Полный текст (1 901 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
رب رمضان هو رب الشهور كلها
إن رب رمضان هو رب شوال، وهو رب الشهور كلها، فينبغي أن نطيعه في كل لحظة وفي كل أوان وفي كل زمان، لأن من أعظم القربات والطاعات إلى الله جل وعلا: المداومة على الأعمال والطاعات وإن قلَّت، كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل).
فيا من جعلت لنفسك ورداً يومياً وليلياً مع كتاب الله! ويا من جعلت لنفسك ساعة يومية مع الاستغفار والذكر والصلاة والسلام على رسول الله! ويا من جعلت لنفسك تسابقاً في أوجه البر والخير والطاعات في رمضان! ويا من حرصت كل الحرص على أن تؤدي الصلاة في بيوت الرحيم الرحمن؛ اعلم أن من أحب القربات إلى الله أن تداوم على هذه الطاعات وأن تستمر على هذه الأعمال، فإن أحب الأعمال إلى الله جل وعلا أدومها وإن قل، ومن ثم لما جاء الصحابي الجليل سفيان بن عبد الله ﵁ يسأل النبي ﷺ سؤالاً جامعاً في أمر دينه، فقدم له الحبيب المصطفى ﷺ هذه الوصية الغالية التي ينبغي أن نضعها اليوم في قلوبنا، وأن نغمض عليها أجفاننا، وأن نحولها إلى واقع عملي متحرك مضبوط.
قال له سفيان: (يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك؟)، فلخص له الحبيب المصطفى ﷺ أمر السعادة في الدنيا والآخرة في كلمتين اثنتين، فأعيروني القلوب والأسماع، فهي وصية رسول الله لنا لنسعد في الدنيا والآخرة: (يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك؟ فقال له المصطفى ﷺ : قل آمنت بالله ثم استقم)، وهذا لفظ مسلم، ولفظ الترمذي بسند حسن صحيح: (قال سفيان: يا رسول الله! حدثني بأمر أعتصم به، فقال ﷺ : قل ربي الله ثم استقم، قال سفيان: فما أخوف ما تخاف علي يا رسول الله؟ قال: فأخذ رسول الله بلسان نفسه ثم قال ﷺ : أخوف ما أخاف عليك هذا).
стр. 212
أقسام القلوب
القلوب تنقسم إلى أربعة أقسام، كما قال حذيفة بن اليمان ﵁ وأرضاه، والحديث رواه الإمام أحمد في مسنده والإمام الطبراني في معجمه الصغير، وأبو نعيم في الحلية، إلا أن من علمائنا الكبار من ضعف هذا الحديث كالإمام الذهبي والإمام الهيثمي، ومدار تضعيفهم لهذا الحديث على الليث بن أبي سليم وهو متكلم فيه، إلا أن حديثه لا يرد كما قال الإمام أحمد، لذا فإن الحديث حسن إن شاء الله تعالى، يقول حذيفة: القلوب أربعة: قلب أجرد فيه سراج يزهر، فذلك قلب المؤمن، -نسأل الله أن يجعلنا إياكم من هؤلاء- وقلب أغلف، فذلك قلب الكافر، وقلب منكوس عرف ثم أنكر وأبصر ثم عمي، فذلك قلب المنافق، وقلب تمده مادتان: مادة إيمان ومادة نفاق، وهو لما غلب عليه منهما، فتارة تراه في وسط القلوب المؤمنة، وتارة تراه في وسط القلوب المنافقة، وهذا يخشى عليه والعياذ بالله، أنه لا يدري متى سيأتيه ملك الموت، هل سيأتيه وقلبه في جانب أهل الإيمان، أم سيأتيه وقلبه في جانب أهل النفاق.
القلب الأول: هو القلب الذي أشرق فيه مصباح التوحيد، وأنار فيه مصباح الإيمان، وذلك هو القلب السليم الذي سلم من الشرك وسلم من الشك، وسلم من الغل والحقد، وسلم من الحسد، وسلم من الشهوات والشبهات، فانقادت له الجوارح بالطاعة لرب الأرض والسموات، ذلك القلب صاحبه في جنة في الدنيا، وفي جنة في البرزخ، وفي جنة في الآخرة، وذلكم هو القلب الذي ينفع صاحبه يوم القيامة: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩].
стр. 213
شروط سلامة القلب
إن القلب لا يسلم إلا بشروط خمسة، تعرف عليها اليوم لتتعرف على سلامة قلبك، وأين يقع قلبك بين هذه القلوب الأربعة.
يقول الإمام ابن القيم ﵀: ولا يسلم القلب حتى يسلم من خمسة أشياء.
تلك هي أركان سلامة القلب، وتلك هي شروط صحته وطهارته ونقائه واستقامته، لتستقيم الجوارح بعده على طاعة الله جل وعلا: يقول: لا يسلم القلب حتى يسلم من شرك يناقض التوحيد، ومن بدعة تناقض السنة، ومن غفلة تناقض الذكرى، ومن شهوة تناقض الأمر، ومن هوى يناقض الإخلاص.
تلك هي شروط سلامة القلب، وتلك هي أركان صحة القلب.
стр. 214
سلامة القلب من الشهوة
عبد الله! ولا يسلم القلب حتى يسلم من شهوة تناقض الأمر: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)، هذا قول المصطفى ﷺ ، مصداقاً لقول الله جل وعلا: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
стр. 215
سلامة القلب من الهوى
أما الشرط الخامس من شروط سلامة القلب فهو: ولا يسلم القلب حتى يسلم من هوى يناقض الإخلاص، فإن الهوى قد يدمر القلوب، ويبعثر الأعمال، والله جل وعلا لا يقبل الأعمال إلا إذا كانت خالصة، وفي الصحيحين من حديث أسامة أن النبي ﷺ قال: (يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار ويقولون: ما لك يا فلان، ألم تك تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه) ذلكم هو الهوى، نسأل الله جل وعلا أن يرزقنا وإياكم الإخلاص في القول والعمل، وأن يتقبل منا وإياكم صالح الأعمال.
وهكذا أيها الأحبة! لا يستقيم القلب إلا إذا استقام على التوحيد، ولا تستقيم الجوارح على الطاعة إلا إذا استقام القلب على توحيد الله جل وعلا، وحتماً لا تستقيم الجوارح على طاعة الله إلا بعد استقامة القلب (قل آمنت بالله ثم استقم).
أخي الحبيب! أذكر نفسي وإياك بالاستقامة على طاعة الله جل وعلا بعد رمضان، حتى يأتينا ملك الموت ونحن على الطاعة، فإن الله تعالى قد أجرى عادته بكرمه أن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
أسأل الله جل وعلا أن يتوفاني وإياكم على التوحيد والإيمان، إنه ولي ذلك ومولاه، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 216
سلامة القلب من البدعة
عباد الله! لا يسلم القلب حتى يسلم من شرك يناقض التوحيد، ومن بدعة تناقض السنة، واعلم يا عبد الله أن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً صواباً، والخالص هو ما ابتغي به وجه الله، والصواب هو ما كان موافقاً لشرع رسول الله ﷺ ، ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠] ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥] فلا بد من إخلاص العمل لله، ولو أخلصت عملك وعبادتك وصلاتك وزكاتك وصيامك وحجك وإنفاقك وصدقتك، وأنت غير متبع للحبيب ﷺ فأنت مبتدع، وعملك مردود على رأسك، وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث عائشة أنه ﷺ قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد).
أحذر نفسي وإياك من الابتداع فـ: كل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف
стр. 217
سلامة القلب من الغفلة
أخي الحبيب! لا يسلم القلب حتى يسلم من غفلة تناقض الذكر وهذا هو الشرط الثالث من شروط سلامة القلب، وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال: (مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت)، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى في الحديث القدسي الجليل: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، وإن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة)، فلا يسلم القلب حتى يسلم من غفلة تناقض الذكر.
стр. 218
سلامة القلب من الشرك
لا يسلم القلب حتى يسلم من شرك يناقض التوحيد، لأن أظلم الظلم وأقبح القبح وأجهل الجهل في هذه الدنيا هو الشرك، وما عصي الله جل وعلا على ظهر هذه الأرض بذنب أعظم وأقبح من الشرك والعياذ بالله! والرسول ﷺ يقول في الحديث الذي رواه مسلم: (من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار)، ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣].
وفي الحديث الذي رواه مسلم والترمذي من حديث أنس وهذا لفظ الترمذي أن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى في الحديث القدسي الجليل: يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً، لأتيتك بقرابها مغفرة).
إن أعظم ذنب يرتكب على ظهر الأرض هو الشرك بالله، ووالله ما أخر الله النصر عن الأمة إلا لأن من أبناء الأمة من لا يزال متلبساً بالشرك والعياذ بالله، فمن الأمة من يعتقد اليوم أن للكون أقطاباً وأوتاداً وأبداناً تسير الأمر وتصرف شئون الكون، والله جل وعلا يقول: ﴿قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٤].
ومن أبناء الأمة من يذبح لغير الله ومنهم من ينذر لغير الله ويطوف بقبور الأنبياء والأولياء، والله أمر أن يكون الطواف لبيته جل وعلا.
ومن الأمة من يستغيث بغير الله، ومنهم من يستعين بغير الله، ومنهم من يسأل غير الله، ومنهم من يحلف بغير الله، ومنهم من يحكم في الأمة غير شرع الله، وغير هدي رسول الله ﷺ ، ووالله لن تأتي النصرة إلا إذا صححت الأمة توحيدها، وأخلصت إيمانها، وصفت عقيدتها لربها جل وعلا: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣].
إن حق الله على الأمة وعلى الناس جميعاً أن يعبدوه وحده، وأن يخلصوا له العبادة وحده، قال معاذ بن جبل، والحديث في الصحيحين: (كنت رديف النبي ﷺ يوماً على حمار، فقال النبي ﷺ : يا معاذ! أتدري ما حق الله على العباد؟ قال معاذ: الله ورسوله أعلم، فقال الحبيب ﷺ : حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً،)، ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]، فلا تصرف العبادة بركنيها من كمال حب وكمال ذل، وبشرطيها من إخلاص واتباع؛ إلا لله جل وعلا.
(حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ثم قال: أتدري ما حق العباد على الله؟ قال معاذ: الله ورسوله أعلم، فقال ﷺ : وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً، قال معاذ: أفلا أبشر الناس يا رسول الله؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا).
وفي الصحيحين من حديث عبادة أن النبي ﷺ قال: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق وأن النار حق؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل)، وفي رواية عتبان بن مالك: (فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله جل وعلا).
وكلمة التوحيد ليست كلمة ترددها الألسنة فحسب، فإن مما يؤلم النفوس ويفزع القلوب أن نردد كلمة التوحيد في الليل والنهار، ونحن لا نقف عند أوامرها ونواهيها ولا عند حدودها، ونعتقد أن كلمة التوحيد كلمة تقال باللسان وتلوكها الألسنة في الليل والنهار، دخاناً يطير في الهواء لا قيمة له، ووالله لقد ردد المنافقون كلمة التوحيد في حضرة رسول الله ﷺ وما نفعتهم في الآخرة، وإن كانت نفعتهم كلمة التوحيد في الدنيا: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١].
فلابد أن نحول كلمة التوحيد إلى واقع عملي، وإلى مجتمع متحرك منظور، لأن الفكر الإرجائي قد دمر الأمة تدميراً، (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة)، ولكن ليست كلمة باللسان بدون واقع، وبدون عمل وانقياد وامتثال لأمرها، ونواهيها، وبدون وقوف عند حدودها، كلا، فإن هذه الأحاديث المطلقة على هذه الشاكلة قد وردت أحاديث كثيرة تقيدها، والقاعدة الأصولية تقول: (يحمل المطلق على المقيد)، والرسول ﷺ يقول كما ذكرت آنفاً في رواية عتبان في الصحيحين: (فمن قال لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله)، (من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه) (من قال لا إلا الله صدقاً من قلبه) (من قال لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه).
فكلمة التوحيد ليست كلمة تقال باللسان، وإنما الإيمان قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، ورحم الله الحسن حيث يقول: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن الإيمان ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، فمن قال خيراً وعمل خيراً قبل منه، ومن قال خيراً وعمل شراً لم يقبل منه.
