← Джавами‘

Джавами‘ · id 7703

دروس للشيخ محمد حسان

محمد حسان

Полный текст (1 901 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

العلاج العملي للرياء أما العلاج العملي وهو في كلمة واحدة: لا علاج للرياء أفضل من الإخفاء إخفاء الطاعات إخفاء العبادات، حتى يتدرب القلب على مراقبة الله وحده لا مراقبة الناس، فلا علاج للرياء أنفع من الإخفاء، أن تخفي طاعتك عن أعين الناس، وأن تكون طاعتك لله جل وعلا، هذا إن كانت الطاعة مما لم يأت الشارع بوجوب الجهر به. وقد فصل القول في ذلك أعظم تفصيل الإمام العز بن عبد السلام في كتابه القيم (قواعد الأحكام): إذا كان العمل الذي شرعه الله جل وعلا مما يؤدى جهراً: كخطبة الجمعة كالأمر بالمعروف كالنهي عن المنكر كالصلاة كالأذان فهذا لا يمكن أن يؤدى سرّاً، ولا يمكن أن يخفى، وإنما لابد أن يؤدى جهراً مع مجاهدة النفس والقلب؛ ليكون العمل خالصاً لله جل وعلا. أما النوافل أما الصدقات أما سائر الطاعات التي لم يأمر الشرع بالجهر بها فينبغي أن تدرب نفسك على الإتيان بها بينك وبين الله جل وعلا؛ ليتقوى القلب على الإخلاص، ولينشط القلب على مراقبة الله لا مراقبة الناس. وأسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرزقنا وإياكم الإخلاص في القول والعمل. اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل، والسر والعلن، اللهم طهر قلوبنا وجوارحنا وأعمالنا من الرياء، اللهم ارزقنا لساناً ذاكراً وقلباً شاكراً وجسداً على البلاء صابراً. اللهم ارزقنا الإخلاص في أقوالنا وأعمالنا، وارزقنا الصدق في أحوالنا يا رب العالمين! اللهم لا تدع لأحد منا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا همّاً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا ثَبَّتَّهُ، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين! اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1787

ماذا قدمت لدين الله ؟ لقد كثر أعداء الإسلام، وأمسى صرحه الشامخ مستهدفاً في كل لحظة وزمان، وأكثر المسلمين اليوم يعيشون في سبات عميق، وكأن ما يحاك لدينهم من مؤامرات لا يعنيهم!! والواجب علينا جميعاً أن ننصر هذا الدين، كل يعمل قدر استطاعته، وفي المجال الذي يرى أنه سينفع به الإسلام، وما بذله أحدنا -ولو كان يسيراً- فلن يضيعه الله تعالى، وسيجزي به أضعافاً مضاعفة؛ لأنه سبحانه ذو الفضل العظيم!!

стр. 1788

واقع مرير يستفز جميع الهمم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء! وطبتم جميعاً وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! (ماذا قدمت لدين الله؟) هذا هو عنوان لقائنا مع حضراتكم في هذا اليوم الكريم المبارك، وكعادتنا حتى لا ينسحب بساط الوقت من بين أيدينا سريعاً فسوف ينتظم حديثي مع حضراتكم تحت هذا العنوان المخجل في العناصر التالية: أولاً: واقع مرير يستنفر جميع الهمم. ثانياً: ولكن ما هو دوري؟ ثالثاً: تبعة ثقيلة وأمانة عظيمة تطوق بها الأعناق. وأخيراً: فجر الإسلام قادم. فأعيروني القلوب والأسماع، والله أسأل أن يقر أعيننا وإياكم جميعاً بنصرة هذا الدين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! أولاً: واقع مرير يستنفر جميع الهمم. والله إن العين لتدمع، وإنا القلب ليحزن، وإنا لما حل بأمة التوحيد لمحزونون، أهذه هي الأمة التي زكاها الله بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]؟! أهذه هي الأمة التي زكاها الله بالوسطية والاعتدال في قوله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]؟! أهذه هي الأمة التي زكاها الله في القرآن بالألفة والوحدة فقال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢]؟! إنك لو نظرت إلى الأمة في القرآن، ونظرت إليها على أرض الواقع لانفلق كبدك من الحزن والبكاء على واقع أمة قد انحرفت كثيراً عن منهج الله جل وعلا، وعن سنة رسول الله ﷺ ، فلقد غيرت الأمة شرع الله، وانحرفت الأمة عن طريق رسول الله، والله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، فأذل الله الأمة لأحقر وأذل أمم الأرض، ممن كتب الله عليهم الذل والذلة من إخوان القردة والخنازير، من أبناء يهود، حتى من عُبَّاد البشر ساموا الأمة سوء العذاب، ولا حول ولا قوة إلا بالله! لقد أصبحت الأمة الآن قصعة مستباحة لأحقر أمم الأرض، ولأذل أمم الأرض، وحق على الأمة قول الصادق، كما في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أومن قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟! قال: كلا، إنكم يومئذ كثير، ولكن غثاء كغثاء السيل! وليوشكن الله أن ينزع المهابة من قلوب عدوكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قيل: وما الوهن يا رسول الله؟! قال: حب الدنيا وكراهية الموت). لقد أصبحت الأمة الآن -أيها الأخيار- غثاءً من النفايات البشرية، يعيش على ضفاف مجرى الحياة الإنسانية، تعيش الأمة الآن كدويلات متناثرة متصارعة متحاربة، تفصل بينها حدود جغرافية مصطنعة، ونعرات قومية جاهلية، وترفرف على سمائها رايات القومية والوطنية، وتحكم الأمة قوانين الغرب العلمانية، وتدور بالأمة الدورات السياسية، فلا تملك الأمة نفسها عن الدوران، بل ولا تختار لنفسها حتى المكان الذي تدور فيه. ذلت الأمة بعد عزة، وجهلت الأمة بعد علم، وضعفت الأمة بعد قوة، وأصبحت في ذيل القافلة الإنسانية بعد أن كانت بالأمس القريب تقود القافلة كلها بجدارة واقتدار، وأصبحت الأمة الآن تتسول على موائد الفكر الإنساني والعلمي بعد أن كانت الأمة بالأمس القريب منارة تهدي الحيارى والتائهين ممن أحرقهم لفح الهاجرة القاتل، وأرهقهم طول المشي في التيه والظلام! بل وأصبحت الأمة الآن تتأرجح في سيرها، ولا تعرف طريقها الذي يجب عليها أن تسلكه وأن تسير فيه، بعد أن كانت الأمة بالأمس الدليل الحاذق الأرب في الدروب المتشابكة، والصحراء المهلكة التي لا يهتدي للسير فيها إلا الأدلاء المجربون، ما الذي جرى؟ يبين الله سبحانه أن ما وقع للأمة إنما وقع وفق سنن ربانية لله في كونه لا تتبدل هذه السنن ولا تتغير مهما ادعى أحد لنفسه من مقومات المحاباة قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١].

стр. 1789

ماذا قدمت لدين الله ؟ لا أطيل في تشخيص الواقع المرير فكلنا يعرفه، ولكنني أقول: إن هذا الواقع الأليم يستنفر جميع الهمم الغيورة، ويستوجب أن يسأل كل واحد منا نفسه هذا السؤال، قل لنفسك الآن، وأنا أقول لنفسي الآن: ماذا قدمت لدين الله جل وعلا؟ سؤال مخجل، سؤال مهيب: ماذا قدمت لدين الله جل وعلا؟ سؤال يجب ألا نمل طرحه، وألا نسأم تكراره؛ لنحيي في القلوب قضية العمل لهذا الدين، في وقت تحرك فيه أهل الكفر وأهل الباطل بكل رجولة وقوة لباطلهم وكفرهم الذي هم عليه، انتعش أهل الباطل وتحركوا في الوقت الذي تقاعس فيه أهل الحق وتكاسلوا، والله يا إخوة ما انتفش الباطل وأهله إلا يوم أن تخلى عن الحق أهله، ماذا قدمت لدين الله؟ سؤال يجب ألا نمل تكراره؛ لتجييش الطاقات الهائلة في الأمة؛ لتعمل لدين الله جل وعلا؛ للقضاء على هذه السلبية القاتلة المدمرة التي تخيم الآن على سماء الأمة؛ لتحريك دماء الإسلام التي تنبض بالولاء والبراء، والغيرة لدين الله في هذا الجسد الضخم الذي يتكون مما يزيد على مليار من المسلمين والمسلمات، ماذا قدمت لدين الله جل وعلا؟

стр. 1790

ما هو دور كل مسلم أيها المسلم! وأيتها المسلمة! واقع يجب أن يستنفر جميع الهمم الغيورة، وهنا قد يسأل كثير من المسلمين بصفة عامة وكثير من شبابنا بصفة خاصة ويقول: أنا أريد أن أقدم شيئاً لدين الله، وأن أبذل شيئاً لدين الله، ولكن ما هو دوري؟ وهذا هو عنصرنا الثاني من عناصر هذا اللقاء: ولكن ما هو دوري؟ سؤال وإن كان يمثل في الحقيقة ظاهرة صحية، إلا أنه ينم عن خلل في فهم حقيقة الانتماء لهذا الدين، إلى الحد الذي أصبح فيه المسلم لا يعرف ما الذي يجب عليه أن يقدمه لدين الله جل وعلا، لماذا؟ لأن قضية العمل للدين ما تحركت في قلبه إلا في لحظة حماس عابرة، أججها في قلبه عالم مخلص أو داعية صادق، فقام بعد هذه اللحظة الحماسية المتأججة ليسأل عن دوره الذي يجب عليه أن يبذله ويقدمه لدين الله جل وعلا، أما لو كانت قضية العمل لدين الله تشغل فكره، وتملأ قلبه، وتحرك وجدانه، ويفكر فيها في الليل والنهار، في النوم واليقظة، في السر والعلانية، لو كانت قضية العمل لدين الله كذلك في قلب كل مسلم ما سأل أبداً هذا السؤال؛ لأنه سيحدد دوره بحسب الزمان الذي يعيشه، وبحسب المكان الذي يتحرك فيه لدين الله؛ لأن قضية العمل لدين الله تملأ عليه همه، وتملأ عليه قلبه، بل وتحرق قلبه في الليل والنهار، ولكن بكل أسف أصبحت قضية العمل لدين الله قضية هامشية ثانوية في حس كثير من المسلمين، بل وأصبح لا وجود لها في حس قطاع عريض آخر ممن يأكلون ملء بطونهم، وينامون ملء عيونهم، ويضحكون ملء أفواههم، بل وينظرون إلى واقع الأمة فيهز الواحد كتفيه ويمضي وكأن الأمر لا يعنيه، وكأنه ما خلق إلا ليأكل ويشرب، وإلا ليحصل الشهادة، أو ليحصل الزوجة الحسناء، هذا كل همه في هذه الحياة!! أنا لا أمنع -أيها الحبيب- من أن تحمل في قلبك هموماً كثيرة، أن تحمل هم الوظيفة، وهم الزوجة، وهم الأولاد، وهم السيارة والعمارة، وهم الدولار والدينار والدنيا، لكن ما هو الهم الأول في خريطة همومك التي تحملها في هذه الدنيا، هل هو هم الدين؟ أم هل هو هم الدنيا؟

