Полный текст (1 901 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
سوء الظن
تأتي الآية الأخرى لتضع ولتقيم سياجاً آخر في هذا المجتمع الإسلامي النظيف النقي، الذي يقيمه الإسلام بهدي القرآن، فيقول ربنا جل وعلا في الآية التي تليها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحجرات:١٢] إنه النداء المحبب إلى القلوب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أصغ السمع، وافتح القلب، فإن النداء من اللطيف العليم الخبير جل وعلا، إنما هو خير ستؤمر به أو شر ستنهى عنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٢].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات:١٢] هكذا أيها الأحباب! يطهر القرآن الضمائر من الهواجس والظنون والشكوك والريب، لماذا؟ ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢] وهكذا يدع القرآن القلوب نقية نظيفة طاهرة هادئة صافية، لا يعكر صفوها قلق أو غم أو شك، لذلك حذر النبي ﷺ من الظنون القبيحة والسيئة، فقال في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث).
الظن السيئ لا يجوز بأهل الخير والفضل، كما قال الإمام القرطبي في الجامع لأحكام القرآن قال: (ولقد أجمع كثير من العلماء على أن الظن السيئ لا يجوز بأهل الخير)، أو على حد تعبير الإمام القرطبي: أكثر العلماء على أنه لا يجوز الظن القبيح بأهل الخير، ولا حرج بالظن السيئ بأهل السوء وأهل الفساد، أي: لمن جهر بمعصيته وفسقه بين الناس.
وقال بعض السلف: الظن الذي نهى الله جل وعلا عنه هو: أن تظن بأهل الخير من المؤمنين شراً وسوءاً.
ولذلك -أيها الأحباب- أغتنم هذا الدرس لأذكر نفسي وإياكم بهذا المرض الذي استشرى في مجتمعنا في هذه الأيام، ألا وهو الظن السيئ بكثير من علمائنا ودعاتنا، ووالله يجب على كل مسلم ألا يظن بعلماء ودعاة الأمة إلا خيراً، فإن لحوم العلماء والدعاة مسمومة، فلقد أباح كثير من الناس لنفسه في هذه الأيام الخوض في لحوم العلماء والدعاة، وظن المسكين أنه أعلم بالأمور وأفقه بها من العلماء والدعاة، لا.
أغلق على نفسك هذا الباب، ولا تظن أنك أعلم بالأمور من علماء الأمة ودعاتها، فينبغي أن تظن بعلمائك خيراً، وأن تظن بدعاة الأمة خيراً؛ لأنهم ورثة الأنبياء، وهم أخشى الناس لله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] فإياك إياك أن تظن بالعلماء سوءاً.
بل ينبغي أن تدعو الليل والنهار لعلمائك، اللهم بارك في علمائنا وثبتنا وإياهم على الحق، وارزقنا وإياهم حسن الخاتمة أنت ولي ذلك ومولاه.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات:١٢] وفي الحديث -أيها الأحباب- الذي ذكرته آنفاً (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث) درس مهم جداً، الله جل وعلا نهى عن كثير الظن؛ لأن بعض الظن إثم، خشية أن تقع في هذا القليل.
стр. 247
التجسس
يقول ربنا جل وعلا: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات:١٢] يا له من مبدأ عظيم! ويا له من مبدأ خطير وضعه الإسلام قبل أن تتغنى الدول المتحضرة بذلك كله الإسلام وضع هذا المنهج من مئات السنين: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾.
إن للمسلمين في المجتمع الإسلامي حرياتهم وحرماتهم وكراماتهم التي لا يجوز بصورة من الصور أن تنتهك، ولا يجوز بحال من الأحوال أن يعتدى عليها؛ لأن التجسس -أيها الأحباب- هو الحركة العملية التالية للظن، فإذا ظن المؤمن بأخيه شراً تاقت نفسه وتشوقت إلى أن يتجسس على حاله.
والتجسس هو: انتهاك لحرمات المسلمين والآخرين، ويأتي القرآن الكريم ليشدد في النكير على هذا المرض الخبيث اللئيم ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات:١٢] إن للمسلمين حرياتهم إن للمسلمين كراماتهم إن للمسلمين عوراتهم ولا يجوز بحال من الأحوال أن نتخطى هذه الستور والحدود لنصل إلى ما لا يظهر لنا، بل أظهروا لنا أحسن أعمالكم والله أعلم بالسرائر، نحن لا نحكم على القلوب، ولا نشق عن البطون، وإنما يجب على كل مسلم أن يحكم على أخيه بما ظهر له من قوله وفعله.
وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: (بعث علي بن أبي طالب بذهيبة -أي: بقطعة صغيرة من الذهب- وهو في اليمن إلى النبي ﷺ ، فقسمها النبي ﷺ بين أربعة، فقال رجل منهم -وكأنه لم تعجبه قسمة رسول الله ﷺ : اتق الله يا رسول الله! فقال النبي ﵊: ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟! ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد ﵁: يا رسول الله! ألا أضرب عنقه؟ قال: لا.
لعله أن يكون يصلي، فقال خالد بن الوليد: فكم من مصلٍ يقول بلسانه ما ليس في قلبه -أتدرون ماذا قال النبي ﷺ ؟ - قال ﵊: إني لم أؤمر أن أنقب قلوب الناس ولا أن أشق بطونهم).
نحن لنا الظاهر، لا نتجسس، ولا نعطي لأنفسنا الحق أن نبحث عما وراء الستور والحدود: (إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم).
وفي الحديث الذي رواه الإمام أبو داود في سننه ورواه الإمام أحمد في مسنده وصححه شيخنا الألباني في صحيح الجامع من حديث أبي برزة الأسلمي ﵁، أن النبي ﷺ قال واسمعوا إلى هذا البيان الذي يخلع القلوب من الصدور، قال ﷺ : (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه! لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته) اللهم سلمنا وإياكم، وهذا هو محل الشاهد في الحديث أيها الأحباب: (ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من تتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته) وفي رواية أخرى: (يفضحه الله في جوف بيته) في قعر داره يفضحه الله جل وعلا.
الذي يتجسس على إخوانه ويتتبع عوراتهم فإن الله جل وعلا آجلاً أو عاجلاً إن لم يرجع ولم يتب إلى الله ﵎ سيفضحه في قعر داره وجوف بيته: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات:١٢].
