← Джавами‘

Джавами‘ · id 7703

دروس للشيخ محمد حسان

محمد حسان

Полный текст (1 901 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

عقيدة الشيعة والرافضة في الرجعة رابعاً بإيجاز شديد: الرجعة، وهذا معتقد من معتقد الروافض أو الشيعة، والرجعة هي: رجعة كثير من الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة، سواء كان هؤلاء الذين يرجعون إلى الدنيا من الصالحين أو حتى من الفاسدين، هذا معتقد عند الروافض، فإنهم يعتقدون بأن أناساً سيرجعون إلى الحياة الدنيا بعد موتهم قبل يوم القيامة، والراجعون إلى الدنيا -كما يعتقدون- فريقان: أحدهما: من علت درجته في الإيمان. والآخر: من بلغ الغاية في الفساد. وهذا موجود في كتاب المفيد (أوائل المقالات) (ص:٩٥)، فقد ذكر أنهم يعتقدون أن الذين يرجعون إلى الدنيا ينقسمون إلى فريقين: الأول: هو من علت درجته في الإيمان، والثاني: من بلغ الغاية في الفساد. وزمن الرجوع عندهم هو عند قيام مهدي آل محمد ﵈. وعقيدة الرجعة من أصول المذهب الشيعي، فمن رواياتهم العجيبة جداً أنهم يقولون: ليس منا من لم يؤمن بكرتنا. يعني: برجعتنا. وهذا موجود في كتاب (من لا يحضره الفقيه) لـ ابن بابويه القمي المجلد الثاني (ص:١٢٨)، وموجود في كتاب (الوسائل) للحر العاملي المجلد السابع (ص:٤٣٨)، وموجود في تفسير (الصافي) المجلد الأول (ص:٣٤٧). ويقولون مرة أخرى: ليس منا من لم يؤمن بكرتنا. فالروافض والشيعة مجمعون على اعتقاد الرجعة. ويقول المفيد عالمهم المشهور: اتفقت الإمامية على وجوب رجعة كثير من الأموات. ويقول الحر العاملي: إنها موضع إجماع جميع الشيعة الإمامية، ويقول: إنها من ضروريات مذهب الإمامية، ويقول: إننا مأمورون بالإقرار بالرجعة واعتقادها، وتجديد الاعتراف بها في الأدعية والزيارات، وفي يوم الجمعة، وفي كل وقت، كما أننا مأمورون بالإقرار في كثير من الأوقات. وهذا أمر عجيب! حيث يعتقدون أنهم لابد أن يكرروا ويؤكدوا مسألة الرجعة -كما قال: وفي كل وقت! - يقول: كما أننا مأمورون بالإقرار في كثير من الأوقات أن نؤكد قضية التوحيد والنبوة والإمامة والقيامة. وهذا الكلام موجود في كتاب (الوسائل) للحر العاملي (ص:٦٤)، وكذلك موجود في كتاب (أوائل المقالات) للمفيد وهو من أكابر علماء الشيعة كما ذكرت. إذاً: الرجعة معناها أنهم يعتقدون برجوع بعض الأموات، سواء من المؤمنين ممن بلغوا درجة عالية في الإيمان، أو ممن وصلوا إلى الحضيض في الفساد والفسق.

стр. 1717

عقيدة الشيعة والروافض في البداء خامساً: البداء، وهذا معتقد خبيث من معتقد الروافض، والبداء -كما ورد في قواميس اللغة-: بدا بَدْواً وبُدُوّاً وبَدَاءة يعني: ظهر، يقال: بدا لي، أي: ظهر لي، وبدا له في الأمر بدواً وبداءً وبداة: نشأ له فيه رأي، وأقول: بدا لي القمر، أي: ظهر لي القمر، أو أقول: بدا لي أن أغير فكرتي في قضية كذا وكذا. إذاً: بدا بمعنى: ظهر، وبمعنى: نشأ له فيه رأي جديد. فالبداء في اللغة -كما جاء في القاموس- له معنيان: المعنى الأول: الظهور والانكشاف، والمعنى الثاني: نشأة رأي جديد، فإذا قلت: بدا لي أن أغير موعد درس الأربعاء، أي: نشأت لي فكرة جديدة في أن أغير درس الأربعاء. وهذان المعنيان للبداء وردا في القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤]، فقوله: (وإن تبدوا) البداء هنا بمعنى: الإظهار، وفي قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف:٣٥]،والبداء هنا بمعنى: نشأ لهم رأي جديد، فالمعنيان واردان في كتاب الله جل وعلا. والبداء بهذين المعنيين لا يجوز ألبتة أن ينسب إلى الله، يعني: لا ينبغي أبداً أن تقول بأن الله قد بدا له أمر، بمعنى: ظهر بعد ما كان غائباً عنه سبحانه، أو بدا لله أمر في أن يغير أمراً أو أن يبدله . فالبداء بهذين المعنيين -الثابتين في اللغة وفي كتاب الله- لا يجوز ألبتة أن ينسب إلى رب العزة ﵎، ومع ذلك أقول لكم: البداء في الأصل عقيدة اليهود، وانتقلت عقيدة البداء من اليهود إلى الروافض والشيعة، بدليل هذا النص من نصوص التوراة المحرفة المزورة المبدلة، يقول هذا النص: (ورأى الرب أن شر الناس قد كثر على الأرض، وأن كل تصور أفكار قلوبهم إنما هو شر في جميع الأيام، فندم الرب -تعالى الله عما يقول اليهود والروافض علواً كبيراً- أنه عمل الإنسان على الأرض- يعني: أنه خلق الإنسان على الأرض -وتأسف في قلبه- تعالى الله عن ذلك- فقال الرب: أمحو الإنسان الذي خلقته عن وجه الأرض، مع البهائم، والدبابات -وهذه لفظة عجيبة- وطير السماء؛ لأني ندمت على خلقي لهم!) تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. فهذا فقرة من الكتاب المقدس الفصل السادس، صفحة رقم (١٢) من تكوين التوراة، تبين عقيدة اليهود في البداء. فالبداء في الأصل عقيدة يهودية، ثم انتقلت هذه العقيدة إلى الروافض والشيعة، ويقولون: إن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين، لا يظهر معهما على كذب أبداً من أئمتهم، وهما: القول بالبداء، وإجازة التقية، يعني: هذان الأصلان من معتقد الروافض والشيعة، ألا وهما: البداء، والتقية، ووضعا حتى لا يظهر لإمام من أئمتهم كذب أبداً في فترة من فترات الزمن! فالإمام من الأئمة معصوم عندهم، وقد يتكلم الإمام بكلمة ثم لا تقع -مع علمه بما كان وما سيكون- فيتبين حينئذٍ كذبه، فكيف يخرج من هذا المأزق؟ يخرج بعقيدة البداء، فيقال: بدا للإمام أن يغير ما كان قاله! وقد تقف على بعض النصوص المنسوبة لـ علي رضوان الله عليه، في ثنائه على أبي بكر، كما هو موجود في كتاب (نهج البلاغة) الذي يعتبرونه من الكتب المقدسة؛ فإذا واجهتهم بهذا، تجدهم يقولون: قال علي ذلك من باب التقية!! ألم يدع هؤلاء أن قرآناً نزل على علي أو على فاطمة وهو ما يعرف عندهم بمصحف فاطمة! وإذا قيل لهم: لم يظهره علي؟ يقولون: تقية؛ لأنه لو أظهر علي هذا القرآن لأحرج من سبقه، ولبين كذبهم، فهو جاملهم من باب التقية؛ وأخفى هذا القرآن الذي أنزله الله على فاطمة بعد محمد ﷺ !! وهذا ضلال مبين، اللهم ثبتنا على الحق يا رب العالمين! ويشرح سليمان بن جرير -وهو من علمائهم- عقيدة البداء في أنها الستار على ادعاءاتهم الكاذبة في الغيب، فيقول: فأما البداء فإن أئمتهم لما أحلوا أنفسهم من شيعتهم محل الأنبياء من رعيتها في العلم في ما كان ويكون، والإخبار بما يكون في غدٍ، وقالوا لشيعتهم: إنه سيكون في غدٍ -أي: كذا وكذا- فإن جاء ذلك الشيء على ما قالوه قالوا لهم: ألم نعلمكم أن هذا يكون؟ فنحن نعلم من قبل الله ما علمه الأنبياء، وبيننا وبين الله مثل تلك الأسباب التي علمت بها الأنبياء عن الله ما علمت، وإن لم يكن ذلك الشيء الذي قالوا: إنه يكون على ما قالوه، قالوا لشيعتهم: بدا لله في ذلك ألا يكونه!! وهذا موجود في كتاب (الكافي). والعجيب! أن فصل البداء أورده صاحب (الكافي) في كتاب التوحيد، مما يدل على أنه أصل معتقد عندهم، أورده صاحب كتاب الكافي في كتاب التوحيد في باب اسمه باب: البداء، المجلد الأول صفحة (١٤٦)، فالبداء عندهم عقيدة يضعونها في كتاب التوحيد، فصاحب الكافي ذكر هذا ضمن كتاب التوحيد، وفي هذا الباب ذكر ستة عشر حديثاً في البداء، المجلد الأول صفحة (١٤٦ - ١٤٩). والله! والله! ما وقفت -وأنا أطلع على مصادرهم وكتبهم- على كلمة تنافي ما أقول إلا وأذكرها لكم، وقد ذكرت قبل ذلك أمثلة في المحاضرات الماضية، فما وقفت على كلمة لعالمهم تكذب أو تنكر ما ينسب إليهم إلا وأنقلها من باب الإنصاف، وأسأل الله أن يرزقنا العدل، قال تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨]، أسأل الله أن يجعلنا من المتقين. قال كثير من علماء الشيعة: إنهم لم يريدوا بالبداء ما لا يجوز نسبته إلى الله سبحانه، يقول محمد حسين الكاشف الغطاء: البداء وإن كان في جوهر معناه هو ظهور الشيء بعد خفائه، ولكن ليس المراد به هنا ظهور الشيء لله جل شأنه، وأي ذي عقل يقول بهذه المضلة، بل المراد ظهور الشيء من الله لمن يشاء من خلقه بعد إخفائه عنهم، وقولنا: بدا لله، أي: حكم الله أو شأن الله. هذا في كتاب اسمه: (الدين والإسلام) صفحة (١٧٣) وهو منسوب إلى عالم من علمائهم ألا وهو محمد حسين الكاشف الغطاء، وهذا التفسير مقبول جداً؛ أن يقول بأن البداء ليس معناه أنه قد ظهر شيء لله كان خافياً عليه، وإنما البداء معناه: أن الله يظهر شيء كان خفياً عن بعض خلقه، وهذا تفسير لا حرج فيه. ولكن من حقنا أن نسأل أيضاً: لماذا صار البداء -إن كان كذلك- من أصول معتقد الشيعة؟ وهذا سؤال له وجاهته، فإذا كان البداء بهذه الصورة العادية، وهو أن الله قد أظهر شيئاً لخلقه كان خافياً عنهم، فلمَ جعلوه أصلاً من أصول معتقد الشيعة؟ ولمَ جعلوه في كتاب التوحيد؟ ولعل هذا التفسير للبداء الذي قاله كاشف الغطاء يندرج تحت معتقد آخر من معتقداتهم الرئيسية ألا وهو معتقد التقية، وقد نقلت قبل نصاً من نصوص عالم من علمائهم يبين أن مثل هذا الكلام إنما يقال من باب التقية.

стр. 1718

اعتقاد الشيعة والرافضة في الغيبة الغيبة معتقد سادس من معتقدات الروافض، والغيبة من العقائد الأساسية عندهم. وهي بمعنى: أن الأرض لا تخلو أبداً من إمام، يعني: أنهم يعتقدون أن الأرض لا تخلو أبداً من إمام، فلما مات الحسن العسكري دون أن يكون له ولد، وقع الروافض في حيصَ بيصَ، وقالوا: فمن الذي يخلف الإمام، وأين الإمام؟ وافترق الروافض بعد موت الحسن العسكري قيل: إلى أربعين فرقة، ومنهم من قال: إلى ستة عشر فرقة، واختلفت أقوالهم في قضية الإمام، وأين الإمام؟ لأن الحسن العسكري مات وليس له ولد، فاختلفوا في ذلك اختلافاً عجيباً رهيباً جداً! فاخترعوا قضية الغيبة، أي: غيبة الإمام، وذلك أنه خرج عليهم رجل ألمعي، وقال: إن الحسن العسكري له ولد بسن خمس سنين، وهو الإمام الغائب، ولكنه لا يظهر لأي أحد من الناس إلا لي!! فخرج المعتقد الجديد من معتقد الشيعة والروافض الذي يسمى: الغيبة. والحسن العسكري هو الإمام الحادي عشر من أئمتهم، وهو متوفى سنة (٢٦٠هـ)، وقد اعترفت كتب الشيعة بأنه ليس له أولاد، وليس له عقب، فخرجوا بقضية الغيبة غيبة الإمام، وكانت هي القاعدة التي قام عليها كيان الشيعة بعد أن كان قد تصدع، وكاد بنيان الشيعة أن ينهار بعد موت الحسن العسكري، فخرج هذا المعتقد الذي عليه قام بنيان وأساس الشيعة مرة أخرى، ألا وهو معتقد غيبة الإمام. وبذلك أيها الأحبة الكرام! أكون قد بينت مجمل معتقد الشيعة الذي خالفوا به معتقد أهل السنة والجماعة، فمن وقف على هذا المعتقد -الذي فصلت والذي بينت والذي وضحت- فعليه أن يراجع نفسه، ولا يظنن ظان أن الخلاف بين الروافض والشيعة وبين أهل السنة إنما هو خلاف مذهبي، فإنني قد وقفت على بعض الفتاوى الخطيرة لبعض الشيوخ الكبار الذين يقولون بجواز التعبد لله ﵎ بما عليه الروافض والشيعة، وهذا الكلام ونصوص الفتاوى موجودة عندي، وأنا لا أحب أبداً أن أذكر مثل هذه القضايا والمسائل إلا بالأدلة؛ حتى لا نتهم أننا ممن يحب فقط أن يفرقع بالونات هوائية في السماء، لا والله! بل إننا ندور مع الحق حيث دار، ونقف مع الدليل حيث كان، وورب الكعبة! لا نريد إلا أن نصل إلى الحق، ولا نريد إلا أن نبين الحق، وإن الذي دفعني للوقوف في أربع محاضرات على التوالي للحديث عن الشيعة: هو أنني سمعت عن نبتة سوء بدأت تنبت هنا في المنصورة، وتعتقد هذه النبتة معتقد الشيعة، فأحببت أن أبين لهم بجلاء ما هي عقيدة الرافضة أو الشيعة، وتمنيت أن لو عرف أي واحد منكم إنساناً فيه نزعة لمثل هذا المعتقد الفاسد الضال أن يقدم له الأشرطة الأربعة هدية منه، لعل الله أن يرد قلبه إلى الحق، وإلى سنة النبي محمد ﷺ ، فوالله! والله! والله! لا نريد إلا الإصلاح ما استطعنا، ونسأل الله أن يرد الضال إلى الحق والهدى، وأن يأخذ بقلوب وأيدي الروافض إلى سنة النبي، وإلى القرآن وإلى الحق الذي عليه أهل السنة؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 1719

حكم الدعاء للكفار والمشركين والضلال فمن هدي المصطفى أنه يجوز لنا أن ندعو الله أن يهدي الكفار والمشركين في أي مكان على وجه الأرض، فإنه لما جاءه الطفيل بن عمرو الدوسي وقال له: يا رسول الله! ادع الله على قبيلة دوس، ادع الله فلقد هلكت دوس رفضوا الإيمان بالله ورسوله، قال النبي للطفيل: ارفع يدك، فرفع الطفيل يده، ورفع النبي يديه -ووالله لو دعا النبي على دوس دعوة لهلكت دوس، ولكنه الرحمة المهداة، رفع يديه إلى السماء- وقال: (اللهم اهد دوساً وائت بهم). فاستجاب الله دعوة نبيه، وشرح الله صدر قبيلة دوس، وجاءت القبيلة كلها عن بكرة أبيها خلف الطفيل بن عمرو الدوسي؛ ليقفوا أمام الحبيب النبي، وليشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأقول: ستأتي قبيلة دوس يوم القيامة كلها في ميزان الطفيل بن عمرو، بما فيهم راوية الإسلام العظيم أبو هريرة الدوسي، كما ستأتي الأمة كلها يوم القيامة في ميزان الحبيب النبي. فندعوا الله لكل شاب منحرف عن منهج الله أن يأتي الله بقلبه إلى الحق، وأن يرده إلى الحق رداً جميلاً؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. وأقول قولي هذا، وأستغفروا الله لي ولكم، وبذلك أكون قد أنهيت الحديث عن فتنة الروافض والشيعة؛ لأواصل الحديث -إن شاء الله تعالى، وإن قدر الله لنا البقاء واللقاء- عن فتنة أخرى من الفتن التي وقعت، ألا وهي فتنة خلق القرآن. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1720

الشيعة والقرآن [١] الحديث عن الشيعة حديث ذو شجون وأحزان، فكم من نكبة لهذه الأمة وللشيعة دور كبير فيها، ابتداءً من فتنة مقتل عثمان ﵁، ومروراً بموقعة الجمل فصفين فمقتل الحسين بن علي ﵄، ومقتل غيره من أئمة أهل البيت: كزيد بن علي، والنفس الزكية، وأخيه إبراهيم، وغيرها من الفتن الداخلية. أما بالنسبة للفتن الخارجية فابتداء باجتياح التتار لبغداد، ومروراً بدخول الأمريكان أفغانستان ثم العراق.