стр. 1791

همة أبي محجن أيها الشباب! قد يرد علي الآن رجل من آبائنا أو شاب من أحفادنا أو أخت من أخواتنا -وهذا سؤال مثار- ويقول: يا أخي! ولكني أستحي أن أتحرك لدين الله وأنا مقصر وأنا مذنب وأنا عاص أنا أعلم حقيقة نفسي!! أقول: لو تخاذلت عن العمل لدين الله فقد أضفت إلى تقصيرك تقصيراً، وإلى ذنوبك ذنباً، فلا يحملك ذنبك على أن تترك العمل لدين الله، ولا يمنعك تقصيرك، ولا يمنحك إجازة مفتوحة من العمل للإسلام، لا!! خذ هذه الرسالة الرقيقة من أبي محجن الثقفي ﵁، رجل مدمن على شرب الخمر، سبحان الله!! مع أنه فارس مغوار، إذا نزل الميدان أظهر البطولة والرجولة! ولكنه ابتلي بإدمانه على شرب الخمر، ومع ذلك تراه جندياً في صفوف القادسية، هل خرج للقتال؟ نعم. وهو الذي كثيراً ما يؤتى به ليقام عليه الحد. وفي ميدان البطولة والشرف أتي به لقائد الجيش سعد بن أبي وقاص؛ لأنه قد شرب الخمر فلعبت الخمر برأسه مرة أخرى، فأمر سعد بن أبي وقاص -خال رسول الله- أن يمنع أبو محجن من المشاركة في المعركة، وأن يقيد حتى تنتهي المعركة؛ لأنه لا تقام الحدود في أرض العدو. وقيد أبو محجن، وبدأت المعركة، وارتفعت أصوات الأبطال، وقعقعت السيوف والرماح، وتعالت أصوات الخيول!! وفتحت أبواب الجنة لتطير إليها أرواح الشهداء، وهنا احترق قلب أبي محجن الذي جيء به وهو على معصية، لم يفهم أبو محجن أن الوقوع في المعصية يمنحه إجازة مفتوحة من العمل لدين الله، من المشاركة لنصرة لا إله إلا الله، وإنما احترق قلبه وبكى، ونادى على زوج سعد بن أبي وقاص سلمى وقال لها: أسألك بالله يا سلمى! أن تفكي قيدي، وأن تدفعي لي سلاح وفرس سعد؛ لأن سعدا قد أقعده المرض عن المشاركة في القادسية إلا بالتخطيط. فرقت سلمى لحال أبي محجن، ففكت قيده، ودفعت له السلاح والفرس وقال لها: إن قتلت فالحمد لله، وإن أحياني الله جل وعلا فلك على أن أعود إلى قيدي؛ لأضعه في رجلي بيدي مرة أخرى، وانطلق أبو محجن، وتغير سير المعركة على يد بطل! على يد فارس! حتى قال سعد الذي جلس في عريش فوق مكان مرتفع؛ ليراقب سير المعركة، قال سعد: والله! لولا أني أعلم أن أبا محجن في القيد، لقلت بأن هذا الفارس هو أبو محجن، ولولا أني أعلم أن البلقاء في مكانها لظننت أنها البلقاء، فردت عليه زوجه، وقالت: نعم، إنه أبو محجن وإنها البلقاء، وحكت له ما قد كان!! ولما انتهت المعركة دخل سعد بن أبي وقاص على أبي محجن في موقعه في سجنه، فوجد أبا محجن وقد وضع القيد في رجليه بيديه مرة أخرى، فبكى سعد بن أبي وقاص ورق لحاله، وقال له: قم يا أبا محجن، وفك القيد عن قدميه بيديه، وقال له سعد: والله! لا أجلدك في الخمر بعدها أبداً، فنظر إليه أبو محجن وقال: ربما كنت أزل فيها لأنني أعلم أنني أطهر بعدها بالجلد، أما الآن لا تجلدني، وأنا والله لا أشرب الخمر بعد اليوم أبداً! وصدق مع الله جل وعلا. فهذه رسالة رقيقة يرسلها أبو محجن الثقفي للعصاة من أمثالي، لأهل الذنوب من أمثالي؛ من أجل ألا تمنحهم ذنوبهم ومعاصيهم إجازة مفتوحة من أن يتحركوا لدين الله، ومن أن تحترق قلوبهم بالعمل لدين الله جل وعلا! حتى الهدهد -ذلكم الطائر الأعجم حين كان في مملكة ضخمة على رأسها نبي، وقد سخر فيها الإنس والجن والطير والريح لهذا الملك النبي- لم يفهم من ذلك أنه قد أخذ إجازة من أجل ألا يعمل لدين الله. الهدهد؟ إي والله تحرك ليعمل للدين؟ إي والله! بل جاء إلى هذا الملك النبي ليكلمه بكل ثقة: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل:٢٢ - ٢٤]، ويعلن الهدهد براءته من عقيدة الشرك والكفر ويقول: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل:٢٥ - ٢٦]. هدهد لم يعجز أن يجد لنفسه دوراً في مملكة موحدة لا في بيئات، لا في بلد نحت شريعة الله، بل في مملكة موحدة على رأسها ملك نبي، لم يعجز أن يجد لنفسه دوراً ليعمل لدين الله، فهل تعجز -أيها المسلم وأيها الشاب- أن تجد لنفسك دوراً الآن حتى تعطي نفسك إجازة مفتوحة ألا تتحرك، وألا تعمل شيئاً لدين الله جل وعلا؟!

стр. 1792

همة نعيم بن مسعود ﵁ وهذا هو نعيم بن مسعود، رضي الله عن نعيم: ذلكم الفدائي البطل الذي جاء إلى المصطفى في وقت عصيب رهيب، كادت القلوب أن تخرج من الصدور في غزوة الأحزاب، أحاط المشركون بالمدينة من كل ناحية من حول الخندق، وفي لحظات حرجة قاسية نقض يهود بني قريظة العهد مع رسول الله، وشكلوا تهديداً داخلياً خطيراً على النساء والأطفال، وتعاهدوا مع المشركين على أن يحاربوا محمداً معهم. وهذا هو فعل اليهود، وهذه هي صفتهم، فاليهود لا يجيدون إلا الغدر ونقض العهود، نقضوا العهد مع رسول الله في وقت حرج، ولك أن تتصور الحالة النفسية التي مر بها المصطفى مع أصحابه، وقد وصفها الله في القرآن وصفاً دقيقاً بليغاً، تدبر معي قول الله لهذه الحالة: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٠ - ١٢]. تصور هذه الحالة! ممن مع رسول الله من يقول: (مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا)، المشركون يحيطون بنا، واليهود نقضوا العهد وسيدمروننا من الداخل، ويقتلون نساءنا وأطفالنا، حالة قاسية! حتى قام المصطفى ليتضرع إلى الله: (اللهم منزل الكتاب، مجري السحاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم)، تصور معي هذه الحالة، وفي هذا الوقت الحرج جاء نعيم بن مسعود ﵁، لماذا؟ أقبل إلى النبي ﷺ وهو يصلي بين المغرب والعشاء، فالتفت إليه المصطفى ﷺ وقال: (ما جاء بك يا نعيم؟ قال: جئت أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وأن ما جئت به هو الحق. ابسط إلي يديك لأبايعك يا رسول الله!) فبايعه المصطفى، وشهد نعيم شهادة التوحيد، وعلى الفور قال لرسول الله: (يا رسول الله! مرني بما شئت؛ فوالله لا تأمرني بشيء إلا قضيته؛ فإنه لا يعلم أحد من القوم بإسلامي، فقال له المصطفى: يا نعيم! إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل عنا ما استطعت، فإن الحرب خدعة) فانطلق نعيم، ولم يضع النبي له تفاصيل خطة، بل أمره أمراً عاماً: (خذل عنا ما استطعت)، وانطلق نعيم الذي استشعر مسئوليته تجاه هذا الدين، الرجل في مأزق! في فتنة! الإسلام يتعرض لخطر! فلماذا لا أبذل؟! لماذا لا أقدم؟! فكر هذا الفدائي الذي لم يمض على دخوله في دين الله إلا دقائق، ولكنه يستشعر مسئوليته لدين الله، الأحزاب يحيطون بالمدينة، ورسول الله في فتنة خطيرة فليبذل دمه، فليبذل روحه، وهاأنتم ترون الآن الإسلام والمسلمين في محنة، ومع ذلك منا -والله- من لا يفكر في أن يبذل شيئاً لدين الله لا في ليل أو نهار، حتى لو دعونا الناس لمجرد الإنفاق، ترى التقاعس، هذا مسجد مثلاً لله جل وعلا ترون فيه الطابق الثاني منذ متى ونحن نشيده؟ منذ متى ونحن ندعو لتشييده وبنائه؟ والناس يقفون الآن في الشمس، ومع ذلك سيسمع كثير منا هذا اللقاء، وفي جيبه الأموال من فضل الله وسيمضي ولن يساهم ولو بالقليل وكأن الأمر لا يعنيه، لماذا؟ لأن قضية العمل لهذا الدين أصبحت تتمثل في حسه في الخطبة والمحاضرة والندوة، هذا هو العمل للدين، لا، العمل لا ينتهي لدين الله عند خطبة الجمعة، أو عند محاضرة لشيخ، أو عند ندوة لعالم، بل إن الدين يحتاج إلى كل جهد، ولو كان هذا الجهد قليلاً!! نعيم بن مسعود انطلق يفكر كيف يعمل لدين الله. فتدبروا معي يا شباب، تدبروا معي؛ حتى لا يأتي شاب، فيقول: ماذا أفعل؟ ما دوري؟ لا مانع من أن تستأنس، وأن تسأل إن استشكلت عليك مسألة؛ لكن فكر لدين الله، كيف تعمل وكيف تبذل انطلق نعيم إلى يهود بني قريظة فقال: لقد جئتكم أبذل لكم النصيحة فاكتموا عني. فقالوا: قل يا نعيم! قال: تعلمون ما بيني وبينكم. قالوا: لست عندنا بمتهم، وأنت عندنا على ما نحب من الصدق والبر. فقال نعيم: إن أمر هذا الرجل بلاء، يقصد النبي ﵊، فقد استحل نعيم من رسول الله أن يقول ما شاء، فقال له المصطفى: (قل فأنت في حل). فقال: إن أمر هذا الرجل بلاء، أنتم ترون -يا يهود بني قريظة- ما فعل بيهود بني قينقاع وبني النظير، ولستم كقريش وغطفان، فإن قريشاً وغطفان قد جاءوا من بلادهم ونزلوا حول المدينة، فإن رأوا فرصة انتهزوها، وإن كانت الأخرى عادوا إلى ديارهم وبلادهم وأموالهم، وانفرد بكم محمد؛ ليفعل بكم ما فعل بيهود بني قينقاع وبني النظير، فأنا جئت لكم اليوم أبذل لكم النصيحة. قالوا: ما هي يا نعيم؟! قال: لا تقاتلوا مع قريش وغطفان حتى تأخذوا سبعين رجلاً من أشرافهم، تستوثقون بهم منهم أنهم لن يبرحوا المدينة حتى يقتلوا محمداً، وحتى يريحوكم من شره. قالوا: نعم الرأي يا نعيم. قال: اكتموا عني هذا؛ فإني ناصح لكم. قالوا: نفعل. فتركهم نعيم الفدائي البطل، وذهب إلى قائد جيوش الشرك أبي سفيان وقال: يا أبا سفيان! تعلم الود الذي بيني وبينك. قال: نعم، يا نعيم. قال: لقد جئتك الآن بنصيحة. قال: ابذلها! قال: ألا تعلم يا أبا سفيان أن يهود بني قريظة قد ندموا على نقضهم للعهد مع محمد بن عبد الله وذهبوا إليه وقالوا: بأننا لن نقاتل مع قريش ضدك، ولنثبت لك صدقنا سوف نرسل إليك سبعين رجلاً من أشراف قريش وغطفان لتقتلهم، لتعلم أننا قد ندمنا على نقضنا للعهد معك. ففزع أبو سفيان! فقال نعيم: إياك أن تسلم اليهود رجلاً واحداً من أشرافكم. قال: أفعل يا نعيم، وشكر له هذه النصيحة الغالية. وتركه وذهب إلى غطفان، فقال لهم مثلما قال لـ أبي سفيان، وفي الوقت نفسه أرسل اليهود إلى قريش وغطفان ليقولوا: ادفعوا إلينا سبعين رجلاً من أشرافكم؛ لنستوثق بهم أنكم لن تبرحوا المدينة حتى تقاتلوا معنا محمداً، ولن تدعونا؛ لينفرد محمد بقتالنا. فقالت قريش وغطفان: صدق -والله- نعيم، كذب اليهود عليهم لعائن الله، ولما رفض القرشيون أن يسلموا اليهود الأشراف، وعاد الرسل لليهود قالوا: صدق -والله- نعيم، إنهم يريدون أن ينصرفوا؛ لينفرد محمد بقتالنا، فخذل الله بين قريش وغطفان، وبين اليهود على يد نعيم بن مسعود ﵁، ويئس هؤلاء من نصر هؤلاء، ويئس هؤلاء من نصر هؤلاء، واستراح قلب النبي داخل المدينة؛ لأن اليهود قد نقضت العهد مرة أخرى مع قريش وغطفان، وقد انشغل قلبه، وانشغلت قلوب أصحابه على ذراريهم ونسائهم وأموالهم داخل المدينة، وهم قد خرجوا ليحاصروا المدينة من الخارج في مواجهة الصف المشرك الذي خندق حولها. على يد رجل ثبت الله جيشاً، ما وضع النبي ﷺ له بنود هذه الخطة، بل فكر وعلى قدر الإخلاص والصدق يكون التوفيق من الله جل وعلا.

