عقداً مجحفاً ظالماً في الظاهر، حتى قال عمر: فلم نعط الدنية في ديننا؟! وغضب عمر إلى الحد الذي ترك فيه رسول الله وذهب إلى الصديق؛ ليقول له ما قاله للنبي: يا أبا بكر! ألسنا على الحق؟! قال: بلى، أوليسوا على الباطل؟! قال: بلى، أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قال: فلم نعط الدنية في ديننا يا أبا بكر؟! فيقول الصديق لـ عمر ما قاله النبي ﷺ لـ عمر، فالرسول قال: (إني رسول الله ولن يضيعني)، والصديق قال لـ عمر: (يا عمر! إنه رسول الله، ولن يضيعه).
ونزل القرآن على رسول الله يخبره أن الصلح كان فتحاً، ونزل قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١]، فلما سمع عمر الآية اطمأن قلبه، واستبشر بأنه فتح، وبالفعل لقد كان فتحاً، فلقد تفرغ النبي ﷺ للدعوة، وأرسل كتبه إلى الملوك والحكام والرؤساء، وصار الإسلام قوة لا يستهان بها، وبعد سنوات قليلة عاد رسول الله ﷺ بأصحابه المؤمنين الأتقياء؛ ليفتحوا مكة بأمر رب الأرض والسماء، فكان صلح الحديبية -وإن كان في ظاهره ظلم شديد للمسلمين- فتحاً مبيناً، كما قال رب العالمين، وكما وعد بذلك سيد المرسلين: (لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ).
стр. 1672
الدروس المستفادة من الأحداث والمحن عبر التاريخ
لا أريد أن استطرد مع أحداث التاريخ كلها، ففي كل محنة خير، وفي كل شر خير، ولا يوجد على الإطلاق شر محض، بل في كل محنة منحة، وفي كل ابتلاء دروس، وإن غابت عنا الحكمة فالله يعلمها؛ لأنه هو الذي قدر وقضى بعلم وحكمة.
وإمام أهل السنة: أحمد بن حنبل ما عرفت إمامته إلا بعد محنة فتنة خلق القرآن، وما صار إماماً لأهل السنة إلا بعد المحنة، وما عرف بأنه إمام من أئمة الصبر، وبأنه جبل من جبال الثبات على الحق، إلا بعد المحنة، فالمحن تظهر الرجال، والمحن تظهر المخبوء في الصدور؛ لأن الإنسان في حال الرخاء والسعة قد لا يعرف خبايا نفسه، وقد لا يقف على عيوبها، بل قد يتوهم الكمال، فإذا ما تعرض لمحنة أو ابتلاء ظهرت عيوب نفسه: من الجزع والفزع والهلع، والخوف وعدم الحب لدين لله، فالمحن تظهر الرجال.
ولما تعرض الإمام أحمد للمحنة، وسجن ثلاثين شهراً، وضرب بالسوط، من أجل أن يقول: إن القرآن مخلوق، فقال: ائتوني بآية من كتاب الله لأقول بها، ائتوني بحديث من أحاديث رسول الله ﷺ لأحدث به، فثبت الإمام حتى صار بعد المحنة إماماً لأهل السنة، حتى قال إمام الجرح والتعديل علي بن المديني رحمه الله تعالى: لقد أعز الله الدين بـ أبي بكر يوم الردة، وبـ أحمد بن حنبل يوم المحنة.
وهذا درس آخر من أحداث التتار لما نزلوا العراق، وأسأل الله أن يكشف هم العراق، وأن يدمر الأمريكان ومن عاونهم من البريطان، فما زالوا يدكون العراق بالطائرات، بل أعدوا العدة لضرب العراق ضربة ساحقة.
لما دخل التتار بغداد، وكانت عاصمة الخلافة، فمنعوا صلاة الجمعة وصلاة الجماعة في بيوت الله جل وعلا، وخشي المسلم من أن يخرج إلى الشارع، ولقد هزم المسلمون يومها هزيمة نفسية نكراء، حتى كان الرجل التتري إذا رأى المسلم في الشارع صرخ فيه وقال: قف مكانك! حتى أرجع إلى داري لآتي بسيفي لأذبحك! فيثبت المسلم في مكانه من الفزع والرعب ولا يتحرك حتى يغيب التتري ما شاء الله له أن يغيب ثم يرجع ليذبح المسلم في مكانه، وهو لم يتحرك من الهزيمة النفسية القاتلة!! لكن هذا كان يحمل من الخير ما الله به عليم، فبهذه المحنة صفت القلوب، وصفت الصفوف، فثبت على الصف الأطهار والأبرار، وخرج من الصف المنافقون والدخلاء، حتى قام المسلمون على قلب رجل واحد، فهزموا التتار شر هزيمة، وعادت عاصمة الخلافة مرة أخرى إلى المسلمين.