стр. 1721

معنى التشيع في اللغة والاصطلاح بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته. وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الأحبة الكرام! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الذي جمعنا مع حضراتكم في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى ﷺ في جنته ودار كرامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. ونحن الليلة بإذن الله جل وعلا على موعد مع الدرس السادس عشر من دروس: سلسلة الإيمان باليوم الآخر كركن خامس من أركان الإيمان بالله جل وعلا، ضمن دروس العقيدة لمعهد إعداد الدعاة، ولا زال حديثنا ممتداً عن الفتن التي أخبر النبي ﷺ عن ظهورها قبل قيام الساعة، وأنهيت الحديث بفضل الله جل وعلا وتوفيقه في المحاضرة الماضية عن الفتنة الكبرى التي وقعت بين علي ومعاوية ﵄، وذكرت بأنه قد خرج من فريق علي ﵁ فريق آخر وفتنة أخرى، وهي فتنة خطيرة لا تقل خطراً عن فتنة الخوارج، بل إنها الآن أشد خطراً من فتنة الخوارج، ألا وهي فتنة ظهور الشيعة، وأرجو أن تركزوا معي جيداً في هذه المحاضرات التي أسأل الله جل وعلا أن ينفع بها، والتي أستهلها من الليلة بإذن الله تعالى في الحديث عن الفرقة الأخرى التي خرجت بعد فتنة الخوارج أو بعد قضية التحكيم. وسأقف مع حضراتكم مع هذه الفرقة الضالة منذ نشأة بدايتها. الشيعة في اللغة: بمعنى: الأتباع والأنصار، جاء في القاموس: شيعة الرجل بكسر الشين أي: أتباعه وأنصاره، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة، وكل من عاون إنساناً وتحزب له فهو له شيعة، أي: فهو له عون ونصير، هذا هو المعنى اللغوي للفظة (شيعة). قال الأزهري: معنى الشيعة الذين يتبع بعضهم بعضاً، وليس كلهم متفقين، وهذا معنى إضافي جديد، ليس بالضرورة أن يكون كل هؤلاء متفقين، فالتشيع بمعناه اللغوي: المناصرة والمعاونة والمتابعة، أو الاجتماع على أمر، أو التحزب لشخص ما. لكن من هم الشيعة في الاصطلاح؟ سأنقل ذلك عن شيخ الشيعة وعالمها في زمنه، وأرجو أن تركزوا معي فمثل هذه المسميات والأسماء سأحتاج إليها بعد ذلك بإذن الله تعالى، - المفيد عالم من علماء الشيعة الأكابر عندهم، وهو أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي الملقب بـ المفيد من كبار مشايخ الشيعة، يقول المفيد: لفظ الشيعة يطلق على أتباع أمير المؤمنين علي على سبيل الولاء والاعتقاد لإمامته بعد الرسول ﷺ . أي: وليس بعد أبي بكر وعمر وعثمان، ركزوا في كل لفظة. يقول: بعد الرسول ﷺ بلا فصل، ونفي الإمامة عمن تقدمه في مقام الخلافة. أي: عن أبي بكر وعمر وعثمان. ويوضح المفيد أيضاً هذا التعريف بشيء من التفصيل في كتابه الموسوم بالإرشاد (ص:١٢)، ولن أنقل كلاماً عن الشيعة إلا من كتبهم المعتمدة؛ حتى لا نتهم بأننا نشوش على هؤلاء، أو ننسب إليهم كلاماً من عند أنفسنا، أو من عند علماء أهل السنة والجماعة، لا، بل سأنقل لكم معتقد القوم الفاسد الباطل من كتبهم المشهورة المعتمدة، وسوف أذكر إن شاء الله تعالى كل كتاب مع رقم الصفحة للضرورة، وليس من باب الاستعراض، لا والله، وإنما من باب دمغ القوم بالحجة؛ حتى لا نتهم بأننا نلقي التهم جزافاً، ونستشهد بمثل هذه الأقوال من كلام علمائنا من أئمة أهل السنة والجماعة. يقول المفيد في كتابه الموسوم بالإرشاد (ص:١٢): (وكانت إمامة أمير المؤمنين علي بعد النبي ﷺ ثلاثين سنة. يعني: إمامة علي بعد موت النبي مباشرة، يقول: منها أربع وعشرون سنة وستة أشهر كان ممنوعاً من التصرف في أحكامها، مستعملاً للتقيّة والمداراة -وهذا أصل من أصول الشيعة سأشرحه بالتفصيل إن شاء الله تعالى- ومنها: خمس سنين وستة أشهر ممتحناً بجهاد المنافقين من الناكثين والقاسطين والمارقين). واضح من النص أن الشيعة يثبتون إمامة علي بعد موت النبي ﷺ مباشرة، فيقصد بالأربع وعشرين سنة وستة أشهر التي ظل فيها علي رضوان الله عليه ممتنعاً من التصرف في أحكام الإمامة: المدة التي تولى الإمامة والخلافة فيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، ثم ذكر فترة خلافة علي وقال: (ومنها: خمس سنين وستة أشهر كان علي رضوان الله عليه في هذه المدة ممتحناً بجهاد المنافقين من الناكثين والقاسطين والمارقين). والمراد بالناكثين: هم الذين بايعوا علياً ونكثوا بيعته في البصرة. ويقصد بالقاسطين: فريق معاوية رضوان الله عليه؛ لأن الفريق القاسط أي: الباغي أو الظالم. ويقصد بالمارقين: هم الخوارج الذين خرجوا على علي في النهروان. ثم قال: (ومضطهداً بفتن الضالين كما كان رسول الله ﷺ ثلاث عشرة سنة من نبوته ممنوعاً من أحكامها -أي: من أحكام النبوة- خائفاً ومحبوساً وهارباً ومطروداً، لا يتمكن من جهاد الكافرين، ولا يستطيع دفعاً عن المؤمنين. ثم هاجر -أي: النبي ﷺ وأقام بعد الهجرة عشر سنين مجاهداً للمشركين ممتحناً بالمنافقين، إلى أن قبضه الله ، وأسكنه جنات النعيم. هذا كلام شيخ كبير من مشايخ الشيعة ألا وهو المفيد كما ذكرت آنفاً. ويقدم الإمام الشهرستاني رحمه الله تعالى في كتابه الماتع: الملل والنحل تعريفاً يعد من أشمل التعريفات للشيعة، فيقول: (الشيعة: هم الذين شايعوا علياً ﵁ على وجه الخصوص، وقالوا بإمامته وخلافته نصاً ووصية). نصاً أي: أن النبي ﷺ نص على خلافته وإمامته من بعده، ووصية أي: أوصى النبي ﷺ بذلك قبل موته، تدبروا في كل لفظة. يقول الإمام الشهرستاني: (الشيعة: هم الذين شايعوا علياً ﵁ على وجه الخصوص، وقالوا بإمامته وخلافته نصاً ووصية، إما جلياً وإما خفية، فمنهم من يظهر هذا، ومنهم من يخفي هذا، اعتقاداً منهم لأصل من أصولهم ألا وهو التقية -بفتح التاء وتشديد القاف، ولا حرج أن تضم على وجه من أوجه اللغة- واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاد علي، وإن خرجت فبظلم يكون من غيره، أو بتقية من عنده، وقالوا: ليست الإمامة قضية مصلحية تناط باختيار العامة -أي: لا ينبغي أن تترك هذه القضية الكبيرة لعوام المسلمين ليختاروا فيها من يشاءون أو من يرغبون -وينتصب الإمام بنصبهم -أي: بنصب العامة له- بل هي قضية أصولية، وهي ركن الدين الذي لا يجوز للرسل عليهم الصلاة والسلام إغفاله وإهماله ولا تفويضه إلى العامة وإرساله، ويجمعهم القول بوجوب التعيين والتنصيص، وثبوت عصمة الأنبياء والأئمة وجوباً عن الكبائر والصغائر، والقول بالتولي والتبري قولاً وفعلاً وعقداً إلا في حال التقية، ويخالفهم بعض الزيدية في ذلك). هذا تعريف الإمام الشهرستاني للشيعة اصطلاحاً. وسنرى أيضاً أن الشيعة الإثني عشرية يقولون بعقائد أخرى: كالغيبة، والرجعة، والبداء، وكل هذه الألفاظ سأفصلها بإذن الله تعالى، لكننا نرى إماماً من أئمة أهل السنة كـ أبي الحسن الأشعري رحمه الله تعالى يعرف الشيعة تعريفاً مقتضباً فيقول: (الشيعة إنما قيل لهم: الشيعة؛ لأنهم شايعوا علياً ﵁، ويقدمونه على سائر أصحاب رسول الله ﵌. أي: ناصروا علياً ﵁ وقدموه على سائر أصحاب النبي ﷺ ، هذه الفرقة التي يتكلم عنها الإمام الأشعري لها مسمى آخر، تسمى هذه الفرقة من فرق الشيعة باسم: المفضلة، وهم الذين فضلوا علياً على سائر أصحاب النبي ﷺ ، وهذا التعريف يصح وينطبق تماماً على أول فرق التشيع ممن ناصروا علياً ﵁، لكن سنرى الآن بإذن الله تعالى أن هذا التعريف قد تطور بأطوار ومراحل مختلفة سنقف عليها الليلة إن شاء الله تعالى. وهذا تعريف آخر للمفضلة: هم الذين يفضلون علياً ﵁ على أبي بكر وعمر، وسائر أصحاب النبي ﷺ رضوان الله عليهم جميعاً. والشيعة الإثنا عشرية لا يعتبرون مجرد تقديم علي رضوان الله عليه على سائر أصحاب النبي كافياً في التشيع، يعني: لو أن رجلاً قدم علياً على سائر الأصحاب فلا يكفي هذا عندهم في التشيع، وإنما لابد من الاعتقاد بأن خلافة علي بعد رسول الله ﷺ مباشرة بالنص والاعتقاد، وأن خلافته قد بدأت بعد وفاة النبي ﵌ إلى استشهاده ﵁.

стр. 1722

مراحل وأطوار نشأة الشيعة التحقيق -يا إخوة- من خلال قراءاتي في كثير من مراجع الشيعة ومراجع السنة طيلة الأيام الماضية: أن التعريف الدقيق للشيعة مرتبط أساساً بأطوار نشأتهم، ولنقف على تعريف دقيق للشيعة فإنه لا بد وأن نقف مع أطوار نشأتهم، فإن الشيعة قد مروا بكثير من المراحل العقدية والمذهبية، ولهذا كانوا في الصدر الأول في عهد علي وعثمان قبله رضوان الله عليهما لا يسمى المرء شيعياً إلا إذا قدم علياً على عثمان، هذا طور من الأطوار المهمة جداً، لنتعرف بعد ذلك على حجم الانحراف الذي وقع فيه الشيعة، كان لا يسمى الرجل شيعياً أول الأمر إلا إذا قدم علياً على عثمان، بل كان يقال لمن يقدم عثمان ﵁ على علي ﵁ في ذلك الوقت: عثماني، ويقال لمن يقدم علياً على عثمان: شيعي، هذا طور مهم من أطوار التطور الشيعي، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية طيب الله ثراه في منهاج السنة: (إن الشيعة الأولى الذين كانوا على عهد علي ﵁ كانوا يفضلون أبا بكر وعمر على علي) وهذا التفصيل لابد منه- ولما سأل سائل شريك بن عبد الله بن أبي نمر القرشي أبو عبد الله المدني -وهو من الشيعة- لما سأله سائل فقال له: أيهما أفضل أبو بكر أم علي؟ فقال له: أبو بكر، فقال له السائل: تقول هذا وأنت شيعي؟ فقال له: نعم، ومن لم يقل هذا فليس شيعياً. هذا على التأصيل الأول الذي ذكرت أن الشيعي كان يعرف بمن يقدم علياً على عثمان فقط، فـ شريك يقول: نعم أقول بتفضيل أبي بكر على علي، ومن لم يقل هذا فليس شيعياً، ثم أقسم شريك - فقال: والله لقد رقى علي هذه الأعواد -يعني: أعواد منبر الكوفة- وقال: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر - هذا قول علي ﵁ وتوجد آثار كثيرة صحيحة عن علي رضوان الله عليه يثبت فيها تفضيل أبي بكر وعمر عليه، قال شريك بن عبد الله: فكيف نرد قوله؟! -أي: كيف نرد قول علي؟! - وكيف نكذبه؟! والله ما كان علي كذاباً. ويقول أبو إسحاق السبيعي ﵀ -وهو شيخ الكوفة وعالمها، ولفظة: شيخ الكوفة لها مغزى ولها مدلول-: خرجت من الكوفة وليس أحد يشك في فضل أبي بكر وعمر وتقديمهما على علي، وقدمت الآن وهم يقولون ويقولون، ووالله لا أدري ما يقولون. يقصد أنهم بدءوا يفضلون علياً على أبي بكر وعمر ﵃ جميعاً. وقال ليث بن أبي سليم: أدركت الشيعة الأولى وما يفضلون على أبي بكر وعمر أحداً. ثم أخذ التشيع أبعاداً أخرى خطيرة، كرفض خلافة الشيخين أبي بكر وعمر، وشتم وسب أصحاب النبي ﷺ والطعن فيهم، وادعاء العصمة لآل بيت النبي، والإيمان بالرجعة، والوصية، والبداء، والغيبة، وغيرها من المعتقدات الباطلة التي لا يقرها الإسلام، ومن هنا أطلق على الشيعة أصحاب هذا المنهج اسم: الروافض أو الرافضة، انتبهوا لهذا حتى تعرفوا حقيقة الرافضة ومن أين أتت؟ وكيف؟ وهم ينقسمون إلى فرق كثيرة جداً، حتى قال المسعودي رحمه الله تعالى في كتابه (مروج الذهب): (إن طوائف الشيعة بلغت ثلاثاً وسبعين فرقة) بل ومن أهل العلم من قال كـ المقريزي مثلاً: (إن طوائف الشيعة بلغت ما يقرب من ثلاثمائة فرقة). إذاً: الشيعةفرق كثيرة جداً، وأنا لن أتعرض للحديث عن فرق الشيعة، أو عن فروع الفرق، وإنما سأتكلم إن شاء الله تعالى عن أصول الفرق، بل عن أشهر هذه الفرق الموجودة في الأرض اليوم، فمجمل هذه الفرق كما قال أهل العلم كـ الشهرستاني وغيره: الإسماعيلية، والزيدية، والجعفرية، والجعفرية هي: الإثنا عشرية أو الإمامية، كل هذه مصطلحات ومسميات لطائفة الشيعة الإثني عشرية، فأرجو أن تنتبهوا معي وتركزوا معي أيها الأحبة الفضلاء!

