Полный текст (1 901 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
صفة وجه النبي ﷺ
أولاً: وجه النبي ﷺ ، ورد في الحديث الصحيح الذي خرجه الإمام البخاري عن البراء بن عازب ﵁ قال: (كان النبي ﷺ أحسن الناس وجهاً، وأحسن الناس خلقا -فالخلق غير الخُلق- ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير).
وورد في الحديث الصحيح الذي خرجه الإمام الدارمي والإمام البيهقي عن جابر بن سمرة ﵁ قال: (رأيت النبي ﷺ في ليلة الأضحيان -يعني: ليلة مقمرة- فأخذت أنظر إلى القمر وأنظر إلى النبي ﷺ فوالله لقد كان النبي ﷺ في عيني أحسن من القمر)، اللهم صلِّ عليك يا حبيبي يا رسول الله.
وفي الحديث الصحيح الذي خرجه الإمام الدارمي والإمام البيهقي والإمام الطبراني وهو عند الإمام أبي نعيم في دلائل النبوة من حديث الربيع بنت معوذ قيل لها: صفي لنا رسول الله فقالت سيدتنا الربيع بنت معوذ: (لو رأيت رسول الله ﷺ لقلت: إن الشمس طالعة) اللهم صل وسلم وبارك عليك يا سيدي يا رسول الله، هذا حديث صحيح، لو نظرت إلى رسول الله ﷺ ، وإلى وضاءة وجهه، وإلى أنوار وجهه، لقلت: إن الشمس طالعة.
وورد في الحديث الصحيح الذي خرجه الإمام مسلم من حديث جابر بن سمرة ﵁ قال: (كان وجه النبي ﷺ كالشمس والقمر مستديراً) فأكثر من الصلاة والسلام على سيدي وحبيبي رسول الله ﷺ ، الحديث خرجه مسلم عن جابر بن سمرة، كله نور، وكله جمال.
стр. 1682
محمد ﷺ أجمل من يوسف ﵇
فوالله الذي لا إله غيره، إن كان الله قد أعطى ليوسف بن يعقوب شطر الحسن -أي: نصف الحسن- فقد أعطى الحسن كله لمحمد ﷺ .
وقد يقال: إذا كان الله قد أعطى محمداً ﷺ الحسن كله فلماذا لم تتعرض له امرأة قط؟! بينما يوسف ﵇ الذي أعطى نصف الحسن قد تعرضت له النساء، بل وقطعن أيديهن انبهاراً بجماله، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف:٣٠ - ٣١].
فامرأة العزيز لما سمعت الكلام كثر في وسط المدينة، عملت وليمة للنساء وجمعتهن -من المعلوم أن كيد الشيطان ضعيف، أما كيد المرأة فعظيم: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف:٢٨] أعظم من كيد الشيطان! إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم -ودبرت خطة: بأن أعطتهن ثمرة الأترج والسكاكين ليقطعن الأترج، ثم أمرت سيدنا يوسف بالخروج عليهن، فلما رأينه انبهرن بجماله وقطعن أيديهن ولم يشعرن؛ لشدة ما رأينه من جمال يوسف ﵇.
فإذا كان هذا حال النساء مع يوسف ﵇ لأنه أعطي نصف الحسن، فمحمد ﷺ أعطي الحسن كله، فلماذا لم تتعرض له ﷺ امرأة ولم تفتن به وقد أعطي الجمال كله؟ ف
الجواب
أن الله جل وعلا حينما كسا محمداً بالجمال كسا جمال محمد بالهيبة والجلال والوقار، فما كان أحد يجرؤ على أن يملأ عينيه من نور وجه رسول الله ﷺ ، ولذلك دخل أعرابي والنبي ﷺ يتعبد لله جل وعلا فارتعد الأعرابي واصفر لونه، فإذا بالنبي ﷺ ينظر إليه ويقول له: (هون عليك يا أخي! أنا لست ملكاً من الملوك، إنما أنا ابن امرأة من قريش، كانت تأكل القديد في مكة) وهذا هو التواضع، وهو من أعظم أخلاقه ﷺ .
فالنبي ﷺ قد أعطى الحسن كله.
وكان سيدنا عمر إذا مشى في شعب سلك الشيطان شعباً آخر، فكان الشيطان يخاف منه، فما بالك بسيد الأساتذة ﷺ ؟! إذاً: كان النبي ﷺ جميلاً ولكن جماله كساه الله بالجلال والوقار، فصلى الله عليه وسلم.
وورد في صحيح البخاري: (أن النبي ﷺ كان إذا سُر -يعني: سعد وفرح فانظر إلى وجهه- فكأن وجهه قطعة من القمر)، هذه صفة وجهه ﷺ .
стр. 1683
صفة شعر هـ ﷺ
أما شعره ﷺ فليس بالجعد القطط ولا بالسبط، يعني: شعر النبي ﷺ بين النعومة والخشونة، فليس بناعم نعومه كاملة، وليس بخشن، فهو وسط بين هذا وذاك، ولقد توفاه الله وليس في شعر رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء.
روى الإمام مسلم والإمام الترمذي والإمام البيهقي والإمام الطبراني والبزار أنه (توفاه الله وليس في شعر رأسه ولحيته أكثر من عشرين شعرة بيضاء)، هذا هو شعر النبي ﷺ وقد جاء في الحديث: (شيبتني هود وأخواتها) بعض الناس يعتقد أن هناك اختلافاً؟! وليس كذلك فإن الشيب الذي ظهر في لحية ورأس النبي ﷺ عشرون شعرة أو سبع عشرة شعرة، وهي بسبب سورة هود والتكوير والزلزلة والمعارج والحاقة وق، فالنبي ﷺ شاب من آيات القرآن؛ لأن قلبه ﷺ كان يتحرك مع آيات القرآن، أما حالنا اليوم فنسأل الله السلامة.
стр. 1684
صفة عيني رسول الله ﷺ
أما عيناه ﷺ : فقد كان ﷺ أدعج العينين، يعني: شديدة السواد، وقد ورد في الحديث عن جابر بن سمرة ﵁ قال: (كنت أنظر إلى النبي ﷺ فأقول: إن النبي أكحل وهو ليس بأكحل، من شدة سواد عينيه ﷺ .
стр. 1685
صفة أنف رسول الله ﷺ وفمه
أما أنف النبي ﷺ فقد كان أقنى الأنف، يعني: طويل الأنف، دقيق الأرنبة، يعني: أرنبة الأنف وأقصى الأنف، ولم تكن ضخمة، ولكن بصورة رقيقة وجميلة وجذابة، يستحسنها كل من ينظر إليها.
أما فم النبي ﷺ فقد كان ضليع الفم، أي: كبير الفم، مفلج الأسنان، إذا تكلم رئي كالنور من بين ثناياه، فقد جاء في صحيح الإمام الترمذي من حديث ابن عباس ﵄: (كان ﷺ ضليع الفم، مفلج الأسنان، إذا تكلم رئي كالنور من بين ثناياه)، وأسنانه جميلة وليست متراكبة، وإنما بين كل سن وسن فلجة جميلة وظريفة، وهذا يدل على طيب رائحة الفم.
стр. 1686
صفة حاجب وعنق ولحية رسول الله ﷺ
أما حاجب النبي ﷺ فقد كان طويلاً ومقوساً من غير التقاء بالحاجب الآخر، وبين حاجبيه عرق يدره الغضب، إذا غضب النبي ﷺ احمر وجهه وانتفخ هذا العرق بين حاجبيه ﷺ ، وكان واسع الجبين.
أما عنقه ﷺ فكأنه إبريق من الفضة، كما قال ذلك سيدنا الحسن بن علي ﵄ فيما يرويه عن ربيب رسول الله هند بن أبي هالة وكان ابن السيدة خديجة زوجة رسول الله ﷺ ، وكان خال سيدنا الحسن، فقال له الحسن صف لي رسول الله، فقال له: (كأن عنقه إبريق من الفضة) ﷺ .
أما لحية النبي ﷺ : فكان النبي ﷺ كث اللحية، أي: وافر الشعر، وهذا أكبر دليل على أن اللحية سنة من سنن الحبيب المصطفى ﷺ ، فمن أحب النبي ﷺ فليتبعه ويتصف بصفاته وأعماله وسنته.
стр. 1687
صفة صدره وبطنه وعضلاته ﷺ
أما صدره ﷺ فقد كان صدره ﷺ عريضا، وكان عريض الكتفين، وله شعر في صدره، من صدره إلى سرته، كالقضيب من الشعر، ﷺ ، واتساع الصدر واتساع الكتفين يدل على القوة، وسواء الصدر مع البطن يعني: أنه ليست له بطن كبيرة خارجة عن حدها.
وكان ﷺ ضخم الكفين، ضخم الذراعين، وضخم القدمين، مشدود العضلات.
стр. 1688
موته ﷺ
وقد يقول بعضهم: إن النبي ﷺ لم يكن يحارب وإنما كان يترك الصحابة يقتحمون المعارك وهو قاعد وراءهم، وهذا غير صحيح، بل كان النبي ﷺ من أوائل من يقتحمون المعارك وفي أوائل الصفوف، بل كان في معركة حنين كما ورد في البخاري ومسلم: أن النبي ﷺ لما شبت الفتنة بين صفوف المسلمين أراد أن يثبتهم، فوقف وشهر سيفه في السماء يقول: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب) يكررها.
بل قال علي بن أبي طالب -كما في الحديث الصحيح المخرج عند البخاري ومسلم - يقول: (كنا إذا حمي الوطيس واشتدت المعركة اتقينا برسول الله ﷺ ، أي: نختبئ خلفه ونحتمي به.
ومرة كان علي يتكلم مع النبي ﷺ ويفتخر بقوته ويقول له: لا يوجد فارس يقدر على مصارعتي يا رسول الله! كانوا يتباهون بالقوة في الحق، وليس في ظلم العباد وفي الطغيان على خلق الله أبداً، وإنما في معارك الشرف ومعارك البطولة والفداء، فكان سيدنا علي من أعظم فرسان المسلمين، فقال له النبي ﷺ : هناك فارس وراء هذا الوادي فاذهب وصارعه، فذهب سيدنا علي فوجد في هذا الوادي فارساً ملثماً، قال له: أنت الفارس الذي أخبرني عنك رسول الله ﷺ ، قال نعم، قال له: هيا إلى النزال والصراع، فصرعه هذا الفارس وأوقعه على الأرض، قال له: الثانية، فصرعه هذا الفارس وأوقعه على الأرض، قال له: الثالثة، فصرعه وأوقعه على الأرض، قال له: والله إن الأمر ليس بأمر عادي! فكشف اللثام فوجده رسول الله ﷺ .
فالنبي ﷺ كان قوياً، بل ورد في الحديث الصحيح المخرج أيضاً عند البخاري ومسلم: أنهم وهم في المدينة سمعوا صوتاً شديداً فخرجوا بالليل، وكانت هناك نار مشتعلة، وبمجرد ما وصلوا عند هذا الصوت وجدوا النبي ﷺ قد سبقهم، فقد ركب فرس أبي طلحة من غير سرج، أي: من غير أن يكون على ظهره شيء، ثم ناداهم وقال لهم: لم تراعوا لم تراعوا، يعني: ارجعوا لا شيء، لقد أطفأها الله ، فالنبي ﷺ لم يكن جباناً ولا ضعيفاً كما اتهمه بذلك بعض المستشرقين! وقالوا: إنه كان يدفع صحابته في وسط ميادين المعارك ويتأخر! وهذا غير صحيح، بل وقف في يوم حنين وهو يقول: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب) أي: من أرادني فهأنذا، فهل هناك قوة وعظمة بعد هذه القوة وهذه العظمة؟! ﷺ .
وهذا وصف جامع لرسول الله ﷺ قاله سيدنا هند بن أبي هالة: (كان رسول الله ﷺ فخماً مفخماً، يتلألأ وجهه كتلألؤ القمر في ليلة البدر)، وهذا وصف موجز ودقيق لسيدنا رسول الله ﷺ .
стр. 1689
صفة عرقه ﷺ
أما عرق رسول الله ﷺ ، يقول سيدنا علي: كان العرق في وجه النبي ﷺ كحبات اللؤلؤ، وكان عرقه أطيب من ريح المسك، وقد ورد في الحديث الصحيح الذي خرجه الإمام مسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: (دخل علينا رسول الله في يوم شديد الحرارة، فقال عندنا رسول الله)، يعني: قضى عندنا القيلولة، (فعرق النبي عرقاً شديدا، فدخلت أم سليم تصلت العرق من رسول الله في زجاجة، فاستيقظ رسول الله، فقال لها: ماذا تصنعين يا أم سليم؟ قالت: يا رسول الله! نجمع عرقك فإنه أطيب من ريح المسك)، هذا الحديث مخرج في صحيح مسلم.
وورد في صحيح الإمام مسلم أيضاً من حديث جابر بن سمرة ﵁ أنه قال: (لقد مست يد رسول الله ﷺ خدي فأحسست ليده برداً وريحاناً، وكأن النبي ﷺ قد أخرج يده من جونة عطار)، وورد في الحديث الصحيح الذي خرجه الإمام مسلم أيضاً من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: (ما مسست حريراً ولا ديباجاً ألين من كف رسول الله، ولا شممت مسكاً ولا عنبراً أطيب من ريح رسول الله ﷺ .
وفي الحديث الصحيح أيضاً من حديث أنس بن مالك ﵁ أنه كان يقول: كان أهل المدينة يعرفون إذا مر النبي ﷺ في طريق من الطرق برائحته ﷺ .
стр. 1690
وصف أم معبد لرسول الله ﷺ
ومن أدق مَنْ وصف النبي ﷺ أم معبد، فقد مر عليها ﷺ يوم الهجرة ومعه أبو بكر وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، فمروا على خيمة أم معبد وكانوا جائعين، فأرادوا طعاماً، ولم يكن معها شيء، فاعتذرت إليهم وأن ليس إلا شاة عجفاء هزيلة ليس فيها لبن، فقال: أحضريها، فأحضرت له الشاة، وإذ بالنبي ﷺ يمسح بيديه المباركة على ظهرها وعلى ضرعها فينزل اللبن بأمر الله، وبقدرة الله المباشرة التي لا دخل فيها لعالم القوانين وإنما فيها كن فكون.
اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة يارب العالمين.
فالنبي ﷺ حلب وسقى أصحابه وشرب وترك اللبن الكثير لـ أم معبد، فانبهرت أم معبد مما رأت من النبي ﷺ وأصحابه، فعاد زوجها فرأى اللبن! فاستنكره، وقال: من أين لك هذا اللبن؟! إن هذه الشاة لا لبن فيها، قالت: لقد مر عليّ رجل مبارك سألني طعاماً وشراباً فقلت له: ليس عندنا شيء، فقال لي: هاتِ الشاة، ومسح بيده على ظهرها وعلى ضرعها فجرى اللبن الكثير! فشرب وشرب أصحابه وبقي لنا هذا اللبن! فقال لها: صفيه لي لعله أن يكون محمداً! فقالت له سيدتنا أم معبد ﵂: (رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة، حسن الخلق، مليح الوجه، إذا صمت علاه الوقار، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء، حسن المنطق، أبهى الناس وأحسنهم من بعيد، وأحلى الناس وأحسنهم من قريب، غصنٌ بين غصنين، فهو أنظر الثلاثة منظراً، له رفقاء يحفون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تثابروا لأمره)، اللهم صلاةً وسلاماً عليك يا سيدي يا رسول الله! صلاةً وسلاماً يليقان بمقامك يا أمير الأنبياء! ويا سيد المرسلين! أسأل الله ﵎ أن يجعلنا وإياكم من المتمسكين بسنة رسول الله ﷺ ، ومن المحبين لشرع رسول الله ﷺ ، ومن المنفذين لتعاليم رسول الله ﷺ ، فإن حب النبي ﷺ سلوك وعمل، وإن حب النبي ﷺ التزام بسنته، والتزام بمنهج النبي ﷺ والتزام بشرعه، فأسأل الله ﵎ أن يجعلنا وإياكم من المتمسكين بسنته ﷺ .
стр. 1691
نبوءة النبي لحصار العراق العالمي
لقد أخبر الله عن الساعة في كتابه الكريم، وأنها قريبة، ولم يحدد الله موعدها بالزمن، بل جعل لها علامات، وهي ما تسمى بعلامات الساعة الصغرى والكبرى، وقد مضى معظم علامات الساعة الصغرى؛ وفي معرفة ذلك دافع للإنسان أن يتدارك ما بقي من عمره فيعمل بطاعة الله ، كما أن عليه أن يبعث الأمل في قلبه من أن الغلبة للمؤمنين، وأن الدائرة ستدور على الكافرين المتجبرين وعسى أن يكون ذلك قريباً.