стр. 248
الغيبة
وبعد ذلك -أيها الأحباب- فإني لا أريد أن أتوقف طويلاً مع هذه الآفات، لنقف طويلاً بعض الشيء مع هذه الآفة الكبرى، ومع هذا المرض السرطاني الخطير المدمر الذي استشرى في مجتمعات المسلمين، والله إنه مرض خطير وقع فيه كثير من الأخيار والأطهار، وقلَّ من وقع فيه وعوفي منه، ووقع فيه من وقع من العلماء والدعاة وطلبة العلم فضلاً عن عامة الناس، ووالله لا نبرئ أنفسنا منه والله لا نبرئ أنفسنا منه.
إنه مرض خطير وقعنا فيه بعمد أو بغير عمد، بقصد أو بغير قصد، ألا وهو الغيبة، الغيبة فاكهة المجالس أيها الناس، الغيبة ذلكم المرض السرطاني المدمر الذي استشرى واستفحل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
أتدرون ما الغيبة؟ سأل النبي ﷺ أصحابه هذا السؤال، والحديث رواه مسلم من حديث أبي هريرة قال لهم الرسول ﵊: (أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال ﷺ : ذكرك أخاك بما يكره، قيل: يا رسول الله! أفرأيت إن كان في أخي ما أقول، فقال ﷺ : إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته).
لا إله إلا الله، غفرانك ربنا، غفرانك ربنا، كم زلت الألسنة، وكم كثر الكلام، وكم وقعنا في الغيبة، الغيبة: ذكرك أخاك بما يكره: (قيل: يا رسول الله! أفرأيت إن كان في أخي ما أقول، فقال ﷺ : إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته) والبهتان إثم ومعصية عظيمة ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
في الحديث الذي رواه أبو داود في السنن، ورواه البيهقي، ورواه الحافظ أبو يعلى، وقال الحافظ ابن كثير إسناده صحيح، أن ماعز بن مالك ﵁ وقع في معصية الزنا، وذهب إلى الرسول ﷺ ليقول: (يا رسول الله! طهرني، يا رسول الله! طهرني) لأنهم كانوا يراقبون الله جل وعلا، من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ما قبضت عليه هيئة، ولا دولة، وإنما كان يراقب الله جل وعلا، لم يراقب القانون الوضعي الأعلى، وإنما راقب الحي الذي لا يموت.
فلما وقع في الزنا ذهب إلى النبي ﷺ بقدميه مختاراً طائعاً، فقال: [يا رسول الله! طهرني أقم عليَّ الحد].
فرده النبي ﷺ مرة ومرة ومرة، فلما عاد ماعز ﵁، وأكد للنبي ﷺ كبيرته وجريمته أمر النبي ﷺ أن يقام عليه الحد، ورجم ماعز بن مالك ﵁ وأرضاه.
وسمع النبي ﷺ رجلين يقول أحدهما للآخر: (ألم تر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب؟!) هكذا وقع في مجتمع الصحابة، فسمع النبي ﷺ كلامهما فسار النبي ﷺ حتى مر على جيفة حمار -أعزكم الله- فقال النبي ﵊: (أين فلان وفلان؟ فأقبلا إلى النبي ﵊، فقال لهما: انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار، قالا: يغفر الله لك يا رسول الله! هل يؤكل هذا؟ فقال ﷺ : أكلكما آنفاً من لحم أخيكما أشد من أكلكما من جيفة هذا الحمار) وقال ﷺ : (والذي نفسي بيده إنه الآن في أنهار الجنة ينغمس فيها).
لا إله إلا الله! كم لوثت أفواهنا بأكل لحوم إخواننا، وكم لوثت أسناننا بتمزيق أعراض إخواننا.
وفي الحديث الذي رواه أبو داود وأحمد وصححه الألباني في صحيح الجامع، أن عائشة ﵂ قالت: (قلت: يا رسول الله! حسبك من صفية كذا وكذا -تعني أنها قصيرة- فغضب النبي ﷺ وقال لها: يا عائشة! لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته) ما قالت إلا هذه الكلمة: (يا رسول الله! حسبك من صفية كذا وكذا -تعني أنها قصيرة- فغضب النبي ﷺ ومعنى قوله ﷺ : (لمزجته) أي: لغيرت لونه، وطعمه، ورائحته.
في الحديث الذي رواه أبو داود، وأحمد في مسنده، والترمذي، وصححه شيخنا الألباني في صحيح الجامع، من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (مررت لما عرج بي) انتبهوا أيها الناس لتعلموا صورة المغتابين عند رب العالمين جل وعلا، يقول النبي ﵊: (مررت حين عرج بي -أي: ليلة الإسراء والمعراج- على قوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فقال النبي ﵊: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال ﵇: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم) ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! لهم أظفار من نحاس يخمشون ويمزقون بها وجوههم وصدورهم، من هؤلاء يا جبريل أصحاب المشهد المروع؟ قال: (هؤلاء الذي يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم) ما من يوم يمر إلا ويأكلون حتى يشبعون، كم وقع في هذا المرض من الأخيار والأبرار والأطهار، إنها الكلمة إنه اللسان الذي قال عنه النبي ﵊ في حديث معاذ بن جبل الطويل، الذي رواه الترمذي بسند حسن صحيح، أنه ﵊ قال لـ معاذ في آخر الحديث: (يا معاذ! أفلا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا سول الله! قال ﷺ : رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل.
ثم قال ﷺ : ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله! فأخذ النبي ﷺ بلسانه وقال: كف عليك هذا -احذر هذا الثعبان- كف عليك هذا! كف عليك هذا! فقال معاذ بن جبل: وإنا لموآخذون بما نتكلم به يا رسول الله؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم).
وهل أوقع الناس في الهاوية إلا هذا اللسان، يجلس الإنسان في المجلس فيريد أن يظهر للناس عبقريته، وخفة دمه، ولباقته، وذكائه، فيضحك الناس على أحد إخوانه، وربما كان ذلك على أحد العلماء أو الدعاة وإنا لله وإنا إليه راجعون: (وإنا لموآخذون بما نتكلم به يا رسول الله؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم).
وفي رواية الإمام البخاري من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (إن العبد ليتكلم بالكلمة -كلمة واحدة- من رضوان الله لا يلقي لها بالاً فيرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً فيهوي بها في نار جهنم) كلمة!! وفي رواية أصحاب السنن بسند صحيح من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً فيهوي بها في نار جهنم سبعين خريفاً) كلمة!! أيها الأحباب: ذكر الحافظ ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم قال: روى مالك عن زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب ﵁ دخل على الصديق ﵁، فرآه قد شذب لسانه -أي: أخرج لسانه خارج فيه- فقال عمر بن الخطاب: [مه مه، غفر الله لك يا أبا بكر ماذا تصنع؟ فقال الصديق ﵁ لـ عمر: هذا الذي أوردني الموارد].