стр. 1793

همة الطفيل بن عمرو ﵁ وهذا هو الطفيل بن عمرو مثال آخر يأتي إلى مكة ورحى الصراع دائرة بين المشركين وبين رسول الله، ويلتقف جهاز الإعلام الخبيث في مكة الطفيل بن عمرو، يستحوذ هذا الجهاز الإعلامي الذي لا يخلو منه زمان ولا مكان على الطفيل بن عمرو، وقال السادة من الزعماء والكبراء ممن يتحكمون في أجهزة الإعلام التي تشوش وتلبس على الناس عقيدتهم ودينهم: طفيل! إنك قد نزلت بلادنا، وقد ظهر فينا هذا الرجل الذي قد مزق شملنا، وشتت جمعنا، وفرّق بين الأخ وأخيه، والابن وأبيه، ونحن نخشى أن يحل بك وبزعامتك في قومك ما قد حل بنا في قومنا، فإياك أن تسمع منه كلمة واحدة، أو أن تكلمه كلمة! فإن له كلاماً كالسحر يفرق بين الأخ وأخيه، والابن وأبيه! قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت:٢٦]، وظلوا يحذرون ويخوفون الطفيل حتى عزم الرجل ألا يقترب من رسول الله، فلما غدا إلى بيت الله الحرام ملأ أذنيه بالقطن، حتى لا يسمع كلمة من رسول الله. يقول الطفيل: فأبى الله إلا أن يسمعني بعض ما يقول محمد بن عبد الله، يقول: فرأيت محمداً في الكعبة يصلي صلاة غير صلاتنا، ورأيتني قريباً منه، وسمعت آيات القرآن التي يتلوها محمد. ولك أن تتصور القرآن الذي لو أنزله الله على جبل لتصدع وتفتت! لك أن تتصور كيف يكون حال هذا القرآن إن خرج بصوت الحبيب المصطفى الذي أنزل الله عليه القرآن!! تحرك قلب الطفيل، ثم قال لنفسه: ثكلتك أمك يا طفيل!! إنك رجل لبيب عاقل شاعر، لا تعجز أن تفرق بين الحسن والقبيح، اسمع للرجل، لا تحكم على الرجل قبل أن تسمع منه، وقبل أن تجلس بين يديه، وقبل أن تراه، وانطلق الطفيل، وتبع النبي ﷺ حتى خرج من الكعبة إلى بيته، وأخبره بما كان من أمر قريش، وقال له: يا محمد! اعرض علي أمرك، فعرض النبي عليه الإسلام في كلمات يسيرة قليلة جداً، فقال الطفيل: والله! ما رأيت أحسن من أمرك، وما رأيت أعدل من قولك! ابسط إلي يديك لأبايعك يا رسول الله!! وانطلق الطفيل بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم قال الطفيل وهو في موقفه ذاك: يا رسول الله! أرسلني داعية إلى قومي (دوس)؛ فإنهم كفروا بالله، وفشا فيهم الزنا. ما عندك يا طفيل؟! ما الذي تعلمت يا طفيل؟! إنها المسئولية التي حملها في قلبه مع أول كلمة ينطق بها لسانه لدين الله، ومع أول لحظة حب ووفاء لمحمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ينطق بالشهادة فيعلم أن هذه الشهادة قد أوجبت عليه أن يتحرك لدين الله، لماذا أنت مسلم؟ منذ متى وأنت تصلي؟ منذ متى وأنت تحضر مجالس العلم؟ هل أتيت برجل آخر؟ هل دعوت آخر لدين الله؟ هل نظرت إلى جارك المعرض عن الله جل وعلا فتحسر قلبك ووجهت إليه دعوة لله سبحانه؟ من يحمل هذا الهم؟ لأن قضية العمل لدين الله أصبحت ثانوية هامشية في حس الكثير إلا من رحم ربك جل وعلا، الطفيل يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وعلى الفور يستشعر المسئولية لهذا الدين فيقول: أرسلني داعية إلى قومي يا رسول الله! فأرسله المصطفى، ثم قال الطفيل: ادع الله أن يرزقني آية يا رسول الله! فدعا المصطفى ربه أن يرزق الطفيل آية، فما أن وصل إلى مشارف قومه إلا وقد ظهرت الآية التي تتمثل في نور في وجه الطفيل كالقنديل، فقال الطفيل: لا، يا رب؛ حتى لا يقولوا مثلة، حتى لا يقولوا إن الأصنام هي التي فعلت بي ذلك، ولكن اجعل هذا النور على طرف سوطي، فاستجاب الله دعاءه وانتقل هذا النور كالقنديل إلى طرف سوط الطفيل بن عمرو. وذهب إلى قومه فدعاهم إلى الله، ثم عاد بعد ذلك يقول للمصطفى: يا رسول الله! هلكت (دوس)، ادع الله عليهم! فرفع صاحب القلب الكبير يديه إلى السماء ودعا الله جل وعلا وقال: (اللهم اهدِ دوساً وأت بهم)، فاستجاب الله دعاء المصطفى، وعاد إليهم الطفيل بعد ذلك، ثم عاد بدوس كلها تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وعلى رأس دوس راوية الإسلام العظيم أبو هريرة ﵁، الذي سيأتي مع قبيلة دوس في ميزان الطفيل بن عمرو يوم القيامة، كما ستأتي الأمة كلها في ميزان المصطفى ﷺ !!

стр. 1794

أكبر هم ينبغي لكل مسلم أن يحمله لابد من مصارحة للنفس، نقب عن الهم الأول في خريطة همومك التي تحملها في هذه الحياة الدنيا، أنت ما خلقت إلا لدين الله ولعبادة الله، ولطاعة الله، قال جل في علاه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، هذه هي الغاية، وتلك هي الوظيفة التي تحولت في حياتنا إلى فرع بل إلى لا شيء في حس كثير ممن ينتسبون إلى هذا الدين، وظن قطاع عريض من المسلمين أن الدعوة إلى الله، وأن بذل الجهد لدين الله إنما هو أمر مقصور على فئة من العلماء الصادقين، والدعاة المخلصين، وهذا ورب الكعبة وهم كبير؛ فإننا جميعاً أيها الأخيار ركاب سفينة واحدة إن نجت هذه السفينة نجونا، وإن هلكت هلكنا، كما في صحيح البخاري من حديث النعمان بن بشير أن البشير النذير ﷺ قال: (مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وأصاب بعضهم أسلفها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أننا خرقنا في نصيبنا خرقاً؛ حتى لا نؤذي من فوقنا، يقول المصطفى: لو تركوهم وما أرادوا لهلكوا جميعاً، ولو أخذوا على أيديهم لنجوا ونجوا جميعاً). فنحن جمعياً ركاب سفينة واحدة، إن هلكت السفينة هلك الصالحون مع الطالحين، هلك المتقون مع المفسدين، ويبعث بعد ذلك كل واحد على نيته يبعث كل واحد على ما مات عليه، فالعمل للدين ليس مسئولية العلماء والدعاة فحسب، بل هو مسئولية كل مسلم ومسلمة ينبض قلبه بحب هذا الدين، وبالولاء والبراء، وبحب عقيدة لا إله إلا الله. بكل أسف فرق قطاع عريض من الأمة بين حقيقة الانتماء لهذا الدين وبين العمل له، لا معنى إطلاقاً لأن تكون منتمياً للإسلام دون أن تبذل للإسلام أي شيء، لا معنى لانتمائك هذا البتة! ما معنى انتمائك للإسلام ولهذا الدين؟ لا تفرق بين انتمائك وعملك، لا تفرق بين انتمائك وجهدك، لا تفرق بين انتمائك وحركتك لدين الله في الليل والنهار على حسب قدرتك وإمكانياتك واستطاعتك.

стр. 1795

همة أبي بكر الصديق ﵁ تعلموا -أيها الأخيار- من أصحاب النبي المختار الذين فهموا أن الانتماء لدين الله جل وعلا يستوجب أن يبذل الواحد منهم أقصى ما في طاقته من جهد لهذا الدين، هذا هو صدِّيق الأمة الأكبر وأسألكم بالله أن تتدبروا هذه النماذج، فأنا لا أسوقها لمجرد الثقافة الذهنية الباردة، ولا من أجل التسلية وتضييع الوقت، بل أسوق هذه الأمثلة ليقف كل واحد منا مع نفسه الآن؛ ليسأل نفسه بعد هذه الخطبة: ماذا قدمت أنا لدين الله جل وعلا؟ هذا صديق الأمة الأكبر، شرح الله صدره للإسلام؛ فنطق بالشهادتين بين يدي رسول الله، وعلى الفور. يستشعر مسئوليته تجاه هذا الدين، أنا أسألكم بالله: ما الذي تعلمه أبو بكر في هذه الدقائق من رسول الله سوى الشهادتين؟! مع سماعه لكلمات يسيرة جداً من المصطفى، ومع ذلك يستشعر مسئوليةً ضخمةً تجاه هذا الدين بمجرد أن ردد لسانه الشهادتين، فيترك الصديق رسول الله وينطلق ليدعو، ليدعو بماذا؟ والله ما عكف على طلب العلم سنوات لينطلق بعد ذلك للدعوة، ولكن بالقدر الذي أعطاه الله من النور خرج وهو يستشعر مسئوليته الضخمة لهذا الدين، ليست العبرة بالمحاضرات الطويلة الرنانة المؤثرة، والله يا أخي لو علم الله منك الصدق والإخلاص، وتكلمت كلمة واحدة لحركت كلمتك القلوب، فكم من محاضرات لا تحرك ساكناً، اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل، فالإخلاص والصدق هما اللذان يحركان القلوب، الكلمة إن كانت صادقة وإن كانت مخلصة ولو كانت يسيرة قليلة تحيي القلوب الموات، قال الشاعر: بين الجوانح في الأعماق سكناها فكيف تنسى ومن في الناس ينساها الأذن سامعة والعين دامعة والروح خاشعة والقلب يهواها والسر هو: الصدق والإخلاص، تحرك الصديق بكلمات يسيرة جداً، هل تصدق أيها المسلم أن الصديق بهذه الكلمات المخلصة الصادقة قد عاد إلى النبي في اليوم التالي لإسلامه بخمسة من العشرة المبشرين بالجنة؟! إنها بركة الدعوة وبركة الحركة والجهد لدين الله، ما قال: لا، تحرك بالقدر الذي من الله به عليك من علم في الدين، من علم في الدنيا، من علم في أي جانب، استغل مركزك ومنصبك لدين الله سبحانه، المهم أن ترى في قلبك هماً لدين الله، المهم أن تفكر كيف تعمل شيئاً لدين الله سبحانه.

