← Джавами‘

Джавами‘ · id 7703

دروس للشيخ محمد حسان

محمد حسان

Полный текст (1 901 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

المخرج من هذه الفتن ثم بعد ذلك اتهموا شبابنا بالتطرف والإرهاب؟! والسؤال الآن: ما الحل؟ ما المخرج؟ وهذا هو عنصرنا الثالث من عناصر هذا اللقاء: ما المخرج من هذه الفتن؟

стр. 1752

إحياء حد الردة وتطبيقه على المرتدين تحكيم الشريعة الإسلامية وإقامة حد الردة على هؤلاء المرتدين الخبثاء، إن القوانين الوضعية كانت أخطر سبب من أسباب انتشار هذه الردة؛ لأن القوانين الوضعية في الوقت الذي تقيم فيه أشد العقوبات على من خرج على القانون، فإنها لا تذكر عقوبة على من خرج عن الإسلام. قد تصل العقوبة في القانون الوضعي إلى حد الإعدام لمن اتهم بتهمة الخيانة العظمى، والمراد بها هنا خيانة الوطن، في الوقت الذي لا نرى فيه عقوبة تذكر لمن خرج على الإسلام، بدعوى أن الإنسان حر في اختيار عقيدته. نعم لا أخالفك أن الإنسان حر في اختيار عقيدته إن كان يهودياً أو نصرانياً أو بوذياً؛ لكن بشرط أن لا يحال بيننا وبينه في أن نبلغه دعوة الله، وأن نقيم عليه حجة الله، فإن بلغناه الدين وأقمنا عليه الحجة ولم يحل بيننا وبين ذلك أحد، فله بعد ذلك أن يختار من الدين ما يشاء، ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة:٢٥٦]، لكننا أمام مسلم دخل الإسلام مختاراً طائعاً، وارتد عن الإسلام بصورة علنية تعبر عن استخفافه بعقيدة الأمة، هذا خروج يقوض بنيان المجتمع الإسلامي من قواعده، فلو ارتد هذا وارتد ذاك وارتد الثالث وارتد العاشر، لفتح الباب على مصراعيه لمرضى القلوب من المنافقين الذين لا يخلو منهم زمان ولا مكان للتشكيك في عقيدة الإسلام ذاتها. فهذا أمر خطير، ومن أجل ذلك فإن الشريعة العصماء لم تتساهل أبداً مع هذا الصنف الخبيث من المرتدين، بل أمرت أن يمهل المرتد ثلاثة أيام، فإن أقيمت الحجة عليه وتاب إلى الله سقط الحكم، وإلا فيجب على ولي الأمر المسلم أو من ينوب عنه أن يقيم فيه حد الله بالقتل، للحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة)، وفي رواية البخاري من حديث ابن عباس أنه ﷺ قال: (من بدل دينه فاقتلوه). وهذا خطاب للمسئولين، وأنا أتضرع إلى الله في هذه اللحظة أن يردهم إلى الشريعة وإلى الحق رداً جميلاً.

стр. 1753

اهتمام المسلم بطلب العلم الشرعي والعمل به قد يقول شاب من شبابنا وطلابنا: هذا للمسئولين؛ لكن ما دوري أنا؟ ماذا أصنع أنا في هذه الفتنة السوداء؟ الجواب دورك: طلب العلم الشرعي والعمل به، احفظ مني هذا، فلا مخرج لك -ورب الكعبة- من هذه الفتن الحالكة! فتن الشبهات التي لا أعرف من خلال قراءتي واطلاعاتي زماناً قد كثرت فيه فتنة الشبهات كهذا الزمان أبداً؛ لا مخرج لك من هذه الفتن الحالكة إلا بطلب العلم الشرعي والعمل به، مهما كان منصبك، ومهما كانت مسئوليتك، فلابد أن تفرغ من وقتك ومن جهدك لتتعلم عن الله، وعن رسول الله. فبالعلم الشرعي ستتعرف على الحلال والحرام، وعلى الحق والباطل، وعلى السنة والبدعة، وبالعلم الشرعي ستتعرف على عقيدتك بشمولها وصفائها وكمالها، بالعلم الشرعي ستتعرف على أسماء الجلال وصفات الكمال، بالعلم الشرعي ستحقق الإيمان بالكبير المتعال، بالعلم الشرعي ستتعرف على فتن الشهوات والشبهات، بالعلم الشرعي ستتعرف على معنى الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، وعلى البراء من الشرك والمشركين، بالعلم الشرعي ستتعرف على حجم المؤامرة الكبرى التي تحاك للأمة وللإسلام في الليل والنهار. لا عذر لك -ورب الكعبة- إن تقاعست عن طلب العلم الشرعي، فرغ من وقتك، فرغ من جهدك لطلب العلم الشرعي، اركب، سافر، ارحل للجلوس عند العلماء المعروفين بالعلم الشرعي؛ لتسمع منهم عن الله وعن رسول الله ﷺ ، قال جل وعلا: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]، وقال سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]، وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رءوساً جهالاً -أو رؤساء جهالاً- فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا). واحفظ هذا: من سلك طريقاً بغير دليل ضل، إن ذهبت إلى بلد جديد وأنت لا تعرف فيه شيئاً، فإن لم تسأل دليلاً ستضل، من سلك طريقاً بغير دليل ضل، ومن تمسك بغير الأصول زل، والدليل المنير لك في الظلماء، والأصل العاصم لك من الفتن والأهواء، هو العلم والعمل، ولا تطلب العلم لمجرد الثقافة الذهنية، وإنما لتحول هذا العلم في بيتك ووظيفتك ووسيلة المواصلات والشارع إلى منهج الحياة، إلى خلق يتألق سمواً وعظمة وروعة وجلالاً؛ لأنني أدين لله بأن الصحوة الإسلامية لازالت في فجوة كبيرة بين العلم النظري والعمل. نتكلم كثيراً لكن أين أخلاق هذا العلم؟ نحن الآن -ورب الكعبة- لا نجيد إلا الكلام، هل ورثنا العلم خشية الله؟ هل ورثنا العلم الأدب؟ هل ورثنا العلم بر الوالدين؟ هل ورثنا العلم التقوى؟ هل ورثنا العلم حسن الخلق مع إخواننا، وحسن الأدب والتعامل مع أحبابنا؟ هل ورثنا العلم قيام الليل؟ هل ورثنا العلم الأمانة في العمل؟ هل ورثنا العلم الحرص على وقت العمل؟ هل ورثنا العلم الإحسان إلى الجيران؟ أين أخلاق العلم؟! يقول المصطفى كما في الحديث الصحيح الذي رواه ابن ماجة والترمذي بسند صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب من حديث كعب بن مالك أنه ﷺ قال: (من تعلم العلم ليجاري به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو ليصرف وجوه الناس إليه، فهو في النار).

стр. 1754

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثالثاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا ينبغي أن تنظر إلى هذا الكفر البواح، وتهز كتفيك وتمضي، وكأن الأمر لا يعنيك. مر بالمعروف بمعروف، وأنه عن المنكر بغير منكر، نكرر ونؤكد (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان). إن عجزت أن تغير هذا المنكر بيدك فبلسانك، فإذا قرأت قولاً كفرياً كهذا، فما عليك إلا أن تتفاعل، وأن يحترق قلبك؛ ليترجم أصبعك أو قلمك هذا الاحتراق القلبي في كلمات مهذبة صادقة، وعليك أن ترسل بها إلى هذا الكاتب أو إلى هذا المؤلف أو إلى مسئول من المسئولين. ونقول: عبر عن غضبتك لله بأدب، لا نقول: بسب، ولكن بأدب جم، المهم أن يشعر هؤلاء أن الأمة في مجملها تريد الله ورسوله والدار الآخرة، وأنها مستعدة أن تبذل دمها لتخدم بهذا الدم دين الله ودين رسول الله، عبر عن هذا، غير ولو بلسانك، فإن عجزت فبقلبك! حتى حرقة القلب لا نجدها في كثير من القلوب! ماتت القلوب -ورب الكعبة- إلا من رحم علام الغيوب.

стр. 1755

الدعوة إلى الله رابعاً: الدعوة إلى الله وتبصير الناس بالحق وفضح الباطل وأهله، واحفظوا هذه العبارة: والله ما انتشر الباطل وأهله إلا يوم أن تخلى عن الحق أهله، يا شباب! ستسألون عن هذا بين يدي الله جل وعلا. إن المرحلة التي كنا نعتقد فيها أننا نحكم على الناس ونحن في دروس علمنا ومساجدنا بالتكفير والتفسيق والتبديع، لا ينبغي أبداً أن نظل عليها، وإنما يجب علينا أن نتحرك من مساجدنا ومن دروس علمنا لننتشر بين الناس، بين أهلنا وآبائنا وأحبابنا وإخواننا، لنرفع عنهم الجهل بدين الله، ولنقوي إيمانهم بالله، وحبهم لرسول الله، وحبهم لدين الله جل وعلا بحكمة ورحمة وأدب وتواضع. دعك من الحكم على الناس دون أن تتحرك، لن يغير حكمك من الواقع شيئاً على الإطلاق، فأهل الباطل وأهل الكفر يتحركون لكفرهم وباطلهم، في الوقت الذي تقاعس فيه أهل الحق عن حقهم الذي من أجله خلقت السماوات والأرض والجنة والنار. فهيا تحرك بكل رجولة وبكل طاقة للدعوة إلى الله وإلى دين الله، واملأ قلوب الناس بالإيمان وبحب الله ورسوله ﷺ ؛ لتنكسر كل أمواج هذه الردة الجديدة على صخور الإيمان في قلوب عباد الله المؤمنين، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 1756

وستنكسر أمواج الردة على صخرة الإيمان الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فستنكسر كل أمواج الردة على صخرة الإيمان، وهذا يلزمنا أن نقوي الإيمان في قلوبنا؛ لأن الإيمان يضعف ويقوى، وهذا أصل من أصول أهل السنة، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤]، فالإيمان يقوى بالطاعات وينقص بالمعاصي والزلات. أيها الشباب وأيها المسلمون أن نتعهد الإيمان في قلوبنا، يقول حبيب القلوب محمد ﷺ كما في الحديث الذي رواه الحاكم في المستدرك بسند حسنه الألباني من حديث عبد الله بن عمر: (إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم)، فجدد الإيمان في قلبك، وقوة في قلبك بأعمال الطاعات. فالإيمان هو حصن الأمان، وهو الصخرة العملاقة الثابتة التي ستتحطم وتتكسر عليها كل أمواج الردة، وكل رماح وسهام الفتنة، فقوّ الإيمان في قلبك، احرص على مجالس العلم، احرص على صحبة الأخيار الأطهار، ابتعد قدر الطاقة عن فتن الشبهات والشهوات، لا تقرأ لهؤلاء الخبثاء إلا إن كنت صاحب عقيدة راسخة، وكنت صاحب فهم ثاقب، وكنت قد أصلت الموازين العلمية التي ستتعرف من خلالها على الغث والثمين، وعلى الحق والباطل، قوّ الإيمان في قلبك، فالإيمان هو حصن الأمان، وهو قائد الهدى.

стр. 1757

فشل مشروع الردة وزعزعة الثوابت وأبشركم بكل ثقة أن هذا المشروع النهضوي الحديث الخبيث قد أعلن فشله، ولم ينجح رواد الجيل ممن يسمون بالنخبة في إقناع العقل الإسلامي بهذا العفن الفكري؛ لأن الناس قد فطروا على حب الله ورسوله. وأعلنها بكل ثقة وصراحة: لقد شرقت وغربت في العالم كله، فما وجدت أنقى ولا أخصب من أرض مصر لدعوة الله ، أنا لا أجهل الواقع الذي ستحتج عليَّ به، ومع ذلك أعلنها: الناس في بلدنا فطروا على حب الله ورسوله كما قال النبي ﵊: (كل مولود يولد على الفطرة)، قد ترى المسلم من إخواننا هنا على معصية، لكن ذكره بالله، ذكره برسول الله بأدب وتواضع وانظر إلى النتيجة. فإنك إن ذكرته بأدب وتواضع فسترى خيراً كثراً. فلقد فشل هؤلاء، بل إنهم يرقصون رقصة الموت، قال أحدهم وهو يعبر عن هذه الغضبة: كنا نتصور بعد هذه السنوات الماضية أن نخرج جيلاً لا يعرف شيئاً عن الإسلام، فرأينا هذه الجحافل من فتيان في ريعان الشباب وفتيات في عمر الورود! حتى قال خبيث آخر حينما رأى هذا المشهد وهذا الجمع الغفير في هذا المسجد، ورأى أكثرهم على الاستقامة، قال: كنت أظن أن المستقيمين قد انتهوا وإذا بهم كثر! فكانوا يتصورون أن هذا الإفراز الثقافي العفن سيخرج جيلاً لا يعرف شيئاً عن الإسلام، ولا يعرف شيئاً عن النبي ﵊، وإذ بعلماء الصحوة ودعاة الصحوة وشباب الصحوة يقطعون الطريق على هؤلاء المزورين المضللين، ويبينون خططهم الخبيثة وألاعيبهم الماكرة، وصدق ربي إذ يقول: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٢ - ٣٣]. صبح تنفس بالضياء وأشرقا والصحوة الكبرى تهز البيرقا وشبيبة الإسلام هذا فيلق في ساحة الأمجاد يتبع فيلقا وقوافل الإيمان تتخذ المدى درباً وتصنع للمحيط الزورقا ما أمر هذه الصحوة الكبرى سوى وعد من الله الجليل تحققا هي نخلة طاب الثرى فنما لها جذع قوي في التراب وأعذقا هي في رياض قلوبنا زيتونة في جذعها غصن الكرامة أورق افجر تدفق من سيحبس نوره أرني يداً سدت علينا المشرقا يا نهر صحوتنا رأيتك صافياً وعلى الضفاف رأيت أزهار التقى قالوا تطرف جيلنا لما سمى قدراً وأعطى للطهارة موثقا ورموه بالإرهاب حين أبى الخنا ومضى على درب الكرامة وارتقى أوكان إرهاباً جهاد نبينا أم كان حقاً بالكتاب مصدقا أتطرف إيماننا بالله في عصر تطرف بالهوى وتزندقا إن التطرف أن نذم محمداً والمقتدين به ونمدح عفلقا إن التطرف أن نرى من قومنا من صانع الكفر اللئيم وأطرقا يا جيل صحوتنا أعيذك أن أرى في الصف من بعد الإخاء تمزقا لك في كتاب الله فجر صادق فاتبع هداه ودعك ممن فرقا لك في رسولك أسوة فهو الذي بالصدق والخلق الرفيع تخلقا يا جيل صحوتنا ستبقى شامخاً ولسوف تبقى بإتباعك أسمقا اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم أعل بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم أعل بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم أعل بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم أقر أعيننا بنصرة التوحيد والموحدين، اللهم أقر أعيننا بنصرة التوحيد والموحدين، اللهم أقر أعيننا بنصرة التوحيد والموحدين. لا إله لنا سواك فندعوه، ولا رب لنا غيرك فنرجوه، يا منقذ الغرقى، ويا منجي الهلكى، ويا سامع كل نجوى، يا منقذ الغرقى، ويا منجي الهلكى، ويا سامع كل نجوى، يا عظيم الإحسان، يا دائم المعروف، يا عظيم الإحسان، يا دائم المعروف. اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، ولا تؤاخذنا بما قال وفعل السفهاء منا، لا إله لنا سواك فندعوه، ولا رب لنا غيرك فنرجوه، يا غياث المستغيثين، ويا مجيب المضطرين، ويا كاشف هم المهمومين، يا ودود يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا فعال لما يريد، يا من ملأ نوره أركان عرشه، يا من ملأ نوره أركان عرشه، يا أحد يا فرد يا صمد، يا من لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤاً أحد، ارفع مقتك وغضبك عنا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا. يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث، اللهم ارفع الفتن عن مصر ما ظهر منها وما بطن، اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن، وسائر بلاد المسلمين، اللهم لا تحرم مصر من التوحيد والموحدين والسنة والمتبعين، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم لا تدع لأحد منا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً بيننا إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ميتاً لنا إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا زدته وثبته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين. اللهم ارحم جميع موتى المسلمين، اللهم أنزل يا ربي برحمتك على قبورهم الضياء والنور، والفسحة والسرور، والسعة والحبور، اللهم انقلهم برحمتك من مراتع الدود إلى جنات الخلود، برحمتك يا غفور يا ودود. اللهم اكتب لأبنائنا النجاح والتوفيق، اللهم يسر لهم الأسباب، وافتح لهم الأبواب، وذلل لهم الصعاب، برحمتك يا كريم يا وهاب. اللهم استر نساءنا، وأصلح شبابنا واهد أولادنا، واستر بناتنا، ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤]. هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1758