الصديق أبو بكر ﵁ يخرج لسانه ويقول: [هذا الذي أوردني الموارد] صديق الأمة -أيها الأحباب- إيه والله، أبو بكر يقول على لسانه الذاكر، الشاكر، النقي، العفيف، الطاهر: [هذا الذي أوردني الموارد] لا إله إلا الله [هذا الذي أوردني الموارد].
وأخذ ابن عباس حبر الأمة، وترجمان القرآن -نقلاً عن الحافظ ابن رجب - أخذ لسانه يوماً وهو يخاطبه ويقول له: [اسكت تغنم، واسكت عن سوء تسلم، وإلا فاعلم أنك ستندم] ابن عباس حبر الأمة، وترجمان القرآن ﵁.
وكان عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: [والله الذي لا إله إلا هو لا يوجد في هذا الكون شيء أحق بطول حبس من لسان] لا يستحق شيء أن يسجن في هذا الكون إلا هذا اللسان، هكذا يقول ابن مسعود عن نفسه أيها الأحباب.
وفي الحديث رواه أبو داود وأحمد وصححه شيخنا الألباني: (ما من يوم تصبح الأعضاء إلا وهي تخاطب اللسان، تقول له: اتق الله فينا فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، إن اعوججت اعوججنا).
فالله الله يا عباد في ألسنتنا، والله لا نبرئ أنفسنا من هذه الآفات، ولا من هذه الأمراض، الله الله في ألسنتنا، الله الله في أقوالنا، الله الله في أعمالنا.
يقول ربنا جل وعلا: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٢].
أسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى، وصفاته الع
стр. 249
الحالات التي تجوز فيها الغيبة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحباب: وتحرياً للأمانة، وحتى تكتمل الفائدة -إن شاء الله تعالى- فما هي الحالات التي يجوز فيها الغيبة؟ ذكر الإمام النووي في شرح مسلم في كتاب البر والصلة أسباباً وأغراضاً شرعية تجوز فيها الغيبة، ولا إثم في ذلك، وقال الإمام النووي: تجوز الغيبة لأسباب شرعية وعدّد هذه الأسباب وقال: أولاً: التظلم: أي يجوز للمتظلم أن يقول: فعل بي فلان كذا وكذا وكذا، لمن يتظلم إليه، هذه واحدة.
ثانياً: يجوز في حالة الاستعانة بتغيير المنكر، بأن يذهب مسلم غيور على دينه إلى أولي الأمر، أو إلى من يتوسم فيهم القدرة على أن يغيروا المنكر، فيذهب إليهم ويقول: لقد فعل فلان كذا وكذا فازجره عن ذلك، هذا أيضاً مباح، وهذا الكلام للإمام النووي ﵀، وهذا كلام كثير من أهل العلم غير الإمام النووي.
ثالثاً: الاستفتاء: بمعنى: أن يذهب المستفتي إلى المفتي فيقول: لقد ظلمني أبي أو أخي أو فلان بكذا وكذا، فما الذي أفعله لرد هذا الظلم عن نفسي، فهذه حالة ثالثة تباح فيها أن يذكر الإنسان عيوب إخوانه الذين ظلموه، ويستدل الإمام النووي على ذلك بحديث فاطمة بنت قيس -والحديث رواه مسلم - أنها ذهبت تستشير النبي ﷺ فيمن تقدموا لخطبتها فقالت: (يا رسول الله! خطبني معاوية وأبو جهم؟ فقال النبي ﵊: أما أبو جهم فرجل لا يضع عصاه عن عاتقه -أي: كثير الضرب للنساء- وأما معاوية فصعلوك لا مال له) هذه أيضاً جائزة ولا إثم في ذلك.
أيضاً من هذا العنصر الثالث تجريح المجروحين من علماء الحديث، كأن يقال: فلان سيئ الحفظ، أو فلان كذوب، وذلك لصيانة أحاديث النبي ﷺ ، وهذه أيضاً من الغيبة المباحة التي لا بأس بها.
رابعاً: تحذير المسلمين من الوقوع في أي شر، كأن يقال: فلان مبتدع، أو فلان كذا أو كذا، فهذا أيضاً جائز لا إثم فيه.
خامساً: تجوز غيبة الفاسق الذي جهر بفسقه، وقد بوب الإمام البخاري باباً في الصحيح بعنوان: باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والرِّيَب، وقال الحافظ ابن حجر: ويستنبط من حديث عائشة ﵂ وفيه (أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ ، فقال النبي: ائذنوا له بئس أخو العشيرة هو، فلما دخل الرجل ألان النبي له الكلام، فقالت عائشة: يا رسول الله! قلت ما قلت ثم ألنت له الكلام؟ فقال ﵊: يا عائشة! إن شر الناس من يدعه الناس اتقاء فحشه).
قال الحافظ ابن حجر: ويستنبط من هذا أنه لا غيبة لمن جهر بالفسق والفساد والمعصية.
سادساً: التعريف، يعني: إن قيل: إن فلان الأصلع، أو الأعمش، أو الأعرج، أو القصير؛ ولكن بشرط ألا يكون ذلك من باب التحقير والتنقص، فإن كان ذلك من باب التحقير والتنقص فإنما هي غيبة محرمة لا تجوز شرعاً، أما إن قيل ذلك على وجه التعريف وليس على وجه التنقص فلا إثم ولا حرج في ذلك.
أسأل الله جل وعلا أن يحمينا وإياكم من الوقوع في المعاصي والزلل، اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها، اللهم ارزقنا لساناً ذاكراً، وقلباً شاكراً، وجسداً على البلاء صابراً، اللهم طهر ألسنتنا من الغيبة، وأعيننا من الخيانة، وأعمالنا من الرياء، وقلوبنا من النفاق، أنت ولي ذلك والقادر عليه.
اللهم اغفر لنا في هذا اليوم المبارك ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم لا تدع لأحد منا في هذا اليوم المبارك ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا ثبته، ولا حاجة هي لك رضىً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين.
اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل اللهم فينا ولا منا ولا بيننا شقياً ولا محروماً، اللهم وفق ولاة الأمر لما تحبه وترضاه.
هذا وأكثروا من الصلاة والسلام على نبينا وحبيبنا محمد ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم وزد وبارك على آله نبينا وحبيبنا محمد وعلى صحبه وسلم.