стр. 1723

حقيقة الإسماعيلية وفرقها ومعتقداتها بإيجاز شديد جداً سأتكلم عن الإسماعيلية والزيدية، ولن أطيل لأتحدث بعد ذلك إن شاء الله تعالى عن الفرقة المشهورة الكبيرة التي ملأت الأرض اليوم، ألا وهي فرقة الإثني عشرية. الإسماعيلية فرقة كبيرة من فرق الشيعة، وهي التي قالت بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق، وبإمامة محمد بن إسماعيل من بعده، سميت بالإسماعيلية؛ لأنها تقول بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق، ثم بإمامة محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، فسميت بالإسماعيلية نسبة إليه. أوجز معتقدها بإيجاز شديد جداً الإمام الغزالي صاحب الإحياء، وقد ألف كتاباً رهيباً في فضح معتقد الشيعة الإسماعيلية، وسماه ((فضائح الباطنية))، وهو كتاب قوي جداً في هذا الباب، يقول: (مجمل معتقد الإسماعيلية أن ظاهره الرفض، وباطنه الكفر المحض، ومفتتحه حصر مدارك العلوم في قول الإمام المعصوم). ثم فصل القول في معتقدهم، ولا أريد أن أقف مع هذه الفرقة لأنني أريد أن أقف مع أخطر فرقة نراها على ظهر الأرض اليوم. وقال الإمام ابن الجوزي في كتابه الماتع (تلبيس إبليس): (فمحصول قولهم تعطيل الصانع، وإبطال النبوة والعبادات، وإنكار البعث، ولكنهم لا يظهرون هذا في أول أمرهم، بل يزعمون أن الله حق، وأن محمداً رسول الله، لكنهم يقولون: لذلك سر غير ظاهر، وقد تلاعب بهم إبليس فبالغ، وحسن لهم مذاهب مختلفة). وقال الإمام الرازي في كتابه: (اعتقادات فرق المسلمين والمشركين): (اعلم أن الفساد اللازم من هؤلاء -يعني: من الإسماعيلية الباطنية- على الدين الحنيفي أكثر من الفساد اللازم عليه من جميع الكفار، وهم عدة فرق، ومقصودهم على الإطلاق إبطال الشريعة، ونفي الصانع، ولا يؤمنون بشيء من الملل، ولا يعترفون بالقيامة، إلا أنهم لا يتظاهرون بهذه الأشياء). ومن الإسماعيلية انبثقت فرق كثيرة، فلا نغتر بالمسميات فإنه لا مشاحة في الاصطلاح، انبثقت من الإسماعيلية: القرامطة، والحشاشون، والفاطميون الذين خربوا معتقد أهل مصر، بحجة أنهم كانوا يرفعون راية حب أهل بيت النبي ﷺ ، والعجيب أنه قد خرج علينا من أهل العلم في عصرنا ممن يشار إليهم بالبنان من يدافع عن الباطنيين وعن معتقداتهم الفاسدة الباطلة! فكل ما نجنيه الآن من ثمار البدع المرة، ما أدخلها إلى مصر بعد الفتح الإسلامي إلا الفاطميون، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فمن الإسماعيلية انبثقت القرامطة، والحشاشون، والحشاشون فرقة، وليس المراد بالحشاشين ما يتبادر إلى الذهن من أول الكلمة. انبثق القرامطة والحشاشون والفاطميون والدروز وغيرهم، وللإسماعيلية فرق متعددة، ووجوه مختلفة وألقاب كبيرة، يقول الشهرستاني: (وأشهر ألقابهم الباطنية، وإنما لزمهم هذا اللقب لحكمهم بأن لكل ظاهر باطناً). ومسألة التأويل الباطني جعلوها رسالة جديدة حملها الأئمة بعد قيام الرسول ﷺ بتبليغ الظاهر، يقولون: هذه الرسالة هي رسالة لتوضيح باطن النصوص؛ النصوص لها ظاهر ولها باطن، وأرجو أن تركزوا معي في كل كلمة، فإن لكل كلمة معنى ومغزى، فالمراد بالباطن أنه لا يكون إلا للأئمة، أما الظاهر فهذه وظيفة الرسول، الرسول ما عليه إلا أن يأتي بالنص، أما الغوص على درر النص والوقوف على كوامنه من الفتوحات والإشراقات والإلهامات فلا يكون إلا للأئمة، وسلك هذا الدرب الصوفية، فلا يمكن ألبتة أن تظهر فرقة شيعية إلا وهي ملتحفة بعباءة الصوفية، كادعاء حب آل بيت النبي ﷺ ، فأرجو أن تنتبهوا. الباطنية جعلوا مسألة التأويل الباطني رسالة عظيمة جديدة حملها الأئمة، ولم يقدر على حملها الأنبياء والرسل، فهذه مجموعة أربع رسائل إسماعيلية: الرسالة الأولى: مسائل مجموعة من الحقائق والأسرار (ص:٣٠) يقول المؤلف فيها: (لما كان الدين ظاهراً وباطناً قام النبي ﷺ بتبليغ الظاهر، وصرف إلى وصيه -أي: إلى الإمام الذي أوصى النبي بإمامته من بعده- نصف الدين الآخر وهو الباطن. وعلم التأويل هو معجزة الأئمة كما أن علم التنزيل هو معجزة الرسول) أي: القرآن، وهم يحاولون بهذه الوسيلة هدم كل النصوص التي قام عليها كيان الإسلام. وذكر الكوثري في كتاب (مقدمة في كشف أسرار الباطنية) عدداً من ألقابهم، فذكر أنهم يسمون في مصر بالعبيدية، نسبة إلى عبيد المعروف، وبالشام بالنصيرية والدروز، وفي فلسطين بالبهائية، وفي الهند بالبهرة والإسماعيلية، وفي اليمن باليامية نسبة إلى قبيلة مشهورة في اليمن بهذا الاسم، وفي بلد الأكراد يسمون بالعلوية، حيث يقولون: علي هو الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيرا، ويعرفون ويسمون في بلاد الترك بالبكتاشية والقزلباشية، على اختلاف منازعهم، وفي بلاد العجم يعرفون بالبابية، ولهم فروع إلى يومنا هذا، تلبس لكل قرن لبوسه، وتظهر لكل قوم بمظهر تقضي به البيئة، وقدماؤهم كانوا يسمون أنفسهم بالإسماعيلية باعتبار تميزهم عن فرق الشيعة الأخرى بهذا الإسلام أي: لانتسابهم إلى إسماعيل بن جعفر الصادق، هذا إيجاز شديد جداً عن فرقة الإسماعيلية كفرقة كبيرة من فرق الشيعة.

стр. 1724

حقيقة الزيدية ومعتقداتها ومدى تأثرها بالفكر الرافضي الزيدية: هم أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وقد افترق الزيدية عن الإمامية الرافضة (الجعفرية)، حينما سئل زيد بن علي بن الحسين بن علي عن أبي بكر وعمر ﵄، فترضى عنهما، وأثنى عليهما خيراً، فلما سمعوا زيداً يقول ذلك رفضوه لرفضه أن يسب أبا بكر وعمر، فسميت هذه الفرقة بفرقة الرافضة أو الروافض، فهم الذين انشقوا عن فرقة الزيدية؛ لأن زيداً أبى أن يسب أبا بكر وعمر، وسمي من لم يرفض زيداً من الشيعة زيدياً لانتسابهم إليه، وذلك في آخر خلافة هشام بن عبد الملك سنة (١٢٢هـ) على الراجح من أقوال أهل السيرة والتاريخ. والزيدية كما يقول الشهرستاني: ساقوا الإمامة في أولاد فاطمة ﵂، ولم يجوزوا ثبوت الإمامة في غيرهم، إلا أنهم جوزوا أن كل فاطمي عالم شجاع سخي خرج بالإمامة أن يكون إماماً واجب الطاعة، سواء كان من أولاد الحسن أو من أولاد الحسين ﵄، وجوزوا إمامة المفضول مع وجود الفاضل. ومذهب الزيدية المعتدلة أو الزيدية الحقيقية في الصحابة هو الترضي عن أصحاب النبي ﷺ ، كما ينقل ذلك ابن الوزير عن الإمام الكبير المنصور بالله -وهو من أئمة الزيدية الكبار باليمن- أنه قال في الرسالة الإمامية في الجواب عن المسائل التهامية: (أما ما ذكره المتكلم عنا من تضعيف آراء الصحابة، فعذرنا أنهم أشرف قدراً، وأعلى أمراً، وأرفع ذكراً، من أن تكون ضعيفة، أو موازينهم في الشرف والدين خفيفة، فلو كان كذلك لما اتبعوا رسول الله ﷺ ومالوا عن إلف دين الآباء والأتراب والقرباء إلى أمر لم يسبق لهم به أنس، ولم يسمع له ذكر، شاق على القلوب، ثقيل على النفوس، فهم خير الناس على عهد رسول الله ﷺ وبعده، فرضي الله عنهم، وجزاهم عن الإسلام خيراً- إلى أن قال الإمام الكبير المنصور بالله -: فهذا مذهبنا لم نكتمه تقية، كيف وموجبها زائل، ومن هو دوننا مكاناً وقدرة يسب ويلعن ويذم ويطعن؟! ونحن إلى الله سبحانه من فعله براء، وهذا ما يقضي به علم آبائنا منا إلى علي ﵇ -إلى أن قال-: وفي هذه الجهة من يرى محض الولاء بسب الصحابة ﵃، والبراءة منهم، فهذا قد تبرأ من محمد من حيث لا يعلم). هذا كلام إمام من أئمة الزيدية المعتدلين كالإمام المنصور بالله، ولكن للأمانة يوجد في الزيدية من هو رافضي قح يقدم علياً على أبي بكر وعمر، بل ويسب أبا بكر وعمر ﵄، ومذهبه في الصحابة كمذهب الرافضة تماماً، كالطائفة المشهورة المعروفة بالجارودية، هذه الطائفة من طوائف الزيدية يعتقدون مذهب ومعتقد الإمامية أو الجعفرية أو الإثني عشرية في سب أصحاب النبي ﷺ ، قال الإمام الشهرستاني في كتابه الماتع: (الملل والنحل): (إن أكثر الزيدية طعنت في الصحابة طعن الإمامية)، ويقول إمام كبير من أئمة الزيدية هو صالح بن مهدي بن علي المقبلي الصنعاني: (إن الزيدية ليس لهم قاعدة محددة، فإنهم أحياناً يطعنون في بعض خيار الصحابة كـ أبي هريرة وجرير بن عبد الله البجلي وأم المؤمنين حبيبة ﵃؛ لأن هؤلاء رووا ما يخالف هواهم، وإذا جاءهم الحديث على ما يوافق هواهم قبلوه من طريق ذلك الصحابي، وإن كان أقل فضلاً ورتبة ممن طعنوا فيه من أصحاب النبي ﷺ . وقال المقبلي أيضاً: (إنه قد سرى داء الإمامية في الزيدية في هذه الأعصار، وهو تكفير الصحابة ومن يتولاهم صانهم الله تعالى)، ولعل ظاهرة اعتناق الزيدية لمذهب الرفض هي التي جعلت بعضهم يقول: جئني بزيدي صغير أخرج لك منه رافضياً كبيراً. ومن عقائد الزيدية قولهم بعصمة فاطمة وعلي والحسن والحسين ﵃ ونحن نعلم أن العصمة للنبي ﷺ وحده، ويقول يحيى بن حمزة بن علي الهاشمي اليمني، وهو من أكابر أئمة الزيدية: (إن معظم فرق الزيدية يقولون بالنص على إمامة الثلاثة -يعني: أن النبي قد نص قبل موته على إمامة علي ثم الحسن ثم الحسين ﵃ ويعتقدون ثبوت إمامة من عداهم من أولاده -أي: من أولاد الحسن والحسين - بالدعوة). أي: بدعوة الناس إلى إمامتهم أو بيعتهم، يعني: هم يقولون بالإمامة في نسل علي ونسل الحسن ونسل الحسين ﵃ جميعاً، ومسألة العصمة لهؤلاء هي كالطعن في أصحاب النبي ﵊، ومسألة النص هي أيضاً كالطعن في أبي بكر وعمر وعثمان رضوان الله عليهم جميعاً، كما أن القائلين بالنص والعصمة يخالفون من ينتسبون إليه وهو الإمام زيد، الذي لم يقل بالنص ولم يقل بالعصمة، فالزيدية الذين يعتقدون نص النبي ﷺ على خلافة علي من بعده ثم الحسن ثم الحسين يخالفون إمامهم، إذ إن زيداً ﵀ لم يقل بهذا، ولم يقل كذلك بالعصمة.

стр. 1725

حقيقة الرافضة الإثني عشرية الإمامية الجعفرية ومعتقداتها الآن نتحدث بالتفصيل عن فرقة الرافضة، وهم الذين يسمون بالجعفرية، أو يسمون بالإمامية الإثني عشرية، أو يسمون بالروافض، ويرى بعض الباحثين أن مصطلح الشيعة إذا أطلق لا ينصرف إلا إلى فرقة الجعفرية أو الرافضة أو الروافض أو الإثني عشرية، هذه كلها مصطلحات لفرقة واحدة. ويسمون بالإمامية؛ لأنهم قالوا بوجوب الإمامة في كل زمان، فالإمامي يطلق عندهم على من دان بوجوب الإمامة ووجودها في كل زمان، وأوجب النص الجلي والعصمة والكمال لكل إمام، ثم حصر الإمامة في ولد الحسين بن علي، وساقها إلى الرضا علي بن موسى. ويسمون بالإثني عشرية؛ لأنهم يقولون بأن الأئمة بعد الرسول ﷺ اثنا عشر إماماً، وهم: علي، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين -وهو المشهور بـ زين العابدين - ومحمد الباقر، وجعفر الصادق، وموسى الكاظم، وعلي الرضا، ومحمد الجواد، وعلي الهادي، والحسن العسكري، والمهدي المنتظر، هؤلاء هم الأئمة الاثنا عشر عند هذه الفرقة التي تسمى بفرقة الإثني عشرية، أو الإمامية، أو الروافض، ويسمون أيضاً بالجعفرية نسبة إلى جعفر الصادق وهو الإمام السادس من الأئمة الذين ذكرت. أما سبب تسميتهم بالروافض فقد ذكرت قبل ذلك: أنهم سموا بالروافض حينما رفض زيد أن يسب أبا بكر وعمر؛ فرفضوا مذهبه ومذهب من تابعه وانشقوا عنه، وسموا حينئذٍ بالروافض. علق شيخ الإسلام ابن تيمية على تعريف الإمام أبي الحسن الأشعري حينما قال في (مقالات الإسلاميين): (إنما سمي الروافض بالروافض؛ لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر) فقال شيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد الثاني: (الصحيح أنهم سموا رافضة؛ لما رفضوا زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لما خرج بالكوفة أيام هشام بن عبد الملك). وذكرت أنهم ما رفضوه إلا لترضيه على أصحاب النبي ﷺ كـ أبي بكر وعمر ﵄. وهذه الطائفة -طائفة الإمامية أو الجعفرية أو الإثنا عشرية- هي الطائفة الكبرى في عالمنا اليوم، وأكثر أتباعها في إيران، والعراق، والقطيف، ولبنان، والكويت، وباكستان، والهند، فهم بالملايين، وليس في مصر ولا في بلاد شمال إفريقيا من هذه الطائفة شيء، إلا نبتات سوء وأفراد، لكنني أقول بيقين: إن أرض مصر أرض تلفظ بذرة التشيع، إلا إذا استطاع أهل هذا المذهب الفاسد أن يتدثروا بعباءة التصوف، ثم يدخلوا على الناس بزعم أنهم يحبون آل بيت النبي ﷺ .

стр. 1726

بطلان دعوى عدم الاختلاف العقدي بين أهل السنة والرافضة ادعى علماء الشيعة أنه لا يفصلهم عن أهل السنة كبير شيء، وإنما خلافهم مع أهل السنة في مسائل الفروع، هم يزعمون ذلك، ويدندنون به، بل ولعل منكم من تابع دعوة التقريب المزعومة بين الشيعة وأهل السنة، ورفع لواء هذه الدعوة من يشار إليهم بالبنان، فهم يزعمون أنه لا توجد على الإطلاق أية فروق جوهرية في الأصول بين معتقد الشيعة وبين معتقد أهل السنة اللهم إلا في الفروع، هكذا يزعمون. يقول محمد حسين آل كاشف الغطاء -وهو من أكابر مراجع الشيعة المعاصرين-: (الشيعة ما هم إلا طائفة من طوائف المسلمين، ومذهب من مذاهب الإسلام، يتفقون مع سائر المسلمين في الأصول، وإن اختلفوا معهم في بعض الفروع) وردد هذا الكلام الخبيث الخطير بعض أهل السنة نقلاً جزافاً عن أكابر أئمة الشيعة، فهل هذه الدعوة حقيقية؟ تعالوا معي لنجيب إجابة مفصلة قد تحتاج إلى خمس محاضرات، وأرجو أن تسامحوني على هذا الإطالة، فالأمر والله جد خطير، ويحتاج إلى وقفة، وأنا أعلم أنه لا يتكلم في مثل هذه الموضوعات إلا في القليل النادر، فالإجابة على قولهم: إن الشيعة ما هم إلا طائفة من طوائف المسلمين، ومذهب من مذاهب الإسلام، يحتاج في تفنيده إلى كتب الشيعة، وإلى كلام أكابر مراجعهم وعلمائهم، فإن مصادر القوم هي المعتمدة عند من يعتنقون مذهب الشيعة، فإنك لو ذهبت الآن لترد عليه بأقوال أهل السنة لألقى بقولك عرض الحائط، لكنك ستلقمه حجراً إذا انطلقت لترد عليه بأقوال أئمة الشيعة، وأكابر مراجعهم في الماضي بل وفي العصر الحاضر، فتدبر معي أيها الأخ الكريم! لنقف مع أول أمر، بل مع أخطر أمر ألا وهو اعتقادهم في مصادر التلقي، أو في أصول الأحكام المتفق عليها بين المسلمين، ما هي مصادر التلقي عند الشيعة؟ من أين استقى الشيعة أصول مذهبهم؟ وما هي نظرة الشيعة لهذه الأصول؟! وما هو معتقدهم فيها؟