стр. 1692
من علامات الساعة الصغرى
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الأحبة الكرام! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار مقامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أيها الأحبة! نحن الليلة على موعد مع الدرس الحادي والثلاثين من دروس الإيمان باليوم الآخر، كركن خامس من أركان الإيمان بالله جل وعلا، ضمن دروس العقيدة لمعهد إعداد الدعاة، ولا زال حديثنا ممتداً بحول الله وطوله عن العلامات الصغرى للساعة، وقد توقفت في لقائنا الماضي مع العلامة السابعة والثلاثين، والتي كانت عن ذهاب الخشوع، وأود أن أذكر في عجالة سريعة بالعلامات التي تحدثنا عنها في المحاضرات الماضية، ثم أتحدث عن بقية العلامات إن شاء الله تعالى.
تكلمنا عن بعثة النبي ﷺ كعلامة من العلامات الصغرى للساعة، وعن موت النبي ﷺ ، وعن ظهور الفتن، وعن قبض الأمانة، وعن قبض العلم، وكثرة الجهل، وعن تقارب الزمان، وعن كثرة أعوان الظلمة، وعن انتشار الزنا، وعن انتشار الربا، وعن ظهور المعازف واستحلالها، وعن شرب الخمر واستحلاله، وعن كثرة القتل، وعن زخرفة المساجد والتباهي بها، وتكلمت عن التطاول في البنيان، وعن ولادة الأمة ربتها، وعن تقارب الأسواق، وعن ظهور الشرك في الأمة، وعن ظهور الفحش، وقطيعة الرحم، وسوء الجوار، وعن تشبب المشيخة، وكثرة الشح، وكثرة التجارة، وذهاب الصالحين، وارتفاع الأسافل، والتماس العلم عند الأصاغر.
وتكلمت أيضاً عن ظهور الكاسيات العاريات، وعن صدق رؤيا المؤمن، وعن كثرة الكتابة وانتشارها، وعن كثرة الكذب وعدم التثبت في نقل الأخبار، وعن كثرة شهادة الزور، وكتمان شهادة الحق.
وتكلمنا عن كثرة النساء وقلة الرجال، وكثرة موت الفجأة، وتمني الموت من شدة البلاء، ووقوع التناكر بين الناس، وأن التحية لا تكون إلا للمعرفة، وتكلمت عن اتباع سنن الأمم الماضية، وظهور الكذابين من أدعياء النبوة، وتداعي الأمم على أمة الإسلام والإيمان، وغربة الإسلام.
وتكلمت عن ذهاب الخشوع، وأواصل الحديث إن شاء الله تعالى عن بقية هذه العلامات التي أراني قد اقتربت من الانتهاء منها، فإن المدقق والممحص للأحاديث الثابتة عن الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ يقف عند هذا القدر والعدد الذي ذكرت فحسب، وإلا فمن تهاون وتساهل في ضبط وتصحيح الأحاديث ربما تصل العلامات الصغرى عنده إلى تسعين علامة أو يزيد، لكن الذي ذكرت هو الصحيح الثابت عن الصادق الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ .
стр. 1693
من علامات الساعة الصغرى عودة أرض العرب مروجاً وأنهاراً
العلامة الثامنة والثلاثون: عودة أرض العرب مروجاً وأنهاراً.
والمروج: جمع مرج، والمرج: الأرض الواسعة التي يكثر فيها الزرع والنبات، قال النبي ﷺ -كما في صحيح مسلم ومسند أحمد، واللفظ لـ أحمد من حديث أبي هريرة -: (لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً)، وفي هذا الحديث دلالة على أن بلاد العرب سيكثر فيها الماء، وسيكثر فيها الزرع، وستتحول أرض العرب الصحراوية إلى أرض خضراء، وإلى حدائق وغابات، والذي يؤيد هذا أنه قد ظهر في بلاد العرب كثير من العيون والآبار الارتوازية التي حولت كثيراً من الأرض الصحراوية إلى جنات خضراء، ومن أهل العلم من قال: إن هذه العلامة تكون في زمن عيسى ﵇ حينما تخرج الأرض بركتها، لكن المدقق الآن يرى أن كثيراً من صحراء العرب قد تحولت إلى جنات خضراء.
стр. 1694
من علامات الساعة الصغرى انحسار نهر الفرات عن جبل من الذهب
العلامة التاسعة والثلاثون: حسر نهر الفرات عن جبل من الذهب، ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب، يقتتل الناس عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون، ويقول كل رجل منهم: لعلي أكون أنا الذي أنجو)، وفي رواية في صحيح مسلم أنه ﷺ قال: (يوشك أن يحسر الفرات -أي: نهر الفرات- عن جبل من ذهب، فمن حضره فلا يأخذ منه شيئاً)، وفي رواية: (يوشك أن يحسر نهر الفرات عن جبل من ذهب، فإذا سمع به الناس ساروا إليه، فيقول من عنده: لئن تركنا الناس يأخذون منه ليذهبن به كله.
قال: فيقتتلون عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون).
ومن باب الأمانة العلمية ذكر الحافظ ابن حجر أن انحسار نهر الفرات عن جبل الذهب يكون عند ظهور المهدي ﵇، وأذكر أنني قد ذكرت لكم قبل ذلك أن جريدة الأخبار قد نشرت هذا الخبر، وربما نشرت وكالات الأنباء خبر اكتشاف جبل من الذهب في نهر الفرات في سوريا، ثم قرأت في جريدة الأهرام بعد هذا الخبر بأيام قليلة خبراً عن بعثة علمية روسية أمريكية مرسلة لدراسة هذه الظاهرة.
لا شك أن النبوءة النبوية لم تتحقق بكل جزئياتها المذكورة في الأحاديث التي ذكرت الآن، فالنبوءة النبوية تتحدث عن انحسار ماء الفرات عن جبل من الذهب، ثم الاقتتال، وسواء ظهر الجبل أو اكتشف الجبل، فإنه لم ينحسر نهر الفرات بعد، ولم يتقاتل عليه، وأنتم ترون الآن الاتفاقيات العسكرية والاقتصادية بين تركيا وإسرائيل من ناحية، وتعلمون الخلاف الشديد بين تركيا وبين العراق وسوريا من ناحية أخرى، وهذا أمر جليل، فمن المعلوم أن الحرب القادمة لن تكون حرب بترول، وهذا لا نزاع فيه، وإنما ستكون الحرب القادمة حرب مياه، فمياه المسلمين الآن تتسرب إلى إسرائيل، حتى من ماء الفرات! عن طريق الاتفاقيات والأحلاف العسكرية الجديدة بين إسرائيل وتركيا.
ولا شك أننا في انتظار بقية أجزاء النبوءة النبوية أن تحدث بمثل ما أخبر الصادق الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ ، فكما أن شطر النبوءة قد ظهر فنحن لا زلنا في انتظار أجزاء النبوءة النبوية أن تظهر بمثل ما أخبر به النبي ﵊، وهذه علامة عجيبة!
стр. 1695
من علامات الساعة الصغرى الحصار الاقتصادي على العراق
العلامة الأربعون -وأرجو أن تعيروني القلوب والأسماع جيداً- الحصار الاقتصادي على العراق، هذه علامة من العلامات التي ذكرها النبي ﷺ ، ووقعت هذه العلامة في هذه السنوات القليلة الماضية بمثل ما أخبر به النبي الصادق تماماً، وصدق ربي إذ يقول: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].
ففي الحديث الذي رواه مسلم قال: حدثنا زهير بن حرب وعلي بن حجر واللفظ لـ زهير قالا: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن الجريري عن أبي نضرة قال: كنا عند جابر بن عبد الله ﵄ فقال: (يوشك أهل العراق ألا يجبى إليهم قفيز ولا درهم.
قلنا: من أين ذاك؟ قال: العجم يمنعون ذلك، ثم قال: يوشك أهل الشام ألا يجبى إليهم دينار ولا مدي.
قلنا: من أين ذاك؟ قال: الروم -تدبر! قال في أهل العراق: العجم، وقال في أهل الشام: الروم يمنعون ذاك- ثم سكت هنيهة، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : يكون في آخر أمتي خليفة يحثو المال حثواً ولا يعده عداً) قلت لـ أبي نضرة -والقائل الجريري -: أترى أن هذا الخليفة هو عمر بن عبد العزيز؟ قال: لا.
ومن المعلوم أن عمر بن عبد العزيز ﵁ لم يكن في عهده حصار من أي نوع من الأنواع للعراق أو للشام أبداً، بل كانت العراق تشهد عزة وكرامة في أيام الخلافة الراشدة.
إذاً: هذا الخليفة الذي تحدث عنه الحديث هو المهدي ﵇ بلا نزاع.
هذا الحديث المهم الذي رواه مسلم، له حكم الرفع للنبي ﷺ ؛ لأن الصحابي لا يتكلم في أمر من أمور الغيب من عند نفسه، وإنما بكلام مسموع من الصادق ﵊.
هذا الحديث يتضمن ثلاثة أخبار من أخبار الغيب والمستقبل: الأول: حصار على العراق.
الثاني: حصار على بلاد الشام.
ومعلوم أن بلاد الشام تشتمل على: سوريا ولبنان والأردن وفلسطين، هذه البلدان يطلق عليها بلاد الشام، ولكن الاستعمار قسم ومزق وشتت الشمل، ووضع الحدود، ودق المسمار البشع الذي يسمى مسمار الحدود بين الدول الإسلامية.
الثالث: خليفة يخرج في آخر الزمان يحثو المال حثواً.
وأرجو أن تركزوا معي جيداً في أن الأحداث الثلاثة قد ذكرت في حديث واحد متوالية: حصار للعراق، وحصار للشام -وحصار الشام الآن موجود، حصار على سوريا، وحصار على فلسطين- ولاحظ أن الحديث يقول: (ثم سكت هنيهة)، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : (يخرج في آخر الزمان خليفة يحثو المال حثواً، ولا يعده عداً) فالأحداث الثلاثة متتابعة متتالية.
نعود مرة أخرى إلى كلمات الحديث: (يوشك أهل العراق ألا يجبى إليهم قفيز ولا درهم)، تعبير في غاية الدقة عما يحدث الآن للعراق، والذي يسميه الإعلام الغربي والعربي: الحصار الاقتصادي العالمي للعراق.
قوله: (يوشك أهل العراق ألا يجبى إليهم قفيز ولا درهم) القفيز: هو المكيال المعروف عند أهل العراق، وهو مكيال يكيل فيه أهل العراق الحبوب، والدرهم هو المعروف.
(يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم قفيز ولا درهم) سبحان الله! من المعلوم أن الحصار الاقتصادي إذا ضرب على بلد فإنه يمنع عن هذا البلد الطعام والميرة، لكن الحديث يقول: (ولا درهم)! وأنتم تعلمون أن أمريكا قد جمدت أموالاً طائلة للعراق بعد أحداث الكويت، فجُمد مال العراق خارج العراق في بنوك الشرق والغرب، ومنع العراق من ماله (ألا يجبى إليه قفيز) أي: لا طعام ولا شراب ولا غذاء ولا دواء، ولعل المتابع منكم قد سمع بالأمس القريب فقط تصريحاً خطيراً جداً لرئيس لجنة المساعدات الإنسانية في العراق، وهو: أن الحصار الاقتصادي على العراق طيلة السنوات الماضية يتسبب في قتل ستة آلاف شخص في كل شهر! وبكل أسف أصبحت أخوتنا الإيمانية أخوة باردة باهتة، فأصبحنا نسمع مثل هذه الأحداث ولا تتحرك جوارحنا، ولا تحترق قلوبنا؛ لأن الأخوة أصبحت باردة باهتة، لم تلفحها حرارة الإيمان بالله جل وعلا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، فإن وجدت أخوة بلا إيمان فاعلم أنها التقاء لأجل مصالح، وتبادل منافع فحسب، وإن وجدت إيماناً بلا أخوة صادقة فاعلم أنه إيمان ناقص؛ لأن الأخوة ثمرة حتمية للإيمان، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠].
هذا الحصار الظالم يتسبب في قتل ستة آلاف مسلم ومسلمة من أهل العراق في كل شهر!! قمة الظلم.
(يوشك أهل العراق ألا يجبى إليهم) قمة الدقة في التعبير، فإن لفظة (يوشك) أدق من لفظة (الحصار الاقتصادي) لماذا؟ لأن الحصار يقتضي حصر البلد المحاصر تماماً، وأنتم تعلمون أن الحصار قديماً كانت له صورة معلومة واحدة، وذلك أن كل مدينة من المدن المستهدفة كانت تحيط بنيانها بأسوار من كل ناحية، فكانت الدولة المعتدية إذا أرادت أن تحاصر مدينة من المدن جرت الجيوش الجرارة، وحاصرت هذه المدينة من جميع نواحيها، أو من ناحية، أو من ناحيتين، وفرضت حصاراً على هذا البلد فلا يدخل إليها طعام، ولا يخرج منها أحد حتى تستسلم هذه المدينة للدولة المعتدية، هذه صورة الحصار القديمة، لكن تدبر لفظة (يوشك) ولم يقل: (يحاصر)؛ لأن الحصار المفروض الآن على العراق ليس حصاراً كلياً، وإنما هو حصار مكسور من بعض الدول، ومن بعض عصابات المافيا التي تبيع الأسلحة وتسرب الطعام مقابل الأموال إلى دولة العراق عن طريق تركيا أو عن طريق سوريا أو عن طريق الأردن.
ومعلوم أن الدول الخاضعة لمجلس الأمن ولقرارات مجلس الأمن هي التي فرضت الحصار الاقتصادي على العراق، وأرجو أن تتدبر كلمة (العجم)، فحينما سئل جابر: من الذي يمنع القفيز والدرهم عن أهل العراق؟ قال: العجم، و (العجم) تطلق في لغة العرب على كل من سوى العرب، كل من سوى العرب يقال لهم: عجم.
إذاً: هذه اللفظة تفيد أن كل دول العالم -تقريباً- ستشارك في الحصار الاقتصادي باستثناء العرب، وهذا هو الموقف الرسمي فعلاً، وأنتم تعلمون أن مجلس الأمن اتخذ قرار المقاطعة بدوله الخمس الدائمة العضوية، وهي: أمريكا، وروسيا، وفرنسا، وبريطانيا، والصين.
ومعلوم أن الدول العربية تتناوب العضوية في مجلس الأمن، وكانت اليمن إذ ذاك هي العضو في المجلس، وقد اتخذت قراراً رفضت فيه الحصار الاقتصادي على العراق، فاليمن هي الدولة العربية الوحيدة التي رفضت القرار.
إذاً: اليمن هي الدولة الوحيدة في مجلس الأمن التي رفضت القرار، وكل شعوب العالم العربي تقريباً، وإن كان بعض الزعماء قد أذعنوا لقرارات مجلس الأمن، إلا أن شعوب العرب بلا استثناء لا زالوا إلى يومنا هذا يرفضون هذا الحصار، وفي اجتماع مجلس وزراء خارجية الدول العربية منذ أيام قريبة رفضوا الحصار الاقتصادي على العراق، ولا زالوا ضد تقسيم العراق، وبالفعل قد شاركت كل دول العالم -تقريباً- في فرض هذا الحصار الاقتصادي على العراق باستثناء العرب، ودعنا نقول: باستثناء شعوب العرب والمسلمين.
وعلى هذا يمكن أن يقال: إن حصار العراق أعجمي؛ لأن كل شعوب الأرض -ما عدا العرب رسمياً بمقتضى موقف اليمن في مجلس الأمن- قد شاركت في فرض هذا الحصار عن اختيار وطواعية؛ لأن مجلس الأمن يومئذ بدوله الدائمة وغير الدائمة -فيما عدا اليمن- هو الذي فرض هذا الحصار الغاشم على العراق؛ لذا يقول الحديث: (العجم يمنعون ذلك).
ومن المعلوم أنه لم يحدث في تاريخ الإسلام من قبل حصار اقتصادي على العراق بهذه الصورة أبداً.
أما الحصار الآخر: وهو حصار الشام، فتعلمون أن حصاراً فرض على سوريا من قبل حصار العراق، وأن حصاراً لا زال مفروضاً إلى الآن على فلسطين، فهذه من العلامات التي وقعت بمثل ما أخبر الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ .
ولا زلنا ننتظر الحدث الثالث في الحديث، ألا وهو: خروج الخليفة الذي يحثو المال حثواً ولا يعده عداً، وهو المهدي ﵇ كما سأبين -إن شاء الله تعالى- بالأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى.