هذا: وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
стр. 250
إخلاف الوعد
إخلاف الوعد خصلة ذميمة من خصال المنافقين، حذر منها الشارع الحكيم أيما تحذير، كما أن صدق الوعد خلق كريم حث عليه الإسلام، وحرص النبي ﷺ على غرسه في نفوس أصحابه، حتى إننا نجد أنهم ترجموا هذا الخلق إلى منهج عملي تمثلوه في واقعهم.
стр. 251
تعريف النفاق وأقسامه
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة! مازال حديثنا عن النفاق والمنافقين، وقلنا بأن النفاق لغة: من جنس الخداع والمكر وإظهار الخير وإبطان الشر، وقلنا بأن النفاق شرعاً ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: هو نفاق الاعتقاد، وهو: أن يظهر الإنسان الإسلام ويبطن الكفر، وصاحبه مخلد في الدرك الأسفل من النار عياذاً بالله.
وأما القسم الثاني من أقسام النفاق هو: النفاق الأصغر -وهو نفاق العمل- وهو: أن يظهر الإنسان على نية صالحة وهو يبطن خلاف ذلك.
ولقد حدد النبي ﷺ أصول النفاق العملي في خمس خصال بمجموع روايتي أبي هريرة وعبد الله بن عمرو، والروايتان أخرجهما الإمام البخاري والإمام مسلم وغيرهما.
أما الرواية الأولى: فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان).
وأما الرواية الثانية: فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر).
وتحدثنا في اللقاء الماضي بتوفيق الله جل وعلا عن خصلة من خصال النفاق العملي، ألا وهي الكذب في الحديث.
ونحن اليوم على موعد مع الخصلة الثانية، من خصال النفاق العملي ألا وهي قوله ﷺ : (وإذا وعد أخلف).
стр. 252
اعتزاز الجاهلي بوفاء الوعد
أحبتي في الله! إن صدق الوعد خصلة كريمة من خصال الإيمان، وخلق عظيم من أخلاق الإسلام، بل وشيمة كريمة من شيم الرجال حتى في الجاهلية قبل الإسلام، كان العرب قديماً في الجاهلية يعتزون بصدق الوعد، وينقمون نقمة شديدة على من يخلفه، ومن أجمل ما قرأت في هذا: أن النعمان بن المنذر -وكان ملكاً على الحيرة قبل الإسلام- كان له يومان: يوم بؤس ويوم نعيم، فإذا لقيه أحد في يوم بؤسه قتله وأرداه، وإذا لقيه أحد في يوم نعيمه قربه وأعطاه وحباه.
وفي يوم من أيام بؤسه لقيه رجل من قبيلة طيء، فعلم الطائي أنه مقتول لا محالة بعد ما علم أن هذا اليوم للنعمان بن المنذر هو يوم بؤسه، فاقترب الطائي من النعمان بن المنذر وقال: حيا الله الملك، حيا الله الملك، لقد خرجت وتركت أولادي على شفا تلف من الجوع، وقد خرجت اليوم مبكراً أبحث لهم عن رزق، ففتح الله عليَّ بصيد هذا الأرنب، فإن رأى الملك أن يأذن لي في إتيانهم والرجوع إليهم لأطعمهم ولأوصي بهم، وله عليَّ وعد وعهد أن أرجع إليه مرة أخرى في الموعد الذي يحدده حتى أضع يدي في يده، فرق له النعمان بن المنذر وقال له: لن أسمح لك بالرجوع إليهم إلا إذا ضمنك رجل منا، فضمنه رجل ممن مع الملك وهذا الرجل يقال له: شريك بن عمرو بن شراحيل، ضمن شريك هذا الرجل الطائي، وقال له: أنا أضمنه، قال: إن لم يرجع قتلناك مكانه، قال: افعل.
فانصرف هذا الرجل الطائي فأطعم أولاده وأوصى بهم، وفي الوقت المحدد عاد فوقف بين يدي النعمان بن المنذر، فوقف النعمان منبهراً بهذا الخلق، ومبجلاً لهذا الصدق، ومكبراً لهذه الأخلاق، فنظر النعمان إلى هذا الرجل الطائي، وقال: أيها الرجل! لقد صدقت في وعدك حتى لم تترك للصدق بعد ذلك سبيلاً، ونظر النعمان إلى شريك بن عمرو الذي جاد بحياته ضامناً لهذا الرجل وقال: أما أنت يا شريك بن عمرو فقد جدت وأكرمت حتى لم تدع للجود سبيلا، ثم قال النعمان: والله لا أكون ألأم الثلاثة، فكافأ الطائي وأطلقه، ورفع يوم بؤسه، فأنشد الرجل الطائي بين يديه قائلاً:
ولقد دعتني للخلاف عشيرتي
أي: دعتني قبيلتي وعشيرتي لأن أخلف وعدك أيها الملك.
ولقد دعتني للخلاف عشيرتي فأبيت عند تجهم الأقوال
إني امرؤ مني الوفاء سجية وفعال كل مهذب مفضال
أيها الأحبة في الله! هذه شيم الرجال، وأخلاق الرجال، حتى في الجاهلية قبل الإسلام، فما ظنكم بدين ركنه وعماده هو الأخلاق، ما جاء الإسلام إلا ليعلي وليشيد بنيان الأخلاق، قال كارل ماركس زعيم الشيوعية والوجودية الملحدة: إن الأخلاق كنز لا معنى له، ويرد عليه سيد الأخلاق الذي جاء ليعلم الدنيا الأخلاق محمد ﷺ ويقول: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).
ما ظنكم بدين عماده وبنيانه هو الخلق الذي جاء محمد ﷺ ليشيد بنيانه وليضع لبناته لبنة فوق لبنة، ولبنة بعد لبنة.
стр. 253
مكانة الوفاء بالوعد في الإسلام
إن الإسلام جاء ليعلي وليشيد إشادة كريمة بهذا الخلق -بصدق الوعد- وليشن حملة ضارية على نقيضها ألا وهي إخلاف الوعد.
ولذلك أيها الأحباب! اسمعوا إلى الله جل وعلا، وهو يثني بهذه الصفة الكريمة، وبهذه الخصلة الحميدة على نبي من أنبيائه، فيخاطب ربنا نبينا المصطفى ﷺ بقوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً﴾ [مريم:٥٤].
أحبتي في الله! نلحظ في هذه الآية ملحظاً جميلاً، ألا وهو أن الله ﷻ قدم صدق الوعد على الرسالة والنبوة وهو يثني على إسماعيل ﵇، وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أن هذا الخلق الكريم الغالي إنما هو بمثابة المقدمة الضرورية للرسالة والنبوة ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً﴾ [مريم:٥٤].
وجعل الإسلام نقيض هذه الصفة من صفات المنافقين كما ذكرت آنفاً من قوله ﷺ : (وإذا وعد أخلف).