стр. 1796

تبعة ثقيلة وأمانة عظيمة أقول: يجب أن نزيل من قلوبنا وهماً كبيراً يتمثل في أن العمل للدين هو الخطبة والندوة والمحاضرة، لا! بل إن العمل للدين مسئولية كل مسلم ومسلمة على وجه هذه الأرض، وهذا هو عنصرنا الثالث: تبعة ثقيلة وأمانة عظيمة أطوق بها الأعناق. أيها المسلمون في كل مكان! يا من تستمعون إلي الآن في هذا البيت المبارك أو عبر شريط (الكاست) بعد ذلك! اعلموا بأن كل مسلم ومسلمة على وجه الأرض نبض قلبه بحب الله، وحب رسول الله، واجب عليه أن يتحرك لدين الله على حسب قدرته واستطاعته وإمكانياته المتاحة، ليس بالضرورة أن ترتقي المنبر هنا، ليس بالضرورة أن تجلس على الكرسي لتحاضر، لكن لابد أن تتحرك لدين الله في موقعك. أنت طبيب، هل حولت الإسلام في حياتك إلى عمل؟ أنت مدرس، هل حولت الإسلام في فصلك إلى منهج حياة؟ أنت موظف، هل اتقيت الله في عملك وراقبت الله في السر والعلن، وقال الجمهور ممن يتعاملون معك: هذا موظف مسلم يخشى الله جل وعلا، أم أنك لا تقدم شيئاً إلا إن أخذت الرشوة بأسلوب صريح أو غير صريح؟ أين الإسلام؟ أين الإسلام في واقع حياتنا؟ هل شهدنا للإسلام شهادة عملية سلوكية أخلاقية بعدما شهد كلنا شهادة قولية باللسان؟ مع أننا نعلم يقيناً أن القول إن خالف العمل بذر بذور النفاق في القلوب قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣]، ونحن نقول ما لا نفعل إلا من رحم ربك جل وعلا، أسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن رحم! العمل للدين مسئولية كل مسلم، وهاأنا سأضع لك خطوات عملية فاحفظها، حتى لا تسأل بعد ذلك: ما هو دوري؟ ماذا أفعل؟

стр. 1797

حول ما تعلمته إلى واقع عملي الخطوة الثالثة: حملت هم الدين وتعلمت وفهمت؟ يجب عليك بعد ذلك أن تحول هذا الدين الذي تحمل همه والذي تعلمته وفهمته في حياتك إلى واقع عملي وإلى منهج حياة.

стр. 1798

تحرك لنصرة هذا الدين الخطوة الرابعة: إن فعلت ذلك فاخط على الطريق خطوات عملية لازمة، تتمثل في: أن تدعو غيرك لهذا الدين الذي تحمل همه، ولهذه القضية التي تعتنقها، والتي تعلمتها وفهمتها وعملتها، تحرك بعد ذلك على الفور لدين الله جل وعلا؛ لتبلغ غيرك، ولتنقل هذا النور، فلا تكن زهرة صناعية -أي: من صنع البشر- لا تحمل من عالم الأزهار إلا اسمها، وكن زهرة كالأزهار التي خلقها الله لا تحبس عن الناس أريجها وعطرها، فإن من الله عليك بالنور فانقل هذا النور إلى غيرك من المسلمين، ولتتحرك الأخت المسلمة لتنقل هذا النور إلى غيرها من الأخوات المسلمات. تكثيرك لسواد المسلمين الآن في خطبة الجمعة أو في محاضرة من المحاضرات؛ لإغاظة المنافقين، لتبين لهم أننا لا زلنا نحب هذا الدين، وتحترق قلوبنا له هذا عمل للدين. جلوسك في مجلس علم لتتعلم عقيدة التوحيد، ولتعمل بها ولتعلمها غيرك عمل للدين. جلوسك في حلقة قرآن بعد العصر لتحفظ القرآن، ولتحفظه غيرك بعد ذلك عمل للدين. تربيتك لزوجتك وأولادك تربية طيبة على القرآن والسنة عمل للدين. اهتمامك بدروسك -أيها الطالب المسلم- وتفوقك في جامعتك ودراستك وحصولك على المراكز الأولى عمل للدين. اهتمامك بزوجك -أيتها المرأة المسلمة- وحفظك لعرضه ولشرفه، ووقوفك إلى جواره في تربية الأولاد تربية طيبة وعدم الإنهاك لظهره بالطلبات والنفقات التي لا يقدر عليها عمل للدين. التزامك -أيها الموظف والمسئول المسلم- بعملك في مواعيده المنضبطة وإصلاحك وتفانيك في خدمة جماهير المسلمين عمل للدين. صدقك في كلامك وإخلاصك في وفائك للوعود والعهود عمل للدين، نشرك لشريط استمعته واستفدت منه عمل للدين، إلصاقك لإعلان خطبة جمعة أو لمحاضرة علم عمل للدين. غيرتك في قلبك على حرمات الله التي تنتهك عمل للدين. أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر عمل للدين. صدقك وإخلاصك في أي عمل عمل للدين. دعوتك لغيرك بالحكمة والرحمة عمل للدين. رفقك في نصيحة إخوانك عمل للدين. إنفاقك لمال على فقير أو يتيم أو مسكين عمل للدين. تخصيصك لجزء من راتبك للدعوة إلى الله أو للإنفاق على طالب علم أو لداعية من الدعاة عمل للدين. مساهمتك في بناء مسجد كهذا عمل للدين، ماذا تريدون بعد ذلك؟!! والله! لا يترك هذا المجال الفسيح إلا مخذول محروم، ابذل أي شيء، أهل الباطل يتحركون بكل قوة، نتنياهو يعلمنا كيف يكون البذل للعقيدة وهو على الكفر، وأهل الحق وأهل التوحيد في تقاعس مرير، بالله عليكم: ماذا لو تحرك هذا الجمع الذي يتكون من الآلاف بين يدي، ماذا لو تحرك كل هذا الجمع ليتحولوا إلى دعاة صادقين في مواقع الأعمال، ومواطن الإنتاج، وعلى كراسي الوظائف؟ ماذا يكون لو تحولوا جميعاً إلى دعاة صادقين لدين الله جل وعلا؟ أيها الأخيار الكرام! الرسول يحملنا هذه الأمانة: (بلغوا عني ولو آية) والحديث في الصحيحين، ويقول ﷺ : (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا وكان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنه تخلف من بعدهم خلوف)، أسأل الله ألا يجعلنا منهم. فلن تكون من حواريي وأنصار رسول الله إلا إذا حملت هم دعوة النبي في قلبك، وإلا إذا تحركت لها وفكرت لها في النوم واليقظة والسر والعلانية، يقول ابن القيم في تعليقه على قول الله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨]، يقول ابن القيم رحمة الله عليه: لن يكون الرجل من أتباع النبي حقاً حتى يدعو إلى ما دعا إليه النبي على بصيرة، فهل دعوت إلى الله؟ هل تحركت لدين الله أيها الحبيب؟ هل تحركت لدين الله يا أختاه؟ تحركوا -أيها المسلمون- من الآن، الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم ومسلمة كل بحسب قدرته، هذا ما قرره علماؤنا في هذا الزمان؛ لأن الكفر انتشر؛ ولأن الإلحاد ظهر؛ ولأن الزندقة كثرت؛ ولأن العلمانيين يهدمون صرح الإسلام في الليل والنهار، فيجب عليك أن تتحرك في حدود قدراتك وإمكانياتك، واعمل ولست مسئولاً عن النتيجة، الله جل وعلا يقول: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥]. لا أريد أن أشق أكثر من ذلك على أحبابي وإخواني الذين أراهم يقفون في الشمس قبل أن أرتقي هذا المنبر، ولذا فأنا ألزم الجميع الآن ترجمة عملية للعمل لدين الله سبحانه، ألا يفارق هذا المكان أحد صلى معنا إلا وقد ساهم بأي شيء لننهي الدور الأعلى في هذا البيت الكريم المبارك؛ حتى لا نشق على إخواننا بعد ذلك في صلوات الجمعة فيجدون مكاناً يسمعون فيه قول الله وقول رسول الله ﷺ ، وابحث أنت بنفسك عن إخوانك الذين يجمعون، فإن كل تبرعات اليوم لتشييد الدور الثاني في هذا البيت الكريم المبارك الذي يمثل منارة للتوحيد والهدى في محافظة (الدقهلية) بأكملها، أسأل الله جل وعلا أن ينفع به وأن ينفعنا وإياكم بما نسمع وبما نقول، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 1799

احمل هم هذا الدين في قلبك الخطوة الأولى: احمل هم الدين في قلبك، حاول أن تكون لقضية الدين مساحة في خريطة اهتماماتك وبرامجك، وأن يحرك الدين عواطفك، وأن يحرق هم الدين وجدانك، هذه أول خطوة، فمحال أن يتحرك الإنسان لشيء لا يعتقده، لا يحمله في قلبه، فاحمل هم الدين في قلبك لتتحرك له.

стр. 1800

فرغ شيئاً من وقتك لتتعلم الفرائض الخطوة الثانية: فرغ شيئاً من وقتك، لابد حتماً حتى ولو ساعة في اليوم لدين الله؛ لتتعلم الدين، لتفهم الدين فهماً صحيحاً على أيدي العلماء العاملين، والدعاة الصادقين، لابد أن تفرغ وقتاً من وقتك لتتعلم، محال أن تنصر شيئاً تجهله. فرض عين عليك يا مسلم، وفرض عين عليك أيتها المسلمة، فرض عين على كل مسلم أن يتعلم فروض الأعيان؛ ليعبد الله عبادة صحيحة: تتعلم الصلاة، وأحكام الصلاة، وأركان الصلاة، ونواقض الصلاة، ومبطلات الصلاة. تتعلم قبل الصلاة التوحيد، وحقيقة التوحيد، ومكانة التوحيد، وكيف أن النبي ﷺ ربى الأمة ابتداءً على التوحيد. وتتعلم كيفية الصيام، وأحكامه، وآدابه، وسننه. وتتعلم الزكاة، ومقادير الزكاة، وكيف تخرج الزكاة. وتتعلم البيوع، إذا كنت تاجراً يتاجر بالدرهم والدينار. وتتعلم مناسك الحج، فرض عين عليك أن تتعلم فروض الأعيان؛ لتعبد الله جل وعلا عبادة صحيحة. فهل تعلمتها؟ هل فرغت شيئاً من وقتك لتجلس بين يدي العلماء والدعاة لتتعلم دين الله؟ هذه هي الخطوة العملية الثانية.

стр. 1801

فجر الإسلام قادم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! لا أريد أن أفارق الأحبة إلا وقد سكبت الأمل في القلوب سكباً بأن المستقبل لهذا الدين، فإن عنصرنا الأخير هو: فجر الإسلام قادم. حتى نعلم يقيناً أن الله سينصر دينه بنا أو بغيرنا قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]، إن انصرفت عن مجالس العلم فلن تضر الله شيئاً، إن تقاعست عن الإنفاق في سبيل الله فإن الله هو الغني، إن انصرفت عن العمل لدين الله فإن الله لا يريد منك عملاً، أنت الخاسر، الله جل وعلا لا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية وهو القادر على كل شيء، ولكنه يأمرك لأنه يريد بك ولك الخير، قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧]. فالله سبحانه ناصر دينه بنا أو بغيرنا، وإن المستقبل للإسلام برغم كيد الفجار والمنافقين والعلمانيين! إن المستقبل لدين الله جل وعلا بموعود الله وبموعود رسول الله ﷺ ، أنا لا أقول هذا الكلام رجماً بالغيب، ولا من باب الأحلام الوردية، لتسكين الآلام وتضميد الجراح، لا، بل هذا هو قرآن ربنا يتلى، وهذه أحاديث نبينا تُسمع، إن المستقبل لهذا الدين، وإن أشد ساعات الليل سواداً هي الساعة التي يليها ضوء الفجر، وفجر الإسلام قادم بإذن الله جل وعلا! إن الذي يفصل في الأمر في نهاية المطاف -أيها الشباب- ليس هو ضخامة الباطل، ولكن الذي يفصل في الأمر هو قوة الحق، ولاشك أبداً أن معنا الحق الذي من أجله خلق الله السماوات والأرض والجنة والنار، ومن أجله أنزل الله الكتب وأرسل الرسل، معنا رصيد فطرة الكون، معنا رصيد فطرة الإنسان التي فطرت على التوحيد، وقبل كل ذلك وبعد كل ذلك معنا الله، ويا لها -والله- من معية كريمة لو عرف الموحدون قدرها، ولو عرف المسلمون عظمتها وجلالها، قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١]. فالمستقبل للدين، ونصرة الله لدين الله جل وعلا، هذا وعد منه سبحانه، ووعد من نبيه الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣]، وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥]، وقال الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٢ - ٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]. وأختم بهذا الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم! يا عبد الله! ورائي يهودي تعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود). فالله ناصر دينه بنا أو بغيرنا، فهل ستتقاعس عن هذا الشرف؟ هيا سابق الزمن قبل أن يأتيك ملك الموت فتندم يوم لا ينفع الندم، هذه أمانة أطوق بها أعناق كل مسلم ومسلمة على وجه الأرض يستمع إلى هذه الكلمات معي الآن أو عبر شريط (الكاسيت) بعد ذلك، اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك الإخلاص في أقوالنا وأعمالنا، اللهم باعد بيننا وبين النفاق والرياء كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم لا تجعل خطنا من ديننا أقوالنا، اللهم لا تجعل حظنا من ديننا قولنا، اللهم لا تجعل حظنا من ديننا قولنا، وارزقنا الصدق والإخلاص في نياتنا وأقوالنا وأعمالنا وأحوالنا برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم أقر أعيينا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم أقر أعيينا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم طهر الأقصى من دنس اليهود يا كريم، اللهم طهر الأقصى من رجس اليهود يا كريم، اللهم عليك باليهود وأعوان اليهود وعملاء اليهود، اللهم زلزل الأرض من تحتهم يا رب العالمين! اللهم املأ قلوبهم وبيوتهم ناراً، اللهم حرق قلوبهم وبيوتهم قبل أن يحرقوا الأقصى برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم ارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنوبنا واستر عيوبنا وآمنا روعاتنا، واكشف همومنا واقض حوائجنا. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله أجمعين.