стр. 1696
من علامات الساعة الصغرى هدنة تقع بين المسلمين وبين بني الأصفر
العلامة الحادية والأربعون -وهي في غاية الأهمية والخطورة-: هدنة تقع بين المسلمين وبين بني الأصفر، وبنو الأصفر في الحديث يراد بهم الروم، والروم هم أوروبا وأمريكا، إذا ذكر الحديث النبوي لفظ بني الأصفر أو لفظ الروم فالمراد بهم الآن: أوروبا وأمريكا، فهؤلاء هم الروم، وهؤلاء هم بنو الأصفر.
جاء في الحديث الذي رواه البخاري من حديث عوف بن مالك ﵁، وهذا الحديث قد ذكر فيه النبي ﷺ ست علامات من العلامات الصغرى، فقال ﵊: (اعدد ستاً بين يدي الساعة: موتي -أي: موت المصطفى ﷺ ثم فتح بيت المقدس)، أما العلامة الأولى فقد وقعت بموته ﵊، وأما العلامة الثانية فقد وقعت بفتح بيت المقدس في عهد عمر بن الخطاب ﵁، ففي العام الثالث عشر من هجرة النبي ﷺ فتح عمر بن الخطاب بيت المقدس، واستلم مفاتيح بيت المقدس، بعد أن حاصرت القدس الجيوش الفاتحة بقيادة أبي عبيدة بن الجراح ﵁ وأرضاه.
ثم العلامة الثالثة في الحديث: (ثم مُوتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم)، قال ابن فارس: أو كعقاص الغنم.
والقعاص أو العقاص: داء يصيب الدواب -الإبل والغنم- في الصدر أو في العنق فتهلك الدواب في الحال، قال أهل العلم جميعاً: هذه العلامة قد وقعت بطاعون عمواس الذي ابتليت به بلاد الشام، وكان من الأكابر الذين ماتوا في هذا الطاعون أبو عبيدة بن الجراح ﵁.
إذاً: موت النبي ﵊، ثم فتح بيت المقدس، (ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطاً)، وأظن أن هذه العلامة نراها الآن متحققة تماماً، قد تعطي الرجل مائة جنيه، فيقول: أتيتك من المكان الفلاني، ولا تخرج من حافظتك إلا مائة جنيه! ويظل ساخطاً عليه.
(ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته)، وأظنكم جميعاً ذكرتم أنها فتنة التلفاز والأغاني نسأل الله السلامة والعافية، ولا شك أنها فتنة عاصفة، لكن أنا لا أجزم ألبتة بأن هذا هو تفسير كلام النبي ﷺ ، إنما هو من كلام بعض أهل العلم، فالفتنة التي دخلت جميع بيوت العرب هي فتنة التلفاز، فما من بيت من بيوت العرب الآن إلا ودخلته، وهذا اللفظ خرج مني مخرج الغالب -كما يقول علماء الأصول- وإلا فإن كثيراً من بيوت أهل الفضل لم تدنس بعد بهذه الفتنة الحالكة، تدخل كثيراً من بيوت المسلمين فتسمع فيها الغناء، وترى فيها الرقص، بل وترى فيها الزنا، فهذا الذي يسمى بالدش ينقل الآن إلى بيوت المسلمين الزنا، يجلس الرجل طوال الليل ليرى الزناة والزواني على شاشة التلفاز، ويجلس الساعات الطوال، إنها فتنة عاصفة! وأنا لا أتصور أبداً رجلاً بهذه الكيفية يصلي الفجر، أو يقيم ليلاً، أو يتقي الله في عمل، أو حتى يقدر على أن يستيقظ مبكراً لعمله، إنها فتنة حالكة تريد لأبناء هذه الأمة الدمار والبوار والهلاك، لا أتصور شاباً يقضي الليل بطوله -ولست مبالغاً- أمام فلم داعر، أو فلم نجس عن طريق هذه القنوات المفتوحة، ثم بعد ذلك يصلي الفجر أو يقوم إلى عمله وهو نشيط، هذا مستحيل! هذه فتنة نسأل الله أن يطهر بيوت المسلمين منها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
اسمع إلى العلامة السادسة -وهي محل الشاهد-: (ثم هدنة) والهدنة هي المصالحة، قال: (ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر) من هم بنو الأصفر؟ الروم، من هم الروم؟ أوروبا وأمريكا بلا خلاف، (ثم تكون هدنة بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون) أي: يغدر بنو الأصفر بأمة النبي ﵊، (فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية)، والغاية: هي الراية، وسميت الراية بالغاية؛ لأنها غاية الجيش، يقول ﵊: (ثم تكون هدنة بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً) أي: من الجنود والمقاتلين.
وفي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد في مسنده وأبو داود في سننه وابن ماجة وابن حبان وغيرهم أن النبي ﷺ قال: (ستصالحون الروم صلحاً آمناً)، وأظن أن الأمة الآن في مرحلة الصلح والهدنة بلا خلاف، بل وفي مرحلة تحالفات عسكرية بينها وبين الروم من الأوروبيين والأمريكيين، وإن جيوش الأوروبيين والأمريكيين في بلاد المسلمين لمن أعظم الأدلة العملية على ما أقول الآن، أحلاف عسكرية طويلة المدى؛ بل لا أبالغ إن قلت: أحلاف عسكرية إلى الأبد! فالنبي ﷺ يوضح الهدنة في حديث آخر فيقول: (ستصالحون الروم صلحاً آمناً، ثم تغزون أنتم وهم عدواً، فتنصرون وتغنمون وتسلمون)، أي: ستعقدون معاقدات ومصالحات بينكم وبين أوروبا وأمريكا، (ثم تغزون أنتم وهم عدواً) إذاً: ستكون هناك محالفات بين المسلمين وبين الروم -أوروبا وأمريكا- وسيقاتل الروم مع المسلمين عدواً مشتركاً، لكن السنة النبوية لم توضح لنا هذا العدو المشترك، فهل هذا العدو المشترك سيكون الكتلة الشرقية روسيا والصين؟! وهل سيكون هذا العدو المشترك الشيعة في إيران؟! هذا وارد.
لكن السنة النبوية لم تحدد هذا العدو المشترك الذي سيقاتله الروم مع المسلمين.
وأقرأ عليكم نص الحديث مرة أخرى: (ستصالحون الروم صلحاً آمناً، ثم تغزون أنتم وهم عدواً، فتنصرون وتغنمون وتسلمون)، هذه المعركة التي سيحالف فيها المسلمون أوروبا وأمريكا، وسينتصر فيها هذا التحالف على هذا العدو المشترك، سواء كان هذا العدو روسيا والصين أو الشيعة، فسينتصر هذا الحلف في هذه المعركة، قال: (ثم تنصرفون حتى تنزلوا بمرج ذي تلول) انظر إلى كلام النبي الصادق! كأنه يصف أرض المعركة وهو فيها! (ثم تنصرفون حتى تنزلوا بمرج -أي: بأرض خضراء يكثر فيها النبات- ذي تلول) وصف عجيب لأرض المعركة! (فيرفع رجل من أهل الصليب صليبه) من الفريق الآخر -فريق الروم: أوروبا وأمريكا- تدفعهم النزعة العصبية: (فيرفع رجل منهم الصليب، ويقول: غلب الصليب، فيغضب رجل من المسلمين، فيقوم إليه فيدفعه -وفي رواية: فيقتله- فعند ذلك يغدر الروم، ويجتمعون للملحمة، فيأتون تحت ثمانين راية، تحت كل راية اثنا عشر ألفاً).
стр. 1697
المعركة التحالفية العالمية مقدمة حقيقية للملاحم الكبرى
الحديث السابق يبين لنا معركتين: المعركة الأولى هي: المعركة التحالفية العالمية الأوروبية الأمريكية الإسلامية، هذه المعركة التحالفية العالمية يسميها كثير من الكتاب والعلماء والمفكرين وعلماء أهل الكتاب: معركة هرمجدون، وهذه المعركة هي التي ستكون المقدمة الحقيقية للملاحم الكبرى التي سينتصر فيها المسلمون بقيادة المهدي ﵇.
نحن نريد أن تستبشر القلوب المريضة المتعبة المثقلة بالواقع المؤلم، وتستيقن أن الجولة المقبلة للمسلمين، وليس هذا رجماً بالغيب، ولا من باب تسكين الآلام، ولا تضميد الجراح، وليس من باب الأحلام الوردية، إن الجولة القادمة ستكون للإسلام، هذا كلام النبي ﵊ الذي يصف المعارك والملاحم وصفاً في غاية الدقة، ليس هذا من عندنا نحن، والذي سيهيئ النصر لهذه الأمة الضعيفة المسكينة ليس قوة المسلمين بالمقارنة إلى قوة الغرب، وإنما الذي سيهيئ ذلك هو الملك ﷻ ، الذي يقول للشيء: كن فيكون.
الحرب الأولى: التحالفية العالمية الأوروبية الأمريكية الإسلامية أظن أنها واضحة الآن، ومقدماتها واضحة، فنحن والروم الآن في صلح آمن، والمعسكر الشيوعي أو المعسكر الشرقي -الصين وروسيا- قد أبرموا معاهدات جديدة ولأول مرة في التاريخ؛ ليقع ما قاله المصطفى ﷺ .
لأول مرة في إبريل عام ستة وتسعين يزور رئيس روسيا الصين، لأول مرة تحدث اتفاق وتعاهدات وتعاقدات بين روسيا والصين قبل ثلاث سنوات فقط، وأنتم تعلمون أنه في الأسبوع الماضي فقط كان وزير خارجية روسيا يزور الصين، خذ الأعجب! والآن بدأت العلاقات الروسية الأمريكية بعد الحرب الباردة تتوتر إلى أخطر درجات التوتر، ولعل وزيرة الخارجية الأمريكية -تلك العجوز الشمطاء- قد عادت من روسيا بالأمس، وهي تجر أذيال الخيبة بعد عدم اتفاق واضح بين روسيا وأمريكا في كثير من القضايا، وعلى رأس هذه القضايا قضية العراق، وقضية السلاح النووي أمور عجيبة! اختلاف وتوتر في العلاقات الروسية الأمريكية، ومعاهدات تبرم لأول مرة بين المعسكر الشرقي: روسيا والصين.
وكما أقول دائماً: إن يد الله تعمل ونحن في غفلة، لا تظنوا أن الكون هذا متروك لعباد البقر من الأمريكان أو الملاحدة الكفرة من الروس، يدبرونه كيف شاءوا، لا ورب الكعبة، ولا تظنوا أن الله غافل عما يقع في الأرض، حاشا وكلا، إن الله يسمع ويرى، وليس أحد أغير على التوحيد وأهله من الله، وليس أحد أغير على أمة محمد من الله، ولكن الأمة -كما أكرر- ليست أهلاً للنصرة، وإلا لنصرها الله جل وعلا بزلزال أو بإعصار إلخ.
كولومبيا وقع فيها زلزال قبل يومين، هزة واحدة قتلت ألف شخص! سبحان الله! يتحدث الإعلام الغربي عما يزيد عن مائة شخص سقطوا في باطن الأرض فجأة، وأصبح أسفل الأرض فوقهم، وقع هذا في أقل من مايكرو ثانية، الله قادر على أن يدمر أهل الظلم بزلزال أو بإعصار: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ * فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة:٤ - ٨]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:١ - ٥].
إذاً: المعركة الأولى هي: المعركة التحالفية العالمية، والتي نرى مقدماتها الآن بصورة واضحة، لا تزيد المؤمن التقي إلا يقيناً في الرب العلي، وتصديقاً للحبيب النبي ﷺ .
فما يحدث الآن تطور خطير جداً، وأحداث متلاحقة بصورة غير مسبوقة! ما كنا نسمع من قبل عن مواجهة بين الصين وأمريكا أبداً، والآن نسمع، ولهجة الإعلام حادة جداً في المواجهة، حتى في إسرائيل، وأنتم تعلمون أن قادة إسرائيل كانوا يخططون لحرب، لا يأتي عام ألفين إلا وقد وقعت هذه الحرب، وأنا لا أذيع أسراراً عسكرية الآن، ولكنه كلام معلوم جداً، وما كنا نسمع عن زيادة حدة التوتر بين روسيا وأمريكا، ونراها الآن واضحة جداً، لاسيما بعد الضربة الأخيرة للعراق.
وكذلك ما كنا نسمع أبداً عن تحالف تركي إسرائيلي ثم سمعنا الآن عن تحالف تركي يهودي، ويتوجس المسلمون والعرب من هذا التحالف خيفة كما هو معلوم للجميع.
وبعدما أبادت أمريكا هيروشيما ونجازاكي، لأول مرة في التاريخ الحديث نسمع الآن عن اتفاق أمريكي ياباني، أمر عجيب جداً! وأنتم تعلمون العداء بين أمريكا وبين اليابان، ولكننا -كما يقول علماء الاستراتيجية في أمريكا وأوربا- لا ندري من ستسبق أصابعه فيضغط على زر الحرب المدمرة، والتي ستكون غالباً حرباً نووية، وستعجبون إذا قلت: إني في العشر الأواخر من رمضان كنت في أمريكا وأخبرني الإخوة هنالك عن رجل من العلماء المتخصصين ظهر على شبكة الـ ( CNN) وقال كلاماً في غاية الخطورة، أفزع أمريكا والمتابعين جميعاً، هذا الكلام أنا لا أجيد أن أنقله الآن نقلاً علمياً دقيقاً، وقد طلبت من إخواني أن يحضروه لي مكتوباً، لكنهم لم يوفقوا في ذلك، فأتيت بمقال لخص هذا الكلام الخطير في مجلة التايم الأمريكية، وهو كلام في غاية الخطورة متعلق بمسألة الكمبيوتر وعام (٢٠٠٠م)، قال: إن الكمبيوتر مبرمج إلى ما قبل عام (٢٠٠٠م)!! وأرجو ألا يفهم طالب علم من كلامي أنني أحدد زماناً لقيام هذه الحرب العالمية التحالفية النووية التي يسميها بعض العلماء بحرب هرمجدون، لا تقل: إن الشيخ قال: إن سنة (٢٠٠٠م) ستقوم الحرب، لا، لا، أنا لا أحدد زماناً، إذ لا يعلم مخلوق على وجه الأرض الزمان الذي سيكون بمثابة الإرهاصات والمقدمات لظهور المهدي، ولا حتى الساعة التي سينزل فيها المهدي، ولا متى ستقوم الساعة، إذ إن هذا كله من العلم الذي اختص به ربنا، لا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل حتى المصطفى ﷺ .
стр. 1698
هرمجدون
(هرمجدون) كلمة عبرية مكونة من مقطعين؛ المقطع الأول: كلمة (هر)، والمقطع الثاني: (مجدون).
وكلمة (هر) بالعبرية معناها: جبل.
و (مجدون): وادٍ معروف في أرض فلسطين، هذه المنطقة هي ساحة المعركة القادمة التي سيكون فيها المسلمون حلفاء للروم.
العجيب أن الحديث عن هذه المعركة بدأ الآن يظهر بصورة ملفتة للنظر، وهي -كما ذكرت- معركة نووية.
أقول: بأنه قد ظهر الآن في أمريكا حديث عن المواجهة النووية الوشيكة، تعلمون أن كل السلاح الحديث مبرمج بالكمبيوتر، لا يتحرك الصاروخ إلا بالكمبيوتر، ولا الدبابة ولا الطائرة، حتى شبكات الاتصال -الانترنت- العالمية لا تتحرك إلا بالكمبيوتر، بل حتى جهاز الفيزر أو الفليب، ومن أشهر قريبة ماضية سمعت عن تعطل الكمبيوتر -ولعل منكم من قرأ هذا الخبر عن تعطل الكمبيوتر- في الشركة المسئولة عن جهاز الفيزر أو الجهاز الفليب في أمريكا، فتعطلت كل أجهزة الفيزر في أمريكا بالكامل بتعطل جهاز الكمبيوتر.
سبحان الله! شريط دقيق جداً إذا تعطل أو حدث فيه عطل يحدث خلل في كل الأجهزة، بعض العقول تنكر أو تستنكر أن الملاحم الأخيرة التي سيقود المسلمين فيها المسيح ﵇ ستكون بالسيوف والرماح، كل الروايات المذكورة عن النبي الصادق تذكر ذلك، كيف ذلك ونحن نرى الحروب الآن تدار بالكمبيوتر ويخرج الصارخ ويصيب هدفه دون أن يتحرك معه متحرك؟! لا تتعجب إذا علمت أن الكمبيوتر هذا إن تعطل تعطلت معه كل هذه الماكينة الحديثة، وهذا لا ينكره العقل، إن الحرب الأخيرة ستكون كما أخبر الصادق الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ .
وأذكر أنني سئلت في أمريكا عن هذا السؤال، وأنتم تعلمون أن المسلم الذي تربى في أمريكا هو مسلم أمريكاني، يعني: يريد أن يقتنع بكل شيء، ويريد أن يأخذ الدليل العقلي قبل الدليل النقلي ولو كان صحيحاً.
سئلت: كيف ستكون الحرب الأخيرة هكذا ونحن نرى الماكينة الحديثة وو إلى آخره؟ قلت: يا أخي! أنا لا أعلم كيف سيكون، لكنني أعتقد اعتقاداً جازماً بصدق النبي الصادق الذي لا ينطق عن الهوى أن هذا سيكون؛ لكن كيف؟ لا أدري.
ثم جاء أحد الإخوة ليصطحبني إلى صلاة الفجر من المكان الذي أبيت فيه، وهو قريب من المركز الإسلامي، ولكنك لا تستطيع أن تخرج وتخطو خطوات من شدة البرد، وإذ بالأخ الذي جاء ليصطحبني إلى المركز الإسلامي يركب سيارة مرسيدس موديل ثمانية وتسعين، حديثة جداً، قمة الفخامة، وما أن ركبنا وبدأ يتحرك إلا ونزل ضباب حجب الرؤية تماماً حتى في داخل السيارة، والله العظيم يا إخوة، لا أقول: حجب الرؤية أمام السيارة في هذا الطريق الزراعي عندنا، لا، ضباب حجب الرؤية داخل السيارة، فما كنت أراه ولا يراني، مع أنه يضيء مصباح السيارة، نزل الضباب وخيم على الزجاج وعلى السيارة حتى لا ترى شيئاً على الإطلاق، فتوقفت كل السيارات في الشارع، قلت: سبحان الله ما هذا؟! يا فلان! ألا تذكر الذي كان يسألني منذ يومين؟ قال: نعم.
قلت: سبحان الله! ها هي السيارة موجودة، أحدث موديل، مليئة بالبنزين، يركبها القائد، وأنزل الله جندياً من عنده فعطلها في مكانها، أمر عجب! قد تكون هذه المكائن موجودة أمامك لكن تعطل؛ ليتحقق كلام الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، كيف تتعطل؟ كيفية غير معلومة، حتى العقل لا ينكر ذلك إطلاقاً، السيارة موجودة أحدث موديل، والقائد في السيارة يجيد القيادة، مليئة بالبنزين، لا يوجد سبب من الأسباب التي توقف السيارة إطلاقاً، ولكنه جندي في غير حساب البشر، قال الله : ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١] جندي في دقائق.
وسأذكركم بالخبر الذي قرأته على حضراتكم في هذا المجلس، حينما أخبرتكم بأن نجماً من النجوم قد أمطر الأرض بوابل من أشعة جاما، هذه الأشعة التي عطلت المركبات الفضائية الأمريكية تماماً؛ لأن الأمور كلها كما تعلمون كمبيوتر، أشعة معينة لخبطت البرنامج وانتهى الكمبيوتر، وقد أرعب هذا العالم أمريكا حينما قال: إن الكمبيوتر مبرمج إلى ما قبل عام (٢٠٠٠م)، هم الآن في حيص بيص، قضية خطيرة جداً، طبعاً إعلامنا مشغول بالكرة واللاعبين واللاعبات، وخيبة الأهلي البني، فإعلامنا مشغول عن مثل هذه القضايا الكبيرة والخطيرة، لكن لا يزال يحلل كيف هزم الأهلي؟ وكيف كذا؟ لكن هذه القضايا الكبيرة إعلامنا في شغل شاغل عنها، هذه قضية خطيرة وكبيرة جداً، وتشغل الآن عقول العلماء هنالك.
والأعجب من ذلك أن السلاح النووي الأمريكي والروسي موجه لبعضه البعض، هي مصيبة نسأل الله أن يخرجنا من بين الظالمين سالمين غانمين، فتنة رهيبة جداً.
الإنسان لما يفكر كيف تتم الأحداث ربما يطيش العقل والله العظيم، وأنا أعد للمحاضرة والله تعب رأسي، وعندما أطلق لعقلي العنان في التفكير أشعر بألم فأتوقف، سبحان الله، سبحان من يدبر الكون! وسبحان من يسخر الكون! ﴿قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٤].
هذه أمور علمية يا إخوة، نحن الآن لا نتكلم بأسلوب دروشة، ولا نقول رجماً بالغيب إطلاقاً، هذا كلام علمي مذكور، وستعجبون إذا علمتم أن العلماء بل والرؤساء على أعلى مستوى في العالم يعتقدون اعتقاداً جازماً في هذه الحرب المقبلة وينتظرونها، اسمع إلى ما يقول رونالد ريجن رئيس أمريكا الأسبق، الإراهابي الكبير، الذي خرج يوماً يزف إلينا نبأ ذبح ليبيا، هل تذكرون؟ الأمة تنسى! يقول: رونالد ريجن -وتدبر هذا الكلام الخطير! -: إن هذا الجيل بالتحديد هو الجيل الذي سيرى هرمجدون.
رئيس أمريكا يتكلم عن معركة هرمجدون التي ستكون بمثابة الإرهاص الحقيقي للملحمة التي هي المعركة الثانية التي ذكرتها الآن كما في حديث النبي ﵊، وسأفصلها في المحاضرة المقبلة إن شاء الله تعالى، يقول: إن هذا الجيل بالتحديد هو الجيل الذي سيرى هرمجدون.
مسألة تحديد الزمن -كما ذكرت- لا يستطيع مخلوق على وجه الأرض أن يجزم به.
ثم يقول رونالد ريجن نفسه: كل شيء سوف ينتهي في بضع سنوات، ستقوم المعركة العالمية الكبرى معركة هرمجدون أو سهل مجيدو، هذا رئيس أمريكا يتكلم عن معركة مقبلة.
ويقول: جيمس واجر المناظر النجس الذي فضح أخلاقياً، نسأل الله أن يسترنا في الدنيا والآخرة: كنت أتمنى أن أستطيع القول بأننا سنحصل على السلام، ولكني أؤمن بأن هرمجدون مقبلة، إن هرمجدون قادمة، وسيخاض غمارها في وادي مجيدو، إنها قادمة، إنهم يستطيعون أن يوقعوا على اتفاقيات السلام التي يريدون، إن ذلك لم يحقق شيئاً، ثم قال: هناك أيام سوداء قادمة.
عليهم إن شاء الله.
الكلام في غاية الخطورة يا إخوان! وهذا جيري كليب، وهو من الأصوليين المتعصبين الصليبيين، وكان من المقربين جداً لـ جرج بوش ويقال: إنه هو الذي تنبأ لـ جورج بوش بأنه سيكون أعظم رئيس في عام ١٩٨٨م، وكان جورج بوش يقرب هذا الرجل تماماً، يقول: إن هرمجدون حقيقة مركبة، ولكن نشكر الله لأنها ستكون نهاية أيام الدنيا، تقول الكاتبة الأمريكية جليس هالسن: إننا نؤمن كمسيحيين -اللفظ الصحيح الذي نؤكده كنصارى، لكن أنقل كلامها- أن تاريخ الإنسانية سوف ينتهي بمعركة تدعى هرمجدون، وأن هذه المعركة سوف تتوج بعودة المسيح الذي سيحكم بعودته جميع الأحياء والأموات على حد سواء، وتقول أيضاً: هرمجدون نووية لا مفر منها بموجب خطة إلهية.
ويقول لينبسي صاحب كتاب (نهاية أعظم كرة أرضية) -حتى الكتاب اسمه مخيف! -: لا داعي للتفكير -هذا متشائم جداً- في ديون أمريكا الخارجية، ولا في ارتفاع الضرائب، ولا في مستقبل الأجيال القادمة، فالمسألة بضع سنوات وسيتغير كل شيء في العالم جذرياً.
هذا متشائم إلى أقصى حد، يعني: يريد أن يقول: الكل يتوقف.
لكن فهمنا كمسلمين يقول النبي الكريم -كما في الحديث الذي رواه أحمد في مسنده بسند صححه شيخنا الألباني -: (إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فاستطاع أن يغرسها فليغرسها)، فالمسلم يعمل إلى آخر لحظة، ولا تقل: متى سأغرس؟ ومتى ستنمو؟ ومتى ستثمر؟ ومن سيأكل وقد قامت القيامة؟ هذا ليس من شأننا كمسلمين، إنما نحن نأخذ بالأسباب، ونعمل ونترك النتائج لمسبب الأسباب ﵎.
إذاً: معركة هرمجدون هي بداية للفتن والملاحم الكثيرة التي ستقع، وسيقود جيوش المسلمين فيها المهدي الذي هو من نسل فاطمة بنت المصطفى ﷺ ، هذه الملحمة الأخيرة الملحمة التي ستقع بين المسلمين وبين الروم حينما يغدرون، وهي ستكون -إن شاء الله تعالى- موضوع محاضرتنا المقبلة بإذن الله بعد مقدمة عن أخبار المهدي ربما تأخذ محاضرة عن المهدي، وعن صفاته، وعن علاماته، وعن الكلام الصحيح الثابت في المهدي الذي سيقود الملحمة، وأنا أتصور أن الأمة الآن، وأن الأرض الآن تهيأ لاستقبال المهدي ﵇.
أسأل الله أن يعجل بالخلافة الراشدة، وأن يتقبل منا ومنكم جميعاً صالح الأعمال، وأن يقر أعيننا وإياكم بنصرة الإسلام وعز الموحدين، وأكتفي بهذا القدر.
وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1699
الدر المنثور في الذود عن أصحاب الرسول
ما فتئ أعداء الإسلام جاهدين في حربهم على أمة الإسلام، فتارة تظهر حربهم بصورة عسكرية، وتارة تظهر بصورة فكرية، وهي أخطر وأخبث، وقد خططوا وأحكموا الخطط، لزعزعة ثوابت هذه الأمة، وأرادوا أن يختصروا الطريق بإسقاط نقلة الدين وحملته -وهم أصحاب النبي ﷺ ليسقط الدين تبعاً لذلك!
стр. 1700
حرب حقيرة ليست الأخيرة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته.
وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء، وأيها الإخوة الأحباب الأعزاء، وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا الذي جمعني وإياكم في هذا البيت المبارك على طاعته أن يجمعني وإياكم في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! الدر المنثور في الذود عن أصحاب الرسول.
هذا هو عنوان لقائنا مع حضراتكم في هذا اليوم الكريم المبارك، وسوف ينتظم حديثنا مع حضراتكم تحت هذا العنوان في العناصر التالية: أولاً: حرب حقيرة ليست الأخيرة!! ثانياً: عدالة الصحابة من القرآن والسنة.
ثالثاً: وهل يسب الخيران؟!! وأخيراً: هم القدوة فاعرفوا لهم قدرهم.
فأعيروني القلوب والأسماع، والله أسأل أن يجعلني وإياكم جميعاً ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله، وأولئك هم أولوا الألباب.
أولاً: حرب حقيرة ليست الأخيرة!! إن الصراع بين الحق والباطل قديم بقدم الحياة على ظهر الأرض، والأيام دُول كما قال الله : ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠]، والإسلام العظيم منذ أن بزغ فجره واستفاض نوره لا زال إلى يومنا هذا مستهدفاً من قبل أعدائه، الذين يشنون عليه حروباً ضارية على كل الجبهات، وفي جميع الميادين!! ومن أخطر هذه الحروب المعلنة: حرب إسقاط الرموز ابتداء من الصحابة ﵃، وانتهاءً بالعلماء والدعاة.
فهم يريدون أن يشككوا الأمة في دينها حينما يشككون الأمة في نقلة هذا الدين من الصحابة الخيرين، والعلماء العاملين، والدعاة الصادقين، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى: يريدون أن يفصلوا بين الأتباع والقيادة، فإذا تم الفصل بين القائد والأتباع تشرذمت الأمة لتصبح الأمة ذليلة مبعثرة كالغنم في الليلة الشاتية الممطرة!! ومن آخر هذه الحروب، وليست الأخيرة: ما ينشر في هذه الأيام على صفحات الجرائد والمجلات السوداء التي تعزف على وتر الجنس لإثارة الغرائز الهاجعة، ولاستجاشة الشهوات الكامنة.
هذه الحرب التي تثار الآن حرب سافرة سافلة! تشن على رموز هذه الأمة ابتداءً من الصحابة حيث نرى دفاعاً مبطناً في هذه الجرائد والمجلات على هذا الخطيب الشيعي المحترق الذي سب أصحاب النبي ﷺ سباً فظيعاً منكراً، والله يستحي اللسان العفيف أن يردد الآن لفظة واحدة مما قال!! وتعمدت ألا أعقب على هذا الشيعي المحترق إلا بعد سماع كلماته بأذني رأسي، فإنني لا أثق البتة فيما ينشر على صفحات الجرائد والمجلات؛ لأنهم يكذبون على الجميع، فما استحللت لنفسي، وما استبحت لنفسي أن أرد على هذا المجرم الوقح الذي سب أصحاب النبي ﷺ سباً منكراً إلا بعدما سمعت بأذني رأسي لهذا الرجل كلاماً يتعفف اللسان عن ذكر بعضه الآن.
стр. 1701
سر شن الحرب على رموز هذه الأمة
يُسب أصحاب النبي ﷺ !! ويشوه العلماء!! وتعلن الحرب بضراوة على رءوس الأمة؛ ليتشكك الناس في الدين!! فمن الذي نقل إلينا الدين عن رسول الله ﷺ ؟ هم الصحابة ومن سَار على دربهم من العلماء العاملين، والدعاة الصادقين.
وهذه الحرب التي تعلن الآن على الأطهار، هي التي دفعتني لأقف اليوم بين أيديكم لأذود عن حرمهم الكريم، ولأذود عن عرضهم الطاهر، لا لأرفع من قدرهم وشأنهم، فإن الذي رفع قدرهم هو الله، وإن الذي رفع شأنهم وعَدلهم هو رسول الله، وإنما أتحدث اليوم عن الصحب الأطهار لأرفع من قدر نفسي ومن قدر إخواني وأخواتي، وأتضرع إلى الله بحبنا لهم أن يحشرنا معهم، فالمرء مع من أحب يوم القيامة، بموعود الحبيب محمد ﵌.
أسأل الله جل وعلا أن يحشرنا وإياكم جميعاً تحت لواء الحبيب محمد مع الصديقين والنبيين والشهداء والصالحين، وعلى رأس الصالحين أصحاب النبي الأمين ﷺ ، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أيها الأحبة الكرام! والله لا أرى مثلاً لهؤلاء الموتورين الذين يتطاولون اليوم على هذه القمم الشماء إلا كمثل ذبابة حقيرة سقطت على نخلة عملاقة، فلما هَمَّت الذبابة الحقيرة بالانصراف قالت في استعلاء للنخلة العملاقة: أيتها النخلة تماسكي فإني راحلة عنك!! فقالت النخلة العملاقة: انصرفي أيتها الذبابة الحقيرة، فهل شعرت بك حينما سقطتِ عليَّ لأستعد لك وأنت راحلة عني؟!! هل يضر السماء أن تمتد إليها يد شلاء؟! وهل يوقف سير البواخر العملاقة الطحالب الحقيرة الفقيرة ولو اجتمعت على سطح الماء؟!! وهل يضر السحاب نبح الكلاب؟! حري بهؤلاء الموتورين أن يحطموا أقلامهم، وأن يفرغوها من مدادها العفن القذر.
حري بهؤلاء أن يعرفوا قدرهم، وأن يلزموا حدهم، وأن يعرفوا لأصحاب النبي ﷺ مكانتهم، فالصحابة هم الذين زكاهم الله، وعدلهم رسول الله، وبشروا بالجنة وهم في الدنيا، أما هؤلاء فلا يستطيع أحد منهم بل ولا منا أن يجزم لنفسه بخاتمة حسنة، نسأل الله أن يختم لنا ولكم بخاتمة التوحيد والإيمان.
أيها المسلمون الأخيار! وفقني الله وإياكم لمرضاته، وجعلني الله وإياكم ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته، اعلموا أنه لا يجوز البتة لرجل زائغ العقيدة، مريض القلب، مشوش الفكر أن يتحدث عن أصحاب النبي ﷺ ، إذ إن الحديث عن الصحب الكرام يتطلب ابتداءً صفاء في العقيدة، وإخلاصاً في النية، ودقة في الفهم، وأمانة في النقل، ونظرة فاحصة مدققة لأراجيف المبطلين والوضاعين والكذابين والمغرضين، وعلى طريقهم العلمانيين، لابد من الفحص الدقيق لكل ما تقرأ، ولكل ما ينشر عن أصحاب النبي ﷺ ، فلابد أن تعرف قدر هؤلاء ومكانتهم، فهم الجيل القرآني الفريد الذي تربى على يد من رباه الله على عينه ليربي به الدنيا هم.