стр. 1727

اعتقاد الرافضة في القرآن الكريم القرآن الكريم هو أول مصدر من مصادر التلقي عند المسلمين، لكن انظر إلى معتقد الشيعة في هذا المصدر. يعتقد الشيعة الإثنا عشرية أن القرآن الكريم محرف، وسأنقل لكم الأدلة على ذلك من أقوالهم، ومن كتبهم، ويعتقدون أن هناك كتباً نزلت من السماء بعد القرآن، فهم يقولون بتحريف القرآن الكريم وبتزويره وبنقصه، وبخلل فيه. معلوم أن الأمة قد أجمعت على حفظ كتاب الله جل وعلا؛ مصداقاً لقول الله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، والقرآن الكريم تحدى الله به البشرية جمعاء، إذ لم يتغير فيه حرف، ولم تنقص منه كلمة، ولم تحذف منه آية. تقوم فرية الشيعة على القول بأن هذا القرآن الكريم الموجود بأيدي المسلمين الآن ناقص ومحرف، وأن القرآن الكامل عند علي بن أبي طالب، ثم أورثه الأئمة من بعده، وهو اليوم عند المهدي المنتظر، هذا كلام الشيعة! أقول: إن هذه المقالة الملحدة طعن في كتاب الله وفي دين رسول الله ﷺ ، وهي أيضاً طعن في علي نفسه رضوان الله عليه، إذ كيف يعلم علي أن القرآن الذي بين أيدي المسلمين محرف ومزور وناقص، وأن القرآن الكامل عنده وحده، ثم لا يرد هذه الفرية، ولا يبين للمسلمين هذا الباطل، لا سيما بعدما أصبح خليفة. إذاً: هذا طعن في علي ﵁، ولما جوبه الروافض بذلك لم يجدوا ما يجيبون به سوى أنهم قالوا على لسان عالمهم الكبير نعمة الله بن محمد بن حسين الحسيني الجزائري الشيعي الإمامي، وهو الذي قال عنه الخوانساري: كان من أعظم علمائنا المتأخرين، وأفاخم فضلائنا المتبحرين، وقال فيه محدثهم القمي: كان نعمة الله الجزائري عالماً محققاً مدققاً جليل القدر. اسمع ماذا يقول هذا العالم الكبير المحقق المدقق لما قيل له: كيف لم يبين علي القرآن الصحيح الذي ادخره عنده، وورثه للأئمة، وهو يعلم أن القرآن الذي بأيدي المسلمين مزور ومحرف؟ قال: (ولما جلس أمير المؤمنين ﵇ لم يتمكن من إظهار ذلك القرآن -يقصد القرآن الصحيح المتكامل الذي لم يحرف ولم يزور- ولم يستطع أن يخفي هذا القرآن الأول -أي: الذي في أيدي المسلمين الذي زور وحرف- لما فيه من إظهار الشناعة على من سبقه، إذ لو فعل ذلك لبين أخطاء من سبقوه). انظر إلى هذا الضلال المبين، هكذا يعتذرون، وأي قدح أبلغ من هذا، إنهم يتهمون علياً ﵁ بأنه جامل من سبق من الصحابة على حساب كتاب الله وعلى حساب سنة رسول الله ﷺ ، هذا وربي بهتان عظيم، هذه فحوى الخرافة التي وجدت مكانها في دواوين الشيعة ومجامعهم الحديثية وكتبهم المعتمدة في عشرات من النصوص والروايات. تدبر معي بعض الروايات لأكمل إن شاء الله تعالى في المحاضرة المقبلة. يقول حسين النوري الطبرسي هو عند الشيعة إمام أئمة علم الحديث، وإمام أئمة علم الجرح والتعديل في الأزمان المتأخرة، ألف كتاباً أسماه -واسمع عنوان الكتاب، ويكفي اسم الكتاب- (فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب) وقد ألفه ليثبت من كتبهم أن القرآن محرف، ونقل فيه مجموعة كبيرة من أخبار الشيعة التي تطعن في القرآن، جمعها كما يقول من الكتب المعتبرة التي عليها المعول، وإليها المرجع عند الأصحاب، وقال: (واعلم أن تلك الأخبار منقولة عن الكتب المعتبرة التي عليها معول أصحابنا في إثبات الأحكام الشرعية والآثار النبوية). فهذه الكتب التي ذكرت هذه الأخبار الملحدة موثقة عند علمائهم، ويتلقون عنها دينهم، وهي منسوبة لأكابر علمائهم ومراجعهم ومحدثيهم، كما سمعنا الآن. ومن هذه الكتب صحيحهم الكافي، وهم يشبهونه بصحيح البخاري، يعني: الكافي عند الشيعة يوازي صحيح البخاري عند أهل السنة، ويعتبرون الكافي من أصح كتبهم، ويلقبون مؤلفه وهو محمد بن يعقوب الكليني بأنه ثقة الإسلام، وقد روى الكليني من هذه الأساطير والأقوال الملحدة الشيء الكثير، مع أنه التزم الصحة فيما يرويه؛ ولهذا قرر الكاتبون عنه من الشيعة أنه كان يعتقد التحريف والنقصان في القرآن؛ لأنه روى روايات في هذا المعنى في كتابه الكافي، ولم يتعرض للقدح فيها، مع أنه ذكر في أول الكتاب أنه يثق بما رواه، وهذا كتاب لإمام كبير من أئمتهم.

стр. 1728

أقوال أئمة الشيعة الرافضة في تحريف القرآن هذه بعض النصوص عن الشيعة في تحريف القرآن: يقول عالمهم المجلسي -صاحب كتاب: (بحار الأنوار) - في كتاب (مرآة العقول) المجلد الثاني (ص:٥٣٦): (وعندي أن الأخبار في هذا الباب -أي: في باب تحريف القرآن- متواترة المعنى، وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد على الأخبار رأساً، بل ظني أن الأخبار في هذا الباب لا تقصر عن أخبار الإمامة). لأن الذي نقل إليهم القول بتحريف القرآن هم الذين نقلوا إليهم أصول مذهبهم الفاسد الباطل، كأخبار الإمامة والبداء والرجعة والغيبة إلخ هذه المعتقدات الفاسدة. ويقول شيخهم المفيد: (إن الأخبار قد جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد ﷺ باختلاف القرآن، وما أحدثه بعض الظالمين فيه من حذف ونقصان)، وهذا الكلام في كتاب أوائل المقالات (ص:٩٨) للمفيد، وهو من أكابر أئمة الشيعة. ويقول ثقة الشيعة -هكذا يسمونه- محمد صالح المازندراني: (وإسقاط بعض القرآن وتحريفه ثبت من طرقنا بالتواتر معنى، كما يظهر لمن تأمل في كتب الأحاديث من أولها إلى آخرها)، قال ذلك المازندراني في شرح جامع الكافي المجلد الحادي عشر (ص:٧٦). ويقول شيخهم محسن الكاشاني وهو من أكابر شيوخ الشيعة في كتابه (تفسير الصافي) في المقدمة السادسة من تفسيره: (المستفاد من الروايات من طريق أهل البيت أن القرآن الذي بين أظهرنا ليس بتمامه كما أنزل على محمد). قفوا -يا إخواننا- على هذا المعتقد الخبيث، حتى لا يضحك عليكم الآن جاهل بهذا المذهب الفاسد الباطل، فإنني أعلم أن نبتة سوء قد بدأت تظهر في المنصورة، وتدعو لهذا المذهب الخبيث الفاسد الباطل، وهي ولله الحمد لا تزيد عن ثمانية أفراد، لكن هذا خطر، وأتمنى أن يستمع هؤلاء الإخوة إلى المحاضرات بعد تمامها، لعل الله أن يشرح صدورهم إلى الحق، أسأل الله أن يردنا وأن يردهم إلى الحق رداً جميلاً. يقول شيخهم محسن الكاشاني أيضاً: (بل منه ما هو خلاف ما أنزل الله، ومنه ما هو مغير محرف، وإنه قد حذف منه أشياء كثيرة، منها: اسم علي في كثير من مواضع القرآن، ومنها: لفظة آل محمد في أكثر من موضع، ومنها: أسماء المنافقين في مواضعها، ومنها: غير ذلك، ثم قال: إن القرآن ليس أيضاً على الترتيب المرضي عند الله وعند رسوله). وقد ذكرت لكم ترتيب المصحف، ومراحل جمع القرآن الكريم، ابتداء من عهد النبي ﷺ وانتهاءً بعهد عثمان ﵁ وأرضاه، وذكرت لكم إعجاز القرآن في بلاغته، وفي حروفه، وفي نظمه، وفي اتساقه الذاتي، وفي إعجازه الفكري، وفي إعجازه البلاغي، وإعجازه العلمي، وإعجازه العقدي، ذكرت ذلك بالتفصيل في كثير من المحاضرات قد تصل إلى سبع أو ثمان محاضرات في حديثي عن الإيمان بالكتب، وتحدثت عن التوراة المحرفة والإنجيل المزور، ثم تكلمت بعد ذلك عن القرآن الكريم، وأرجو أن تراجع هذه الأشرطة مرة أخرى. وروى الكليني في كتابه الكافي بإسناده عن أبي جعفر ﵇ قال: (نزل جبريل بهذه الآية على محمد ﷺ هكذا، ألا وهي قوله تعالى: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا في حق علي فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين). وعن جابر الجعفي عن أبي جعفر ﵇ قال: (هكذا نزل قول الله تعالى: (ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به في علي لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً). انظر إلى التحريف الرهيب، هذا تحريف في النص، أما تحريفهم في التأويل -أي: في التفسير- فكثير جداً، فهم يقرءون الآية ويؤولونها تأويلاً رهيباً لا يمت إلى الحقيقة ولا إلى الدين ولا إلى الواقع، بل ولا إلى العقل السليم بأدنى صلة، وأنا لا أدري كيف اغتر بهذا القول الفاسد الملايين من الناس؟!! نسأل الله أن يثبتنا على الحق: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١]. وعن أبي بصير عن أبي عبد الله في قول الله : (ومن يطع الله ورسوله في ولاية علي وولاية الأئمة من بعده فقد فاز فوزاً عظيماً). انظر إلى هذا التحريف!! هذا كله في كتاب الكافي باب: نكت ونتف من التنزيل في الولاية، هكذا عنون صاحب الكافي لهذا الباب الخبيث، المجلد الأول (ص: ٤١٧). نقول لمن افتتن بهذا المذهب فليراجع أصول هذا المذهب في كتبهم، فأنا أنقل الآن من كتبهم: روى الكليني بإسناده عن أبي الحسن وهذا في كتاب الكافي المجلد الأول (ص:٤٢١) -قال: ولاية علي مكتوبة في جميع صحف الأنبياء، ولم يبعث الله رسولاً إلا بنبوة محمد ووصية علي. ومن ذلك أيضاً ما رواه الكليني بإسناده إلى أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: (دفع إلي أبو الحسن ﵇ -وهو علي رضوان الله عليه- مصحفاً، وقال: لا تنظر فيه -انظر التشويق: سيدنا علي أعطاه مصحفاً وقال له: لا تفتحه، إذاً! لماذا أعطاه؟! - يقول: دفع إليه أبو الحسن مصحفاً وقال: لا تنظر فيه، يقول: ففتحته ونظرت فيه وقرأت فيه ((لم يكن الذين كفروا)) ووجدت بعدها اسم سبعين رجلاً من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم -يقصد من الصحابة رضوان الله عليهم -انظر الخبث! -. فبعث إلي -أي: علي - وقال: ابعث إلي بالمصحف). وتمضي افتراءات الشيعة والروافض بأكملها، وتزعم أن بعض السور قد حذفت من القرآن الكريم، وذكر منها شيخهم الطبرسي سورة الحفد، وسورة الخلع، وسورة الولاية. هذا الكلام في كتاب فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب للنوري الطبرسي الذي ذكرته آنفاً (ص:٢٤). ثم في موضع آخر نقل سورة الولاية، واسمع لنص سورة الولاية، قال: نص السورة: بسم الله الرحمن الرحيم، (يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالنورين أنزلناهما يتلوان عليكم آياتي، ويحذرانكم عذاب يوم عظيم، نوران بعضهما من بعض وأنا السميع العليم، إن الذين يوفون ورسوله في آيات -كذا وردت- لهم جنات نعيم، والذين كفروا من بعد ما آمنوا بنقضهم ميثاقهم وما عاهدهم الرسول عليه يقذفون في الجحيم، ظلموا أنفسهم وعصوا الوصي الرسول أولئك يسقون من ماء حميم) انظروا الضلال المبين!! هل هذه سورة؟! كلام مسيلمة أفضل وأنظف منه، وكله يخرج من بوتقة كفر خبيثة واحدة، حينما قرأت هذا النص والله تذكرت كلام مسيلمة، وقلت: سبحان الله! والله إن الكفر ملة واحدة، حينما ذهب إليه أهل الكفر والشرك من أهل الجزيرة وقد ادعى أن وحياً ينزل عليه كما ينزل الوحي على محمد، قالوا: أسمعنا شيئاً مما نزل عليك، فجلس مسيلمة الكذاب يهذي كما يهذي هؤلاء المجرمون الخبثاء، جلس يقول: (والزارعات زرعاً، والحاصدات حصداً، والعاجنات عجناً، والخابزات خبزاً) فضحك القوم، ففهم أن القوم قد تبين لهم كذبه وضلاله، فقال يريد أن يسمعهم شيئاً غير ذلك: (الفيل ما الفيل، وما أدراك ما الفيل، له خرطوم طويل، وذيل قصير) فضحك القوم، وهم أرباب بلاغة، وأرباب بيان، فقال في سورة ثالثة: (يا ضفدع بنت ضفدعين، نقي ما تنقين، نصفك في الماء ونصفك في الطين، لا الماء تكدرين، ولا الشارب تمنعين). فقالوا: يا مسيلمة! قال: نعم، قالوا: والله إنك لتعلم يقيناً أننا نعلم يقيناً أنك كذاب. هم يعلمون يقيناً أنه كذاب، وهو يعلم يقيناً أنهم يعلمون يقيناً أنه كذاب، فهؤلاء يكذبون بهذه الصورة السخيفة على الله جل وعلا، ويختلقون ويزيفون سوراً كاملة، ويزعمون أن هذه قد حذفت من القرآن الكريم. وجاءت روايات كثيرة في كتب الشيعة تأمرهم بالعمل بالمصحف الموجود بين أيدي المسلمين الآن، لماذا؟ قالوا: ريثما يخرج قرآنهم الذي ورّثه علي لإمامهم المهدي المنتظر، وأنتم من أصول مذهبكم التقية، فاعملوا بهذا القرآن إلى أن يخرج المهدي بالقرآن المتكامل الصحيح. يقول نعمة الله الجزائري: (قد روي في الأخبار أن علياً والأئمة ﵈ أمروا شيعتهم بقراءة القرآن الموجود في الصلاة وغيرها، وأن يعملوا بأحكامه حتى يظهر مولانا صاحب الزمان، فيرتفع هذا القرآن من أيدي الناس إلى السماء، ويخرج القرآن الذي ألفه أمير المؤمنين؛ فيقرأ بعد ذلك ويعمل بأحكامه). أقف عند هذا القدر لأواصل إن شاء الله تعالى تحريف الشيعة للأصل الأول من أصول التلقي، وللمصدر الأول من مصادر التلقي ألا وهو القرآن، وكيف أنهم حرفوا أصول النصوص في القرآن، ولم يكتف الروافض بذلك وإنما حرفوا في التأويل أيضاً للقرآن، وهذا ما سنتعرف عليه إن شاء الله في المحاضرة المقبلة. أحمد الله الذي هدانا للحق، وأسأل الله أن يثبتنا عليه، وأن يتوفانا عليه، إنه ولي ذلك ومولاه، وأكتفي بهذا القدر، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1729

الشيعة والقرآن [٢] لم يكتف الشيعة بتحريف نصوص القرآن الكريم، بل قاموا بلي أعناق النصوص وتأويلها بما يوافق معتقداتهم: من إثبات عصمة الأئمة والولاية والبداء والرجعة والمتعة والعصمة، وغيرها من العقائد الباطلة الفاسدة. ولم يقفوا عند هذا الحد، بل ادعوا نزول وحي غير القرآن بعد موت النبي ﵌ على علي وفاطمة ﵄، وكلها دعاوى باطلة سخيفة، تدل على خفة عقولهم وسذاجتهم.

стр. 1730

عقيدة الشيعة في تفسير القرآن بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الأحبة! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. نحن الليلة على موعد مع الدرس السابع عشر من دروس: سلسلة الإيمان باليوم الآخر، ضمن دروس العقيدة لمعهد إعداد الدعاة بمسجد التوحيد، ولا زال حديثنا بحول الله وطوله عن الفتن كعلامة من العلامات الصغرى للساعة، التي أخبر عنها الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ . وشرعت في المحاضرة الماضية في الحديث عن فتنة الروافض، وبينت فيها أصل الشيعة، وأصل هذا المسمى، ثم شرعت في بيان معتقد الشيعة الروافض في القرآن الكريم، فهم يعتقدون أن القرآن الذي بين أيدينا الآن قرآن محرف، وقرآن مزور، وليس هو القرآن الذي أنزله الله على نبينا ﷺ ، وبينت الأدلة على ذلك من كتبهم ومصادرهم المعتمدة. وأبين الليلة إن شاء الله تعالى معتقد الشيعة الروافض في تأويل وتفسير القرآن، فكما انحرف الشيعة الروافض في القرآن ذاته فقد انحرفوا أيضاً في تأويل وتفسير القرآن الكريم، فساروا على غير قواعد اللغة، وعلى غير قواعد الشريعة، وعلى غير قواعد الفهم، بل وعلى غير ما يقبله العقل، وحرفوا القرآن بلي أعناق النصوص بصورة بشعة، والأمر يحتاج منا إلى طول نفس في هذه الليلة ونحن نعدد النصوص من مصادر الشيعة الأصلية ومراجعهم الكبيرة؛ ليتبين لنا هل هذا التحريف والتأويل ما هو إلا أمثلة في كتب التفسير وفي كتب الأصول عندهم قد يتجاوز عنها، أم أن هذا التحريف في التأويل أمر مؤصل ومقعد واعتقاد؟

стр. 1731

نماذج من التأويل المنحرف للقرآن الكريم عند الشيعة الرافضة نقف عند هذه الحقيقة، فأسوق كثيراً من الأمثلة والشواهد التي تبين تأويل الشيعة المنحرف لآيات القرآن الكريم، ومن تفاسيرهم المعتبرة عندهم، كتفسير القمي، وتفسير العياشي، وتفسير البرهان، وتفسير الصافي، كما أن كتبهم المعتمدة في الحديث قد أخذت كثيراً من هذه التأويلات الفاسدة، وعلى رأسها أصول الكافي للكليني، والبحار للمجلسي، وغيرها من الكتب، فتدبروا معي هذه الأمثلة والشواهد التي ستتعب العقل والقلب معاً في هذه الليلة، لكن سنقف على أن هذا التأويل والتحريف في تأويل آيات القرآن الكريم إنما هو أمر اعتقاد، وأمر مؤصل عند الروافض. نجد في مصادر الروافض الأصلية -ككتب التفسير والحديث المعتمدة عندهم- آيات كثيرة جداً جداً تفسر الآية الواضحة بالإمامة والولاية والأئمة، تجد لفظة القرآن صريحة صحيحة في المعنى، ومع ذلك تجد تعسفاً وتمحلاً رهيباً من الشيعة الروافض في تحريف هذه اللفظة أو في تحريف هذه الكلمة لتأصيل معتقد من معتقداتهم.