وجاءت سكرة الموت الموت هو الحقيقة المرة التي لا يختلف فيها اثنان، وهو الحقيقة التي يخضع لها كل ضعيف وجبار. وليس الموت هو النهاية، ولو كان كذلك لكان راحة لكل حي، ولكنا إذا متنا بعثنا، وإذا بعثنا حوسبنا عن جميع أعمالنا. فعلى الكيس الفطن أن يعمل لما بعد الموت، فيعد للسؤال جواباً وللجواب صواباً.

стр. 1759

القرآن علاج لغفلة القلوب الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو، فلا خالق غيره، ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة، ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢]. هو الواحد الذي لا ضد له، وهو الصمد الذي لا منازع له، وهو الغني الذي لا حاجة له، وهو القوي الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، هو جبار السماوات والأرض، فلا رَادَّ لحكمه ولا معقب لقضائه وأمره. وأشهد أن حبيبنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، اللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته ورسولاً عن دعوته ورسالته، وَصَلِّ اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحيا الله المحبين للعلم والعلماء، حياكم الله جميعاً وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله جل وعلا أن ينظر وجوهكم، وأن يزكي نفوسكم، وأن يشرح صدوركم، وأن يجمعني وإياكم في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته وفي الآخرة مع سيد الدعاة وإمام النبيين وسيد المرسلين في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك ومولاه وهو على كل شيء قدير. أحبائي يا مِلْءَ الفؤاد تحية تجوز إليكم كل سد وعائق لقد شدني والله شوق إليكم مكلل بالحب والتقدير والدعاء المشفق وأرقني في المظلمات عليكم تكالب أعداء سعوا بالبوائق أردتم رضا الرحمن قلباً وقالباً وما أرادوا إلا خطير المآزق فسدد الله على درب الحق خطاكم وجنبكم فيه خفي المزالق أيها الأحبة في الله! تلبية لرغبة الكثيرين من أحبابي وإخواني فإننا الليلة على موعد مع محاضرة في الرقائق، والحق أقول: إننا نعيش عصراً طغت فيه الماديات والشهوات وغفل كثير من الناس عن طاعة رب الأرض والسماوات؛ لذا فإنني أرى -مع الإخوة الذين أَلَحوُّاْ علي أن يكون لقاؤنا الليلة في الرقائق- أن القلوب تصدأ، وأن هذه القلوب تحتاج من آن إلى آخر إلى من يذكرها بعلام الغيوب، فتعالوا بنا الليلة؛ لنعيش مع كلام الحق، مع قول الصدق، مع أصل العز والشرف، مع نبع الكرامة والهدى، مع القرآن الكريم، مع القرآن الذي ضيعته الأمة فضاعت، مع القرآن الذي هجرته الأمة فأذلها الله باليهود إخوان القردة والخنازير، مع القرآن الذي ظنت الأمة أنه ما أنزل إلا ليكتب على الجدران، أو ليوضع في علب القطيفة الفخمة الضخمة، ويهدى إلى سادة القوم وَعِلْيَةِ الناس في المناسبات الرسمية والوطنية وغيرها. تعالوا لنعيش الليلة مع آيات من القرآن الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإسراء:٩ - ١٠].

стр. 1760

تفسير قوله تعالى: (وجاءت سكرة الموت بالحق) سنعيش الليلة مع آيات من كتاب الله ، فأعيروني القلوب والأسماع أيها الأخيار! أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٠ - ٢٢]. (وجاءت سكرة الموت بالحق) والحق: أنك تموت والله حي لا يموت. (وجاءت سكرة الموت بالحق) والحق: أن ترى عند موتك ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب. (وجاءت سكرة الموت بالحق) والحق: أن يكون قبرك روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران. (وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد) ذلك ما كنت منه تفر، ذلك ما كنت منه تهرب، ذلك ما كنت منه تجري، تحيد إلى الطبيب إذا جاءك المرض، وتحيد إلى الطعام إذا أحسست بالجوع، وتحيد إلى الشراب إذا أحسست بالظمأ، ولكن أيها القوي الفتي! أيها الذكي العبقري! يا أيها الوزير! ويا أيها الأمير! ويا أيها الكبير! ويا أيها الصغير! اعلم أن: كل باك سيبكى وكل ناع سينعى كل مذكور سيفنى كل مذكور سينسى ليس غير الله يبقى من علا فالله أعلى (وجاءت سكرة الموت بالحق) إنها الحقيقة الكبرى التي تعلن على مدى الزمان والمكان في أذن كل سامع، وعقل كل مفكر، ورأس كل طاغوت: البقاء لله الحي الذي لا يموت، إنها الحقيقة الكبرى التي تصبغ الحياة البشرية كلها بصبغة الذل والعبودية لقهار السماوات والأرض، إنها الحقيقة الكبرى التي تسربل بها طوعاً أو كرهاً العصاة والطائعون، بل والأنبياء والمرسلون، إنها الحقيقة التي أمرنا حبيبنا ونبينا وقدوتنا وقرة أعيننا محمد ﷺ أن نذكرها ولا ننساها، كما في الحديث الذي رواه الترمذي بسند حسن من حديث فاروق الأمة عمر أنه ﷺ قال: (أكثروا من ذكر هادم اللذات)، وفي لفظ: (أكثروا من ذكر هاذم اللذات، قيل: وما هاذم اللذات يا رسول الله؟! قال: الموت)، إنه الموت أيها الأحباب!

стр. 1761

الدنيا زائلة يا من عشت للدنيا! يا من عشت للكرسي الزائل! يا من عشت للمنصب الفاني! يا من ظننت أن كرسيك لا يزول! ويا من ظننت أن منصبك لا يفنى! أين الحبيب رسول الله؟! أين سيد الخلق؟! أين حبيب الحق؟! أين من قال له ربه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤]؟!. أيا عبد كم يراك الله عاصياً حريصاً على الدنيا وللموت ناسيا نسيت لقاء الله واللحد والثرى ويوماً عبوساً تشيب فيه النواصيا إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى تجرد عرياناً ولو كان كاسيا ولو كانت الدنيا تدوم لأهلها لكان رسول الله حيَّاً وباقياً ولكنها تفنى ويفنى نعيمها وتبقى الذنوب والمعاصي كما هيا كم ستعيش؟ إن عمرك في حساب الزمن لحظات، وما هي النتيجة؟ وما هي النهاية؟ يا أيها الإنسان! يا أيها الكبير! ويا أيها الصغير! ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦]، وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة:٢٦ - ٣٠]. ويفتح سِجِلُّكَ يا مسكين! ويفتح ملفك يا غافل! وإذا به ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة:٣١ - ٣٢]، سمع الأذان وسمع النداء يقول: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، وهو ما زال جالساً على المقهى في معصية الله جل وعلا، لم يُجِبْ نداء الحق جل وعلا. تأتي للصلاة في فتور كأنك قد دعيت إلى البلاء وإن أديتها جاءت بنقص لما قد كان من شرك الرياء وإن تخلو عن الإشراك فيها تدبر للأمور بالارتقاء ويا ليت التدبر في مباح ولكن في المشقة والشقاء وإن كنت المصلي يوماً بين خلقٍ أطلت ركوعها بالانحناء وتعجل خوف تأخير لشغل كأن الشغل أولى من لقاه وإن كنت المجالس يوماً أنسا قطعت الوقت من غير اكتفاء أيا عبد لا يساوي الله معـ ك أنساً تناجيه بحب أو صفاء يا غافل! يا لاهي! أيها الساهي! يا من نسيت حقيقة الدنيا ونسيت الآخرة! يا من تركت الصلاة! يا من ضيعت حقوق الله! يا من عذبت الموحدين لله! يا من بارزت رسول الله بالمعصية! يا من عق أباه! يا من عق أمه! يا من قطع رحمه! يا من ضيع حقوق الله! دع عنك ما قد فات في زمن الصبا واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب لم ينسه الملكان حين نسيته بل أثبتاه وأنت لاه تلعب والروح منك وديعة أودعتها ستردها بالرغم منك وتسلب وغرور دنياك التي تسعى لها دار حقيقتها متاع يذهب الليل فاعلم والنهار كلاهما أنفاسنا فيهما تعد وتحسب

стр. 1762

(كلا إذا بلغت التراقي) ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ [القيامة:٢٦] أي: إذا بلغت الروح الترقوة ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [القيامة:٢٧] من الذي سيرقيه؟! من الذي سيبذل له الرقية؟! من الذي سيبذل له العلاج؟! فهو من هو؟! هو الملك هو الحاكم هو الوزير هو الأمير، صاحب الجاه صاحب المنصب صاحب السلطان، احضروا الأطباء، احضروا الطائرة الخاصة؛ لتنقله على الفور إلى أكبر المستشفيات وأكبر الأطباء، ولكن إذا اقتربت ساعة الصفر وانتهى الأجل لا تستطيع قوة على ظهر الأرض، ولا يستطيع أهل الأرض ولو تحولوا جميعاً إلى أطباء أن يحولوا بينك وبين ما أراد رب الأرض والسماء، ولو كنتم في بروج مشيدة، انظر إليه: الأطباء من حول رأسه وقد حان الاحتضار، فاصفر وجهه وشحب لونه وبردت أطرافه وتجعد جلده، وبدأ يحس بزمهرير قارس يزحف إلى أنامل يديه وقدميه، يحاول جاهداً أن يحرك شفتيه بكلمة التوحيد فيحس أن الشفة كالجبل لا يتزحزح! إلا لمن يسر الله له النطق بكلمة التوحيد، فينظر إلى الأطباء من حول رأسه، وينظر إلى زوجته، وإلى أولاده وإلى أحبابه وإلى إخوانه نظرة استعطاف، نظرة أمل، نظرة تمنٍّ، فهو يقول لهم بلسان الحال، بل وبلسان المقال: يا أحبابي! يا أولادي! أنا أخوكم، أنا أبوكم، أنا حبيبكم، أنا الذي بنيت القصور، وأنا الذي عمرت الدور، وأنا الذي نَميْتُ التجارة، فمن منكم يزيد في عمري ساعة أو ساعتين؟! وهنا يعلو صوت الحق: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٨٣ - ٩٦]. سبحانك يا من ذَلَلْتَ بالموت رقاب الجبابرة سبحانك! يا من ذَلَلْتَ بالموت رقاب الأكاسرة، سبحانك! يا من ذللت بالموت رقاب القياصرة! فنقلتهم بالموت من القصور إلى القبور، ومن ضياء الغرف والمهود إلى ظلمة اللحود، ومن ملاعبة الجواري والغلمان إلى مقاساة الهَوَامِّ والديدان، ومن التنعم بالطعام والشراب إلى التمرغ في الوحل والتراب، سبحانك!