أيها الأحبة في الله! والله الذي لا إله غيره ما أحوجنا نحن المسلمين هذه الأيام إلى هذه الخصلة الغالية الكريمة، وإلى هذا الخلق العظيم الجليل إلى صدق الوعد، بل لا أكون مغالياً إن قلت: إن العالم بأسره بُحكّامه ومحكوميه في أمسِّ الحاجة في هذه الأيام إلى هذه الصفة وتلك الخصلة.
стр. 254
الغرب والوعود الزائفة
إن أزمة العالم اليوم هي أزمة الثقة في الوعود والتصريحات والأقوال، نعم.
أيها الكرام! وعد بليل يخلف بنهار، ووعد بنهار يكذّب بليل، وتصريح هنا يناقض تصريحاً هناك، وتصريح هناك يكذب تصريحاً هنا وهكذا دواليك.
شأنهم في ذلك كما ذكرت في اللقاء الماضي كشأن جحا الذي صنع ساقيته على النهر؛ لتأخذ الماء من النهر وترد الماء إلى نفس النهر مرة أخرى، فلما عجب الناس من صنيع جحا وقالوا: عجباً لك يا جحا! تأخذ الماء من النهر بساقيتك لترد ساقيتك نفس الماء إلى النهر مرة أخرى، فقال جحا: يكفيني نعيرها.
ونحن لا نسمع إلا تصريحات ووعوداً ولكنها مكذوبة وملفقة، ودجل في دجل، وكذب في كذب، فكم من مرة سمعنا الزعيم الصربي النصراني الحقود يصرح هنا وهناك، ويطير من هنا وهناك، ليعلن على مرأى ومسمع من الدنيا بأنه سيوقف هذه الإبادة البشرية الكاملة للجنس المسلم في جمهورية البوسنة والهرسك.
ولكن ما زالت المسرحية الهزلية الإبادية، مازالت على خشبة المسرح العالمي كله، مازالت إلى يومنا هذا تمارس، والأضواء العالمية كلها تسلط عليها، وما زال المجاهدون من جميع أنحاء العالم قابعون في مقاعدهم أمام أعضاء الفرقة الصربية المسرحية الإبادية الكبرى، مازال المشاهدون في مقاعدهم يشاهدون وينظرون ويتابعون أحداث المسرحية باهتمام بالغ، ومنهم من يصفق بشدة وبحدة وبقوة لأعضاء فرقة الإبادة الصربية الكبرى، ومنهم من يزكي ويبارك هذه التصفية العنصرية، ومنهم من جلس يبكي ويمسح عينيه وخديه التي بللت بالدموع، ولكنه مازال قابعاً في مقعده، مصراً على أن يجلس، وعلى أن ينظر صامتاً ساكتاً؛ ليتابع آخر فصول هذه المسرحية الهزلية الإبادية الكبرى.
وما زال عالمنا الغريب، وما زال عالمنا العجيب يتابع عن كثب، ولا يجيد عالمنا إلا لغة الاستنكار، والشجب، والكلمات والبيانات والإعلانات في الصحف هنا وهناك، وفي وسائل الإعلام من هنا ومن هناك، هذا هو عالمنا، العالم الذي مزقته العصبية المذهبية، عالمنا الذي مزقته العصبية العنصرية، عالمنا الذي مزقته العصبية اللادينية، عالمنا الذي مزقته العصبية الشيوعية والنصرانية الحاقدة التي انطلقت في العالم بأسره، وقد أعماها الحقد، وقد أعماها العنصر والمذهب واللون، أعماها حتى انطلقت لتسوم البشرية حرباً بعد حرب، وبلاء بعد بلاء، وشقاء بعد شقاء، لتسوم البشرية الضنك والشقاء والهوان والذل، حرباً في الحرب، وحرباً في السلم، هذه هي العنصرية المذهبية الجديدة، وهذه هي العنصرية اللونية الجديدة، وهذه هي عنصرية العالم المتحضر، هذه هي عنصرية العالم المتطور، الذي يتغنى كل يوم بحرية الاعتقاد، وبـ الديمقراطية، وبالدعوة إلى السلام.
ما زالت فصول المسرحية قائمة على الرغم من كثرة الوعود، وعلى الرغم من هذا الكم الهائل من التصريحات الكاذبة، ومن الإعلانات الملونة التي تنيم الناس، وتنيم المسلمين، لتتم آخر فصول هذه المسرحية بإبادة الجنس المسلم من جمهورية البوسنة والهرسك المسلمة.
ما أحوجنا إلى صدق الوعد، ما أحوج العالم بأسره إلى صدق الوعد حكاماً ومحكومين، إنه المسخ الذي يصيب الروح البشرية في عصر الظلام والانتكاس، إنه المسخ الذي يصيب الحياة البشرية في عصر قيادة العالم الأوروبي المتحضر، في عصر قيادة الرجل الغربي، وما هنالك من بلسم يمس هذه الروح البشرية فيشفيها، وما هنالك من شعاع يضيء خوافيها ودروبها، ولن تعود هذه البشرية، ولن تفيء إلى الحق إلا إذا عاد الإسلام من جديد؛ ليقود ركب البشرية مرة أخرى ليحيل اختراعاتها وعلومها واكتشافاتها إلى أدوات رحمة وسلام، لا إلى أدوات حرب وانتقام، حولتها إلى أدوات حرب لأنها تملك صناعة الحرب، لأنها تملك القنبلة والصاروخ والمدفع ولا تملك ذرة من ذرات الحب، ولا طاقة من طاقات الصدق، ولا دليلاً من أدلة العدالة، على مرأى ومسمع من الدنيا، وعد بنهار يخلف بليل، ووعد بليل يخلف بنهار، وتصريح هنا يكذب هناك، وتصريح هناك ينقض هنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أين الشهامة؟ أين المروءة؟ أين الرجولة؟ لذا أيها الأحباب! لابد أن نرفع رءوسنا خفاقة عالية بأخلاق إسلامنا، هذا الإسلام الذي لابد له مرة أخرى أن يعود من جديد، ليتحمل قيادة البشرية، وليقود قافلة البشرية إلى بر التوحيد والإيمان والأمان، ولن يعود الإسلام هكذا كما تتنزل الأمطار من السماء، وإنما إذا أردنا أن يعود الإسلام فكل منا على ثغرة من الثغور لعودته، لابد أن نعود نحن أولاً إلى الإسلام، لابد أن نعود إلى مصدر عزنا وشرفنا وبقائنا، وكرامتنا وقيادتنا، إنه الإسلام الذي حول رعاة الغنم في أرض الجزيرة في الماضي القريب إلى قادة وسادة لجميع الأمم، إنه الإسلام الذي قال عنه فاروق هذه الأمة: [لقد كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العز في غيره أذلنا الله].