الجيل الذي تربى على يد المصطفى وكفى، وكل تلميذ يقتبس في العادة من أستاذه، فلك أن تتصور كيف يكون الاقتباس إذا كان المعلم هو سيد الناس! وكل منهج تربوي يترك طابعه على طلابه الذين يتربون عليه، ولك أن تتصور كيف يكون الطابع إذا كان المنهج التربوي الذي تربى عليه أصحاب النبي ﷺ هو القرآن والسنة! إنهم صفوة الخلق بعد الأنبياء، فلقد نظر الله في قلوب أهل الأرض فوجد قلب محمد خير قلوب أهل الأرض، فابتعثه برسالته، ونظر الله في قلوب أهل الأرض بعد قلب محمد ﷺ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب أهل الأرض فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون عن دينه، وقد جاء هذا في أثر حسن رواه ابن عبد البر وأحمد من حديث ابن مسعود موقوفاً.
إنهم صفوة الخلق بعد الأنبياء، إنهم المهاجرون والأنصار، الذين حملوا دعوة النبي المختار، وصدقوا ما عاهدوا عليه العزيز الغفار، فاستحقوا -وهم في الدنيا- بجدارة واقتدار، أن يبشروا بالجنة والنجاة من النار، إنهم أصحاب النبي ﵌ الذين عدلهم ربهم، ونبيهم ﷺ ، وهذا هو عنصرنا الثاني من عناصر هذا اللقاء.
стр. 1702
عدالة الصحابة من القرآن والسنة
стр. 1703
عدالة الصحابة في القرآن
قال الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية من علم الرواية: إن عدالة أصحاب النبي ﷺ ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم.
وهي ثابتة بنص القرآن قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] والمخاطب ابتداء بهذا الخطاب الرباني هم أصحاب الحبيب النبي ﷺ ، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣] المخاطب ابتداءً بهذا الخطاب الرباني هم أصحاب الحبيب النبي ﷺ ، وهم المخاطبون بقول الله : ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٢ - ١٧٤]، وقال الله في حقهم مخاطباً نبيه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤].
وهم الذين قال الله في حقهم: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥] وهم الذين قال الله في حقهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨].
وهم الذين قال الله في حقهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١٠٠]، فقيد الله الإحسان للتابعين لهم، ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١٠٠].
وهم الذين زكاهم الله بقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٨ - ٩].
وهم الذين قال الله في حقهم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٢٩] آيات كثيرة في كتاب الله زكى الله فيها أصحاب النبي ﷺ ، ونكتفي بهذا القدر منها.
стр. 1704
عدالة الصحابة في السنة
تدبروا هذه الأوسمة والنياشين من سيد النبيين ﵌، ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﵌ قال: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).
وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: (جلس الصحابة مع رسول الله ﷺ ، وفي هذا المجلس مر الناس بجنازة، فأثنوا عليها خيراً -أثنى الصحابة على صاحب الجنازة خيراً- فقال المصطفى: وجبت.
ثم مروا بجنازة أخرى في نفس المجلس فأثنوا عليها شراً.
فقال المصطفى: وجبت.
قال عمر ﵁: ما وجبت يا رسول الله؟ قال: الأولى أثنيتم عليها خيراً فوجبت لها الجنة، والثانية أثنيتم عليها شراً فوجبت لها النار، أنتم شهداء الله في الأرض).
إن الذي يزكي ها هنا هو رسول الله ﷺ ، وليست هيئة مشبوهة علمانية أو ماسونية، بل الذي يعدل الآن هو رسول الله: (أنتم شهداء الله في الأرض).
وفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري أن الحبيب النبي ﵌ قال: (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفس محمد بيده لو أنفق أحدكم) أي: في سبيل الله (مثل جبل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)! وفي صحيح مسلم عن معاوية بن قرة عن عائذ بن عمرو ﵁ أن أبا سفيان مر على سلمان وصهيب وبلال ونفر من أصحاب النبي -أي: من الفقراء البسطاء- فلما رأوه قالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها، فسمعهم أبو بكر ﵁ فقال: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم، يدافع الصديق عن أبي سفيان، ثم انطلق الصديق فأخبر النبي ﷺ بما قال وبما قالوا، -اسمع ماذا قال المصطفى ﷺ التفت إلى أبي بكر وقال: (يا أبا بكر لعلك أغضبتهم، فوالله لئن كنت أغضبتهم فلقد أغضبت ربك ، لو أغضبت بلالاً وعماراً وسلمان فقد أغضبت ربك .
فخاف الصديق صاحب القلب الوجل الرقيق، وأسرع إلى الصحب الكريم وقال: يا إخوتاه أغضبتم مني؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أبا بكر.
وفي صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري أن الحبيب النبي ﷺ قال: (يؤتى بنوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت قومك يا نوح؟ فيقول: نعم، فيؤتى بقومه ويقال لهم: هل بلغكم نوح؟ فيقولون: لا، ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد، فيقول الله جل وعلا لنوح: من يشهد لك يا نوح؟ فيقول نوح: يشهد لي محمد وأمته -ما رأينا نوحاً وما عاصرناه، ولكنكم شهداء الله في أرض الله- يقول الحبيب ﷺ : فتدعون فتشهدون له بالبلاغ، ثم أشهد عليكم، وذلك قول الله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]) وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ رفع رأسه إلى السماء ثم قال: (النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون).
وروى الترمذي وابن حبان وأحمد والبيهقي وأبو نعيم وغيرهم -وللأمانة العلمية أقول: إن في سنده مجهولاً لكن متن الحديث ثابت صحيح كما ذكرت آنفاً- من حديث عبد الله بن مغفل أن النبي ﵌ قال: (الله الله في أصحابي! لا تتخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه).
وأرى أننا بعد هذه الآيات، وبعد هذه الأحاديث الصحيحة، لسنا في حاجة إلى مزيد بيان عن الصحب الكرام، ومع ذلك فإني مصر على أن أعطر هذا المجلس بكلمات ندية لأسد الله الغالب علي بن أبي طالب، إن الكلام من علي ﵁ في هذا الموطن له مغزى! وقبل أن أذكر كلمات علي، أود أن أحذر الأحبة جميعاً من أن ينتقصوا قدر علي ومن ألا يثبتوا له المناقب التي صحت خشية أن يقعوا فيما وقع فيه الروافض من إطراء بالباطل لـ علي، بل يجب أن نثبت لـ علي مناقبه، ونثبت لـ علي مكانته، فهو أسد الله الغالب، هو الذي قال له المصطفى يوم خيبر لما امتنعت حصون اليهود: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله)، وإلى هنا فإن الأمر عادي، كل أحد من الصحب الكرام يحب الله ورسوله، أمر طبيعي، ولكن اسمع ماذا قال النبي ﷺ بعد ذلك قال: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله)، وفي الصباح اشرأبت الأعناق، وتمنى الأبطال القيادة حتى عمر المتجرد التقي المخلص النقي يقول: والله ما تمنيت الإمارة إلا يومها، وفي الصباح وقف الأبطال على أطراف الأقدام ليراهم النبي عليهم الصلاة والسلام، وبعدما نظم النبي ﷺ الصفوف شق السكون صوت النبي ﷺ وهو يسأل عن القائد الذي سيدفع له اليوم الراية؛ ليفتح الله على يديه، فقال المصطفى: (أين علي بن أبي طالب؟ فبحثوا عن علي فلم يجدوه، فإنه كان يشتكي وجعاً في عينيه، قال: ائتوني به، فأرسلوا إلى علي، فوقف أمام النبي ﷺ ، فمسح النبي ﷺ عينيه فبرأت بإذن الله ، ودفع له الراية، وأمره أن ينطلق).
فانطلق أسد الله الغالب علي بن أبي طالب ﵁ ففتح الله على يديه حصون خيبر، وهتف الجميع بما هتف به النبي ﷺ أول يوم: (الله أكبر! خربت خيبر! إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين!).
أسأل الله أن يخرب حصون اليهود بقدرته إنه على كل شيء قدير، علي بن أبي طالب هو الذي تربى في حجر المصطفى وكفى، أول شبل من أشبال الإسلام يقف خلف النبي ﷺ يصلي ويسمع القرآن من فم رسول الله، اضطر يوماً لأن يفخر ﵁ فقال: محمد النبي أخي وصهري وحمزة سيد الشهداء عمي وجعفر الذي يمسي ويضحي يطير مع الملائكة ابن أمي وبنت محمد سكني وزوجي وسبطا أحمد ولداي منها منوط لحمها بدمي ولحمي فأيكم له سهم كسهمي اسمع ما قال علي ﵁: (سيكون بعدنا أقوام ينتحلون مودتنا، يكذبون علينا، وآية ذلك أنهم يسُبون أبا بكر وعمر ﵄ تدبر هذا الكلام النفيس أيها الحبيب الكريم.
لقد ذكروا للإمام مالك بن أنس رجلاً ينتقص بعض أصحاب النبي ﷺ فقرأ مالك بن أنس ﵁ قول الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩].
ثم قال مالك: فمن وجد في قلبه غيظاً على أحد من أصحاب رسول الله فقد أصابته هذه الآية (ليغيظ بهم الكفار) وقال الحافظ الكبير أبو زرعة ﵀: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب النبي ﷺ فاعلم أنه زنديق؛ وذلك لأن الرسول حق والقرآن الحق، وما جاء به النبي حق، والذي بلغنا ذلك كله عن رسول الله هم أصحابه) فهؤلاء يريدون أن يهدموا الصحابة ليبطلوا القرآن والسنة، فإن الذي نقل ذلك إلينا هم الصحابة، فإن شكك في النقلة الذين نقلوا إلينا عن رسول الله شككونا بعد ذلك في الدين، فهم يريدون أن يهدموا الصحابة الذين نقلوا إلينا هذا العلم؛ ليبطلوا بهذا التشكيك والتشويه القرآن والسنة، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف:٨] فوالله ما من مسلم الآن إلا وهو يعلم الحق، ويعلم الحقيقة، ويعلم من الذي يعمل لدين الله، بل ويعلم من الذي يعمل لصالح هذا البلد، ومن الذي يعمل لتقويض أساسه، ولتقويض بنيانه من القواعد، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم جميعاً من المصلحين الصالحين.
وأختم هذا العنصر بما قاله الإمام الطحاوي في عقيدته المشهورة، يبين في هذه الفقرة معتقد أهل السنة والجماعة في أصحاب المصطفى ﷺ فيقول: (ونحب أصحاب الرسول، ولا نفرط في حب أحد منهم، ونبغض من أبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، فحبهم دين وإيمان وإحسان؛ وبغضهم كفر ونفاق وطغيان).
стр. 1705
ونطق الرويبضة
أيها الحبيب الكريم! أحذر نفسي وإياك، وأذكر نفسي وإياك، فإننا نعيش زماناً تكلم فيه الرويبضات، بل أفردت الصفحات للرويبضات، بل أفردت الساعات الطوال على الشاشات وفي الإذاعات للرويبضات، هل تدري من الرويبضات؟ اسمع الجواب من رسول الله ﷺ .
روى أحمد والحاكم في المستدرك وصححه الألباني من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (سيأتي على الناس سنوات خدّاعات, يُصدق فيها الكاذب, ويُكذب فيها الصادق, ويؤتمن فيها الخائن, ويُخَوَّن فيها الأمين, وينطق فيها الرويبضة قيل: من الرويبضة يا رسول الله؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة).
والله لقد نطق التافهون، بل لقد نطق أبو الهول الذي لم يتكلم في شيء إلا في سب أصحاب النبي ﷺ ، والتشهير بالعلماء المخلصين والدعاة الصادقين، للفصل بين القيادة والأتباع لتتشرذم الأمة، ولتصبح ذليلة كسيرة مبعثرة، ليسهل على الذئاب أن يفترسوها وأن يأكلوها أكل الذئب للغنم، أسأل الله أن يقر أعيننا وإياكم بنصرة الإسلام وعز الموحدين، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 1706
وهل يسب الخيران: أبو بكر وعمر ؟!
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: وهل يسب الخيران أبو بكر وعمر؟! يَسُب هذا الشيعي الغبي المحترق أبا بكر وعمر ﵄!! بكلمات يعف اللسان عن ذكرها!! يسب أبا بكر بأقبح الألفاظ!! يسب عمر الفاروق بأشنع كلمات!! ألفاظ لا تصدر إلا من فم رجل شرب الخمر فلعبت الخمر برأسه فهو يهذي ولا يدري ما يقول!! ولكن إنا لله وإنا إليه راجعون.
стр. 1707
بعض فضائل أبي بكر الصديق
أبو بكر ذلكم الرجل الذي عاين طائر الفاقة يحوم حول حب الإيثار، فألقى له الصديق حبَ الحُبَ على روض الرضا، واستلقى الصديق على فراش الفقر آمناً مطمئناً، فرفع الطائر الحب إلى حوصلة المضاعفة وتركه هنالك، ثم علا على أفنان شجرة الصدق يغرد للصديق بأغلى وأعلى فنون المدح، وهو يتلو في حقه قول ربه ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى﴾ [الليل:١٧].
إن الأتقى هو الصديق ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:١٧ - ٢١].
إنه الرجل الذي استحق أن يكون أقرب الخلق إلى قلب رسول الله كما في صحيح البخاري من حديث عمرو بن العاص أنه قال: (يا رسول الله! أي الناس أحب إليك؟ قال عائشة قال: من الرجال؟ قال: أبوها، قال عمرو: ثم من؟ قال المصطفى: ثم عمر).
أبو بكر العملاق الذي قال في حقه المصطفى ﷺ كما في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة: (من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دعي من أبواب الجنة: يا عبد الله! هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، فقال الصديق صاحب أعلى همة في الأمة بعد نبيها: يا رسول الله! فهل يدعى أحد من هذه الأبواب كلها؟ قال المصطفى: نعم، وأنت هو يا أبا بكر).
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن المصطفى سأل أصحابه يوماً فقال: (من أصبح اليوم منكم صائماً؟ قال: أبو بكر: أنا يا رسول الله! فقال المصطفى: من عاد منكم اليوم مريضاً؟ فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله! فقال المصطفى: من تبع اليوم منكم جنازة؟ فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله! فقال المصطفى: من أطعم اليوم منكم مسكينا؟ فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله! فقال المصطفى: ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة).
стр. 1708
بعض فضائل عمر الفاروق
عمر الفاروق ذلكم الرجل العملاق الذي بركت الدنيا بزخارفها وسلطانها على عتبة داره؛ فطلقها ثلاثاً وسرحها سراحاً جميلاً، وقام ينفض يديه من علائق هذا المتاع الزائف، واستأنف سيره وسط الصحراء تحت حرارة الشمس المحرقة، تراه يجري وراء بعير قد ند من إبل الصدقة يخشى عليه الضياع، ويخشى أن يسأل عنه بين يدي الله جل وعلا يوم القيامة، أو تراه -وهو الفاروق الخليفة- منحنياً على قدر فوق نار مشتعلة ينفخ النيران تحت القدر لتنضج النيران طعمة سريعة لأطفال يتضورون جوعاً، أو تراه واقفاً أمام خيمة رجل يبكي على امرأته التي أدركها المخاض وهي لا تجد أحداً يؤنسها؛ فيسرع ليأتي بزوجة خليفة المسلمين لتقف مع هذه المرأة المسلمة حتى تضع ولدها، أو تراه يمشي في السوق يتفقد أحوال الناس فيرى إبلاً سمينة فيسأل عمر الفاروق: إبل من هذه؟ فيقولون: إبل عبد الله بن عمر، وكأن حية رقطاء قد انقضت عليه فلدغته، وأفرغت كل سمها في جوفه، فيقول: بخ بخ! إبل عبد الله بن عمر، ائتوني به، ويأتي عبد الله يرتجف ويرتعد وهو إمام الزهد والورع، فيقول عمر: يا عبد الله! ما هذه الإبل؟! فيقول ابنه إمام الزهد والورع: يا أبت! إبل كانت مريضة هزيلة، اشتريتها بخالص مالي، وأطلقتها في الحمى ترعى، وأتيت بها إلى السوق أبتغي ما يبتغيه المسلمون من الربح والتجارة.
فقال عمر في تهكم لاذع: بخ بخ يا ابن أمير المؤمنين، إذا رأى الناس إبلك قالوا: ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين! اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين، فتسمن إبلك ويربو ربحك يا ابن أمير المؤمنين، قال: عبد الله: لبيك يا أبت مرني بما شئت.
