← Джавами‘

Джавами‘ · id 7703

دروس للشيخ محمد حسان

محمد حسان

Полный текст (1 901 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

خطر المفكرين المتلوثين بزبالة أفكار الملحدين الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الفضلاء الأعزاء! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار مقامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! (الحرب على الثوابت) سلسلة منهجية أفند فيها شبهات خطيرة تثار الآن ضد الإسلام، لا على الفرعيات والجزئيات بل على الثوابت والأصول والكليات، ولا يتولى كبرها الملحدون والمستشرقون كما كان الحال قديماً، بل يتولى كبرها ويشعل نيرانها رجال من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا! وصدق ربي جل وعلا إذ يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة:٢٠٤ - ٢٠٦]. وقد وصف النبي هذا الصنف وصفاً دقيقاً في حديثه الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ قال: (كان الناس يسألون رسول الله عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: فهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن، قلت: وما دخنه يا رسول الله؟! قال: قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير -أي الذي شابه الدخن- من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: صفهم لنا يا رسول الله! قال: هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا)، وفي لفظ مسلم قال: (هم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس). أيها الأحبة! لقد ابتلينا في هذه السنوات الماضية بمجموعة من أصحاب الشذوذ الفكري، ممن يسمون -وبكل أسف- بالنخبة من رجال الفكر والفن والأدب، ممن ملئوا أقلامهم بمداد عفن قذر، ووجدوا في الطعن في ثوابت الإسلام أقصر الطرق للوصول إلى الشهرة المزيفة الحقيرة، فما نال سلمان رشدي جائزة الدولة النمساوية إلا إيماناً بآياته الشيطانية، وما نال الطاهر بن جولون جائزة جنكور الفرنسية إلا بروايته الخبيثة التي أسماها: بليلة القدر، وما نال نجيب محفوظ جائزة نوبل إلا بروايته الخبيثة التي أسماها: بأولاد حارتنا، وما نال نصر أبو زيد هذه الشهرة العالمية، وبكى عليه الحاقدون على الإسلام من أمثاله بكاءً مريراً إلا لأنه طعن في ثوابت الإسلام كله من أوله إلى آخره. كل ذلك تحت شعارات رنانة كحرية الفكر والرأي، والخروج من الظلامية والرجعية، وفتح آفاق المعرفة، إلى آخر هذه الشعارات، وأنا قررت من اللقاء الماضي أننا جميعاً مع حرية الفكر والرأي، ونبغض من كل قلوبنا العصبية والرجعية والتزمت، ونرفض أن نعيش في الظلامية والانغلاقية والانهزامية والرجعية. لكن هل التطاول على ذات الله جل وعلا من حرية الفكر والرأي؟! هل الطعن في ثوابت الإسلام وأصوله وكلياته من حرية الفكر والرأي؟! هل السخرية بالملائكة الكرام البررة من حرية الفكر والرأي؟! هل التشكيك في القرآن الكريم من حرية الفكر والرأي؟! هل التطاول على مقام المصطفى ﷺ من حرية الفكر والرأي؟! هل الغمز واللمز للسنة والتشكيك فيها من حرية الفكر والرأي؟! هل الطعن في أصحاب النبي الأطهار من حرية الفكر والرأي؟! هل الدعوة إلى الدعارة العلنية والشذوذ الجنسي -حين يسمونه بالأدب المكشوف- من حرية الفكر والرأي؟! نحتاج قليلاً من الإنصاف والعدل -يا سادة- لنصل إلى الحقيقة، هذا إن كنا نريد بصدق أن نصل إلى الحقيقة، فإن الله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب:٥٧]، وقال الله جل وعلا: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣]، وقال الله جل وعلا: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]. وكان لقاؤنا الماضي من لقاءات هذه السلسلة التي سأقدم لها بهذه المقدمة الثابتة في كل لقاء بإذن الله تعالى، كان لقاؤنا الماضي عن الحرب على أصحاب النبي ﷺ ، ونحن اليوم على موعد مع اللقاء الثاني من لقاءات هذه السلسلة ألا وهو: (الحرب على السنة) وكعادتي حتى لا ينسحب بساط الوقت سريعاً من تحت أقدامنا فسوف أركز الحديث مع حضراتكم في هذا الموضوع الخطير في هذه العناصر المحددة السريعة: أولاً: السنة والحرية. ثانياً: السنة والعقل والعلم الحديث. ثالثاً: السنة والحضارة. فأعيروني القلوب والأسماع جيداً، فإن الموضوع اليوم من الأهمية والخطورة بمكان، لاسيما ونحن نشهد الآن حرباً سافرة فاجرة على الأصل الثاني من أصول الإسلام، ألا وهو: سنة النبي ﵊.

стр. 1822

الحرب على السنة فإن من المصائب الكبيرة التي تهز القلب وتحطم الفؤاد، أن نعيش زماناً نحتاج فيه إلى أن نوضح مكانة السنة في الإسلام، وهل الإسلام إلا كتاب منزل ونبي مرسل يبين مراد الله جل وعلا، وذلك من خلال تفسيره وتوضيحه لكلام الله المنزل تارة، وبقوله وعمله وهديه وسمته وخلقه تارة أخرى؟! فالمصدران الأصليان الرئيسيان للشريعة هما: القرآن والسنة.

стр. 1823

مكانة السنة قد بينت السنة مكانتها مع القرآن، فيقول صاحب السنة كما في الحديث الذي رواه الحاكم في المستدرك، وصححه على شرط الشيخين، وأقره الذهبي والألباني من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض)، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار). وفي الحديث الذي رواه مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إن الله كتب عليكم الحج فحجوا فقام رجل فقال: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت رسول الله ﷺ ، فقال الرجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت رسول الله ﷺ ، ثم قال في الثالثة: لو قلت نعم لوجبت -وهذا تشريع- ذروني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه). وفي صحيح البخاري من حديث جابر بن عبد الله: (أن النبي ﷺ جاءته يوم الملائكة وهو نائم، فقال بعضهم -أي: بعض الملائكة-: إنه نائم وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان. فقال بعضهم: إن لصاحبكم هذا مثلاً فاضربوا له مثلاً، قالوا: مثله كمثل رجل بنى داراً، وجعل فيها مأدبة -وضع فيها طعاماً- وبعث داعيه، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة. قالوا: أولوها له يفقهها -أي: فسروا له هذه الرؤيا أو هذا المثل-. قالوا: فالدار هي الجنة، والداعي هو محمد، فمن أجاب الداعي دخل الدار -أي: دخل الجنة- وأكل من المأدبة -أي: استمتع بنعيمها- فمن أطاع محمداً فقد أطاع الله، ومن عصى محمداً فقد عصى الله، ومحمد فرق بين الناس). والآيات والأحاديث التي تبين حجية السنة كثيرة، ومما يؤيد حجية السنة وأنها ملزمة ومستقلة بالتشريع الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود والترمذي من حديث العرباض بن سارية قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: كأنها موعظة مودع فأوصنا يا رسول الله. فقال: أوصيكم بالسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة). هذه هي حجية السنة بنص القرآن الكريم، وأقول لمن يزعمون أن الإسلام هو القرآن: ها هو القرآن يبين مكانة السنة وحجية السنة، وها هي السنة يبين صاحبها ﷺ مكانة السنة من القرآن، فإن السنة لا تفارق القرآن أبداً حتى يردا الحوض على النبي ﵊.

стр. 1824

السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه فرسول الله صادق لا ينطق عن الهوى. قال الإمام الأوزاعي: القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن، وقال الإمام ابن القيم في كتابه القيم (إعلام الموقعين): السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن تكون السنة موافقة للقرآن من كل وجه، وهذا من باب توارد الأدلة وتظافرها في المسألة الواحدة. الوجه الثاني: أن تكون السنة بياناً وتفسيراً لما أجمله القرآن، فالقرآن الكريم يأمر بالصلاة، فيقول سبحانه: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣]، ويقول سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، فتأتي السنة لتبين كيفية الصلاة وأركان الصلاة وسنن الصلاة وشروط صحة الصلاة إلى غير ذلك، فيقول صاحب السنة: (صلوا كما رأيتموني أصلي). ويأمر القرآن بالحج: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] فيأتي صاحب السنة ليبين مناسك الحج بالتفصيل، وأركان الحج وواجبات الحج وسنن الحج إلى آخر ذلك، ويقول ﵊: (خذوا عني مناسككم). فالوجه الثاني من أوجه السنة مع القرآن: أن تكون السنة بياناً وتفسيراً لما أجمله القرآن. الوجه الثالث من أوجه السنة مع القرآن: أن تكون السنة موجبة لما سكت القرآن عن إيجابه، أو محرمة لما سكت القرآن عن تحريمه. قال المصطفى -كما في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث المقدام بن معد يكرب -: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ألا لا يحل الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة المعاهد)، وفي لفظ: (فإن ما حرم رسول الله كما حرم الله .

стр. 1825

المحاربون للسنة فريقان ونحن نشهد الآن حرباً عاتية على الأصل الثاني الذي هو السنة، وأستطيع باطمئنان كامل أن أقول: إن الذين يعلنون الحرب على السنة الآن ينقسمون إلى فريقين: الفريق الأول: فريق مرق من الدين مروق السهم من الرمية، وذلك لإنكاره حجية السنة بالكلية، وزعمه أن الإسلام هو القرآن فقط دون سنة سيد البشرية. الفريق الثاني: لا ينكر حجية السنة، ولكنه بدعوى التمحيص والتحقيق والعقلانية يطعن في بعض الأحاديث الصحيحة الثابتة في سنة سيد البشرية ﷺ .

стр. 1826

حجية السنة هذان فريقان: فريق ينكر السنة بالكلية، وفريق يشكك في السنة بالطعن في بعض الأحاديث الثابتة الصحيحة بدعوى العقل أو التمحيص أو التحقيق، والله ﵎ قد بين لنا في قرآنه مكانة السنة، وأنه لا غنى أبداً للقرآن عن السنة، وأن السنة لها حجية ملزمة، قال الإمام الشوكاني في إرشاد الفحول: إن ثبوت حجية السنة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية، ولا يخالف ذلك إلا من لا حظ له في الإسلام. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧]، وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١٣٦]. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء:٦٠ - ٦١]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥١ - ٥٢]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩]. قال ميمون بن مهران ﵀: الرد إلى الله هو الرجوع إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو الرجوع إليه في حياته وإلى سنته بعد مماته. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح:١٠]، وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]. آيات كثيرة تبين لنا حجية السنة ومكانة السنة، وأن رسول الله لا ينطق عن الهوى، وقال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:١ - ٤]. وقال تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة:٣٨ - ٤٧].

стр. 1827

السنة والعقل والعلم الحديث المحور الثاني من محاور الحرب على السنة والتشكيك في السنة هو -بزعم المشككين- أن السنة مشحونة بالأحاديث التي تصطدم اصطداماً مباشراً مع العقول السوية، بل وتنقض من الأساس النظريات العلمية، وهذا هو عنصرنا الثاني: السنة والعقل والعلم الحديث. وأرجو أن تركزوا معي جيداً في هذا العنصر المهم؛ لأننا الآن نرى إلهاً جديداً يعبد يسمى العلم أو العقل، وأنا لا أقلل أبداً من شأن العلم، ولا من قدر العقل، بل أقول بأعلى الصوت وملء الفم: إن الإسلام دين يقدر العقل، ويدعو إلى العلم، ويكفي أن نعلم أن من أول الآيات التي نزلت على قلب المصطفى ﷺ : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، وهي دعوة إلى العلم، والآيات والأحاديث التي تدعو إلى التدبر والتفكر والتعقل كثيرة. فأنا لا أقلل من شأن العقل ولا من قدر العلم، لكن لا ينبغي أن يصير العقل والعلم طاغوتاً جديداً ينصب نفسه حاكماً على صريح القرآن وصحيح سنة النبي ﵊، فقالوا: السنة مشحونة بالأحاديث التي تصطدم مع العقول السوية، وتخالف النظريات العلمية.