ثم جاءت بعد ذلك الحروب الصليبية الطاحنة، واستولى الصليبيون على بيت المقدس، ورفعوا الصلبان على كل أجزائه وأماكنه، ومنعوا الصلاة في المسجد الأقصى واحداً وتسعين عاماً، ولم تصل في المسجد صلاة واحداً وتسعين عاماً! هذه المحنة الشديدة الطويلة صفت القلوب، وغربلت الصفوف، فخرج من الأمة الأطهار والأبطال، وأنا أؤكد تأكيداً جازماً: أن الأمة لا تخلو أبداً من هذه العصابة المؤمنة من أبناء الطائفة المنصورة التي لا يخلو منها زمان ولا مكان، فخرجت هذه الصفوة وهذه الثلة المباركة بقيادة صلاح الدين -أسأل الله أن يزرق الأمة الصلاح؛ لتكون من جديد قادرة على إنجاب مثل: صلاح - فهزموا الصليبيين شر هزيمة، واستردوا المسجد الأقصى، ويومها علّم صلاح الدين الصليبيين الحاقدين درساً من أعظم دروس الإحسان في الإسلام.
стр. 1673
بعض الدروس المستفادة من الأحداث الجارية على الأمة الإسلامية في هذا العصر
والمحنة التي تمر بها أمتنا الآن في فلسطين وفي كشمير وفي الشيشان وفي الفلبين وفي طاجاكستان وفي العراق وفي الجزائر وفي السودان وفي اريتريا وفي كل مكان، أقول -بعد هذا السرد التاريخي السريع- بملء فمي وأعلى صوتي: لا تحسبوا هذه الفتن شراً لكم، بل هي خير لكم، وإن ظن البعض أنه لا خير؛ لأن الدماء تسفك، والأشلاء تمزق، والقدس في أيدي اليهود، والشيشانيون يذبحون، والمسلمون في كشمير يذبحون إلخ.
ولكن كما قال الله: (لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) وأستطيع أن أستخرج بعض دروس الخير من هذه الفتنة الحالقة الطاحنة، وأنا أقر بأنها طاحنة وبأنها قد طالت، فبعد زوال ظل الخلافة لم تزل الأمة في محنة، ومما يزيد الألم في القلب: أن الأمة في الماضي كانت مع كل محنة تملك جل أو كل مقومات النصر: من إيمان صادق بالله، وتوكل عليه، واستعانة به، وإعداد للقوة على قدر الطاقة، وبهذا تكون الأمة قد نفذت أمر الله، وامتثلت شريعته، لكن الذي يزيد الألم الآن في القلب: أن الأمة قد نحت شريعة الله بالجملة، ولم تعد تثق في الله كثقتها في أمريكا أو في أوروبا! بل ما زالت الأمة الآن -على ألسنة زعمائها- تردد وتتغنى بالدور الأمريكي، وبراعية السلام في المنطقة! وبالاتحاد الأوروبي! وبالحلف الأطلسي! وبالبيت الأبيض! وبالبيت الأحمر! فالأمة الآن تثق في أمريكا وفي بعض الدول أكثر من ثقتها برب السماء والأرض! وهذا مما يزيد المحنة أسىً، وأنا لا أنكر ذلك، ولكنني ومع كل ذلك أذكر بقوله تعالى: (لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)، فإن قلت أين الخير؟! فأقول: تدبر معي! لقد شاء الله جل وعلا في هذه المحنة الأخيرة الطاحنة أن يظهر للعالم كله حقيقة الغرب، وسقطت ورقة التوت، التي طالما وارى بها الغرب عوراتهم وسوءاتهم، وتمزقت خيوط العنكبوت التي طالما وارى بها النظام الغربي وجهه الكالح الغشوم، فسقطت ورقة التوت، وتمزقت كل خيوط العنكبوت، وأظهرت المحنة الأخيرة بعد زوال ظل الخلافة، وبعد وضع الغدة السرطانية الخبيثة المعروفة بدولة اليهود في قلب فلسطين الحبيبة، أظهرت المحنة النظام الغربي على حقيقته، وقد كنا منذ سنوات قليلة جداً نسمع في إعلامنا، ونقرأ على صفحات الجرائد لأقلام تعزف على وتر التصفيق والتشييد للغرب، فشاء الله ﵎ أن تظهر المحنة حقيقة الغرب، وأن الغرب الكافر لن ينصر توحيداً قط؛ لأن الكفر ملة واحدة، وصدق ربي إذ يقول: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، وصدق ربي إذ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة:١].