стр. 1763

تفسير قوله تعالى: (وقيل من راق) ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [القيامة:٢٧] من يرقيه؟! من يكتب له الرقية؟ من يعطيه العلاج؟! من يحول بينه وبين الموت؟! لا أحد، (وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ) وقيل فيها تفسير آخر: من يرتقي بروحه بعدما فارقت جسده إلى الله جل وعلا؟! (من راق) من الذي سيرتقي بها من الملائكة؟ ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة:٢٨ - ٣٠]. سَفرِيْ بعيد وزادي لن يبلغني وقوتي ضعفت والموت يطلبني ولي بقايا ذنوب لست أعلمها الله يعلمها في السر والعلنِ أنا الذي أغلق الأبواب مجتهداً على المعاصي وعين الله تنظرني ما أحلم الله عني حيث أمهلني وقد تماديت في ذنبي ويسترني كأنني بين جل الأهل منطرحاً على الفراش وأيديهم تقلبني وقد أتوا بطبيب كي يعالجني ولم أر الطِّب هذا اليوم ينفعني واشتد نزعي وصار الموت يجذبها من كل عرق بلا رفق ولا هون وقام من كان حِبَّ الناس في عجل نحو المغسل يأتيني يغسلني فجاءني رجل منهم فجردني من الثياب وأعراني وأفردني وأودعوني على الألواح منطرحاً وصار فوقي خرير الماء يُنْظِفُنِي وأسكب الماء من فوقي وَغَسَّلَنِي غسلاً ثلاثاً ونادى القوم بالكفنِ وَحَمَّلُوني على الأكتاف أربعة من الرجال وخلفي من يشيعني وقدموني إلى المحراب وانصرفوا خلف الإمام فصلى ثم ودعني صلوا علي صلاة لا ركوع لها ولا سجود لعل الله يرحمني وأنزلوني إلى قبري على مَهَلٍ وَقَدَّمُوْا واحداً منهم يُلَحِّدُنِي فَكَشَّفَ الثوب عن وجهي لينظرني فأسكب الدمع من عينيه أغرقني وقال هلوا عليه التُّرْب واغتنموا حسن الثواب من الرحمن ذي اِلمنَنِ وتقاسم الأهل مالي بعدما انصرفوا وصار وزري على ظهري فأثقلني يا نفس كفي عن العصيان واغتنمي حسن الثواب من الرحمن ذي المنن وقال آخر: أيامن يدعي الفهم إلى كم يا أخا الوهم تعبي الذنب والذم وتخطي الخطأ الجم أما بان لك العيب أما أنذرك الشيب وما في نصحه ريب أما نادى بك الموت أما أسمعك الصوت أما تخشى من الفوت فتحتاط وتهتم فكم تسير في الزهو وتنقض إلى اللهو كأن الموت ما عم كأني بك تنحط إلى اللحد وتنغط وقد أسلمك الرهط إلى أضيق من سَمْ هناك الجسم ممدود ليستأكله الدود إلى أن ينخر العود ويمسي العظم قد رَمْ فزود نفسك الخير ودع ما يعقب الضير وهيء مركب السير وخف من لجة اليم بذا أوصيك يا صاح وقد بحتك من باح فطوبى لفتى راح بآداب محمد يأتم

стр. 1764

الموت حق قال الله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩]، فالموت حق أيها الأحبة! ولو كان الأمر ينتهي عند الموت لاسترحنا كثيراً، ولكن بعد الموت بعث، وبعد البعث حساب، وفي الحساب سؤال، والسؤال بين يدي ملك الملوك وجبار السماوات والأرض. إن الموت حقيقة لا تنكر، ورحم الله الفضيل بن عياض إذ لقيه رجل فسأله الفضيل عن عمره فقال الرجل: عمري ستون سنة، قال الفضيل: إذاً أنت منذ ستين سنة تسير إلى الله، يوشك أن تصل. فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون، قال الفضيل: هل عرفت معناها؟ قال: نعم، عرفت أني لله عبد، وأني إلى الله راجع، فقال الفضيل: يا أخي! إن من عرف أنه لله عبد وأنه إلى الله راجع عرف أنه موقوف بين يديه، ومن عرف أنه موقوف عرف أنه مسئول، ومن عرف أنه مسئول فَلْيُعِدَّ للسؤال جواباً، فبكى الرجل وقال: يا فضيل! وما الحيلة؟ قال الفضيل: يسيرة. قال: ما هي يرحمك الله؟ قال: أن تتقي الله فيما بقي، يغفر الله لك ما قد مضى وما قد بقي. ورضي الله عن هارون الرشيد الذي يوم أن نام على فراش موته قال: أريد أن أرى قبري الذي سأدفن فيه، فحملوا هارون إلى قبره، هارون الذي كان يخاطب السحابة في كبد السماء ويقول لها: أيتها السحابة! في أي مكان شئت فأمطري فسوف يُحْمَلُ إلي خراجك هاهنا إن شاء الله، حمل ليرى قبره فنظر هارون إلى قبره وبكى، ثم التفت إلى أحبابه من حوله، وقال: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨ - ٢٩]، أين المال؟! أين الدولارات؟! أين السيارات؟! أين العمارات؟! أين الأراضي؟! أين السلطان؟! أين الجاه؟! أين الوزارة؟! أين الإمارة؟! أين الجند؟! أين الحرس؟! أين الكرسي الزائل؟! أين المنصب الفاني؟! ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨ - ٢٩]، وبكى هارون وارتفع صوته ونظر إلى السماء وقال: يا من لا يزول ملكه! ارحم من قد زال ملكه، ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦]، أين الفراعنة؟! أين الأكاسرة؟! أين القياصرة؟! أين الظالمون؟! أين الطواغيت؟! أين الظالمون؟! وأين التابعون لهم في الغي؟! بل أين فرعون وهامان؟! أين من دوخوا الدنيا بسطوتهم وذكرهم في الورى ظلم وطغيان هل أبقى الموت ذا عز لعزته أو هل نجا منه بالسلطان إنسان لا والذي خلق الأكوان من عدم الكل يفنى فلا إنس ولا جان وقال آخر: يا نفس قد أزف الرحيل وأظلك الخطب الجليل فتأهبي يا نفس لا يلعب بك الأمل الطويل فلتنزلن بمنزل ينسى الخليل به الخليل وليركبن فيه عليـ ـك من الثرى ثقل ثقيل قرن الفناء بنا فما يبقى العزيز ولا الذليل من الباقي؟ إنه الحي الذي لا يموت، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]، ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]. فيا أيها الحبيب! يا أيها الكريم! هل ذكرت نفسك بهذه الحقيقة؟ هل تذكرت الموت؟ هل أعددت ليوم سترحل فيه عن هذه الدنيا؟ من منا كتب وصيته ووضعها تحت رأسه في كل ليلة؟! يا من شغلك طول الأمل! أنسيت يوماً سترحل فيه عن دنياك؛ لتقف بين يدي مولاك، وليس الموت هو نهاية المطاف، ولكنني أقول: إننا سنبعث؛ لنسأل بين يدي ملك الملوك وجبار السماوات والأرض، سنعرض على هذه المحكمة الكبيرة التي قال الله عنها: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]، سينادى عليك باسمك واسم أبيك: أين فلان بن فلان؟ ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ [ق:٢٠]، إنه يوم القيامة يوم الحسرة والندامة، يوم الصيحة، يوم الحاقة، يوم القارعة، يوم الآزفة، إنه ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢]. إنه يوم الوعيد، ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق:٢١]، عن عثمان بن عفان -كما نقل ذلك عنه الحافظ ابن كثير - أنه قال في خطبته: سائق يسوق العبد إلى الله، وشهيد يشهد على أعمال العبد بين يدي مولاه. ستساق إلى الله جل وعلا وسينادى عليك يا مسكين! ليكلمك ملك الملوك بغير ترجمان! تفكر الليلة، لو عدت إلى بيتك ووجدت شرطياً يقدم لك رسالة فيها: إنك مطلوب غداً؛ للوقوف أمام قاضٍ من قضاة الدنيا الحقراء الفقراء الضعفاء الأذلاء، أتحداك أن تنام الليلة، ولكن ستفكر كثيراً، فهل فكرت في موقف ستسأل فيه من ملك الملوك وجبار السماوات والأرض؟ أين الإمارة والسلطان؟! أين الجاه؟! أين الكراسي؟! أين الجند؟! تذكر وقوفك يوم العرض عريانا مستوحشاً قلق الأحشاء حيرانا والنار تلهب من غيظ ومن حنق على العصاة ورب العرش غضبانا اقرأ كتابك يا عبدي على مَهَلٍِ فهل ترى فيه حرفاً غير ما كانا فلما قرأت ولم تنكر قراءته وأقررت إقرار من عرف الأشياء عرفانا نادى الجليل خذوه يا ملائكتي وامضوا بعبد عصى للنار عطشانا المشركون غداً في النار يلتهبوا والمؤمنون بدار الخلد سكانا

стр. 1765

(اتقوا النار ولو بشق تمرة) جاء في الصحيحين من حديث عدي بن حاتم أن النبي ﵊ قال: (ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه يوم القيامة، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أَشْأَم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]. اتقوا النار، فإن حرها شديد، وإن قعرها بعيد، وإن مقامعها حديد. ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج:١٩ - ٢١]. اللهم حَرِّمْ جلودنا على النار، ووجوهنا على النار، وأبشارنا على النار، اللهم إنا ضعاف لا نقوى عليها فَنَجِّنَا، اللهم إنا ضعاف لا نقوى عليها فنجنا، اللهم أدخلنا الجنة مع الأبرار برحمة منك يا عزيز يا غفار! فتسأل بين يدي الله، ويكلمك الله ليس بينك وبينه ترجمان، انظر أيها الموحد! انظر أيها المؤمن! واسجد لربك شكراً أنك من أتباع الحبيب محمد ﷺ . ومما زادني فخراً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن أرسلت أحمد لي نبيا اسجد لربك شكراً يا من وحدت الله! اسمع ماذا قال إمام الموحدين وقدوة المحققين وسيد المرسلين محمد ﷺ ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أنه ﷺ قال: (يدنى المؤمن من ربه يوم القيامة، حتى يضع رب العزة عليه كَنَفَهُ)، والكنف لغة -لا تأويلاً للصفة-: هو الستر والرحمة، ونحن لسنا ممن يؤول صفات الحق جل وعلا، وإنما نؤمن بأسماء الجلال وصفات الكمال من غير تحريف لألفاظها ولا لمعانيها، ومن غير تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل؛ لأن الله جل وعلا جل عن الشبيه وعن النظير وعن المثيل، لا ند له، ولا كفؤ له، ولا شبيه له، ولا مثيل له، ولا نظير له، ولا والد له، ولا ولد له، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. (يُدْنى المؤمن من ربه يوم القيامة حتى يضع رب العزة عليه كَنَفَهُ ويقرره بذنوبه، يقول له ربه جل وعلا: لقد عملت كذا وكذا في يوم كذا وكذا، فيقول المؤمن: رب أعرف -يقولها مرتين- فيقول الله جل وعلا: ولكني سترتها عليك في الدنيا وأغفرها لك اليوم). أسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن ينادى عليهم بهذا النداء: (ولكني سترتها عليك في الدنيا وأغفرها لك اليوم)، من الذي يقال له هذا؟ إنه الموحد المؤمن. أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهل الإيمان، وأن يختم لي ولكم عند الموت بالتوحيد. اللهم ارزقنا قبل الموت توبة، وعند الموت شهادة، وبعد الموت جنة ورضواناً، اللهم استرنا فوق الأرض، واسترنا تحت الأرض، واسترنا يوم العرض، برحمتك يا أرحم الراحمين!

стр. 1766

السؤال بين يدي الله يوم القيامة ينادى عليك لِتُسْأَلَ بين يدي الله جل وعلا: أين فلان بن فلان؟ أَقْبِلْ للعرض على الله جل وعلا، فتجد نفسك واقفاً بين يدي الحق فتعطى صحيفتك، هذه الصحيفة التي لا تغادر بلية كتمتها، ولا مصيبة ومعصية أسررتها، فكم من معصية قد كنت أخفيتها أظهرها الله لك وأبداها! وكم من مصيبة كنت قد أخفيتها ذكرك الله إياها؟! فيا حسرة قلبك وقتها على ما فرطت في دنياك من طاعة مولاك، فإن كنت من المؤمنين أعطاك الله كتابك باليمين، وأنارت أعضاؤك وأشرق وجهك، وانطلق النور من بين يديك وعن يمينك، كما قال الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم:٨]. أما أهل النفاق -أهل الظلمات- فينادون أهل الأنوار كما قال الله حاكياً عن المنافقين والمنافقات قولهم للذين آمنوا: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ [الحديد:١٣ - ١٤] ألم نحضر معكم الجماعات والجمعات؟ ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد:١٤]. ينطلق وكتابه بيمينه بعدما سعد سعادة لن يشقى بعدها أبداً، ينطلق في أرض المحشر مع إخوانه وأحبابه وأترابه ومن هم على شاكلته والنور يشرق من وجهه وأعضائه! كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: (منهم من يكون نوره كالجبل، ومنهم من يكون نوره كالنخلة، ومنهم من يكون نوره كالرجل القائم، ومنهم من يكون نوره على إبهامه يَتَّقِدُ مرة ويطفأُ مرة). والأثر ذكره الإمام السيوطي في الدر المنثور، وقال الإمام الذهبي: هو صحيح على شرط البخاري، ينطلق والنور يشرق من وجهه وأعضائه وكتابه بيمينه، والله لقد سعد سعادة لن يشقى بعدها أبداً، ينطلق إلى إخوانه وأحبابه من الموحدين في أرض المحشر ويقول لهم: شاركوني السعادة! شاركوني الفرحة! شاركوني البهجة! اقرءوا معي كتابي! انظروا: هذا كتابي بيميني! اقرءوا: هذا توحيدي، وهذه صلاتي، وهذا صيامي، وهذا حجي، وهذا بري، وهذه صدقتي، وهذه دعوتي، وهذا عملي، اقرءوا معي: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة:١٩ - ٣٣]. هل أعددت لهذا اليوم جواباً أيها الحبيب! تعال إلى فلاح الدنيا والآخرة، أيها الشاب! أيها الوالد الكريم! أيها الابن الحبيب! أيها الأخ الفاضل! أيتها الأخت الفاضلة! هَيَّا جميعاً لِنَتُبْ إلى الله جل وعلا في هذه الليلة الكريمة المباركة التي دمعت فيها العيون، وخشعت فيها القلوب لعلام الغيوب، تعالوا بنا لنجدد التوبة والأوبة والعودة، ولنكن على يقين جازم بأن الله جل وعلا لا يغلق باب التوبة في وجه أحد طرقه في ليل أو نهار: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]. يا من أسرفت على نفسك في المعاصي! أَقْبِلْ إلى الله جل وعلا، ولا يَصُدَّنَّكَ الشيطان عن الله، واعلم بأن الله كريم، واعلم بأن الله رحيم، واعلم بأن الله سيغفر لك أي ذنب ما دمت موحداً لله جل وعلا. وفي صحيح مسلم وسنن الترمذي من حديث أنس أن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم! لو بلغت ذنوبك عَنَانَ السماء، ثم استغفرتني غفرت لك، يا بن آدم! لو أتيتني بِقُرَابِ الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة). وأختم بقول الله : ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣١ - ٣٥]. هل عرفت المزيد أيها الحبيب! إن نعيم الجنة ليس في لبنها ولا في خمرها ولا في قصورها ولا في ذهبها، ولا في حريرها، ولا في حورها، ولكن نعيم الجنة في رؤية وجه الله ﷻ ، وهذا هو المزيد، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، وقال سبحانه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]. أسأل الله جل وعلا أن يمتعني وإياكم بالجنة، وبالنظر إلى وجهه الكريم، وأن يرزقني وإياكم الإخلاص في القول والعمل، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1767

حجاب المرأة المسلمة دين الإسلام دين متكامل، ومن مقاصده: الحفاظ على شرف الإنسان وعرضه؛ ولذلك فإن الإسلام قد ضبط أمر الشهوة والغريزة الجنسية -التي أودعها الله في الإنسان- بالضوابط الشرعية التي تراعي فطرة الإنسان، وتراعي أعراض الآخرين في الوقت ذاته، ومن هنا حرم الله التبرج؛ لأنه يثير الغرائز، وربما أوقع في الفاحشة، وأوجب الحجاب على المرأة صيانة لها، وحفاظاً عليها، وسداً لكل وسيلة تؤدي إلى الوقوع في الفاحشة، وبهذا ضمن الإسلام صيانة الأعراض وطهارة المجتمع، فعلى المسلمات الالتزام بالحجاب بشروطه الشرعية؛ لما في ذلك من المصلحة العظيمة لهن وللمجتمع.