стр. 1732

تفسير وتأويل الرافضة للفظة القرآن وأسمائه كل الآيات التي وردت في القرآن الكريم تتحدث عن لفظة القرآن فهم يفسرون ويؤولون لفظة القرآن مباشرة بالأئمة، ويؤولون أي اسم من أسماء القرآن في القرآن بالأئمة، والأدلة على ذلك كثيرة منها: قول الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا﴾ [التغابن:٨] أي: والقرآن الذي أنزلنا على محمد ﷺ ، اسمع إلى تفسير الشيعة، يقولون: النور نور الأئمة، انظر إلى الكافي للكليني في كتاب الحجة، باب: أن الأئمة ﵈ نور الله ، المجلد الأول (ص:١٩٤). هذا تفسير الشيعة للفظة (النور) في كتاب الله . وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ﴾ [الأعراف:١٥٧] وهو القرآن، أي: اتبعوا القرآن الذي أنزل الله على محمد ﷺ ، أما الروافض فقالوا: النور في هذه الآية هو علي والأئمة من بعده ﵈. هذا تعسف واضح، وهذا التأويل في كتاب الكافي للكليني في كتاب الحجة باب: أن الأئمة ﵈ نور الله المجلد الأول (ص:١٩٤). والأدلة على هذا كثيرة جداً عندهم، تمضي تأويلاتهم للآيات التي تتحدث عن القرآن الكريم، ولو كانت الآية في غاية الوضوح والدلالة على أن المقصود هو القرآن، فهم يفسرون لفظة القرآن بجميع مترادفاتها بالأئمة. فهم يقولون في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩] أي: يهدي إلى الإمام. هذا أيضاً في كتاب الكافي في المجلد الأول (ص:٢١٦)، أعزو بالصفحة حتى لا يحتج علينا أحد بأن هذا من عندنا، فلقد ذكرت في المحاضرة الماضية أننا لن ننقل كلاماً من كلام أئمة أهل السنة، بل سننقل كلاماً من كتبهم المعتمدة، ومصادرهم ومراجعهم الكلية الكبيرة؛ لنبين إلى أي حد قد انحرف هؤلاء القوم انحرافاً مزرياً في المعتقد، وفي تفسير كتاب الله . وفي رواية في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩] أي: يهدي إلى الولاية. وسنفصل إن شاء الله تعالى الحديث في الولاية وفي الرجعة وفي البداء. إلخ. ويفسرون ما ورد في القرآن من لفظة النور بالأئمة أيضاً بلا أدنى دلالة. وبكل أسف هم ينسبون كل هذه التفسيرات إلى أئمة آل البيت برأهم الله مما قالوا، فآل بيت النبي ﷺ أعلم وأجل وأفضل وأفقه وأبلغ من أن ينسب إليهم مثل هذا الإلحاد في كتاب الله ، فهم ينسبون كل هذه الروايات إلى أئمة أهل البيت، ولاسيما جعفر الصادق رحمه الله تعالى وبرأه الله مما قالوا، فلا يثبت هذا ألبتة عن إمام من أئمة آل بيت النبي ﷺ ابتداء بـ علي رضوان الله عليه والحسن والحسين وجعفر الصادق ومحمد الباقر وغيرهم من أئمة آل بيت النبي، فهم برآء من كل ما ينسبه الشيعة الروافض إليهم من تمحلات لا تتفق مع شرع ولا مع عقيدة، بل ولا مع عقل في تأويلهم الفاسد الباطل في كتاب الله جل وعلا، فهم يقولون في قول الله : ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [الصف:٨] قالوا: النور في هذه الآية هي ولاية علي، أي: يريدون ليطفئوا ولاية أمير المؤمنين ﵇ بأفواههم، قالوا: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ [الصف:٨] يقولون: والله متم الإمامة. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا﴾ [التغابن:٨] يقولون: إن النور هو الإمام، وهذا في كتاب الكافي المجلد الأول (ص:١٩٦). واسمع إلى هذا العجب العجاب في تحريفهم لمعنى قول الله تعالى في سورة النور: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور:٣٥]، اسمع إلى هذا التعسف الواضح الفاضح في تأويلهم لهذه الآيات الواضحة من سورة النور، يقولون: (اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ) المشكاة هي فاطمة ﵍، (فِيهَا مِصْبَاحٌ) الحسن (الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ) الحسين رضوان الله على الحسن والحسين، وبرأهما الله مما يقول الروافض، (الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ) فاطمة كوكب دري بين نساء العالمين، (يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ) الشجرة المباركة إبراهيم ﵇، (زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ) لا يهودية ولا نصرانية، (يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ) يكاد العلم يتفجر منها، (وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ) إمام من فاطمة بعد إمام (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ) يهدي الله للأئمة من يشاء (وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ) الآيات!! وقالوا في قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُوراً﴾ [النور:٤٠] أي: ومن لم يجعل الله له إماماً من ولد فاطمة ((فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ)) أي: فما له من إمام يوم القيامة، هذا تحريف الشيعة الروافض الفاسد الفاضح لكتاب الله جل وعلا.

стр. 1733

تفسير الشيعة الرافضة للشرك والكفر في القرآن الكريم وكما أولوا ما جاء في القرآن الكريم عن القرآن والنور بالإمامة، فهم يؤولون ما جاء في كتاب الله جل وعلا من النهي عن الشرك والكفر، فتأتي لفظة الشرك صريحة وتأتي لفظة الكفر صريحة فيؤولون لفظة الشرك ولفظة الكفر بالكفر بولاية علي ﵁، ويؤولون ما جاء في عبادة الله وحده واجتناب الطاغوت بولاية الأئمة والبراءة من أعدائهم، ومن ذلك قولهم في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] قالوا: أي: ما بعث الله نبياً قط إلا بولايتنا، والبراءة من عدونا، وذلك هو قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] أي: ما بعث الله نبياً قط إلا بولايتهم والبراءة من أعدائهم، هذا تأويل الآية عندهم! وفي قول الله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النحل:٥١] قالوا: يعني بذلك: ولا تتخذوا إمامين إنما هو إمام واحد، وهذا الكلام بفضل الله كل لفظة منسوبة إلى مصدرها، هذا الكلام موجود في تفسير العياشي، وهو من التفاسير المعتمدة عند الشيعة، المجلد الثاني (٢١٦)، وموجود في تفسير البرهان وهو من التفاسير المعتمدة عند الشيعة المجلد الثاني (ص:٣٧٣)، وموجود في تفسير: نور الثقلين المجلد الثالث (ص:٦٠). ويقولون في قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥] خطاب من الله لنبيه ﷺ ، قالوا: لئن أمرت بولاية أحد مع ولاية علي ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين، انظر إلى هذه البشاعة والفضاعة في تفسير الصافي المجلد الثاني (ص:٤٧٢)، وقد نقل هذه الرواية أيضاً عن الصافي شيخ الشيعة القمي شيخ الكليني في تفسيره، وكذلك هذه اللفظة موجودة بنصها في تفسير نور الثقلين في المجلد رقم أربعين (ص:٤٩٨). وفي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠] قالوا: العمل الصالح المعرفة بالأئمة، (ولا يشرك بعبادة ربه أحداً) أي: يسلم لـ علي ولا يشرك معه في الخلافة من ليس ذلك له ولا هو من أهله. تفسير العياشي الجزء الثاني (ص:٣٥٣)، وتفسير البرهان المجلد الثاني (ص:٤٩٧) وفي غيرهما. وفي قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة:٤١] قالوا: ولا تكونوا أول كافر بـ علي. رضي الله عن علي وبرأه الله مما قالوا. وقالوا ببشاعة رهيبة في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] أي: من بني أبي بكر ومن بني عمر. وقالوا: هم أولياء فلان وفلان وفلان يعنون أبا بكر وعمر وعثمان، اتخذوهم أئمة من دون الإمام. أي: من دون علي ﵁. هذا الكلام موجود في تفسير العياشي المجلد الأول (ص:٧٢)، وفي تفسير البرهان المجلد الأول (ص:١٧٢)، وفي تفسير الصافي المجلد الأول (ص:١٥٦)، وفي تفسير نور الثقلين المجلد الأول (ص:١٥١). وسأبين لكم تفسير شيوخهم الآن لهذه الآيات بأنهم يقصدون أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عن الجميع، كما سأبين الآن معتقدهم في الآيات التي ذكر فيها صحابة النبي ﷺ رضوان الله عليهم جميعاً. وفي قول الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأعراف:٣٠] قالوا: يعني: أئمة دون أئمة الحق. (اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ) أي: الأئمة الذين تولوا الخلافة قبل علي. هذا في تفسير الصافي المجلد الأول (ص:٥٧١). ويقولون في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨] يعني: أنه لا يغفر لمن يكفر بولاية علي، وأما قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] يعني: لمن والى علياًً ﵇، والروايات في هذا كثيرة جداً جداً، ولا أريد أن أطيل في هذه الجزئية.

стр. 1734

تفسير الشيعة الرافضة للفظة الصلاة في القرآن الكريم الرافضة يؤولون بعض آيات القرآن كلفظة الصلاة بالأئمة والإمامة أيضاً، يعني: لم يكتفوا بلفظة القرآن ولا بلفظة النور، وإنما أولوا أيضاً لفظة الصلاة الواردة في كتاب الله جل وعلا بالأئمة أو بالولاية، فهم يقولون في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] قالوا: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ) هي رسول الله وأمير المؤمنين علي، والحسن والحسين، والصلاة الوسطى هي علي وحده، (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) أي: طائعين للأئمة. تفسير العياشي المجلد الأول (١٢٨)، وتفسير البرهان المجلد الأول (٢٣١)، والبحار (ص:١٥٤) المجلد السابع. فهذه بعض تأويلاتهم لآيات الصلاة، وقد مضى تأويلهم لعموم الأعمال الصالحة بالإمامة، ولا أريد أن أقف مع كل الروايات والنصوص الثابتة، فكتبهم مشحونة بمثل هذا الأسلوب الفاضح في التأويل المتعسف لكتاب الله .

стр. 1735

تفسير الرافضة لمعنى الذين يتلون الكتاب حق تلاوته وللفظ الآيات والنبأ يؤول الرافضة قول الله تبارك: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة:١٢١] بالأئمة ﵈ (الذين يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به) قالوا: هم الأئمة ﵈ كما في الكافي في كتاب الحجة باب: في أن من اصطفاه الله من عباده وأورثهم كتابه هم الأئمة ﵈، انظر حتى الترجمة التي للباب!! المجلد الأول (ص:٢١٥). والأئمة عند الروافض هم أهل الذكر، وهم الراسخون في العلم، وهم الذين أوتوا العلم. قالوا في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧]: الراسخون في العلم: هم أمير المؤمنين والأئمة من بعده. نحن نقر بأن علياً رضوان الله عليه من الراسخين في العلم، بل من أئمة العلم، لا ننكر هذا، فالحق نثبته ونقره، ولو كان على لسان الروافض أو على لسان غيرهم، فلقد أثبت الله الحق على لسان أهل الكتاب مع كفرهم بالله جل وعلا، فقال : ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً﴾ [آل عمران:٧٥] فالله يثبت الحق لأهله، فنحن نثبت بأن علياً رضوان الله عليه من الراسخين في العلم، بل ومن أئمة العلم، فهذه ما زاغوا فيها عن الحق. ثم يقولون: والأئمة من بعد علي رضوان الله عليه، بل وستعجب إذا علمت أن الأئمة عندهم هم آيات الله، وهم النبأ العظيم، وهم الآيات المحكمات! ففي تفسير قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾ [الأعراف:٦٩] ذكروا أنه سأل يوسف البزاز أبا عبد الله -وهو جعفر الصادق - عن قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾ [الأعراف:٦٩] فقال جعفر الصادق -برأه الله مما قالوا-: أتدري ما آلاء الله؟ قلت: لا، قال: هي أعظم نعم الله على خلقه، وهي ولايتنا. انظر تفسير الكافي المجلد الأول (ص:٢١٧). وعندهم أن الأئمة هم آيات الله أيضاً، قال الكليني: باب: أن الآيات التي ذكرها الله في كتابه هم الأئمة، وساق عدة روايات في ذلك، قال في قوله تعالى: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا﴾ [القمر:٤٢]: أي: كذبوا بالأئمة الأوصياء. وهم النبأ العظيم -في زعمهم- المذكور في قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنْ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ:١ - ٢] ومعلوم أن النبأ العظيم في الآية هو يوم القيامة، وهم يفسرون النبأ العظيم بالأئمة، قال أبو حمزة عن أبي جعفر قال: قلت له: جعلت فداك! إن الشيعة يسألونك عن تفسير هذه الآية: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنْ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ:١ - ٢]، فقال: ذلك إلي، إن شئت أخبرتهم وإن شئت لم أخبرهم، ثم قال: لكن أخبرك بتفسيرها، ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ:١] هي في أمير المؤمنين صلوات الله عليه، كان أمير المؤمنين صلوات الله عليه يقول: ما لله آية هي أكبر مني، ولا لله من نبأ هو أعظم مني. تعالى الله عما يقولون علوا ًكبيراً، وبرأ الله علياً وأبا جعفر الصادق رضوان الله عليهما جميعاً مما يقول هؤلاء الظالمون. حتى لفظة الآيات المحكمات في كتاب الله جل وعلا فسرت عندهم بالأئمة، روى العياشي عن أبي عبد الله جعفر الصادق في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧] قال: الآيات المحكمات هي أمير المؤمنين والأئمة، (وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) قال: أبو بكر وعمر وعثمان، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران:٧] أي: أصحابهم وأهل ولايتهم، ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران:٧] تفسير العياشي المجلد الأول (ص:١٦٢)، وتفسير البرهان المجلد الأول (ص: ٢٧١)، وتفسير البحار المجلد السابع (ص:٤٧).

стр. 1736

تفسير الرافضة للنحل والحفدة والأسماء الحسنى في القرآن الكريم تأويل الرافضة لكثير من آيات القرآن بالإمامة والأئمة يزيد على الحصر، وكأن القرآن لم ينزل إلا في الولاية وفي الأئمة، بل إن تعسفهم في تأويل الآيات في الأئمة والولاية -والله الذي لا إله غيره- لا أقول: هم يخالفون قواعد اللغة أو قواعد الشرع فقط، بل هم يخالفون حتى قواعد العقل السليم، فالأئمة عندهم هم النحل المذكور في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل:٦٨] قالوا: يعني: إلى الأئمة، سبحان الله! هل الأئمة سيتخذون الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون؟ عقد المجلسي باباً في كتابه بعنوان: باب نادر في تأويل النحل بالأئمة، وهذا الكلام موجود أيضاً في تفسير العياشي المجلد الثاني (ص:٢٦٤)، وفي تفسير البرهان المجلد الثاني (ص:٣٧٥)، وفي تفسير الصافي المجلد الأول (ص:٩٣١)، وفي غيرها، وأنا لا أنقل كلمة إلا من مصادرهم؛ حتى لا يحتج علينا أحد بأننا ننقل كلاماً من كلام أئمتنا أهل السنة، بل هذا من كتبهم ومراجعهم الأصلية التي يعتمدون عليها ويرجعون إليها. وهم الحفدة المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [النحل:٧٢] قالوا: الحفدة هم الأئمة، وقالوا في قوله تعالى: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٤٧]: أي: عن الأئمة، وقالوا في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الحاقة:٥٠]: أي: علي ﵁، وقالوا في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الحاقة:٥١]: أي: علي ﵁، وقالوا في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]: هو صراط علي ﵁. هذا شيء رهيب!! والأئمة عندهم هم الأيام والشهور الواردة في القرآن، عقد المجلسي باباً في تفسيره بعنوان: باب تأويل الأيام والشهور بالأئمة ﵈، لو وردت لفظة أيام في القرآن إذاً هي الأئمة، ولفظة الشهور في القرآن تعني: الأئمة، شيء عجيب! بل ستعجبون أنه لو وردت لفظة الأسماء الحسنى لله فهي الأئمة، يروون عن الرضا أنه قال: إذا نزلت بكم شدة فاستعينوا بنا على الله، وهو قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، قال أبو عبد الله: نحن والله الأسماء الحسنى الذي لا يقبل من أحد إلا بمعرفتنا، قال: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] أي: ادعوه بنا، أي: بالأئمة. تفسير العياشي المجلد الثاني (ص:٤٢)، تفسير الصافي المجلد الأول (ص:٦٢٦)، البرهان المجلد الثاني (ص:٥١).