والمؤمن لا يحتاج إلى هذا الواقع ليصدق به كلام الله، ولكن الواقع المر يظهر الحقائق لأصحاب القلوب القلقة المتشككة، فقد ظهر النظام الغربي على حقيقته، وظهرت حقيقة البيت الأبيض، وظهرت حقيقة هيئة الأمم، وظهرت حقيقة الحلف الأطلسي، وظهرت حقيقة مجلس الأمن، وظهرت حقائق هذه الأحلاف والمنظمات والهيئات، وعلم المسلمون بل والعلمانيون أن القضية لن تحلها أمريكا، ولن تحلها أوروبا أبداً! هذه الفتنة أظهرت كل هذه الحقائق، وبدون هذه المحنة لم يكن قد ظهر شيء من هذا على الإطلاق، ولقد انتبه غافل قومنا من المسلمين إلى أن الغرب الكافر لا ينصر لله ديناً، ولا ينصر للأمة قضية، وأظهرت المحنة حقيقة الزعماء، وحقيقة كثير ممن يدعي أنه يحب الإسلام، بل أظهرت حقيقة من يدعي الوطنية، وأظهرت هذه المحنة حقيقة الوطنيين، فما أودى بالأمة إلا وطنية مشئومة، وما أودى بالأمة إلا عصبية منتنة، ولكن المحنة أظهرت كل هذا، وأظهرت المحنة أيضاً حقيقة كثير من العلماء ممن سقطوا فزوروا الفتاوى من أجل كرسي أو منصب زائل، وأظهرت المحنة أيضاً كثيراً ممن كان يتغنى بحب الجهاد، ولكنه يبخل بدعوة لإخوانه فضلاً عن جهاد بماله! فأظهرت الأزمة للأمة هذه الحقائق.
وأظهرت الأزمة أيضاً: أن محمداً ما مات، وما خلف بنات، بل خلف رجالاً، بل إن الأطفال على أرض فلسطين قد سطروا المعجزات، ورب الكعبة! لقد صرت أحقر نفسي إلى جوار طفل على أرض فلسطين، فماذا أفعل؟! وماذا يصنع مثلي؟! نتكلم ولكن لا ينفع الكلام، ونناظر في التكليفات الباردة، وما أيسر التنظير! نشاهد الدماء كل يوم تسفك، والأشلاء كل يوم تمزق! وبعدها بلحظات نأكل ملء بطوننا، وننام ملء جفوننا، ونضحك ملء أفواهنا، وإذا خرج أحدنا في مظاهرة صاخبة عاد وهو يتصور أنه قد فتح القدس، وقد أدى كل ما عليه لله! والله! لقد صرت أحقر نفسي إلى جوار طفل صغير في الخامسة أو في السادسة من عمره على أرض فلسطين، طفل لا يجد أمامه إلا حجراً يواجه به عصفوراً يواجه به كلباً! بل يواجه به أعتى كلاب الأرض يواجه به أشد الخنازير! يواجه به طائرات في السماء! يواجه به دبابات في الأرض! يواجه به رصاصاً حياً! طفل يمسك حجراً يريد الشرف يريد الكرامة يريد العزة للأمة المسلوبة الجريحة، طفل علم الرجال الكرامة طفل علم الرجال الرجولة طفل علم الزعماء البطولة طفل علم القادة حقيقة التضحية والفداء!! فما ظهر هذا الخير إلا بعد هذه المحنة، ظهر شباب على أرض القدس يريد أن يضحي بنفسه لله جل وعلا.