стр. 1768

الحجاب لغة وشرعاً بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ﴿الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدَاً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الإسراء:١١١] ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون:٩١]، الذي لا إله إلا هو، فلا خالق غيره، ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة، ولذا قضى ألا نعبد ألا إياه ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [لقمان:٣٠]. وأشهد أن لا إله ألا الله وحده لا شريك له، هو الواحد الذي لا ضد له، وهو الصمد الذي لا منازع له، وهو الغني الذي لا حاجة له، وهو القوي الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو جبار السماوات والأرض، فلا راد لحكمه ولا معقب لقضائه وأمره، هو الأول فلا شيء قبله، وهو الآخر فلا شيء بعده، وهو الظاهر فلا شيء فوقه، وهو الباطن فلا شيء دونه، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة:١٢٠]. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الرسالة، وبلغ الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة عن هذه الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، وعبد ربه حتى لبى داعيه، وجاهد في سبيل ربه حتى أجاب مناديه، وعاش طوال أيامه ولياليه يمشي على شوك الأسى، ويخطو على جمر الكيد والعنت، يلتمس الطريق لهداية الضالين وإرشاد الحائرين، حتى علم الجاهل، وقوم المعوج، وأمن الخائف، وطمأن القلق، ونشر أضواء الحق والخير والتوحيد، كما تنشر الشمس ضياءها في رابعة النهار، فاللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فمرحباً بكم أحبتي في الله، ومع الدرس الخامس من دروس سورة الستر والعفاف سورة النور، وما زلنا بفضل الله جل وعلا نتحدث عن الضمانات الوقائية التي وضعها الإسلام العظيم، حمايةً لأفراده من الوقوع في الفاحشة والعياذ بالله، ولقد تكلمنا في اللقاء الماضي عن الضمان الثاني، ألا وهو تحريم التبرج وفرض الحجاب، وقلنا: إن الإسلام يهدف إلى إقامة مجتمع طاهر نظيف، لا تهاج فيه الشهوات في كل لحظة، ولا تستثار فيه دوافع اللحم والدم في كل حين؛ لأن عمليات الاستثارة المستمرة تنتهي إلى سعار شهواني لا ينطفئ ولا يرتوي، واللحم العاري، والزينة المتبرجة، والرائحة المؤثرة، والنظرة المعبرة، والمشية المتكسرة، كلها من الأشياء التي تثير الشهوة، وتؤجج نار الفتنة والهوى. ومن هنا حرم الإسلام التبرج، وفرض الحجاب على المرأة المسلمة. ينبغي أن تعلم المسلمة وأن يعلم الناس جميعاً أن الإسلام ما فرض هذه الضوابط على المرأة المسلمة في ملبسها وزينتها وعلاقتها بالرجال إلا لصيانتها وحمايتها من عبث العابثين، ومجون الماجنين؛ لتكون المرأة المسلمة كالدرة المصونة، وكاللؤلؤة المكنونة التي لا تصل إليها الأيدي الآثمة. تكلمنا في اللقاء الماضي عن التبرج وعن مظاهره وعن خطورته، ولقاؤنا اليوم عن الشق الثاني من الضمان الثاني، ألا وهو فرض الحجاب على المرأة المسلمة. وحتى لا ينسحب بساط الوقت من تحت أقدامنا فسوف أركز الحديث مع حضراتكم في أربعة عناصر: أولاً: الحجاب لغةً وشرعاً. ثانياً: الأدلة الشرعية من القرآن والسنة على وجوب الحجاب. ثالثاً: شروط الحجاب الشرعي. رابعاً: شبهات، والرد عليها. نسأل الله جل وعلا أن يرزقنا الصواب والإخلاص والتوفيق. أولاً: الحجاب لغةً وشرعاً: الحجاب: جمع حجب، ومعناه لغةً: يدور بين الستر والمنع؛ لذا يقال للستر الذي يحول بين الشيئين: حجاب؛ لأنه يمنع الرؤية بينهما، ولذا يقال لحجاب المرأة: حجاب، وسمي حجاب المرأة حجاباً لأنه يستر المرأة عن الرؤية، ويمنع الرجال أن ينظروا إلى المرأة.

стр. 1769

لفظة الحجاب في القرآن الكريم وردت لفظة الحجاب في القرآن في ثمانية مواضع، وكلها تدور حول معنى الستر وحول معنى المنع: قال الله جل وعلا في سورة الأعراف: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ [الأعراف:٤٦] أي: بينهما سور أو حاجز يمنع الرؤية. وقال الله جل وعلا: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص:٣٢] أي: حتى منعت هذه الخيول من الرؤية وأصبحت لا ترى. وقال الله جل وعلا: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابَاً﴾ [مريم:١٧] أي: استترت مريم ﵍ بستار عن أعين الرجال. وقال الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعَاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣] أي: من وراء ساتر أو حاجز أو حائل يمنع من رؤيتهن. إذاً: فالحجاب يدور بين معنى الستر والمنع، فيُفهم المعنى الشرعي من هذه المعاني اللغوية لحجاب المرأة المسلمة؛ لأنه الذي يحجب المرأة المسلمة عن نظر الرجال الأجانب، وله صور متعددة: صورة الأبدان، وصورة الوجوه. أي: حجاب الأبدان، وحجاب الوجوه. للمرأة أن تحتجب عن الرجال الأجانب ببيتها بجدران البيت بالستائر السميكة في داخل البيت. وللمرأة إذا خرجت أن تحتجب بثيابها، من رأسها إلى قدمها إذا ما خرجت من بيتها لحاجة ضرورية، لحاجة دينية أو لحاجة دنيوية، وهذا جائز في حقها، ولا إثم عليها لكن بشرط لبس الحجاب الشرعي مع تغطية الوجه بالخمار أو النقاب، وهذا هو ما يسميه علماؤنا بحجاب الوجوه، وهو الخمار.

стр. 1770

معنى الخمار يوجد خلط بين هذه المعاني عند كثير من الناس، فالخمار عندنا يُراد به الطرحة التي تلبسها المرأة على رأسها، ويظهر منها الوجه، وهذا خطأ لغوي، وهذا أيضاً يطلق على الحجاب عندنا، وقد ذكره بعض أهل العلم في كتبهم، قالوا: الحجاب هو: الطرحة التي تلبسها المرأة على رأسها ويظهر منها الوجه، وهذا خطأ لغوي، فانتبهوا معي لنتعرف على معنى الخمار، وعلى معنى النقاب حتى نضع النقط على الحروف من بداية هذا اللقاء. الخمار هو: ما تخمر به المرأة وجهها. من أين هذا الكلام؟! من كتاب الله جل وعلا، ومن أقوال رسول الله ﷺ ومن أقوال أئمة الهدى ومصابيح الدجى عليهم رحمة الله. يقول الله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١] قال الحافظ ابن حجر إمام أهل الحديث رحمه الله تعالى في الفتح: في تعريف الخمر: ومنه خمار المرأة، وهو الذي تخمِّر به المرأة وجهها. أي: تغطي به المرأة وجهها. وأعظم دليل على صحة هذا الكلام: ما ورد في صحيح البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂؛ وهل تريدون دليلاً أوضح من هذا؟! هل تريدون دليلاً أوضح من دليلٍ ورد في حديثٍ رواه البخاري ومسلم من حديث أمنا أم المؤمنين عائشة ﵂؟! أتدرون ماذا قالت أمنا ﵂ في حادثة الإفك؟! ذكرت السيدة عائشة أنها لما تخلفت عن الجيش ونامت جاء صفوان فوقعت عينه عليها، وكان صفوان بن المعطل يعرف السيدة عائشة ﵂؛ لأنه كان قد رآها مراراً قبل نزول آية الحجاب، فلما رآها صفوان وعرفها استرجع، أي: قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، رأى زوج نبيه الكريم ﷺ تخلفت عن الجيش فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، تقول عائشة: (فلما رآني عرفني، وكان يعرفني قبل الحجاب، فلما رآني استرجع -أي: قال: إنا لله وإنا إليه راجعون- تقول عائشة ﵂: فاستيقظت باسترجاعه -أي: صحت سيدتنا عائشة على قولته: إنا لله وإنا إليه راجعون- اسمع ماذا قالت أمنا ﵂! قالت: فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي) (فخمرت وجهي بجلبابي) هذا هو معنى الخمار في حديث في الصحيحين، فماذا تريدون بعد ذلك من أدلة؟ قالت: (فخمرت وجهي بجلبابي. وفي رواية: فسترت وجهي بجلبابي). ويؤكد ذلك أيضاً حديث فاطمة بنت المنذر ﵂ تقول: كنا نخمر وجوهنا من الرجال في الإحرام مع أسماء بنت أبي بكر ﵂. وحديثها رواه الإمام مالك في الموطأ ورواه الحاكم في المستدرك وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين البخاري ومسلم ولم يخرجاه، وأقره الإمام الذهبي. إذاً: الخمار هو: ما تخمر به المرأة وجهها، أي: ما تغطي به المرأة وجهها.

стр. 1771

معنى النقاب النقاب هو: حجاب من وجوهٍ أيضاً، وسمي النقاب بالنقاب لوجود نقبين بمحاذاة العينين، لتتعرف المرأة من خلال هذين النقبين على الطريق. ولكن ينبغي أن أنبه هنا إلى أمر خطير، ألا وهو أن بعض المسلمات اللائي يلبسن النقاب قد حولنه هو الآخر إلى مصدر فتنة وإغواء وإغراء! كيف ذلك؟ وسعت المرأة فتحة العين على وجهها فظهر من خلال هذه الفتحة حاجبها، وظهر جزء كبير من وجنتيها، وهذه هي الفتنة بعينها، وليس معنى أن كثيراً من النساء قد حولن النقاب إلى مصدر فتنة وإغراء وإغواء أن نقول بعدم شرعية النقاب، فليس معنى أن يختل المسلمون في تطبيق أمر أو في تطبيق جزء شرعي أن نلغي هذا الجزء، وإنما ينبغي أن يؤمر المسلمون بأن يردوا هذا الأمر إلى ما أراده الله وإلى ما أراده رسول الله ﷺ ، فيجب على المرأة التي انتقبت أن تظهر الفتحة لعينها على قدر الرؤية لتتعرف من خلالها على الطريق، أما أن تتفنن في أن تظهر جمال عينها وقد امتلأت كحلاً، وامتلأت جمالاً وفتنة وتأثيراً، وظهر حاجبها، وظهر جزء كبير من وجنتيها، وتدعي أنها منتقبة، فإما أنها خادعة أو مخدوعة، فينبغي أن تتوب وأن ترجع إلى الله جل وعلا وأن تتقي الله، وأن تعلم بأن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. هذا هو الخمار، وهذا هو النقاب، وهذا هو معنى الحجاب. إذاً: هناك حجاب للأبدان وللوجوه معاً: من وراء ستارة سميكة، أو من وراء جدار، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعَاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣] أو إذا خرجت المرأة من بيتها لحاجة دينية أو دنيوية فعليها أن تلبس الثياب من رأسها إلى قدمها، وأن تغطي وجهها بالخمار أو النقاب، بالشروط والضوابط التي أشرت إليها آنفاً.