стр. 219
جزاء الاستقامة على الطاعة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيأيها الأحبة: أختم اللقاء بسؤال خطير وهام، ألا وهو: ما جزاء الاستقامة على الطاعة؟ ما جزاء من يطيع الله جل وعلا ويستقيم على طاعة الله ؟ لقد جاء بيان الجزاء في جواب بين جلي من الله العلي الأعلى جل وعلا، حيث يقول سبحانه بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [فصلت:٣٠] هل قالوها كلمة تلوكها الألسنة دخاناً في الهواء؟ كلا، ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠] ما جزاؤهم؟ ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٢].
يا له من فضل، ويا لها والله من بشارة لا تقوم لها الدنيا بما فيها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [فصلت:٣٠] وفي وقت تنزل الملائكة على أهل الاستقامة قولان: القول الأول قاله مجاهد والسدي وزيد بن أسلم: أن الملائكة تتنزل على أهل الاستقامة على فراش الموت.
الله أكبر! في وقت السكرة وقت الكربات وقت الأهوال وقت الفزع وقت الضيق، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده وابن ماجة في سننه بسند صحيح من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (تحضر الملائكة -أي عند الموت- فإذا كان الرجل صالحاً قالت الملائكة: اخرجي أيتها النفس الطيبة، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب راض عنك غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج) تُبشَّر من الملائكة وأنت على فراش الموت، يا من أطعت الله واستقمت على طاعة الله.
أما الوقت الثاني الذي تتنزل فيه الملائكة على أهل الاستقامة، وقاله ابن عباس وابن أبي حاتم وغيرهما، قال: تتنزل الملائكة على أهل الاستقامة عند الخروج من القبور يوم البعث والنشور.
تتنزل لهم بهذه البشارة في يوم الأهوال يوم الفزع يوم الكرب يوم الفضائح والعياذ بالله، يخرج أهل الاستقامة من القبور فتتنزل عليهم ملائكة العزيز الغفور بهذه البشارة: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٢] أي: ضيافة وإنعاماً وإكراماً وإحساناً، من رب غفور لكم رحيم بكم، غفر لكم الذنوب وستر لكم العيوب ولطف بكم اليوم في يوم الأهوال والكروب.
﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٢].
هذا هو جزاء الاستقامة أيها الأحباب.
أسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يحفظ قلوبنا وإياكم بطاعته، وأن يصرف قلوبنا وإياكم على طاعته.
اللهم مصرف القلوب والأبصار صرف قلوبنا إلى طاعتك، اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك، اللهم إنا نعوذ بك من السلب بعد العطاء، اللهم إنا نعوذ بك من السلب بعد العطاء، اللهم إنا نعوذ بك من السلب بعد العطاء، اللهم إنا نعوذ بك من العجز والكسل، ومن الجبن والبخل، ومن غلبة الدين وقهر الرجال.
اللهم إنا عبيدك بنو عبيدك، نقر لك بذنوبنا، ونعترف لك بجرمنا، ونعترف لك بضعفنا وعجزنا، فاللهم اغفر ذنبنا، واستر عيبنا، واجبر كسرنا، واختم بالصالحات أعمالنا، ولا تجعل الحياة هي همنا، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، وبلغنا مما يرضيك آمالنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.
اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا.
стр. 220
وجاءت سكرة الموت بالحق
ذكر الشيخ حفظه الله الحقيقة الكبرى الغائبة عن أذهان الكثير من الناس وهي الموت، ذاكراً سكراته وحال المحتضر، ومذكراً العاصي بالموت ولقاء الله تعالى.
стр. 221
الحقيقة الكبرى
الحمد لله رب العالمين، الذي لم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو، فلا خالق غيره ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة، لذا قضى ألا نعبد إلا إياه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢] هو الواحد الذي لا ضد له، وهو الصمد الذي لا منازع له، وهو الغني الذي لا حاجة له، وهو القوي الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو جبار السماوات والأرض فلا راد لحكمه ولا معقب لقضائه وأمره.
وأشهد أن حبيبنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، اللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصلِّ اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: حياكم الله جميعاً، وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله جل وعلا أن ينضر وجوهكم، وأن يزكي نفوسكم، وأن يشرح صدوركم، وأن يجمعني وإياكم في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع خير الدعاة وإمام النبيين وسيد المرسلين في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك ومولاه، وهو على كل شيء قدير.
أحبائي يا ملء الفؤاد تحية تجوز إليكم كل سدٍ وعائق
لقد شدني والله شوق إليكم مكلل بالحب والدعاء المشفق
وأرقني في المظلمات عليكم تكالب أعداء سعوا بالبوائق
أردتم رضا الرحمن قلباً وقالباً وما طلبوا إلا حقير المآزق
فسدد الله على درب الحق خطاكم وجنبكم فيه خفي المزالق
أيها الأحبة في الله! تلبية لرغبة الكثيرين من أحبابي وإخواني، فإننا الليلة على موعدٍ مع محاضرة أخيرة في الرقائق، والحق أقول: إننا نعيش عصراً طغت فيه الماديات والشهوات، وغفل كثير من الناس عن طاعة رب الأرض والسماوات، لذا فإني أرى مع الإخوة الذين ألحوا عليَّ في أن يكون لقاؤنا الليلة في الرقائق أرى معهم بأن القلوب تصدأ، وبأن هذه القلوب تحتاج من آن لآخر إلى من يذكرها بعلام الغيوب، فتعالوا بنا الليلة لنعيش مع كلام الحق مع قول الصدق مع أصل العز والشرف مع نبع الكرامة والهدى مع القرآن الكريم، مع القرآن الذي ضيعته الأمة فضاعت، مع القرآن الذي هجرته الأمة فأذلها الله لليهود إخوان القردة والخنازير، مع القرآن الذي ظنت الأمة أنه ما أنزل إلا ليكتب على الجدران أو ليوضع في علب القطيفة الضخمة الفخمة لتهدى لسادة القوم وعلية الناس في المناسبات الرسمية والوطنية وغيرها.
تعالوا لنعيش الليلة مع آيات من القرآن الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً * وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الإسراء:٩ - ١٠] وإننا سنعيش الليلة مع هذه الآيات التي استمعنا إليها في صلاة المغرب من سورة ق، فأعيروني القلوب والأسماع أيها الأخيار.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:١٩ - ٢٢] وجاءت سكرة الموت بالحق والحق أنك تموت والله حي لا يموت، وجاءت سكرة الموت بالحق والحق أن ترى عند موتك ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب، وجاءت سكرة الموت بالحق والحق أن يكون قبرك روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران.
﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] ذلك ما كنت منه تفر، ذلك ما كنت منه تهرب، ذلك ما كنت منه تجري، تحيد إلى الطبيب إذا جاءك المرض، وتحيد إلى الطعام إذا أحسست بالجوع، وتحيد إلى الشراب إذا أحسست بالظمأ، ولكن أيها القوي الفتي! أيها الذكي العبقري! يا أيها الوزير! ويا أيها الأمير! ويا أيها الكبير! ويا أيها الصغير! اعلم! كل باكٍ فسيبكى كل ناعٍ فسينعى كل مخلوق سيفنى كل مذكور سينسى ليس غير الله يبقى من علا فالله أعلى ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق:١٩] إنها الحقيقة الكبرى التي تعلن على مدى الزمان والمكان في أذن كل سامع، وعقل كل مفكر، ورأس كل طاغوت، أن البقاء لله الحي الذي لا يموت، إنها الحقيقة الكبرى التي تصبغ الحياة البشرية كلها بصبغة الذل والعبودية لقهار السماوات والأرض، إنها الحقيقة الكبرى التي تسربل بها العصاة والطائعون بل والأنبياء والمرسلون طوعاً أو كرهاً، إنها الحقيقة التي أمرنا حبيبنا ونبينا وقدوتنا وقرة أعيننا محمد ﷺ أن نذكرها ولا ننساها كما في الحديث الذي رواه الترمذي بسندٍ حسن من حديث فاروق الأمة عمر أنه ﷺ قال: (أكثروا من ذكر هاذم اللذات -وفي لفظ- أكثروا من ذكر هاذم اللذات، قيل: وما هاذم اللذات يا رسول الله؟ قال: الموت) إنه الموت.
стр. 222
أيها العاصي تذكر الموت
أيها الأحباب! يا من عشت للدنيا! يا من عشت للكرسي الزائل! يا من عشت للمنصب الفاني! يا من ظننت أن كرسيك لا يزول! ويا من ظننت أن منصبك لا يفنى! أين الحبيب رسول الله؟ أين سيد الخلق؟ أين حبيب الحق؟ أين من قال له ربه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤]؟
أيا عبد كم يراك الله عاصيا حريصا على الدنيا وللموت ناسيا
أنسيت لقاء الله واللحد والثرى ويوماً عبوساً تشيب فيه النواصيا
إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى تجرد عرياناً ولو كان كاسيا
ولو كانت الدنيا تدوم لأهلها لكان رسول الله حياً وباقيا
ولكنها تفنى ويفنى نعيمها وتبقى الذنوب والمعاصي كما هيا
كم ستعيش؟ إن عمرك في حساب الزمن لحظات وما هي النتيجة؟ وما هي النهاية؟ يا أيها الإنسان! يا أيها الكبير! ويا أيها الصغير! ﴿يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] ﴿كَلاَّ إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِي * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتْ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة:٢٦ - ٣٠].
ويفتح سجلك يا مسكين! ويفتح ملفك يا غافل! وإذا به: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة:٣١ - ٣٢] سمع الأذان وسمع النداء يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح وهو مازال جالساً في المقهى على معصية لله جل وعلا لم يجب نداء الحق ﷻ .
وتأتي للصلاة على فتورٍ كأنك قد دعيت إلى البلاء
وإن أديتها جاءت بنقصٍ لما قد كان من شرك الرياء
وإن تخلو عن الإشراك فيها تدبر للإمور بالارتقاء
ويا ليت التدبر في مباح ولكن في المشقة والشقاء
وإن كنت المصلي بين خلق أطلت ركوعها بالانحناء
وتعجل خوف تأخير لشغلٍ كأن الشغل أولى باللقاء
وإن كان المجالس فيه أنثى قطعت الوقت من غير اكتفاء
ألا يساوي الله معك أنثى تناجيه بحب أو صفاء
يا غافلاً لاهياً! يا ساهياً يا من نسيت حقيقة الدنيا ونسيت الآخرة! يا من تركت الصلاة! يا من ضيعت حقوق الله! يا من عذبت الموحدين لله! يا من بارزت رسول الله بالمعصية! يا من عق أباه! يا من عق أمه! يا من قطع رحمه! يا من ضيع حقوق الله!
دع عنك ما قد فات في زمن الصبا واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب
لم ينسها الملكان حين نسيتهم بل أثبتاه وأنت لاهٍ تلعب
والروح منك وديعة أودعتها فتردها بالرغم منك وتسلب
وغرور دنياك التي تسعى لها دار حقيقتها متاع يذهب
الليل فاعلم والنهار كلاهما أنفاسنا فيهما تعد وتحسب
стр. 223
(كلا إذا بلغت التراقي)
﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ [القيامة:٢٦] أي: إذا بلغت الروح الترقوة والحلقوم ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [القيامة:٢٧] من الذي سيرقيه؟ من الذي سيبذل له الرقية؟ من الذي سيبذل له العلاج؟ وهو من هو؟ هو الملك، هو الحاكم، هو الوزير، هو الأمير، صاحب الجاه، صاحب المنصب، صاحب السلطان، يقول هو ومن حوله: أحضروا الأطباء أحضروا الطائرة الخاصة لتنقله على الفور إلى أكبر المستشفيات وأكبر الأطباء.
ولكن إذا اقتربت ساعة الصفر وانتهى الأجل، لا تستطيع قوة على ظهر الأرض ولا يستطيع أهل الأرض ولو تحولوا جميعاً إلى أطباء أن يحولوا بينك وبين ما أراد رب الأرض والسماء: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨].