стр. 1828

شبهات على السنة وردود من طعنهم في السنة قولهم: هل يعقل إذا ولغ الكلب في إناء من الآنية أن نغسل هذا الإناء سبع مرات بالماء وأن نغسله مرة بالتراب؟ ما هذا الانغلاق؟! ما هذا الضيق؟ أنتم تعيشون في عصر الإنترنت، وعصر أتوبيس الفضاء ديسكفري، كيف تقولون مثل هذا الكلام الذي يحول بين الغرب وبين الإسلام؟! هذا القول: إذا ولغ الكلب في الإناء يجب أن نغسل الإناء بالتراب مرة أمر لا يقره العقل! وكذلك إذا وقعت الذبابة في السائل كيف نغمس الذبابة في السائل بدعوى أنها تحمل في جناح من جناحيها الداء، وتحمل في الجناح الآخر الدواء؟! ما هذا؟! أمر لا يقبله العقل، بل ويصطدم اصطداماً مباشراً مع الرقي والحضارة والمدنية! وكان من الواجب أن يكون السؤال هكذا: هل ثبت فعلاً أن رسول الله قال ذلك؟ هذا هو الأدب، ولا حرج على الإطلاق عند من يعبدون العقل ويقدسون العلم أن يمحصوا ويحققوا ويبحثوا بالأصول الحديثية التي وضعها الفحول من أهل الحديث ليتعرفوا على صحة السند والمتن، وعند معرفتهم أن الحديث ثابت وصحيح كان من الواجب عليهم أن يصدقوا كلام النبي ولو لم تدركه العقول، حتى ولو صادم نظرية من النظريات العلمية. قد تقول: كيف ذلك؟ نقول: ابتداءً هناك اتفاق بين علماء الأرض قاطبة أن النظريات العلمية لا تقدم حقائق يقينية ثابتة مطلقة لا تزيد ولا تنقص، ولا تحتمل التبديل ولا التغيير أبداً، وهذا اتفاق عام بين علماء الأرض أن النظريات العلمية ما هي إلا احتمالات، وليعذرني القارئ إن استشهدت ببعض أقوال العلماء الكافرين؛ لأن المنتسبين لإسلامنا ممن يشككون في السنة إذا جاءهم الوحي من رسول الله كذبوه، وإذا جاءهم الوحي من أوروبا صدقوه. يقول العالم الإنجليزي الشهير سرجن: (إن كل ما يستطيع العلم الحديث أن يقدمه إلى الآن ما هو إلا احتمالات)، فتخرج نظرية علمية لتهدم نظرية علمية سابقة، أو على الأقل لتنقض أصلاً من أصولها، أو لتزيد عليها أو لتنقص منها، وهذا أمر ثابت متفق عليه، فكان من الواجب أن نبحث: هل قال رسول الله ذلك؟ فإن كان الجواب بـ (نعم)، كان من المحتم اللازم أن نصدق كلام حبيبنا ونبينا وإن لم تدرك عقولنا مراد النبي، حتى ولو خالف نظرية من النظريات العلمية؛ لأن النظريات العلمية ما هي إلا احتمالات، وليست حقائق يقينية مطلقة ثابتة. فهل قال رسول الله حقاً مثل هذا؟ الجواب نعم. ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات إحداهن بالتراب)، وفي رواية: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب). وفي صحيح البخاري وسنن أبي داود من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه أو لينزعه؛ فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء). فما الذي قاله العلم الحديث؟ وأرجو أن يفهم الطلاب أنني لا أريد الآن أن أصدق بالعلم الحديث كلام النبي ﷺ ، كلا، فالمسلم الصادق لا يحتاج إلى دليل من العلم ليصدق به كلام الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، لكن أود أن أبين لعباد العلم والعقل ما الذي توصل إليه العلم الحديث في هاتين القضيتين الخطيرتين الكبيرتين: في قضية ولوغ الكلب، وفي قضية سقوط الذبابة في السائل، فقد كانوا يعلنون الحرب ويقيمون الدنيا ولا يقعدونها حينما يقول عالم من علماء الإسلام أو الحديث ذلك، فما الذي توصل إليه العلم في السنوات القليلة الماضية؟ تدبر معي وارفع رأسك لأنك تنسب إلى رسول الله. توصل أشهر عالم من علماء الطفيليات في العالم، وهو البروفسور أليسون -وهو عالم إنجليزي شهير ما زال حياً يرزق-، وهو من الأساتذة الإنجليز الذين يشرفون على أيِّ رسالة لأيِّ طبيب من أطباء العالم يتقدم للحصول على الزمالة البريطانية، فمن بين هؤلاء المتخصصين هذا العالم أليسون، ماذا قال؟ الرجل لما سمع يوماً حديث سيد البشرية في قضية ولوغ الكلب تعجب وأجرى الدراسات والتجارب العلمية، وهو رجل لا يدين بالإسلام، وبعد إجراء التجارب العلمية قال: وجدنا في علم الطفيليات أن الكلب يحمل في لعابه أكثر من خمسين مرضاً. والعجيب أن الإناء الذي ولغ فيه الكلب لا يطهره الماء من كل الطفيليات والميكروبات التي نزلت مع ولوغ الكلب، فقالوا: نجرب كلام محمد ﷺ فغسلوا الإناء بالتراب مرة ثم أقاموا الدراسات والتجارب، فلم يجدوا أثراً لميكروب واحد في الإناء بعدما غسلوه بالتراب، فمن الذي علم المصطفى ذلك؟ هذه حقيقة علمية هائلة لم تكتشف إلا في السنوات القليلة الماضية، مع أن المصطفى قد ذكرها منذ أربعة عشر قرناً، ألم يقل ربنا: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣]؟ فهذه تجربة علمية أثبتت أن الكلب إذا ولغ فإنه يخرج من لعابه أكثر من خمسين مرضاً، وأن الماء وحده لا يكفي لتطهير الإناء من الطفيليات والميكروبات التي يخرجها الكلب في لعابه، فلما غسلوا الإناء بالتراب لم يجدوا أثراً لميكروب واحد من الميكروبات التي أفرزها الكلب في لعابه، وصدق المصطفى، بل وصدق رب المصطفى الذي يقول: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣]. وفي عام واحد وسبعين وثمانمائة وألف من الميلاد اكتشف العالم الألماني بريتلد -من جامعة (هال) الألمانية- أن الذبابة تحمل نوعاً من أنواع الجراثيم التي تسبب أمراض الحميات كالتيفود والدوسنتاريا وغير ذلك، ثم أثبت هذا العالم أيضاً أن الذبابة في الوقت ذاته تحمل نوعاً أو طفيلاً من جنس الفطريات سماها هذا العالم - بريتلد - (الموزاموسكي)، وقال: في الوقت الذي تحمل فيه الذبابة الجراثيم التي تسبب أمراض الحميات كالتيفود والدوسنتاريا فإن الذبابة في الوقت ذاته تحمل طفيلياً من جنس الفطريات يسمى الموزاموسكي، هذا الفطر يفرز مادة تحتوي على مضادات حيوية تقضي تماماً على الجراثيم التي تحملها الذبابة في جناحها الأول. وجاءت التجارب العلمية بعد ذلك لتؤكد صحة ما وصل إليه بريتلد، بل ولتقف على الخصائص العجيبة لهذا الفطر الذي تحمله الذبابة على شكل دوائر، فاكتشفوا خصائص عجيبة لهذا الفطر الذي يقضي على الجراثيم التي تحملها الذبابة في الجناح الأول، وقالوا: إن جراماً واحداً من هذا الفطر الذي تحمله الذبابة على شكل دوائر مستديرة كفيل بحفظ ألفي لترٍ من اللبن الملوث بهذه الجراثيم. ثم وصلوا إلى حقيقة أعجب، وخذها بقلبك وعقلك لتفخر بأنك من الموحدين، وبأنك من أمة سيدنا النبيين، وصلوا إلى حقيقة علمية مذهلة، فقد قالوا: والعجيب أن هذه المادة التي تخرج من الفطر الذي في جسم الذبابة لا تفرز أبداً إلا بعد غمس الذبابة في السائل. من الذي علم المصطفى ذلك؟ المصطفى رسول ليس عالم طب، وليس عالم فلك، وليس عالم جيولوجيا، وليس عالم هندسة، بل إن المصطفى رسول من عند الله، لا ينطق عن الهوى بل ينطق عن الله جل في علاه. قالوا: إن الذبابة لا تفرز المادة للقضاء على الجراثيم التي تفرزها الذبابة من جناحها الأول إلا بعد غمس الذبابة في السائل، وأود أن أفرق بين غمس الذبابة في السائل للتصديق بهذه الحقيقة النبوية وبين أن يجد المرء من نفسه عدم القدرة على تناول السائل، فهذا أمر آخر، لا أنكر عليك إن لم تستطع أن تشرب السائل، فلقد عرض على النبي لحم الضب فلم يأكله، فقالوا: (أحرام هو يا رسول الله؟! قال: لا غير أني أجدني أعافه)، فلا حرج، لكن الحرج في أن تكذب رسول الله، وحين يأتيك الوحي من ألمانيا تصدق بعد ذلك أن ما قاله المصطفى هو الحق الذي لا محيد عنه، من الذي علم رسول الله هذه الحقائق العلمية الهائلة التي لم تكتشف إلا في السنوات القليلة الماضية؟!

стр. 1829

الإعجاز العلمي في القرآن دليل على أن الرسول حق أيها المسلمون! من الذي علم محمداً ﷺ أن القمر قد محي ضوءه بعدما كان مشتعلاً في أول الأمر، وأن النور الذي نراه منه في الليل ما هو إلا انعكاس لكوكب الشمس، قال تعالى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء:١٢]. من الذي علم محمداً ﷺ هذه الحقيقة العلمية الهائلة التي لم تكتشف إلا في السنوات القليلة الماضية؟! ومن الذي علم محمداً ﷺ أن كل جبل على سطح الأرض له في باطن الأرض سن مدبب كالوتد؟ قال تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ:٧]، من الذي علمه هذه الحقيقة العلمية الهائلة التي لم تكتشف إلا في السنوات القليلة الماضية؟ ومن الذي علم محمداً ﷺ أن الأعصاب التي تتألم بالحرق أو بشدة البرد لا توجد إلا في الجلد فقط؟ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:٥٦]، من الذي علم محمداً هذه الحقيقة العلمية الهائلة التي لم تكتشف إلا في السنوات القليلة الماضية؟ ومن الذي علم محمداً أن موج البحر بسطحه المائل يشتت الضوء الذي ينعكس عليه فيكون خلفه ظلمة حالكة؟ قال تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠]، من الذي علم محمداً هذه الحقيقة العلمية الهائلة التي لم تكتشف إلا في السنوات القليلة الماضية؟ قال جل وعلا: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:١ - ٥]. وقال جل وعلا: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة:٣٨ - ٤٧]. وهكذا يتبين لكل عاقل منصف أن المصطفى لا ينطق عن الهوى، بل لا يصادم كلام الرب العليم ولا كلام الحبيب النبي أي نظرية صحيحة.

стр. 1830

السنة لا تعارض العلم الحديث ليصنع الإنسان الإنترنت، ليصنع القنبلة النووية، لكن لا ينبغي أن يتخطى طوره وأن يتعدى حدوده ومكانته، فيجعل من نفسه حاكماً على صريح القرآن وصحيح كلام النبي ﵊. العقل في الجانب العقدي والإيماني لابد أن يذعن لكلام الرب العلي الذي أنزله على لسان الحبيب النبي ﷺ ؛ لأن هذا لا يتعرف عليه بالعقل وإنما من خلال الوحي، كيف وأعقل أهل الأرض -بلا نزاع- هو المصطفى ﷺ ومع ذلك لم يستطع النبي ﷺ بعقله المجرد أن يصل إلى حقائق الإيمان والوحي إلا بعدما نزل عليه كلام الله جل وعلا؟ قال الله تعالى لنبيه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]. ورحم الله ابن القيم إذ يقول: لا يستقل العقل دون هداية بالوحي تأصيلاً ولا تفصيلاً كالطرف دون النور ليس بمدرك حتى يراه بكرة وأصيلاً نور النبوة مثل نور الشمس للعين البصيرة فاتخذه دليلا فإذا النبوة لم ينلك ضياؤها فالعقل لا يهديك قط سبيلا طرق الهدى محدودة إلا على من أم هذا الوحي والتنزيلا فإذا عدلت عن الطريق تعمداً فاعلم بأنك ما أردت وصولا يا طالباً درك الهدى بالعقل دو ن النقل لن تلقى لذاك دليلا أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 1831

السنة والحضارة الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: المحور الثالث من محاور الحرب على السنة أنهم يعلنون أن السنة لا تليق إلا لحياة البداوة، ولا تتناسب مع الحياة الحضارية العلمية المادية الحديثة، وهذا هو عنصرنا الثالث السنة والحضارة. أيها الحبيب: لا خلاف بين أهل العلم أن أيَّ حضارة لا بد لها من عنصرين رئيسيين: ألا وهما العنصر المادي والعنصر الأخلاقي، وتنبه لهذا الكلام جيداً، فإنه يشوش علينا من يسمون بالنخبة، ويزعمون أنهم -فقط- هم الذين يفهمون ويحسنون، أما من ينتسبون إلى الإسلام فهم لا يفهمون ولا يحسنون أي شيء. من المتفق عليه أن أيَّ حضارة على وجه الأرض لابد لها من عنصرين لا تقوم الحضارة إلا بهما، ألا وهما العنصر المادي والعنصر الأخلاقي، وهناك اتفاق أيضاً على أن الحضارة لا كيان لها ولا كرامة إلا إذا سخرت العنصر المادي لخدمة العنصر الأخلاقي، فما قيمة المادة إذا كانت سبباً في هلاك الإنسان؟! ما قيمة المادة إذا كانت سبباً في شقائه وضنكه وتعاسته؟! إن الحضارة الغربية المادية الآن حضارة مجنونة بكل المقاييس، حضارة تبني وتعمر وتدمر وتهدم بالحروب المتوالية في آن واحد، ثم ينادي أصحاب هذه الحضارة على العالم كله لجمع التبرعات لإعادة تعمير ما دمروه مرة أخرى، إنه جنون رسمي.

стр. 1832

فضل حضارة الإسلام انظر إلى حضارة الإسلام، ماذا قال محمد صاحب السنة ﷺ ؟ جاء ليؤصل الحضارة تأصيلاً، وأنت تعلم -ولا ينكر ذلك منصف على وجه الأرض- أن الأوروبيين قد استمدوا الحضارة في عنصرها المادي الأول من المسلمين في الأندلس، كانت الأندلس مضاءة بضوء الكهرباء في الوقت الذي كان فيه أهل فرنسا يعيشون في الوحل والظلام، فالجانب المادي من عندنا أيضاً، لكن المسلمين انتكسوا وتركوا المنهج وحادوا عن الطريق، فزلوا في الجانب الخلقي وفي الجانب المادي، وأنا أقرر ذلك بأعلى صوتي وملء فمي من باب العدل والإنصاف، فإن المسلمين قد تخلوا عن العنصر الخلقي والمادي الآن، فتعرضوا لهذا الذل والهوان على يد ابن الحضارة الغربية التي امتطى جوادها الآن. سقى ابن هذه الحضارة المسلمين كئوس الذل والهوان أشكالاً وألواناً، بينما جاء المصطفى ليؤصل وليبين معنى الحضارة بمفهومهم هم، فتدبر معي هذه الطائفة الكريمة من الأحاديث- قال ﵊: (من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل)، وفي رواية عتبان بن مالك: (فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله تعالى). ولا زالت الحضارة المادية الأرضية كلها تتخبط في تصورها للإله الذي خلق وأبدع ودبر، لا زالت تتخبط في فهمها للحياة الدنيا، وفي فهمها للحياة الآخرة، وفي فهمها لحياة البرزخ، فجاء النبي فوضح لنا كل هذه الحقائق، وقال ﵊ -كما في الحديث الذي رواه أحمد بسند صحيح: (ألا إن ربكم واحد، ألا إن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، قال تعالى: ((إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)) [الحجرات:١٣]). وفي الصحيحين أن امرأة من بني مخزوم سرقت، وكانت شريفة من الأشراف، فقالت قريش: كيف يقطع النبي يد شريفة؟ فقالوا: من يشفع لها عند رسول الله، قالوا: لا يشفع لها إلا حب رسول الله أسامة بن زيد، فلما انطلق أسامة ليشفع لهذه المرأة غضب النبي وقال: (أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة؟ وارتقى النبي المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: إنما هلك من كان قبلكم بأنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها). هذا وتتغنى الحضارة الغربية بأنها أول من أصلت قضية الرفق بالحيوان! لا وألف لا، فقبل أربعة عشر قرناً قال نبينا ﷺ كما في صحيح مسلم من حديث شداد بن أوس: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته)، وهو الذي قال كما في الصحيحين: (بينما بغي -يعني: زانية- من بغايا بني إسرائيل تمشي إذ مر عليها كلب يأكل الثرى من العطش، فعادت إلى بئر ماء، فملأت موقها ماء وقدمته للكلب فشرب، فغفر الله لها بذلك)، وهو الذي قال كما في الصحيحين: (دخلت امرأة النار في هرة -قطة- حبستها، فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض).

стр. 1833

جهل من زعم أن السنة لا تتفق مع الحضارة هذا نبينا، وهذه حضارتنا، وهذا إسلامنا، فالذي يقول بأن السنة لا تتفق مع حضارة العصر ولا تتفق إلا مع حياة البداوة، إنما هو جاهل جهلاً عريضاً، بل إن السنة هي التي أصلت معاني الحضارة التي يسعد بها الإنسان في الدنيا، ويسعد بها الإنسان في الآخرة. والله لولا خشية الإطالة لوقفت مع صاحب هذه الحضارة المصطفى ﷺ وقفة طويلة طويلة؛ ليفخر كل موحد لله جل وعلا أن خلقه الله موحداً وأرسل إليه محمداً. فاللهم كما خلقتنا موحدين، وجعلتنا من أمة سيد النبيين، توفنا على التوحيد يا أرحم الراحمين، واحشرنا في زمرة سيد العالمين، اللهم اختم لنا منك بخاتمة الموحدين، واحشرنا في زمرة سيد النبيين، ورد الأمة إلى السنة بعد القرآن رداً جميلاً يا أرحم الراحمين، اللهم رد الأمة إلى القرآن والسنة رداً جميلاً، اللهم رد الأمة إلى القرآن والسنة رداً جميلاً. اللهم وكما آمنا بحبيبك المصطفى ولم نره، فلا تفرق بيننا وبينه حتى تدخلنا مدخله، وأوردنا حوضه الأصفى، واسقنا منه شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبداً يا رب العالمين. اللهم اجعل كل جمع لنا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا ولا معنا شقياً ولا محروماً، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى. اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا. اللهم انصر إخواننا في الشيشان، اللهم انصر إخواننا في الشيشان، اللهم احفظهم بحفظك يا رحيم يا رحمن، اللهم زلزل الأرض من تحت أقدام الشيوعيين الملحدين، اللهم زلزل الأرض من تحت أقدام الشيوعيين الملحدين، اللهم املأ قلوب الملحدين ناراً، واملأ بيوت الملحدين ناراً، اللهم املأ قلوب الملحدين ناراً، واملأ بيوت الملحدين ناراً، اللهم نج آباءنا وإخواننا ونساءنا وبناتنا من بين أيديهم يا رب العالمين، اللهم سلط الظالمين على الظالمين، وأخرج المسلمين من بينهم سالمين غانمين. يا رب! فرج الكرب عن أمة سيد النبيين، يا رب! فرج الكرب عن أمة سيد النبيين، اللهم إنه قد طال الليل فائذن للفجر أن ينجلي، اللهم إنه قد طال الليل فائذن للفجر أن ينجلي، اللهم إنه قد طال الليل فائذن للفجر أن ينجلي، يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نشكو إليك خيانة الخائنين، وظلم الظالمين، وجحود الجاحدين، ونفاق المنافقين، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ارحم ضعفنا، وارحم ضعفنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، واغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وفرج كروبنا، واكشف همنا، وأزل غمنا، وفك أسرنا، وفك أسرنا، وفك أسرنا، وتولَّ أمرنا، واختم بالصالحات أعمالنا، لا إله لنا سواك فندعوه، لا إله لنا سواك فندعوه، لا إله لنا سواك فندعوه، ولا رب لنا غيرك فنرجوه، ولا رب لنا غيرك فنرجوه، ولا رب لنا غيرك فنرجوه. يا منقذ الغرقى! يا منقذ الغرقى! ويا سامع كل نجوى! ويا سامع كل نجوى! يا عظيم الإحسان! يا عظيم الإحسان! يا عظيم الإحسان! يا دائم المعروف! يا ودود! يا ودود! يا ذا العرش المجيد! يا فعال لما يريد! يا من ملأ نوره أركان عرشه! يا غياث المستغيثين! يا غياث المستغيثين! يا غياث المستغيثين! يا غياث المستغيثين! يا غياث المستغيثين! أغثنا يا رب العالمين. أغثنا يا رب العالمين. أغثنا يا رب العالمين. اللهم انصر الإسلام والمسلمين، اللهم انصر الإسلام والمسلمين، اللهم انصر الإسلام والمسلمين، وانصر التوحيد والموحدين، برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم اجعل بلدنا مصر واحة للأمن والأمان وسائر بلاد المسلمين، وارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن يا أرحم الراحمين. هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه، وأن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويلقى به في جهنم.