ويوم أن خرج أمناء جبل الهيكل المزعوم في يوم الأحد لوضع حجر الأساس، نادى طفل القدس على المسلمين في القدس: أن احفظوا المسجد الأقصى، وحولوا بين اليهود وبين بيت الله، فخرج المسلمون الأطهار بعشرات الألوف من كل أنحاء فلسطين، ولم يخرجوا في صباح يوم الأحد بل خرجوا ليلة الأحد، فباتوا في بيت الله جل وعلا، باتوا في المسجد الأقصى وكلهم يشتاق للقاء الله، وكلهم يريد أن يضحي بجسده وبروحه وببيته وبماله من أجل بيت الله جل وعلا، ولم تستطع العصابة اليهودية المتطرفة أن تضع الحجر في ذلك اليوم، ولم تتمكن من ذلك بفضل الله، ثم بفضل هذه الثلة الكريمة التي علمت الدنيا كلها: أن محمداً ما مات وما خلف بنات، بل خلف أطهاراً أبراراً، تحترق قلوبهم شوقاً للشهادة، ويتمنى أحدهم أن لو ضحى بنفسه لنصرة دين الله جل وعلا، وأن لو بذل كل دمه لحماية المسجد الأقصى من براثن اليهود المجرمين، فـ (لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ).
стр. 1674
النصر مقرون بالابتلاء والمحن
والله! ثم والله! لا تنتصر الأمة إلا بمثل هذه المحن، وإلا بمثل هذه الفتن، وإلا بمثل هذه الابتلاءات، ولا يثبت على الصف إلا من صفت نفسه، وخلصت سريرته، وسار على الدرب خلف رسول الله ﷺ ، وهو يقول: غداً ألقى الأحبة محمداً وصحبه، وانطلق على أرض البطولة يردد قول عبد الله بن المبارك لعابد الحرمين الفضيل بن عياض: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك في العبادة تلعب من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب أو كان يتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الصبيحة تتعب ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب ولقد أتانا من مقال نبينا قول صحيح صادق لا يكذب لا يستوي غبار خيل الله في أنف امرئ ودخان نار تلهب فهل تظنون أن عباد الصليب من الأمريكان يعجزون الملك القدير؟! وهل تظنون أن إخوان القردة والخنازير يعجزون الملك القدير؟! لا ورب الكعبة! فإن الله يسمع ويرى، ولكنها السنن، كما قال : ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد:٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ [البقرة:٢٥١]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠]، لقد كادت الفيضانات أيها المسلمون! أن تعزل بريطانيا كلها عن العالم، كادت أن تعزل المملكة التي قيل عنها يوماً: لا تغيب عنها الشمس، الفيضانات التي هي جندي من جنود رب الأرض والسماوات، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١] كادت أن تعزل بريطانيا عن العالم.
وكادت الحرائق أن تحرق كل مزارع أمريكا، ولم تستطع الطائرات في السماء أن تطفئ الحرائق في عشرات الآلاف من المزارع التي في الأرض، وكاد زلزال في روسيا أن يجعل عالي الأرض سافلها، وأن يجعل سافلها عاليها، قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٠] فالله هو مالك الكون ومدبر الكون، ولا يعجز الله شيء في كونه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، فهل تشكون في قدرة الله؟! وهل تشكون في عظمة الله؟! وهل تشكون في قوة الله؟! قال : ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:٦ - ١٤].
وقال : ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:١ - ٥].
وقال : ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ * وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ * وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ * يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ * لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [إبراهيم:٤٢ - ٥٢].
فأين الظالمون؟! وأين التابعون لهم في الغي؟! بل أين فرعون وهامان؟! قال الشاعر: أين من دوخوا الدنيا بسطوتهم وذكرهم في الورى ظلم وطغيان هل خلد الموت ذا عز لعزته أو هل نجا منه من بالسلطان إنسان لا والذي خلق الأكوان من عدم فالكل يفنى فلا إنس ولا جان.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 1675
العاقبة للمتقين
الحمد لله رب العالمين، اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
وبعد: وأخيراً: العاقبة للمتقين، قال : ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨]، وقال سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف:١١٠]، وقال تعالى في شأن اليهود: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران:١١١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]، ولا أريد أن أطيل، فقد فصلت هذا من قبل مراراً وتكراراً، ولكنها إشارة، فمهما طال الزمن واشتد الابتلاء وزادت المحن والفتن فإن العاقبة في نهاية الطريق للمتقين.
اللهم عجل بنصرك يا أرحم الراحمين! اللهم انصر إخواننا في فلسطين! والحمد لله رب العالمين.
стр. 1676
وصف الحبيب ﵇
لقد اصطفى الله سبحانه محمداً ﷺ وفضله على العالمين، وأكرمه فأحسن خَلقه وخُلقه، فكان ﷺ من أجمل الناس منظراً وأحسنهم هيئة.