стр. 1802

الحرب على الثوابت [١] هناك شرذمة من الأقزام تطاولوا على أصول الدين ومبادئه، ونالوا من كل ما هو مقدس في الإسلام، وعدوا ذلك خروجاً من الظلامية والرجعية. ومن أصول الدين الذين قام هؤلاء بحربه وتشويه صورته مكانة الصحابة وعدالتهم.

стр. 1803

التحذير من أهل الأهواء إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. فاللهم! اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته ودعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الفضلاء! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار مقامته؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! (الحرب على الثوابت)، سلسة منهجية جديدة قد تحتاج إلى عشرة لقاءات إن قدر الله لنا اللقاء والبقاء، أفند فيها شبهات حقيرة خطيرة تثار الآن ضد الإسلام، لا على الفرعيات والجزئيات، بل على الثوابت والأصول والكليات، ولا يتولى كبرها المستشرقون كما كان الحال قديماً، بل يتولى كبرها ويشعل نيرانها الآن رجال من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، وينتسبون زوراً لإسلامنا. وصدق ربي إذ يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة:٢٠٤ - ٢٠٦]. وقد وصف الصادق الذي لا ينطق عن الهوى هذا الصنف الخبيث وصفاً دقيقاً في حديثه الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ قال: (كان الناس يسألون رسول الله عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: فهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم. وفيه دخن. قلت: وما دخنه يا رسول الله؟ قال: قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر. قلت: فهل بعد ذلك الخير -أي: الذي شابه الدخن- من شر؟ قال: نعم. دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: صفهم لنا يا رسول الله. قال: هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا)، وفي رواية مسلم قال: (رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس). وبكل أسف يسمون في بلاد المسلمين الآن بالنخبة من أصحاب الفكر والأدب والفن، ويفاض عليهم من الدعاية الكاذبة ما يغطي انحرافهم ويستر جهلهم، وينفخ فيهم ليكونوا شيئاً مذكوراً للي أعناق البسطاء من المسلمين إليهم لياً، وهم في الحقيقة كالطبل الأجوف يسمع من بعيد وباطنه من الخيرات خال. فما نال سلمان رشدي جائزة الدولة النمساوية إلا إيماناً بآياته الشيطانية، تلك النخبة من أصحاب الشذوذ الفكري التي رفعت الآن على الأعناق، بل وعلمت أن أقصر طريق للوصول إلى الشهرة الكاذبة هو النيل من ثوابت وأصول الإسلام، وما حصل الطاهر بن جولون على جائزة الجنكور الفرنسية إلا لروايته الخبيثة التي أسماها (ليلة القدر)، وما نال نجيب محفوظ جائزة نوبل إلا لـ (أولاد حارتنا)، وما نال نصر أبو زيد هذه الشهرة العالمية، وبكى عليه الحاقدون على الإسلام من أمثاله، ما بكوا عليه الدموع مدراراً إلا يوم أن تطاول على ثوابت الإسلام ودك أصوله من أولها إلى آخرها. نخبة أصيبت بشذوذ فكري، والمصيبة الكبرى أنهم يعلنون الحرب على ثوابت الإسلام وأصوله تحت شعار مزيف يسمى بشعار (حرية الفكر والرأي)، وتحت شعار فتح آفاق المعرفة والخروج من الظلامية والرجعية والانغلاقية والتعصب والتزمت.

стр. 1804

اتخاذ أهل الأهواء حرية الفكر والرأي ذريعة للطعن في الدين أهل الأهواء يعلمون يقيناً أن ما يقولونه لا يمت بأدنى صلة إلى حرية الفكر والرأي، فلا يستطيع أحدهم أن يتطاول أبداً على أصول الدولة أو على أمن الدولة أو على قيادة الدولة أو على قسيس من قساوسة الدولة؛ لأن هذا لا يمكن بحال أن يندرج تحت حرية الفكر والرأي، هم يعلمون ذلك جيداً. فهل التطاول على ذات الله ﷻ من حرية الفكر والرأي؟! هل التطاول على القرآن، والتشكيك في القرآن من حرية الفكر والرأي؟! هل التطاول على ثوابت الإسلام وأصوله من حرية الفكر والرأي؟! هل التشكيك في سنة النبي والغمز بعدم قدسية سنة النبي من حرية الفكر والرأي؟! هل التطاول على مقام النبي محمد من حرية الفكر والرأي؟ هل الغمز واللمز بأصحاب النبي من حرية الفكر والرأي؟ هل التطاول على الملائكة الكرام البررة من حرية الفكر والرأي؟ هل الدعوة إلى أدب الجنس الفاضح، أدب الدعارة القذرة النجسة من حرية الفكر والرأي؟ فقليلاً من الإنصاف والعدل يا أدعياء الأدب والفكر في أمتنا الإسلامية والعربية، ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم:٢٢]، لا يُتطاول على قانون الدولة ودستور الدولة وقيادات الدولة، في الوقت الذي يتطاول فيه على الله، وعلى القرآن، وعلى النبي ﷺ ، وعلى أصحاب النبي ﷺ ، وعلى أصول وثوابت الإسلام. فقليلاً من الإنصاف والعدل -يا سادة- لنصل إلى الحقيقة، فما تروجون له لا يمت بأدنى صلة لحرية الفكر والرأي، فنحن مع حرية الفكر وحرية الرأي، لكن بضوابط الإسلام الذي تدين به الأمة، بضوابط الإسلام الذي يحبه أهله، بل إن الإسلام دين الحرية، فهو يدعو إلى الحريات بالضوابط الشرعية المعروفة. أما أن يتطاول على ثوابت وأصول الدين باسم حرية الفكر والرأي فليس هذا من الدين، بل ولا من الأخلاق، بل ولا هو من الأدب في شيء.

стр. 1805

الطعن في الصحابة حرب للإسلام بدأ هؤلاء الذين يسمون بالنخبة بإعلان الحرب على الصحابة، وأود أن أوضح أنني سوف أكرر هذه السلسلة في كل مكان أذهب إليه؛ لأنه مرض العصر الآن. بدءوا بإعلان الحرب على الصحابة، وهذا هو أول لقاء أستهل به هذه السلسلة التي أسميتها بالحرب على الثوابت، وكعادتي سيكون الحديث في نقاط محددة حتى لا ينسحب بساط الوقت سريعاً من تحت أقدامنا، وهذه النقاط هي: أولاً: حرب سافرة. ثانياً: مكانة الصحابة عند الله وعند رسوله. ثالثاً: وهل يسب الأطهار؟ رابعاً: هم القدوة فاعرفوا لهم قدرهم. فأعيروني القلوب والأسماع جيداً أيها الأخيار! والله أسأل أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٨].

стр. 1806

الطعن في الصحابة زندقة أولاً: حرب سافرة: ظهرت الآن كتب خبيثة في السوق تشن حرباً على الصحابة بألفاظ قذرة فاجرة يعف اللسان الطيب عن ذكر فقرة من هذه الفقرات، ووالله لولا أننا نود أن نثبت بالدليل خبث عقيدتهم. وفساد طويتهم لما ذكرت كلمة واحدة من كلماتهم الخبيثة التي شحنت بها الكتب، والتي تطبع الآن وتروج في المعارض والأسواق والمكتبات. وقبل ذلك: لماذا بدءوا بإعلان الحرب على صحابة النبي ﷺ ؟ يقول الحافظ أبو زرعة في جوابه على السؤال إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب النبي فاعلم أنه زنديق، وذلك لأن الرسول حق، والقرآن حق، وما جاء به النبي من عند الله حق، والذي نقل إلينا كل ذلك هم الصحابة، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا الصحابة ليبطلوا القرآن والسنة. ويقول الإمام مالك إمام دار الهجرة: من وجد في قلبه غيظاً على أحد من أصحاب النبي فقد أصابه قول الله تعالى: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩]. وقال الإمام الطحاوي في عقيدته المشهورة: ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا نفرط في حب أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، فحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان.

стр. 1807

أمثلة لطعن أهل الأهواء المعاصرين في الصحابة ليس من الفقه ولا من الحكمة أن أذكر أسماء هؤلاء أو أسماء كتبهم حتى لا أروج لأسمائهم ولا لكتبهم من حيث لا ندري. يقول أحدهم بالحرف: (إن الصحابة كانوا يمثلون مجتمعاً متحللاً مشغولاً بالرذائل والهوس الجنسي) هل تتصور أن مجتمع الصحابة هكذا؟! الصحابة الذين رباهم رسول الله، يقول هذا الرتيع الوضيع: (ولم تكن التجاوزات مقصورة على مشاهير الصحابة، بل تعدتهم إلى صحابيات معروفات). ثم يقول: (ولما كان التقاء الذكر بالأنثى والأنثى بالذكر طقساً يومياً من الطقوس الاجتماعية المعتادة في مجتمع يثرب، فقد اضطر محمد رفعاً للحرج أن يبيح لهم أن يمروا في المسجد وهم جنب). هل تدبرتم هذه الكلمات الخبيثة؟ وهكذا تبين كلماتهم الخبيثة فساد طويتهم وخبث عقيدتهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ويقول هذا الرتيع الوضيع أيضاً: (لما أرسل علي بن أبي طالب ابنته أم كلثوم إلى خطيبها عمر بن الخطاب بادر عمر بمعاينة ساقيها؛ ليتأكد من جودة البضاعة أو جودة الصنف). أتحدى هذا الأثيم أن يتطاول على قسيس، أو على وزير، أو على رئيس الدولة، لكن التطاول على أطهر الخلق بعد الأنبياء أصبح أيسر الطرق للشهرة الكاذبة، للشهرة الخبيثة، ما على أحدهم إلا أن يملأ قلمه بمداد نجس، بمداد عفن؛ ليتطاول على أطهر الخلق بعد الأنبياء. أيها الأحبة! أود أن تنتبهوا لهذا التأصيل المهم: لا يجوز البتة لرجل زائف العقيدة، مريض القلب، مجوف الفكر، أن يتطاول أو أن يكتب عن أصحاب النبي؛ لأن الحديث عن الصحابة يتطلب صفاء في العقيدة، وأمانة في النقل، وإخلاصاً في النية، ودقة في الفهم، ونظرة فاحصة مدققة لأراجيف المغرضين والكذابين والوضاعين. على أي حال؛ أنا لا أرى لهؤلاء الأقزام الأنذال الذين يتطاولون على أهل الطهر مثلاً إلا كمثل ذبابة حقيرة سقطت على نخلة تمر عملاقة، فلما أرادت الذبابة الحقيرة أن تطير وتنصرف، قالت لنخلة التمر العملاقة: تماسكي أيتها النخلة؛ فإني راحلة عنك، فردت عليها النخلة العملاقة وقالت: انصرفي أيتها الذبابة الحقيرة! فهل أحسست بك حينما سقطت عليَّ لأستعد لك وأنت راحلة عني؟! هل يضر السماء نبح الكلاب؟! هل يضر السماء أن تمتد إليها يد شلاء؟