стр. 1834

حقيقة الحضارة الغربية الحضارة الغربية المادية الحديثة وحضارة ذئاب، وحضارة ثعالب، وحضارة أفاعٍ، وحضارة وحوش، بل والله إن ابن هذه الحضارة المادية يفعل الآن بالإنسان ما تخجل الوحوش الضارية أن تفعله ببعضها في عالم الغابات. الحضارة المادية هي التي دمرت (هيروشيما) و (ناجازاكي) بالقنابل النووية وسحقتها سحقاً. الحضارة المادية الحديثة هي التي أبادت تماماً شعب الهنود الحمر. الحضارة المادية الحديثة هي التي طحنت البوسنة طحناً، واستخدمت -لأول مرة في تاريخ البشر- الأطفال المساكين الصغار كدروع بشرية واقية، بل واستخدمتهم لحرق معسكرات بكاملها بعد تفخيخ الأطفال الصغار المساكين بالأسلحة المتفجرة وعن طريق التحكم عن بعد بما يسمى بالرموتكنترول يفجرون من أطفال المسلمين في البوسنة بالألغام التي يحملونها ليدمروا المعسكرات المسلمة، لأول مرة في تاريخ الإنسانية يستخدم مثل هذا. الحضارة المادية هي التي تبيد الآن شعب الشيشان بعد البوسنة وكوسوفا، إنها حضارة الذئاب، وحضارة الوحوش، وحضارة الثعالب، وحضارة الأفاعي، وحضارة البربرية، ما قيمة ما توصلوا إليه في الجانب المادي في الوقت الذي يستخدمون فيه هذا الجانب لشقاء الإنسان ولبؤسه وتعاسته؟! ما قيمة هذا الجانب المادي إن لم يسخر للجانب الأخلاقي في الحضارة؟! انظروا إلى الجانب الحضاري في حضارة الغرب حتى لا تنخدعوا بالغرب: قالوا لنا ما الغرب قلت صناعة وسياحة ومظاهر تغرينا لكنه خاوٍ من الإيمان لا يرعى ضعيفاً أو يسر حزينا الغرب مقبرة المبادئ لم يزل يرمي بسهم المغريات الدينا الغرب مقبرة العدالة كلما رفعت يُد أبدى لها السكينا الغرب يحمل خنجراً ورصاصة فعلام يحمل قومنا الزيتونا كفر وإسلام فأنى يلتقي هذا بذلك أيها اللاهونا أنا لا ألوم الغرب في تخطيطه لكن ألوم المسلم المفتونا وألوم أمتنا التي رحلت على برد الخضوع ترافق التنينا وألوم فينا نخوة لم تنتفض إلا لتضربنا على أيدينا يا مجلس الأمن المخيف إلى متى إلى متى تبقى لتجار الحروب رهينا وإلى متى ترضى بسلب حقوقنا منا وتطلبنا ولا تعطينا لعبت بك الدول الكبار فصرت في ميدانهن اللاعب الميمونا شكراً لقد أبرزت وجه حضارة غربية لبس القناع سنينا شكراً لقد نبهت غافل قومنا وجعلت شك الواهمين يقيناً يا مجلس الأمن انتظر إسلامنا سيريك ميزان الهدى ويرينا إن كنت في شك فسل فرعون عن غرق وسل عن خسفه قارونا إنها حضارة ذئاب، وحضارة وحوش تحمل الخنجر والرصاص، لكن انظر إليهم في الجانب العقدي والخلقي، لازالت الحضارة المادية الغربية إلى الآن تعبد عيسى بن مريم من دون الله، لازالت تدافع عن العنصرية اللونية البغيضة، لازالت تدافع عن الشذوذ الجنسي، وتتغنى بتحرير المرأة وهي تمتهن المرأة امتهاناً، تتلهى بالمرأة في سن شبابها وجمالها، وترمي بالمرأة في إحدى دور العجائز والمسنين إذا ما كبر سنها في الوقت الذي يتغنى فيه هؤلاء الكذابون بتحرير المرأة وبأن الإسلام قد ظلم المرأة.

стр. 1835

الحرب على الثوابت [٣] هناك حرب دائرة على ثوابت الدين الإسلامي وأصوله، يدير هذه الحرب أناس من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، وهذه الحرب ليست وليدة اليوم، بل لقد بدأت منذ بزوغ فجر الإسلام، فكم أوذي النبي ﵊ في مكة والطائف! ثم في المدينة من المنافقين واليهود، بل وبعد موته، وإلى الآن يطعن فيه من أعمى الله بصيرته، ولكن أهل العلم لهم بالمرصاد، فقد قاموا بتوفيق الله بنسف شبههم وفضح أكاذيبهم.

стр. 1836

محاربة المنافقين العصريين للدين تحت شعار حرية الفكر والرأي إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. فاللهم! اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الفضلاء الأعزاء! وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الكريم الحليم جل وعلا الذي جمعني مع حضراتكم في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار مقامته إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! (الحرب على الثوابت) سلسلة منهجية جديدة أفند فيها شبهات حقيرة في حرب خطيرة أعلنت على ثوابت وأصول وأركان الإسلام، ومنذ أن بزغ فجره واستفاض نوره، وما زالت هذه الحرب وستستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فالصراع بين الحق والباطل لا ينتهي. وسر الخطر في هذه المرحلة أن الذي يعلن الحرب على هذه الثوابت ليس المستشرقون والملحدون فحسب كما كان الحال قديماً، ولكن الذي يشعل نيرانها ويتولى كبرها رجال ونساء من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، وإن مؤتمراً المرأة في مصر بلد الأزهر في الأيام الماضية لمن أعظم الأدلة العملية على ما أقول. والذي يؤلم القلب أن هذه الفئة التي تعلن الحرب على الثوابت تسمى في بلاد المسلمين بالنخبة من رجال الفكر والفن والأدب، يهدمون الدين باسم الدين، ويعلنون الحرب على الإسلام باسم الإسلام، وقد أحيطوا في الوقت ذاته بهالة من الدعاية الكاذبة تغطي انحرافهم وتستر جهلهم وتنفخ فيهم ليكونوا شيئاً مذكوراً، وهم في الحقيقة كالطبل الأجوف يسمع من بعيد، وباطنه من الخيرات خال. يعلنون الحرب تحت شعارات خداعة براقة، كحرية الفكر والرأي، وكفتح آفاق المعرفة، وكالخروج من الانهزامية والظلامية والانغلاقية والرجعية، إلى آخر هذه الدعاوى الهلامية والشعارات البراقة. وأنا أقول: ما علاقة حرية الفكر والرأي بهدم ثوابت وأصول الإسلام؟ هل التطاول على ذات الله من حرية الفكر والرأي؟ وهل التشكيك في القرآن الكريم من حرية الفكر والرأي؟ وهل التشكيك في السنة وإنكار قدسيتها من حرية الفكر والرأي؟ وهل الغمز واللمز في الملائكة الكرام البررة من حرية الفكر والرأي؟ وهل التطاول على مقام النبي ﷺ من حرية الفكر والرأي؟ وهل الغمز واللمز في الصحابة من حرية الفكر والرأي؟ وهل المناداة بمساواة الرجل مع المرأة في الميراث، والمناداة بإلغاء العدة، والمناداة بإلغاء قوامة الرجل على المرأة من حرية الفكر والرأي؟ قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب:٥٧]، وقال الله جل وعلا: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]. ويقول جل وعلا: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣] أي: مالكم لا توحدون الله حق توحيده، ولا تعبدون الله حق عبادته، ولا تقدرون الله حق قدره. هذه مقدمة ثابتة أقدم بها لهذه السلسلة، ونحن اليوم على موعد مع اللقاء الثالث من لقاءات هذه السلسلة، وكنت قد تحدثت في اللقاءين الماضيين عن الحرب على الصحابة والحرب على السنة، وحديثنا اليوم بإذن الله تعالى عن: الحرب على صاحب السنة ﷺ . وكعادتي حتى لا ينسحب بساط الوقت سريعاً من تحت أقدامنا فسوف أركز الحديث مع حضراتكم في هذا الموضوع الخطير في العناصر المحددة التالية: أولاً: حرب كاسرة. ثانياً: هذه طبيعة الطريق. ثالثاً: انتصار الحق سنة جارية. فأعيروني القلوب والأسماع، والله أسأل أن يقر أعيننا وإياكم بنصرة الإسلام وعز الموحدين؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 1837

الجبهات الحربية التي واجهها النبي في حياته أحبتي في الله! لقد نشأ النبي ﷺ في بيئة شركية تصنع الحجارة بيدها وتعبدها من دون الله جل وعلا، فاعتزل النبي ﷺ هذه البيئة وانطلق بعيداً على قمة جبل النور إلى غار حراء، يقضي الليل في التعبد والتبتل والتضرع، ويقضي النهار في التأمل والتفكر والتدبر، وفي ليلة كريمة من ليالي شهر رمضان المبارك يتنزل الوحي على قلب النبي ﷺ كتنزل حبات الندى على الزهرة الظمأى والأرض العطشى، يتنزل جبريل بكلام الملك الجليل، بقول الله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥]. ويرجع النبي بهذه الكلمات يرجف فؤاده وتضطرب جوارحه، ويقول لـ خديجة ﵂: (زملوني زملوني، والله لقد خشيت على نفسي يا خديجة)، فترد عليه رمز الوفاء وسكن سيد الأنبياء لتقول له: كلا والله لا يخزيك الله أبداً. وتبدأ المرحلة الأولى من مراحل الدعوة إلى الله تعالى، فيقوم النبي يدعو إلى الله سراً، فالأمر جد خطير، فللأصنام جيوش من الغضب، وهي مستعدة لنحر من يعتدي عليها أو يصيبها بأذى. فهؤلاء قوم يذبح بعضهم بعضاً من أجل ناقة، فما ظنك بما سيفعلونه من أجل آلهة يذبحون لها آلاف النياق!

стр. 1838

حرب المنافقين للنبي ﷺ حين ترك النبي ﷺ مكة وهاجر إلى المدينة هل توقف مسلسل الحرب على النبي ﷺ ؟ لا، بل لقد فتحت جبهات جديدة أخرى من جبهات الحرب على النبي ﷺ ، ولم تترك قريش رسول الله، بل خرجت بطراً ورئاءً بحدها وحديدها لتحاد الله ورسوله، خرجت للقضاء على النبي شخصياً في بدر وفي أحد وفي الأحزاب، ولكن الله نجى نبيه، وفتحت في المدينة جبهة جديدة حقيرة من جبهات الحرب، ألا وهي جبهة أهل النفاق، أعلن المنافقون الحرب على رسول الله، ولكنها حرب من نوع قذر، من جنس ما يعلن الآن على الإسلام ورموز الإسلام. اتهم المنافقون رسول الله في شرفه، وأنا لا أسوق مثل هذا التاريخ للاستمتاع السالب ولا للثقافة الذهنية الباردة؛ فإن كثيراً من المسلمين يتعامل الآن مع السيرة تعاملاً ذهنياً باهتاً وتعاملاً ثقافياً بارداً، ولسان حال الكثيرين: كان يا مكان على عهد النبي ﵊. وكأنه يستمع إلى قصة أبي زيد الهلالي، أنا لا أسرد هذا التاريخ وهذه الحلقات المؤلمة من مسلسل الحرب الطويل للاستمتاع السالب، ولا لمجرد الثقافة الذهنية الباردة، كلا اتهم المنافقون رسول الله في شرفه، وفي عرضه! هل اتهمت في عرضك أيها السالك لطريق النبي؟ هل اتهمت في شرفك لتتخلى عن مبادئك عند أول منعطف من المنعطفات أو محنة من المحن أو ابتلاء من الابتلاءات؟ اتهم النبي في عرضه وفي شهامة بيته، وهو الطاهر الذي فاضت طهارته على جميع العالمين، اتهم في صيانة حرمته وهو القائم على صيانة كل الحرمات في أمته، وفيمن؟! في عائشة التي أحبها من كل قلبه، فلما رأى رأس النفاق الخبيث عبد الله بن أبي عائشة مع صفوان بن المعطل قال الخبيث قولة خبيثة في غير رواية الصحيحين، قال: من هذه؟ قالوا: عائشة. قال: ومن هذا؟ قالوا: صفوان. فقال الخبيث الوقح: امرأة نبيكم تبيت مع رجل حتى الصباح! والله ما نجت منه وما نجا منها، وتستشري الإشاعة الخبيثة وتنتشر كانتشار النار في الهشيم. ويظل النبي شهراً كاملاً يحطم الألم قلبه، ويفتت الحزن كبده، إيذاء إلى هذا الحد! حتى نزل قول الله تعالى ببراءة الطاهرة الصديقة بنت الصديق: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١] إلى آخر آيات سورة النور. والمنافقون هم الذين قالوا: ﴿لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون:٧]. والمنافقون هم الذين قالوا: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨]. والمنافقون هم الذين قالوا في حق النبي: سمن كلبك يأكلك. والمنافقون هم الذين قالوا: غبر علينا ابن أبي كبشة. حرب قذرة خبيثة، جبهة أخرى من جبهات الحرب على النبي ﷺ .

стр. 1839

حرب اليهود للنبي ﵊ ثم تفتح جبهة ثالثة من جبهات الحرب العاتية على النبي ﷺ ، وما زالت هذه الجبهات موجودة، وستستمر مفتوحة استمرار الصراع بين الحق والباطل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، إنها جبهة اليهود، فمن اللحظة الأولى التي هاجر فيها النبي إلى المدينة أعلن اليهود الحرب، واشتعل الغل والحقد في قلوب اليهود، وهم الذين كانوا يقولون للأوس والخزرج: إننا ننتظر نبياً يخرج في آخر الزمان وسنؤمن به. لكن الله قد قال في حق اليهود المجرمين الخبثاء: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٤٦]، فراحوا يعلنون الحرب على النبي من اللحظة الأولى، فشككوا في دين النبي ﷺ ، وأقاموا الدنيا ولم يقعدوها لما أمر النبي ﷺ بتحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى بيت الله الحرام، وراحوا يوجهون أسئلة للنبي بنية الإحراج والتعجيز، بل وراحوا يخططون لقتل النبي بالحجر من فوق سطح منزل من منازلهم، وتارة بوضع السم له في الشاة، حرب لم تتوقف لحظة! بل ظلت الحرب حتى حقق الله وعده لنبيه بإظهار الإسلام على الدين كله، فعاد النبي إلى مكة فاتحاً معززاً مكرماً منتصراً، ثم نزل عليه بعد ذلك قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].