وإن من أعظم دلالات حب الصحابة لرسول الله ﷺ أن نقلوا لنا وصفه ﷺ وجلوه لنا حتى كأننا نراه، فصلى الله عليه وسلم ورضي الله عن أصحابه الكرام.
стр. 1677
إكرام الله لنبيه بالحوض المورود
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الذي خلق فسوى، وهو الذي قدر فهدى، مالك الملك، وملك الملوك، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير إنه على كل شيء قدير.
يا رب! بك أستجير ومن يجير سواكا فأجر ضعيفاً يحتمي بحماكا إني ضعيف أستعين على قوى ذنبي ومعصيتي ببعض قواكا أذنبت يا رب وآذتني ذنو ب مالها من غافر إلاكا دنياي غرتني وعفوك غرني ما حيلتي في هذه أو ذاكا لو أن قلبي شك لم يك مؤمناً بكريم عفوك ما غوى وعصاكا يا منبت الأزهار عاطرة الشذى هذا الشذى الفواح نفح شذاكا يا مجري الأنهار ما جريانها إلا انفعالة قطرة لنداكا رباه هأنذا خلصت من الهوى واستقبل القلب الخلي هواكا رباه قلبٌ تائبٌ ناداك أترده وترد صادق توبتي حاشاك ترفض تائباً حاشاكا فليرض عني الناس أو فليسخطوا أنا لم أعد أسعى لغير رضاكا وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا ومعلمنا وقدوتنا محمداً رسول الله، اللهم صل وسلم وبارك عليك يا سيدي يا رسول الله! يا صاحب المقام المحمود، ويا صاحب اللواء المعقود، ويا صاحب الحوض المورود، حوض ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى مذاقاً وطعماً من العسل، عدد كيزانه بعدد نجوم السماء، من سقي منه بيد المصطفى شربة لا يظمأ بعدها أبداً.
من الموحدين من يرد حوض الحبيب، فيرى واقفاً على الحوض في استقباله عثمان بن عفان، ترى في استقبالك الحيي الكريم عثمان زوج بنات المصطفى ﷺ يقدم لك الكأس لكي تشرب من حوض حبيبك محمد ﷺ ، ومن الموحدين المخلصين من يرد الحوض، فيرى في انتظاره وفي استقباله على حوض الحبيب الفاروق عمر، يقدم لك الكأس لكي تشرب من حوض الحبيب، ومن الموحدين المخلصين من يرد على الحوض، فيرى على الحوض واقفاً في استقباله وفي انتظاره: أبا بكر الصديق، ومن الموحدين من يرد على الحوض فلا يرى عثمان ولا يرى عمر ولا يرى الصديق وإنما يرى الحبيب المصطفى ﷺ يسقيه بيديه شربة هنيئة مريئة لن يظمأ بعدها أبداً، ومن الموحدين من يرد على حوض الحبيب فلا يرى عثمان ولا يرى عمر ولا يرى الصديق ولا يرى حتى الحبيب المصطفى ﷺ ، ولكنه يرى الكأس يرتفع إلى فمه لكي يشرب فيصرخ ويقول: من الذي يسقيني؟! إن الساقي هو الله، الله أكبر! ليس عثمان ولا عمر ولا الصديق ولا حتى الحبيب ﷺ ، إن الساقي هو الله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا * إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان:٢١ - ٢٢].
اللهم أوردنا حوض الحبيب المصطفى ﷺ ، واسقنا بيده الشريفة شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبداً يا رب العالمين! اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاةً وسلاماً يليقان بمقام أمير الأنبياء وسيد المرسلين: يا مصطفى ولأنت ساكن مهجتي روحي فداك وكلما ملكت يدي إني وقفت لنصر دينك همتي وسعادتي أن لا بغيرك أقتدي لك معجزات باهرات جمةٌ وأجلها القرآن خير مؤيد ما حرفت أو غيرت كلماته شلت يد الزاني وشاه المعتدي وأنا المحب للحبيب محمد وأنا المحب ومهجتي لا تنثني عن وجدها وغرامها بمحمد قد لامني فيه العذول ولو يرى نعم الغرام به لكان مساعدي يا رب صل على الحبيب محمد واجعله شافعنا بفضلك في غد اللهم صل وسلم وبارك عليك يا سيدي يا رسول الله.