стр. 1808

مكانة الصحابة عند الله وعند رسوله الذي رفع قدر أصحاب النبي وزكاهم هو الرب العلي والحبيب النبي، وهذا هو عنصرنا الثاني بإيجاز: مكانة الصحابة عند الله وعند رسوله ﷺ :

стр. 1809

أحاديث في فضل الصحابة في الصحيحين من حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: (خير الناس قرني)، شهادات من الله وشهادات من رسول الله، قال ﵊: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم). وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: (لا تسبوا أصحابي؛ فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه). وفي الصحيحين من حديث أنس أنه قال: (مروا بجنازة والنبي جالس بين الصحابة فأثنوا عليها خيراً، فقال النبي ﵊: وجبت، فمروا بجنازة أخرى فأثنوا عليها شراً، فقال النبي: وجبت، فقال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله! ما وجبت؟ فقال النبي ﵊: مرت جنازة فأثنيتم عليها خيراً فوجبت لها الجنة، ومرت أخرى فأثنيتم عليها شراً فوجبت لها النار، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض). وفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري: (أن النبي نظر يوماً إلى النجوم في أفق السماء، فقال ﵊: النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون). وفي صحيح مسلم من حديث عائذ بن عمرو: أن أبا سفيان مر على نفر من أصحاب النبي فيهم بلال وصهيب وعمار، فلما رأى فقراء الصحابة أبا سفيان قالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها، فلما سمع الصديق ﵁ هذه الكلمة غضب وقال: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟، ثم ترك الصديق الصحابة وانطلق إلى النبي فأخبره بما قالوا وبما قال. وانظر إلى ما قال سيد الرجال ﷺ لـ أبي بكر الرجل الأول في الأمة بعد نبيها، ماذا قال النبي للصديق؟ قال النبي ﷺ : (يا أبا بكر! لعلك أغضبتهم -أي: أغضبت بلالاً وعماراً وصهيباً وسلمان -؟ فلئن كنت أغضبتهم فلقد أغضبت ربك ، ولم لا وهؤلاء هم الذين عوتب فيهم رسول الله، ونزل عليه قول الله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨]؟ فرجع الصديق يجري إلى أصحاب النبي وهو يقول: إخوتاه! أوغضبتم مني؟ فقالوا: لا، يغفر الله لك يا أخي. وأختم بهذا الحديث -وإن كان في سنده مجهول من باب الأمانة العلمية إلا أن متنه تشهد له الأحاديث السابقة-، فقد روى الترمذي من حديث عبد الله بن مغفل أن النبي ﷺ قال: (الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك الله أن يأخذه).

стр. 1810

آيات في فضل الصحابة قال الله جل وعلا لأصحاب النبي ابتداء: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]. فالصحابة هم المخاطبون ابتداء بهذه الآية: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وهم المخاطبون ابتداء بقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]. وهم المخاطبون بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٢ - ١٧٤]. وهم المخاطبون بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٧٤]، والصحابة هم المخاطبون بقول الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨]. والصحابة هم المخاطبون بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح:١٠]. والصحابة هم الذين قال الله في حقهم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٢٩]، والصحابة هم الذين قال الله في حقهم: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥]، والصحابة هم الذين قال الله في حقهم: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٨ - ٩]. لو أردت أن أبين مكانة الصحابة عند الله بآيات مجردة من كتاب الله لاحتجت إلى لقاءات متتالية متوالية، فمكانة الصحابة عند الله عظيمة، ومكانة الصحابة عند رسوله كريمة.

стр. 1811

فضائل الصديق أيها الحبيب! هل يسب هؤلاء؟ هل يسب هؤلاء الذين زكاهم الله وعدلهم وزكاهم رسول الله ﷺ ؟ هل يسب الأطهار؟ هل يسب أبو بكر؟ هل يسب عمر؟ هل يسب عثمان؟ هل يسب علي؟ هل يسب أصحاب النبي ﷺ ؟

стр. 1812

الصديق أقرب الصحابة من رسول الله وأعلمهم به الصديق رضوان الله عليه ذلكم الرجل الكبير في بساطة، القوي في تواضع ورحمة، الصديق رضوان الله عليه الذي بين النبي للأمة مكانته قبل موته بأيام قليلة، يوم ارتقى النبي المنبر فحمد الله وأثنى عليه، والحديث في الصحيحين من حديث أبي سعيد ثم قال ﵊: (إن عبداً من عباد الله خيره الله بين أن يؤتيه من الدنيا ما شاء وبين ما عند الله فاختار ما عند الله)، فقام الصديق ﵁ في المسجد وبكى والتفت إلى حبيبه ومصطفاه وقال: بأبي أنت وأمي -يا رسول الله- فديناك بآبائنا، فديناك بأمهاتنا، فديناك بأموالنا وأنفسنا وأولادنا، وضج الناس بالمسجد، وتعجبوا من صنيع أبي بكر وقالوا: عجباً لهذا الشيخ، الرسول يتكلم عن عبد مخير بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة، فلماذا يقول الصديق هذا؟ إلا أن الصديق -كما قال أبو سعيد - كان أفهم الصحابة لكلام النبي ﷺ . فلقد علم الصديق أن العبد المخير هو المصطفى، فقال النبي: (على رسلك يا أبا بكر. ثم قال: أيها الناس! إن أمن الناس عليَّ في صحبته وماله أبو بكر)، وقال: (ما نفعني مال أحد قط مثلما نفعني مال أبي بكر)، وقال: (كلكم كان له عندنا يد كافأناه بها إلا الصديق، فإنا قد تركنا مكافأته لله ، وقال: (لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخوة وصحبة، وأمرهم في شأن الأبواب التي تطل على المسجد أن يسدوها من ذلك اليوم إلا باب أبي بكر ﵁. وفطن العلماء إلى أن في هذه الكلمة إشارة إلى أن الباب الذي سيظل مفتوحاً بعد موت المصطفى هو باب أبي بكر ﵁، فهو أجدر الصحابة بلا نزاع ليتقدم ليسد فراغاً رهيباً يتركه المصطفى بموته بأبي هو وأمي ﷺ .

стр. 1813

أعظم موقف للصديق من خلال مطالعتي لسيرة هذا الطاهر العملاق أرى أن أعظم وأجل موقف وقفه الصديق لهذه الأمة يوم مات المصطفى ﷺ وطاشت عقول الصحابة، حتى قال الفاروق الأواب عمر: إن رسول الله ما مات، بل ذهب إلى لقاء ربه كما ذهب موسى بن عمران، وليرجعن فيقطع أرجل وأيدي المنافقين الذين يزعمون أنه قد مات. هذا ما قاله عمر الفاروق، فما ظنك بما قاله سائر الصحب الكرام؟ إلا أن الله قد ثبت الصديق ﵁، وتجلى في هذا اليوم إيمانه، واستوى على عرش اليقين يقينه، فشق الصفوف ودخل على غرفة حبيبه رسول الله في حجرة عائشة، فوجد المصطفى مسجى، وعلم أن الأمر قد تم وأن المصيبة قد وقعت، وأن رسول الله قد مات، فقبل الصديق رسول الله، وفي الرواية التي حسنها الألباني في مختصر الشمائل أنه نادى عليه وهو يبكي ويقول: وا نبياه وا نبياه. وا صفياه وا صفياه. وا حبيباه وا حبيباه. وا خليلاه وا خليلاه. ثم قال -كما في لفظ الصحيحين-: (أما الموتة التي قد كتبها الله عليك فقد ذقتها، ولا ألم عليك بعد اليوم)، وخرج الصديق إلى الناس وهو يقول لـ عمر: على رسلك يا عمر. أي: اصبر يا عمر فخطب الناس خطبة عصماء، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على حبيبه المصطفى، ثم قال: أيها الناس! من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. وقرأ قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]، فعقر عمر وسقط على الأرض، وعلم أن حبيبه قد مات. أيا عبد كم يراك الله عاصياًً حريصاً على الدنيا وللموت ناسيا أنسيت لقاء الله واللحد والثرى ويوماً عبوساً تشيب فيه النواصيا إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى تجرد عرياناً ولو كان كاسيا ولو كانت الدنيا تدوم لأهلها لكان رسول الله حياً وباقيا ولكنها تفنى ويفنى نعيمها وتبقى الذنوب والمعاصي كما هيا إذاً: يا راية الله رفرفي إذاً يا خيل الله اركبي إذاً: يا جند الله سيروا. فليتقدم الصديق ليرفع الراية وليواصل المسيرة بعد حبيبه ومصطفاه، إن هذا الموقف كان بمثابة الأسوة الحقيقية التي شدت اتجاه التاريخ إلى هذا العملاق، إلى صديق الأمة الذي لم تنته بركاته على أمة الحبيب محمد، بل بعد موت رسول الله أرسل بعث أسامة ليؤدب القبائل التي اعتدت على حدود الدولة الإسلامية. ومن بركاته على الأمة أنه جمع القرآن بعد معركة اليمامة التي مات فيها عدد كبير من حفاظ القرآن من أصحاب رسول الله، ولم تنته بركاته على الأمة، بل قبل أن يلقى الله اختار عمر بن الخطاب خليفة مكانه لهذه الأمة، وقال: إن سئلت عن ذلك بين يدي ربي أقول: وليت عليهم أقواهم فيما أعلم. فهل بعد هذا يسب الصديق؟ والله إن القلب ليحترق، وإن الكلمات لتتوارى على خجل واستحياء، والله لا أجد في قواميس لغة أهل الأرض جميعاً ما أستطيع أن أعبر به عن هذا الظلم الذي نحياه، أيسب الصديق؟! أيسب أطهر رجل في الأمة بعد المصطفى؟! ما هذا الذل والهوان؟! يا رب! ارفع مقتك وغضبك عنا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم لا تؤاخذنا بما قال السفهاء منا.

стр. 1814

الصديق أحب الرجال إلى رسول الله يسب صديق الأمة رضوان الله عليه، ذلكم العملاق الكبير، وهل تظن أنني أرفع من قدره وأنا أدافع عنه؟! لا وربي، بل أرفع من قدر نفسي ومن قدر إخواني بالذود عن أبي بكر ﵁ وعن جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ومن والاه. هو صديق الأمة، ورفيق النبي في جميع الأحوال، وصاحب النبي في الأسفار، وجار النبي ﷺ في الروضة المحفوفة بالأنوار، السابق إلى التصديق، المؤيد من الله بالمدد والتوفيق، أحب الناس إلى قلب سيد الرجال، ففي صحيح البخاري من حديث عمرو بن العاص قال: (يا رسول الله! أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قال: من الرجال؟ قال: أبوها. قال: ثم من؟ قال: ثم عمر). الصديق الذي لم يتلعثم في إيمانه قط، ولم يتردد طرفة عين، بل كان شعار هذا العملاق الطاهر الكبير إذا تشككت الصدور، وتلعثمت الكلمات والألسنة: (إن كان محمد قد قال ذلك فقد صدق)، قال ذلك في الإسراء وفي الإسلام وفي الحديبية. ولذلك قال عمر -والأثر في مسند أحمد بسند حسن-: (لو وزن إيمان أبي بكر) بإيمان أهل الأرض لرجح إيمان أبي بكر، هذا هو الذي سبق به الصديق جميع أصحاب رسول الله، لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح إيمان أبي بكر ﵁.

стр. 1815

الصديق يدعى من أبواب الجنة كلها الصديق رضوان الله عليه لم يدع سبيلاً من سبل الخير إلا وسلكه. ففي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة (أن النبي ﷺ قال: من أنفق زوجين من الأشياء في سبيل الله يدعى يوم القيامة من أبواب الجنة: يا عبد الله! هذا خير فإن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، وإن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، وإن كان من أهل الجهاد -أسأل الله أن يرفع علمه- دعي من باب الجهاد، وإن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، فقال أبو بكر: يا رسول الله! وهل يدعى أحد من هذه الأبواب كلها؟ قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر). وفي رواية ابن حبان بسند صحيح من حديث ابن عباس: (قال الصديق: وهل يدعى أحد من هذه الأبواب كلها يا رسول الله؟ فقال نعم. وأنت هو -يا أبا بكر - هذه مكانتك وتلك منزلتك). وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة (أن النبي سأل الصحابة يوماً: من أصبح اليوم منكم صائماً؟ فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله! قال: فمن أطعم اليوم منكم مسكيناً؟ فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله! قال: فمن عاد اليوم منكم مريضاً؟ فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله! قال: فمن تبع اليوم منكم جنازة؟ فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة).