стр. 1840

حرب أهل الطائف للنبي ﵊ لما رأى النبي أن أرض مكة أرض صلبة لا تتلقى بذرة التوحيد والإيمان تركها وانطلق يبحث عن أرض جديدة، يبحث عن أمل، يبحث عن يد حانية تحمل راية التوحيد، يبحث عن قلوب صافية تحمل نور العقيدة، فانطلق إلى الطائف -وهو لا يجد راحلة- يمشي على قدميه المتعبتين الداميتين مسيرة تسعين كيلو متراً لا يركب راحلة ولا دابة حتى وصل إلى الطائف، ثم عرض دعوته على أهل الطائف وهم سادة ثقيف، ولكنهم ردوا النبي رداً منكراً، بل ولم يكتف سادة ثقيف بهذا الرد المنكر، وإنما سلطوا عليه السفهاء والعبيد فرموا رسول الله ﷺ بالحجارة، حتى اضطروه إلى بستان لـ شيبة وعتبة ابني ربيعة. لك أن تتصور في هذه اللحظات حال الحبيب رسول الله ﷺ ، جوع وعطش، صاحب دعوة مطارد، بل ودعوة مشردة، وأصحاب مطاردون في الحبشة، وآخرون معذبون في مكة، هذه طبيعة الطريق أيها الشباب! حال تتمزق لها القلوب الحية، فارتفعت هذه الدعوات وهذه الكلمات الحارة الرقراقة التي تجسد حجم الفجيعة وشدة الألم وحرارة المأساة، قال رسول الله: (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين! أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن ينزل بي غضبك أو يحل عليَّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله). هذا دعاء رقراق جميل، وإن كان شيخنا الألباني -من باب الأمانة العلمية- قد ضعف إسناده، إلا أن الإمام الهيثمي في مجمع الزوائد قال: وفيه ابن إسحاق وهو مدلس ثقة. بل قد وقفت على شاهد له من رواية محمد بن كعب القرظي، وهو تابعي ثقة. أيها الأحبة! هذه كلمات تجسد الأمل، وتبين الفجيعة، فرسول الله ﷺ ما أتى لأهل الطائف إلا وهو يحمل في قلبه أملاً، ويتمنى أن يجد من أهل الطائف من يرفع راية التوحيد، ويتمنى أن يجد قلوباً صافية تلتقط نور (لا إله إلا الله)، ولكنهم فعلوا بالنبي ﷺ أسوأ وأقبح مما فعله به أهل مكة، ويرجع النبي وهو مهموم، فما استفاق من الهم والحزن إلا بعد مسافة طويلة من الطائف، كما في الصحيحين من حديث عائشة. وتذكروا -يا شباب! - هذا الحديث العجيب الذي رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة قالت: يا رسول الله! هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟ فقال الحبيب: (لقد لقيت من قومك ما لقيت يا عائشة! وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال -وهو من أشراف أهل الطائف- فلما لم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب)، لم يستفق النبي من الهم الذي يمزق كبده والألم الذي يحطم فؤاده، فالدعوة مشردة، وصاحب الدعوة مطارد، وأصحابه في الحبشة، ومنهم من يعذب في مكة، وفي نفس العام ماتت خديجة، وفي نفس العام مات أبو طالب الذي كان يشكل حائط صد منيع طالما تحطمت عليه سيوف ورماح أهل الشرك، ألم ومأساة. يقول: (فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، وإذا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل ﵇ أشفقت الحجارة لحال رسول الله سيد الرجال، بل واستعدت الجبال لتنتقم من المشركين ولتمتثل لأمر رب العالمين، تصور وعش بقلبك وكيانك هذا المشهد، يقول: (فرفعت رأسي وإذا بسحابة قد أظلتني ورأيت فيها جبريل ﵇، فنادى عليَّ جبريل وقال: السلام عليك يا رسول الله لقد سمع الله قول قومك لك وما ردوا به عليك، وإن الله تعالى قد أرسل إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. يقول: فناداني ملك الجبال وسلم عليَّ وقال: يا محمد! لو أمرتني أن أطبق عليهم الأخشبين لفعلت)، والأخشبان: جبلان عظيمان بمكة يقال للأول: أبو قبيس ويقال للثاني: الأحمر. فماذا قال له نبي الرحمة وينبوع الحنان؟ ماذا قال الرحمة المهداة -بأبي هو وأمي-؟ وما زالت دماؤه تنزف، ولكنه ما غضب لنفسه قط، وما انتقم لنفسه قط، ولو خرج النبي إلى الطائف ليحصِّل كسباً مادياً ونفعاً شخصياً لأمر ملك الجبال ليحطم الرءوس الصلبة والجماجم العليلة، بل ولسالت دماء كالبحور والأنهار من الطائف ليراها أهل مكة بمكة، ولكن ماذا قال المصطفى لملك الجبال؟ قال: (لا، إني أرجو الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً)، بأبي هو وأمي! أغر عليه للنبوة خاتم من الله من نور يلوح ويشهد وضم الإله اسم النبي إلى اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهد وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد ألم يقل ربنا لنبينا: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]؟! ألم يقل ربنا لنبينا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]؟! ألم يقل ربنا في حق نبينا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]؟! (إني أرجو الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً)، هذه كلمات النبي ﷺ ، هذه كلمات صاحب الدعوة، هذه كلمات صاحب القلب الكبير، بأبي هو وأمي ﷺ . وعاد النبي إلى مكة مرة أخرى، وهنالك اشتد الإيذاء، واشتدت حلقات الحرب، بل لقد انعقد البرلمان الشركي في مكة ليتخذ أخطر قرار في التاريخ البشري كله، ليتخذ قراراً بالإجماع لقتل النبي ﷺ ، لقطع تيار نور الدعوة عن الوجود نهائياً، ولكن الله سلم، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]، ونجى الله نبيه ﷺ ، وهاجر النبي من مكة إلى المدينة.

стр. 1841

حرب قريش للنبي ﵊ نزل الوحي الكريم ليأمر النبي ﷺ بإعلان الدعوة والجهر بها، فنزل قول الله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر:٩٤]، ونزل قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤]، ومن هنا بدأت الحرب، فقد استجاب النبي لأمر رب العالمين، فصعد على جبل الصفا -والحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة - وظل ينادي بطون قريش حتى اجتمعوا إليه ووقفوا بين يديه حتى إن الرجل إذا لم يستطع أن يخرج بنفسه أرسل رسولاً ليقف على الخبر. فخرجت قريش وعلى رأسها أبو لهب، والنبي على جبل الصفا يقص عليهم القصة بأسلوب نبوي بليغ، فيقول ﵊: (أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذباً قط -وهذه شهادة أولية- فقال النبي ﵊: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد)، عند ذلك قال أبو لهب: تباً لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟! فنزل قول الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد:١ - ٥]. أيها المسلمون! من تلك اللحظة أبرقت مكة وأرعدت، وأرغت مكة وأزبدت، ودقت مكة طبول الحرب وأوعدت، وصبت جام غضبها على ولدها الأمين البار الذي حكمت له -بالإجماع- بالصدق والأمانة قبل أن يبعثه ربه ﷻ ، وراحت ترمي النبي ﷺ بشتى التهم والشتائم، وتعلن الحرب الضروس السافرة على النبي الصادق ﷺ ، فاتهموه بالكذب، واتهموه بالسحر، واتهموه بالجنون، واتهموه بالشعر، قال الله تعالى حكاية عنهم: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر:٦]، وقال الله حكاية عنهم: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [ص:٤]، بل ازداد الأمر سوءاً حتى تطاولت امرأة عليه، وأرجو أن تتخيل امرأة تطاولت على رسول الله، فما ظنك بما يفعله الرجال؟! تطاولت امرأة على النبي ﷺ ، فداست على أنوثتها، وراحت لتسابق رجال المشركين شراسة ووحشية وإيذاء لسيد البشرية، إنها حمالة الحطب امرأة أبي لهب، التي حملت حجراً بيديها وانطلقت إلى النبي ﷺ لترميه بالحجر وهو جالس إلى جوار صاحبه الصديق في ظل الكعبة، فأخذ الله بصرها عن رسول الله فلم تر إلا أبا بكر ﵁، فقالت امرأة أبي لهب: أين صاحبك يا أبا بكر؟! فلقد بلغني أنه يهجوني، والله لو رأيت محمداً لضربت وجهه بهذا الحجر. ثم أنشأت تقول: مذمماً عصينا -تقصد محمداً ﷺ وأمره أبينا، ودينه قلينا. ؟ والحديث رواه البيهقي وهو حديث حسن بشواهده. وفي صحيح البخاري من حديث ابن مسعود ﵁ قال: بينما أبو جهل يجلس مع أصحابه عند البيت ورسول الله ﷺ يصلي، إذ قال أبو جهل: أيكم يجيء بسلا جزور بني فلان ليلقيه على ظهر محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم عقبة بن أبي معيط فجاء بسلا الجزور، وانتظر حتى سجد النبي ﷺ فألقاه على ظهر النبي بين كتفيه وهو ساجد، يقول ابن مسعود: وأنا أنظر وما أملك أن أفعل لرسول الله شيئاً. أرجو أن تتصوروا -أيها الشباب- مراحل الابتلاء، ومراحل الحرب على رسول الله ﷺ ، يقول: وظل النبي ساجداً حتى جاءت فاطمة الزهراء، فأزالت النجاسة من على ظهر النبي ﷺ ، ورفع النبي رأسه وهو يقول: (اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش). وفي صحيح البخاري أن هذا الفاجر الخبيث عقبة بن أبي معيط قام على النبي يوماً وهو يصلي، فخنق النبي خنقاً شديداً حتى كادت أنفاس النبي ﷺ أن تخرج، وجاء الصديق ﵁ وأرضاه يدفع عقبة عن رسول الله ويقول: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر:٢٨]. إيذاء وابتلاء، وحرب هوجاء ضروس، والله ما جاء يرجو مالاً ولا جاهاً ولا منصباً ولا وجاهة، بل جاء لينتشلهم من ظلم الشرك والوثنية إلى أنوار التوحيد والإيمان برب البرية ﷻ .

стр. 1842

الحرب على النبي ﷺ بعد موته هل توقفت الحرب على النبي بعد موته؟ كلا. كلا. ما توقفت حتى بعد موت النبي ﷺ ، ومن أخطر وأخبث وأبرز مراحل الحرب على شخص النبي بعد الموت ما وقع في عام خمسمائة وسبعة وخمسين من الهجرة، فهل تتصور أن الخبثاء المجرمين قد خططوا ودبروا ليخرجوا جثمان النبي الطاهر من القبر، ليفجعوا المسلمين فجيعة لا يقومون بعدها أبداً، هل تتصور ذلك؟! لولا أن الله سلم، فقد رأى السلطان الزاهد العابد نور الدين محمود زنكي أن النبي ﷺ يشير إلى رجلين خبيثين أشقرين يحفران في الأرض ووصلا إلى جدار الحجرة النبوية الشريفة، فخرج مع وزيره الصالح الزاهد جمال الدين الموصلي إلى مدينة الحبيب النبي ﷺ ، وجلس في الروضة بعدما صلى لله وسلم على رسول الله. فقال الوزير: إن السلطان قد أتى إلى مدينة النبي ﷺ ، وهو يريد أن يلتقي بالأشراف والأغنياء والفقراء ليوزع عليهم من مال الله ما يسر الله ، وجاء الأغنياء، وجاء الفقراء، والسلطان يتفرس في الوجوه لعله يرى الوجهين اللذين أشار إليهما النبي ﷺ له، فلم ير أحداً. فتعجب الرجل من هذه الرؤيا العجيبة التي تكررت مراراً، فقال السلطان: هل حضر إليَّ كل أهل المدينة؟ قالوا: نعم. إلا رجلين يجاوران الحجرة الشريفة، وهما من الأغنياء ومن الزهاد، ينفقان الأموال بسخاء على فقراء المدينة. قال: عليَّ بهما. فلما دخلا على السلطان صرخ وقال: اللهم صل على محمد، هما والله هما. وانطلق إلى منزلهما إلى جوار الحجرة النبوية، ودخل البيت بنفسه، فلم ير إلا مصحفين شريفين، ورأى أموالاً طائلة، فظل يدور والناس يعجبون من صنيع السلطان ولا يعرفون شيئاً على الإطلاق، فوجد حصيراً في جانب من جوانب البيت فكشفه فوجد سرداباً تحت الأرض، فنزل في هذا السرداب ومشى فيه حتى وصل إلى جدار الحجرة النبوية، فأمر بقتلهما على جدار الحجرة، وهو يبكي لما ناله من هذا الشرف العظيم. وقد ذكرت هذه القصة كل كتب التاريخ التي أرخت لتاريخ المدينة النبوية الطاهرة المشرفة، كتاريخ المدينة المنورة للسمهودي، والمطري، والمراغي، ومحب الدين الطبري وغيرهم، كل كتب التاريخ التي أرخت للمدينة ذكرت هذه الحادثة المشهورة.

стр. 1843

الحرب على النبي ﵊ في العصر الحديث لم تتوقف الحرب على النبي ﵊ عند هذا الحد، والحرب التي أعلنها المستشرقون في العصر الحديث لا تحتاج إلى وقفة؛ لأنها ما هي إلا نتاج عقول حقيرة أنهكها التحلل الأخلاقي، وأعجزها أن تستوعب الحقائق الكبيرة، فيغني تصورها عن إبطالها وإفسادها. لكن أفراخ المستشرقين من العلمانيين في بلاد المسلمين يعلنون الحرب على رسول الله ﷺ ، وهذا يثبت فساد عقيدتهم وخبث طويتهم، وإن زعموا أنهم يناقشون الأدلة نقاشاً علمياً بعيداً عن التجمد والانغلاق، فأين النقاش العلمي من قول خبيث من هؤلاء الخبثاء: ولما استتب الأمر لمحمد؟ هكذا بوقاحة وسوء أدب! ما صلى على النبي ﷺ في الكتاب مرة، كيف وهو يعلن الحرب عليه، وهذا القزم الخبيث الحقير لازال حياً يرزق، بل تنشر مقالاته في الجرائد، بل تنشر قصصه كاملة على صفحات جريدة سوداء تعزف على وتر الجنس والدعارة، قال: وأخذت شوكته تقوى وهو في طريقه لكي يصبح سيد جزيرة العرب كلها: تلا على أصحابه قرآناً ينص على: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨]! فهل فهمت المراد -أيها الحبيب- ووقفت على خبث الكلام؟! هذا الخبيث يريد أن يقول: إن محمداً ما قرأ على أصحابه قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ)، إلا لما قويت شوكته وأصبح لا يخاف المشركين، وكأن محمداً يأتي بالقرآن من عند نفسه بالمعنى الذي يريد في الوقت الذي يريد. تدبر الكلمات الخبيثة مرة ثانية، يقول: ولما استتب الأمر لمحمد، وأخذت شوكته تقوى وهو في طريقه لكي يصبح سيد جزيرة العرب كلها، تلا على أصحابه قرآناً ينص على: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨]). ويقول هذا الخبيث أيضاً: وهكذا قد استبان أن بتر الصلة -يعني: قطع العلاقة- اليثربية -يقصد يثرب- بين الأنصار وبين اليهود هو شطر من خطة القطيعة التي رسمها محمد ونفذها بإحكام بالغ في سبيل صبغ أصحابه بصبغة الديانة التي شربها. هل وقفت على خبث هذا الخبيث وخطر كلماته؟! هؤلاء لا يعرفون ولاء ولا براءً، لا يعرفون ولاءً لله ورسوله والمؤمنين، ولا براء من الشرك والمشركين، ولذلك هم لا زالوا إلى يومنا هذا يعكفون على هذه الفجوة توسيعاً وتمييعاً وتخليطاً، حتى لا يعرف المسلم من يوالي ومن يعادي، ومن يحب ومن يبغض. يقول هذا الخبيث: وهكذا قد استبان أن بتر الصلة اليثربية بين الأنصار واليهود هو شطر من خطة القطيعة التي رسمها محمد ونفذها بإحكام بالغ في سبيل صبغ أصحابه بصبغة الديانة التي شربها). حرب قذرة تعتدي على شخص النبي وعلى سنة النبي وعلى دين النبي ﷺ . ولقد شهدت مصر -بلد الأزهر- في الأيام مؤتمراً للمرأة، هذا المؤتمر بكل صفاقة ووقاحة وقلة حياء أعلنت فيه الحرب على الثوابت، فأعلنت فيه المطالبة بإلغاء القوامة، فلا قوامة للرجل على المرأة، والمطالبة بإلغاء العدة، والمطالبة بمساواة المرأة بالرجل في الميراث. ثم تقول خبيثة تنتسب إلى الإسلام: إن الرجال يركعون أمام ركبتي مادلين أولبرايت الجميلتين. وتقول خبيثة أخرى -في كلمات والله أستحي أن أذكرها-: إن الرجال يفعلون كذا -فعلة خبيثة معروفة بين الشباب إلا من رحم ربك- على صور مارلين مونرو. هذا مؤتمر لنساء ينتسبن إلى الإسلام، ويقلن مثل هذا الكلام الخطير الخبيث الذي يستحي الرجل العادي فضلاً عن المؤمن التقي أن يذكره ورب الكعبة، فكيف لو ذكرتها امرأة داست على أنوثتها؟ لا أقول: داست على دينها فهؤلاء قد دسن على الدين منذ زمن، لكن أقول: داست على أنوثتها، وداست على قيم مجتمعها، وداست على أخلاق مجتمعها، يردن لهذا المجتمع ألا تبقى فيه بقية باقية من خلق للإسلام، ومن دين للنبي محمد ﵊، إنما يردن أن يذبن ذوباناً كلياً في بوتقة الشرق الملحد والغرب الكافر، وقد حذر الصادق الذي لا ينطق عن الهوى من هذا الذوبان الخبيث الخطير، كما في الصحيحين من حديث أبي سعيد: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم).