انظر إليه والأطباء من حول رأسه، وقد حانت ساعة الصفر فاصفر وجهه، وشحب لونه، وبردت أطرافه، وتجعد جلده، وبدأ يحس بزمهرير قارس، يزحف إلى أنامل يديه وقدميه، يحاول جاهداً أن يحرك شفتيه بكلمة التوحيد، فيحس أن الشفة كالجبل لا يريد أن يتزحزح إلا لمن يسر الله له النطق بكلمة التوحيد، فينظر وهو بين السكرات والكربات إلى الأطباء من حول رأسه، وينظر إلى زوجته وأولاده إلى أحبابه إلى إخوانه نظرة استعطاف، نظرة رجاء، نظرة أمل، نظرة تمنٍ، وهو يقول لهم بلسان الحال بل وبلسان المقال: يا أحبابي! يا أولادي! أنا أخوكم، أنا أبوكم، أنا حبيبكم، أنا الذي بنيت القصور، وأنا الذي عمرت الدور، وأنا الذي نميت التجارة، فمن منكم يزيد في عمري ساعة أو ساعتين؟ وهنا يعلو صوت الحق: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٨٣ - ٩٦].
سبحانك! يا من أذللت بالموت رقاب الجبابرة! سبحانك! يا من أذللت بالموت رقاب الأكاسرة! سبحانك! يا من أذللت بالموت رقاب القياصرة! فنقلتهم بالموت من القصور إلى القبور، ومن رغد المهود إلى ظلمة اللحود، ومن ملاعبة الجواري والغلمان إلى مقاساة الهوام والديدان، ومن التنعم في الطعام والشراب إلى التمرغ في الوحل والتراب، سبحانك: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٩٦].
﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [القيامة:٢٧] من يرقيه؟ من يبذل له الرقية؟ من يقدم له العلاج؟ من يحول بينه وبين الموت؟ لا أحد.
﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [القيامة:٢٧] تفسير آخر: من يرتقي بروحه بعدما فارقت جسده إلى الله جل وعلا، ﴿مَنْ رَاقٍ﴾ [القيامة:٢٧] من الذي سيرتقي بها من الملائكة ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة:٢٨ - ٣٠].
стр. 224
مرارة الرحيل
سفري بعيد وزادي لن يبلغني وقوتي ضعفت والموت يطلبني
ولي بقايا ذنوب لست أعلمها الله يعلمها في السر والعلن
أنا الذي أغلق الأبواب مجتهداً على المعاصي وعين الله تنظرني
ما أحلم الله عني حيث أمهلني وقد تماديت في ذنبي ويسترني
كأنني بين تلك الأهل منطرحاً على الفراش وأيديهم تقلبني
وقد أتوا بطبيب كي يعالجني ولم أر الطب هذا اليوم ينفعني
واشتد نزعي وصار الموت يجذبها من كل عرق بلا رفق ولا هون
وقام من كان أحب الناس في عجل نحو المغسل يأتيني يغسلني
فجاءني رجل منهم فجردني من الثياب وأعراني وأفردني
وأودعوني على الألواح منطرحاً وصار فوقي خرير الماء ينظفني
وأسكب الماء من فوقي وغسلني غسلاً ثلاثاً ونادى القوم بالكفن
وحملوني على الأكتاف أربعةٌ من الرجال وخلفي من يشيعني
وقدموني إلى المحراب وانصرفوا خلف الإمام فصلى ثم ودعني
صلوا عليَّ صلاة لا ركوع لها ولا سجود لعل الله يرحمني
وأنزلوني إلى قبري على مهل وقدموا واحداً منهم يلحدني
فكشف الثوب عن وجهي لينظرني فأسكب الدمع من عينيه أغرقني
وقال هلوا عليه الترب واغتنموا حسن الثواب من الرحمن ذي المنن
تقاسم الأهل مالي بعدما انصرفوا وصار وزري على ظهري فأثقلني
يا نفس كفي عن العصيان واغتنمي حسن الثواب من الرحمن ذي المنن
أيا من يدعي الفهم إلى كم يا أخا الوهم
تعب الذنب والذم وتخطي الخطأ الجم
أما بان لك العيب أما أنذرك الشيب
وما في نصحه ريب ولا سمعك قد صم
أما نادى بك الموت ما أسمعك الصوت
أما تخشى من الفوت فتحتاط وتهتم
فكم تَسدَرُ في السهو وتختال من الزهو
وتنصب إلى اللهو كأن الموت ما عم
كأني بك تنحط إلى اللحد وتنغط
وقد أسلمك الرهط إلى أضيق من سم
هناك الجسم ممدود ليستأكله الدود
إلى أن ينخر العود ويمسي العظم قد رم
فزود نفسك الخير ودع ما يعقب الضير
وهيئ مركب السير وخف من لجة اليم
لذا أوصيك يا صاح وقد بحت كمن باح
فطوبى لفتىً راح بآداب محمد يأتم
стр. 225
ماذا بعد الموت ؟
﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] فالموت حق -أيها الأحبة- وليت الأمر يتوقف عند الموت لاسترحنا كثيراً ولكن بعد الموت بعث، وبعد البعث حساب، وفي الحساب سؤال، والسؤال بين يدي ملك الملوك وجبار السماوات والأرض، إن الموت حقيقة لا تنكر.
ورحم الله الفضيل بن عياض إذ لقيه رجل فسأله الفضيل عن عمره.
فقال الرجل: عمري ستون سنة.
قال الفضيل: إذاً أنت منذ ستين سنة تسير إلى الله يوشك أن تصل.
فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون! قال الفضيل: هل عرفت معناها؟ قال: نعم.
عرفت أني لله عبد وأني إلى الله راجع.
فقال الفضيل: يا أخي إن من عرف أنه لله عبد وأنه إلى الله راجع عرف أنه موقوف بين يديه، ومن عرف أنه موقوف عرف أنه مسئول، ومن عرف أنه مسئول فليعد للسؤال جواباً.
فبكى الرجل وقال: يا فضيل وما الحيلة؟ قال الفضيل: يسيرة.
قال: ما هي يرحمك الله؟ قال: أن تتق الله فيما بقى يغفر الله لك ما قد مضى وما قد بقى.
ورضي الله عن هارون الرشيد الذي يوم أن نام على فراش موته قال: أريد أن أرى قبري الذي سأدفن فيه، وحملوا هارون إلى قبره - هارون الذي كان يخاطب السحابة في كبد السماء ويقول لها: أيتها السحابة! في أي مكان شئت فأمطري، فسوف يحمل إليَّ خراجك هاهنا إن شاء الله- حمل ليرى قبره ونظر هارون إلى قبره وبكى ثم التفت إلى أحبابه من حوله وقال: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨ - ٢٩] أين المال؟ أين الدولارات؟ أين السيارات؟ أين العمارات؟ أين الأراضي؟ أين السلطان؟ أين الجاه؟ أين الوزارة؟ أين الإمارة؟ أين الجند؟ أين الحرس؟ أين الكرسي الزائل؟ أين المنصب الفاني؟ ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨ - ٢٩] وبكى هارون وارتفع صوته ونظر إلى السماء وقال: يا من لا يزول ملكه! ارحم من قد زال ملكه ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦] أين الفراعنة؟ أين الأكاسرة؟ أين القياصرة؟ أين الظالمون؟ أين الطواغيت؟ أين الظالمون وأين التابعون لهم في الغي؟ بل أين فرعون وهامان؟
أين من دوخوا الدنيا بسطوتهم وذكرهم في الورى ظلم وطغيان
هل غادر الموت ذا عز لعزته أو هل نجى منه بالسلطان سلطان
لا والذي خلق الأكوان من عدم الكل يفنى فلا أنس ولا جان
يا نفس قد أزف الرحيل وأظلك الخطب الجليل
فتأهبي يا نفس لا يلعب بك الأمل الطويل
فلتنزلن بمنزلٍ ينسى الخليل به الخليل
وليركبن عليك فيه من الثرى ثقل ثقيل
قرن الفناء بنا جميعاً فما يبقى العزيز ولا الذليل
من الباقي؟ إنه الحي الذي لا يموت: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]، ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨].
стр. 226
يوم العرض على الله
فيا أيها الحبيب! يا أيها الكريم! هل ذكرت نفسك بهذه الحقيقة؟ هل تذكرت الموت؟ هل أعددت ليومٍ سترحل فيه عن هذه الدنيا؟ من منا كتب وصيته ووضعها تحت رأسه في كل ليلة؟ يا من شغلك طول الأمل! أنسيت يوماً سترحل فيه عن دنياك لتقف بين يدي مولاك.
وليس الموت هو نهاية المطاف، ولكنني -كما ذكرت- سنبعث لنسأل بين يدي ملك الملوك وجبار السماوات والأرض، سنعرض على هذه المحكمة الكبرى التي قال الله عنها: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧ - ٨] فينادى عليك باسمك واسم أبيك أين فلان بن فلان؟ ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ [ق:٢٠] إنه يوم القيامة، يوم الحسرة والندامة، يوم الصيحة، يوم الحاقة، يوم القارعة، يوم الآزفة، إنه يوم ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢] إنه يوم الوعيد يوم يؤتى بملكين: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق:٢١]، قال الحافظ ابن كثير قال عثمان في خطبته: سائق يسوق العبد إلى الله، وشهيد يشهد على أعمال العبد بين يدي مولاه، ستساق إلى الله جل وعلا، وسينادى عليك يا مسكين ليكلمك ملك الملوك بغير ترجمان.
تفكر الليلة لو عدت إلى بلدك ووجدت شرطياً يقدم لك رسالة ويقول: إنك مطلوب غداً للوقوف أمام قاضٍ من قضاة الدنيا، الفقراء الضعفاء الأذلاء لن تذوق عينك النوم الليلة، ستفكر! فهل فكرت في موقف ستسأل فيه من ملك الملوك وجبار السماوات والأرض؟
مثل وقوفك يوم الحشر عرياناً
أين الإمارة والسلطان؟ أين الجاه؟ أين الكراسي؟ أين الجند؟
مثل وقوفك يوم الحشر عريانا مستوحشاً قلق الأحشاء حيرانا
والنار تلهب من غيظ ومن حنقٍ على العصاة ورب العرش غضبانا
اقرأ كتابك يا عبدي على مهل فهل ترى فيه حرفاً غير ما كان
لما قرأت ولم تنكر قراءته أقررت إقرار من عرف الأشياء عرفانا
نادى الجليل خذوه يا ملائكتي وامضوا بعبدٍ عصى للنار عطشانا
المشركون غداً في النار يلتهبوا والموحدون بدار الخلد سكانا
وفي الصحيحين من حديث عدي بن حاتم: (ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه -عن يمينه- فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه -عن شماله- فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].
اتقوا النار فإن حرها شديد، وقعرها بعيد، ومقامعها من حديد: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج:١٩ - ٢١].
اللهم حرم جلودنا عن النار، ووجوهنا على النار، وأبصارنا على النار، اللهم إنا ضعاف لا نقوى عليها فنجنا، اللهم أدخلنا الجنة مع الأبرار، برحمة منك يا عزيز يا غفار! (اتقوا النار ولو بشق تمرة) ستسأل بين يدي الله أنت بشحمك ولحمك، سيكلمك الله ليس بينك وبينه ترجمان، انظر أيها المؤمن واسجد لربك شكراً أنك من أتباع الحبيب محمد ﷺ .
ومما زادني فخرً وتيها وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا
اسجد لربك شكراً يا من وحدت الله، اسمع ماذا قال إمام الموحدين وقدوة المحققين وسيد المرسلين محمد ﷺ كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أنه ﷺ قال: (يدنى المؤمن من ربه يوم القيامة -سوف يقربك الله ﷻ منه- حتى يضع رب العزة عليه كنفه) والكنف لغة لا تأويلاً للصفة هو الستر والرحمة، ونحن لسنا ممن يؤول صفات الحق جل وعلا، وإنما نؤمن بأسماء الجلال وصفات الكمال من غير تحريف لألفاظها ولا لمعانيها، ومن غير تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل؛ لأن الله جل وعلا جلَّ عن الشبيه والنظير والمثيل، لا ند له، ولا كفء له، ولا شبيه له، ولا مثيل له، ولا نظير له، ولا والد له ولا ولد ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] (يُدنى المؤمن من ربه يوم القيامة حتى يضع رب العزة عليه كنفه، ويقرره بذنوبه يقول له ربه جل وعلا: لقد عملت كذا وكذا في يوم كذا وكذا فيقول المؤمن: رب أعرف رب أعرف -لا ينكر يقولها مرتين- فيقول الله جل وعلا: ولكني سترتها عليك في الدنيا وأغفرها لك اليوم).
أسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن ينادى عليهم بهذا النداء العذب الحلو: (ولكني سترتها عليك في الدنيا وأغفرها لك اليوم) من الذي يقال له هذا؟ الموحد المؤمن، أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهل الإيمان، وأن يختم لي ولكم عند الموت بالتوحيد، اللهم ارزقنا قبل الموت توبة، وعند الموت شهادة، اللهم استرنا فوق الأرض، واسترنا تحت الأرض، واسترنا يوم العرض، برحمتك يا أرحم الراحمين! ينادى عليك لتسأل بين يدي الله تعالى أين فلان بن فلان؟ مَن أنا؟! هذا هو اسمي! أقبل، أقبل للعرض على الله جل وعلا، فتجد نفسك واقفاً بين يدي الحق فتعطى صحيفتك هذه الصحيفة التي لا تغادر بلية كتمتها، ولا مصيبة ومعصية أسررتها، فكم من معصية قد كنت أخفيتها أظهرها الله لك وأبداها، وكم من مصيبة قد كنت أخفيتها ذكرك الله إياها، فيا حسرة قلبك وقتها على ما فرطت في دنياك من طاعة مولاك، إن كنت من المؤمنين أعطاك الله كتابك باليمين وأنارت أعضاؤك وأشرق وجهك وانطلق النور من بين يديك وعن يمينك كما قال الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم:٨].
أما أهل النفاق أهل الظلمات فينادون أهل الأنوار: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣].
﴿يُنَادُونَهُمْ﴾ [الحديد:١٤] يا أهل الأنوار! يا أهل التوحيد! ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ [الحديد:١٤]؟ ألم نحضر معكم الجُمَع والجماعات ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد:١٤] ينطلق وكتابه بيمينه بعدما سعد سعادة لن يشقى من بعدها أبداً، ينطلق في أرض المحشر إلى إخوانه وأحبابه وأقرانه ومن هم على شاكلته والنور يشرق من وجهه وأعضائه كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: [منهم من يكون نوره كالجبل، ومنهم من يكون نوره كالنخلة، ومنهم من يكون نوره كالرجل القائم، ومنهم من يكون نوره على إبهامه، يتقد مرة وينطفئ مرة] والأثر ذكره الإمام السيوطي في الدر المنثور وتعقبه الإمام الذهبي فقال: بل هو صحيح على شرط البخاري ينطلق والنور يشرق من وجهه وأعضائه وكتابه بيمينه، والله لقد سعد سعادة لن يشقى بعدها أبداً، فينطلق إلى إخوانه وأحبابه من الموحدين في أرض المحشر، ويقول لهم: شاركوني السعادة، شاركوني الفرحة، شاركوني البهجة، اقرءوا معي كتابي، انظروا هذا كتابي بيميني، اقرءوا هذا توحيدي، وهذه صلاتي، وهذا صيامي، وهذا حجي، وهذا بري، وهذه صدقتي، وهذه دعوتي، وهذا عملي، اقرءوا معي ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة:١٩ - ٣٣].
стр. 227
دعوة لمحاسبة النفس
لا إله إلا الله!! هل أعددت لهذا اليوم جواباً أيها الحبيب؟ أيها الحبيب: أقبل على الله، تعال إلى فلاح الدنيا والآخرة.
أيها الشاب! أيها الوالد الكريم! أيها الابن الحبيب! أيها الأخ الفاضل! أيتها الأخت الفاضلة! هيا جميعاً لنتب إلى الله جل وعلا في هذه الليلة الكريمة المباركة التي دمعت فيها العيون، وخشعت فيها القلوب لعلام الغيوب، تعالوا بنا لنجدد التوبة والأوبة والعودة، ولنكن على يقين جازم بأن الله جل وعلا لا يرد ولا يغلق باب التوبة في وجه أحد طرقه من ليل أو نهار: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
يا من أسرفت على نفسك بالمعاصي! أقبل إلى الله جل وعلا ولا يغرنك الشيطان عن الله، واعلم بأن الله كريم، واعلم بأن الله رحيم، واعلم بأن الله سيغفر لك أي ذنب إذا كنت موحداً لله جل وعلا، وفي صحيح مسلم وسنن الترمذي من حديث أنس أن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى في الحديث القدسي الجليل: يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا بن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة).
وأختم بقول الله : ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣١ - ٣٥]، هل عرفت المزيد أيها الحبيب؟ إن نعيم الجنة ليس في لبنها، ولا خمرها، ولا قصورها، ولا ذهبها، ولا حريرها، ولا حورها، ولكن نعيم الجنة في رؤية وجه ربها، وهذا هو المزيد ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥] ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣].
أسأل الله جل وعلا أن يمتعني وإياكم بالجنة، وبالنظر إلى وجهه الكريم، وأن يرزقني وإياكم الإخلاص في القول والعمل.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 228
فتح مكة
إن من أسباب النصر حسن التخطيط، واستغلال مستجدات الأحداث، ولقد تمثل ذلك جلياً في صلح الحديبية التي انعقد بين المسلمين وقريش، فكان فتحاً مبيناً، ومقدمة لفتح مكة، حيث لم تلبث قريش أن نقضت هذا الصلح، فأمر النبي ﷺ بالتجهز للسير إلى مكة، وكان ذلك في سرية تامة؛ حتى لا يعلم أهل مكة أنه يريدهم، فخرج إليهم النبي ﷺ في شهر رمضان، وتم فتح مكة هذا ما تحدث عنه الشيخ؛ مبيناً كيف أعز الله جنده وهزم الأحزاب وحده، ونصر عبده في هذا اليوم العظيم.
стр. 229
خطورة تجهيل الأمة المسلمة بتاريخها
الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو فلا خالق غيره ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلَّغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصلِّ اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور العامرة بالإيمان إن شاء الله جل وعلا، وأسأل الله سبحانه أن يتقبل مني ومنكم صيامنا وقيامنا وصالح أعمالنا، وأن يجمعني وإياكم في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد النبيين في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله: إننا اليوم على موعد مع يوم كريم من أيام شهر رمضان، إنه يوم أعز الله فيه دينه، ونصر فيه عبده، وأعز فيه جنده، واستنقذ فيه بيته الحرام، وبلده الأمين من أيدي الكفار والمشركين، إنه يوم الفتح الأعظم الذي استبشر به أهل السماء، وضربت أطناب عزه على مناكب الجوزاء، ودخل الناس به في دين الله أفواجاً، وأشرق به نور الأرض ضياءً وابتهاجاً، وتحطمت فيه الأصنام ونكست رءوسها في ذل شديد، وتهللت الكعبة فرحاً بشروق يوم التوحيد، إنه يوم الفتح الأعظم، إنه يوم فتح مكة في العاشر من رمضان في السنة الثامنة من هجرة المصطفى ﵊.
تعالوا بنا -أحبتي في الله- لنعيش هذه الدقائق المعدودات مع هذا اليوم الكريم المبارك، وأنا أعلم يقيناً أن كثيراً من المسلمين لا يعلمون عن هذا اليوم إلا القليل القليل القليل، لماذا؟ لأن أعداء ديننا قد بذلوا كل ما يملكون، ليقطعوا الصلة بين المسلمين وبين تاريخهم المجيد المشرق، وذلك بتشويه حقائق التاريخ من ناحية، وبالحيلولة بين أبناء الأمة وأجيالها وبين حقائق التاريخ من ناحية أخرى، فنشأ جيل في فترة الاستغراب الطويلة الماضية، نشأ جيل لا يعرف عن إسلاميته ولا عن تاريخ فتوحاته ولا بطولاته وأمجاده شيئاً، في الوقت الذي يعرف فيه الكثير والكثير عن تاريخ الغرب، فقد تجد كثيراً من المسلمين يعرفون الكثير والكثير عن الثورة الفرنسية، أو عن الثورة البلشفية، ولا يعرفون إلا القليل عن غزوات خير البرية ﷺ .
فقد ترى الشاب في هذه الأيام قد يعرف نابليون، وقد يعرف إستالين، وقد يعرف غيرهم وغيرهم، وهو لا يعرف شيئاً عن صلاح الدين، ولا عن محمد بن مسلمة، ولا عن خالد بن الوليد، ولا عن عمرو بن العاص، ولا عن غيرهم من هؤلاء الأطهار الأبرار الأخيار، فتعالوا بنا -أحبتي في الله- لنعيش مع هذا اليوم، وإني لأرى أنه من الواجب علينا أن نعاود من جديد دراسة تاريخنا الإسلامي، وأن نقف عند حقائقه؛ لأن التاريخ قد شُوه وحُرف وبُدل، وأن نعلم أولادنا حقيقة وعظمة تاريخنا، وعظمة وبطولات أبطالنا ورجالنا وأطهارنا؛ لينشأ الجيل على سير هؤلاء الأطهار الأبرار، بدل أن يغذى على سير أولئك الأوباش والأنجاس.
стр. 230
نقض قريش لصلح الحديبية
ما هي المقدمات لهذا النصر المبين؟ لقد كان من شروط صلح الحديبية أن من دخل في عقد قريش وعهدهم دخل، ومن أحب أن يدخل في عقد رسول الله ﷺ وعهده دخل، فدخلت قبيلة بني بكر في عهد قريش وعقدهم، ودخلت قبيلة خزاعة في عقد رسول الله ﷺ وعهده، ولما طالت الهدنة بين الفريقين استغلت قبيلة بني بكر هذه الهدنة، وأرادت أن تنتقم وأن تثأر من قبيلة خزاعة لتحصل لها ثأراً قديماً بينها وبينها، فهاجمت قبيلة بني بكر قبيلة خزاعة على ماء لهم يسمى: الوتير، وأعملوا فيهم السيوف، وغدروا بهم، وقتلوا منهم عدداً كبيراً.
ولما لم تكن قبيلة خزاعة مستعدة لقتال ولا لحرب، فرت إلى البيت الحرام، ومن المعلوم عندهم أنه من دخل المسجد الحرام رفع عنه السيف، حتى ولو كان قاتلاً لأب الذي يحمل السيف وهو يريد أن يقتله، وبالرغم من ذلك لم تراعِ قريش حرمةً للبيت، ولم تراعِ قبيلة بني بكر حرمة للبيت كذلك، بل وأمدت قريش قبيلة بني بكر بالسلاح، ومنهم من قاتل في صفوف بني بكر مستخفياً بالليل.
ولما جاءت قبيلة بني بكر بقيادة رئيسهم نوفل بن معاوية الديلي، وأرادوا أن يقتحموا المسجد الحرام على خزاعة، قال له بعض العقلاء من قبيلته: يا نوفل! إنهم دخلوا المسجد الحرام، إلهك إلهك يا نوفل! فقال هذا الرجل قولة خبيثة، قال: لا إله له اليوم، ثم قال لقبيلته بني بكر: فلعمري يا بني بكر إنكم لتسرقون في الحرم، أفلا تأخذون فيه ثأركم؟! ودخلوا عليهم الحرم وقاتلوهم فيه، وهنا انطلق عمرو بن سالم الخزاعي -رئيس قبيلة خزاعة- انطلق إلى المدينة المنورة مسرعاً، إلى محمد ﷺ ، حتى دخل المسجد على رسول الله فرأى النبي جالساً بين أصحابه، فوقف عمرو بن سالم الخزاعي على رأس النبي ﷺ وقال:
يارب إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا
إن قريشاً أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا
قد بيتونا بالوتير هجدا وقتلونا ركعاً وسجدا
فانصر هداك الله نصراً أبدا وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجردا أبيض مثل البدر يسمو صعدا
يا لها من بلاغة عجيبة! فقال له النبي: (نصرت يا عمرو بن سالم) وإن كان الحديث قد رواه ابن إسحاق في السير بغير سند إلا أن الطبري قد وصله بإسناد ضعيف.