стр. 1816

فضل عمر بعض الناس يسب عمر الفاروق الأواب التواب، أيسب الفاروق عمر؟ عمر الذي قدم للناس أسوة لا تبلى ولن تفنى، إنها قدوة تتمثل في رجل كبير أتت الدنيا كلها على عتبة داره بأموالها وذهبها وزخرفها وسلطانها، بأموال كسرى وبأموال قيصر، خضعت كل هذه الزخارف تحت رجل عمر وتحت قدم عمر، فوالله ما تغير، بل قام وسرحها سراحاً جميلاً، وطلقها طلاقاً لا رجعة فيه، قام ليدرأ عن الناس فتنها وشبهاتها ومضلاتها، وقام لينثر في الناس من هذا المتاع الدنيوي خيراً، ثم لما نفض يديه من هذا المتاع الدنيوي الحقير الزائل قام ليستأنف سيره. وانظر إليه، ستراه هنالك بعيداً يجري تحت حرارة شمس محرقة تذيب الصخور والحديد والحجارة، وينظر إليه عثمان ويتساءل: من هذا الذي خرج في هذا الجو القائظ القاتل؟ ولما دنا منه فإذا به أمير المؤمنين، إنه عمر بن الخطاب! وينادي عليه عثمان: يا أمير المؤمنين! يا أمير المؤمنين! ما الذي أخرجك في هذا الجو القائظ؟ فيقول عمر الورع التقي النقي الفاروق الأواب العدل: شرد بعير -جمل- من إبل الصدقة -يا عثمان - وأخشى عليه الضياع فيقول عثمان: تعال إلى الظل يا أمير المؤمنين! وتعال إلى الماء البارد، وكلف أحد عمالك ليأتيك بهذا البعير الشارد، فيقول عمر: عد إلى ظلك، عد إلى مائك البارد يا عثمان أأنت ستسأل عنه أمام الله يوم القيامة؟ وتراه هنالك في موكب آخر قد حنى رأسه، ذلك الرأس العظيم الذي تطاول -ورب الكعبة- ليعانق كواكب الجوزاء، أو إن شئت فقل وأنت صادق: التي تواضعت كواكب الجوزاء لتُشَرِّف من قدرها وهي تتوج رأس عمر، عمر يحني رأسه تحت قدر على نار مشتعلة، وينفخ عمر لينضج طعمة طيبة لأطفال يبكون من شدة الجوع. وتراه هنالك يأخذ امرأته وهي زوجة أمير المؤمنين، فإلى أين يا أمير المؤمنين؟ إلى أين تأخذ امرأتك في هذا الجو المظلم الدامس؟ إلى امرأة مسلمة أدركها كرب المخاض تضع ولا تجد من يساعدها، فيأخذ عمر امرأته لتساعد مسلمة من المسلمين، إنه عمر! وتراه هنالك يمشي ليتفقد أحوال الناس، فيرى إبلاً سمينة عظيمة فيقول عمر: ما شاء الله! إبل من هذه؟ فيقول الناس: إبل عبد الله بن عمر. وكأن حية رقطاء قد أفرغت كل سمها في جوف عمر، فقال: إبل عبد الله بن عمر! ائتوني به. فيأتي عبد الله بن عمر، ومن هو عبد الله بن عمر؟! إمام الزهد، وإمام الورع والتقى، وقائم الليل، وصائم النهار، فيأتي عبد الله ويقف بين يدي والده فيقول له عمر: ما هذه الإبل يا عبد الله؟ فيقول: إبل اشتريتها وهي هزيلة بخالص مالي يا أمير المؤمنين، وتركتها في الحمى لترعى أبتغي ما يبتغيه سائر المسلمين من الربح والتجارة. فيرد عمر: بخ بخ يا ابن أمير المؤمنين! إذا رأى الناس إبلك قالوا: ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين، اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين. فتسمن إبلك ويربو ربحك يا ابن أمير المؤمنين. قال: مرني يا أبت قال: انطلق الآن فبع الإبل وخذ رأس مالك فقط، ورد الربح إلى بيت مال المسلمين. سبحانك يا خالق عمر! سبحانك يا خالق عمر! سبحانك يا خالق عمر! سبحانك هل يسب هذا؟! هل يسب عمر؟! هل يسب الذي قدم لأهل الأرض قدوة يجب على كل مسلم أن يفخر بها؟ وأن يرفع رأسه أنه ينسب لـ أبي بكر وينسب لـ عمر وينسب لـ عثمان وينسب لـ علي. هل يسب عمر؟! هل يسب عمر الذي قال النبي في حقه -والحديث في سنن الترمذي بسند حسن من حديث عبد الله بن عمر -: (إن الله تعالى جعل الحق على لسان عمر وقلبه)، شهادة الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، ليست شهادة من هيئة اليونسكو، ولا من هيئة الأمم، ولا من منظمة مشبوهة خبيثة، ولا من ناد من أندية الروتاري أو الماسونية، بل إن الذي يضع هذا الوسام على صدر عمر هو الصادق الذي لا ينطق عن الهوى. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال المصطفى: (بينا أن نائم إذ رأيتني في الجنة، يقول: ورأيتني إلى جوار قصر وإلى جواره جارية تتوضأ، فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لـ عمر بن الخطاب، فتذكرت غيرتك -يا عمر - فأعرضت -يعني: أعرضت عن النظر إلى الجارية التي بجوار قصرك- فبكى عمر وقال: أومنك أغار يا رسول الله؟). وفي الصحيحين أنه ﷺ قال: (بينا أنا نائم إذ عرض علي الناس وعليهم قمص -جمع قميص- منها ما يبلغ الثديا -جمع ثدي- ومنها ما دون ذلك، إذ عرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره. قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: الدين). وفي الصحيحين من حديث ابن عمر قال: (بينا أن نائم إذ أتيت بقدح لبن فشربت، حتى أني أرى الري يخرج من بين أظفاري ثم أعطيت فضلتي -أي: ما تبقى في القدح من اللبن -لـ عمر بن الخطاب قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: العلم). وأختم بهذا الحديث الذي في الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص قال: (استأذن عمر بن الخطاب على رسول الله ﷺ وعنده نساء من قريش يكلمنه ويستكثرنه عالية أصواتهن، فلما استأذن عمر قمن يبتدرن الحجاب، فأذن له رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ فقال عمر: أضحك الله سنك يا رسول الله -يعني: زادك الله سروراً، ولم يقل: لماذا تضحك يا رسول الله؟ -فقال رسول الله ﷺ : عجبت من هؤلاء اللائي كن عندي، فلما سمعن صوتك قمن يبتدرن الحجاب. قال عمر: فأنت -يا رسول الله- أحق أن يهبن. قال عمر: أي عدوات أنفسهن! أتهبنني ولا تهبن رسول الله؟ قلن: نعم. أنت أفظ وأغلظ من رسول الله. قال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكاً فجاً -أي: تمشي في طريق- إلا سلك فجاً غير فجك). يا خالق عمر سبحانك، هذا ما أستطيع أن أعلق به، والله إننا الآن لفي أمس الحاجة إلى عمر ليطهر شوارعنا من الشياطين التي ملأتها، (لو رآك الشيطان سالكاً فجاً لتركه وسلك فجاً غير فجك). ثم بعد ذلك يسب عمر الذي أذل كسرى، عمر الذي أهان قيصر، عمر الذي أعز الله به الإسلام قديماً وحديثاً، إنا لله وإنا إليه راجعون، إنا لله وإنا إليه راجعون، وهل يسب عثمان؟ وهل يسب علي؟ أكمل بعد جلسة الاستراحة فأراني قد أطلت، وها هي عقارب الساعة تطاردنا، نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يجزي عنا أصحاب سيد الرجال خيراً، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 1817

فضل عثمان بن عفان الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: بإيجاز شديد سأكتفي بحديث واحد في كل صحابي جليل ممن أود أن أتحدث عنهم فهل يسب عثمان الحيي التقي ذو النورين، وصاحب الهجرتين، والمصلي إلى القبلتين، وزوج ابنتي رسول الله ﷺ ؟ عثمان الكريم المعطاء، الذي ما تعرض الإسلام لهجمة إلا ووجدت لتلك الأزمة عثمانها المعطاء، يجود بكل ما يملك بمنتهى الجود والكرم والسخاء، عثمان الحيي الذي ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة (أن أبا بكر استأذن يوماً على رسول الله وهو في حجرة عائشة، وقد اضطجع النبي على يمينه وكشف عن فخذه أو ساقه، فأذن النبي لـ أبي بكر فدخل الصديق فكلم النبي والنبي على هيئته لم يتغير، ثم استأذن عمر فأذن النبي لـ عمر فدخل فكلمه وانصرف والنبي على هيئته لم يتغير، فلما استأذن عثمان على رسول الله جلس النبي وسوى عليه ثيابه وأذن لـ عثمان فدخل فكلم النبي ثم انصرف، ففطنت عائشة الفقيهة لمثل هذا، وقالت: يا رسول الله! استأذن عليك أبو بكر فلم تهتش له ولم تباله، ثم استأذن عليك عمر فلم تهتش له ولم تباله، فلما استأذن عليك عثمان جلست وسويت ثيابك وأذنت له! فقال النبي: يا عائشة! ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة؟!). وعثمان هو الذي وسع المسجد، وعثمان هو الذي اشترى بئر رومة، وعثمان هو الذي جهز جيش العسرة، عثمان الذي ما وجدت أزمة تعصف بالإسلام إلا ووقف لها بكل جود وسخاء وكرم، أيسب عثمان رضوان الله عليه المبشر بالشهادة والمبشر بالجنة من كلام النبي الذي لا ينطق عن الهوى؟!

стр. 1818

فضل علي بن أبي طالب وهل يسب علي رضوان الله عليه وأرضاه؟ اضطر علي يوماً أن يفخر فقال: محمد النبي أخي وصهري وحمزة سيد الشهداء عمي وجعفر ذاك من يمسي ويضحي يطير مع الملائكة ابن أمي وبنت محمد سكني وزوجي منوط لحمها بدمي ولحمي وسبطا أحمد ولداي منها فأيكم له سهم كسهمي علي الفدائي الذي علم الدنيا حقيقة الفداء وشرف البطولة، والذي ظهرت مكانته يوم خيبر عند الله وعند رسوله، قال النبي ﷺ كما في الصحيحين: (لأعطين الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله)، وفي رواية مسلم: قال عمر: والله ما تطلعت إلى الإمارة إلا يومها، ما تمنى عمر أن يكون أميراً إلا في ذلك اليوم، لعله من قال النبي فيه: (ويحبه الله ورسوله). وفي الصباح شق السكون صوت النبي ﵊ وهو يسأل عن هذا القائد الذي سيفتح الله على يديه، والذي يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، فقال: (أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: إنه يشتكي عنيه. قال: أرسلوا إليه. فأرسلوا إليه فجاء علي فمسح النبي على عينه فبرأ، وكأن لم يكن به وجع، وأعطاه الراية وقال: انطلق. فقال: علام أقاتلهم يا رسول الله؟! قال: حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله)، وفي لفظ البخاري: (فلئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم). حب النبي على الإنسان مفترض وحب أصحابه نور وبرهان من كان يعلم أن الله سائله لا يرمين أبا بكر ببهتان ولا أبا حفص الفاروق صاحبه ولا الخليفة عثمان بن عفان ولا علياً أبا السبطين نعم الفتى وصى به المصطفى في سر وإعلان فهم صحابة خير الخلق خصهم الإله بجنات ورضوان