стр. 1844

هذه طبيعة الطريق أيها الأحبة! حرب منذ اللحظات الأولى، وستستمر استمرار الصراع بين الحق والباطل، فهذه هي طبيعة الطريق، وهذا هو عنصرنا الثاني من عناصر الموضوع. أيها الأحبة! أيها الشباب! أيتها الأخوات المنتقبات العفيفات الفاضلات! يا أصحاب أوسمة السنة والشرف! إن طريق الدعوة إلى الله طريق نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين، إن طريق الأنبياء ليس ممهداً بالورود والزهور والرياحين، كلا كلا. ولكنه طريق طويل شاق حافل بالعقبات والأشواك، مليء بالفتن والمحن والابتلاءات، يعوي على جانبيه الذئاب من المجرمين والمشركين والمنافقين، ممن لا يريدون لهذا النور أن ينتشر، ولا يريدون لهذا الخير أن يعم الأرض والآفاق، هذه طبيعة الطريق لابد من معرفتها. أنا لا أسوق هذه المرحلة الطولية من مراحل الدعوة لمجرد الرصف التاريخي فحسب، كلا إنما لنعرف هذه المرحلة ولنستوعبها ولنفهمها فهماً شمولياً كاملاً، لينطلق الدعاة والسائرون على طريق الدعوة بعد ذلك من ذاك المنطلق الذي انطلق منه صاحب الدعوة ﷺ ، وليقيم الدعاة والمسلمون بنيانهم من جديد على الأساس الذي أقام عليه البنيان محمد ﷺ ، ثم ليعرف كل سالك للطريق طبيعة الطريق حتى لا ينحرف عن الطريق عند أول منعطف من المنعطفات، فلا يتخلى عن الطريق عند أول فتنة من الفتن أو عند أول محنة من المحن أو عند أول ابتلاء من الابتلاءات. يتعرض الشاب لابتلاء خطير، فسرعان ما يحلق اللحية، وتتعرض الفتاة لمحنة طفيفة فسرعان ما تتجرد من لباس العفة والشرف فتخلع النقاب، ويتعرض المسلم لمحنة فيتخلى عن الطريق، فإذا ما نودي عليه: يا شيخ فلان! يقول: لست اليوم شيخاً، إن أردت أن تنادي فقل: يا كابتن فلان! لا يريد أن ينادى عليه بهذا اللفظ. يأتي أحدهم من بلد ما ويقال له: ستتعرض في المطار لبعض الأذى، فقد تقف في المطار عشر ساعات. فيقول: لا أطيق ذلك. فيتجرد في التو واللحظة من وسام السنة والشرف ويحلق اللحية! صار الدين رخيصاً جداً عند كثير ممن ينتسبون إلى الدين، من أجل التجارة يتخلى عن دينه، من أجل الدنيا يتخلى عن دينه والتزامه، أصبح الدين رخيصاً، فكثير ممن يردد الآن ألفاظ الدعوة. العقيدة. الدين. الالتزام إن تعرض لمحنة -وهو لا يعرف طبيعة الطريق- يتخلى عن الطريق، ويضع الأمانة بلا أمانة، نموذج متكرر في كل حين وجيل، نموذج يزن العقيدة والدعوة بميزان الربح والخسارة، فإن حقق ربحاً من سيره على طريق الدعوة فهو مع السائرين، وإن تعرض لمحنة تخلى عن الطريق وتركه فخسر الدنيا والآخرة. قال جل في علاه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١]. فلابد على الطريق من المحن، ولابد على الطريق من الابتلاءات، لابد من محنة في الشيشان، ولابد من محنة في كشمير، ولابد من محنة في فلسطين، ولابد من محنة في أفغان، لابد من محنة في كل مكان، لابد من محن فردية للأفراد هنا على الطريق، ليس عذاباً من الله على أصحاب الدعوات، كلا كلا، وإنما لابد من المحن والفتن والابتلاءات على طول طريق الدعوة ليميز الله بهذه الفتن أصحاب الدعوات الحقة من أصحاب الدعاوى الزائفة، فلن يثبت على طريق الدعوة إلا الصادقون، مهما كانت الفتن ومهما كانت الابتلاءات. وسيترك الطريق مع أول محنة المهرجون والكذابون والخادعون والمضللون؛ لأنهم لا ينبغي أن يكونوا أصحاب دعوة ولا يستحقوا أن يكونوا أمناء على منهج، فلابد من طردهم من الصف، حتى لا يثبت على الصف إلا الصادقون المؤهلون لرفع الراية والسير على طريق النبي ﷺ ، ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:١ - ٣]. وقال سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤]. هذه طبيعة الطريق، ولقد احتاج النبي -وهو صاحب الدعوة- إلى أن ينادي عليه ربه ﷻ ، ويأمره ربه بقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف:٣٥]، ومن ثم يأتي الأمر من الله للمؤمنين الصادقين السائرين على درب النبي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠]. في صحيح البخاري عن خباب بن الأرت أنه أتى إلى النبي بعدما اشتد الإيذاء والعذاب، والرسول جالس عند الكعبة، فيقول خباب: (يا رسول الله! ألا تستنصر الله لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟)، تصور حجم العذاب وشدة المأساة من خلال طلب خباب. وهذا حال كثير من شبابنا الآن: اشتد البلاء، وانتشر الباطل، وضعف الحق، وضاعت العزة، أين الاستخلاف؟ أين التمكين؟ إلى آخر هذه الكلمات التي تنم عن قلوب مريضة وعن يأس وقلق، ولا أريد أن أقول: عن شك في كلام الله ورسوله. قال: ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ فقعد النبي وقد احمر وجهه وظهر الغضب عليه، وقال: (والذي نفسي بيده! لقد كان الرجل من قبلكم يؤتى به، فيوضع المنشار في مفرق رأسه فيشق نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون العظم واللحم ما يصده ذلك عن دين الله، والله ليتمن الله هذا الأمر -أي: هذا الدين- حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون)، نعم (ولكنكم تستعجلون) قالها النبي لأصحابه، وأنا أكرر قول النبي لأصحابي وأحبابي وإخواني من المسلمين والمسلمات فأقول: والله إنكم تستعجلون! أيها الشباب! إياكم أن تظنوا أن الله لا يسمع ولا يرى، إياك أن تظن -أيها الشاب- أنك أرحم بالمعذبين المشردين هنا وهنالك من رب العالمين، ليس أحد أغير على الحق وأهله من الله، إذاً فلماذا هذا؟ لأن الأمة لا تستحق النصرة الآن، وصدق ربي إذ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، وصدق ربي إذ يقول: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الأنفال:٥٣]. إنَّ الأمة غيرت في جانب العقيدة، وفي جانب العبادة، وفي جانب الشريعة، وفي جانب الأخلاق، وفي جانب المعاملات والسلوك، غيرت الأمة كثيراً، وإن لله في الكون سنناً ربانية لا تحابي أحداً من الخلق مهما ادعى لنفسه من مقومات المحاباة، فقد كان النبي ﷺ قائد المعركة في أحد، فلما تخلى بعض الصحابة عن أسباب النصر كان ما نعلم، فالله لا يحابي أحداً من الخلق، فالأمة ليست الآن مهيأة للنصر، بل لا تستحق النصر لسنن الله الربانية في الكون، إلا إذا عادت مرة أخرى لتردد مع السابقين الصادقين الأولين قولتهم الخالدة: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥]. كما أن الله جعل الابتلاء سنة جارية للتمحيص وتمييز الصف، فإن الله قد جعل انتصار الحق في النهاية سنة جارية ثابتة، وهذا هو عنصرنا الثالث والأخير (انتصار الحق سنة جارية)، وأرجئ الحديث عن هذا العنصر إلى ما بعد جلسة الاستراحة، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 1845

انتصار الحق سنة جارية الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، وبعد: أيها الأحبة! انتصار الحق سنة جارية، قال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]، إن الذي يفصل في الأمر حتماً -كسنة ربانية ثابتة- في نهاية الطريق ليست ضخامة الباطل، وإنما الذي يفصل في الأمر هو قوة الحق، ولاشك ولاريب ولا خلاف ولا نزاع في أننا نحمل الحق الذي من أجله خلق الله السماوات والأرض والجنة والنار، بل ومن أجله أنزل الكتب وأرسل الرسل. معنا الحق، ومعنا رفيق الفطرة في الكون، فطرة الله التي فطر الناس عليها، معنا رفيق فطرة الإنسان المسلم الطيبة، وقبل كل ذلك وبعد كل ذلك معنا الله، ويالها من معية كريمة لو عرف المؤمنون قدرها، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]. فالحق مهما انزوى وضعف كأنه مغلوب فإنه ظاهر، والباطل مهما انتفخ وانتفش كأنه غالب فإنه زاهق، ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]، فالحق حق والباطل باطل، قال الله : ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣]، وقال الله : ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف:٨ - ٩]. وقال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]. ولقد وقفت على وثيقة التنصير الكنسي التي تخرج من الفاتيكان بتوقيع جونبول الثاني، فقرأت فيها كلاماً يقول فيه البابا للمنصرين -أي: للمبشرين بلغتهم-: هيا تحركوا بسرعة لوقف الزحف الإسلامي الهائل في أنحاء أوروبا. وأنا حينما أفكر في الجهود التي تبذل للإسلام أكاد أبكي والله؛ لأنك لو قارنت ما يبذل للإسلام من جهود وما يبذل للنصرانية وغيرها من جهود لرأيت العجب العجاب، ولكن الإسلام دين الفطرة، فإنهم يقبلون عليه لأنه دين الفطرة، فهم الذين يبحثون الآن عنه، بل إن الإسلام ينتشر في روسيا الملحدة التي ظلت تحارب الإسلام سبعين عاماً أو يزيد، وكان أحدهم إذا أراد أن يقرأ كتاب الله نزل السراديب تحت الأرض، وبعد هذه المدة وجدنا الإسلام هنالك لم يمت ولن يموت، وهكذا في فرنسا وفي ألمانيا وفي إنجلترا وفي أمريكا وفي كل بقاع الأرض، نرى كوكبة كريمة من شباب في ريعان الصبا، وفتيات في عمر الورود، وإن المشهد الذي نراه الآن من آلاف مؤلفة، بل من عشرات الآلاف من شبابنا وأخواتنا وأمهاتنا لمن أعظم الأدلة العملية على أن فجر الإسلام قادم، وأن أشد ساعات الليل سواداً هي الساعة التي يليها ضوء الفجر، وصدق القائل: ولئن عرف التاريخ أوساً وخزرجاً فلله أوس قادمون وخزرج وإن كنوز الغيب تخفي طلا ئعاً حرة رغم المكائد تخرج وصدق القائل أيضاً: صبح تنفس بالضياء وأشرقا والصحوة الكبرى تهز البيرقا وشبيبة الإسلام هذا فيلق في ساحة الأمجاد يتبع فيلقا وقوافل الإيمان تتخذ المدى درباً وتصنع للمحيط الزورقا ما أمر هذه الصحوة الكبرى سوى وعد من الله الجليل تحققا هي نخلة طاب الثرى فنما لها جذع قوي في التراب وأعذقا هي في رياض قلوبنا زيتونة في جذعها غصن الكرامة أورقا فجر تدفق من سيحبس نوره أرني يداً سدت علينا المشرقا يا نهر صحوتنا رأيتك صافياً وعلى الضفاف رأيت أزهار التقى قالوا تطرف جيلنا لما سما قدراً وأعطى للطهارة موثقا ورموه بالإرهاب حين أبى الخنا ومضى على درب الكرامة وارتقى أوكان إرهاباً جهاد نبينا أم كان حقاً بالكتاب مصدقا أتطرف إيماننا بالله في عصر تطرف في الهوى وتزندقا إن التطرف أن نذم محمداً والمقتدين به ونمدح عفلقا إن التطرف أن نرى من قومنا من صانع الكفر اللئيم وأطرقا يا جيل صحوتنا إني أعيذك أن أرى في الصف من بعد الإخاء تمزقا لك في كتاب الله فجر صادق فاتبع هداه ودعك ممن فرقا لك في رسولك أسوة فهو الذي بالصدق والخلق الرفيع تخلقا يا جيل صحوتنا ستبقى شامخاً ولسوف تبقى باتباعك أسمقا اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم انصر إخواننا في الشيشان، اللهم احفظهم بحفظك، اللهم احفظهم بحفظك، اللهم اكلأهم بعنايتك ورعايتك، اللهم إنه قد تخلى عنهم الشرق والغرب فلا تتخل عنهم بذنوبهم وذنوبنا، اللهم لا تتخل عنهم بذنوبهم وذنوبنا، اللهم كن لهم ناصراً يوم قل الناصر، وكن لهم معيناً يوم قل المعين، اللهم كن لهم ناصر يوم قل الناصر وكن لهم معيناً يوم قل المعين، اللهم زلزل الأرض من تحت أقدام الروس الملحدين، اللهم زلزل الأرض من تحت أقدام الروس الملحدين، اللهم زلزل الأرض من تحت أقدام الروس الملحدين، يا رب! شتت شملهم، يا رب! مزق جمعهم يا رب! شتت شملهم، يا رب! مزق جمعهم، اللهم أرنا فيهم يوماً كيوم عاد وثمود، اللهم يا من نصرت محمداً! يا من نصرت محمداً! يا من نصرت محمداً! اللهم انصر الشيشان واهزم الروس الملحدين، بعظمتك وقدرتك يا رب العالمين! اللهم ارحم ضعفنا، ارحم ضعفنا، ارحم ضعفنا، واقبل عذرنا، واقبل عذرنا، واقبل عذرنا، وارحم ضعفنا واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، واستر عيبنا، وفرج كربنا، واكشف غمنا، ووأزل كربنا، وفك أسرنا، وفك أسرنا، وفك أسرنا، وتولَّ أمرنا، وتولَّ أمرنا، واختم بالصالحات أعمالنا، وارفع مقتك وغضبك عنا، وارفع مقتك وغضبك عنا، فلا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا. يا غياث المستغيثين! يا غياث المستغيثين! يا غياث المستغيثين! يا غياث المستغيثين! أغثنا يا رب العالمين، أغثنا يا رب العالمين! أغثنا يا رب العالمين! أغثنا يا رب العالمين! اللهم انصر الإسلام والمسلمين، وأعز التوحيد والموحدين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم أذل الشرك والمشركين، وأعز التوحيد والموحدين والإسلام والمسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. يا ودود! يا ودود! يا ذا العرش المجيد! يا فعال لما يريد! يا من ملأ نوره أركان عرشه! يا غياث المستغيثين! ويا مجيب المضطرين! ويا كاشف الهم عن المهمومين! فرج كرب أمة سيد النبيين، واكشف هم كربة أمة سيد المرسلين بعظمتك وقدرتك يا رب العالمين! اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع الكريم المبارك ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ميتاً لنا إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا زدته وثبته، ولا حاجة هي لك رضاً، ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين. يا رب! اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً، اللهم اهدنا بنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى. اللهم استرنا ولا تفضحنا، اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا، اللهم اجعل مصر واحة للأمن والأمان وجميع بلاد المسلمين، يا رب ارفع عن مصر الغلاء والوباء والبلاء والفتن ما ظهر منها وما بطن، برحمتك يا أرحم الراحمين. هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.

стр. 1846

من السبع الموبقات - الشرك بالله من أجل تحقيق التوحيد لله خلق الله الجن والإنس، ومن أجله أنزل الكتب وأرسل الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة، فالتوحيد هو الأساس الذي تبنى عليه الأعمال، وبدونه لا يقبل أي عمل، ولهذا لم يأمر الله تعالى بشيء كأمره بالتوحيد، ولم ينه عن شيء كنهيه عن الشرك، فهو أم الكبائر وأعظم الظلم، لا يقبل الله من المشرك صرفاً ولا عدلاً، ولا يستحق المغفرة ولا الرحمة، بل يستحق الخلود في النار وبئس القرار!