стр. 1737

تفسير الرافضة للآيات الواردة في الكفار والمنافقين الآيات التي وردت في الكفار والمنافقين يؤولوها الرافضة في خيار أصحاب سيد المرسلين، تعرّفوا على هذا المعتقد الضال الفاسد، هذه فتنة من أعظم الفتن، فإن كثيراً ممن يشار إليهم بالبنان من أهل السنة لا يعرفون شيئاً عن هذا المعتقد الضال، بل وينكرون على من تكلم عن هؤلاء، ويقولون: إنه لا خلاف بيننا وبينهم إلا في بعض الفروع الفقهية، إنما هو اختلاف مذاهب، فقفوا على هذا المذهب لتعرفوا على هذا الخطر العظيم. يقولون في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنْ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنْ الأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت:٢٩]: هما أبو بكر وعمر رضوان الله عليهما، يقولون: وكان فلان شيطاناً يعني: عمر بن الخطاب ﵁، فلفظة شيطان يقولون: ما وردت في القرآن كله من أوله إلى آخره إلا ويراد بها عمر رضوان الله عليه! هم يسبون الخيرين الكبيرين الوزيرين الأولين الحبيبين لرسول الله ﷺ ، بل يسبون أحب الخلق إلى المصطفى، ففي صحيح البخاري من حديث عمرو بن العاص قال: (قلت: يا رسول الله! أي: الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قال: من الرجال؟ قال: أبوها، قال: ثم من؟ قال: ثم عمر) رضي الله عن أبي بكر وعمر. انظر فروع الكافي في هامش مرآة العقول المجلد الرابع (ص:٤١٦). قال المجلسي وهو يشرح كتاب الكافي، وهو تفسير من تفاسير الشيعة المعتمدة الكبيرة، وهو يبين مراد صاحب الكافي بهذه العبارات، قال: (رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا) قال: هما أبو بكر وعمر، والمراد بفلان عمر أي: الجن المذكور في الآية عمر، وإنما سمي به؛ لأن عمر كان شيطاناً على حسب زعمه! وفي قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة:١٢] يروي العياشي عن حنان بن سدير عن أبي عبد الله ﵇ قال: سمعته يقول: دخل علي أناس من البصرة فسألوني عن قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة:١٢] فقال: طلحة والزبير كانا إمامين من أئمة الكفر! طلحة هو صاحب اليد التي قطعت وهو يدفع عن رسول الله، طلحة الجود، طلحة الخير، طلحة الفياض، صاحب اليد التي شلت وهي تذب عن رسول الله يوم أحد، كان إماماً من أئمة الكفر عند الروافض الفجرة، وكذلك الزبير بن العوام حواري رسول الله ﷺ كان إماماً من أئمة الكفر عند الروافض! انظر تفسير العياشي المجلد الثاني (ص:٧٧ - ٧٨)، وتفسير البرهان المجلد الثاني (ص:١٠٧)، وتفسير الصافي المجلد الأول (ص:٦٨٥). ويقولون في قوله ﷺ : (اللهم أعز الدين بـ عمر بن الخطاب أو بـ أبي الحكم عمرو بن هشام) قالوا: لما دعا النبي ربه بهذا الدعاء، نزل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً﴾ [الكهف:٥١] ويقصدون عمر رضوان الله عليه، انظر تفسير العياشي، والبرهان، والبحار. ويقولون في قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة:١٦٨]: خطوات الشيطان: ولاية فلان وفلان، أي: ولاية أبي بكر وعمر. تفسير العياشي، والبرهان، والصافي. وفي قوله تعالى: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنْ الْقَوْلِ﴾ [النساء:١٠٨] يفترون على أبي جعفر الصادق -برأه الله مما قالوا- أنه قال فيها: فلان وفلان، أي: أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح، وفي رواية أخرى: (إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنْ الْقَوْلِ) افتروا على أبي الحسن أنه قال هما أبو بكر وعمر وفي رواية ثالثة: وأبو عبيدة، وفي رواية: الأول والثاني والثالث أي: أبو بكر وعمر والثالث هو أبو عبيدة، فهؤلاء هم الذين يبيتون في حق علي ما لا يرضى من القول. ويفترون على أبي عبد الله جعفر الصادق في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً﴾ [النساء:١٣٧] قال: نزلت في أبي بكر وعمر، آمنوا برسول الله وآله في أول الأمر، ثم كفروا حين عرضت عليهم الولاية لـ علي حيث قال: (من كنت مولاه فـ علي مولاه)، ثم آمنوا بالبيعة لأمير المؤمنين حيث دانوا له بأمر الله وأمر رسوله فبايعوه، ثم كفروا حيث مضى رسول الله ﷺ فلم يقروا بالبيعة، ثم ازدادوا كفراً بأخذهم من بايعوه -أي: من بايعوا علياً - البيعة لهم، فهؤلاء لم يبق لهم من الإيمان شيء. تفسير العياشي المجلد الأول (ص:٢٨١)، وتفسير الصافي المجلد الأول (ص:٤٠٤)، وتفسير البرهان المجلد الأول (ص:٤٢٢)، وتفسير البحار المجلد الثامن (ص:٢١٨).

стр. 1738

تأويل الرافضة لآيات يزعمون أنها في المهدي الرافضة يتعسفون في تأويل نصوص القرآن؛ ليثبتوا ما رسخ عندهم من اعتقاد، فلا يتورع أحدهم أبداً من أن يلوي عنق النص من أجل أن يثبت عقيدته الفاسدة الباطلة، فمن أجل إثبات عقيدتهم في مهديهم المنتظر تعسفوا في التأويل، ومهدي الشيعة المنتظر يخالف تماماً المهدي المنتظر عند أهل السنة، كما سأفصل ذلك إن شاء الله تعالى. ففي قوله : ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة:١ - ٣] يقولون: من أقر بأن قيام القائم ﵇ حق، (يؤمنون بالغيب) يعني: يؤمنون بـ القائم ﵇ وغيبته. وعن جابر عن أبي جعفر في قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة:٣] قال: خروج القائم، وأذان دعوته إلى نفسه!! إلى آخر هذا الغثاء الذي يتعب القلب والعقل معاً، والأمثلة على تعسفهم في تفسير آيات الله جل وعلا في المهدي المنتظر كثيرة، حتى ألفوا في هذا كتباً مستقلة، ككتاب: ((ما نزل من القرآن في صاحب الزمان)) لـ عبد العزيز الجلودي، وكذلك كتاب: ((المحجة فيما نزل في القائم الحجة)) للسيد هاشم البحراني، وهذا الكتاب كله عبارة عن آيات من القرآن تؤول تأويلاً باطلاً ضالاً، تأويل إلحاد لا لبس فيه ولا غموض، يثبتون بالآيات القرآنية خروج مهديهم المنتظر زاعمين أن هذه الآيات وردت في مهديهم المنتظر.

стр. 1739

حكم تأويلات الرافضة الفاسدة للقرآن الكريم الرافضة في تأويلهم لآيات الله جل وعلا يتعسفون أيما تعسف، ويحاولون البحث عن آيات يفسرون على ضوئها معتقدهم في التقية، وفي البداء، وفي الرجعة، وفي غير ذلك من معتقداتهم. هذه أمثلة قليلة لتأويلهم لكتاب الله جل وعلا، ولتعسفهم في فهم آيات الله ﵎، فهم يفسرون القرآن تفسيراً باطنياً، لا تربطه بالآية على الإطلاق أدنى صلة، وكأن القرآن لم ينزل بلسان عربي مبين، وكأنه لم يجعله الله ﵎ هداية ودستوراً للخلق أجمعين، فالله تعالى قال: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧] هذا القرآن يخاطب العالم، ولا شك أن تلك التأويلات إلحاد في كتاب الله تعالى، قال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ [فصلت:٤٠] الإلحاد: هو أن يوضع الكلام في غير موضعه، وذلك بالانحراف في تأويله. وقال صاحب (الإكليل) الإمام السيوطي رحمه الله تعالى: في هذه الآية: (إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا) الرد على من تعاطى تفسير القرآن بما لا يدل عليه جوهر اللفظ كما يفعله الباطنية والاتحادية والملاحدة. وقال صاحب كتاب: إكفار الملحدين محمد أنور شاه الكشميري (ص:٢): وهؤلاء الذين يلحدون في آيات الله ويحرفونها عن معانيها، وإن كتموا كفرهم وتستروا بالتأويل الباطل وأرادوا الإخفاء، لكنهم لا يخفون على الله تعالى.

стр. 1740

حقيقة كتاب التبيان للطوسي والبيان للطبرسي أقول: إننا لا نتورع البتة أن نثبت الحق إن رأينا شيئاً من الحق، فعند الرافضة كتابان هما: كتاب التبيان للطوسي، وكتاب مجمع البيان للطبرسي، هذان الكتابان من كتب التفسير عند الشيعة، وقد سلما عن هذا الإلحاد المبين في تفسير آيات رب العالمين، وإن كان هذان الكتابان قد دافعا عن أصول العقيدة الشيعية في بعض الآيات، ولكنهما -للأمانة- لا يقاربان بحال ما ورد في تفسير العياشي أو الكافي أو البحار أو الصافي أو غيرها. وكان من المفترض أن ننوه إلى هذا من باب العدل والإنصاف، لولا أن وقفنا على سر خطير لعالم الشيعة ومحدثها وخبير رجالها وصاحب آخر مجموع من مجامعها الحديثية، وهذا الرجل هو أستاذ كثير من علماء الشيعة الأقطاب كـ محمد حسين آل كاشف الغطاء، وآغا بزرك الطهراني وغيرهما، هذا العالم هو عالم الشيعة الكبير: حسين النوري الطبرسي، كشف لنا سراً خطيراً بقي دفيناً، ولولاه ما أمطنا اللثام عن حقيقة كانت مجهولة لدينا، اسمع ماذا قال عن كتاب التبيان للطوسي الذي ذكرته الآن؟! قال: (ثم لا يخفى على المتأمل في كتاب التبيان أن طريقته فيه على سبيل المداراة والمماشاة مع المخالفين) وهذا أصل من أصول الشيعة الذي يقال له: التقية، هذا كلام عالم من علمائهم في كتاب التبيان. ويقول في كتاب مجمع البيان: (ثم لا يخفى على المتأمل في (مجمع البيان) أيضاً أن طريقته فيه على سبيل المداراة والمماشاة مع المخالفين، فإنك تراه اقتصر في تفسير الآيات على نقل كلام الحسن وقتادة والضحاك والسدي وابن جريج والجبائي والزجاج وابن زيد وأمثالهم، ولم ينقل عن أحد من مفسري الإمامية، ولم يذكر خبراً عن أحد من الأئمة ﵈ إلا قليلاً في بعض المواضع، لعله وافقه في نقله المخالفون، بل عد الأولين في الطبقة الأولى من المفسرين الذين حمدت طرائقهم، ومدحت مذاهبهم، وهو بمكان من الغرابة لو لم يكن على وجه من المماشاة). فمن المحتمل أن يكون الأمر كما قال، وممن يؤيد كون وضع الكتاب على التقية السيد علي بن طاوس في كتابه ((سعد السعود)) وهذا لفظه: (ونحن نذكر ما حكاه جدي أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في كتاب ((التبيان))، وحملته التقية على الاقتصار عليه من تفصيل المكي من المدني، والخلاف في أوقات إلخ هكذا لم يكمل الطوسي العبارة، وقال الطبرسي معقباً، وهو أعرف بما قال -أي: الطوسي -: لا يخفى هذا على من اطلع على مقامه فتأمل). أعتقد أن الكلام الذي ذكر في التبيان أو في مجمع البيان هو على سبيل المجاراة، وعلى سبيل التقية، لكن العقيدة واحدة لا تتبدل ولا تتغير. ومن هذا الكلام يتبين أن التبيان للطوسي قد وضع على أسلوب التقية، كما هو رأي عالم الشيعة الكبير المعاصر كما ذكرت، أو أن يكون تفسير التبيان قد صدر من الطوسي نتيجة اقتناع فكري بإسفاف ما عليه القوم من تفسير، ومعنى هذا أن شيعة اليوم هم أشد غلواً وتطرفاً؛ ولذا تراهم يعتبرون تفسير الطوسي وأمثاله من التفاسير التي ألفت للخصوم، والتزمت بروح التقية؛ لتبشر بالعقيدة الشيعية بين من لا يدينون بعقيدة الروافض. وقد سار على نهج الطوسي عالمهم أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي، وهو من أكابر علمائهم في القرن السادس الهجري، وقد أشار الطبرسي في مقدمة تفسيره إلى اتباعه لمنهج الطوسي حيث قال: (إلا ما جمعه الشيخ الأجل السعيد أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي قدس الله روحه من كتاب التبيان، فإنه الكتاب الذي يقتبس منه ضياء الحق، ويلوح عليه رواء الصدق، وهو القدوة أستضيء بأنواره، وأتتبع مواقع آثاره) يعني: هو يقتفي وينسج على نهج كتاب التبيان.

стр. 1741

بطلان ادعاء الرافضة نزول وحي غير القرآن من أبشع ما وقفت عليه أن الشيعة الرافضة لم يكتفوا بالقول بتحريف كتاب الله جل وعلا على الحد الذي بينت، بل زعموا أن كتباً أخرى كالقرآن أنزلها الله على علي وعلى فاطمة، هل سمعتم بهذا؟! الروافض يعتقدون أن كتباً أخرى كالقرآن نزلت على فاطمة وعلى علي ﵄ وبرأهما الله مما قالوا. فلقد تضمنت كتب الشيعة ومراجعها المعتبرة دعاوى عرضية ومزاعم خطيرة، تزعم أن هناك كتباً مقدسة قد نزلت من السماء بوحي من الله جل وعلا إلى الأئمة، وأحياناً تورد كتب الشيعة الأصلية نصوصاً وروايات، ويزعمون أن هذه النصوص وتلك الروايات مأخوذة من الكتب التي نزلت على الأئمة، وعلى رأسهم علي رضوان الله عليه وبرأه الله مما قالوا.

стр. 1742

أدلة الرافضة في إثبات وحي غير القرآن أنقل إليكم بعض النصوص باختصار بكل أمانة في هذا المبحث الخطير من مباحث الروافض، وتدبر معي هذه الأسطورة الخطيرة: يروي الكليني بسنده عن حماد بن عثمان قال: سمعت أبا عبد الله -يعني: جعفر الصادق برأه الله مما قالوا- يقول: يظهر الزنادقة في سنة ثمان وعشرين ومائة، وذلك أني نظرت في مصحف فاطمة ﵍، قال: قلت: وما مصحف فاطمة؟ قال: إن الله تعالى لما قبض نبيه ﷺ دخل على فاطمة ﵍ من وفاته من الحزن ما لا يعلمه إلا الله ، فأرسل الله إليها ملكاً يسلي غمها ويحدثها، فشكت ذلك إلى أمير المؤمنين ﵇، فقال لها علي: إذا أحسست بذلك وسمعت الصوت -أي: صوت الملك- فقولي لي، فأعلمته بذلك، فجعل أمير المؤمنين يكتب كلما سمع من الملك، حتى أثبت من ذلك مصحفه، ثم قال: أما إنه ليس فيه شيء من الحلال والحرام، ولكن فيه علم ما سيكون. أصول الكافي، كتاب الحجة، باب فيه ذكر الصحيفة (ص:٢٤٠) المجلد الأول. وفي كتاب (دلائل الإمامة) -وهو من كتبهم المعتمدة عندهم- ترد رواية تصف مصحف فاطمة المزعوم، بأن فيه خبر ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وفيه خبر كل سماء، وفيه خبر عدد ما في السماوات من الملائكة، وفيه عدد كل من خلق الله من المرسلين بأسمائهم وأسماء من أرسل إليهم، وأسماء من كذب، وأسماء من أجاب، وأسماء جميع من خلق الله من المؤمنين والكافرين، وفيه أيضاً صفة كل من كذب، وصفة القرون الأولى، وفيه صفة كل من ولي من الطواغيت بمدة ملكهم وعددهم، وأسماء الأئمة وصفتهم، وما يملك كل واحد، وفي هذا المصحف جميع ما خلق الله، وفيه صفة أهل الجنة بأعدادهم ومن يدخلها، وبعدد من يدخل النار وبأسمائهم، وفيه علم القرآن كما أنزل، وفيه علم التوراة كما أنزلت، وفيه علم الإنجيل كما أنزل، وفيه علم الزبور، وفيه عدد كل شجرة ومدرة في جميع البلاد. وهذا نقله محمد بن جرير بن رستم الطبري -وهذا غير ابن جرير الطبري إمام من أئمة أهل السنة- في كتابه (دلائل الإمامة) (ص:٢٧، ٢٨). والله أمور تمرض القلب، وأنا أصبت بالغم أكثر من مرة هذا الأسبوع، والحقيقة أن الواحد لا يعرف كيف يكون حجم هذا المصحف الذي فيه هذه العلوم؟! وكيف يقرأ؟! وإذا كان العلم هذا كله عند الأئمة -والولاية مفقودة منهم من مئات السنين- فلماذا لا يقدرون أن يستردوا الولاية بهذا العلم؟ هذا كلام لا يمت إلى العقل، ولا إلى الفهم الصحيح بأدنى صلة، بل ولا إلى الفهم السقيم بأدنى صلة، وتذكر رواية دلائل الإمامة صفة نزول هذا المصحف على خلاف ما جاء في الرواية السابقة التي في الكافي، ففي الرواية السابقة أن الملك كان يأتي وسيدنا علي قال للسيدة فاطمة: لما يأتي الملك أعلميني به، وبدأ هو يكتب، لكن الرواية الأخرى تصف نزول هذا المصحف على خلاف ما جاء في الرواية التي في الكافي، فتذكر رواية دلائل الإمامة أنه نزل -أي: مصحف فاطمة- جملة واحدة من السماء، بواسطة ثلاثة من الملائكة هم: جبريل وإسرافيل وميكائيل، فهبطوا به وفاطمة رضوان الله عليها وبرأها الله مما قالوا قائمة تصلي، فما زالوا قياماً حتى قعدت، ثم فرغت من صلاتها، وسلموا عليها وقالوا: السلام يقرئك السلام، ووضعوا المصحف في حجرها، فقالت فاطمة: لله السلام، ومنه السلام، وإليه السلام، وعليكم -يا رسل الله- السلام، ثم عرجوا إلى السماء، فما زالت من بعد صلاة الفجر إلى زوال الشمس تقرؤه حتى أتت على آخره، قالوا: ولقد كانت ﵍ مفروضة الطاعة على جميع من خلق الله من الجن والإنس والطير والوحش والأنبياء والملائكة! وفي الراوية: قلت: جعلت فداك! فلمن صار ذلك المصحف بعد مضيها -أي: بعد موتها-؟ فقال: دفعته إلى أمير المؤمنين علي، فلما مضى علي -أي: قتل- صار إلى الحسن، ثم إلى الحسين، ثم عند أهله حتى يدفعوه إلى صاحب هذا الأمر يعني: مهديهم المنتظر. وأيضاً هم يدّعون غير مصحف فاطمة، فيؤمنون بنزول اثني عشر صحيفة من السماء تتضمن صفات الأئمة كما في حديث طويل من أحاديثهم يرويه صدوقهم ابن بابويه القمي، وهم يلقبونه بـ الصدوق، يروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن الله ﵎ أنزل علي اثني عشر خاتماً، واثني عشر صحيفة، اسم كل إمام على خاتمة، وصفته في صحيفته)، وهذا الكلام موجود في كتاب (إكمال الدين) لـ ابن بابويه القمي (ص:٢٦٣). أكتفي بهذا القدر من هذا الغثاء، ومن هذا التأويل الباطل والمتعسف في كتاب الله ؛ ليقف كل مسلم على حقيقة معتقد القوم، فإن القول بأن الخلاف بين أهل السنة وبين الشيعة خلاف في فروع المسائل الفقهية فهو كلام ضال يحتاج صاحبه إلى توبة إلى الله جل وعلا إن كان يفهم ما يقول، ويحتاج إلى أن يتعلم إن كان يجهل ما يقول، فالأمر جد خطير، إنه أمر اعتقاد. وأواصل إن شاء الله تعالى في الأسبوع المقبل -إن قدر الله لنا البقاء واللقاء- الكلام عن معتقد القوم في سنة النبي ﷺ ، بعد ما أجملت في محاضرتين مجمل معتقد القوم في تحريف القرآن الكريم وتزويره وتأويله، فأبين معتقدهم في سنة النبي ﵌، أبين كذلك معتقدهم في أصحاب النبي ﵊.