стр. 231
اعتراف قريش بالخطأ وإرسال أبي سفيان إلى المدينة
وأدركت قريش خطأها، نقضت العهد وخفرت الذمة، فلما أدركت الخطأ بعد فوات الأوان، أرسلت أبا سفيان بن حرب -سيد الحرب وقائد الميدان- إلى النبي ﷺ في المدينة، أرسلته ليعيد للعقد الذي أهدرت كرامته، ليعيد إليه قوته وحرمته، وليعتذر لرسول الله ﷺ عما بدر من قريش، إلا أن الأوان قد فات وانتهى، فذهب أبو سفيان إلى النبي ﷺ فكلمه فلم يرد عليه النبي شيئاً، فترك أبو سفيان الحبيب ﷺ وذهب إلى أبي بكر ليشفع له عند رسول الله، فقال الصديق: والله ما أنا بفاعل، فترك أبو سفيان أبا بكر وذهب إلى عمر بن الخطاب ﵁ ليشفع له عند رسول الله، فقال عمر: أنا أشفع لكم عند رسول الله! والله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به.
فترك أبو سفيان عمر وذهب إلى علي فقال: يا علي! أنت أكثر الناس صلة بي ورحماً لي، فاشفع لي إلى رسول الله ﷺ ، فقال علي: ويحك يا أبا سفيان! والله إن رسول الله ﷺ قد عزم على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه، ارجع.
فرجع أبو سفيان يجر أذيال الخيبة والفشل، وعلم يقيناً أن رسول الله ﷺ قد عزم على أمر وسوف يباغتهم في مكة في أي لحظة من لحظات الليل أو النهار، وقيد الرعب أم القرى، وعلمت مكة أنها قد أخطأت خطأً كبيراً في حق رسول الله ﷺ .
стр. 232
الرسول يأمر بالاستعداد لفتح مكة في سرية تامة
وهنا أمر النبي الناس بالجهاز، وبإعداد العدة للجهاد في سبيل الله وللخروج للغزو، إلا أنه لم يخبر أحداً أين سيكون المسير اليوم، حتى أن الصديق دخل على عائشة ﵂، فرآها تعد الجهاز لرسول الله، فقال لها: أي بنية! هل أمركن رسول الله بتجهيزه؟ قالت: نعم، فقال الصديق: فإلى أين ترينه يريد، قالت: والله ما أدري.
ولما تجمع الناس واستنفر الرسول الناس جميعاً والمسلمين خارج حدود المدينة المنورة، وتجمع في المدينة عشرة آلاف رجل موحد لله جل وعلا عشرة آلاف موحد بقيادة من؟! بقيادة سيد القادة وإمام الهدى محمد بن عبد الله ﷺ ، وهنا أخبر النبي ﷺ القوم أنه سائر إلى مكة شرفها الله، وأمرهم أمراً جازماً أن يكتموا الخبر وأن ينطلقوا في سِرِّية تامة، وبالفعل -أيها الأحباب- انطلق المسلمون ينفذون أوامر النبي ﷺ بمنتهى الدقة، حتى أنه قد ورد في حديث ضعيف أن النبي ﷺ دعا الله، وقال: (اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها).
стр. 233
قصة حاطب ورسالته إلى مكة
إلا أنه قد وقع حادث عجيب غريب، من صحابي جليل، ممن لهم السبق في جهاد الكفار والمشركين، إنه حاطب بن أبي بلتعة ﵁ ماذا فعل حاطب؟ اسمعوا أيها الأحباب! لتعلموا أن الرجل الكبير قد يقع وقد يمر عليه وقت يصغر فيه، وقد يهلك لولا فضل الله ورحمته، حاطب بن أبي بلتعة صحابي جليل ممن شهدوا بدراً، وقع في خطأ كبير متأولاً، كما قال الحافظ ابن حجر ما هو خطؤه؟ أمر النبي ﷺ الناس أن يكتموا الخبر، وأن يخرجوا في سرية تامة، ليدخل مكة بدون أدنى قتال، لا يريد أن يسفك دماً في بلد الله الحرام، إلا أن حاطباً ﵁ وغفر الله له، قد تطوع بإرسال كتاب إلى قريش يخبرهم فيه بخروج رسول الله إليهم، إلا أن من يسمع ويرى دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، من لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، أخبر رسوله بكتاب حاطب، واستدعى النبي على الفور علياً والزبير والمقداد وأخبرهم بخبر كتاب حاطب بن أبي بلتعة، بل وحدد لهم النبي المرأة التي أعطاها حاطب الكتاب لتوصله إلى قريش، نظير مكافأة لها على توصيله، وحدد لهم النبي مكانها على الطريق إلى مكة شرفها الله.
والحديث رواه البخاري ومسلم من حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: (بعثني رسول الله أنا والزبير والمقداد -أي: المقداد بن الأسود - وقال لنا: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ -اسم المكان الذي سيجدون فيه المرأة- فإن بها ضعينة -والضعينة هي المرأة في الهودج- معها كتاب فخذوه منها، يقول علي: فانطلقنا تعادى بنا خيلنا -أي: تسابق خيلنا الرياح- حتى وصلنا وأتينا روضة خاخ، فإذا نحن بالضعينة، فقلنا لها: أخرجي الكتاب! قالت: ما معي من كتاب! وفي رواية غير رواية الصحيحين: أنهم فتشوا الهودج فلم يجدوا فيه شيئاً، فقال علي: والله ما كذب رسول الله، والله لتخرجن الكتاب أو لنجردنك من الثياب، فلما رأت المرأة منهم الجد قالت له: أعرض.
يا سبحان الله! فأعرض علي ﵁، فحلت المرأة قرون رأسها -أي: ضفائر رأسها- فأخرجت من رأسها كتاب حاطب ﵁، فدفعته إلى علي بن أبي طالب، فانطلقوا مسرعين حتى أتوا به رسول الله في المدينة، ففتحه فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى بعض الناس في قريش، يخبرهم فيه ببعض أمر رسول الله ﷺ وخروجه إليهم.
فاستدعى النبي حاطباً ﵁ وقال: ما هذا يا حاطب؟ قال: لا تعجل عليَّ يا رسول الله! فوالله ما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني ولا رضاً بالكفر بعد الإيمان، ولكني ما فعلت ذلك إلا لأنني أردت أن أقدم لي يداً في مكة يحمون بها قرابتي بعد ذلك.
فقال النبي ﷺ : أما إنه قد صدقكم.
فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق.
فقال الرسول ﷺ : إنه شهد بدراً، وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم.
وفي رواية: فذرفت عينا عمر ﵁ وقال: الله ورسوله أعلم).
وهكذا -أيها الأحباب- غفر لـ حاطب ماضيه المشرف في قتال المشركين والمنافقين، بل وأمر النبي الناس ألا يذكروا حاطباً إلا بما فيه من خير، وهنا تتجلى وتتألق عظمة ورحمة محمد بن عبد الله ﷺ ، فإنه ما كان قط عوناً للشيطان على أصحابه، بل والله ما جاء إلا عوناً لهم على الهدى والتقى والجنة.
وهكذا أخذ الله العيون والأخبار؛ فلم يصل خبر إلى قريش، وبدأ الجيش الزاحف يتحرك من المدينة بقيادة المصطفى ﷺ .
стр. 234
من لطيف ما حدث للنبي ﷺ في طريق مكة
ومن الطرائف العجيبة واللطائف الجميلة التي حدثت للنبي في طريقه ما يلي: لقي النبي في الطريق إلى مكة عمه وابن عمه وابن عمته مسلمين لله جل وعلا، لقيه في الطريق عمه العباس بأهله وعياله مهاجراً مسلماً لله جل وعلا، ففرح النبي بعمه العباس فرحاً شديداً، ولقيه ابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، وهو يختلف عن أبي سفيان صخر بن حرب زعيم قريش وقائدهم في غزوة أحد والخندق؛ حتى لا يحدث لبس كما سنرى بعد ذلك لقيه ابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، ولقيه ابن عمته عبد الله بن أبي أمية، فأعرض عنهما النبي ﵊ لشدة ما لقي منهما من الأذى، ومرير ولاذع الهجاء في مكة المكرمة.
فقالت أم سلمة لرسول الله ﷺ : يا رسول الله! لا يكن ابن عمك وابن عمتك أشقى الناس بك.
إلا أن النبي قد أعرض عنهما ﷺ ، فذهب أبو سفيان بن الحارث إلى علي بن أبي طالب واستشاره ماذا يفعل؟ والله ما جاء إلا مسلماً، ورسول الله ﷺ يعرض عنه أتدرون ماذا قال علي الذكي العبقري؟ قال له: يا أبا سفيان! اذهب إلى رسول الله من قبل وجهه، من بين يديه، وقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٩١] فإن رسول الله لا يقبل أن يكون أحد أحسن منه قولاً، وأخذ أبو سفيان النصيحة الغالية من علي ﵁، وانطلق مسرعاً إلى رسول الله بين يديه من قبل وجهه، وقال: تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين، فنظر إليه النبي قائلاً: (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين) والحديث رواه ابن جرير الطبري، ورواه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأقره الإمام الذهبي، إلا أن الحديث حسن.
стр. 235
وصول النبي ﷺ إلى مشارف مكة
ووصل النبي ﷺ بجيشه الجرار إلى مشارف مكة في وقت العشاء -اسمعوا إلى التكتيك العسكري، اسمعوا إلى هذه الخطط التي كان أول من وضعها أعظم قائد عرفته ميادين القتال محمد بن عبد الله ﷺ فلما وصل النبي إلى مشارف مكة أعاد تنظيم صفوف الجيش، وأمر الجيش أن يوقدوا النيران؛ فأشعلت عشرة آلاف نار على مشارف مكة، ونظم النبي الصفوف مرة أخرى، فأمر خالد بن الوليد أن يدخل إلى مكة من الجنوب، وأمر الأنصار بقيادة سعد بن عبادة أن يدخلوا مكة من جهة الغرب، وأمر المهاجرين بقيادة أبي عبيدة بن الجراح أن يدخلوا مكة من جهة الشمال، وحدد لهم ملتقى عند جبل هند قبل أن يدخلوا المسجد الحرام؛ لتلتقي الجيوش جميعاً مرة أخرى ليترأس القيادة من جديد سيد القادة محمد ﷺ .
стр. 236
خروج العباس إلى حدود مكة وإسلام أبي سفيان
وخرج العباس يركب بغلة النبي البيضاء، وذهب إلى مشارف وحدود مكة لعله يجد حطاباً أو يجد رجلاً يذهب إلى قريش ليخرجوا يستأمنوا رسول الله ﷺ قبل أن يدخل عليهم مكة عنوة.
يقول العباس عم الحبيب ﷺ : فسمعت -والله- صوت أبي سفيان وبديل بن ورقاء يتراجعان ويتكلمان وهذا أبو سفيان بن حرب سيد مكة وزعيمهم في أحد والخندق، وهو يختلف عن أبي سفيان بن الحارث الذي ذكرت آنفاً.
يقول العباس: سمعت أبا سفيان وبديل بن ورقاء يتراجعان، يقول أبو سفيان: والله ما رأيت نيراناً ولا عسكراً قط مثل هذه أبداً.
فيرد عليه صاحبه بديل بن ورقاء ويقول له: إنها قبيلة خزاعة التي اعتدينا عليها قبل ذلك، إنها خزاعة حمشتها الحرب.
فيقول أبو سفيان الذكي العبقري: لا والله إن خزاعة أذل وأقل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها.
إنه رجل حرب ورجل ميدان.
يقول العباس: فعرفت صوت أبي سفيان فقلت: أبا سفيان.
فعرف أبو سفيان صوت العباس فقال: أبا الفضل.
فقال العباس: نعم.
فقال: مالك بأبي أنت وأمي.
فقال له العباس: هذا رسول الله ﷺ في الجيش، واصباح قريش والله! فقال أبو سفيان: فما العمل فداك أبي وأمي؟! قال: والله لو أدركك رسول الله ليضربن عنقك، فاركب معي لأستأمن لك رسول الله ﷺ .