قال: بع الإبل الآن، وخذ رأس مالك، ورد الربح إلى بيت مال المسلمين! عمر الذي اشتهت زوجه الحلوى يوماً فأبى عليها يا رافعاً راية الشورى وحارسها جزاك ربك خيراً عن محبيها رأي الجماعة لا تشقي البلاد به رغم الخلاف ورأي الفرد يشقيها إن جاع في شدة قوم شركتهم في الجوع أو تنجلي عنهم غواشيها جوع الخليفة والدنيا بقبضته منزلة في الزهد سبحان موليها فمن يباري أبا حفص وسيرته أو من يحاول للفاروق تشبيها يوم اشتهت زوجه الحلوى فقال لها من أين لي ثمن الحلوى فأشريها ما زاد عن قوتنا فالمسلمون به أولى فقومي لبيت المال رديها فتلك أخلاقه كانت وما عهدت بعد النبوة أخلاق تحاكيها واسمع للمصطفى وهو يضع الأوسمة على صدر عمر الفاروق فيقول كما في سنن الترمذي من حديث ابن عمر وهو حديث حسن: (إن الله تعالى جعل الحق على لسان عمر وقلبه)، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (رأيتني وأنا في الجنة، ورأيت قصراً وإلى جواره جارية تتوضأ، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لـ عمر بن الخطاب يقول المصطفى ﷺ : فتذكرت غيرتك يا عمر فأدبرت، فلما سمع عمر ذلك من رسول الله بكى، وقال: أو عليك أغار يا رسول الله؟!).
وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (بينا أنا نائم إذ عرض علي الناس وعليهم قمص -جمع: قميص- منهم ما يبلغ الثدي، ومنهم دون ذلك، وبينما هم كذلك إذ عرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجتره -قميص يجره على الأرض-، قالوا فما أولته يا رسول الله؟ قال: الدين).
وفي الصحيحين أنه ﷺ قال: (بينا أنا نائم إذ عرض علي قدح من اللبن، فشربت حتى إني أرى الرِي يخرج من بين أظفاري، ثم أعطيت فضلتي -أي: ما تبقى من الشراب- لـ عمر قالوا: فما أولته يا رسول الله؟! قال: العلم).
وفي الصحيحين (أن عمر بن الخطاب استأذن على النبي ﷺ وعنده نسوة من قريش يكلمنه عالية أصواتهن؛ فلما سمعن صوت عمر يستأذن على رسول الله قمن يبتدرن الحجاب، فدخل عمر والنبي يضحك، فقال عمر: أضحك الله سنك يا رسول الله؟! -يعني: لماذا تضحك؟ سؤال بأدب- فقال المصطفى: أضحك من هؤلاء اللائي كن عندي، فلما سمعن صوتك قمن يبتدرن الحجاب! فقال: أنت أحق أن يهبنك يا رسول الله، ثم التفت عمر إلى النسوة فقال: أي عدوات أنفسهن! أتهبنني ولا تهبن رسول الله؟! والمرأة لا يخونها لسانها في مثل هذه المواقف فقلن: نعم؛ لأنك أفظ وأغلظ من رسول الله! فقال المصطفى ﷺ قولة عجيبة، التفت إلى عمر وقال: إيه يا ابن الخطاب! والله ما رآك الشيطان سالكاً فجاً -أي: طريقاً- إلا وتركه لك، وسلك فجاً غير فجك) فهل يسب عمر فاروق الأمة؟!! وهل يسب الخيران؟!! أسأل الله أن يجمعنا بهما في جنات النعيم.
стр. 1709
هم القدوة فاعرفوا لهم قدرهم
أخيراً: أكتفي بهذا الأثر الذي رواه أحمد بسند حسن من حديث ابن مسعود ﵁ موقوفاً عليه قال: (من كان مستناً فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ﷺ ، كانوا أفضل هذه الأمة، وأبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم).
أيها الوالد الكريم! تعلم سير الصحابة، وعَلم أبناءك سير الصحابة، لقد آن الآوان لنربوا بأبصارنا إلى هذه القمم إلى هذه القدوات إلى هذه المثل فإن شبابنا الآن قدمت له قدوات فاسدة! ومُثل هابطة! يعلمون الكثير عن هؤلاء الأقزام! في الوقت الذي لا يعلمون فيه شيئاً عن هذه القمم الشماء، وعن هؤلاء الأطهار الخيار الكرام.
تعلم سيرة أصحاب النبي ﷺ ، عُد من جديد واسمع السيرة اقرأ السيرة اجتهد أن تسأل عن سيرتهم بعد ما حرمت من صحبة أنفاسهم وأجسادهم، ورب ولدك على هذه السيرة؛ لنأخذ العبرة والعظة من ناحية، ولتتدفق من جديد في عروقنا دماء العزة والكرامة، والزهد والورع من ناحية أخرى، التي ضرب لها أروع المثل أصحاب النبي ﵌.
إننا نعيش زماناً قدم فيه التافهون ليكونوا القدوة والمثال، ونعيش زماناً قلت فيه القدوة من ناحية أخرى، آن الآوان لأن ترنوا جميع الأبصار إلى هذه القدوات الطيبة والمثل العليا.
ويجب عليك أن تغار لأصحاب نبيك إذا قرأت كلمة تنبش عرض واحد منهم، يجب عليك أن تغار، دعك من هذه السلبية القاتلة، تقرأ في جريدة أو في مجلة قذرة داعرة دفاعاً مبطناً عن هذا الشيعي المحترق الذي سب أصحاب النبي ولا تفعل شيئاً، اكتب رسالة إلى الجريدة، وعبر فيها عن رأيك، اتصل بالهاتف وعبر عن رأيك، قرأت تحقيقاً صحفياً عن شيوخك وعلمائك ودعاتك فعبر عن رأيك، اكتب خطاباً وأرسل به إلى رئاسة التحرير أو إلى المحررين، المهم أن تنكر هذا المنكر ولا تعجز، اكتب كلمات رقيقة، اكتب كلمات طيبة، ذد عن عرض هؤلاء، ذد عن شرف هؤلاء، ادفع عن عرض هؤلاء الشيوخ والدعاة والعلماء والصحابة قبل ذلك.
فهؤلاء هم رموز الأمة، لا ينبغي أن تسقط هذه الرموز، لا ينبغي أن تشوه صورهم وأن نسكت، عبر بكلمة طيبة لا نريد أكثر من ذلك، المهم أن يعلم هؤلاء الذين يكتبون عبر هذه الصفحات السوداء أن الأمة مع علمائها، وقبل ذلك مع دينها ومع نبيها ومع أصحاب رسول الله، ومع العلماء العاملين والدعاة الصادقين، لابد أن يشعر هؤلاء بهذا.
يا أخي! لا تكن سلبياً، استحلفك بالله أن تكون إيجابياً، تحرك وعبر عن القضية بكلمات رقيقة رقراقة جميلة، فإنني أقول لكم دوماً: لا تخلطوا بين مقام الدعوة ومقام القتال، فمقام الدعوة هو اللين ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل:١٢٥]، ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه:٤٤].
وهذا الذي أطالب به الآن، أدع بالحكمة وباللين، برسالة أو اتصل بالهاتف، تحدث مع مسئول إن كنت تعرفه، تحدث مع صحفي إن كنت تعرفه، نريد أن يصل كماً هائلاً من الرسائل التي تعبر عن حب هذه الأمة لدينها ونبيها وأصحاب رسول الله والعلماء والشيوخ والدعاة الصادقين؛ ليعلم هؤلاء أنهم يحرثون في الماء، أما أن نكون سلبيين إلى هذا الحد، وأن نسمع وننصرف! ونأتي لنسمع وننصرف، ولا شيء يخرج منا على الإطلاق! فهذه سلبية خطيرة، أعوذ بالله من نتيجتها بين يديه ﵎.
لا تبرر لنفسك هذه السلبية بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] صديق الأمة قرأ هذه الآية يوماً على المنبر فقال: إنكم تقرءون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك الله أن يعمهم جميعاً بعقاب من عنده)، وقال في رواية أخرى: (إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده) أسأل الله أن يقر أعيننا وإياكم بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم احشرنا في زمرة نبيك الكريم، وصحبه المباركين، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويلقى به في جهنم، ثم أعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1710
الشيعة والسنة
من شر البدع التي أحدثت في الإسلام بدعة الشيعة الرافضة؛ إذ أن وراءها أيدٍ مدسوسة خبيثة كابن سبأ اليهودي الذي كان هدفه إفساد الإسلام.
ولهؤلاء القوم عقائد فاسدة منحرفة عن دين الإسلام، بل عن العقل السليم، كعقيدة الإمامة، وعصمة الإمام، وعقيدة التقية والرجعة والبداء، فيجب الحذر والتحذير منهم، ومن عقائدهم الفاسدة.
стр. 1711
معتقد الشيعة والرافضة في الإمامة والأئمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً -أيها الأحبة الفضلاء! - وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً.
وأسأل الله جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى، في جنته ودار مقامته؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! لا زلنا نواصل حديثنا في دروس العقيدة عن الركن الخامس من أركان الإيمان بالله جل وعلا، ألا وهو الإيمان باليوم الآخر، ولا زال حديثنا متواصلاً وممتداً أيضاً عن الفتن التي أخبر النبي ﷺ عن وقوعها بين يدي الساعة، كعلامة من العلامات الصغرى.
وقد تحدثت قبل عن فتنة الخوارج وعن فتنة الروافض، وأختم اليوم الحديث -إن شاء الله تعالى- عن الروافض؛ وقد كنت بينت معتقد الشيعة الروافض في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة رسول الله ﷺ ، وسوف أجمل في هذا اليوم معتقد الشيعة الروافض في عقائدهم الأخرى التي شذوا بها عن أهل السنة والجماعة، وسأتحدث عن الشيعة الروافض في نقاط محددة، وسأبين أولاً: معتقدهم في الإمامة.
ثانياً: في عصمة الإمام.
ثالثاً: في التقية.
رابعاً: في الرجعة.
خامساً: في البداء.
سادساً: في الغيبة.
وأكون بذلك -ولله الحمد- قد بينت معتقد الشيعة مجملاً، ولن أتوقف فيما يخالف فيه الشيعة أو الروافض أهل السنة في المسائل الفقهية، وإلا لاحتجنا إلى عشرات المحاضرات بلا مبالغة، وإنما يكفي أن أبين مجمل معتقد القوم؛ ليكون كل مسلم على بصيرة، وهذا الكلام لا يستغني عنه مسلم أو مسلمة، لا سيما ونحن نعلم يقيناً أن الروافض والشيعة قد انتشرت انتشاراً ساحقاً الآن في الأرض، نسأل الله أن يثبتنا على الحق، وأن يتوفانا عليه؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وأرجو أن تركزوا معي في هذا الموضوع الذي سأنهي به الحديث -إن شاء الله تعالى- عن الروافض أو الشيعة، وسيتبين للجميع مجمل معتقد القوم، بعدما وقفنا على معتقدهم في القرآن وفي سنة النبي ﵊.
أولاً: معتقد الشيعة أو الروافض في الإمامة: تحدثت قبل عن مجمل معتقد الشيعة أو عن إشارات في معتقد الشيعة أو الروافض في الإمامة، والإمامة لها -عند الشيعة أو عند الروافض- مفهوم خاص، ينفردون به عن سائر المسلمين على ظهر الأرض، فهم يتعقدون أن الإمامة منصب إلهي كالنبوة تماماً، فكما أن الله سبحانه يختار من يشاء من عباده للنبوة والرسالة، ويؤيده بالمعجزات التي تبين أن هذا النبي أو الرسول مرسل من عند الله جل وعلا، فهم يعتقدون كذلك أن الله ﵎ كما يختار الأنبياء والرسل يختار الأئمة، ويأمر الله نبيه بالنص على الإمام، وأن ينصبه -أي: النبي ﷺ إماماً للناس من بعده.
هذا كلام الشيعة أو الروافض في قضية الإمامة، فهم لا يفرقون بين الرسول والنبي والإمام تفريقاً ظاهراً.
وتدبر معي -مثلاً- هذا النص من كلام الكليني في (الكافي) في كتاب الحجة، في باب: الفرق بين الرسول والنبي والمحدث، المجلد الأول (ص:١٧٦)، يقول: أما الفرق بين الرسول والنبي والإمام عندهم، فقد سئل الرضا: ما الفرق بين الرسول والنبي والإمام؟ فقال: الفرق بين الرسول والنبي والإمام أن الرسول هو الذي ينزل عليه جبريل فيسمع -أي: الرسول ﷺ كلامه ويراه -أي: يرى جبريل ﵇ وينزل عليه الوحي، وأما النبي ﷺ فهو الذي ينزل عليه جبريل فيراه ولا يسمع منه -وهذا تقسيم عقيم جداً- وأما الإمام فهو الذي يسمع الكلام ولا يرى جبريل ﵇.
وهذا النص لا شك أنكم تقفون من خلاله على أنهم لا يفرقون إطلاقاً بين الرسول والنبي والإمام في قضية نزول الوحي، فهم يرون نزول الوحي على الإمام كنزوله على النبي والرسول، فهم يقرون بأن الإمام من أئمتهم هو الذي يسمع الوحي من جبريل ﵇، ولكنه لا يراه رأي العين.
مع أن هناك روايات تؤكد تحقق رؤية الإمام للملائكة، حتى قال عالمهم الشهير المجلسي الذي عقد في (البحار) -الكتاب المشهور الذي نقلت عنه كثيراً- باباً بعنوان: باب أن الملائكة تأتيهم -أي: تأتي الأئمة- وتطأ فرشهم، وأنهم يرونهم.
أي: وأن الأئمة يرون الملائكة.
стр. 1712
منزلة الإمامة والأئمة عند الشيعة والرافضة
بل وستعجبون إذا ذكرت لكم بأن منزلة الإمامة عند الشيعة قد تجاوزت منزلة النبوة، ويكفي أن تقف فقط -بإيجاز شديد جداً- مع بعض عناوين الأبواب في كتاب (الكافي) أو (البحار) للمجلسي، أو في كتاب (الشيعة وأصولها)، أو (البرهان) كتفسير من التفاسير أو في أي مرجع من مراجعهم؛ لتقف على أن الإمامة عندهم إنما هي في منزلة أعلى من منزلة النبوة، وتدبر معي بعض هذه العناوين من كتاب (البحار) للمجلسي: يقول في فضائل الأئمة: باب: أنهم أعلم من الأنبياء ﵈، وروى في هذا الباب ثلاثة عشر حديثاً.
وفيه: باب بعنوان: تفضيل الأئمة على الأنبياء وعلى جميع الخلق.
وفيه: باب: أن دعاء الأنبياء استجيب بالتوسل والاستشفاع بالأئمة.
يعني: ما استجاب الله دعاء الأنبياء إلا لأن الأنبياء توسلوا واستشفعوا إلى الله بالأئمة.
وفيه: باب: أنهم يقدرون على إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وجميع معجزات الأنبياء.
وفيه: باب: أنهم لا يحجب عنهم علم السماء والأرض، والجنة والنار، وأنه عرض عليهم ملكوت السماوات والأرض، ويعلمون علم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وروى في هذا الباب اثنين وعشرين حديثاً.
وفيه: باب: أنهم يعرفون الناس بحقيقة الإيمان وحقيقة النفاق، وعندهم -أي: عند الأئمة- كتاب فيه أسماء أهل الجنة، وأسماء شيعتهم وأعدائهم، وروى في هذا الباب أربعين حديثاً.
وفيه: باب: أن الأئمة إذا شاءوا أن يعلموا علموا.
وفيه: باب: أن الأئمة يعلمون متى يموتون، وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم.
وفيه: باب: أنهم لا يحجب عنهم شيء من أحوال شيعتهم، وما تحتاج إليه الأمة من جميع العلوم، وأنهم يعلمون ما يصيبهم من البلايا، ويصبرون عليها، ولو دعوا الله في دفعها لأجيبوا، وأنهم يعلمون ما في الضمائر، وعلم المنايا والبلايا، وفصل الخطاب والمواليد، وذكر في هذا الباب ثلاثة وأربعين حديثاً.
هذا نقلاً عن (البحار) للمجلسي المجلد رقم (٢٦) ابتداء من (ص:١٣٧ إلى ١٥٣)، وهذا كله عناوين أبواب، ولو سردت بعض الأحاديث المروية تحت هذه الأبواب لسمعتم العجب العجاب، ويكفي فقط أن نقف مع رءوس هذه العناوين، وأختم بهذا الباب الذي يقول فيه: إن عند الأئمة اسم الله الأعظم، وبه -أي: بهذا الاسم- يظهر منهم الغرائب.