стр. 1743

أمواج الردة وصخرة الإيمان أعداء الإسلام يعلمون جيداً أنه لا سبيل لهم إلى هذه الأمة إلا بعد زعزعة ثوابتها، وتشكيكها في دينها، ولذلك خططوا بالليل والنهار للقضاء على ثوابت الأمة عن طريق الممسوخين والمرتدين من أبنائها، ليكون ذلك أبلغ وأعظم مكراً، وبالرغم من دهائهم وضخامة ما بذلوه من مال ووقت وجهد، إلا أن أمواجهم تحطمت على صخرة الإيمان، وباء مشروعهم بالفشل، والله غالب على أمره.

стр. 1744

دعاة على أبواب جهنم بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح للأمة فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الفضلاء! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم -جميعاً- من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا الذي جمعني مع حضراتكم في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار مقامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أمواج الردة وصخرة الإيمان، هذا هو عنوان لقائنا مع حضراتكم، وينتظم هذا الموضوع الخطير المهم العناصر المحددة التالية: أولاً: دعاة على أبواب جهنم. ثانياً: الحرب على الثوابت. ثالثاً: ما المخرج من هذه الفتن. رابعاً: وستنكسر كل أمواج الردة على صخرة الإيمان. فأعيروني القلوب والأسماع جيداً، فإن هذا الموضوع الآن من الأهمية والخطورة بمكان، والله أسأل أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٨]. أولاً: دعاة على أبواب جهنم. إننا نعيش الآن زماناً قد كلف فيه الذئاب برعي الأغنام: وراعي الشاة يحمي الذئب عنها فكيف إذا الرعاة لها الذئاب وقد وصف النبي ﷺ هذه الأيام وصفاً دقيقاً محكماً كما في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والحاكم وابن ماجة من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (سيأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل: من الرويبضة يا رسول الله؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة)، وفي لفظ قال: (الرجل السفيه يتكلم في أمر العامة)، والله لقد تكلم السفهاء والتافهون لا في أمر العوام بل في أمر الإسلام. إنهم يعلنون الحرب لا على الفرعيات والجزئيات، بل على الأصول والكليات، وممكن الخطر: أنهم يعلنون الحرب على الإسلام باسم الإسلام، ويهدمون أركان وأصول وثوابت الدين باسم الدين، بأسلوب خبيث لا ينتبه لخطره كثير من المسلمين. وقد وصف الصادق المصدوق، الذين لا ينطق عن الهوى ﷺ هذا الصنف الخبيث وصفاً دقيقاً كما في الصحيحين من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ قال: (كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وأنا أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير -أي: بهذا الإسلام- فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير -أي: الذي شابه الدخن- من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: صفهم لنا يا رسول الله، فقال الصادق الذي لا ينطق عن الهوى: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا) وفي رواية مسلم: (رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس) يا له من وصف دقيق من الصادق، ومع ذلك فهم يزعمون أنهم المسددون والمصلحون والمثقفون إلخ، ولكنهم في الحقيقة كما قال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٢ - ١٦]. نعم، وأنى لهذا الصنف الخبيث الهدى، وهم يعلنون الحرب على أركان وثوابت الإسلام؟! وهذا هو عنصرنا الثاني والمهم من عناصر اللقاء.

стр. 1745

مراحل الحرب على ثوابت الإسلام كثيرة هي الحروب التي أعلنت على الإسلام منذ أن يزغ فجره، واستفاض نوره، لكننا نشهد في السنوات القليلة الماضية وإلى اليوم حرباً سافرة عاتية من نوع جديد، والمصيبة الكبرى: أن الذي يشعل فتيلها ويتولى كبرها رجال من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، ويهدفون إلى النيل من أركان وأصول وثوابت هذا الدين، أولئك الذين يسمون بالنخبة من أدعياء الثقافة والتحرير والتنوير والفن والعلم والأدب، ممن أحيطوا في مجتمعات المسلمين بهالة من الدعاية الكاذبة، ولقبوا في أمة الإسلام بأضخم الألقاب والأوصاف! تلك الألقاب والأوصاف التي تغطي جهلهم وانحرافهم، وتنفخ فيهم ليكونوا شيئاً مذكوراً، للي أعناق البسطاء من المسلمين إلى عقيدتهم وأفكارهم لياً، وهم في الحقيقة كالطبل الأجوف، يسمع من بعيد وباطنه من كل الخيرات فارغ. هذه الحرب تتم الآن في أنحاء العالم الإسلامي بصورة منظمة مخططة، عبر مراحل دقيقة، وعبر خطوات منظمة، وأستطيع أن أقدم لحضراتكم الخطوات الخبيثة والمراحل الخطيرة لهذه الحرب في نقاط محددة، وأرجو أن تنتبهوا، فهذا الذي سأذكره الآن خلاصة جهد سنتين كاملتين، وأنا أجمع من هنا وهنالك من أرجاء العالم الإسلامي، لا في مصر وحدها، لأقدم لحضراتكم هذه الصورة لهذه الحرب التي تتم، وأقول ذلك بقناعة مطلقة، فهي تتم بصورة منظمة مخططة وعبر مراحل محددة.

стр. 1746

تضخيم العقل والتهوين من النص المرحلة الأولى من مراحل هذه الحرب هي: التضخيم المستمر والمتعمد للعقل ومكانته، وأنا لا أريد أن أقلل من شأن العقل أبداً، بل إنني أعلنها: إن نور الوحي لا يطمس نور العقل أبداً بل يباركه ويزكيه ويقويه، لكن انظر إلى التضخيم المستمر والمتعمد للعقل ومكانته، مع التهوين والتحقير والتقليل من شأن النص ومكانته مهما كانت درجة ثبوت النص من الناحية العلمية. لقد طالبوا صراحة وقالوا: لابد من إعادة النظر في القاعدة الأصولية التي أجمعت عليها الأمة، والتي تقول: (لا اجتهاد مع النص) قالوا: لابد من إعادة النظر في هذه القاعدة، لماذا؟ قالوا: لأنها تشكل حجراً على العقل البشري الذي وصل إلى ما وصل إليه الآن، في عصر الذرة وأتبيس الفضاء دسكفري، واخترع القنبلة النووية، وصنع القنبلة الجرثومية، وغاص في أعماق البحار وانطلق في أجواء الفضاء؛ هذه القاعدة تشكل حجراً على هذا العقل البشري المبدع! إذاً: لا ينبغي أن نذعن لها، وإنما يجوز للعقل أن يجتهد حتى ولو كان النص في القرآن والسنة. ومحال أن يصل العقل إلى حقائق الإيمان، وأركان وأصول وثوابت الإسلام بدون الوحي أبداً؛ إذ كيف يتعرف العقل على ذات الله؟! كيف يتعرف العقل على أسماء الجلال وصفات الكمال؟! كيف يتعرف العقل على الكتب السابقة وعلى الرسل السابقين؟! كيف يتعرف العقل على أمور الغيب كلها، من أول الموت إلى الجنة أو النار؟! كيف يتعرف العقل على كيفية الصلاة وكيفية الزكاة، وكيفية العمرة، وكيفية الحج، دون أن يرجع إلى الوحي المعصوم، إلى النص القرآني، والنص النبوي على صاحبه الصلاة والسلام؟! هذا مستحيل، ولله در ابن القيم إذ يقول: لا يستقل العقل دون هداية بالوحي تأصيلاً ولا تفصيلاً كالطرف دون النور ليس بمدرك حتى يراه بكرة وأصيلاً نور النبوة مثل نور الشمس للـ عين البصيرة فاتخذه دليلاً فإذا النبوة لم ينلك ضياؤها فالعقل لا يهديك قط سبيلاً طرق الهدى مسدودة إلا على من أم هذا الوحي والتنزيلاً فإذا عدلت عن الطريق تعمداً فأعلم بأنك ما أردت وصولاً يا طالباً درك الهدى بالعقل دو ن النقل لن تلقى لذاك دليلاً أرجح عقل عرفته الأرض هو عقل المصطفى ﷺ ، ومع ذلك فلقد أخبرنا القرآن الكريم أن النبي ﷺ ما كان يدري شيئاً عن الكتاب ولا عن الإيمان إلا بعد أن أوحى إليه الرحيم الرحمن، قال جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى:٥٢]، فإذا كان المصطفى ﷺ وهو صاحب أرجح وأطهر وأشرف عقل عرفته الأرض، لا يدري عن الكتاب ولا عن حقائق الإيمان شيئاً، حتى أوحى الله إليه؛ فهل يجرؤ عاقل بعد ذلك أن يزعم أنه يستطيع أن يتعرف على حقائق الإيمان وحقائق الكتاب بعقله فقط دون النقل؟! ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم:٨٩ - ٩٠]. فهذه المرحلة: مرحلة التضخيم للعقل مع التشكيك والتهوين للنص، تجاوزوها وانتقلوا إلى المرحلة الثانية من مراحل هذه الحرب المخططة.

стр. 1747

التشكيك في حملة النص المرحلة الثانية: التشكيك في حملة النص، وهم الصحابة رضوان الله عليهم، فحاولوا أن يقدحوا في عدالة الصحابة، وأن يشوهوا صور الصحابة، لماذا؟ ليهدموا الدين كله؛ لأن الذي نقل إلينا الدين عن رسول الله ﷺ هم أصحابه، فهدم الصحابة هدم للدين كله. فهذا شيخ من شيوخ الضلالة يقول في كتاب من كتبه الخبيثة، ولست ملزماً بأن أذكر أسماء هؤلاء، ولا أسماء كتبهم، حتى لا نروج لهذه الأسماء الخبيثة، ولا لهذه الكتب الضالة من حيث لا ندري، أما من اشتهر منهم بالاسم وأصبح أمره معلوماً فسنذكر اسمه إن شاء الله في الخطبة المقبلة بإذن الله، لكن مادام الاسم مطموساً، وما دام الكتاب مجهولاً، فليس من الفقه ولا من الحكمة أن أذكر أسماء هؤلاء الخبثاء ولا كتبهم، حتى لا نروج لهذه الأسماء ولا لهذه الكتب بين هذه الآلاف المؤلفة من المسلمين، وربما يتأثر ضعيف النفس بهذا فيذهب إلى كتاب من هذه الكتب الضالة فينحرف؛ لأنه لم يؤصل ابتداءً قواعد الإيمان وحقائق أصول البحث العلمي. يقول شيخ من شيوخ الضلالة في كتاب من كتبه الخبيثة، وهو يريد أن يجرح الصحابة نقلة النصوص، إن الصحابة كانوا يمثلون مجتمعاً متحللاً مشغولاً بالرذائل والهوس الجنسي. ثم يقول هذا الوضيع: ولم تكن التجاوزات مقصورة على مشاهير الصحابة، بل تعدتهم إلى صحابيات معروفات! ثم يقول هذا الخبيث أيضاً: لما كان التقاء الذكر بالأنثى والأنثى بالذكر طقساً يومياً من الطقوس الاجتماعية المعتادة في مجتمع يثرب، فقد اضطر محمد- هكذا بكل صفاقة وسوء أدب- فقد اضطر محمد أن يبيح لهم أن يمروا في المسجد وهم جنب. وهكذا تبين كلماتهم الخبيثة فساد عقيدتهم، وخبث نيتهم وطويتهم، ورحم الله إمام دار الهجرة مالك بن أنس إذ يقول: من وجد في قلبه غيظاً على أحد من أصحاب النبي ﷺ فقد أصابه قول الله تعالى: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩]. يعني قول الله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩]، قال مالك: فمن وجد في قلبه غيضاً على أحد من أصحاب النبي فقد أصابه قول الله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩]. ويقول الحافظ أبو زرعة: إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب النبي ﷺ فاعلم بأنه زنديق. ويقول الإمام الطحاوي في عقيدته المشهورة: ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، فحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان. وما أجمل وأحلى وأرق ما قاله ابن مسعود ﵁، والأثر في مسند أحمد بسند حسن؛ قال ابن مسعود ﵁: إن الله تعالى نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب أهل الأرض، فاصطفاه الله لرسالته ونبوته، ثم نظر الله في قلوب العباد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب أهل الأرض، فاختارهم وجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه. وما أجمل ما قاله ابن مسعود أيضاً: من كان مستناً فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ﷺ أفضل هذه الأمة؛ أبرها قلوباً وأعمقها علماً وأقلها تكلفاً، اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم. فالذي اختار الصحابة هو رب العالمين، والذي زكاهم وشهد لهم هو سيد المرسلين، وسأكتفي بآية وحديث فقط، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١٠٠]. وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري، أن النبي ﷺ قال: (لا تسبوا أصحابي! فوالذي نفس محمد بيده لو أنفق أحدكم مثل جبل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه). بعد هذا التكريم يأتي هذا الخبيث القزم وأمثاله من الخبثاء الأقزام؛ ليشككوا في الصحابة الذين نقلوا إلينا الدين كله. على أي حال فلا أجد لهؤلاء الخبثاء الحاقدين مثلاً إلا كمثل ذبابة حقيرة سقطت على نخلة عملاقة، فلما أرادت الذبابة الحقيرة أن تنصرف قالت للنخلة العملاقة: تماسكي أيتها النخلة؛ لأني راحلة عنكِ! فقالت لها النخلة العملاقة: انصرفي أيتها الذبابة الحقيرة، فهل شعرتُ بكِ حينما سقطت عليَّ لأستعد لكِ وأنت راحلة عني! لا يضر السماء أن تمتد إليها يد شلاء.