فركب أبو سفيان بغلة رسول الله خلف العباس وباختصار حتى لا أطيل أسلم أبو سفيان في اليوم التالي، ولكن العباس يعرف نفسية أبي سفيان، فقال: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئاً.
فقال النبي ﷺ : (نعم.
من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل بيته وأغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن) والحديث صحيح، وفي رواية مسلم: (ومن ألقى سلاحه فهو آمن).
стр. 237
مرور الجيش على أبي سفيان ورجوعه إلى قومه
إلا أن النبي ﷺ دبر خطة نفسية بارعة لقائد قريش أبي سفيان، فلما انطلق العباس قال له النبي: (يا عباس، اجعل أبا سفيان في مضيق الوادي حتى يرى جند الله وهي تمر عليه) ففعل العباس ما أُمر به، وجعل أبا سفيان في مضيق الوادي، وجعلت القبائل براياتها تمر عليهما، كلما مرت قبيلة برايتها سأل أبو سفيان العباس، حتى مر عليه النبي ﷺ في قبيلته وفي كتيبته الخضراء من المهاجرين والأنصار، وقد غطتهم الدروع لا يرى منهم إلا الأعين، فسأل أبو سفيان وقال: من هؤلاء يا عباس؟ فقال العباس: هذا رسول الله ﷺ في كتيبته الخضراء من المهاجرين والأنصار.
فوقع الرعب في قلب أبي سفيان وقال: والله ما لهؤلاء اليوم قبل ولا طاقة.
فقال له العباس: نعم.
فقال أبو سفيان: يا عباس، والله لقد أصبح اليوم ملك ابن أخيك عظيماً.
قال: إنها النبوة يا أبا سفيان.
فقال أبو سفيان: نعم.
فقال العباس: النجاة النجاة إلى قومك.
فانطلق أبو سفيان يسابق الريح إلى قومه، وإذا بأهل مكة يرون الجيش الزاحف يقترب رويداً رويداً، وتجمع الفرسان من الشباب والأبطال ينتظرون الأوامر من قادتهم وسادتهم، وإذ بهم يرون قائد القتال وسيد الميدان أبا سفيان يرجع بوجه آخر، فيصرخ فيهم أبو سفيان -وقد نجحت خطة النبي ﷺ النفسية نجاحاً باهراً- فقال: يا معشر قريش! والله لقد جاءكم محمد بما لا قبل لكم به ولا طاقة، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن.
فوثبت إليه زوجته هند بنت عتبة آكلة اللحم والكبد، وأمسكت بشارب زوجها وصرخت في قومها وقالت: اقتلوا الحميت الدسم الأحمش الساقين، قبحت يا أبا سفيان من طليعة قوم اليوم.
فنظر إليها ولم يلتفت إلى سبابها، فإن الساعة ليست ساعة مراجعة، وقال: لا تغرنكم هذه من أنفسكم، والله لقد جاءكم محمد بما لا قبل لكم به ولا طاقة، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن.
قالوا: قاتلك الله يا أبا سفيان! وما تغني عنا دارك يا رجل؟ قال -وتذكر ما أخبر به النبي-: ومن دخل بيته وأغلق عليه داره فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن، وفي رواية مسلم: ومن ألقى السلاح فهو آمن.
стр. 238
جيش الفتح بقيادة المصطفى يدخل مكة
وانطلق الناس، وخلت مكة من كل أحد إلا في البيوت، وفي بيت الله الحرام، وخلت الشوارع والطرقات، وتقدم الجيش الزاحف بقيادة المصطفى ﷺ حتى دخل النبي مكة، ولما اقترب النبي من المسجد الحرام أحنى رأسه تواضعاً وتخشعاً وشكراً وذلاً لله جل وعلا، ولقد مر بذاكرته شريط طويل من الأحداث إنه اليوم يدخل مكة فاتحاً يتذكر يوم أن وضع التراب على رأسه هنا بالأمس القريب، وتذكر يوم أن خنق وكاد أن يموت بين أيديهم بالأمس القريب، وتذكر أصحابه الذين حنت لهم رمال مكة وصخورها لما لاقوا من العذاب الشديد، وتذكر أصحابه الذين بذلوا دماءهم وأرواحهم وقد حرموا اليوم من هذا المشهد الجديد، وتذكر أصحابه وهم يخرجون إلى الحبشة في هجرة متكررة، وتذكر نفسه وهو يخرج إلى الطائف ويرجع وقد أدميت قدماه، وتذكر يوم أن خرج إلى المدينة مهاجراً فاراً بدينه، وتذكر يوم أن كان وحده في مكة يقول: لا إله إلا الله، ها هو اليوم يدخل مكة بعشرة آلاف يقولون: لا إله إلا الله.
أي كرامة هذه التي يتوج بها الحبيب في هذا الصباح الميمون؟! أي نعمة هذه التي يمتن الله بها على الحبيب في هذا الصباح الكريم المبارك؟ ويدخل الحبيب المسجد وفي يده قوس، يدخل في وسط كوكبة من المهاجرين والأنصار، يحيطون به كما تحيط الكواكب بالقمر في ليلة البدر، ويدخل الحبيب وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، وبيد النبي قوس يطعن به هذه الأصنام؛ فتخر الأصنام على وجوهها بين يديه، وهو يتلو قول الله جل وعلا: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء:٨١] والحديث رواه البخاري وغيره.
واستدعى النبي ﷺ عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففتح النبي ودخل الكعبة من داخلها، فوجد صوراً، ووجد من بين هذه الصور صورة لإبراهيم وإسماعيل وهما يستقسمان بالأزلام، فقال: (قاتلهم الله! والله ما استقسما بالأزلام قط) والحديث رواه البخاري ومسلم فأمر النبي فمحيت الصور، وكسر النبي الأصنام بيده داخل الكعبة، وأغلق عليه باب الكعبة، وعلى أسامة وبلال، وصلى لله بداخل البيت.
стр. 239
النبي ﷺ يصدر العفو العام عن قريش
وفتح الباب مرة أخرى وخرج فوجد قريشاً قد ملأت بيت الله الحرام، ينتظرون ماذا يفعل فيهم اليوم إمام الرحمة وينبوع الحنان ﷺ .
فخرج إليهم النبي ﵊، ونظر إليهم وقد وجمت الأبصار وشخصت، وصمتت الأنفاس، ونظروا إلى الحبيب ﷺ ، فقال الحبيب: (لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، يا معشر قريش! إن الله تعالى قد أذهب عنكم عبِّية الجاهلية وتعاظمها بآبائها، كلكم لآدم وآدم من تراب ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣] ثم قال: يا معشر قريش! ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، فقال الحبيب: لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء).
والحديث أخرجه ابن إسحاق وأبو داود وابن ماجة والنسائي والدارقطني، وفي سنده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، ولكن حديثه حسن بالشواهد، ويشهد للحديث حديث أبي هريرة في مسند الإمام أحمد، فالحديث حسن بشواهده إن شاء الله تعالى.
هذه هي رحمة الحبيب ﷺ اليوم، كما قال سعد بن عبادة حينما مر عليه أبو سفيان، قال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل فيه الحرمة، اليوم أذل الله فيه قريشاً.
فلما بلغ ذلك إلى النبي ﷺ قال: (لا.
اليوم يوم تعظم فيه الكعبة، اليوم يوم أعز الله فيه قريشاً).
صلى الله وسلم وبارك على إمام الهدى ونهر الرحمة وينبوع الحنان، وأسأل الله جل وعلا أن يجزيه عنا خير ما جزى نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 240
بعض ما قاله النبي ﷺ في اليوم الثاني
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنه واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة: وهكذا أعز الله دينه، ونصر عبده، واستنقذ بيته الحرام وبلده الأمين من أيدي الكفار والمشركين.
وفي اليوم التالي وقف ﷺ خطيباً في قريش، فحمد الله وأثنى عليه ومجده بما هو أهله، ثم قال: (يا معشر الناس! إن مكة حرمها الله يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام بحرمة الله لها إلى يوم القيامة، ولا يحل لامرئ أن يسفك فيها دماً، فإن ترخص أحد بقتال رسول الله ﷺ ، فقولوا: إن الله قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما حلت لي ساعة من نهار، وإن حرمتها تعود اليوم كحرمتها بالأمس، ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب) والحديث رواه البخاري ومسلم.
ودعا النبي بعد ذلك على الصفا فوقف بعض الأنصار الأطهار الأبرار الأخيار وحزنوا، ودب الرعب والخوف في قلوبهم في يوم الفرح، لماذا؟ لقد خاف الأنصار أن يبقى النبي في مكة ولا يرجع معهم مرة أخرى إلى المدينة، ولما أنهى النبي الدعاء ورآهم يتهامسون، نزل وقال: ماذا تقولون؟ قالوا: لا شيء يا رسول الله! قال: ماذا تقولون؟ قالوا: لا شيء يا رسول الله! فما زال النبي بهم حتى أخبروه.
فقال النبي ﵊: (معاذ الله! بل المحيا محياكم، والممات مماتكم أيها الأنصار) والحديث رواه مسلم وغيره.
стр. 241
بلال يؤذن للصلاة على ظهر الكعبة
أيها الأحباب: ولما حان أول وقت للصلاة أمر النبي ﷺ بلالاً أن يرتقي على ظهر الكعبة، ذلكم العبد الأسود الذي كان يعذب على رمال مكة، ويحمل صخورها ملتهبة على صدره بالأمس القريب، هاهو اليوم يرتقي على ظهر الكعبة، وتشخص إليه الأبصار، وتنقطع الأنفاس، وتنحدر الدمعات كحبات اللؤلؤ على وجوه الموحدين، وتبكي الكعبة فرحاً لشروق شمس التوحيد الجديدة، ويخشع الجو ويصمد المكان ما هذا؟ هل هذا حلم؟! رسول الله مع عشرة آلاف موحد في مكة، سيروي الموحدون اليوم ظمأهم من ماء زمزم، سيمتع الموحدون اليوم نظرهم بالنظر إلى بيت الله هل هذا حلم؟ كلا! إنها الحقيقة تتألق كتألق الشمس في رابعة النهار.
ويقطع هذه المشاعر المتداخلة صوت ندي رخيم عذب جميل، إنه صوت الحق، صوت بلال بن رباح ﵁ وأرضاه، وهو يرفع صوته بكلمة التوحيد، وبالتكبير لله جل وعلا الله أكبر الله أكبر! الله أكبر الله أكبر! أشهد أن لا إله إلا الله نعم.
فلقد سقطت اليوم كل الآلهة المزعومة المكذوبة، ذهبت وكانت بالأمس القريب تعبد من دون الله، تحطمت اليوم على يد نبي التوحيد ﷺ ، نسأل الله أن يحطم الطواغيت والأصنام على أيدي أبناء الموحدين، إنه ولي ذلك ومولاه.
ولكن تحطمت الأصنام ونكست رءوس هذه الآلهة المكذوبة على يد من؟ من الإمام؟ من القائد؟ من الطليعة الخيرة؟ من الهادي إلى الحق؟ يجيب بلال: أشهد أن محمداً رسول الله، صلى الله وسلم وبارك عليه، ونسأل الله جل وعلا أن يجزيه عنا خير ما جزى نبياً عن أمته، وأن يجزي عنا أصحابه الأخيار الأطهار الأبرار الذين أوصلوا إلينا الإسلام على جماجمهم، وعلى أرواحهم وعلى دمائهم وأشلائهم، فنسأل الله أن يقيض للأمة اليوم من يعيد للإسلام مجده، ومن يعيد للإسلام عزه، ومن يعيد للإسلام رايته خفاقة عالية، كما تركها أصحاب رسول الله ﷺ خفاقة عالية.
وأكتفي بهذا القدر من أحداث فتح مكة، وأسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم أهلاً لنصرة الإسلام وعز المسلمين، إنه ولي ذلك ومولاه، وهو على كل شيء قدير.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأعلِ بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم قيض لأمة التوحيد أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، أنت ولي ذلك والقادر عليه.