стр. 1772

الأدلة على وجوب الحجاب من القرآن

стр. 1773

آية الإدناء أولاً: أدلة القرآن: ثانياً: الأدلة الشرعية من القرآن والسنة على وجوب الحجاب: الدليل الأول: آية الإدناء في سورة الأحزاب، ألا وهي قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ [الأحزاب:٥٩] قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهل تعرف المرأة إلا من وجهها؟! ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورَاً رَحِيمَاً﴾ [الأحزاب:٥٩] انتبهوا معي أيها الأحبة! وانتبهن معي أيتها الفضليات! لنتعرف على هذه الآية وعلى ما تحمله من أحكام عظيمة غابت عن كثير من المسلمين والمسلمات: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٩] الأمر هنا من الله جل وعلا لزوجات النبي الطاهرات، وبنات النبي العفيفات، ونساء المؤمنين الصالحات القانتات. إذاً: ليس الأمر هنا خاصاً بزوجات النبي ﷺ وحدهن، كما هو واضح بمنطوق الآية ومفهومها أيضاً. قال شيخ المفسرين الإمام ابن جرير الطبري عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ في تفسير آية الإدناء: أمر الله نساء المؤمنين -واحفظوا هذا القول لـ ابن عباس ﵁؛ لأنه قد افتري عليه قول آخر، وقد ادعي عليه ما لم يقله! وهو بريء منه كما سنرى بالأدلة وبطرق أهل الحديث إن شاء الله جل وعلا- قال ابن عباس ﵄: (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن لحاجة: أن يغطين وجوههن من فوق رءوسهن بالجلابيب، ويبدين عيناً واحدة) قلتُ: ليتعرفن بها على الطريق. ويقوي هذا الإسناد ما صح عن ابن سيرين رحمه الله تعالى قال: قلت لـ عبيدة السلماني وعبيدة السلماني هو: التابعي الجليل الفقيه العلم الذي آمن في حياة النبي ﷺ إلا أنه لم ينزل المدينة إلا في عهد عمر بن الخطاب ﵁، ولم يزل عبيدة السلماني بالمدينة حتى توفاه الله جل وعلا، وأنا تعمدت أن أقول ذلك لتعلم أن عبيدة السلماني فسر آية الإدناء تفسيراً عملياً يوضح حال نساء أصحاب النبي ﷺ ورضي الله عنهن جميعاً، فهو يوضح ما كان عليه النساء في عهد الصحابة ﵃. يقول ابن سيرين: سألت عبيدة السلماني عن معنى آية الإدناء ألا وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩] يقول ابن سيرين: فقال عبيدة بثوبه هكذا، فغطى وجهه بثوبه وأبرز ثوبه عن إحدى عينيه. فهذا توضيحٌ عملي من تابعي جليل عاش في المدينة المنورة في عهد عمر بن الخطاب إلى أن مات ﵀. فهذا تفسير عملي لآية الإدناء، ووالله إنه من أعظم الأدلة؛ لأنه نقل لما كان عليه النساء في عهد أصحاب النبي ﷺ ! ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩]. وقال الإمام الفخر الرازي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: وفي هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين، وإظهار الستر والعفاف إذا خرجت لحاجة، حتى لا يطمع أهل الريبة فيهن. ومن العلماء من يقول: إن الصحابيات ﵅ كن يخرجن كاشفات الوجوه! وهذا والله بهتان عظيم؛ لأن الوجه هو أصل الجمال في المرأة، وأنا أسالك بالله أيها المسلم المنصف! لا أريد منك جواباً، وإنما أجب أنت بنفسك على نفسك في جلسة صدق ولحظة صدق مع الله جل وعلا، أسألك بالله لو أن شاباً تقدم لخطبة فتاة وقيل له: لن ترى الفتاة إلا في صورة من الصورتين. فقال الشاب: وما هما؟ قالوا: الصورة الأولى: أن تخرج لك الفتاة في كل زينتها، وقد غطت وجهها! أي: غطت بدنها بالثياب وغطت وجهها، إلا أنها من تحت هذه الثياب، ومن تحت هذا الغطاء وضعت كل ما يمكن أن تضعه المرأة من زينة. سبحان الله! وما استفاد هذا المسكين إذاً؟! ما رأى شيئاً وما استفاد من تلك الزينة شيئاً. والصورة الثانية هي: أن تقف لك الفتاة من خلف نافذة وتنظر إليك بوجه مبتسم، وقد تغطى كل البدن من خلف جدار هذه النافذة، بشرط أن تنظر إلى الوجه فقط. فبالله عليك ماذا يختار الشاب؟! هل يختار الحالة الأولى التي خرجت إليه فيها المرأة وقد تغطت من قمة رأسها إلى أخمص قدمها وغطت وجهها أم أنه يريد أن ينظر إلى الوجه؛ لأنه هو عنوان الجمال الخلقي والطبيعي في الإنسان، ومن خلاله يستطيع الإنسان أن يبين الجمال والقبح والدمامة والنضارة؟! يقول الشاب بالمنطق: أريد الصورة الثانية، وهي: أن ينظر إلى وجه المرأة ليتعرف من خلال وجهها على جمالها وقبحها أو دمامتها، وهذا لا يحتاج إلى دليل، فكل منصف لم يمت إنصافه في قلبه، فيعمى بذلك عقله، سيقول هذا. إذاً: الله ﵎ يأمر الرسول ﷺ أن يأمر زوجاته وبناته ونساء المؤمنين. ومن العلماء من قال بأن الحكم هنا خاص بزوجات النبي! سبحان الله! كيف يكون الحكم خاصاً بزوجات النبي ﷺ والله ﵎ يقول في نفس الآية: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٩]، يقول العلامة الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: وفي الآية قرينة واضحة على وجوب ستر الوجه، ما هي هذه القرينة؟ يقول: هي قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ [الأحزاب:٥٩] ومعلوم أن وجوب احتجاب زوجات النبي ﷺ وسترهن لوجوههن أمر لا نزاع فيه بين المسلمين. فكيف تستقيم دعوى الخصوصية لنساء النبي ﷺ وحدهن والله تعالى يقول في آخر الآية: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾؟! وهذا واضح. وأكتفي بهذا القدر في هذه الآية؛ لأن الموضوع طويل.

стр. 1774

آية الحجاب الدليل الثاني: آية الحجاب في سورة الأحزاب أيضاً: يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعَاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣] لماذا؟ ما هي العلة من فرض الحجاب بين الرجال والنساء؟ قال الله تعالى الخالق الذي يعلم من خلق ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] قال جل وعلا: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣] هذه هي آية الحجاب، وهي واضحة في وجوب احتجاب النساء عن الرجال، ولكن من العلماء من قال: إن هذه الآية خاصة بزوجات النبي ﷺ وحدهن، قلت: إن كانت الآية خاصة بزوجات النبي ﷺ من جهة السبب، فهي عامة من جهة الأحكام، والقاعدة الأصولية تقول: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولو جاء أمر خاص بزوجات النبي ﷺ فقلنا: هو لزوجات النبي ﷺ وحدهن! ولو جاء أمر خاص للنبي ﷺ فقلنا: هو للنبي ﷺ وحده دون سائر المؤمنين! لو كان الأمر كذلك لعطلنا معظم أوامر القرآن، ومعظم نواهي القرآن. وقد أمر الله نبيه ﷺ في أول سورة الأحزاب بأن يتقي الله فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:١] فهل يقول عاقل: إنه لا يجب علينا أن نتقي الله؛ لأن الأمر هنا خاص بالنبي ﷺ ؟! وهكذا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التحريم:٩] هل يقول عاقل: إنه لا يجب علينا أن نجاهد الكفار والمنافقين؛ لأن الأمر هنا خاص بالنبي ﷺ ؟! وكذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب:٥٣] هل يقول عاقل: إنه يجوز دخول غير بيوت النبي ﷺ من غير إذن؟! ما هذا؟! إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذا ما قال به علماؤنا. فهنا وإن كان نزول هذه الآيات في زوجات النبي ﷺ الطاهرات، إلا أنها عامة من ناحية الأحكام. ثم ما هي العلة من فرض الحاجب؟ العلة من فرض الحجاب بنص الآية هو: قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣] أتدرون لمن هذا الأمر؟ لنساء النبي ﷺ الطاهرات، لأشرف نساء العالمين، ولأطهر نساء الدنيا اللائي تربين في بيت النبوة على يد رسول الله ﷺ ، اللائي شربن من نبع الوحي الزلال الصافي، وهن مَن هن؟! هن المطهرات من السفاح، المحرمات علينا بالنكاح، الموصوفات بأنهن أمهات المؤمنين، يأمرهن الله بالحجاب حماية لقلوبهن، وطهارة لقلوبهن وقلوب أبنائهن المحرم عليهم نكاحهن! فما نقول في غيرهن المحللات لنا بالنكاح، المتطلع لهن أهل السفاح؟! هل يجوز أن يخرجن، أو أن يكن سافرات غير منتقبات، وبارزات غير محجبات؟! إن دليل الأولوية في هذه الآية واضح وضوح الشمس في رابعة النهار. فإذا أمرت عائشة بالحجاب فهل يترك غيرها؟! إذا أمرت حفصة بالحجاب طهارة لقلبها، فهل نترك غيرها؟! إذا أمرت أم سلمة بالحجاب طهارة لقلبها، فهل نترك غيرها؟! إذا أمرت سودة وزينب وغيرهن ﵅ بالحجاب فهل نترك غيرهن؟! إن دليل الأولوية واضح في هذه الآية، وهذا المسلك في القرآن معلوم عند أهل الأصول بمسلك الإيماء والتنبيه، إن الأمر بين واضح، ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعَاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣] لماذا؟ ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣].

стр. 1775

آية النور الدليل الثالث هو: الآية الحادية والثلاثون من سورة النور، وهي قول الله جل وعلا: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] يستدل العلماء من هذه الآية بثلاثة مواضع: الموضع الأول: قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١] أي: إلا ما ظهر منها بغير قصد وعمد، بل وهي مضطرة لإظهاره رغماً عنها، وهو ظاهر الثياب، فإن الثياب على بدن المرأة زينة. وحتى لا نتهم بأننا نتعسف في لي أعناق الآيات لياً، فتعالوا بنا إلى صحابي جليل، علم من أعلام الصحابة في فهم كتاب الله جل وعلا، ما من آية نزلت إلا وهو يعلم متى نزلت وأين نزلت وفيما نزلت، إنه الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁، ماذا قال ابن مسعود في تفسير هذه الآية؟ عن عبد الله بن مسعود ﵁: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١] قال: الثياب، أي: زينة المرأة: الظاهرة الثياب، والإسناد إليه صحيح. أما ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١]: الوجه والكفان، فإسناده إلى ابن عباس لا يصح بحال، كما معروف لعلماء الحديث وعلماء التخريج، فإنه مروي عن ابن عباس من طريقين: الطريق الأول: رواه شيخ المفسرين الإمام ابن جرير الطبري. والطريق الثاني: أخرجه الإمام البيهقي في السنن الكبرى. فتعالوا بنا لنقف مع هذين الإسنادين لنتعرف على صحتهما من عدمها، حتى يتضح لنا أن هذا القول لا يصح إسناده بحال إلى ابن عباس ﵄. أما الطريق الأول -وهو الذي أخرجه الإمام ابن جرير الطبري في التفسير- فلا يصح بحال، وإسناد ضعيف جداً، بل هو منكر؛ لأن في سنده مسلم الملائي الكوفي، قال فيه البخاري: تكلموا فيه، وقال فيه الحافظ الذهبي: ضعفوه، وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: ضعيف، وقال يحيى بن معين: ليس بثقة، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال الحافظ الذهبي: متروك الحديث. إذاً: الإسناد بهذا الطريق لا يصح بحال كما هو معلوم لكل علماء الحديث. أما الإسناد الآخر الذي أخرجه الإمام البيهقي: فهو ضعيف جداً أيضاً؛ لضعف راويين من رجال سند هذا الطريق: الرجل الأول هو: أحمد بن عبد الجبار العطاردي، قال فيه الحافظ ابن حجر في التقريب: ضعيف. وقال فيه مطين: كان يكذب. أما الرجل الثاني فهو: عبد الله بن هرمز بن مسلم بن هرمز، قال فيه الحافظ ابن حجر في التقريب: ضعيف، وقال فيه الحافظ الذهبي: ضعفه ابن معين والنسائي. إذاً: أيها الأحباب، الإسنادان لا يصحان بحال، ولا يصح أن يستشهد بهما في المتابعات والشواهد، فضلاً عن أن يحتج بهما في أمر من الأمور الواجبة، كما هو معلوم لكل طالب علم مبتدئ في علم الحديث. إذاً: لا يصح الإسناد إلى ابن عباس ﵄ في أنه فسر الزينة الظاهرة بالوجه والكفين، ويؤكد صحة ذلك ما ذكرته في أول اللقاء حينما فسر آية الإدناء بقوله: (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن لحاجة، أن يغطين وجوههن من فوق رءوسهن بالجلابيب، ويبدين عيناً واحدة). إذاً: الزينة الظاهرة هي: الثياب، وهي: ما يظهر من المرأة من غير عمد وعلى حين غفلة من المرأة، ومن علم أحوال النساء علم ذلك جيداً، فإذا هبت ريح فقد تكشف وجه المرأة، وإذا اضطرت المرأة حين شرائها وبيعها أن تكشف عن وجهها الغطاء فقد ينظر رجل خلسة إلى وجهها على حين غرة منها، هذه زينة تظهر من المرأة من غير عمد، ومن غير قصد، وهي بإذن الله لا تؤاخذ عليها، بدليل قول الله جل وعلا: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١]. الموضع الثاني في الآية هو: قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١] ومعنى ضرب الخمار على الوجه: تغطية الوجه، بدليل حديث عائشة الذي رواه البخاري ومسلم: (فخمرت وجهي بجلبابي)، وبدليل حديث أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: كنا نغطي وجوهنا ونحن محرمات وكنا نمتشط قبل ذلك في الإحرام. الحديث رواه مالك وصححه الإمام ابن خزيمة وصححه الإمام ابن حبان ورواه الحاكم في المستدرك من طريقه وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين البخاري ومسلم ولم يخرجاه، وأقره الإمام الذهبي على ذلك في التلخيص. ويؤكد ذلك أيضاً قول فاطمة بنت المنذر رحمها الله تعالى الذي أشرت إليه آنفاً قالت: كنا نخمر وجوهنا من الرجال في الإحرام ونحن مع أسماء بنت أبي بكر ﵂. والأثر رواه الإمام الحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرك الشيخين البخاري ومسلم، وأقره الذهبي على ذلك. إذاً: قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١] المفهوم من ضرب الخمار هو: أن تضرب المرأة الخمار من رأسها، أو من على رأسها على وجهها، وما سميت الخمر خمراً إلا لأنها تغطي العقل، وقال الحافظ في تعريف الخمر: ومنه: خمار المرأة؛ لأنه يستر وجهها. الموضع الثالث في هذه الآية: قوله تعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] إذا كان الإسلام قد حرم على المرأة أن تضرب الأرض برجلها، خشية أن يفتتن الرجال بسماع صوت خلخالها، فبالله عليكم هل يحرم الإسلام على المرأة ذلك ثم يبيح لها أن تكشف وجهها الذي قد امتلأ نضارة وجمالاً وحسناً وتجميلاً وتزييناً؟! أي الفتنتين أعظم، فتنة الوجه أم فتنة القدم؟! ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧]، ورحم الله من قال: إن الحجاب الذي نبغيه مكرمةٌ لكل مسلمة ما عابت ولم تعب نريد منها احتشاماً عفة أدباً وهم يريدون منها قلة الأدب يا رُب أنثى لها عزم لها أدب فاقت رجالاً بلا عزم ولا أدب ويا لقبح فتاة لا حياء لها وإن تحلت بغالي الماس والذهب إن الحجاب عفة، إن الحجاب مكرمة، إن الحجاب شرف، إن الحجاب مروءة، إن الحجاب إيمان، إن الحجاب طاعة، إن الحجاب امتثال لأمر الله وامتثال لأمر رسول الله ﷺ . فيا أيتها اللؤلؤة المكنونة المسلمة، أيتها الدرة المصونة الغالية، والله ما نريد لك إلا العفة، والله ما أراد الإسلام لك إلا الكرامة، والله ما أراد الإسلام لك إلا أن يحميك من عبث العابثين ومجون الماجنين، والله ما نريد لك إلا الخير في الدنيا والآخرة. أختاه! يا بنت الإسلام تحشمي لا ترفعي عنك الحجاب فتندمي صوني جمالك إن أردت كرامة فالناس حولك كالذئاب الحوم إي والله! كالذئاب الحوم، خاصة في زمان قل فيه الإيمان، وقل فيه الورع، وقل فيه الزهد، وقلت فيه التقوى، وإلى الله المشتكى، والله المستعان. وأكتفي بهذا القدر من الأدلة القرآنية أحبتي في الله.