стр. 1847

أعظم الموبقات وأكبر الكبائر الشرك بالله إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل مني وإياكم صالح الأعمال، وأن يجمعني وإياكم في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد الدعاة وإمام النبيين وسيد المرسلين في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! قدر الله جل وعلا أن نختم حديثنا عن أئمة الهدى ومصابيح الدجى بالحديث عن الأئمة الأربعة المعروفين، وسأكتفي بهذا القدر في الحديث عن هذه السلسلة الكريمة، سائلاً الحق ﵎ أن ينفع بها، وأن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٨]. لنبدأ من اليوم -إن شاء الله جل وعلا- سلسلة منهجية جديدة أخرى بعنوان: اجتنبوا السبع الموبقات، وهذه السلسلة شرح لحديث صحيح رواه الإمام البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﵌ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ فقال ﷺ : الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)، هذه هي السبع الموبقات التي سنقف معها إن لم يكن في سبعة لقاءات، ففي تسعة أو في عشرة لقاءات إن قدر الله جل وعلا لنا البقاء واللقاء. (اجتنبوا السبع الموبقات) أي: المهلكات، وسميت بالمهلكات؛ لأنها سبب لإهلاك صاحبها ومرتكبها عياذاً بالله، قال الحافظ ابن حجر: والموبقة هنا هي الكبيرة. وبدأ النبي ﷺ الحديث عن أكبر الكبائر ألا وهو الشرك بالله، والحديث عن الشرك أيها الأحبة حديث طويل بطول رحلته على هذه الأرض من لدن نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام إلى يومنا هذا، ولذا حتى لا ينسحب بساط الوقت من تحت أقدامنا فسوف أركز الحديث مع حضراتكم في عدة عناصر: أولاً: خطورة الشرك. ثانياً: رحلة الشرك إلى الأرض. ثالثاً: أقسام الشرك. رابعاً: فضل تحقيق التوحيد. فأعيروني القلوب والأسماع أيها الأخيار، فإن لقاءنا اليوم من الأهمية بمكان. أولاً: خطورة الشرك: أحبتي في الله! إن الشرك أظلم الظلم، وأقبح الجهل، وأكبر الكبائر، ومن ثم لم تدع الرسل جميعاً إلى شيء قبل التوحيد، ولم تنه الرسل جميعاً عن شيء قبل التنديد، ولذا لم يتوعد الله جل وعلا على ذنب مثلما توعد على الشرك من الوعيد الشديد، فقال ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١١٦]، وقال الله : ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢]. أيها الحبيب! ستعجب إذا علمت أن الله جل وعلا قد خاطب صفوة خلقه وهم الرسل بقوله جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٨]، بل وسيزداد عجبك إذا علمت أن الله جل وعلا قد خاطب إمام الموحدين وقدوة المحققين وسيد المرسلين محمداً ﵌ بقوله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦]، هذا خطاب من الله لإمام الموحدين، وقدوة المحققين محمد ﷺ ، ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥] أي: من إخوانك من النبيين والمرسلين. ومن ثم حذر النبي ﵌ من الشرك تحذيراً شديداً فقال كما في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن مسعود: (من مات يشرك بالله شيئاً دخل النار)، قال ابن مسعود وقلت أنا: (ومن مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة). وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال: (أتى النبي ﷺ رجل فقال: يا رسول الله ما الموجبتان؟ فقال النبي ﷺ : من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئاً دخل النار). وفي الصحيحين من حديث سعيد بن المسيب عن أبيه ﵄ قال: (لما حضرت أبا طالب الوفاة وكان عنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فدخل النبي ﷺ على عمه أبي طالب، فقال: أي عم، قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله يوم القيامة، فالتفت اللعين أبو جهل إلى أبي طالب وقال: يا أبا طالب: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فقال أبو طالب: لا، فقال النبي ﷺ : لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فنزل قول الله جل وعلا: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة:١١٣]). هذا هو خطر الشرك، لا يقبل الله فيه استغفاراً، ولا يقبل الله فيه شفاعة ولو كانت من سيد الخلق وحبيب الحق المصطفى ﷺ ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١١٦].

стр. 1848

رحلة الشرك إلى الأرض من نوح ﵇ إلى زماننا هذا أيها الأحبة في الله! الآيات والأحاديث في خطورة الشرك كثيرة، ولا يتسع الوقت للوقوف عليها كلها أو حتى على معظمها، والسؤال الذي يقفز الآن إلى أذهانكم جميعاً هو: كيف وصل هذا الشرك إلى الأرض؟ وكيف دنس الشرك فطرة التوحيد التي فطر الله الناس عليها؟ والجواب عند جمهور أهل العلم: أن بداية ظهور الشرك كانت في قوم نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، كما روى ذلك الإمام ابن جرير الطبري شيخ المفسرين بسنده الصحيح عن ابن عباس ﵄ قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلها على شريعة من الحق والهدى، فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين. كان أولاد آدم من ذريته على ملة أبيهم، على التوحيد الخالص، وعلى العبادة الصحيحة لله جل وعلا، وإن كان وقع بعض المعاصي والذنوب كالقتل وغيرها كما تعلمون جميعاً، ولكن العبادة والتوحيد كان خالصاً لله جل وعلا إلى أن جاء قوم نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فجاء الشيطان -لعنه الله- وزين لقوم نوح عبادة الأصنام، أتدرون ما هي أول قصة لهذه الأصنام؟! هذه الأصنام والتماثيل التي عبدها قوم نوح كانت لقوم صالحين، كما قال ابن عباس، والحديث في صحيح البخاري في كتاب التفسير في سورة نوح في: ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، قال: (هذه أسماء قوم صالحين من قوم نوح فذهب الشيطان إليهم وقال: انصبوا لهؤلاء الصالحين تماثيل، وضعوا هذه التماثيل في مجالسكم؛ لتظلوا دائماً تذكرونهم بكل خير، ولتظل سيرتهم حية تنبض بالحياة بينكم، ففعل قوم نوح هذا، ولكنهم في أول الأمر ما عبدوا هذه التماثيل ولا هذه الأصنام، وإنما وضعت هذه التماثيل وكانوا يعظمون أهلها ويقدرون أصحابها؛ لأنهم كانوا قوماً صالحين، فلما نسي العلم وهلك هؤلاء جاء من بعدهم فظنوا أن هذه التماثيل هي آلهة آبائهم فعبدوها من دون ربهم جل وعلا). فلما أراد الله أن ينتشلهم من هذا الشرك، ومن هذه الأوحال والظلمات أرسل الله جل وعلا إليهم نوحاً على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فدعاهم نوح إلى التوحيد، وأمرهم بعبادة الله وحده، وأمرهم أن يتركوا هذه الأصنام وهذه الآلهة المكذوبة، ودعاهم في الليل والنهار، في السر والعلن، ولكنهم عاندوا وأصروا واستكبروا استكباراً، وقالوا على قلب رجل واحد: ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢٣]. فلما يئس نوح ﵇ دعا الله جل وعلا: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧]، أي: يضلوا عبادك الموحدين المؤمنين. فاستجاب الله جل وعلا لدعوة نوح. وفي سورة أخرى قال: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر:١٠ - ١٢]، أي: ماء السماء مع ماء الأرض، قدرناه ودبرناه وأحكمناه، ﴿عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر:١٢ - ١٤]، إنها قدرة الله جل وعلا، فأهلك الله قوم نوح بالطوفان. ثم انتقل الشرك من بعد قوم نوح إلى قوم عاد، فجاء قوم عاد فعبدوا آلهة أخرى مع الله جل وعلا، منها: هدى وصدى وصمود، فأرسل الله إليهم هوداً على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فدعاهم إلى توحيد الله، وإلى عبادة الله جل وعلا وحده، فكذبوه وعارضوه وعاندوه، فاستجاب الله لنبيه فأهلك الله قوم عاد بريح صرصر عاتية. ثم جاء من بعدهم قوم ثمود، فأرسل الله جل وعلا إليهم صالحاً على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فدعاهم إلى توحيد الله وإلى عبادة الله جل وعلا وحده، فكذبوه وحاربوه، فأهلكهم الله جل وعلا بالصيحة. ثم انتقل الشرك بعد ذلك إلى قوم إبراهيم الذين عبدوا الأصنام، وعبدوا الشمس، وعبدوا القمر، وعبدوا الكواكب والنجوم، فأرسل الله إليهم خليله إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وامتن الله على إبراهيم فجعل النبوة والكتاب في ذريته إلى يوم القيامة، فجميع الأنبياء من بعد إبراهيم من نسل إسحاق، ولم يبعث الله جل وعلا من نسل إسماعيل إلا نبينا وحبيبنا المصطفى، وجعله الله جل وعلا أفضل الأنبياء وسيد المرسلين. ثم انتقل الشرك بعد ذلك إلى بني إسرائيل، فعبد أولهم العجل الذي حرقه موسى وهارون عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، وعبد آخرهم عزيراً والمسيح تعالى الله عما يقول الكافرون علواً كبيراً. ثم انتقل الشرك بعد ذلك إلى أرض الجزيرة العربية على يد عمرو بن لحي الخزاعي قبحه الله، كما أخبر بذلك نبينا ﷺ ، كما ورد في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (إني رأيت عمرو بن لحي الخزاعي يجر قصبه في النار)، و (قصبه) بضم القاف وسكون الصاد هي: الأمعاء، (رأيت عمرو بن لحي الخزاعي يجر قصبه في النار، كان أول من سيب السوائيب)، وفي لفظ أحمد: (وغير دين إبراهيم). هذا الرجل هو أول من جاء بالأصنام إلى أرض الجزيرة العربية، وبدأت الأصنام من بعده تكثر وتنتشر حتى ملأت بيت الله الحرام، وكثرت الأصنام حول الكعبة ذاتها، وعبد الناس الحجارة من دون الله جل وعلا، حتى ثبت في الحلية لـ أبي نعيم، وفي سير أعلام النبلاء للذهبي بسند صحيح عن أبي رجاء العطاردي قال: كنا نعبد الحجر في الجاهلية فإذا رأينا حجراً أحسن منه ألقينا الأول وأخذنا الثاني فعبدناه من دون الله جل وعلا، فإذا لم نجد حجراً أتينا بكومة من التراب وجئنا بالغنم فحلبناها عليه، وطفنا بهذه الكومة نعبدها من دون الله . فلما أراد الله أن ينتشلهم من هذا الشرك إلى أنوار التوحيد والإيمان، بعث الله فيهم إمام الموحدين، وقدوة المحققين محمداً ﷺ ، فجاء النبي ﵊ لينقذهم من هذا الجحيم الذي أشعلوه بأيديهم، وعشقوا الاحتراق بناره، فجاء النبي يدعوهم إلى لا إله إلا الله، ويعلمهم بأن هذه الحجارة لا تضر ولا تنفع ولا تسمع ولا تبصر ولا تغني عن نفسها شيئاً، فمنهم من عاند وأعرض وكفر، وقالت فئة منهم: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص:٥ - ٧]. ووضعت هذه الفئة الكافرة السدود والحواجز والأشواك والصخور والحجارة أمام النبي ﷺ والموحدين معه، ولكن هذا كله لم يزد الفئة المؤمنة الموحدة التي ذاقت حلاوة الإيمان وطعم التوحيد إلا إيماناً وإصراراً وثباتاً على الحق وإخلاصاً لهذا التوحيد الذي ذاقوا حلاوته، حتى جاء نصر الله جل وعلا، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وظلت الأمة ترفل في ثوب التوحيد التي كساها إياه إمام الموحدين محمد ﷺ ؛ حتى بدأت الفتن تطل برأسها الظلوم، وبوجهها الكالح الغشوم، وابتعدت الأمة رويداً رويداً عن حقيقة التوحيد، وبدأ الشرك يظهر في كثير من بلدان الأمة المؤمنة الموحدة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهاهي صور الشرك ومظاهر الشرك قد أنتنت الأرض والبقاع ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولابد أن نعلم -أحبابي- أن الشرك لم يعد يتمثل في هذه الصورة الساذجة التي كانت تتمثل في صورة الصنم الذي يصنعه المشرك الأول بيديه، ويسجد له من دون الله جل وعلا، كلا! بل لقد تعقد الشرك وكثر، وتعددت صوره ومظاهره في مجال الاعتقاد، وفي مجال النسك، وفي مجال التشريع، ولا يتسع الوقت لهذا التفصيل، ومظانه كتب التوحيد لعلماء السلف. بل يكفي أن نعلم جميعاً أنه إلى يومنا هذا وإلى ساعتي هذه، يوجد في هذا العالم المتحرر المتحضر المتنور في الهند وحدها أكثر من مائتي مليون بقرة تعبد من دون الله. بل ولو مشت البقرة في شارع من الشوارع العامة؛ لتوقف وراءها سيل من السيارات، لا تجرؤ سيارة مهما كان قائدها أن تخطو خطوة واحدة إلا إذا تفضلت البقرة بالانصراف عن الطريق العام!! وناهيكم إذا ما دخلت البقرة محلاً من المحلات العامة وتبولت -أعزكم الله- لسعد صاحب المحل سعادة غامرة وقال: لقد حلت علي اليوم بركات الإله!! بل وستعجبون إذا علمتم أن في الهند ذاتها معابد ضخمة تقدم إليها النذور والقرابين، ولكن هل علمتم ما هي الآلهة التي تعبد في هذه المعابد الفخمة الضخمة؟! إنها الفئران!! يا للعار على هذا العقل البشري إذا انفك وتحدى نور الوحي الإلهي. بل وأقول بملء فمي: يا للعار ويا للشنار على أهل التوحيد وعلى أمة التوحيد، ما الذي قدمناه؟ وما الذي فعلناه؟ وما الذي بذلناه؟ بل أقول بمنتهى الحسرة والمرارة: ما الذي قدمناه للمسلمين الذين غاب عن ظنهم ووعيهم وعقلهم مفهوم التوحيد الشامل، وحقيقة التوحيد الخالص؟ ومن باب أولى: ما الذي قدمناه لغير المسلمين من الكفار والمشركين الذين ينتظرون منا أن نعلمهم وأن نسمعهم كلمة التوحيد، وأن نقيم عليهم الحجة الرسالية في الأرض التي قال الله عنها: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]؟ أيها الأحبة! إن هذا يلقي بأعظم المسئوليات على عواتقنا وعلى كواهلنا نحن الموحدين، ولتعلموا جميعاً يا شباب الصحوة بأن التوقف لإصدار الأحكام على الن

стр. 1849

أقسام الشرك الشرك ينقسم إلى قسمين، ألا وهما: شرك أكبر. وشرك أصغر.

стр. 1850

الشرك الأصغر: الرياء الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الأحبة! ويبقى الحديث عن القسم الثاني من أقسام الشرك، وقد حدد النبي ﷺ هذا القسم في حديث صحيح رواه الإمام أحمد في مسنده، والإمام الطبراني في معجمه الكبير، وصحح الحديث شيخنا الألباني في صحيح الجامع من حديث عمران بن حصين وغيره، أن النبي ﷺ قال: (إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله يوم القيامة إذا جازى خلقه أو عباده: اذهبوا إلى من كنتم تراءون في الدنيا هل تجدون عندهم جزاءً). فيا من لا تؤدي العبادة لله جل وعلا وإنما لابتغاء المحمدة والثناء عند الخلق، عند المهازيل من البشر؛ اتق الله! واعلم بأنه لا يوجد مخلوق على ظهر هذه الأرض يستطيع أن ينفعك أو يضرك إلا بأمر الله جل وعلا، فوجه عبادتك وتوحيدك لله ؛ لأن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً صواباً، والخالص هو ما ابتغي به وجه الله، والصواب هو ما كان موافقاً لشرع رسول الله ﷺ ، ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]. والرياء لغة: مشتق من الرؤية، وشرعاً: هو إرادة العباد بطاعة رب العباد، بأن تبتغي بعملك الثناء عند الناس والمحمدة والشكر ولا تبتغي بعملك وجه الله جل وعلا، اعلم حينئذٍ بأن عملك حابط ومردود على رأسك؛ لأن الله أغنى الأغنياء عن الشرك، لا يقبل ذرة شرك في عمل من الأعمال، بل يترك عملك وشركك إلى من وجهت العمل إليه عياذاً بالله. فيا أيها الحبيب الكريم! أخلص العمل لله وأخلص العبادة لله، أذكر نفسي وإياك، وأسأل الله أن يجعلني وإياك من المخلصين الصادقين إنه ولي ذلك ومولاه، ووالله لو لم نسمع في خطورة الرياء إلا حديث أبي هريرة الذي رواه الإمام مسلم وفيه أن النبي ﵌ قال: (إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت ليقال شهيد وقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فيؤتى به فيعرفه الله نعمه فيعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمت، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، بل تعلمت ليقال عالم، وقرأت ليقال قارئ وقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل آتاه الله من أصناف المال، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت سبيلاً من سبل الخير تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها، قال: كذبت، ولكنك أنفقت ليقال جواد وقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه في النار) هذه هي خطورة الرياء أيها الأحبة!