اللهم اجعل جمعنا هذا في هذا اليوم الكريم المبارك جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل اللهم فينا شقياً ولا محروماً، اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع الطيب ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً بيننا إلا شفيته، ولا ديناً على أحد منا إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا طائعاً إلا ثبتَّه، ولا عاصياً إلا هديته، ولا حاجة هي لك رضىً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين، اللهم تقبل منا صيامنا وقيامنا وصالح أعمالنا، اللهم تقبل منا الصيام والقيام وصالح الأعمال، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا.
стр. 242
الهمز واللمز وسوء الظن والغيبة
إن أي مجتمع لا يسلم من الآفات التي قد تكون سبباً في كثير من الفوضى والنزاعات والتفرق في المجتمع، ولذلك اهتم الإسلام بعلاج هذه الآفات، وذلك بذكرها والتحذير منها وتشديد العقوبة على فاعلها؛ حتى يعيش المجتمع الإسلامي في أمن وأمان وألفة واطمئنان.
стр. 243
آفات المجتمعات
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: ما زلنا نطوف بحضراتكم في رحاب سورة الحجرات، سورة التربية والأخلاق، وما زلنا نعيش مع هذه القواعد التشريعية العظيمة التي وضعها العليم الخبير جل وعلا؛ لصيانة المجتمع الإسلامي من التمزق والتشتت والتفكك والضغائن والأحقاد.
وما زلنا في رحاب هذه القاعدة العظيمة العريضة الكبيرة، ألا وهي: تعظيم حرمات المسلمين في المجتمع الإسلامي، وقلنا: بأنه لن تعظم حرمات المسلمين في المجتمع الإسلامي إلا إذا طهر المجتمع من ستة أمراض أو آفات، هذه الأمراض وتلك الآفات هي: ١/ السخرية.
٢/ اللمز.
٣/ التنابز بالألقاب.
٤/ سوء الظن.
٥/ التجسس.
٦/ الغيبة.
ولقد تحدثنا في اللقاء الماضي بفضل من الله جل وعلا عن الآفة الأولى بالتفصيل ألا وهي: السخرية.
стр. 244
اللمز
أما اللمز فهو: عيب الغير باليد واللسان والعين والإشارة الخفية وغير ذلك.
والهمز: لا يكون إلا باللسان فقط لقول الله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم:١٠ - ١١] فاللمز: يكون باليد وبالعين وباللسان وبالإشارة أما الهمز فلا يكون إلا باللسان فقط.
واللمز -أيها الأحباب- آفة ومرض، وسبب من أسباب انتشار الحقد والضغائن في القلوب بين المسلمين، فمن حق المسلم على المسلم ألا يسخر من أخيه بيده، أو لسانه، أو عينه، أو حتى بالإشارة الخفية.
ولذلك يلفت الله القلوب النقية، والعقول الذكية في هذا النهي فيقول: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات:١١] لأن المؤمنين جميعاً كالجسد الواحد، إن اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، أي: إن المؤمن إذا لمز أخاه فكأنما لمز نفسه؛ لأن المؤمنين جميعاً نفس واحدة، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات:١١].
стр. 245
التنابز بالألقاب
والتنابز بالألقاب معناه: أن يسمي المسلم أخاه بالأسماء والألقاب والكنى التي لا يحبها، والتي يكرهها وتؤذيه، فمن أدب المؤمن ألا يسمي أخاه إلا بالاسم الذي يحبه، وألا يلقبه إلا باللقب الذي يتمناه، وألا يكنيه إلا بالكنية التي يرتاح إليها قلبه.
ألا ترى أن النبي ﷺ قد لقب أبا بكر بـ الصديق، ولقب عمر بـ الفاروق، ولقب عثمان بـ ذي النورين، ولقب حمزة بـ أسد الله، ولقب خالداً بـ سيف الله وهكذا.
فلا يجوز لمسلم أن ينادي أخاه المسلم إلا بالاسم الذي يحبه، وباللقب الذي يريده، وبالكنية التي يحبها ويطمئن قلبه إليها، ((وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ)) [الحجرات:١١].
وبعد ذلك -أيها الأحباب- يقول ربنا جل وعلا: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ﴾ [الحجرات:١١] أي: إن خروج المسلم من طاعة الله إلى معصيته فسوق، وبئس الاسم أن يسمى الرجل فاسقاً بعد الإيمان، لذا قال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ﴾ [الحجرات:١١] أي: ومن لم يتب من هذه الآفات والأمراض التي نهى الله عنها فإنما هو ظالم لنفسه لوقوعه فيما نهى الله عنه، ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات:١١] وبهذا تكتمل الآية الأولى.
يقول الله ربنا جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات:١١].
стр. 246
سوء الظن
تأتي الآية الأخرى لتضع ولتقيم سياجاً آخر في هذا المجتمع الإسلامي النظيف النقي، الذي يقيمه الإسلام بهدي القرآن، فيقول ربنا جل وعلا في الآية التي تليها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحجرات:١٢] إنه النداء المحبب إلى القلوب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أصغ السمع، وافتح القلب، فإن النداء من اللطيف العليم الخبير جل وعلا، إنما هو خير ستؤمر به أو شر ستنهى عنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٢].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات:١٢] هكذا أيها الأحباب! يطهر القرآن الضمائر من الهواجس والظنون والشكوك والريب، لماذا؟ ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢] وهكذا يدع القرآن القلوب نقية نظيفة طاهرة هادئة صافية، لا يعكر صفوها قلق أو غم أو شك، لذلك حذر النبي ﷺ من الظنون القبيحة والسيئة، فقال في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث).
الظن السيئ لا يجوز بأهل الخير والفضل، كما قال الإمام القرطبي في الجامع لأحكام القرآن قال: (ولقد أجمع كثير من العلماء على أن الظن السيئ لا يجوز بأهل الخير)، أو على حد تعبير الإمام القرطبي: أكثر العلماء على أنه لا يجوز الظن القبيح بأهل الخير، ولا حرج بالظن السيئ بأهل السوء وأهل الفساد، أي: لمن جهر بمعصيته وفسقه بين الناس.
وقال بعض السلف: الظن الذي نهى الله جل وعلا عنه هو: أن تظن بأهل الخير من المؤمنين شراً وسوءاً.
ولذلك -أيها الأحباب- أغتنم هذا الدرس لأذكر نفسي وإياكم بهذا المرض الذي استشرى في مجتمعنا في هذه الأيام، ألا وهو الظن السيئ بكثير من علمائنا ودعاتنا، ووالله يجب على كل مسلم ألا يظن بعلماء ودعاة الأمة إلا خيراً، فإن لحوم العلماء والدعاة مسمومة، فلقد أباح كثير من الناس لنفسه في هذه الأيام الخوض في لحوم العلماء والدعاة، وظن المسكين أنه أعلم بالأمور وأفقه بها من العلماء والدعاة، لا.
أغلق على نفسك هذا الباب، ولا تظن أنك أعلم بالأمور من علماء الأمة ودعاتها، فينبغي أن تظن بعلمائك خيراً، وأن تظن بدعاة الأمة خيراً؛ لأنهم ورثة الأنبياء، وهم أخشى الناس لله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] فإياك إياك أن تظن بالعلماء سوءاً.
بل ينبغي أن تدعو الليل والنهار لعلمائك، اللهم بارك في علمائنا وثبتنا وإياهم على الحق، وارزقنا وإياهم حسن الخاتمة أنت ولي ذلك ومولاه.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات:١٢] وفي الحديث -أيها الأحباب- الذي ذكرته آنفاً (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث) درس مهم جداً، الله جل وعلا نهى عن كثير الظن؛ لأن بعض الظن إثم، خشية أن تقع في هذا القليل.
стр. 247
التجسس
يقول ربنا جل وعلا: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات:١٢] يا له من مبدأ عظيم! ويا له من مبدأ خطير وضعه الإسلام قبل أن تتغنى الدول المتحضرة بذلك كله الإسلام وضع هذا المنهج من مئات السنين: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾.
إن للمسلمين في المجتمع الإسلامي حرياتهم وحرماتهم وكراماتهم التي لا يجوز بصورة من الصور أن تنتهك، ولا يجوز بحال من الأحوال أن يعتدى عليها؛ لأن التجسس -أيها الأحباب- هو الحركة العملية التالية للظن، فإذا ظن المؤمن بأخيه شراً تاقت نفسه وتشوقت إلى أن يتجسس على حاله.
والتجسس هو: انتهاك لحرمات المسلمين والآخرين، ويأتي القرآن الكريم ليشدد في النكير على هذا المرض الخبيث اللئيم ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات:١٢] إن للمسلمين حرياتهم إن للمسلمين كراماتهم إن للمسلمين عوراتهم ولا يجوز بحال من الأحوال أن نتخطى هذه الستور والحدود لنصل إلى ما لا يظهر لنا، بل أظهروا لنا أحسن أعمالكم والله أعلم بالسرائر، نحن لا نحكم على القلوب، ولا نشق عن البطون، وإنما يجب على كل مسلم أن يحكم على أخيه بما ظهر له من قوله وفعله.
وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: (بعث علي بن أبي طالب بذهيبة -أي: بقطعة صغيرة من الذهب- وهو في اليمن إلى النبي ﷺ ، فقسمها النبي ﷺ بين أربعة، فقال رجل منهم -وكأنه لم تعجبه قسمة رسول الله ﷺ : اتق الله يا رسول الله! فقال النبي ﵊: ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟! ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد ﵁: يا رسول الله! ألا أضرب عنقه؟ قال: لا.
لعله أن يكون يصلي، فقال خالد بن الوليد: فكم من مصلٍ يقول بلسانه ما ليس في قلبه -أتدرون ماذا قال النبي ﷺ ؟ - قال ﵊: إني لم أؤمر أن أنقب قلوب الناس ولا أن أشق بطونهم).
نحن لنا الظاهر، لا نتجسس، ولا نعطي لأنفسنا الحق أن نبحث عما وراء الستور والحدود: (إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم).
وفي الحديث الذي رواه الإمام أبو داود في سننه ورواه الإمام أحمد في مسنده وصححه شيخنا الألباني في صحيح الجامع من حديث أبي برزة الأسلمي ﵁، أن النبي ﷺ قال واسمعوا إلى هذا البيان الذي يخلع القلوب من الصدور، قال ﷺ : (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه! لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته) اللهم سلمنا وإياكم، وهذا هو محل الشاهد في الحديث أيها الأحباب: (ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من تتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته) وفي رواية أخرى: (يفضحه الله في جوف بيته) في قعر داره يفضحه الله جل وعلا.
الذي يتجسس على إخوانه ويتتبع عوراتهم فإن الله جل وعلا آجلاً أو عاجلاً إن لم يرجع ولم يتب إلى الله ﵎ سيفضحه في قعر داره وجوف بيته: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات:١٢].
стр. 248
الغيبة
وبعد ذلك -أيها الأحباب- فإني لا أريد أن أتوقف طويلاً مع هذه الآفات، لنقف طويلاً بعض الشيء مع هذه الآفة الكبرى، ومع هذا المرض السرطاني الخطير المدمر الذي استشرى في مجتمعات المسلمين، والله إنه مرض خطير وقع فيه كثير من الأخيار والأطهار، وقلَّ من وقع فيه وعوفي منه، ووقع فيه من وقع من العلماء والدعاة وطلبة العلم فضلاً عن عامة الناس، ووالله لا نبرئ أنفسنا منه والله لا نبرئ أنفسنا منه.
إنه مرض خطير وقعنا فيه بعمد أو بغير عمد، بقصد أو بغير قصد، ألا وهو الغيبة، الغيبة فاكهة المجالس أيها الناس، الغيبة ذلكم المرض السرطاني المدمر الذي استشرى واستفحل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
أتدرون ما الغيبة؟ سأل النبي ﷺ أصحابه هذا السؤال، والحديث رواه مسلم من حديث أبي هريرة قال لهم الرسول ﵊: (أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال ﷺ : ذكرك أخاك بما يكره، قيل: يا رسول الله! أفرأيت إن كان في أخي ما أقول، فقال ﷺ : إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته).