стр. 1776

الأدلة من السنة النبوية على وجوب الحجاب الأدلة النبوية على وجوب الحجاب كثيرة ولله الحمد والمنة، ووالله لو لم يكن منها إلا هذا الحديث الذي رواه الإمام البخاري والإمام مالك في الموطأ والإمام الترمذي في السنن وقال: حديث حسن صحيح، ورواه الإمام أحمد في مسنده وغيرهم من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين) (المرأة المحرمة) هي: التي أهلت بالإحرام في الحج أو العمرة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: دل هذا الحديث على أن النقاب والقفازين كانا معروفين لدى النساء اللاتي لم يحرمن. وهذا واضح جداً، (لا تنتقب المرأة المحرمة) إذاً: غير المحرمة كانت في الأصل منتقبة، وأمرها النبي ﷺ في حال إحرامها ألا تنتقب، فهذا الذي نهيت عنه، وهذا الذي أمرت به. وروى أحمد والبيهقي والدارقطني وغيرهم من حديث عائشة ﵂ قالت: كان الركبان -أي: الرجال الذين يركبون الدواب- يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول الله ﷺ ، فإذا حاذونا -أي: اقترب هذا الركب منا وفيه من الرجال من فيه- سدلت إحدانا جلبابها من على رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه. والحديث -للأمانة- ضعيف، وله شاهد قوي من حديث أسماء وحديث فاطمة بنت المنذر اللذين ذكرتهما آنفاً. والحديثان: والحديث الأول: رواه مالك في الموطأ، وابن خزيمة في الصحيح، وابن حبان في الصحيح، والحاكم من طريقه في المستدرك، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي. والآخر: رواه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي. أما أحاديث النظر إلى المخطوبة فهي والحمد لله أحاديث صحيحة بطرقها: جاءت عن محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة وجابر بن عبد الله ﵃ جميعاً، وهذه الأحاديث تدل على أن الخاطب كان يتكلف مشقة وعناء في النظر إلى وجه مخطوبته، وهي تجيز للخاطب أن ينظر إلى وجه مخطوبته، وسأذكر منها حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال ﷺ : (إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل. قال جابر بن عبد الله: فخطبت جارية، فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها، وتزوجتها). يقول علماؤنا: المرأة التي تخرج في هذا الزمان متبرجة مكتحلة متزينة متطيبة متعطرة، لا تكلف الرجل مشقة في أن يختبئ لينظر إلى وجهها، بل ما عليه إلا أن يمشي إلى جوارها في الشارع ليرى منها كل شيء، كما نرى هذا في زمننا، وإنا لله وإنا إليه راجعون. وهكذا فمن لم يمت إنصافه في قلبه، ولم يعم قلبه وعقله؛ لا يحتاج إلى سرد هذه الأدلة، ولا إلى كل هذه الأدلة، وإنما بفطرته النقية الطيبة سيعلم علم اليقين أن أصل الفتنة وأصل الجمال في المرأة هو وجهها، ويعلم علم اليقين أن حجاب المرأة شرف لها، قبل أن يكون شرفاً وكرامة لأفراد المجتمع. فيا أيها الأخ الكريم، عليك بزوجتك، وعليك بابنتك، وعليك بأختك. وأنت أيتها الأخت الفاضلة الكريمة، اتقي الله جل وعلا، واعلمي أن في الحجاب الشرف والعزة والمنعة والكرامة، وخيري الدنيا والآخرة. أسأل الله ﵎ أن يرزقنا وإياكم الصواب. وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل منا وإياكم صالح الأعمال. وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1777

شروط الحجاب الشرعي الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فيا أيها الأحبة: نتحدث عن شروط الحجاب الشرعي حتى تعلم المرأة أنه ليس كل ثوب يجوز أن تخرج به خارج البيت، فإن للحجاب الشرعي شروطاً، ينبغي أن تتعلمها كل امرأة: الشرط الأول: أن يكون الحجاب أو الثوب ساتراً لجميع البدن. فلا يجوز بحال أن تغطي المرأة رأسها، وأن تغطي المرأة بدنها، ثم يكون الثوب قصيراً لتظهر قدميها أو لتظهر ساقيها، ومن النساء من تتفنن في ذلك لستر هذا الجزء الباقي من أسفل؛ فتلبس حذاء برقبة طويلة لتستر هذا الجزء ثم تدعي وتزعم أنها محجبة. الشرط الثاني: ألا يكون الثوب زينة في ذاته. فلا تلفت المرأة الأنظار إلى ثوبها بألوانه الفاقعة، التي تجذب الأنظار، فلا ينبغي أن يكون الثوب في حد ذاته زينة، ولا ينبغي أن يكون معطراً يلفت إليه الأنظار، وهذا شرط مستقل من شروط الحجاب الشرعي. ثالثاً: ألا يكون الثوب شفافاً. بل يجب أن يكون الثوب صفيقاً أي: سميكاً لا يشف على بدن المرأة، ومن النساء من تلبس ثوباً صفيقاً أي: سميكاً، وتجعل في محاذاة الصدر أو على الذراعين ثوباً شفافاً يظهر ما تحته، وهذه هي قمة الفتنة، والرسول ﷺ قال في الحديث الذي رواه مسلم من حديث أبي هريرة: (صنفان من أهل النار لم أرهما وذكر منهما: ونساء كاسيات عاريات) ومن أوجه التفسير لهذا الحديث: أن تلبس المرأة ثوباً شفافاً يظهر ما تحته. الشرط الرابع: ألا يكون الثوب ضيقاً؛ لأن الثوب الضيق من أعظم الفتن، ومن أعظم ما يثير الشهوات؛ لأن الثوب الضيق وإن كان صفيقاً وسميكاً لا يشف فإنه يبين حجم عظام المرأة، وهذه قمة الفتنة التي ترسل بها النساء اللائي يلبسن مثل هذه الثياب الضيقة إلى قلوب الشباب، وقلوب الرجال، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. الشروط الخامس: ألا يكون الثوب مبخراً أو معطراً أو مطيباً. والمراد الثوب الذي تخرج به المرأة إلى الشارع، أما أن تتعطر وتتطيب وتتزين لزوجها في بيتها، فالإسلام يأمرها بذلك، وإن همت بالخروج فلا يجوز أن يكون الثوب معطراً؛ لأن العطر من ألطف وسائل المخابرة بين الرجل والمرأة، وفي الحديث الذي رواه مسلم أنه ﷺ قال: (إذا خرجت إحداكن إلى المسجد فلا تقربن طيباً) فما ظنكم إذا خرجت إلى الأسواق والشوارع والطرقات؟! وروى الترمذي وقال: حديث حسن صحيح من حديث أبي موسى الأشعري أنه ﷺ قال: (أيما امرأة استعطرت فخرجت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي كذا وكذا -أي: زانية- وكل عين زانية) أي: وكل عين تنظر إليها بشهوة فهي زانية، وأسلفنا أن العينين تزنيان وزناهما النظر. الشرط السادس: ألا يكون ثوب المرأة لباس شهرة. كأن تلبس المرأة ثياباً غالية جداً في الثمن، ليشار إلى ثوبها بالبنان ويقال: إن فلانة بنت فلان تلبس من الثياب ما قيمته كذا وكذا، فهذا ثوب شهرة، والنبي ﵊ يقول في الحديث الذي حسنه شيخنا الألباني وحسنة الإمام المنذري في الترغيب والترهيب: (من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة، ثم ألهب عليه ناراً). ولا يشترط بالضرورة أن يكون ثوب الشهرة غالياً، فمن الممكن أن يكون ثوب الشهرة رخيصاً جداً يلبسه الرجل ليظهر التواضع وليظهر المسكنة وليظهر الذل، وهذا من ثوب الشهرة أيضاً. وكذلك المرأة. الشرط السابع: ألا يشبه ثوب المرأة ثياب الرجل، فلا يجوز أن تتشبه المرأة بالرجال في لباسها، أو في صوتها، أو في مشيتها، والرسول ﷺ يقول -والحديث رواه البخاري -: (لعن الرسول ﷺ المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء) هذا ملعون على لسان رسول الله ﷺ ، وهذه ملعونة على لسان رسول الله ﷺ . وقال ابن عباس: (لعن النبي ﷺ المرأة تلبس لبسة الرجل، والرجل يلبس لبسة المرأة، ولعن النبي ﷺ المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء) فالمرأة التي تريد أن تظهر كرجل، بل وتسعد إن أشير إليها بذلك؛ ملعونة على لسان النبي ﷺ ، أما الرجل الذي يتشبه بالمرأة، فهو رجل مخنث يتكسر في مشيته، ويتغنج في لفظه، ويلبس من الثياب ما لا يليق أن تلبسه إلا المرأة، فهذا ملعون على لسان رسول الله ﷺ . الشرط الثامن: ألا يشبه ثوب المرأة لباس الكافرات. وهذه من النكسات النفسية التي أصبنا بها، حتى أصبحت المسلمة تقلد الكافرة في كل شيء، حتى في قصة شعرها، وهذه من الهزيمة النفسية التي أصابت قلوب كثير من النساء، لا يجوز للمسلمة أن تقلد الكافرة في أي شيء أبداً، وفي الحديث الصحيح أنه ﷺ قال: (من تشبه بقوم فهو منهم) الحديث حسنه شيخنا الألباني، وحسنه الحافظ ابن حجر في الفتح، وصححه الحافظ العراقي.

стр. 1778

شبهات والرد عليها يوجد بعض الشبهات ينبغي الرد عليها، فبعض العلماء يقولون بجواز كشف الوجه -ونحن نحسن الظن بهم، ولا نتهمهم والعياذ بالله، فإننا نحب شيوخنا وعلماءنا، ولكن الحق أحب إلينا منهم- ويستدلون بأحاديث منها حديث أسماء الذي رواه أبو داود والبيهقي من حديث خالد بن دريك عن عائشة ﵂ قالت: (دخلت أسماء على رسول الله ﷺ وعليها ثياب رقاق -أي: رقيقة- فأعرض عنها النبي ﵊ وقال: يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لا يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا، وأشار النبي ﵊ إلى وجهه وكفيه) هذا الحديث كما معروف لكل طالب علم مبتدئ في علم الحديث لا يصلح بحال للمتابعات والشواهد، ولا يحتج به أبداً؛ لأن فيه ثلاث علل من العلل القادحة: العلة الأولى: أنه حديث مرسل من مراسيل خالد بن دريك عن عائشة، وهو لم يدرك عائشة ﵂، فـ خالد من أتباع التابعين، ومعلوم عند علماء الحديث أنه لا يحتج بالحديث المرسل، ومن العلماء من قال: لا يحتج إلا بمراسيل كبار التابعين فقط كـ سعيد بن المسيب وغيره، وخالد من أتباع التابعين. العلة الثانية: فيه سعيد بن بشير الأزدي وهو ضعيف، فقد ضعفه الحافظ الذهبي وكذا الحافظ ابن حجر في التقريب. العلة الثالثة: من رجال هذا الحديث قتادة وهو مدلس. فهذا حديث انقطع فيه السند، وفي بعض رواته ضعف، وفيه تدليس، فعند كل طالب علم مبتدئ -فضلاً عن العالم- لا يحتج بهذا الحديث، ولا يصلح أبداً للمتابعات والشواهد. وكنت أود أن أفند معظم الشبه الباقية؛ ولكن في هذا كفاية، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧]. ورحم الله من قال: فلا تبالي بما يلقون من شبه وعندك العقل إن تدعيه يستجب سليه من أنا ما أهلي من نسبي للغرب أم أنا للإسلام والعرب سليه لمن ولائي لمن حبي لمن عملي لله أم لدعاة الإثم والكذب أسأل الله جل وعلا أن يرزقنا وإياكم الصواب، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً وأن يرزقنا اجتنابه، إنه ولي ذلك ومولاه. وأسأل الله جل وعلا أن يطهرنا وإياكم. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا. اللهم بارك في حكام المسلمين، وفي نساء المسلمين، وفي شباب المسلمين. اللهم قيض لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، أنت ولي ذلك ومولاه. هذا وأكثروا من الصلاة والسلام على نبينا وحبيبنا محمد، كما أمركم الله جل وعلا بذلك في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمَاً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1779

الرياء الرياء داء عضال، خافه النبي ﷺ على أمته، وما ذاك إلا لشدة خفائه، ولعظيم خطره، فهو سبب لعدم قبول الأعمال، وقد أضحى مزلة لأقدام كثير من العلماء والعباد، وقد بين أهل العلم أقسامه، وفصلوا في ذلك، ومن رحمة الله بنا أن جعل لهذا الداء دواء، ولهذا المرض علاجاً، ذكره أيضاً أهل العلم.

стр. 1780

الرياء هو الشرك الخفي بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فما زال حديثنا عن القلوب، وأقسامها، وعللها، وأدويتها، وقلنا: بأن القلب إذا صلح صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد كله؛ لأن حركات الجوارح. وأعمال الجوارح تابعة لحركة القلب، وعمل القلب، وإرادة القلب، فإن كانت حركة القلب وإرادته لله جل وعلا وحده، كانت حركة الجوارح وأعمال الجوارح لله جل وعلا وحده، وإن كانت حركة القلب وإرادته وعمله -من عبودية ومحبة ورجاء وتوكل وخشية وإنابة وتفويض- لغير الله جل وعلا كانت أعمال الجوارح وحركات الجوارح أيضاً لغير الله جل وعلا، فانبعثت الجوارح بمعصية الله؛ لأن القلب هو الملك والجوارح هي جنوده ورعاياه، وإن صح وصلح المَلِكُ صح وصلح الجنود والرعايا، وإن فسد الملك فسد الجنود والرعايا، فهم يأتمرون بأمره ويعملون بتوجيهه. ونحن اليوم على موعد مع عمل سيء تنبعث به الجوارح إذا خبث وفسد القلب ومرض عمل يحبط الأعمال عمل يسبب المقت والغضب من الكبير المتعال إنه داء عضال، ومزلة أقدام العباد والعلماء، إلا ما رحم رب الأرض والسماء، إنه مرض خاف النبي ﷺ منه على أمته أكثر من خوفه عليهم من فتنة المسيح الدجال، فقد ورد في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده، والإمام ابن ماجة في سننه، وحسن الحديث شيخنا الألباني في صحيح الترغيب والترهيب من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه ﷺ قال: (ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: الشرك الخفي. قالوا: وما الشرك الخفي يا رسول الله؟! قال: يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته؛ لما يرى من نظر الرجل إليه). وتأتي للصلاة على فتورٍ كأنك قد دعيت إلى البلاء وإن أديتها جاءت بنقص لما قد كان منك من شرك الرياء وإن تخلو عن الإشراك فيها تدبر للأمور بالارتقاء ويا ليت التدبر في مباح ولكن في المشقة والشقاء وإن كنت المصلي بين خلق أطلت ركوعها بالانحناء وتعجل خوف تأخير لشغل كأن الشغل أولى من لقاء أيا عبد! وإن كنت المجالس يوماً قطعت الوقت من غير اكتفاء أيا عبد! لا يساوي الله معك أنساً تناجيه بحب أو صفاء يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل إليه، هذا هو الشرك الخفي، ويوضح ذلك -أيضاً- حديث محمود بن لبيد ﵁ الذي رواه أحمد في مسنده، والإمام ابن حبان في صحيحه، والإمام البغوي في شرح السنة، وهو حديث صحيح الإسناد على شرط الإمام مسلم أنه ﷺ قال: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟! قال: الرياء). إننا اليوم على موعد مع هذا المرض العضال، مع مزلة أقدام العباد والعلماء إلا من رحم الكبير المُتَعَال، إننا اليوم على موعد مع هذا المرض الذي يحبط العمل، وهو سبب من أسباب المقت والغضب من الله جل وعلا، وكم من إنسان قد زل في هذا الباب وهو لا يدري؟! وكم زلت في هذا الباب أقدام؟! وكم ضلت في هذا الباب أفهام؟! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ونظراً لطول الموضوع وخطورته -أيها الأحبة- فسوف أركز الحديث مع حضراتكم في هذا الموضوع في أربعة عناصر: أولاً: الرياء لغة وشرعاً. ثانياً: الرياء محبط للأعمال والأدلة على ذلك. ثالثاً: أقسام العمل مع الرياء. رابعاً: ما هو السبيل إلى العلاج؟ فأعيروني القلوب والأسماع -أيها الأحبة- وأسأل الله جل وعلا بداية أن يرزقنا وإياكم الإخلاص في القول والعمل والسر والعلن، وأن يطهر قلوبنا وجوارحنا وأعمالنا من الرياء صغيره وكبيره غليظه ودقيقه، إنه ولي ذلك ومولاه وهو على كل شيء قدير.