стр. 1851

الشرك الأكبر أما الشرك الأكبر فهو: اتخاذ الند لله أو مع الله، بأن يتخذ العبد نداً لله أو مع الله جل وعلا، يحبه كما يحب الله، ويخافه كما يخاف الله، وينقاد له كما ينقاد لله جل وعلا، في جانب الاعتقاد تارة، أو في جانب النسك -أي: العبادة- تارة أخرى، أو في جانب التشريع وهو الجانب المر الحنظل مرة ثالثة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فيا أيها الحبيب! الشرك الأكبر لا يغفره الله إلا بتوبة صادقة، بالإقرار بالوحدانية لله، وبخلع الشرك على عتبة التوحيد من أول لحظة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]. وهذا الشرك قال الله عنه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٥ - ١٦٧]. وهذا الشرك هو شرك التسوية الذي قال الله عنه على لسان المشركين لآلهتهم في النار قالوا: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٩٧ - ٩٨]، إن هذه التسوية هي بالمحبة والتعظيم والعبادة، وفي التشريع، فلقد قبلوا آراءهم وتشريعاتهم وعظموها أكثر من تعظيمهم لتشريعات ربهم جل وعلا، والله ﵎ يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:٦٠]، وقال الله عن المؤمنين: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٥١]، شعار أهل الإيمان السمع والطاعة، سمع بلا تردد، وطاعة بلا انحراف. هذا الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله جل وعلا، إما أن يتخذ العبد نداً مع الله، وإما أن يتخذ العبد نداً لله نداً يعبده من دون الله أو نداً يعبده مع الله، كشرك هؤلاء الذين يعبدون آلهة أخرى يظنون أنها تشفع لهم عند الله جل وعلا يوم القيامة. والعجيب أن النبي ﷺ قد قطع وسد هذا الباب وقال كما في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة لما سأله: (يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ -أتدرون ماذا قال النبي ﵊؟ - قال: أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه)، والشاهد أن النبي قد جعل أعظم أسباب الشفاعة: إخلاص التوحيد وتجريد التوحيد لله جل وعلا، فلا يشفع مخلوق عند الله ، إلا إذا قبل الله الشفاعة ابتداءً، ورضي الله عن الشافع وعن المشفوع فيه أو المشفوع له، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٨]. ولا يقبل الله من الناس إلا التوحيد الخالص والعبادة الصحيحة لله جل وعلا، ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]. ويبقى الحديث عن القسم الثاني من أقسام الشرك إلى ما بعد جلسة الاستراحة، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 1852

فضل التوحيد وتحقيقه وأختم الحديث عن الشرك بأحاديث خفيفة سريعة عن فضل التوحيد وعن فضل تحقيق التوحيد، ليسعد الموحدون وليسجد الموحدون شكراً لله رب العالمين، وليزداد كل واحد منا حرصاً على التوحيد لله وخوفاً من الوقوع في الشرك، وكيف لا أخاف الشرك ولا تخاف الشرك وقد خاف الشرك خليل الله إبراهيم ودعا ربه جل وعلا بقوله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥]. ففي الصحيحين من حديث عبادة أن النبي ﷺ قال: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل)، وفي رواية عتبان بن مالك: (فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله ، هذا فضل التوحيد أيها الموحدون. وفي الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد والحاكم في المستدرك وصححه على شرط مسلم، وأقره الذهبي، وأطال النفس كثيراً الإمام ابن القيم في الرد على من أعل هذا الحديث في تهذيب السنن، وصحح الحديث أيضاً شيخنا الألباني في صحيح الجامع من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: (إن الله سيخلص رجلاً من أمتي يوم القيامة على رءوس الخلائق، وينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً كل سجل مثل مد البصر، ويقول الله : أفلك عذر؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول العبد: لا يا رب، فيقول الله جل وعلا: أفلك عذر؟ فيقول: لا يا رب، فيقول الله : بلى إن لك عندنا حسنة فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فيقول الله : احضر وزنك فإنك لا تظلم، فيقول العبد: يا رب وما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول الله جل وعلا: احضر وزنك فإنه لا ظلم عليك اليوم، يقول: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، قال: فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، فإنه لا يثقل مع اسم الله شيء). ذلكم هو التوحيد لله الذي قال عنه الإمام ابن القيم: إن السر العجيب الذي ثقل بطاقة هذا الرجل وطاشت من أجله السجلات هو التوحيد الخالص، هو التوحيد الخالص الذي لو وضعت منه ذرة على جبال من الذنوب والخطايا لبددتها وأذابتها، فإن للتوحيد نوراً يبدد ضباب الذنوب وغيومها بقدر قوة هذا النور، إن السر هو التوحيد الخالص، هو التوحيد الصادق، هو إخلاص العبودية والعبادة لله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الأنعام:١٦٢]، وليس لأحد، ليس لأي إله من الآلهة المكذوبة المفتراة المدعاة ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. قل بحق وصدق: اللهم إني أبرأ من الثقة إلا بك، وأبرأ من الأمل إلا فيك، وأبرأ من التسليم إلا لك، وأبرأ من التفويض إلا إليك، وأبرأ من التوكل إلا عليك، وأبرأ من الصبر إلا على بابك، وأبرأ من الذل إلا في طاعتك، وأبرأ من الرجاء إلا لما في يديك الكريمتين. أخلص توحيدك لله، أخلص عبادتك لله، ليكن ذبحك لله، ونذرك لله، وحلفك بالله، وطوافك ببيت الله فقط لا بغيره ولا بقبر أحد من الخلق على ظهر هذه الأرض، ولو كان بقبر الحبيب المصطفى ﷺ ، ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]، لا ببيت هذا ولا بقبر فلان، ولا تذبح إلا له، ولا تنذر إلا له، ولا تحلف إلا به، ولا تسأل إلا الله، ولا تستعن إلا بالله، ولا تطلب الغوث والمدد إلا من الله ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام:١٧]. يا صاحب الهم إن الهم منفرج أبشر بخير فإن الفارج الله إذا بليت فثق بالله وأرض به إن الذي يكشف البلوى هو الله الله يحدث بعد العسر ميسرة لا تجزعن فإن الصانع الله والله ما لك غير الله من أحد فحسبك الله في كل لك الله أيها الحبيب الكريم! وأختم بهذا الحديث الذي رواه الإمام مسلم والإمام الترمذي وهذا لفظ الترمذي من حديث أنس أن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى في الحديث القدسي الجليل: يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة). أسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجنبني وإياكم الشرك، وأن يجعلني وإياكم من المحققين للتوحيد، من المخلصين للعبودية والعبادة لله رب العالمين. وأسأل الله ﵎ بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرد الأمة إليه رداً جميلاً، اللهم رد الأمة إليك رداً جميلاً، اللهم رد الأمة إليك رداً جميلاً، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم كن للمسلمين الحفاة وكن للمسلمين العراة وكن للمسلمين الجياع في وقت تخلى فيه الجميع عنهم في البوسنة والهرسك يا أرحم الراحمين، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين وأعل بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا، اللهم وفق حكام المسلمين لما تحبه وترضاه، الله احفظ حكامنا وثبت علماءنا وفرج كربنا وكربهم برحمتك يا رب العالمين، اللهم فرج كرب العلماء، اللهم فرج كرب الأتقياء، اللهم فرج كرب الأصفياء، اللهم فك سجن المسجونين وأسر المأسورين برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم اقبلنا وتقبل منا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. أحبتي في الله! صلوا وسلموا على نبينا وحبيبنا محمد كما أمرنا الله جل وعلا بذلك في محكم كتابه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، اللهم صل وسلم وزد وبارك على حبيبنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه. والحمد لله رب العالمين.

стр. 1853

من مقتضيات الحب الصادق المؤمن الصادق يحب الله ورسوله ﵌ أكثر من كل شيء، حتى من نفسه، والحب الصادق لله ورسوله ليس مجرد ادعاء، إنما هو اتباع وتمسك بكتاب الله ، وبهدي رسوله ﷺ ، وتحكيم لشريعته واستجابة لأوامره، وليس الحب بالغلو والإطراء، ولا بالاحتفال والغناء.

стр. 1854

حب النبي ﷺ الحقيقي في اتباعه إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات عمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبيناً عن أمته ورسولاً عن دعوته ورسالته. وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء! وطبتم جميعاً، وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا الذي جمعني وإياكم في هذا الجمع المبارك على طاعته أن يجمعني وإياكم في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! (مقتضيات الحب الصادق) هذا هو عنوان محاضرتنا هذه، فسوف ينتظم حديثنا فيها تحت هذا العنوان في العناصر التالية: أولاً: البراءة من الشرك. ثانياً: تحقيق التوحيد. ثالثاً: تحكيم الشريعة. رابعاً: الولاء والبراء. خامساً: سمع بلا تردد، وطاعة بلا انحراف. وأخيراً: حب يفوق حب النفس والمال والأبناء، بلا غلو أو إطراء. فأعيروني القلوب والأسماع، فإن هذا الموضوع من الأهمية بمكان؛ لأننا نرى الأمة تحتفل بذكرى ميلاد المصطفى ﵌، وهي أمة لا تستحي إلا من رحم ربك جل وعلا!! إذ إن الأمة الآن تدعي أنها تحتفل برسول الله في الوقت الذي نحَّت فيه شريعته، وأخرت فيه سنته، وذهبت الأمة لتختار لنفسها من المناهج الأرضية والقوانين الوضعية ما تنقض به من الأساس زعمها الباهت أنها تكرم سيد البشرية! فخذ مني أيها الحبيب! المقتضيات التي إن حققتها وامتثلتها فأنت ممن أحب النبي ﷺ حباً صادقاً، وستحشر مع النبي بالحب الصادق، كما في حديث أنس المخرج في الصحيحين قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله! متى الساعة؟! فقال: وماذا أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها كثير عمل إلا أني أحب الله ورسوله، فقال النبي ﷺ : المرء مع من أحب). يقول أنس: (فما فرحنا بشيء كفرحنا بقول النبي: (المرء مع من أحب) ثم قال: وأنا أحب رسول الله وأبا بكر وعمر، وأرجو الله أن أُحشر معهم، وإن لم أعمل بمثل أعمالهم) أيها الحبيب الكريم! الحب الصادق له مقتضيات الحب الصادق له شروط، وقال الشاعر: من يدعي حُبَ النبي ولم يفد من هديه فسفاهةٌُ وهُراء فالحب أول شروطه وفروضه إن كان صدقاً طاعةُ ووفاءُ وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، فإن أردت أن يحبك الله جل وعلا وأن يحبك رسول الله ﷺ فاتبع أثر النبي، واقتفى أثره واتبع هديه، فإن رفع النبي ﷺ قدمه اليمنى فضع قدمك اليمنى، وإن رفع النبي قدمه اليسرى فضع قدمك اليسرى، وسر على هذه الآثار الكريمة لترى المصطفى في نهاية هذا الطريق ينتظرك على الحوض إن شاء الله جل وعلا. قف مع مقتضيات الحب الصادق لنقف على زعم الأمة الباهت أنها تحتفل بالنبي، وكان من الواجب أن يكون قدر النبي في قلوبنا عظيماً كما عظمه وأجله ربه جل وعلا. فلا ينبغي أن تحتفل الأمة بالنبي في ليلة ساهرة حافلة تحت الطبل والزمر، ومع اختلاطٍ فاحشٍ بين الرجال والنساء والشباب والشواب! ثم تنقضي الليلة قبل الفجر لينفض الجميع وما صلى أحدٌ منهم صلاة الفجر لله جل وعلا إلا من رحم ربك من أفراد قلائل! أسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن رحم.

стр. 1855

مقتضيات حب النبي ﷺ

стр. 1856

حب النبي ﷺ ومكانته في قلوب السلف وأختم بهذه الصورة المشرقة السريعة التي تبين كيف كانت محبة النبي في قلوب الأطهار الأبرار الأخيار؟ تدبر هذا المشهد أيها الحبيب! إنه المغيرة بن شعبة عند أن كان يقف ليظلل على رأس النبي من الشمس في الحديبية -كانوا لا يقبلون أن تلفح وجهه حرارة الشمس، ولا نسمة هواء باردة- فجاء عروة بن مسعود الثقفي رسولاً من قبل قريش ليفاوض النبي في الحديبية، فكان المغيرة واقفاً يظلل ويحمي رسول الله، فمد عروة بن مسعود يده ليداعب بعض الشعرات الطاهرات من لحية الحبيب محمد جرياً على عادة العرب في التودد إلى من يريد هذا المتحدث أن يكلمه، فمجرد ما مد عروة يده ليمسك لحية النبي ﵊ وإذ بـ المغيرة ابن أخي عروة يضرب يد عمه بمؤخرة السيف ضربة شديدة وهو يقول له: أخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ ، وإلا سأقطعها، مع أنه مدها مداعبة لشعرات النبي ﷺ ! وأنا أقول الآن: قد يُسب دين الله ودين رسول الله اليوم، في الوقت الذي ترون فيه على شاشة التلفاز أن لاعبي الكرة يرفعون على الأعناق، وتذلل لهم الصعاب، وتيسر لهم الأسباب، وتفتح لهم الأبواب، وتصاغ لهم الأمجاد، وتهتف وتصفق لهم الجماهير المخدوعة! وبالله عليك تخيل معي مشهد أبي دجانة رضوان الله عليه في غزوة أحد، وهو يترس على النبي، وقد أخذ النبي في صدره بين أحضانه وأعطى ظهره للسيوف والرماح والنبال؛ خشية أن يصل سهم طائش إلى صدر الحبيب سيد الرجال. وتدبر معي مشهد طلحة وهو يقاتل أمام النبي يمنة ويسرة، والرسول يقول لـ طلحة: (فداك أبي وأمي يا طلحة! وطلحة يلتفت إلى النبي ويقول: نحري دون نحرك يا رسول الله!). وتدبر معي هذا المشهد العجيب لشاب من شباب الصحابة كان في أحضان عروسه، إذ لا زالت الليالي الأولى لعرسه الكريم، فيسمع النداء: يا خيل الله اركبي، وسمع: حي على الجهاد، فينسل من بين أحضان عرسه ويتسلل تتسلل القطا، وإن شئت فقل: نزعه من أحضان عرسه حبه لله ولرسول الله، وانطلق مسرعاً لينال شرف الصف الأول خلف رسول الله، ويسقط شهيداً في الميدان وبعد انتهاء المعركة يرفع التقرير الطبي إلى الحبيب ﷺ ، ويقال: يا رسول الله! إنا نرى على حنظلة أثر ماء، فمن أين جاء هذا الماء والحرارة تذيب الحجارة والصخور؟! من أين هذا الماء، وينزل المصطفى بنفسه ليقرر حالة هذه الجثة الموحدة الطيبة الطاهرة ويرى النبي بعينه أثر الماء فيأمرهم أن يسألوا أهله، فتقول: لقد سمع منادي الجهاد يقول: يا خيل الله! اركبي، حي على الجهاد، فلم يمهله الوقت ليرفع عن نفسه الجنابة، فخرج إلى الميدان وهو جنب، فقال المصطفى: (إن الله تعالى قد أنزل ملائكة من السماء بطست من الجنة -بماء من الجنة- فغسلت حنظلة ليلقى الله طاهراً)، إنه الحب لله ورسوله ﷺ ! وآخر يقول له أبو سفيان وهو يعذب: أيسرك أن تكون في أهلك بين ولدك ومحمد في موضعك تُضرب عنقه؟! فقال هذا الصحابي الجليل: والله ما أحب أن تصيب رسول الله شوكة تؤذيه وأنا في أهلي معافى، فقال أبو سفيان قولته الخالدة: والله ما رأيت أحداً يحب أحداً كما رأيت أصحاب محمد يحبون محمداً؛ لأنهم جسدوا الحب إلى واقع وعمل. وأنا أرى أعظم احتفاء بالنبي قولة الصديق يوم أن اتهم المشركون رسول الله بالكذب ليلة الإسراء، فرد الصديق بقوله: (إن كان محمد قال ذلك فقد صدق) هذا هو الاحتفاء. وأرى الاحتفاء الحقيقي في قولة فاروق الأمة عمر للنبي: (ألسنا على الحق؟! فقال رسول الله: بلى فقال: أليسوا على الباطل؟! فقال رسول الله: بلى، فقال: فلم نعطي الدنية في ديننا؟) هذا هو الاحتفاء. وأرى الاحتفاء الحقيقي وقع يوم أن ارتقى النبي ﷺ المنبر وحث الناس على الصدقة، فجاء عثمان فملأ حجر النبي بالذهب والدنانير، ونزل النبي من على المنبر وهو يدعو الله لـ عثمان، ويقول: (ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم) هذا هو الاحتفاء. وأرى الاحتفاء الحقيقي وقع يوم أن نام علي في فراش النبي ليلة الهجرة، وهو يعلم أنه إلى فناء، ولم لا؟ فليغن علي، وليبق حامل لواء الدعوة الحبيب النبي، هذا هو الاحتفاء. فإن أرادت الأمة أن تحتفي بالحبيب المصطفى فلتتبرأ من الشرك، لتحقق التوحيد، لتحكم شريعة النبي ﷺ ، ولتوالِ الله ورسوله والمؤمنين، لتحقق من جديد مبدأ السمع والطاعة، ولتسمع أمر ربها وأمر نبيها بلا تردد ولا انحراف، ثم عليها أن تنقب عن مكانة النبي في قبلها، ورحم الله من قال: من يدعي حب النبي ولم يفد من هديه فسفاهةٌ وهراء فالحب أول شرطه وفروضه إن كان صدقاً طاعةٌ ووفاءُ