هذه أمثلة لما يصفون به أئمتهم، وهي دعاوى في غاية الغرابة، وتحتاج إلى رجل صاحب عقل فقط؛ ليقف على بطلانها وعلى ضلالها، فهم يخرجون الأئمة -بمثل هذه الروايات والنصوص- من منزلة البشرية إلى منزلة النبوة، بل إلى مرتبة الألوهية، فهم يدعون أنهم يعلمون ما في الغيب، ويعلمون مكنون الضمائر، بل ويعلمون ما تحتاج إليه الأمة، بل ويعلمون ما في قلوب الناس، فيعلمون أن هذا مؤمن وأن هذا منافق، وهذا كله علم خاص بالله، لأنه متعلق بألوهية الرب، فلا يعلم الغيب إلا الله، بل لقد ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى فقال: إن رءوس الطواغيت في الأرض خمسة -ومعلوم أن الطاغوت صيغة مشتقة من الطغيان، فالطاغوت هو: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع- منها: الشيطان، وهو الطاغوت الأكبر الذي زين للناس عبادة الطاغوت من دون الله جل وعلا، وما بعث الله نبياً ولا رسولاً إلا وقد أمر هذا النبي والرسول قومه أول ما أمر أن يكفروا بالطاغوت ويؤمنوا بالله؛ إذ لا يصح إيمان إلا بالكفر بالطاغوت ابتداء، ثم بعد ذلك بالإيمان بالله جل وعلا، فقدم الله الكفر بالطاغوت على الإيمان به سبحانه، فقال: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٥٦].
ثم قال: ثم الحاكم المغير المبدل لشرع الله، ثم الذي يحكم بغير ما أنزل الله وهو يعلم، ثم الذي يدعي علم الغيب من دون الله جل وعلا، فمن ادعى علم الغيب من دون الله فهو طاغوت من الطواغيت، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! فهم يخرجون الأئمة بمثل هذه الروايات والنصوص من مرتبة الإمامة ومرتبة النبوة إلى مرتبة لا يمكن أبداً أن تنسب مثل هذه المرتبة إلا لله ﵎، وهذه الروايات هي -في الحقيقة- الأرضية والقاعدة والمنطلق للأفكار الباطنية المنتشرة الآن في الأرض، وهذه الدعاوى الخطيرة باب للزندقة والإلحاد، إذ لم يقلها نبي مرسل ولا ملك مقرب، وهي محاربة لله جل وعلا ولرسوله ولكتابه ولدينه وللمسلمين.
стр. 1713
اعتقاد الشيعة والرافضة في قبور أئمتهم
ومكمن الخطر أن هذه المزاعم قد انتقلت لتتحول إلى ترجمة عملية واقعية في دنيا الناس، فهم يلوذون الآن بقبور أئمتهم، ويفعلون بها ما لا يصدقه عاقل، بل لقد اعتبر الروافض أن أماكن قبور أئمتهم أماكن مقدسة، كالحرم في مكة ومسجد رسول الله ﷺ في المدينة، وتدبر معي ما قال في (الوافي): إن الكوفة حرم الله وحرم رسوله ﷺ وحرم أمير المؤمنين، وإن الصلاة فيها -أي: في الكوفة- بألف صلاة، والدرهم فيها بألف درهم.
انظر إن شئت كتاب (الوافي) باب: فضل الكوفة ومساجدها، المجلد الثاني (ص:٢١٥).
ويروون عن الصادق: أن لله حرماً هو مكة، ولرسوله حرماً هو المدينة، ولأمير المؤمنين -أي: علي - حرماً هو الكوفة، ولنا حرماً وهو قم.
وقم: بضم القاف وتشديد الميم، مدينة مقدسة في إيران، وقالوا: إنها ما استمدت قداستها إلا من قبر فاطمة بنت موسى بن جعفر الصادق، وموسى بن جعفر الصادق هو إمامهم السابع من الأئمة الإثني عشر!! وكربلاء -وهي الموطن الذي قتل فيه الحسين ﵁ وأرضاه- عندهم أفضل من الكعبة، ففي كتاب (البحار) للمجلسي، الجزء الأول (ص:١٠٧) عن أبي عبد الله أنه قال: إن الله أوحى إلى الكعبة: لولا تربة كربلاء ما فضلتك، ولولا من تضمنته أرض كربلاء ما خلقتك، ولا خلقت البيت الذي به افتخرت، فقري واستقري، وكوني ذنباً متواضعاً ذليلاً مهيناً غير مستنكف ولا مستكبر لأرض كربلاء، وإلا سخت بك وهويت بك في نار جهنم!! وزيارة قبور الأئمة أفضل عندهم من حج بيت الله الحرام، كما في (الكافي) أتى رجل أبا عبد الله فقال له: إني رجل قد حججت تسعة عشر حجة، فادع الله لي أن يرزقني تمام العشرين، فقال له: هل زرت قبر الحسين ﵁؟ قال: لا، فقال له: لزيارته خير من عشرين حجة.
وجاء هذا أيضاً في الوافي المجلد الثاني (ص: ٢١٩).
وقد يقول قائل: يا أخي! أنت تزعم أو تذكر بأنهم يتوسلون بقبور أئمتهم، وهذا أيضاً موجود عند أهل السنة؟ فأقول: نعم، لا أنكر، ولكن الفارق الكبير بين ما عليه الشيعة أو الرافضة وما عليه أهل السنة: أن الشيعة يفعلون ذلك بقبور أئمتهم كمعتقد، لكن ما يفعله بعض أهل السنة عند قبور الصالحين إنما يفعل من خلال الجهل، وليس من خلال المعتقد، ولو تبين للناس الحق لأذعنوا للحق، ولذلك أنا أوصي شبابنا أنه لا ينبغي أن يتعجل بالحكم بالتكفير على من يذهب إلى قبور الصالحين والأولياء في بلادنا، ولا ينبغي أن نتعجل بإصدار حكم التكفير على أمثال هؤلاء؛ لأن جل هؤلاء لا يعلم الحق، ولم يتعلم، ولم تقم عليه الحجة.
وقد يقول قائل: إن الحجة قد قامت عليهم.
فأقول: هناك فرق بين نوعين من أنواع الحجة: بين الحجة الرسالية العامة، التي أقيمت ببعثة النبي على الناس جميعاً، وبين الحجة الرسالية الخاصة، لا سيما وأن كثيراً من هؤلاء يرى أناساً ممن يشار إليهم بالبنان على أنهم من العلماء -والذين تنقل محاضراتهم ودروسهم من أمثال هذه المساجد، بل حتى من علماء الحديث- يذهبون إلى مثل هذه الأماكن، فيغتر الناس بهذا العمل، فإن جاء واحد مثلك أو مثلي ليذكر الناس ربما التبس عليهم الأمر، فلا ينبغي أن نحكم عليهم بكفر إلا بعد أن نقيم الحجة عليهم، وشتان شتان -يا أيها الشباب- بين إقامة الحجة وفهم الحجة، فإن أقمت الحجة فواجب عليك أن تفهم من أقمت الحجة عليه حجتك، وإلا فما أقمت الحجة عليه، وأرجو ألا يفهم مخلوق من كلامي هذا أنني أقول: إنك لا تنكر على من رأيته يطوف بقبر من القبور، لا، فالفعل فعل شرك، ولكن لا ينبغي أن يتسرع في إطلاق الأحكام التكفيرية، وأنا وضحت قبل ذلك أنه ليس كل من فعل الشرك يحكم عليه بالشرك المطلق، وليس كل من قال الشرك يحكم عليه بالشرك المطلق، فقد يقول الرجل قولة الكفر وليس بكافر، وقد يفعل الرجل فعل الكفر ولا يحكم عليه بالكفر المطلق المخرج من الملة، وهذا أصل كبير من أصول أهل السنة، ينبغي أن لا نتجاهله أو نغفل عنه، حتى لا نقع في هذا المحظور؛ فلأن أخطئ في عدم تكفير مسلم أحب إلي من أن أخطئ في تكفيره، فلن يسألني الله يوم القيامة: لمَ لم تكفر فلاناً؟ وإنما سيسألني: لمَ كفرت فلاناً؟ فالله الله في التعجل في إصدار الأحكام على خلق الله.
ومن أعجب وأروع ما قرأت في حياتي ما قاله الشيخ محمد بن عبد الوهاب -الذي يتهم بأنه من أكبر من كفر في عصرنا الحديث، وهو والله بريء- في كتاب: (الدرر السنية) -وهو كتاب ماتع طيب قيم- قال بالحرف: وإن كنت لا أكفر من يطوف حول الصنم الذي على قبر البدوي، فكيف أكفر من هو دونه؟! هذا كلام في غاية النفاسة، فلا ينبغي أن نتعجل بإصدار الأحكام بالتكفير والتفسيق والتبديع على الناس إلا بعد أن نقيم الحجة عليهم، وبعد أن يفهم الناس الحجة التي أقيمت عليهم، فشتان شتان بين إقامة الحجة وبين فهم الحجة، وليتنا تحركنا إلى الناس لنعلمهم التوحيد الخالص، بدلاً من أن نجلس في مساجدنا وبيوتنا لنكتفي بإصدار الأحكام عليهم فقط، وما أروع قول الشافعي ﵀ إذ يقول: والله! ما ناظرت أحداً إلا ودعوت الله أن يكون الحق معه.
فتحرك إليه وأنت تتمنى من الله أن يفتح الله صدره للهداية وللسنة، ونسأل الله أن يرد أهلنا وآباءنا ونساءنا وأمهاتنا إلى الحق رداً جميلاً؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وأنا أقول هذا الكلام من باب تجربة عملية خضتها أنا بنفسي، فإنني أعلم أسماء مجموعة من آبائنا الكرام ممن كانوا يأخذون في كل عام أكثر من رأس جاموس، ويذهبون به إلى قبر الشبراوي في القاهرة، وأحدهم -أعرفه جيداً- فقير لا يجد لقمة الخبز، لكنه يأخذ النذر في كل عام لولي من الأولياء على حد زعمه، وهو الآن -ولله الحمد والمنة- من أهل السنة، ويصلي خلف إمام من أهل السنة، وهذا فضل الله جل وعلا، ولما أقمت عليه الحجة وبينت له، كاد والله أن يصعق؛ لأن الرجل ما سمع مثل هذا، واحتج علي ببعض الرموز الدعوية العلمية المشهورة المعروفة، فلما تبين له الحق أذعن للحق، فشتان شتان بين أن يذهب رجل يتوسل بصاحب القبر وهو يعتقد فيه اعتقاداً جازماً، وبين رجل يقول: أنا ما أذهب إلى هذا القبر إلا لأتقرب إلى الله جل وعلا، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأنا ما أفعل هذا إلا من باب القربى، فلما تبين له أن هذا الفعل من أفعال الشرك ومن أفعال الكفر، وأنه لا ينبغي أن تسأل إلا الله، وألا تستغيث إلا بالله، وألا تلجأ إلا إلى الله، وألا تنذر إلا لله، وألا تذبح إلا لله، وألا تسأل إلا الله إلخ.
وأعطي له الدليل بأدب ورحمة وحكمة وتواضع شرح الله صدره للحق، أسأل الله أن يثبتنا على الحق.
والقصد: أن الرافضة فهم يعتقدون أن زيارة قبر إمام من أئمتهم أفضل من حج بيت الله الحرام، وأنا أسأل: هل يوجد من جهال المسلمين من يعتقد ذلك؟
الجواب
لا، والله! ولا أقول ذلك على سبيل المجاملة للمسلمين ولإخواننا، فإني والله! لا أرى جاهلاً من جهال المسلمين يعتقد أن زيارته لقبر السيد البدوي -مثلاً- أفضل من أن يحج بيت الله الحرام، ومن أن يزور مسجد النبي عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، لا، ثم لا، ثم لا.
стр. 1714
عقيدة الشيعة والروافض في عصمة الأئمة
أيضاً أيها الأحبة الكرام! هم يعتقدون عصمة الأئمة، فالعصمة -عندهم- ليست للنبي ﷺ فحسب، بل هي كذلك للإمام، وهذه قاعدة أساسية من قواعد معتقد الروافض أو الشيعة، يقول شيخهم المجلسي في عصمة الأئمة ﵈ من الذنوب صغيرها وكبيرها: فلا يقع منهم ذنب أصلاً لا عمداً ولا نسياناً ولا لخطأ في التأويل، ولا لسهو من الله، يعني: لا ينزل الله على أحدهم سهواً.
وهذا الكلام موجود في كتاب (البحار) للمجلسي المجلد الخامس والعشرين (ص:٢١١) وكذلك في أوائل المقالات، وفي غيرها من المراجع المعتمدة عند الروافض أو الشيعة.
وإذا كان أهل السنة يرون أن الأمة معصومة بكتاب ربها وسنة نبيها ﷺ ، فإن الروافض أو الشيعة يرون أن الأمة معصومة من الضلال بالإمام؛ لأن الإمام كالنبي؛ ولأن الإمامة هي استمرار للنبوة كما ذكرت.
ومن أخطر الآثار العملية لدعوى العصمة: أنهم يعتبرون ما يصدر عن أئمتهم الإثني عشر كقول الله ورسوله، كما بينت ذلك قبل.
стр. 1715
عقيدة الشيعة والروافض في التقية
ثالثاً: بعد ما بينت معتقدهم في الإمامة، وبعد ما بينت معتقدهم في عصمة الإمام بإيجاز، أبين معتقدهم في التقية: التقية: معتقد من معتقدات الروافض أو الشيعة، فما هي التقية من خلال تعريفهم هم، لا من خلال تعريف أهل السنة؟ التقية عند الروافض أو الشيعة هي: كتمان الحق، وستر الاعتقاد فيه، ومكاتمة المخالفين، وترك مظاهرتهم بما يترتب عليه الضرر في الدين أو الدنيا.
وهذا الكلام موجود في كتاب (البحار) للمجلسي؛ وهو عالمهم الكبير، (ج٢٥/ ٣٥١).
يعني: إن قال كلمة تبين له أنه قد ينتج عنها ضرر له في دينه أو في دنياه فمن معتقدهم أن يخفي ما يعتقده، وأن يظهر شيئاً آخر، وهذا ما يسمى عندهم بالتقية.
قال أحد علمائهم المعاصرين وهو محمد جواد مغنية في كتابه: (الشيعة في الميزان) (ص:٤٨) يعرف التقية بقوله: التقية أن تقول أو تفعل غير ما تعتقد؛ لتدفع الضرر عن نفسك أو مالك أو لتحتفظ بكرامتك.
والتقية في الإسلام معلوم أنها رخصة، وليست عقيدة، كما قال : ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]، فللعبد أن يتقي وأن يظهر بلسانه ما ليس في قلبه؛ لأن هذه رخصة، فإن تعرض للإيذاء أو للضرر البالغ أو للهلاك فلا حرج عليه حينئذ -ما دام قلبه مطمئناً بالإيمان- أن يظهر خلاف ما يعتقد، كما فعل عمار بن ياسر رضوان الله عليه وعلى أبيه.
فالتقية أساس وعقيدة من عقائد الروافض والشيعة، ومن ركائز معتقدهم، بل ربما غالى الروافض في أمر التقية، حتى قالوا: إن تسعة أعشار الدين في التقية، بل وقالوا: لا دين لمن لا تقية له.
وهذا موجود في كتاب (الكافي) المجلد الثاني (ص:٢٧٢).
ومن العجيب أنهم يجعلون تارك التقية ومن لم يأخذ بها خارجاً من الدين بالكلية، كما روى الكليني عن أبي جعفر، والعجيب أن أبا جعفر مولود سنة ٥٧ هـ، يعني: مولود في عصر عز الإسلام الذي لا يحتاج فيه المسلمون إلى تقية، فهم ينسبون إليه ذلك وهو بريء، كما ذكرت قبل ذلك مراراً، يقول: التقية من ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقية له!
стр. 1716
عقيدة الشيعة والرافضة في الرجعة
رابعاً بإيجاز شديد: الرجعة، وهذا معتقد من معتقد الروافض أو الشيعة، والرجعة هي: رجعة كثير من الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة، سواء كان هؤلاء الذين يرجعون إلى الدنيا من الصالحين أو حتى من الفاسدين، هذا معتقد عند الروافض، فإنهم يعتقدون بأن أناساً سيرجعون إلى الحياة الدنيا بعد موتهم قبل يوم القيامة، والراجعون إلى الدنيا -كما يعتقدون- فريقان: أحدهما: من علت درجته في الإيمان.
والآخر: من بلغ الغاية في الفساد.
وهذا موجود في كتاب المفيد (أوائل المقالات) (ص:٩٥)، فقد ذكر أنهم يعتقدون أن الذين يرجعون إلى الدنيا ينقسمون إلى فريقين: الأول: هو من علت درجته في الإيمان، والثاني: من بلغ الغاية في الفساد.