стр. 1678
أهمية الصلاة عليه ﷺ عند ذكره
بداية أيها الأحباب لا أحب أن يجالسني في مجلس رسول الله ﷺ بخيل، فإن لقاءنا اليوم هو لقاء مع الحبيب محمد ﷺ ، وإن حديثنا اليوم هو حديث عن الحبيب محمد ﷺ ، وما أتينا إلى هذا المجلس المبارك إلا ابتغاء مرضاة الله.
فبداية لا بد أن نخرج من هذه الجلسة بالخير الكثير، وإذا ما أردنا أن نخرج بالخير فيجب علينا أن نكثر من الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ؛ لأن الله دائماً وأبداً يصلي على حبيبنا المصطفى ﷺ ، والملائكة دائماً وأبداً تصلي على حبيبنا المصطفى ﷺ ، والله يأمر كل من دخل الإيمان قلبه بالصلاة على الحبيب المصطفى ﷺ ، فيقول ربنا ﷻ : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، صلى الله عليك صلاةً وسلاماً دائمين يا سيدي ويا حبيبي يا رسول الله! أما بعد: مرحباً بهذه الوجوه المشرقة بنور الإيمان بالله، في بيت من بيوت الله جل وعلا، وعلى مائدة المصطفى ﷺ ، وإننا اليوم نحتفل برسول الله ﷺ ، وسأتكلم عنه ﷺ بالتفصيل وبالتحديد، ونسأل الله جل وعلا أن يرزقنا الصواب والتوفيق.
وبداية فإن كثيراً من الوعاظ والخطباء يحتفلون في شهر ربيع ويقولون: نحيي ذكرى ميلاد النبي ﷺ ، وهذا سوء أدب مع رسول الله ﷺ ؛ لأن ذكر النبي ﷺ ما مات في لحظة من اللحظات حتى تحييه! فإذا ما أردت أن تعبر عن ذلك المعنى فقل: نحن نحيا بذكرى النبي ﷺ ؛ لأن الحديث عن رسول الله حياة، وذكر النبي ﷺ لم يمت في لحظة من اللحظات.
стр. 1679
عظيم إكرام الله لنبيه ﷺ
لقد كرم الله النبي ﷺ تكريماً ما أكرم به نبياً من الأنبياء، ولا رسولاً من الرسل.
فقد ذكر أبو نعيم في دلائل النبوة، وابن كثير في تفسيره وفي البداية والنهاية: أن النبي ﷺ يقول لربنا: يا رب! ما من نبي إلا وقد كرمته، فقد اتخذت إبراهيم خليلاً، وكلمت موسى تكليماً، وسبحت الجبال مع داود، وسخرت الجن والطير والريح لسليمان، وخلقت عيسى من روحك، ففيم فضلتني بين هؤلاء وبم كرمتني بين هؤلاء؟ فقال له ربنا: يا محمد! إن كنت كرمت هؤلاء فقد كرمتك تكريماً ما كرمته لنبي من قبلك، فقال: ما هو يارب؟ فقال ربنا : يا محمد! لقد رفعت ذكرك، وأعليت شأنك، فلا أذكر حتى تذكر معي، يا محمد! المؤذن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، ويقول: وأشهد أن محمداً رسول الله.
هل هناك تكريم أعظم من هذا التكريم؟! يذكر اسم الله فيذكر بعده اسم رسول الله ﷺ ، لا أذكر حتى تذكر معي يا محمد! لقد قرنت اسمك باسمي فلا أذكر حتى تذكر.
стр. 1680
تزكية الله لرسوله ﷺ في شأنه كله
ولقد زكاه الله في عقله فقال: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:٢] وزكاه في بصره فقال: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧] وزكاه في لسانه فقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣] وزكاه في فؤاده فقال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١] وزكاه في صدره فقال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١] وزكاه في معلمه فقال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٥] وزكاه كله فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
ورد في الحديث الصحيح الذي خرجه الإمام الترمذي من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ استمع يوماً إلى بعض الناس، وقد جلسوا يتذاكرون في تفاضل الأنبياء فقال أولهم: أتعجبون، لقد اصطفى الله آدم على البشرية، وقال الآخر: لقد اتخذ الله إبراهيم خليلاً، وقال الثالث: لقد كلم الله موسى تكليماً، وقال الرابع: لقد خلق الله عيسى من روحه، فخرج عليهم رسول الله وقال لهم: (لقد استمعت إلى كلامكم وإلى عجبكم، إن آدم اصطفاه الله على البشرية وهو كذلك) فالنبي ﷺ لا ينقص ولا يبخس أحداً حقه (وإن إبراهيم خليل الرحمن وهو كذلك، وإن موسى كليم الله وهو كذلك، وإن عيسى روح الله وهو كذلك، ألا وإني حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد بيدي يوم القيامة ولا فخر، وأنا سيد الأولين والآخرين ولا فخر، وأنا أول من يدخل الجنة ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر) ﷺ .