لابد من العودة إلى أخلاق الإسلام جملة وتفصيلاً، لابد من العودة إلى الإسلام بدأً من الحاكمية لله فلا يحكم إلا كتاب الله وشرع رسول الله ﷺ ، وأن نلفظ شرع البشر من ملاحدة وزنادقة وعلمانيين وشيوعيين وديمقراطيين واشتراكيين وغيرهم من هذا الصنف الخبيث لنعود إلى شرع الله وحده: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٤٠].
ولابد من العودة إلى أخلاق الإسلام جملةً وتفصيلاً بدأً من الحاكمية -كما قلت- وحتى إماطة الأذى عن الطريق (الإيمان بضع وسبعون شعبة) نعم لابد من العودة إلى جميع هذه الشعب، لابد من العودة إلى كتاب الله لنقيمه حكماً حكماً، ونهياً نهياً، وحداً حداً، وكلمةً كلمةً، بل وحرفاً حرفاً ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥].
والعودة إلى هذه الأخلاق ليست أمراً مستحيلاً، وليست من المثل العليا في دولة أفلاطون المثالية، لا.
فإن الإسلام هو دولة مثالية، إن الإسلام هو دولة الأخلاق، إن الإسلام هو دولة العقيدة والسلوك والعمل.
стр. 255
الأنصار والوفاء بالوعد
إن الإسلام عقيدة وشريعة، إن الإسلام معاملة وسلوك وواقع، إن الإسلام منهج حياة، ولذلك لما ربى النبي ﷺ الرعيل الأول على أخلاق الإسلام ضربوا للتاريخ كله أروع المثل على صدق الوعد وعلى الوفاء بالعهد، واستطاعوا أن يضربوا لنا المثل في أن الإسلام ما أنزل إلا ليحول إلى واقع حياة، وإلى منهج عملي، وإلى سلوك واقعي تطبيقي.
تعالوا بنا لنطير على جناح السرعة إلى هذا الاجتماع المبارك، حيث جلس الأنصار الذين شرح الله صدورهم للإسلام على يد داعية الإسلام الأول مصعب بن عمير ﵁، جلس ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان ينتظرون النبي ﷺ ليعقدوا معه بيعة العقبة الثانية.
ولنترك أحد قادة الأنصار يحدثنا عن هذا الاجتماع التاريخي الكبير الذي حول وجه التاريخ في صراع الوثنية ضد الإسلام، لنترك كعب بن مالك الأنصاري ﵁ يحدثنا والحديث بطوله رواه الإمام البيهقي، ورواه ابن إسحاق بإسناد صحيح، ورواه الإمام أحمد من حديث جابر بن عبد الله والحديث رواه ابن حبان أيضاً في صحيحه، والحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشيخين من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄.
ماذا يقول كعب، يقول: (اجتمعنا في الشعب عند العقبة، وقد واعدنا رسول الله ﷺ هناك، فجلسنا ننتظر رسول الله ﷺ ، فجاء رسول الله ومعه عمه العباس بن عبد المطلب، وكان ما زال على دين قومه -أي: والعباس مازال على دين الشرك ولكنه جاء لينظر في أمر ابن أخيه- يقول كعب بن مالك: فكان أول متكلمٍ هو العباس، فقال العباس بن عبد المطلب: يا معشر الخزرج! إن محمداً منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فإنه في عز من قومه، ومنعة في بلده، إلا أنه أبى إلا الانحياز لكم، واللحوق بكم، فإن أنتم أنجزتم له ما دعوتموه إليه فأنتم وذلك، وإن أنتم رأيتم أنفسكم أنكم خاذلوه وأنكم مسلموه فدعوه من الآن فإنه في عز من قومه ومنعة في بلده، يقول كعب بن مالك: فقلنا للعباس: قد سمعنا ما قلت يا عباس، فتكلم أنت يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت، يقول كعب: فتكلم الرسول ﷺ فقرأ القرآن ودعا إلى الله جل وعلا، وبايعنا على أن نمنعه مما نمنع منه أبناءنا ونسائنا، ووعدنا الجنة) وفي رواية جابر بن عبد الله التي أشرت إليها آنفاً قال الأنصار: (علام نبايعك يا رسول الله؟ قال: على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقوموا لله لا تأخذكم في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا أتيت إليكم، وأن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم ونساءكم وأبناءكم).
نرجع إلى كعب بن مالك، يقول كعب: (فأقبل إليه البراء بن معرور ﵁ وأخذ بيد الرسول ﷺ وقال: والذي بعثك بالحق نبياً يا رسول الله! لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله، فوالله إنا لأهل الحروب وإنا لأهل الحلقة، ولسوف ترى منا ما تقر به عينك، فبايعنا يا رسول الله) وفي رواية جابر بن عبد الله، يقول: (فقاطع البراء بن معرور وهو يتكلم أبو الهيثم بن التيهان ﵁ فقال أبو الهيثم: يا رسول الله! إن بيننا وبين الرجال -أي: بيننا وبين اليهود- حبالاً وإنا قاطعوها، فإن نحن فعلنا ذلك وأظهرك الله أترجع إلى قومك وتدعنا؟ فقال الرسول ﷺ مبتسماً: بل الدم الدم، والهدم الهدم، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم، أنا منكم وأنتم مني) وفي رواية جابر: (قام أسعد بن زرارة ﵁ ليبين للأنصار خطورة هذه البيعة وخطورة هذا العهد، فلما نظر إليهم قال له الأنصار: أمط عنا يدك يا أسعد، فوالله لا ندع هذه البيعة ولا نستقيلها، يقول جابر: فقمنا إلى رسول الله ﷺ نبايعه رجلاً رجلاً ويعدنا على ذلك الجنة).
وتمضي الأيام، وهاهي الأيام تمر، تجر خلفها الشهور، وتسحب معها السنين، ويأتي أول اختبار على صدق هذا الوعد والعهد والبيعة للأنصار في غزوة بدر الكبرى، يرى النبي ﷺ أن الأمر ولا محالة فيه قتال، فيشير النبي ﷺ على أصحابه ويقول: (أشيروا علي أيها الناس، فيتكلم أبو بكر ﵁ الصادق الكريم، فيحسن الصديق ﵁ القول فيدعو له النبي ﷺ بخير، ويتكلم فاروق الأمة عمر بن الخطاب ﵁ ويحسن عمر الخطاب والكلام فيدعو له النبي ﷺ بخير، ويتكلم المقداد ﵁ فيقول: يا رسول الله! امض لما أراك الله، فوالله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقول لك: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، والله يا رسول الله، لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك دونه حتى تبلغه).