стр. 1819

الصحابة قدوة لمن بعدهم الصحابة هم القدوة فاعرفوا لهم قدرهم أيها الأحبة، قال ابن مسعود: من كان مستناً فليستن بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ﷺ ، كانوا أفضل هذه الأمة، وأبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً. اختارهم الله لصحبة نبيه ولإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم على آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم، يقول ابن مسعود: إن الله تعالى نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد فاصطفاه لرسالته ونبوته، ثم نظر في قلوب العباد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه. وأختم بهذا الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي من حديث العرباض بن سارية قال: (وعظنا رسول الله موعظة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: كأنها موعظة مودع فأوصنا يا رسول الله. فقال: أوصيكم بالسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة). اللهم إنا نشهدك أننا نحب أصحاب نبيك المصطفى، اللهم احشرنا معهم بحبنا لهم وإن قصرت بنا أعمالنا، اللهم احشرنا معهم وإن قصرت بنا أعمالنا، اللهم احشرنا معهم بحبنا لهم وإن قصرت بنا أعمالنا، اللهم احشرنا معهم بحبنا لهم وإن قصرت بنا أعمالنا. اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم اقصف أقلام الحاقدين والمرجفين، اللهم اقصف أقلام الحاقدين والمرجفين بقدرتك يا رب العالمين. اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ولا تؤاخذنا بما قال السفهاء منا، اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم انصر المجاهدين لنصرة دينك في كل مكان برحمتك يا أرحم الراحمين. يا رب! لا تدع لأحد من إخواننا وأخواتنا -في هذا الجمع الكريم- ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفتيه، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ميتاً لنا إلا رحمته، ولا عاصياً بيننا إلا هديته، ولا طائعاً إلا زدته وثبته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين! اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً. اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم إنا نسألك أن تجعل بلدنا مصر واحة للأمن والإيمان وجميع بلاد المسلمين، يا رب! اجعل مصر سخاء رخاء وجميع بلاد المسلمين، وارفع عنها الفتن ما ظهر منها وما بطن والغلاء والوباء والبلاء برحمتك يا أرحم الراحمين، وجميع بلاد المسلمين.

стр. 1820

الحرب على الثوابت [٢] هناك حرب سافرة ضد ثوابت الإسلام وأصوله تلبس قناع حرية الفكر والرأي، وتدعي أن الإسلام يتناقض مع العلم الحديث، وهي حرب يقوم بها أعداء الإسلام من الكفار وأذنابهم من العلمانيين والمستغربين، وقد تصدى لهم علماء الإسلام فكشفوا زيفهم، وبينوا كذبهم وتدليسهم بما لا يدع مجالاً للشك أبداً.

стр. 1821

خطر المفكرين المتلوثين بزبالة أفكار الملحدين الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الفضلاء الأعزاء! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار مقامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! (الحرب على الثوابت) سلسلة منهجية أفند فيها شبهات خطيرة تثار الآن ضد الإسلام، لا على الفرعيات والجزئيات بل على الثوابت والأصول والكليات، ولا يتولى كبرها الملحدون والمستشرقون كما كان الحال قديماً، بل يتولى كبرها ويشعل نيرانها رجال من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا! وصدق ربي جل وعلا إذ يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة:٢٠٤ - ٢٠٦]. وقد وصف النبي هذا الصنف وصفاً دقيقاً في حديثه الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ قال: (كان الناس يسألون رسول الله عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: فهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن، قلت: وما دخنه يا رسول الله؟! قال: قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير -أي الذي شابه الدخن- من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: صفهم لنا يا رسول الله! قال: هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا)، وفي لفظ مسلم قال: (هم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس). أيها الأحبة! لقد ابتلينا في هذه السنوات الماضية بمجموعة من أصحاب الشذوذ الفكري، ممن يسمون -وبكل أسف- بالنخبة من رجال الفكر والفن والأدب، ممن ملئوا أقلامهم بمداد عفن قذر، ووجدوا في الطعن في ثوابت الإسلام أقصر الطرق للوصول إلى الشهرة المزيفة الحقيرة، فما نال سلمان رشدي جائزة الدولة النمساوية إلا إيماناً بآياته الشيطانية، وما نال الطاهر بن جولون جائزة جنكور الفرنسية إلا بروايته الخبيثة التي أسماها: بليلة القدر، وما نال نجيب محفوظ جائزة نوبل إلا بروايته الخبيثة التي أسماها: بأولاد حارتنا، وما نال نصر أبو زيد هذه الشهرة العالمية، وبكى عليه الحاقدون على الإسلام من أمثاله بكاءً مريراً إلا لأنه طعن في ثوابت الإسلام كله من أوله إلى آخره. كل ذلك تحت شعارات رنانة كحرية الفكر والرأي، والخروج من الظلامية والرجعية، وفتح آفاق المعرفة، إلى آخر هذه الشعارات، وأنا قررت من اللقاء الماضي أننا جميعاً مع حرية الفكر والرأي، ونبغض من كل قلوبنا العصبية والرجعية والتزمت، ونرفض أن نعيش في الظلامية والانغلاقية والانهزامية والرجعية. لكن هل التطاول على ذات الله جل وعلا من حرية الفكر والرأي؟! هل الطعن في ثوابت الإسلام وأصوله وكلياته من حرية الفكر والرأي؟! هل السخرية بالملائكة الكرام البررة من حرية الفكر والرأي؟! هل التشكيك في القرآن الكريم من حرية الفكر والرأي؟! هل التطاول على مقام المصطفى ﷺ من حرية الفكر والرأي؟! هل الغمز واللمز للسنة والتشكيك فيها من حرية الفكر والرأي؟! هل الطعن في أصحاب النبي الأطهار من حرية الفكر والرأي؟! هل الدعوة إلى الدعارة العلنية والشذوذ الجنسي -حين يسمونه بالأدب المكشوف- من حرية الفكر والرأي؟! نحتاج قليلاً من الإنصاف والعدل -يا سادة- لنصل إلى الحقيقة، هذا إن كنا نريد بصدق أن نصل إلى الحقيقة، فإن الله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب:٥٧]، وقال الله جل وعلا: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣]، وقال الله جل وعلا: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]. وكان لقاؤنا الماضي من لقاءات هذه السلسلة التي سأقدم لها بهذه المقدمة الثابتة في كل لقاء بإذن الله تعالى، كان لقاؤنا الماضي عن الحرب على أصحاب النبي ﷺ ، ونحن اليوم على موعد مع اللقاء الثاني من لقاءات هذه السلسلة ألا وهو: (الحرب على السنة) وكعادتي حتى لا ينسحب بساط الوقت سريعاً من تحت أقدامنا فسوف أركز الحديث مع حضراتكم في هذا الموضوع الخطير في هذه العناصر المحددة السريعة: أولاً: السنة والحرية. ثانياً: السنة والعقل والعلم الحديث. ثالثاً: السنة والحضارة. فأعيروني القلوب والأسماع جيداً، فإن الموضوع اليوم من الأهمية والخطورة بمكان، لاسيما ونحن نشهد الآن حرباً سافرة فاجرة على الأصل الثاني من أصول الإسلام، ألا وهو: سنة النبي ﵊.

стр. 1822

الحرب على السنة فإن من المصائب الكبيرة التي تهز القلب وتحطم الفؤاد، أن نعيش زماناً نحتاج فيه إلى أن نوضح مكانة السنة في الإسلام، وهل الإسلام إلا كتاب منزل ونبي مرسل يبين مراد الله جل وعلا، وذلك من خلال تفسيره وتوضيحه لكلام الله المنزل تارة، وبقوله وعمله وهديه وسمته وخلقه تارة أخرى؟! فالمصدران الأصليان الرئيسيان للشريعة هما: القرآن والسنة.

стр. 1823

مكانة السنة قد بينت السنة مكانتها مع القرآن، فيقول صاحب السنة كما في الحديث الذي رواه الحاكم في المستدرك، وصححه على شرط الشيخين، وأقره الذهبي والألباني من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض)، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار). وفي الحديث الذي رواه مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إن الله كتب عليكم الحج فحجوا فقام رجل فقال: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت رسول الله ﷺ ، فقال الرجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت رسول الله ﷺ ، ثم قال في الثالثة: لو قلت نعم لوجبت -وهذا تشريع- ذروني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه). وفي صحيح البخاري من حديث جابر بن عبد الله: (أن النبي ﷺ جاءته يوم الملائكة وهو نائم، فقال بعضهم -أي: بعض الملائكة-: إنه نائم وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان. فقال بعضهم: إن لصاحبكم هذا مثلاً فاضربوا له مثلاً، قالوا: مثله كمثل رجل بنى داراً، وجعل فيها مأدبة -وضع فيها طعاماً- وبعث داعيه، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة. قالوا: أولوها له يفقهها -أي: فسروا له هذه الرؤيا أو هذا المثل-. قالوا: فالدار هي الجنة، والداعي هو محمد، فمن أجاب الداعي دخل الدار -أي: دخل الجنة- وأكل من المأدبة -أي: استمتع بنعيمها- فمن أطاع محمداً فقد أطاع الله، ومن عصى محمداً فقد عصى الله، ومحمد فرق بين الناس). والآيات والأحاديث التي تبين حجية السنة كثيرة، ومما يؤيد حجية السنة وأنها ملزمة ومستقلة بالتشريع الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود والترمذي من حديث العرباض بن سارية قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: كأنها موعظة مودع فأوصنا يا رسول الله. فقال: أوصيكم بالسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة). هذه هي حجية السنة بنص القرآن الكريم، وأقول لمن يزعمون أن الإسلام هو القرآن: ها هو القرآن يبين مكانة السنة وحجية السنة، وها هي السنة يبين صاحبها ﷺ مكانة السنة من القرآن، فإن السنة لا تفارق القرآن أبداً حتى يردا الحوض على النبي ﵊.

стр. 1824

السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه فرسول الله صادق لا ينطق عن الهوى. قال الإمام الأوزاعي: القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن، وقال الإمام ابن القيم في كتابه القيم (إعلام الموقعين): السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن تكون السنة موافقة للقرآن من كل وجه، وهذا من باب توارد الأدلة وتظافرها في المسألة الواحدة. الوجه الثاني: أن تكون السنة بياناً وتفسيراً لما أجمله القرآن، فالقرآن الكريم يأمر بالصلاة، فيقول سبحانه: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣]، ويقول سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، فتأتي السنة لتبين كيفية الصلاة وأركان الصلاة وسنن الصلاة وشروط صحة الصلاة إلى غير ذلك، فيقول صاحب السنة: (صلوا كما رأيتموني أصلي). ويأمر القرآن بالحج: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] فيأتي صاحب السنة ليبين مناسك الحج بالتفصيل، وأركان الحج وواجبات الحج وسنن الحج إلى آخر ذلك، ويقول ﵊: (خذوا عني مناسككم). فالوجه الثاني من أوجه السنة مع القرآن: أن تكون السنة بياناً وتفسيراً لما أجمله القرآن. الوجه الثالث من أوجه السنة مع القرآن: أن تكون السنة موجبة لما سكت القرآن عن إيجابه، أو محرمة لما سكت القرآن عن تحريمه. قال المصطفى -كما في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث المقدام بن معد يكرب -: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ألا لا يحل الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة المعاهد)، وفي لفظ: (فإن ما حرم رسول الله كما حرم الله .

стр. 1825

المحاربون للسنة فريقان ونحن نشهد الآن حرباً عاتية على الأصل الثاني الذي هو السنة، وأستطيع باطمئنان كامل أن أقول: إن الذين يعلنون الحرب على السنة الآن ينقسمون إلى فريقين: الفريق الأول: فريق مرق من الدين مروق السهم من الرمية، وذلك لإنكاره حجية السنة بالكلية، وزعمه أن الإسلام هو القرآن فقط دون سنة سيد البشرية. الفريق الثاني: لا ينكر حجية السنة، ولكنه بدعوى التمحيص والتحقيق والعقلانية يطعن في بعض الأحاديث الصحيحة الثابتة في سنة سيد البشرية ﷺ .
следующие страницы →