لقد أتم الله التكريم للنبي ﷺ في خَلقه وفي خُلقه، وقد اخترت أن أتكلم معكم عن رسول الله وعن كيفية خُلقه ﷺ ؛ كيف كان شعره؟ وكيف كانت عيناه؟ وكيف كان أنفه؟ وكيف كان فمه؟ وكيف كانت أسنانه؟ وكيف كان صدره؟ وكيف كان ذراعه؟ وكيف كانت بطنه؟ وكيف كانت قدمه؟ عن صفة خلق النبي ﷺ .
وبداية أطلب منكم أن تعيشوا معي بأرواحكم، حتى تتخيلوا رسول الله ﷺ معنا، استمعوا جيداً واستحضروا الحواس والأرواح والقلوب، حتى نصف رسول الله ﷺ وكأنه يقف الآن بين أيدينا وأمام أعيينا؛ لننظر إليه من ناصية رأسه وحتى أخمص قدميه، فنصفه للمسلمين الموحدين الذين يحبونه ﷺ ، والذين يضرعون إلى الله ليلاً ونهاراً أن يجمعهم به في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلى من أتى الله بقلب موحد سليم.
стр. 1681
صفة وجه النبي ﷺ
أولاً: وجه النبي ﷺ ، ورد في الحديث الصحيح الذي خرجه الإمام البخاري عن البراء بن عازب ﵁ قال: (كان النبي ﷺ أحسن الناس وجهاً، وأحسن الناس خلقا -فالخلق غير الخُلق- ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير).
وورد في الحديث الصحيح الذي خرجه الإمام الدارمي والإمام البيهقي عن جابر بن سمرة ﵁ قال: (رأيت النبي ﷺ في ليلة الأضحيان -يعني: ليلة مقمرة- فأخذت أنظر إلى القمر وأنظر إلى النبي ﷺ فوالله لقد كان النبي ﷺ في عيني أحسن من القمر)، اللهم صلِّ عليك يا حبيبي يا رسول الله.
وفي الحديث الصحيح الذي خرجه الإمام الدارمي والإمام البيهقي والإمام الطبراني وهو عند الإمام أبي نعيم في دلائل النبوة من حديث الربيع بنت معوذ قيل لها: صفي لنا رسول الله فقالت سيدتنا الربيع بنت معوذ: (لو رأيت رسول الله ﷺ لقلت: إن الشمس طالعة) اللهم صل وسلم وبارك عليك يا سيدي يا رسول الله، هذا حديث صحيح، لو نظرت إلى رسول الله ﷺ ، وإلى وضاءة وجهه، وإلى أنوار وجهه، لقلت: إن الشمس طالعة.
وورد في الحديث الصحيح الذي خرجه الإمام مسلم من حديث جابر بن سمرة ﵁ قال: (كان وجه النبي ﷺ كالشمس والقمر مستديراً) فأكثر من الصلاة والسلام على سيدي وحبيبي رسول الله ﷺ ، الحديث خرجه مسلم عن جابر بن سمرة، كله نور، وكله جمال.
стр. 1682
محمد ﷺ أجمل من يوسف ﵇
فوالله الذي لا إله غيره، إن كان الله قد أعطى ليوسف بن يعقوب شطر الحسن -أي: نصف الحسن- فقد أعطى الحسن كله لمحمد ﷺ .
وقد يقال: إذا كان الله قد أعطى محمداً ﷺ الحسن كله فلماذا لم تتعرض له امرأة قط؟! بينما يوسف ﵇ الذي أعطى نصف الحسن قد تعرضت له النساء، بل وقطعن أيديهن انبهاراً بجماله، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف:٣٠ - ٣١].
فامرأة العزيز لما سمعت الكلام كثر في وسط المدينة، عملت وليمة للنساء وجمعتهن -من المعلوم أن كيد الشيطان ضعيف، أما كيد المرأة فعظيم: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف:٢٨] أعظم من كيد الشيطان! إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم -ودبرت خطة: بأن أعطتهن ثمرة الأترج والسكاكين ليقطعن الأترج، ثم أمرت سيدنا يوسف بالخروج عليهن، فلما رأينه انبهرن بجماله وقطعن أيديهن ولم يشعرن؛ لشدة ما رأينه من جمال يوسف ﵇.