لا إله إلا الله، غفرانك ربنا، غفرانك ربنا، كم زلت الألسنة، وكم كثر الكلام، وكم وقعنا في الغيبة، الغيبة: ذكرك أخاك بما يكره: (قيل: يا رسول الله! أفرأيت إن كان في أخي ما أقول، فقال ﷺ : إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته) والبهتان إثم ومعصية عظيمة ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
في الحديث الذي رواه أبو داود في السنن، ورواه البيهقي، ورواه الحافظ أبو يعلى، وقال الحافظ ابن كثير إسناده صحيح، أن ماعز بن مالك ﵁ وقع في معصية الزنا، وذهب إلى الرسول ﷺ ليقول: (يا رسول الله! طهرني، يا رسول الله! طهرني) لأنهم كانوا يراقبون الله جل وعلا، من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ما قبضت عليه هيئة، ولا دولة، وإنما كان يراقب الله جل وعلا، لم يراقب القانون الوضعي الأعلى، وإنما راقب الحي الذي لا يموت.
فلما وقع في الزنا ذهب إلى النبي ﷺ بقدميه مختاراً طائعاً، فقال: [يا رسول الله! طهرني أقم عليَّ الحد].
فرده النبي ﷺ مرة ومرة ومرة، فلما عاد ماعز ﵁، وأكد للنبي ﷺ كبيرته وجريمته أمر النبي ﷺ أن يقام عليه الحد، ورجم ماعز بن مالك ﵁ وأرضاه.
وسمع النبي ﷺ رجلين يقول أحدهما للآخر: (ألم تر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب؟!) هكذا وقع في مجتمع الصحابة، فسمع النبي ﷺ كلامهما فسار النبي ﷺ حتى مر على جيفة حمار -أعزكم الله- فقال النبي ﵊: (أين فلان وفلان؟ فأقبلا إلى النبي ﵊، فقال لهما: انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار، قالا: يغفر الله لك يا رسول الله! هل يؤكل هذا؟ فقال ﷺ : أكلكما آنفاً من لحم أخيكما أشد من أكلكما من جيفة هذا الحمار) وقال ﷺ : (والذي نفسي بيده إنه الآن في أنهار الجنة ينغمس فيها).
لا إله إلا الله! كم لوثت أفواهنا بأكل لحوم إخواننا، وكم لوثت أسناننا بتمزيق أعراض إخواننا.
وفي الحديث الذي رواه أبو داود وأحمد وصححه الألباني في صحيح الجامع، أن عائشة ﵂ قالت: (قلت: يا رسول الله! حسبك من صفية كذا وكذا -تعني أنها قصيرة- فغضب النبي ﷺ وقال لها: يا عائشة! لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته) ما قالت إلا هذه الكلمة: (يا رسول الله! حسبك من صفية كذا وكذا -تعني أنها قصيرة- فغضب النبي ﷺ ومعنى قوله ﷺ : (لمزجته) أي: لغيرت لونه، وطعمه، ورائحته.
في الحديث الذي رواه أبو داود، وأحمد في مسنده، والترمذي، وصححه شيخنا الألباني في صحيح الجامع، من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (مررت لما عرج بي) انتبهوا أيها الناس لتعلموا صورة المغتابين عند رب العالمين جل وعلا، يقول النبي ﵊: (مررت حين عرج بي -أي: ليلة الإسراء والمعراج- على قوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فقال النبي ﵊: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال ﵇: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم) ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! لهم أظفار من نحاس يخمشون ويمزقون بها وجوههم وصدورهم، من هؤلاء يا جبريل أصحاب المشهد المروع؟ قال: (هؤلاء الذي يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم) ما من يوم يمر إلا ويأكلون حتى يشبعون، كم وقع في هذا المرض من الأخيار والأبرار والأطهار، إنها الكلمة إنه اللسان الذي قال عنه النبي ﵊ في حديث معاذ بن جبل الطويل، الذي رواه الترمذي بسند حسن صحيح، أنه ﵊ قال لـ معاذ في آخر الحديث: (يا معاذ! أفلا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا سول الله! قال ﷺ : رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل.
ثم قال ﷺ : ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله! فأخذ النبي ﷺ بلسانه وقال: كف عليك هذا -احذر هذا الثعبان- كف عليك هذا! كف عليك هذا! فقال معاذ بن جبل: وإنا لموآخذون بما نتكلم به يا رسول الله؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم).
وهل أوقع الناس في الهاوية إلا هذا اللسان، يجلس الإنسان في المجلس فيريد أن يظهر للناس عبقريته، وخفة دمه، ولباقته، وذكائه، فيضحك الناس على أحد إخوانه، وربما كان ذلك على أحد العلماء أو الدعاة وإنا لله وإنا إليه راجعون: (وإنا لموآخذون بما نتكلم به يا رسول الله؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم).
وفي رواية الإمام البخاري من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (إن العبد ليتكلم بالكلمة -كلمة واحدة- من رضوان الله لا يلقي لها بالاً فيرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً فيهوي بها في نار جهنم) كلمة!! وفي رواية أصحاب السنن بسند صحيح من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً فيهوي بها في نار جهنم سبعين خريفاً) كلمة!! أيها الأحباب: ذكر الحافظ ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم قال: روى مالك عن زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب ﵁ دخل على الصديق ﵁، فرآه قد شذب لسانه -أي: أخرج لسانه خارج فيه- فقال عمر بن الخطاب: [مه مه، غفر الله لك يا أبا بكر ماذا تصنع؟ فقال الصديق ﵁ لـ عمر: هذا الذي أوردني الموارد].
الصديق أبو بكر ﵁ يخرج لسانه ويقول: [هذا الذي أوردني الموارد] صديق الأمة -أيها الأحباب- إيه والله، أبو بكر يقول على لسانه الذاكر، الشاكر، النقي، العفيف، الطاهر: [هذا الذي أوردني الموارد] لا إله إلا الله [هذا الذي أوردني الموارد].
وأخذ ابن عباس حبر الأمة، وترجمان القرآن -نقلاً عن الحافظ ابن رجب - أخذ لسانه يوماً وهو يخاطبه ويقول له: [اسكت تغنم، واسكت عن سوء تسلم، وإلا فاعلم أنك ستندم] ابن عباس حبر الأمة، وترجمان القرآن ﵁.
وكان عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: [والله الذي لا إله إلا هو لا يوجد في هذا الكون شيء أحق بطول حبس من لسان] لا يستحق شيء أن يسجن في هذا الكون إلا هذا اللسان، هكذا يقول ابن مسعود عن نفسه أيها الأحباب.
وفي الحديث رواه أبو داود وأحمد وصححه شيخنا الألباني: (ما من يوم تصبح الأعضاء إلا وهي تخاطب اللسان، تقول له: اتق الله فينا فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، إن اعوججت اعوججنا).
فالله الله يا عباد في ألسنتنا، والله لا نبرئ أنفسنا من هذه الآفات، ولا من هذه الأمراض، الله الله في ألسنتنا، الله الله في أقوالنا، الله الله في أعمالنا.
يقول ربنا جل وعلا: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٢].
أسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى، وصفاته الع
стр. 249
الحالات التي تجوز فيها الغيبة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحباب: وتحرياً للأمانة، وحتى تكتمل الفائدة -إن شاء الله تعالى- فما هي الحالات التي يجوز فيها الغيبة؟ ذكر الإمام النووي في شرح مسلم في كتاب البر والصلة أسباباً وأغراضاً شرعية تجوز فيها الغيبة، ولا إثم في ذلك، وقال الإمام النووي: تجوز الغيبة لأسباب شرعية وعدّد هذه الأسباب وقال: أولاً: التظلم: أي يجوز للمتظلم أن يقول: فعل بي فلان كذا وكذا وكذا، لمن يتظلم إليه، هذه واحدة.
ثانياً: يجوز في حالة الاستعانة بتغيير المنكر، بأن يذهب مسلم غيور على دينه إلى أولي الأمر، أو إلى من يتوسم فيهم القدرة على أن يغيروا المنكر، فيذهب إليهم ويقول: لقد فعل فلان كذا وكذا فازجره عن ذلك، هذا أيضاً مباح، وهذا الكلام للإمام النووي ﵀، وهذا كلام كثير من أهل العلم غير الإمام النووي.
ثالثاً: الاستفتاء: بمعنى: أن يذهب المستفتي إلى المفتي فيقول: لقد ظلمني أبي أو أخي أو فلان بكذا وكذا، فما الذي أفعله لرد هذا الظلم عن نفسي، فهذه حالة ثالثة تباح فيها أن يذكر الإنسان عيوب إخوانه الذين ظلموه، ويستدل الإمام النووي على ذلك بحديث فاطمة بنت قيس -والحديث رواه مسلم - أنها ذهبت تستشير النبي ﷺ فيمن تقدموا لخطبتها فقالت: (يا رسول الله! خطبني معاوية وأبو جهم؟ فقال النبي ﵊: أما أبو جهم فرجل لا يضع عصاه عن عاتقه -أي: كثير الضرب للنساء- وأما معاوية فصعلوك لا مال له) هذه أيضاً جائزة ولا إثم في ذلك.
أيضاً من هذا العنصر الثالث تجريح المجروحين من علماء الحديث، كأن يقال: فلان سيئ الحفظ، أو فلان كذوب، وذلك لصيانة أحاديث النبي ﷺ ، وهذه أيضاً من الغيبة المباحة التي لا بأس بها.
رابعاً: تحذير المسلمين من الوقوع في أي شر، كأن يقال: فلان مبتدع، أو فلان كذا أو كذا، فهذا أيضاً جائز لا إثم فيه.
خامساً: تجوز غيبة الفاسق الذي جهر بفسقه، وقد بوب الإمام البخاري باباً في الصحيح بعنوان: باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والرِّيَب، وقال الحافظ ابن حجر: ويستنبط من حديث عائشة ﵂ وفيه (أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ ، فقال النبي: ائذنوا له بئس أخو العشيرة هو، فلما دخل الرجل ألان النبي له الكلام، فقالت عائشة: يا رسول الله! قلت ما قلت ثم ألنت له الكلام؟ فقال ﵊: يا عائشة! إن شر الناس من يدعه الناس اتقاء فحشه).
قال الحافظ ابن حجر: ويستنبط من هذا أنه لا غيبة لمن جهر بالفسق والفساد والمعصية.
سادساً: التعريف، يعني: إن قيل: إن فلان الأصلع، أو الأعمش، أو الأعرج، أو القصير؛ ولكن بشرط ألا يكون ذلك من باب التحقير والتنقص، فإن كان ذلك من باب التحقير والتنقص فإنما هي غيبة محرمة لا تجوز شرعاً، أما إن قيل ذلك على وجه التعريف وليس على وجه التنقص فلا إثم ولا حرج في ذلك.
أسأل الله جل وعلا أن يحمينا وإياكم من الوقوع في المعاصي والزلل، اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها، اللهم ارزقنا لساناً ذاكراً، وقلباً شاكراً، وجسداً على البلاء صابراً، اللهم طهر ألسنتنا من الغيبة، وأعيننا من الخيانة، وأعمالنا من الرياء، وقلوبنا من النفاق، أنت ولي ذلك والقادر عليه.
اللهم اغفر لنا في هذا اليوم المبارك ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم لا تدع لأحد منا في هذا اليوم المبارك ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا ثبته، ولا حاجة هي لك رضىً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين.
اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل اللهم فينا ولا منا ولا بيننا شقياً ولا محروماً، اللهم وفق ولاة الأمر لما تحبه وترضاه.
هذا وأكثروا من الصلاة والسلام على نبينا وحبيبنا محمد ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم وزد وبارك على آله نبينا وحبيبنا محمد وعلى صحبه وسلم.
هذا: وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
стр. 250
إخلاف الوعد
إخلاف الوعد خصلة ذميمة من خصال المنافقين، حذر منها الشارع الحكيم أيما تحذير، كما أن صدق الوعد خلق كريم حث عليه الإسلام، وحرص النبي ﷺ على غرسه في نفوس أصحابه، حتى إننا نجد أنهم ترجموا هذا الخلق إلى منهج عملي تمثلوه في واقعهم.
следующие страницы →