ولكن المتكلمين أبو بكر وعمر والمقداد كانوا من المهاجرين، والرسول ﷺ يريد أن يستمع إلى رأي الأنصار لأن رحى الحرب ستدور على كواهلهم وسواعدهم، فهم الكثرة الكاثرة في جيش النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ ملتفتاً إلى الأنصار: أشيروا علي أيها الناس، وفطن إلى ذلك قائد الأنصار وحامل لوائهم، سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه، فقال سعد: (والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل يا سعد - أتدرون ماذا قال سعد الأنصاري؟ - قال سعد: يا رسول الله، لقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا، فامض يا رسول الله حيث شئت، والله لا يتخلف عنك منا رجل واحد، والله لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنا لصبرٌ في الحرب، صدقٌ عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله يا رسول الله) فسر النبي ﷺ .
هؤلاء هم الرجال، هؤلاء هم الأبطال، هؤلاء هم أهل الصدق والوفاء الذين بيضوا وجه الحنيفية، وسطروا للتاريخ كله أن هؤلاء هم تلامذة محمد بن عبد الله الذين رباهم النبي ﷺ على هذه الأخلاق فتحولوا من رعاة الغنم إلى سادة وقادة لجميع الأمم، إنه صدق الوعد.
ما أحوجنا إلى أن نقف أمام هذا الدرس العظيم الكريم لنأخذ منه الدروس والعظات والعبر.
أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 256
حكم إخلاف الوعد
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد: فيا أيها الأحبة! انتبهوا معي إلى هذا الجانب الفقهي من موضوعنا اليوم، فلقد لخص الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه القيم جامع العلوم والحكم أحكام إخلاف الوعد، فقال: وإخلاف الوعد ينقسم إلى قسمين: الحالة الأولى: أن يعد الإنسان وفي نيته ألا يفي بالوعد -وهو شر الخلف- يقول الحافظ فإن وعد وقال: إن شاء الله، وفي نيته أن يخلف الوعد فقد وقع في الخلف والكذب، إن قال: إن شاء الله أفعل كذا، وفي نيته ألا يفعل فقد وقع في الخلف والكذب.
أما الحالة الثانية: أن يعد وفي نيته أن يفي بوعده، ولكن يطرأ عليه طارئ بحال، فيخلف وعده من غير عذر له في الخلف، وهذا أيضاً من إخلاف الوعد.
الحالة الثالثة: وأنا أضيف إلى هاتين الحالتين حالة من عند نفسي، لأننا كثيراً ما نقع فيها ألا وهي: أن يعد الإنسان وفي نيته أن يفي بوعده إلا أنه ينسى -وهذا كثيراً ما يقع- وإن شاء الله تعالى من وقع في هذه الحالة فلا إثم عليه للأدلة الصريحة الصحيحة في ذلك ومنها: ما رواه الإمام مسلم من حديث ابن عباس ﵄ أنه قال: (لما نزل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] قال الله جل وعلا: قد فعلت) ولما رواه ابن عباس ﵄ أنه ﷺ قال: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) والحديث رواه ابن ماجة في سننه، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشيخين ورواته محتج بهم كلهم في الصحيحين إلا أن الإمام أحمد ﵀ قد أنكر هذا الحديث إنكاراً كبيراً.
أيها الأحبة في الله! اصدقوا إذا وعدتم، واصدقوا إذا عاهدتم، وأسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن يتحلى بهذا الخلق، بل وبكل أخلاق الإسلام، إنه ولي ذلك ومولاه.
اللهم ارزقنا لساناً ذاكراً، وقلباً شاكراً، وجسداً على البلاء صابراً، اللهم ارزقنا الإخلاص في أقوالنا، والإخلاص في أعمالنا، والإخلاص في أحوالنا، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم حلنا بأخلاق القرآن، اللهم حلنا بأخلاق الإسلام، اللهم حلنا بأخلاق الإسلام أنت ولي ذلك والقادر عليه يا رب العالمين.
اللهم أعد الأمة إلى الإسلام وردها إليه رداً جميلاً، اللهم رد الأمة إلى الإسلام رداً جميلا، اللهم خذ بنواصينا إليك، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأعل بفضلك كلمتي الحق والدين.
اللهم عليك بالصرب النصارى يا رب العالمين، اللهم مزق شملهم، اللهم شتت صفهم، اللهم زلزل الأرض من تحت أقدامهم، اللهم أرنا فيهم يوماً كيوم عادٍ وثمود أنت ولي ذلك والقادر عليه، اللهم أطعم المسلمين الجياع، اللهم احمل المسلمين الحفاة، اللهم اكسُ المسلمين العراة، اللهم كن لنا ولا تكن علينا يا رب العالمين، وإن أردت بالناس فتنة فاقبضنا إليك غير خزايا ولا مفتونين برحمتك يا أرحم الراحمين.
أحبتي في الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على نبينا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
هذا وما كان من توفيق فمن الله تعالى وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو زللٍ أو نسيان فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله من أن أذكركم به وأنساه، وأقم الصلاة.
стр. 257
الثبات حتى الممات
إنما الأعمال بالخواتيم، فمن ختم له بخير فقد أفلح ونجح، ومن ختم له بشر فقد خاب وخسر والعياذ بالله، فعلى كل مسلم أن يخاف من سوء الخاتمة، وأن يسأل الله الثبات على الدين حتى الممات، وعليه أن يحرص على العمل بأسباب الثبات؛ عسى الله أن يوفقه لذلك.
стр. 258
لا يشترط في الواعظ عدم الخطأ
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الأحباب الأعزاء! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله جل وعلا الذي جمعنا وإياكم في هذا البيت المبارك على طاعته أن يجمعنا وإياكم في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! (الثبات حتى الممات) هذا هو عنوان محاضرتنا هذه, ونظراً لطول هذا الموضوع فسوف أركز الحديث تحت هذا العنوان في العناصر التالية: أولاً: مقدمة موجزة.
ثانياً: أهمية الموضوع.
ثالثاً: مواطن الثبات.
رابعاً: الناس صنفان.
وأخيراً: وسائل الثبات.
فأعرني قلبك وسمعك، وأسأل الله جل وعلا أن يثبتنا على الحق حتى نلقاه؛ إنه ولي ذلك ومولاه.