وزمن الرجوع عندهم هو عند قيام مهدي آل محمد ﵈.
وعقيدة الرجعة من أصول المذهب الشيعي، فمن رواياتهم العجيبة جداً أنهم يقولون: ليس منا من لم يؤمن بكرتنا.
يعني: برجعتنا.
وهذا موجود في كتاب (من لا يحضره الفقيه) لـ ابن بابويه القمي المجلد الثاني (ص:١٢٨)، وموجود في كتاب (الوسائل) للحر العاملي المجلد السابع (ص:٤٣٨)، وموجود في تفسير (الصافي) المجلد الأول (ص:٣٤٧).
ويقولون مرة أخرى: ليس منا من لم يؤمن بكرتنا.
فالروافض والشيعة مجمعون على اعتقاد الرجعة.
ويقول المفيد عالمهم المشهور: اتفقت الإمامية على وجوب رجعة كثير من الأموات.
ويقول الحر العاملي: إنها موضع إجماع جميع الشيعة الإمامية، ويقول: إنها من ضروريات مذهب الإمامية، ويقول: إننا مأمورون بالإقرار بالرجعة واعتقادها، وتجديد الاعتراف بها في الأدعية والزيارات، وفي يوم الجمعة، وفي كل وقت، كما أننا مأمورون بالإقرار في كثير من الأوقات.
وهذا أمر عجيب! حيث يعتقدون أنهم لابد أن يكرروا ويؤكدوا مسألة الرجعة -كما قال: وفي كل وقت! - يقول: كما أننا مأمورون بالإقرار في كثير من الأوقات أن نؤكد قضية التوحيد والنبوة والإمامة والقيامة.
وهذا الكلام موجود في كتاب (الوسائل) للحر العاملي (ص:٦٤)، وكذلك موجود في كتاب (أوائل المقالات) للمفيد وهو من أكابر علماء الشيعة كما ذكرت.
إذاً: الرجعة معناها أنهم يعتقدون برجوع بعض الأموات، سواء من المؤمنين ممن بلغوا درجة عالية في الإيمان، أو ممن وصلوا إلى الحضيض في الفساد والفسق.
стр. 1717
عقيدة الشيعة والروافض في البداء
خامساً: البداء، وهذا معتقد خبيث من معتقد الروافض، والبداء -كما ورد في قواميس اللغة-: بدا بَدْواً وبُدُوّاً وبَدَاءة يعني: ظهر، يقال: بدا لي، أي: ظهر لي، وبدا له في الأمر بدواً وبداءً وبداة: نشأ له فيه رأي، وأقول: بدا لي القمر، أي: ظهر لي القمر، أو أقول: بدا لي أن أغير فكرتي في قضية كذا وكذا.
إذاً: بدا بمعنى: ظهر، وبمعنى: نشأ له فيه رأي جديد.
فالبداء في اللغة -كما جاء في القاموس- له معنيان: المعنى الأول: الظهور والانكشاف، والمعنى الثاني: نشأة رأي جديد، فإذا قلت: بدا لي أن أغير موعد درس الأربعاء، أي: نشأت لي فكرة جديدة في أن أغير درس الأربعاء.
وهذان المعنيان للبداء وردا في القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤]، فقوله: (وإن تبدوا) البداء هنا بمعنى: الإظهار، وفي قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف:٣٥]،والبداء هنا بمعنى: نشأ لهم رأي جديد، فالمعنيان واردان في كتاب الله جل وعلا.
والبداء بهذين المعنيين لا يجوز ألبتة أن ينسب إلى الله، يعني: لا ينبغي أبداً أن تقول بأن الله قد بدا له أمر، بمعنى: ظهر بعد ما كان غائباً عنه سبحانه، أو بدا لله أمر في أن يغير أمراً أو أن يبدله .
فالبداء بهذين المعنيين -الثابتين في اللغة وفي كتاب الله- لا يجوز ألبتة أن ينسب إلى رب العزة ﵎، ومع ذلك أقول لكم: البداء في الأصل عقيدة اليهود، وانتقلت عقيدة البداء من اليهود إلى الروافض والشيعة، بدليل هذا النص من نصوص التوراة المحرفة المزورة المبدلة، يقول هذا النص: (ورأى الرب أن شر الناس قد كثر على الأرض، وأن كل تصور أفكار قلوبهم إنما هو شر في جميع الأيام، فندم الرب -تعالى الله عما يقول اليهود والروافض علواً كبيراً- أنه عمل الإنسان على الأرض- يعني: أنه خلق الإنسان على الأرض -وتأسف في قلبه- تعالى الله عن ذلك- فقال الرب: أمحو الإنسان الذي خلقته عن وجه الأرض، مع البهائم، والدبابات -وهذه لفظة عجيبة- وطير السماء؛ لأني ندمت على خلقي لهم!) تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
فهذا فقرة من الكتاب المقدس الفصل السادس، صفحة رقم (١٢) من تكوين التوراة، تبين عقيدة اليهود في البداء.
فالبداء في الأصل عقيدة يهودية، ثم انتقلت هذه العقيدة إلى الروافض والشيعة، ويقولون: إن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين، لا يظهر معهما على كذب أبداً من أئمتهم، وهما: القول بالبداء، وإجازة التقية، يعني: هذان الأصلان من معتقد الروافض والشيعة، ألا وهما: البداء، والتقية، ووضعا حتى لا يظهر لإمام من أئمتهم كذب أبداً في فترة من فترات الزمن! فالإمام من الأئمة معصوم عندهم، وقد يتكلم الإمام بكلمة ثم لا تقع -مع علمه بما كان وما سيكون- فيتبين حينئذٍ كذبه، فكيف يخرج من هذا المأزق؟ يخرج بعقيدة البداء، فيقال: بدا للإمام أن يغير ما كان قاله! وقد تقف على بعض النصوص المنسوبة لـ علي رضوان الله عليه، في ثنائه على أبي بكر، كما هو موجود في كتاب (نهج البلاغة) الذي يعتبرونه من الكتب المقدسة؛ فإذا واجهتهم بهذا، تجدهم يقولون: قال علي ذلك من باب التقية!! ألم يدع هؤلاء أن قرآناً نزل على علي أو على فاطمة وهو ما يعرف عندهم بمصحف فاطمة! وإذا قيل لهم: لم يظهره علي؟ يقولون: تقية؛ لأنه لو أظهر علي هذا القرآن لأحرج من سبقه، ولبين كذبهم، فهو جاملهم من باب التقية؛ وأخفى هذا القرآن الذي أنزله الله على فاطمة بعد محمد ﷺ !! وهذا ضلال مبين، اللهم ثبتنا على الحق يا رب العالمين! ويشرح سليمان بن جرير -وهو من علمائهم- عقيدة البداء في أنها الستار على ادعاءاتهم الكاذبة في الغيب، فيقول: فأما البداء فإن أئمتهم لما أحلوا أنفسهم من شيعتهم محل الأنبياء من رعيتها في العلم في ما كان ويكون، والإخبار بما يكون في غدٍ، وقالوا لشيعتهم: إنه سيكون في غدٍ -أي: كذا وكذا- فإن جاء ذلك الشيء على ما قالوه قالوا لهم: ألم نعلمكم أن هذا يكون؟ فنحن نعلم من قبل الله ما علمه الأنبياء، وبيننا وبين الله مثل تلك الأسباب التي علمت بها الأنبياء عن الله ما علمت، وإن لم يكن ذلك الشيء الذي قالوا: إنه يكون على ما قالوه، قالوا لشيعتهم: بدا لله في ذلك ألا يكونه!! وهذا موجود في كتاب (الكافي).
والعجيب! أن فصل البداء أورده صاحب (الكافي) في كتاب التوحيد، مما يدل على أنه أصل معتقد عندهم، أورده صاحب كتاب الكافي في كتاب التوحيد في باب اسمه باب: البداء، المجلد الأول صفحة (١٤٦)، فالبداء عندهم عقيدة يضعونها في كتاب التوحيد، فصاحب الكافي ذكر هذا ضمن كتاب التوحيد، وفي هذا الباب ذكر ستة عشر حديثاً في البداء، المجلد الأول صفحة (١٤٦ - ١٤٩).
والله! والله! ما وقفت -وأنا أطلع على مصادرهم وكتبهم- على كلمة تنافي ما أقول إلا وأذكرها لكم، وقد ذكرت قبل ذلك أمثلة في المحاضرات الماضية، فما وقفت على كلمة لعالمهم تكذب أو تنكر ما ينسب إليهم إلا وأنقلها من باب الإنصاف، وأسأل الله أن يرزقنا العدل، قال تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨]، أسأل الله أن يجعلنا من المتقين.
قال كثير من علماء الشيعة: إنهم لم يريدوا بالبداء ما لا يجوز نسبته إلى الله سبحانه، يقول محمد حسين الكاشف الغطاء: البداء وإن كان في جوهر معناه هو ظهور الشيء بعد خفائه، ولكن ليس المراد به هنا ظهور الشيء لله جل شأنه، وأي ذي عقل يقول بهذه المضلة، بل المراد ظهور الشيء من الله لمن يشاء من خلقه بعد إخفائه عنهم، وقولنا: بدا لله، أي: حكم الله أو شأن الله.
هذا في كتاب اسمه: (الدين والإسلام) صفحة (١٧٣) وهو منسوب إلى عالم من علمائهم ألا وهو محمد حسين الكاشف الغطاء، وهذا التفسير مقبول جداً؛ أن يقول بأن البداء ليس معناه أنه قد ظهر شيء لله كان خافياً عليه، وإنما البداء معناه: أن الله يظهر شيء كان خفياً عن بعض خلقه، وهذا تفسير لا حرج فيه.
ولكن من حقنا أن نسأل أيضاً: لماذا صار البداء -إن كان كذلك- من أصول معتقد الشيعة؟ وهذا سؤال له وجاهته، فإذا كان البداء بهذه الصورة العادية، وهو أن الله قد أظهر شيئاً لخلقه كان خافياً عنهم، فلمَ جعلوه أصلاً من أصول معتقد الشيعة؟ ولمَ جعلوه في كتاب التوحيد؟ ولعل هذا التفسير للبداء الذي قاله كاشف الغطاء يندرج تحت معتقد آخر من معتقداتهم الرئيسية ألا وهو معتقد التقية، وقد نقلت قبل نصاً من نصوص عالم من علمائهم يبين أن مثل هذا الكلام إنما يقال من باب التقية.
стр. 1718
اعتقاد الشيعة والرافضة في الغيبة
الغيبة معتقد سادس من معتقدات الروافض، والغيبة من العقائد الأساسية عندهم.
وهي بمعنى: أن الأرض لا تخلو أبداً من إمام، يعني: أنهم يعتقدون أن الأرض لا تخلو أبداً من إمام، فلما مات الحسن العسكري دون أن يكون له ولد، وقع الروافض في حيصَ بيصَ، وقالوا: فمن الذي يخلف الإمام، وأين الإمام؟ وافترق الروافض بعد موت الحسن العسكري قيل: إلى أربعين فرقة، ومنهم من قال: إلى ستة عشر فرقة، واختلفت أقوالهم في قضية الإمام، وأين الإمام؟ لأن الحسن العسكري مات وليس له ولد، فاختلفوا في ذلك اختلافاً عجيباً رهيباً جداً! فاخترعوا قضية الغيبة، أي: غيبة الإمام، وذلك أنه خرج عليهم رجل ألمعي، وقال: إن الحسن العسكري له ولد بسن خمس سنين، وهو الإمام الغائب، ولكنه لا يظهر لأي أحد من الناس إلا لي!! فخرج المعتقد الجديد من معتقد الشيعة والروافض الذي يسمى: الغيبة.
والحسن العسكري هو الإمام الحادي عشر من أئمتهم، وهو متوفى سنة (٢٦٠هـ)، وقد اعترفت كتب الشيعة بأنه ليس له أولاد، وليس له عقب، فخرجوا بقضية الغيبة غيبة الإمام، وكانت هي القاعدة التي قام عليها كيان الشيعة بعد أن كان قد تصدع، وكاد بنيان الشيعة أن ينهار بعد موت الحسن العسكري، فخرج هذا المعتقد الذي عليه قام بنيان وأساس الشيعة مرة أخرى، ألا وهو معتقد غيبة الإمام.
وبذلك أيها الأحبة الكرام! أكون قد بينت مجمل معتقد الشيعة الذي خالفوا به معتقد أهل السنة والجماعة، فمن وقف على هذا المعتقد -الذي فصلت والذي بينت والذي وضحت- فعليه أن يراجع نفسه، ولا يظنن ظان أن الخلاف بين الروافض والشيعة وبين أهل السنة إنما هو خلاف مذهبي، فإنني قد وقفت على بعض الفتاوى الخطيرة لبعض الشيوخ الكبار الذين يقولون بجواز التعبد لله ﵎ بما عليه الروافض والشيعة، وهذا الكلام ونصوص الفتاوى موجودة عندي، وأنا لا أحب أبداً أن أذكر مثل هذه القضايا والمسائل إلا بالأدلة؛ حتى لا نتهم أننا ممن يحب فقط أن يفرقع بالونات هوائية في السماء، لا والله! بل إننا ندور مع الحق حيث دار، ونقف مع الدليل حيث كان، وورب الكعبة! لا نريد إلا أن نصل إلى الحق، ولا نريد إلا أن نبين الحق، وإن الذي دفعني للوقوف في أربع محاضرات على التوالي للحديث عن الشيعة: هو أنني سمعت عن نبتة سوء بدأت تنبت هنا في المنصورة، وتعتقد هذه النبتة معتقد الشيعة، فأحببت أن أبين لهم بجلاء ما هي عقيدة الرافضة أو الشيعة، وتمنيت أن لو عرف أي واحد منكم إنساناً فيه نزعة لمثل هذا المعتقد الفاسد الضال أن يقدم له الأشرطة الأربعة هدية منه، لعل الله أن يرد قلبه إلى الحق، وإلى سنة النبي محمد ﷺ ، فوالله! والله! والله! لا نريد إلا الإصلاح ما استطعنا، ونسأل الله أن يرد الضال إلى الحق والهدى، وأن يأخذ بقلوب وأيدي الروافض إلى سنة النبي، وإلى القرآن وإلى الحق الذي عليه أهل السنة؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 1719
حكم الدعاء للكفار والمشركين والضلال
فمن هدي المصطفى أنه يجوز لنا أن ندعو الله أن يهدي الكفار والمشركين في أي مكان على وجه الأرض، فإنه لما جاءه الطفيل بن عمرو الدوسي وقال له: يا رسول الله! ادع الله على قبيلة دوس، ادع الله فلقد هلكت دوس رفضوا الإيمان بالله ورسوله، قال النبي للطفيل: ارفع يدك، فرفع الطفيل يده، ورفع النبي يديه -ووالله لو دعا النبي على دوس دعوة لهلكت دوس، ولكنه الرحمة المهداة، رفع يديه إلى السماء- وقال: (اللهم اهد دوساً وائت بهم).
فاستجاب الله دعوة نبيه، وشرح الله صدر قبيلة دوس، وجاءت القبيلة كلها عن بكرة أبيها خلف الطفيل بن عمرو الدوسي؛ ليقفوا أمام الحبيب النبي، وليشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأقول: ستأتي قبيلة دوس يوم القيامة كلها في ميزان الطفيل بن عمرو، بما فيهم راوية الإسلام العظيم أبو هريرة الدوسي، كما ستأتي الأمة كلها يوم القيامة في ميزان الحبيب النبي.
فندعوا الله لكل شاب منحرف عن منهج الله أن يأتي الله بقلبه إلى الحق، وأن يرده إلى الحق رداً جميلاً؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وأقول قولي هذا، وأستغفروا الله لي ولكم، وبذلك أكون قد أنهيت الحديث عن فتنة الروافض والشيعة؛ لأواصل الحديث -إن شاء الله تعالى، وإن قدر الله لنا البقاء واللقاء- عن فتنة أخرى من الفتن التي وقعت، ألا وهي فتنة خلق القرآن.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
стр. 1720
الشيعة والقرآن [١]
الحديث عن الشيعة حديث ذو شجون وأحزان، فكم من نكبة لهذه الأمة وللشيعة دور كبير فيها، ابتداءً من فتنة مقتل عثمان ﵁، ومروراً بموقعة الجمل فصفين فمقتل الحسين بن علي ﵄، ومقتل غيره من أئمة أهل البيت: كزيد بن علي، والنفس الزكية، وأخيه إبراهيم، وغيرها من الفتن الداخلية.
أما بالنسبة للفتن الخارجية فابتداء باجتياح التتار لبغداد، ومروراً بدخول الأمريكان أفغانستان ثم العراق.
следующие страницы →