فإذا كان هذا حال النساء مع يوسف ﵇ لأنه أعطي نصف الحسن، فمحمد ﷺ أعطي الحسن كله، فلماذا لم تتعرض له ﷺ امرأة ولم تفتن به وقد أعطي الجمال كله؟ ف
الجواب
أن الله جل وعلا حينما كسا محمداً بالجمال كسا جمال محمد بالهيبة والجلال والوقار، فما كان أحد يجرؤ على أن يملأ عينيه من نور وجه رسول الله ﷺ ، ولذلك دخل أعرابي والنبي ﷺ يتعبد لله جل وعلا فارتعد الأعرابي واصفر لونه، فإذا بالنبي ﷺ ينظر إليه ويقول له: (هون عليك يا أخي! أنا لست ملكاً من الملوك، إنما أنا ابن امرأة من قريش، كانت تأكل القديد في مكة) وهذا هو التواضع، وهو من أعظم أخلاقه ﷺ .
فالنبي ﷺ قد أعطى الحسن كله.
وكان سيدنا عمر إذا مشى في شعب سلك الشيطان شعباً آخر، فكان الشيطان يخاف منه، فما بالك بسيد الأساتذة ﷺ ؟! إذاً: كان النبي ﷺ جميلاً ولكن جماله كساه الله بالجلال والوقار، فصلى الله عليه وسلم.
وورد في صحيح البخاري: (أن النبي ﷺ كان إذا سُر -يعني: سعد وفرح فانظر إلى وجهه- فكأن وجهه قطعة من القمر)، هذه صفة وجهه ﷺ .
стр. 1683
صفة شعر هـ ﷺ
أما شعره ﷺ فليس بالجعد القطط ولا بالسبط، يعني: شعر النبي ﷺ بين النعومة والخشونة، فليس بناعم نعومه كاملة، وليس بخشن، فهو وسط بين هذا وذاك، ولقد توفاه الله وليس في شعر رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء.
روى الإمام مسلم والإمام الترمذي والإمام البيهقي والإمام الطبراني والبزار أنه (توفاه الله وليس في شعر رأسه ولحيته أكثر من عشرين شعرة بيضاء)، هذا هو شعر النبي ﷺ وقد جاء في الحديث: (شيبتني هود وأخواتها) بعض الناس يعتقد أن هناك اختلافاً؟! وليس كذلك فإن الشيب الذي ظهر في لحية ورأس النبي ﷺ عشرون شعرة أو سبع عشرة شعرة، وهي بسبب سورة هود والتكوير والزلزلة والمعارج والحاقة وق، فالنبي ﷺ شاب من آيات القرآن؛ لأن قلبه ﷺ كان يتحرك مع آيات القرآن، أما حالنا اليوم فنسأل الله السلامة.
стр. 1684
صفة عيني رسول الله ﷺ
أما عيناه ﷺ : فقد كان ﷺ أدعج العينين، يعني: شديدة السواد، وقد ورد في الحديث عن جابر بن سمرة ﵁ قال: (كنت أنظر إلى النبي ﷺ فأقول: إن النبي أكحل وهو ليس بأكحل، من شدة سواد عينيه ﷺ .
стр. 1685
صفة أنف رسول الله ﷺ وفمه
أما أنف النبي ﷺ فقد كان أقنى الأنف، يعني: طويل الأنف، دقيق الأرنبة، يعني: أرنبة الأنف وأقصى الأنف، ولم تكن ضخمة، ولكن بصورة رقيقة وجميلة وجذابة، يستحسنها كل من ينظر إليها.
أما فم النبي ﷺ فقد كان ضليع الفم، أي: كبير الفم، مفلج الأسنان، إذا تكلم رئي كالنور من بين ثناياه، فقد جاء في صحيح الإمام الترمذي من حديث ابن عباس ﵄: (كان ﷺ ضليع الفم، مفلج الأسنان، إذا تكلم رئي كالنور من بين ثناياه)، وأسنانه جميلة وليست متراكبة، وإنما بين كل سن وسن فلجة جميلة وظريفة، وهذا يدل على طيب رائحة الفم.
следующие страницы →