стр. 1748

التشكيك في النص النبوي ثم تجاوزوا المرحلة الثانية وهي مرحلة التشكيك فيمن نقل إلينا النصوص إلى المرحلة الثالثة؛ وهي: مرحلة التشكيك في النصوص، وقالوا: الإسلام هو القرآن فقط دون السنة! والسنة فيها الضعيف وفيها الموضوع، وينبغي أن نقف أمام القرآن فحسب، تحت ستار أننا نريد أن نصحح أو ننقح السنة، فشككوا في النص النبوي، وقالوا بعدم حجية السنة. وهأنتم تتابعون منذ سنوات عشرات الكتب التي تطعن في سنة النبي ﵊، وتقول بعدم حجية السنة، وبأنه لا يلزمنا إلا أن نأخذ بالقرآن فحسب، وما أجمل ما قاله الإمام الأوزاعي: القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن، أي: لا يمكن أبداً أن تفهم القرآن بدون سنة النبي ﵊. وما أقعد ما قاله ابن القيم في كتابه النافع إعلام الموقعين إذ يقول: السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن تكون السنة موافقة للقرآن من كل وجه، وهذا من باب توارد الأدلة وتضافرها في المسألة الواحدة. فيأمر القرآن بالصلاة فتأمر السنة بالصلاة، يأمر القرآن بتحقيق التوحيد فتأمر السنة بتحقيق التوحيد، وهذا من باب توارد الأدلة في الباب الواحد. الوجه الثاني: أن تكون السنة بياناً وتفسيراً لما أجمله القرآن. وهذا كثير جداً، فتجد كتاب الله يأمر بالصلاة فيقول سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، لكن كيف أصلي؟ كم عدد الصلوات؟ ما أركان الصلاة؟ ما مبطلات الصلاة؟ فيأتي صحاب السنة ليفسر هذا الأمر المجمل ويقول: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، ويأمر القرآن بالحج والعمرة: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]، لكن كيف أحج؟ ما أركان الحج؟ ما مبطلات الحج؟ فيأتي صاحب السنة ليقول: (خذوا عني مناسككم) وهكذا. الوجه الثالث: أن تكون السنة موجبة لما سكت القرآن عن إيجابه أو محرمة لما سكت القرآن عن تحريمه. والسنة هنا تعد مصدراً مستقلاً من مصادر التشريع، ففي الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث المقدام بن معد يكرب أن النبي ﷺ قال: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه). يقول المصطفى: (ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة المعاهد)، وفي رواية: (فإنما حرم رسول الله كما حرم الله . ألم يقل الله سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧].

стр. 1749

التشكيك في النص القرآني ثم انتقلوا من مرحلة التشكيك في النص النبوي إلى المرحلة الخطيرة والتي لابد منها، ألا وهي: التشكيك في النص القرآني ذاته! الله أكبر! كيف ذلك؟ هل شكك أحد في نص القرآن؟ نعم، بل إن التشكيك في السنة مرحلة لابد منها للانتقال إلى هذه المرحلة الرابعة والخطيرة، وهي مرحلة التشكيك في النص القرآني، يقول خبيث وضعيف حكم القضاء المصري بردته في السنوات القليلة الماضية؛ يقول في كتاب من كتبه الخبيثة: إن القرآن نص بشري لا قدسية له! ثم يقول: وإن عقيدة القرآن مؤسسة على الأساطير الشائعة؛ أي: على الحكايات والخرافات والخزعبلات التي شاعت في مجتمع الجزيرة العربية! ثم يقول هذا الخبيث المرتد: لا زال الخطاب الديني متمسكاً بوجود القرآن في اللوح المحفوظ! اعتمادا ًعلى فهم حرفي للنص، ولازال متمسكاً بصورة الإله بعرشه وكرسيه وصولجانه ومملكته وجنوده من الملائكة! ولازال متمسكاً بالحرفية ذاتها في الجن، والشياطين، والسجلات التي تدون فيها أعمال العباد، والأخطر من ذلك أنه لازال متمسكاً بصور الثواب والعقاب كعذاب القبر ونعيمه، والمرور على الصراط ومشاهد القيامة، والجنة والنار، إلى آخر تلك التصورات الأسطورية! انتبهوا جيداً؛ لتعرفوا حجم المؤامرة والحرب الكبرى، بهذا يكون هذا الرقيع الخبيث المرتد قد هدم عقيدة القرآن من أول سورة الفاتحة إلى سورة الناس. وسبقه رائد خبيث من رواد هذا الجيل، ضُخم ولُقب بأعظم الألقاب! وافتتن كثير من الصفوة فضلاً عن العامة به وبكلامه وبأسلوبه، يقول بالحرف: القرآن قابل للنقد باعتباره كتاباً أدبياً، ثم يقول: وجود إبراهيم وإسماعيل ﵉ ﵉ من عندي أنا وليس من عند هذا الخبيث وأمثاله- يقول: وجود إبراهيم وإسماعيل أمر مشكوك فيه، ولو ذكروا في التوراة والإنجيل والقرآن، فلسنا ملزمين بتصديق أي من هذه الكتب! مراحل وخطوات منظمة.

стр. 1750

التشكيك في ذات الله تعالى وتجاوزوا هذه المرحلة، الله أكبر! أتريد أن تذكر شيئاً بعد ذلك؟ لقد شككوا في النص النبوي وفي النص القرآني، فماذا تريد أن تقول بعد ذلك من خطوات هذه الحرب؟! وصلوا في المرحلة الأخيرة التي نعيشها إلى التشكيك في ذات الله جل وعلا! إي وربي لقد شرقتُ وغربتُ في العالم الإسلامي كله لأقرأ، لأستخرج عفن أولئك الذين يشكلون الآن عقلية أبناء الأمة! أولئك الذين يديرون دفة التوجيه والتربية الآن في الأمة! فهذا صنم حقير من سوريا ولا زالت كتبه ودواوينه تطبع وتنشر في المعارض الدولية في كل مكان، يقول هذا الصنم: لا أختار الله ولا أختار الشيطان كلاهما جدار يغلق لي عيني فهل أبدل الجدار بالجدار؟! ويقول هذا الخبيث أيضاً: الله في التصور الإسلامي التقليدي نقطة ثابتة متعالية منفصلة عن الإنسان، لكن التصوف على مذهب الحلاج قد أذاب ثبات الألوهية، وأزال الحاجز بين الألوهية وبين الإنسان، وبهذا المعنى يكون الحلاج قد قتل الله وأعطى للإنسان طاقاته! ويقول هذا الخبيث أيضاً: يا أرضنا يا زوجة الإله والطغاة! ويقول هذا الخبيث أيضاً: نمضي ولا نصغي لذلك الإله فلقد تقنا إلى رب جديد سواه. سبحان الحليم الصبور على كل شيطان رجيم كفور، سبحانك ربي ما أحلمك، ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٨٩ - ٩٥]. سيقف الجميع بين يدي الملك، ليعلم هؤلاء الخبثاء عظمة رب الأرض والسماء، فوالله ثم والله لولا حلم الله وستر الله لخسف بنا الأرض. وهذا صنم خبيث خطير من العراق يقول: الله في مدينتي يبيعه اليهود! والله لو قال ذلك على صدام المجرم لقتل بالرصاص في ميدان عام، أما أن يسب الله فلا يتحرك أحد، ولا تحترق القلوب؛ يقول هذا الصنم: الله في مدينتي يبيعه اليهود الله في مدينتي شريد طريد. ويقول هذا الصنم: الله مات وعادت الأنصاب. ويقول هذا الخبيث أيضاً: يسقط كل شيء الشمس والقمر والنجوم والجبال والوديان والأنهار والشيطان والإنسان والله وهذا صنم آخر من فلسطين الذبيحة يقول لعشيقته: نامي فعين الله نائمة عنا وأسراب الشحارير وهذا صنم آخر من فلسطين يقول: آخر ديك صاح قد ذبحناه لم يبق سوى الله يغدو كغزال أخضر تتبعه كل كلاب الصيد سنطارده سنصيد الله وهذا صنم آخر من اليمن -لتعلموا أن الأمر عام في كل أرجاء الأمة- يقول هذا الصنم الخبيث: صار الله رماداً صمتاً رعباً في كف الجلادين صار الله حقلاً ينبت مسابح وعمائم. اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، ولا تؤاخذنا بما قال الكافرون والسفهاء منا، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا ولا تؤاخذنا بما فعل وقال السفهاء الكافرون منا، يا أرحم الراحمين، نشهد لك بالجلال، ونقر لك بالعظمة والكمال، نشهد لك بالجلال، نشهد لك بالجلال، ونقر لك بالعظمة والكمال، ونردد ما علمتناه، ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]. الله اسم لصاحبه كل جمال. الله اسم لصاحبه كل كمال. الله اسم لصاحبه كل جلال. هذا الكم الهائل من النقولات الكفرية، إنما هو لرموز الثقافة والتنوير في العالم الإسلامي كله، ولا أستطيع أن أستقصي كل أقولهم وفضائحهم، بل ولا أستطيع أيضاً أن أستقصي نقولات تلاميذهم من شباب صاعد تربى على هذه الموائد الكفرية العفنة.

стр. 1751

المخرج من هذه الفتن ثم بعد ذلك اتهموا شبابنا بالتطرف والإرهاب؟! والسؤال الآن: ما الحل؟ ما المخرج؟ وهذا هو عنصرنا الثالث من عناصر هذا اللقاء: ما المخرج من هذه الفتن؟

стр. 1752

إحياء حد الردة وتطبيقه على المرتدين تحكيم الشريعة الإسلامية وإقامة حد الردة على هؤلاء المرتدين الخبثاء، إن القوانين الوضعية كانت أخطر سبب من أسباب انتشار هذه الردة؛ لأن القوانين الوضعية في الوقت الذي تقيم فيه أشد العقوبات على من خرج على القانون، فإنها لا تذكر عقوبة على من خرج عن الإسلام. قد تصل العقوبة في القانون الوضعي إلى حد الإعدام لمن اتهم بتهمة الخيانة العظمى، والمراد بها هنا خيانة الوطن، في الوقت الذي لا نرى فيه عقوبة تذكر لمن خرج على الإسلام، بدعوى أن الإنسان حر في اختيار عقيدته. نعم لا أخالفك أن الإنسان حر في اختيار عقيدته إن كان يهودياً أو نصرانياً أو بوذياً؛ لكن بشرط أن لا يحال بيننا وبينه في أن نبلغه دعوة الله، وأن نقيم عليه حجة الله، فإن بلغناه الدين وأقمنا عليه الحجة ولم يحل بيننا وبين ذلك أحد، فله بعد ذلك أن يختار من الدين ما يشاء، ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة:٢٥٦]، لكننا أمام مسلم دخل الإسلام مختاراً طائعاً، وارتد عن الإسلام بصورة علنية تعبر عن استخفافه بعقيدة الأمة، هذا خروج يقوض بنيان المجتمع الإسلامي من قواعده، فلو ارتد هذا وارتد ذاك وارتد الثالث وارتد العاشر، لفتح الباب على مصراعيه لمرضى القلوب من المنافقين الذين لا يخلو منهم زمان ولا مكان للتشكيك في عقيدة الإسلام ذاتها. فهذا أمر خطير، ومن أجل ذلك فإن الشريعة العصماء لم تتساهل أبداً مع هذا الصنف الخبيث من المرتدين، بل أمرت أن يمهل المرتد ثلاثة أيام، فإن أقيمت الحجة عليه وتاب إلى الله سقط الحكم، وإلا فيجب على ولي الأمر المسلم أو من ينوب عنه أن يقيم فيه حد الله بالقتل، للحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة)، وفي رواية البخاري من حديث ابن عباس أنه ﷺ قال: (من بدل دينه فاقتلوه). وهذا خطاب للمسئولين، وأنا أتضرع إلى الله في هذه اللحظة أن يردهم إلى الشريعة وإلى الحق رداً جميلاً.

стр. 1753

اهتمام المسلم بطلب العلم الشرعي والعمل به قد يقول شاب من شبابنا وطلابنا: هذا للمسئولين؛ لكن ما دوري أنا؟ ماذا أصنع أنا في هذه الفتنة السوداء؟ الجواب دورك: طلب العلم الشرعي والعمل به، احفظ مني هذا، فلا مخرج لك -ورب الكعبة- من هذه الفتن الحالكة! فتن الشبهات التي لا أعرف من خلال قراءتي واطلاعاتي زماناً قد كثرت فيه فتنة الشبهات كهذا الزمان أبداً؛ لا مخرج لك من هذه الفتن الحالكة إلا بطلب العلم الشرعي والعمل به، مهما كان منصبك، ومهما كانت مسئوليتك، فلابد أن تفرغ من وقتك ومن جهدك لتتعلم عن الله، وعن رسول الله. فبالعلم الشرعي ستتعرف على الحلال والحرام، وعلى الحق والباطل، وعلى السنة والبدعة، وبالعلم الشرعي ستتعرف على عقيدتك بشمولها وصفائها وكمالها، بالعلم الشرعي ستتعرف على أسماء الجلال وصفات الكمال، بالعلم الشرعي ستحقق الإيمان بالكبير المتعال، بالعلم الشرعي ستتعرف على فتن الشهوات والشبهات، بالعلم الشرعي ستتعرف على معنى الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، وعلى البراء من الشرك والمشركين، بالعلم الشرعي ستتعرف على حجم المؤامرة الكبرى التي تحاك للأمة وللإسلام في الليل والنهار. لا عذر لك -ورب الكعبة- إن تقاعست عن طلب العلم الشرعي، فرغ من وقتك، فرغ من جهدك لطلب العلم الشرعي، اركب، سافر، ارحل للجلوس عند العلماء المعروفين بالعلم الشرعي؛ لتسمع منهم عن الله وعن رسول الله ﷺ ، قال جل وعلا: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]، وقال سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]، وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رءوساً جهالاً -أو رؤساء جهالاً- فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا). واحفظ هذا: من سلك طريقاً بغير دليل ضل، إن ذهبت إلى بلد جديد وأنت لا تعرف فيه شيئاً، فإن لم تسأل دليلاً ستضل، من سلك طريقاً بغير دليل ضل، ومن تمسك بغير الأصول زل، والدليل المنير لك في الظلماء، والأصل العاصم لك من الفتن والأهواء، هو العلم والعمل، ولا تطلب العلم لمجرد الثقافة الذهنية، وإنما لتحول هذا العلم في بيتك ووظيفتك ووسيلة المواصلات والشارع إلى منهج الحياة، إلى خلق يتألق سمواً وعظمة وروعة وجلالاً؛ لأنني أدين لله بأن الصحوة الإسلامية لازالت في فجوة كبيرة بين العلم النظري والعمل. نتكلم كثيراً لكن أين أخلاق هذا العلم؟ نحن الآن -ورب الكعبة- لا نجيد إلا الكلام، هل ورثنا العلم خشية الله؟ هل ورثنا العلم الأدب؟ هل ورثنا العلم بر الوالدين؟ هل ورثنا العلم التقوى؟ هل ورثنا العلم حسن الخلق مع إخواننا، وحسن الأدب والتعامل مع أحبابنا؟ هل ورثنا العلم قيام الليل؟ هل ورثنا العلم الأمانة في العمل؟ هل ورثنا العلم الحرص على وقت العمل؟ هل ورثنا العلم الإحسان إلى الجيران؟ أين أخلاق العلم؟! يقول المصطفى كما في الحديث الصحيح الذي رواه ابن ماجة والترمذي بسند صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب من حديث كعب بن مالك أنه ﷺ قال: (من تعلم العلم ليجاري به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو ليصرف وجوه الناس إليه، فهو في النار).

стр. 1754

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثالثاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا ينبغي أن تنظر إلى هذا الكفر البواح، وتهز كتفيك وتمضي، وكأن الأمر لا يعنيك. مر بالمعروف بمعروف، وأنه عن المنكر بغير منكر، نكرر ونؤكد (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان). إن عجزت أن تغير هذا المنكر بيدك فبلسانك، فإذا قرأت قولاً كفرياً كهذا، فما عليك إلا أن تتفاعل، وأن يحترق قلبك؛ ليترجم أصبعك أو قلمك هذا الاحتراق القلبي في كلمات مهذبة صادقة، وعليك أن ترسل بها إلى هذا الكاتب أو إلى هذا المؤلف أو إلى مسئول من المسئولين. ونقول: عبر عن غضبتك لله بأدب، لا نقول: بسب، ولكن بأدب جم، المهم أن يشعر هؤلاء أن الأمة في مجملها تريد الله ورسوله والدار الآخرة، وأنها مستعدة أن تبذل دمها لتخدم بهذا الدم دين الله ودين رسول الله، عبر عن هذا، غير ولو بلسانك، فإن عجزت فبقلبك! حتى حرقة القلب لا نجدها في كثير من القلوب! ماتت القلوب -ورب الكعبة- إلا من رحم علام الغيوب.

стр. 1755

الدعوة إلى الله رابعاً: الدعوة إلى الله وتبصير الناس بالحق وفضح الباطل وأهله، واحفظوا هذه العبارة: والله ما انتشر الباطل وأهله إلا يوم أن تخلى عن الحق أهله، يا شباب! ستسألون عن هذا بين يدي الله جل وعلا. إن المرحلة التي كنا نعتقد فيها أننا نحكم على الناس ونحن في دروس علمنا ومساجدنا بالتكفير والتفسيق والتبديع، لا ينبغي أبداً أن نظل عليها، وإنما يجب علينا أن نتحرك من مساجدنا ومن دروس علمنا لننتشر بين الناس، بين أهلنا وآبائنا وأحبابنا وإخواننا، لنرفع عنهم الجهل بدين الله، ولنقوي إيمانهم بالله، وحبهم لرسول الله، وحبهم لدين الله جل وعلا بحكمة ورحمة وأدب وتواضع. دعك من الحكم على الناس دون أن تتحرك، لن يغير حكمك من الواقع شيئاً على الإطلاق، فأهل الباطل وأهل الكفر يتحركون لكفرهم وباطلهم، في الوقت الذي تقاعس فيه أهل الحق عن حقهم الذي من أجله خلقت السماوات والأرض والجنة والنار. فهيا تحرك بكل رجولة وبكل طاقة للدعوة إلى الله وإلى دين الله، واملأ قلوب الناس بالإيمان وبحب الله ورسوله ﷺ ؛ لتنكسر كل أمواج هذه الردة الجديدة على صخور الإيمان في قلوب عباد الله المؤمنين، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
следующие страницы →