стр. 1857

أحوال السنة مع القرآن وتدبروا معي هذا جيداً أيها المسلمون الأخيار! وخذوا مني هذه الهدية، فهي من أدق وأشمل وأنفس ما يُحصل بعد كلام الله وكلام الحبيب، وهذه الهدية هي للإمام ابن القيم رحمه الله تعالى إذ يقول: إن السُنَة مع القرآن على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن تكون السنة مؤكدة للقرِآن من كل وجه، وهذا يكون من باب تضافر الأدلة. الوجه الثاني: أن تكون السنة موضحة لما أجمله القرآن. فقد أمر القرآن بالصلاة؛ فجاءت السنة لتبين لنا كيفية الصلاة وأركانها وشروطها ونواقضها إلى آخره. الوجه الثالث: أن تكون السنة موجبة أو محرمة لما سكت عنه القرآن. فالرسول يحلل ويحرم، فيجب عليك أن تذعن لأمر النبي، وأن تحرم ما حرمه وتحل ما أحله النبي ﵌.

стр. 1858

حب النبي ﷺ بلا غلو أو إطراء المقتضى الأخير: حب يفوق حبك النفس والمال والأبناء بلا غلو أو إطراء. يجب أن يكون حبك للحبيب المصطفى ﵌ يفوق حبك لنفسك ولوالدك ولولدك، بل والناس أجمعين، فقد روى البخاري ومسلم من حديث أنس أن النبي ﵌ قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين). وأقول: يجب أن يكون حبك للنبي يفوق حبك لوالدك وولدك والناس أجمعين، وسيقول لي الإخوة جميعاً: نشهد الله أننا نحب النبي أكثر من حبنا لآبائنا وأولادنا وأنفسنا، فأقول لك: قدم البرهان على هذه الدعوى، فلو بكى ولدك في الليل وصرخ هل ستتوانى عن تلبية صرخة ولدك؟ الجواب لا، بل ستسرع وتحتضن طفلك في صدرك، وتجري إلى أقرب طبيب أو إلى أبعد طبيب، وهذه رحمة في قلبك أسأل الله أن يأجرك عليها، لكن لما أمرك المصطفى هل أسرعت لامتثال أمره كما أسرعت لتلبية رغبة ولدك؟! وقد ذكرت سابقاً قصة التلميذ النجيب الذي جاء لأستاذه ليقول له: يا أستاذي! علمني كيف أرى رسول الله في نومي، فقال له أستاذه: أنت مدعو الليلة للعشاء عندي، وأحضر الأستاذ لتلميذه الطعام وأكثر فيه الملح ومنع عنه الماء، فطلب التلميذ ماءً، فقال له الأستاذ: الماء ممنوع، فكل، فأكل التلميذ حتى امتلئت بطنه بالملح، فقال أستاذه: نم، وقبل الفجر استيقظ -إن شاء الله تعالى- لأعلمك كيف ترى المصطفى في رؤياك، فنام التلميذ وهو يتلوى من شدة العطش، فلما استيقظ من نومه، قال له أستاذه: هل رأيت الليلة شيئاً في نومك قبل أن أعلمك؟ قال: نعم، رأيت، قال أستاذه: وماذا رأيت؟ قال التلميذ: رأيت الأمطار تنزل، والأنهار تجري، والبحار تسير، فقال له أستاذه: نعم، صدقت؛ صدقت نيتك فصدقت رؤياك، ولو صدقت محبتك لرأيت رسول الله! فقدم البرهان على دعواك، وطبق هذا الحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)، بل خذها مني: لا يكمل إيمانك إلا إذا فاق حبك للنبي حبك لنفسك التي بين جنبيك، فقد روى البخاري عن عمر ﵁ أنه قال لرسول الله: والذي نفسي بيده! لأنت أحب إلي من كل شيء يا رسول الله! إلا من نفسي، فقال المصطفى (لا يا، عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال عمر: والذي نفسي بيده! لأنت أحب إلي من نفسي يا رسول الله! فقال المصطفى: الآن يا عمر!). قال أهل العلم: أي: الآن قد كمل إيمانك يا عمر!. فلابد أن تحب الحبيب أكثر من نفسك التي بين جنبيك، فنقب عن محبة الحبيب في قلبك، وقدم البرهان على هذه الدعوى، وقدم الدليل العملي على دعواك حب النبي. قال الإمام الخطابي: حب الإنسان لنفسه طبع، وحب الإنسان لغيره اختيار بتوسط الأسباب ونقل هذا القول عنه الحافظ ابن حجر في (الفتح) وهذا من أنفس ما يستفاد. يعني: أنا أحبك لأسباب، وأنت تحبني لأسباب، أما حبك لنفسك وحبي لنفسي فهذه جبلة طبيعية. فتدبر هذا الكلام النفيس! والنبي ﷺ لم يطلب من عمر حب الطبع، بل ما أراد منه إلا حب الاختيار؛ إذ لا سبيل إلى قلب الطباع عما جبلت عليه. فأراد النبي ﷺ أن يلفت نظر عمر إلى أن الله قد منَّ عليه فنجاه من النار عند أن أرسل له المصطفى المختار. وهذا فخر، كما قال الشاعر: ومما زادني فخراً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك: يا عبادي! وأن أرسلت أحمد لي نبياً ولكن هناك فرق أيها الحبيب المحب! بين حب يدور على الاتباع وبين غلوٍ يدور على الابتداع؛ فقد قال المصطفى ﷺ : (لا تطروني) قال الحافظ ابن حجر: الإطراء هو: المدح بالباطل والكذب، يقول الحبيب: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله). بأبي هو وأمي. واسمع إلى هذا الذي يزعم أنه يمدح النبي فيقول للمصطفى: يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم فهل هذا حب للمصطفى؟! والله إن هذا لا يليق به ولا بكرمه ولا بجلال الله، فالحب هو أن تنسب ما لله لله، وأن تنسب ما للرسول للرسول؛ ففرق أيها المحب بين حب يدور على الاتباع وبين غلو يدور على الابتداع.

стр. 1859

السمع بلا تردد والطاعة بلا انحراف المقتضى الخامس: سمع بلا تردد وطاعة بلا انحراف. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥١ - ٥٢]. هذا هو شعار المؤمنين: سمع بلا تردد، وطاعة بلا انحراف؛ لأنهم موصوفون بهذه الآية: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). فاعرض نفسك على الأمر النبوي والنهي النبوي والحد النبوي، وانظر هل امتثلت أمر النبي؟ وهل اجتنبت نهي النبي؟ وهل وقفت عند حدود النبي ﷺ ؟ فإن كنت ممن سمع الأمر فامتثله والنهي فاجتنبه والحد فوقف عنده فاسجد لربك شكراً، وسل الله أن يزيدك حباً على حب لحبيبك المصطفى. وإن كنت ممن سمع الأمر فلم يمتثل، والنهي فلم ينته، والحد فلم يقف، فاعلم أن زعمك أنك تحب النبي زعمٌ باهتٌ بارد لا ساق له ولا قدم. فشعار المؤمنين: السمع والطاعة، وشعار المنافقين: السمع والمعصية. قال جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:٦٠]، هذا هو شعار المنافقين، ومعنى الآية: ألم تر يا محمد! إلى هذا العجب العجاب إلى قوم يزعمون أنهم آمنوا بك وبما أنزل عليك، بل وبما أنزل من قبلك، ومع هذا الزعم الباهت البارد الفارغ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وقد أمرهم الله أن يكفروا به؟! وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ﴾ [البقرة:٢٥٦]، وقال: ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، فشعار المؤمنين: سمعنا وأطعنا، وشعار المنافقين: سمعنا وعصينا. فتدبر أيها المسلم الحبيب! فوالله ما رُحَمِتْ هذه الأمة إلا ببركة السمع والطاعة. ولما نزل قول الله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤] على الحبيب المصطفى شق ذلك على أصحابه، فانطلقوا حتى جثوا على الرُكب بين يديه، وقالوا: يا رسول الله! كلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، ولقد أُنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، فغضب النبي ﷺ وقال: (أتريدون أن تقولوا ما قاله أهل الكتابين من اليهود والنصارى: سمعنا وعصينا، بل قولوا: سمعنا وأطعنا)، فرد الصحابة على لسان وقلب رجل واحد وقالوا: سمعنا وأطعنا؛ غفرانك ربنا وإليك المصير، فنزل قول الله جل وعلا: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] الآية. فيا من تدعي الحب للنبي! لقد أمرك المصطفى بالصلاة في وقتها، فهل أديت الصلاة في أوقاتها؟! وأمرك المصطفى بترك الحرام والربا، فهل تركت الربا؟! وأمرك المصطفى بعدم شرب الخمر، فهل تركت الخمر؟! وأمرك المصطفى بترك الزنا، فهل انصرفت عن الزنا؟! وأمرك ببر الوالدين، فهل امتثلت الأمر؟! وأمرك بالإحسان إلى الجيران، فهل امتثلت الأمر؟ وأمرك بالإحسان إلى الإخوة والأهل والأحباب، فهل امتثلت الأمر؟! وأمرك بإعفاء اللحية، فهل امتثلت الأمر؟! وأمرك بأوامر كثيرة، فهل امتثلتها؟ فاعرض نفسك على أوامر النبي ونواهيه وحدوده، فإن كنت ممن امتثل الأمر واجتنب النهي ووقف عند الحد الذي حده المصطفى فاسجد لله شكراً، وسل الله أن يزيدك حباً على حبك لحبيبك المصطفى. واحذر هذه الدعوى التي يغني بطلانها عن إبطالها، ويغني فسادها عن إفسادها ألا وهي: أنه يجب أن نعود الآن إلى القرآن فقط؛ لأن السنة فيها الضعيف والموضوع، احذر هذا! واعلم يقيناً بأنك إن عصيت رسول الله فقد عصيت الله، وإن أطعت رسول الله فقد أطعت الله، وإن صدقت رسول الله فقد صدقت الله، وإن امتثلت أمر النبي فقد امتثلت أمر الله، قال جل وعلا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧]. وقال جل وعلا: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران:١٣٢] وقال جل وعلا: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠] وقال جل وعلا: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:١]. قال ابن عباس: أي: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة. قال مجاهد: أي: لا تفتاتوا شيئاً على رسول الله حتى يقضي الله على لسان نبيه. قال القرطبي: أي: لا تقدموا قولاً ولا فعلاً على قول وفعل رسول الله. قال الشنقيطي: ويدخل في الآية دخولاً أولياً تشريع ما لم يأذن به الله، فلا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، ولا حلال إلا ما أحله الله ورسوله، ولا دين إلا ما شرعه الله على لسان رسوله. فمن كذب المصطفى فقد كذب الله، ومن ضيع السنة فقد ضيع القرآن، ومن كفر بالنبي فقد كفر بالرحمن. فإن أردت أن تصل إلى الله فاسلك طريق رسول الله؛ ولا نجاة لك إلا إن سلكت هذا الطريق، فاسلك طريق النبي لتسعد في الدنيا والآخرة. وأحياناً يأتي إليّ أحد الأحبة بأذكار أو بأوراد للطائفة الفلانية أو للجماعة الفلانية أو للشيخ فلان أو للشيخ علان فأقول له: يا أخي الحبيب! هل تحب المصفطى؟! فيقول: والله ما حرصت على هذه الأوراد إلا حباً في المصطفى. فأقول لك: فلا تسلك إلا طريق المصطفى، فاذكر الله كما ذكر الله حبيبك المصطفى، وصل لله كما صلى لله حبيبك المصطفى، فأكمل الهدي هديه، وأحسن الكلام كلامه، فإن أردت السعادة فاسلك طريق محمد بن عبد الله، واقتف الأثر، وسر على الدرب، وإياك! أن تسمع لأحد يخالف قوله قول النبي، بل اعرض كل قول على قول النبي فإن كان قولي موافقاً لقول النبي فاقبله لأنه الحق، وإن خالف قولي قول النبي فاضرب به عرض الحائط، فمهما كان القائل لهذا القول فلا تقل: من القائل، ولكن قل: ما قوله؟! وماذا قال؟! فطاعتك للحبيب المصطفى هي أصلاً طاعة لله، بل لقد حذر النبي ﵊ من هذا الصنف الخبيث الذي يتغنى بالقرآن وبحب القرآن وبالإعراض عن السنة، فلقد روى أبو داود وصحح إسناد الحديث الألباني في (مشكاة المصابيح) من حديث المقدام بن معد يكرب أن النبي ﵌ قال: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه) الكتاب أي: القرآن، ومثله أي: السنة، وهذه من معجزات المصطفى، يقول: (ألا يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته، يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ثم قال الحبيب: ألا إن ما حرم الله كما حرم رسول الله).

стр. 1860

وجوب الولاء لله ورسوله والمؤمنين والبراءة من الشرك والمشركين المقتضى الرابع: الولاء والبراء فيا من ادعيت الحب لله ولرسوله! نقب عن هذا الأصل في قلبك، وانظر هل واليت الله ورسوله والمؤمنين وعاديت الشرك والمشركين لتكون بحق ممن أحب سيد النبيين، أم أنت بخلاف ذلك؟ قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١]. وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [البقرة:١٢٠]. وقال جل وعلا: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨]. آيات كثيرة في هذا الباب. هذا قرآن ربنا نستدل به حتى لا نتهم بالتطرف أو الإرهاب هذا هو القرآن لازال يتلى علينا في الليل والنهار: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ)، قرآن الله . فلا يكمل توحيدك إلا بالولاء والبراء، ولا يصح اعتقادك إلا بالولاء والبراء، أي: أنه يجب عليك أن توالي الله ورسوله والمؤمنين، وأن تتبرأ من الشرك والمشركين، كما قال الشاعر: أتحب أعداء الحبيب وتدعي حباً له ما ذاك في الإمكان وكذا تعادي جاهداً أحبابه أين المحبة يا أخا الشيطان! أن المحبة أن توافق من تحب على محبته بلا نقصان فإن ادعيت له المحبة مع خلا فك ما يحب فأنت ذو بهتان نعم لو صدقت الله فيما زعمته لعاديت من بالله ويحك يكفرُ وواليت أهل الحق سراً وجهرةً ولما تعاديهم وللكفر تنصرُ فما كل من قد قال ما قلت مسلمٌ ولكن بأشراط هنالك تذكرُ مباينة الكفار في كل موطن بذا جاءنا النص الصحيح المقرر وتصدع بالتوحيد بين ظهورهم وتدعوهُم سراً لذاك وتجهرُ فهذا هو الدين الحنيفي والهدى ومِلَةُ إبراهيمَ لو كنت تشعرُ
следующие страницы →