стр. 1781

تعريف الرياء لغة وشرعاً أما تعريف الرياء لغة: فهو مشتق من الرؤية، يقول الفيروز أبادي: راءى مراءاة ورياء أي: يُريْ غيره خلاف ما هو عليه. وحقيقة الرياء شرعاً لا تختلف كثيراً عن معناه اللغوي. فالرياء شرعاً: هو إظهار العبادة بقصد رؤية الناس لها، فيحمدُ الناس صاحبها، فهو حين يظهر العبادة لا يبتغي بها وجه الله، وإنما يبتغي بها الثناء والحمد من الناس، بل ربما إذا حان وقت الصلاة وهو في الخلوة لا يصلي، وإذا رأى أعين الناس تنظر إليه قام إلى الصلاة، بل ومن الناس من يغلظ الرياء منه والعياذ بالله، كأن يكون مع كبير من الكبراء، أو مع حاكم من الحكام، أو مع أمير من الأمراء، ودخل هذا الرجل المسجد -لتصور عدسات التلفاز صلاته- إذا به يدخل مع هذا المسئول الكبير بغير وضوء والعياذ بالله، لماذا؟ لأن الإعلام يريد أن يظهر جزئية معينة للسُّذَّجِ البُلَهَاءِ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فالرياء شرعاً: هو إظهار العبادة بقصد رؤية الناس لها؛ ليحمد الناس صاحبها على ذلك، ولينال جاهاً أو مكانة في قلوب الخلق، وأظن أن عقولكم ستذهب الآن بمنتهى السرعة إلى هؤلاء الذين يرشحون أنفسهم لمجالس النواب، أو لمجالس الشعب، أو لغيرها من هذه المجالس التي لا شرعية فيها، وفي أثناء جولاتهم الانتخابية يتصنعون بما ليس فيهم، ويظهرون من الطاعات والعبادات ما هم بعيدون عنه كل البعد، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 1782

الرياء محبط للأعمال العنصر الثاني: أن الرياء يحبط العمل، فإذا ابتغى العبد بعمله وجه الناس والثناء منهم، والجاه في قلوبهم، والمحمدة على ألسنتهم، ولم يبتغ بعمله وجه الله جل وعلا فعمله حابط ومردود في وجهه؛ لأن الله تعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً صواباً، والخالص هو: ما ابتغي به وجه الله، والصواب هو: ما كان موافقاً لهدي رسول الله ﷺ ؛ لقول الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، ولقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]، ولقول الله جل وعلا: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٧]. فالرياء يحبط العمل -أيها الأحباب- والأعمال يتوقف صلاحها وفسادها وقبولها وردها على نية فاعلها وصاحبها، فإن كانت نية العبد صالحة لله، قبل عمله، ولو كان في أعين الناس حقيراً فهو عند الله عظيم، وكم من الأعمال ينظر الناس إليها على أنها عظيمة، وعلى أنها جليلة، وعلى أنها كبيرة وهي عند الله حقيرة، لا تزن عنده جناح بعوضة؛ لأن صاحبها ما ابتغى بها وجه الله، وإنما ابتغى بها الثناء والمحمدة عند الناس، والله جل وعلا يعلم السر وأخفى! وقد قال ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه) والحديث رواه البخاري ومسلم من حديث عمر بن الخطاب ﵁. فالأعمال يتوقف قبولها على صلاح النية، فإن ابتغيت بعملك الله جل وعلا قبل عملك، ولو كان في أعين الناس حقيراً، ولو ابتغيت غير الله جل وعلا رد عملك في وجهك، ولو كان في أعين الناس عظيماً. ولذلك ورد في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ﵁: (أن أعرابياً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أرأيت الرجل يغزو -أي: يجاهد- يلتمس الذكر، والرجل يقاتل يلتمس المغنم -أي: الغنيمة-، والرجل يقاتل يلتمس الأجر فما لهم؟ -أو أيهم في سبيل الله؟ - فقال النبي ﷺ : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله). وفي رواية النسائي وابن ماجة -والحديث حسنه الحافظ العراقي - أن النبي ﷺ جاءه رجل فقال: (يا رسول الله! أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر -يريد الأجر من الله جل وعلا وفي نفس الوقت يريد أن يذكر بين الناس- فقال النبي ﷺ : لا شيء له، لا شيء له، ثم قال ﵊: إن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً، وما ابتغي به وجهه ﷻ . وفي الحديث الذي يخلع القلب ويعكر صفو الحياة، والذي رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد -مات في ميدان الشرف والرجولة والبطولة- فَأُتِيَ به فَعَرَّفَهُ نعمه فَعَرَفَهَا قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت ولكنك قاتلت ليقال: هو جريء فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار). لا إله إلا الله! رجل بذل نفسه في ميدان القتال، ولكنه ما ابتغى بعمله وجه الكبير المُتَعَالِ، والله جل وعلا يعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، إن كنت تستطيع أن تخدع الناس، فلن تستطيع أن تخادع الله جل وعلا، ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة:٩ - ١٠]. قال: (رجل استشهد فَأُتِيَ به فعرفه نعمه، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت ليقال: هو جريء فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وقرأ القرآن) عالم ملأ الدنيا علماً وملأ الدنيا فتاوى، عالم أشير إليه بالبنان والتف الناس حوله، إلا أنه ما فعل ذلك إلا ليحصل كرسيّاً زائلاً، وليحصل منصباً فانياً، أو ليكون قريباً من السلطان، فما ابتغى بعلمه وجه الرحيم الرحمن، والله يعلم منه السر وأخفى. وفي حديث أسامة بن زيد ﵁ الذي رواه البخاري ومسلم أنه ﷺ قال: (يؤتى بالرجل يوم القيامة فتندلق أقتاب بطنه في النار، فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى، فيجتمع إليه أهل النار ويقولون: يا فلان! ما لك؟! ألم تك تأمر بالمعروف وتنه عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه). قال: (ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن فَأُتِيَ به فَعَرَّفُه نعمه فَعَرَفَهَا، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت ولكنك تعلمت ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ فقد قيل -هذا ما قد نلته في الدنيا- ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار). عالم وقارئ للقرآن لم يبتغ بعمله وجه الرحيم الرحمن، يسحب على وجهه ليلقى في النيران، نسأل الله السلامة والعافية، وأن يرزقنا وإياكم الإخلاص في القول والعمل، والسر والعلن، برحمته وهو أرحم الراحمين. أما الرجل الثالث أيها الأحباب! (رجل أعطاه الله من أصناف المال فَأُتِيَ به فَعَرَّفَه نعمه فَعَرَفَهَا قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت سبيلاً من أوجه الخير تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك أنفقت ليقال: هو جواد -ليقال: المحسن الكبير- فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار). أسمعت -أيها الحبيب- إلى خطورة الرياء؟! رجل مات في ميدان القتال، يسحب على وجهه في النار! ورجل ملأ الدنيا علماً، يسحب على وجهه في النار! ورجل قرأ القرآن بالليل والنهار، يسحب على وجهه في النار! ورجل أنفق في كل أبواب الخير، يسحب على وجهه في النار! لماذا؟ لأنهم لم يبتغوا بأعمالهم وجه العزيز الغفار، وإنما ابتغى كل واحد منهم مأرباً شخصياً وغاية شخصية، فلما حصل عليها في الدنيا حرم الجزاء من الله جل وعلا في الآخرة، فالرياء -أيها الأحباب- محبط للعمل؛ لأن الله تعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً، وإلا ما ابتغي به وجهه ﷻ .

стр. 1783

أقسام العمل مع الرياء اعلموا أيها الأحبة! أنه تارة يكون العمل رياءً محضاً، كأن يكون الرياء في أصل الدين -أي: أن يظهر الإسلام، ويبطن الكفر- فهذا أشد أبواب الرياء وصاحبه مخلد في النار، إذا أظهر الإسلام وأبطن الكفر فهو مخلد في النار؛ لقول الله جل وعلا: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١]، والله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥]، ولقول الله جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٤ - ٢٠٥]. فأشد أبواب الرياء أن يكون العمل رياءً محضاً في أصل الدين، فإذا راءى في أصل الدين فأظهر الإسلام وأبطن الكفر فهو مخلد في النار ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإن كان الرياء بعبادة من العبادات أو بطاعة من الطاعات مع وجود أصل الدين، كأن يكون الرجل مؤمناً موحداً لله جل وعلا، ولا يسجد إلا لله، ولا يوجه العبادة إلا لله، إلا أنه زل في عبادة من عباداته وطاعة من طاعاته فراءى بها الناس والمخلوقين فبالإجماع أن هذه العبادة وهذه الطاعة وهذا العمل حابط ومردود في وجهه، ولا قبول له عند الله جل وعلا؛ لما أسلفته من المقدمات ومن الأدلة. وقد يكون الرياء مشاركاً للعمل، فإن شارك الرياء العمل من بدايته -أي: من الأصل، ومنذ انعقاد النية- فأيضاً الأدلة الصحيحة الصريحة تقول بإحباط هذا العمل وبعدم قبوله عند الله جل وعلا، بمعنى: لو أن رجلاً خرج ليصلي، وما خرج أصلاً للصلاة إلا مراءاة للمخلوقين، وليرائي بها الناس، فالرياء شريك مع نية العمل، فهذا العمل كله من أوله إلى آخره عمل حابط ومردود في وجه صاحبه، وأكتفي بدليل واحد على ذلك، وهو الحديث الذي رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه). وفي رواية ابن ماجة: (فمن عمل عملاً أشرك فيه معي غيري فأنا منه بريء، وهو للذي أشرك). وقد يكون العمل لله جل وعلا في أوله، فيأتي الرجل للصلاة يبتغي بها وجه الله، ولكنه وهو في أثناء الصلاة طرأ عليه طارئ الرياء، فاختلف العلماء في هذه الحالة هل يحبط العمل كله أم لا؟ ولكن الراجح -كما رجحه الإمام أحمد والإمام الطبري -: أنه إذا كان أصل النية لله جل وعلا، وإذا كان أصل العمل لله جل وعلا وطرأ عليه طارئ الرياء، فإن دفعه فلا يضره هذا الطارئ بلا خلاف، أما إن استرسل مع الرياء في العمل، فإن عمله لا يحبط ولا يرده الله، وإنما يجازى على أصل نيته الأولى، وهذا من رحمة الله جل وعلا. أما حين يكون العمل خالصاً لله جل وعلا وحده، لا تشوبه شائبة من شوائب الرياء ولا من شوائب النفاق، ويلقي الله للعبد الحب في قلوب الخلق وفي قلوب الناس، ويجري ألسنتهم بالثناء عليه، فيفرح العبد بذلك ويستبشر به، فهذا لا يضره بإجماع، وليس هذا من أبواب الرياء، والدليل على ذلك ما رواه مسلم من حديث أبي ذر ﵁: أنه ﷺ سئل عن الرجل يعمل العمل من أعمال الخير فيحمده الناس عليه، أي: يعمل أعمال الخير مبتغياً وجه الله جل وعلا ومخلصاً لله في عمله؛ فيحمده الناس على هذا العمل، فقال النبي ﵊: (تلك عاجل بشرى المؤمن)، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم:٩٦]، قال ابن عباس: أي محبة في قلوب الخلق، ويؤكد ذلك أيضاً حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري ومسلم: (إن الله إذا أحب عبداً نادى جبريل وقال: يا جبريل! إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: يا أهل السماء! إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض). وفي الحديث الذي رواه البزار وصححه شيخنا الألباني في صحيح الجامع من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما من عبد إلا وله صيت في السماء، فإن كان صيته حسناً وضع في الأرض، وإن كان صيته في السماء سيئاً وضع في الأرض)، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم:٩٦]، وأود أن أنبه إلى أمر وهو أن حسن الثياب وحسن النعل وحسن المظهر ليس من الرياء، والدليل على ذلك ما رواه الإمام البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود: أن النبي ﷺ قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل: يا رسول الله! إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً، فقال النبي ﷺ : الكبر بَطَرُ الحق وغمط الناس). أي: ليس هذا من الكبر وإنما الكبر بطر الحق وغمط الناس. هذه هي أقسام العمل مع الرياء بإيجاز شديد، وأسأل الله جل وعلا أن يرزقنا وإياكم الإخلاص، وأن يقينا شر الرياء والنفاق، إنه ولي ذلك ومولاه، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1784

السبيل إلى علاج الرياء الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: فأخيراً -أيها الأحباب- ما هو السبيل إلى علاج الرياء، وإلى قلع جذوره من القلب، ألخص لكم ذلك في نقاط عملية فأقول: لابد لعلاج الرياء من علاج علمي، ومن علاج عملي:

стр. 1785

العلاج العلمي للرياء أما العلاج العلمي: فهو أن يعلم المرائي عاقبة الرياء في الدنيا والآخرة، أما عاقبة الرياء في الآخرة: فهو إحباط العمل ورده، وأن ليس له وزن عند الله جل وعلا. وأما عاقبة الرياء في الدنيا: فإن يظهر الله جل وعلا للناس سريرته: (فمن أرضى الناس بسخط الله، سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس)، وقال أحد السلف: فليحذر أحدكم أن تمقته قلوب الناس وهو لا يدري، قيل: كيف ذلك؟ قال: إذا ما كان مع الناس أظهر الطاعة، وإذا ما خلا بينه وبين ربه بارز الله بالمعصية. لابد أن يفضحه الله جل وعلا وأن يظهر سريرته، وإظهار ضد القصد أمر ثابت شرعاً وقدراً، والدليل على ذلك ما رواه البخاري أنه ﷺ قال: (من سمع سمع الله به، ومن يرائي يرائي الله به). نقل الحافظ ابن حجر قول الإمام الخطابي في معنى الحديث: أن من عمل عملاً ليس خالصاً لله جل وعلا لابد أن يظهر الله للناس سره ويجعله علانية، ونحن نرى الواقع يؤكد ذلك أيضاً، فكم من الناس نسمعهم بآذاننا يقولون: إن فلاناً هذا مراءٍ، وإن فلاناً هذا منافق، سبحان الله! لأن الله جل وعلا قد أظهر سره وجعله علانية، وجعل الله البغض له في قلوب الخلق وفي قلوب العباد. واعلم -أيها الإنسان- بأن ذم الناس لك لا يبعدك من الله إن كنت قريباً منه، وحمد الناس لك لا يقربك من الله إن كنت بعيداً عنه، والناس لا يملكون لك ضراً ولا نفعاً، ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً، ولا يدفعون عنك رزقاً، ولا يقربون لك أجلاً، فلمَ ترائي الناس وتخادع الله جل وعلا؟! أتخشى الناس والله أحق أن تخشاه؟! أتستحي من الناس ولا تستحي من الله؟! ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء:٢١٨]، و ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩]؟!! فمن علم أن الناس لا يملكون له ضرّاً ولا نفعاً، ابتغى بعمله وجه الله؛ لأنه ينبغي أن نعلم أن إرضاء الناس غاية لا تدرك، فإذا علم المرائي الذي شتت قلبه وشتت عقله وشتت جهده لإرضاء الناس هنا وهناك، إذا علم أن إرضاء الناس غاية لا تدرك كف عن الرياء، وكف عن مراءاة المخلوقين، ولو أرضى أحد كل الناس لأرضى الناس سيد الناس محمد ﷺ ، بل إن من عائلته وأسرته من عاداه، ومن سبه، ومن مشى خلفه ليقول للناس: هذا كاذب فلا تتبعوه! فإرضاء الناس غاية لا تدرك. فاعلم -أيها الإنسان! وأيها المسلم! وأيتها المسلمة- بأن ذم الناس لا يبعدك عن الله إن كنت قريباً منه، وبأن حمد الناس لا يقربك من الله إن كنت بعيداً عنه جل وعلا، وذم الناس وحمد الناس وكلام الناس لا يدفع عنك رزقاً، ولا يقرب لك أجلاً، ولا يملك الناس لك ضرّاً ولا نفعاً؛ لأنهم لا يملكون لأنفسهم ضرّاً ولا نفعاً فضلاً عن غيرهم. الأمر الثاني: اللجوء إلى الله جل وعلا في طلب الإخلاص في القول والعمل والسر والعلن: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥٠]، ولنا في خليل الله إبراهيم الأسوة والقدوة، وهو الذي كان يتضرع إلى الله جل وعلا أن يجنبه وبنيه الشرك الأكبر فيقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥]، فإذا كان الخليل يتضرع إلى الله ﷻ أن يجنبه الله الشرك الأكبر، فينبغي أن نتضرع إلى الله ﷻ أن يجنبنا الشرك الأكبر والأصغر.

стр. 1786

العلاج العملي للرياء أما العلاج العملي وهو في كلمة واحدة: لا علاج للرياء أفضل من الإخفاء إخفاء الطاعات إخفاء العبادات، حتى يتدرب القلب على مراقبة الله وحده لا مراقبة الناس، فلا علاج للرياء أنفع من الإخفاء، أن تخفي طاعتك عن أعين الناس، وأن تكون طاعتك لله جل وعلا، هذا إن كانت الطاعة مما لم يأت الشارع بوجوب الجهر به. وقد فصل القول في ذلك أعظم تفصيل الإمام العز بن عبد السلام في كتابه القيم (قواعد الأحكام): إذا كان العمل الذي شرعه الله جل وعلا مما يؤدى جهراً: كخطبة الجمعة كالأمر بالمعروف كالنهي عن المنكر كالصلاة كالأذان فهذا لا يمكن أن يؤدى سرّاً، ولا يمكن أن يخفى، وإنما لابد أن يؤدى جهراً مع مجاهدة النفس والقلب؛ ليكون العمل خالصاً لله جل وعلا. أما النوافل أما الصدقات أما سائر الطاعات التي لم يأمر الشرع بالجهر بها فينبغي أن تدرب نفسك على الإتيان بها بينك وبين الله جل وعلا؛ ليتقوى القلب على الإخلاص، ولينشط القلب على مراقبة الله لا مراقبة الناس. وأسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرزقنا وإياكم الإخلاص في القول والعمل. اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل، والسر والعلن، اللهم طهر قلوبنا وجوارحنا وأعمالنا من الرياء، اللهم ارزقنا لساناً ذاكراً وقلباً شاكراً وجسداً على البلاء صابراً. اللهم ارزقنا الإخلاص في أقوالنا وأعمالنا، وارزقنا الصدق في أحوالنا يا رب العالمين! اللهم لا تدع لأحد منا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا همّاً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا ثَبَّتَّهُ، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين! اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1787

ماذا قدمت لدين الله ؟ لقد كثر أعداء الإسلام، وأمسى صرحه الشامخ مستهدفاً في كل لحظة وزمان، وأكثر المسلمين اليوم يعيشون في سبات عميق، وكأن ما يحاك لدينهم من مؤامرات لا يعنيهم!! والواجب علينا جميعاً أن ننصر هذا الدين، كل يعمل قدر استطاعته، وفي المجال الذي يرى أنه سينفع به الإسلام، وما بذله أحدنا -ولو كان يسيراً- فلن يضيعه الله تعالى، وسيجزي به أضعافاً مضاعفة؛ لأنه سبحانه ذو الفضل العظيم!!

стр. 1788

واقع مرير يستفز جميع الهمم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء! وطبتم جميعاً وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! (ماذا قدمت لدين الله؟) هذا هو عنوان لقائنا مع حضراتكم في هذا اليوم الكريم المبارك، وكعادتنا حتى لا ينسحب بساط الوقت من بين أيدينا سريعاً فسوف ينتظم حديثي مع حضراتكم تحت هذا العنوان المخجل في العناصر التالية: أولاً: واقع مرير يستنفر جميع الهمم. ثانياً: ولكن ما هو دوري؟ ثالثاً: تبعة ثقيلة وأمانة عظيمة تطوق بها الأعناق. وأخيراً: فجر الإسلام قادم. فأعيروني القلوب والأسماع، والله أسأل أن يقر أعيننا وإياكم جميعاً بنصرة هذا الدين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! أولاً: واقع مرير يستنفر جميع الهمم. والله إن العين لتدمع، وإنا القلب ليحزن، وإنا لما حل بأمة التوحيد لمحزونون، أهذه هي الأمة التي زكاها الله بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]؟! أهذه هي الأمة التي زكاها الله بالوسطية والاعتدال في قوله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]؟! أهذه هي الأمة التي زكاها الله في القرآن بالألفة والوحدة فقال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢]؟! إنك لو نظرت إلى الأمة في القرآن، ونظرت إليها على أرض الواقع لانفلق كبدك من الحزن والبكاء على واقع أمة قد انحرفت كثيراً عن منهج الله جل وعلا، وعن سنة رسول الله ﷺ ، فلقد غيرت الأمة شرع الله، وانحرفت الأمة عن طريق رسول الله، والله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، فأذل الله الأمة لأحقر وأذل أمم الأرض، ممن كتب الله عليهم الذل والذلة من إخوان القردة والخنازير، من أبناء يهود، حتى من عُبَّاد البشر ساموا الأمة سوء العذاب، ولا حول ولا قوة إلا بالله! لقد أصبحت الأمة الآن قصعة مستباحة لأحقر أمم الأرض، ولأذل أمم الأرض، وحق على الأمة قول الصادق، كما في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أومن قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟! قال: كلا، إنكم يومئذ كثير، ولكن غثاء كغثاء السيل! وليوشكن الله أن ينزع المهابة من قلوب عدوكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قيل: وما الوهن يا رسول الله؟! قال: حب الدنيا وكراهية الموت). لقد أصبحت الأمة الآن -أيها الأخيار- غثاءً من النفايات البشرية، يعيش على ضفاف مجرى الحياة الإنسانية، تعيش الأمة الآن كدويلات متناثرة متصارعة متحاربة، تفصل بينها حدود جغرافية مصطنعة، ونعرات قومية جاهلية، وترفرف على سمائها رايات القومية والوطنية، وتحكم الأمة قوانين الغرب العلمانية، وتدور بالأمة الدورات السياسية، فلا تملك الأمة نفسها عن الدوران، بل ولا تختار لنفسها حتى المكان الذي تدور فيه. ذلت الأمة بعد عزة، وجهلت الأمة بعد علم، وضعفت الأمة بعد قوة، وأصبحت في ذيل القافلة الإنسانية بعد أن كانت بالأمس القريب تقود القافلة كلها بجدارة واقتدار، وأصبحت الأمة الآن تتسول على موائد الفكر الإنساني والعلمي بعد أن كانت الأمة بالأمس القريب منارة تهدي الحيارى والتائهين ممن أحرقهم لفح الهاجرة القاتل، وأرهقهم طول المشي في التيه والظلام! بل وأصبحت الأمة الآن تتأرجح في سيرها، ولا تعرف طريقها الذي يجب عليها أن تسلكه وأن تسير فيه، بعد أن كانت الأمة بالأمس الدليل الحاذق الأرب في الدروب المتشابكة، والصحراء المهلكة التي لا يهتدي للسير فيها إلا الأدلاء المجربون، ما الذي جرى؟ يبين الله سبحانه أن ما وقع للأمة إنما وقع وفق سنن ربانية لله في كونه لا تتبدل هذه السنن ولا تتغير مهما ادعى أحد لنفسه من مقومات المحاباة قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١].

стр. 1789

ماذا قدمت لدين الله ؟ لا أطيل في تشخيص الواقع المرير فكلنا يعرفه، ولكنني أقول: إن هذا الواقع الأليم يستنفر جميع الهمم الغيورة، ويستوجب أن يسأل كل واحد منا نفسه هذا السؤال، قل لنفسك الآن، وأنا أقول لنفسي الآن: ماذا قدمت لدين الله جل وعلا؟ سؤال مخجل، سؤال مهيب: ماذا قدمت لدين الله جل وعلا؟ سؤال يجب ألا نمل طرحه، وألا نسأم تكراره؛ لنحيي في القلوب قضية العمل لهذا الدين، في وقت تحرك فيه أهل الكفر وأهل الباطل بكل رجولة وقوة لباطلهم وكفرهم الذي هم عليه، انتعش أهل الباطل وتحركوا في الوقت الذي تقاعس فيه أهل الحق وتكاسلوا، والله يا إخوة ما انتفش الباطل وأهله إلا يوم أن تخلى عن الحق أهله، ماذا قدمت لدين الله؟ سؤال يجب ألا نمل تكراره؛ لتجييش الطاقات الهائلة في الأمة؛ لتعمل لدين الله جل وعلا؛ للقضاء على هذه السلبية القاتلة المدمرة التي تخيم الآن على سماء الأمة؛ لتحريك دماء الإسلام التي تنبض بالولاء والبراء، والغيرة لدين الله في هذا الجسد الضخم الذي يتكون مما يزيد على مليار من المسلمين والمسلمات، ماذا قدمت لدين الله جل وعلا؟

стр. 1790

ما هو دور كل مسلم أيها المسلم! وأيتها المسلمة! واقع يجب أن يستنفر جميع الهمم الغيورة، وهنا قد يسأل كثير من المسلمين بصفة عامة وكثير من شبابنا بصفة خاصة ويقول: أنا أريد أن أقدم شيئاً لدين الله، وأن أبذل شيئاً لدين الله، ولكن ما هو دوري؟ وهذا هو عنصرنا الثاني من عناصر هذا اللقاء: ولكن ما هو دوري؟ سؤال وإن كان يمثل في الحقيقة ظاهرة صحية، إلا أنه ينم عن خلل في فهم حقيقة الانتماء لهذا الدين، إلى الحد الذي أصبح فيه المسلم لا يعرف ما الذي يجب عليه أن يقدمه لدين الله جل وعلا، لماذا؟ لأن قضية العمل للدين ما تحركت في قلبه إلا في لحظة حماس عابرة، أججها في قلبه عالم مخلص أو داعية صادق، فقام بعد هذه اللحظة الحماسية المتأججة ليسأل عن دوره الذي يجب عليه أن يبذله ويقدمه لدين الله جل وعلا، أما لو كانت قضية العمل لدين الله تشغل فكره، وتملأ قلبه، وتحرك وجدانه، ويفكر فيها في الليل والنهار، في النوم واليقظة، في السر والعلانية، لو كانت قضية العمل لدين الله كذلك في قلب كل مسلم ما سأل أبداً هذا السؤال؛ لأنه سيحدد دوره بحسب الزمان الذي يعيشه، وبحسب المكان الذي يتحرك فيه لدين الله؛ لأن قضية العمل لدين الله تملأ عليه همه، وتملأ عليه قلبه، بل وتحرق قلبه في الليل والنهار، ولكن بكل أسف أصبحت قضية العمل لدين الله قضية هامشية ثانوية في حس كثير من المسلمين، بل وأصبح لا وجود لها في حس قطاع عريض آخر ممن يأكلون ملء بطونهم، وينامون ملء عيونهم، ويضحكون ملء أفواههم، بل وينظرون إلى واقع الأمة فيهز الواحد كتفيه ويمضي وكأن الأمر لا يعنيه، وكأنه ما خلق إلا ليأكل ويشرب، وإلا ليحصل الشهادة، أو ليحصل الزوجة الحسناء، هذا كل همه في هذه الحياة!! أنا لا أمنع -أيها الحبيب- من أن تحمل في قلبك هموماً كثيرة، أن تحمل هم الوظيفة، وهم الزوجة، وهم الأولاد، وهم السيارة والعمارة، وهم الدولار والدينار والدنيا، لكن ما هو الهم الأول في خريطة همومك التي تحملها في هذه الدنيا، هل هو هم الدين؟ أم هل هو هم الدنيا؟
следующие страницы →