أولاً: مقدمة موجزة: أيها الأحبة! كان من المفترض ألا يتكلم عن الثبات حتى الممات إلا من توافرت لديه الأهلية علماً وعملاً، ولست -والله- منهم، ولكنني أقول دوماً: قد ينطلق المرء للحديث لا من منطلق شعوره بالأهلية وإنما من منطلق شعوره بالمسئولية، وهذا ما تؤصله وتقرره القاعدة الأصولية: (من عدم الماء تيمم بالتراب) ويكاد يرن في أذني وأنا أتحدث عن موضوع الثبات قول القائل: وغير تقي يأمر الناس بالتقى طبيب يداوي الناس والطبيب عليل فالله أسأل أن يجعل سرنا أحسن من علانيتنا، وأن يسترنا في الدنيا والآخرة، وأضرع إلى الله مع القائل: إلهي لا تعذبني فإني مقر بالذي قد كان مني فكم من زلة لي في البرايا وأنت علي ذو فضل ومنِّ يظن الناس بي خيراً وإني لشر الناس إن لم تعف عني
стр. 259
أسباب طرح موضوع الثبات
ثانياً: أهمية موضوع الثبات: إن موضوع الثبات حتى الممات من الموضوعات الهامة التي يجب أن تطرح لا في المناسبات وإنما في كل الأوقات، فإنه الغاية والهدف أن تلقى الله على طاعة، أن تلقى الله على التوحيد الخالص، وعلى العبودية الكاملة، وتزداد أهمية طرح الموضوع من وجهة نظري لسببين: السبب الأول: كثرة الفتن في هذا الزمان، فلو أسميت هذا الزمان الآن بزمان الفتنة أو بزمان الفتن ما بالغت وما تجاوزت الحد؛ فلقد كثرت الفتن، روى مسلم ﵀ من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: (أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً) سل نفسك: لماذا؟ قال النبي ﵊: (يبيع دينه بعرض من الدنيا) يبيع الدين بعرض من الدنيا؛ والدنيا زائلة، يبيع الغالي بالرخيص، فلقد كثرت الفتن في هذا الزمان بصورة مدمرة مزلزلة، وحتى لا أطيل ولأعرج على بقية عناصر الموضوع -إن شاء الله جل وعلا- أقول: بالجملة فإن الفتنة تنقسم إلى قسمين: فتنة الشهوات، وفتنة الشبهات، أما فتنة الشهوات فلقد عصفت الآن بكثير من القلوب، وعبد كثير من الناس هذه الدنيا، وأصبحت الدنيا الغاية التي من أجلها يبذلون، ومن أجلها يعملون، ومن أجلها يخططون، ومن أجلها يفكرون، بل ومن أجلها يوالون ويعادون، فالأكثر لا هم له إلا الدنيا، ولا يبذل الوقت والجهد والعرق إلا من أجل هذه الدنيا.
ووالله -يا إخوة- ما خشي النبي ﷺ على هذه الأمة من الفقر أبداً، بل خاف النبي على هذه الأمة من الدنيا، كما روى البخاري ومسلم من حديث عمرو بن عوف الأنصاري ﵁ قال: قال ﷺ : (والله! ما الفقر أخشى عليكم) وتدبروا هذا الحديث! فرسول الله لا يخشى على أمته من الفقر، (والله ما الفقر أخشى عليكم) إذاً: ما الذي تخشاه على الأمة؟ يقول المصطفى: (ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم) فكم من الناس الآن من لا يعيش إلا من أجل شهواته!! وفتنة الشبهات التي مزقت الأمة الواحدة إلى جماعات شتىً، وإلى فرق، وإلى أهواء، ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم أنه ﷺ قال: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة -وفي لفظ: على ثلاث وسبعين ملة- كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟! قال: ما أنا عليه وأصحابي) فالفتن كثيرة، فهناك فتنة الأموال، وهناك فتنة الإعلام، وهناك فتنة هوان الأمة وذلها، وهناك فتنة الابتلاءات التي تصب على رءوس الموحدين هنا وهنالك في كل مكان، فالفتن كثيرة، وهي تعصف بقلوب الموحدين في هذه الأيام، حتى شعر المسلم الحقيقي بالغربة في هذا الزمان، كما في الحديث الذي رواه مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء) وفي غير رواية مسلم: (قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟! قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس) وفي لفظ قال: (الذين يصلحون ما أفسده الناس) وفي لفظ قال: (الذين يحيون سنتي، ويعلمونها الناس)، وفي لفظ قال: (الذين يفرون بدينهم من الفتن)، فالغريب الآن هو: الذي يفر بدينه من الفتن، بل إن الذي يصبر على الدين، ويعيش الآن للدين، ويتحرك بهمِّ هذا الدين، ويفكر في أمر هذه الدعوة؛ كالقابض على الجمر بيديه، جاء في سنن الترمذي -والحديث حسن بشواهده- من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (يأتي زمان على الناس الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر) إن الذي يريد الآن أن يتمسك بدين الله، ويريد أن يصبر على هذه الفتن والأهواء التي تعصف بقلبه؛ كأنه يقبض على الجمر بيديه، ولكثرة هذه الفتن وجب أن يُطرق موضوع الثبات، وأن يدندن العلماء والدعاة حوله، وأن يبينوا للأمة وسائل الثبات وسط هذا البحر الخضم من الفتن والأهواء، نسأل الله أن يحفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
السبب الثاني من أسباب أهمية موضوع الثبات: أن موضوع وأمر الثبات على الدين أمر متعلق بالقلب، وما سمي القلب قلباً إلا لكثرة تقلبه، نسأل الله أن يثبت قلوبنا على التوحيد، فانتبه لدعاء من فطره الله على التوحيد، وانتبه لدعاء من لينت مفاصله وجوارحه على طاعة العزيز الحميد، ألا وهو المصطفى ﷺ ، فقد كان يكثر في دعائه من قوله: (يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك، فقالت أم سلمة: يا رسول الله! أو إن القلوب لتتقلب؟! فقال المصطفى: يا أم سلمة! ما من قلب من قلوب بني آدم إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن جل وعلا، إن شاء الله أقامه، وإن شاء الله أزاغه) والحديث رواه أحمد في مسنده، وهو حديث صحيح، وله شاهد في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو أنه ﷺ قال: (إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد، إن شاء الله أقامه، وإن شاء الله أزاغه، ثم قال: اللهم يا مصرف القلوب والأبصار! صرف قلوبنا على طاعتك).
أيها الأحبة! لقد صور النبي ﷺ عرض الفتن على القلوب بصورة بليغة دقيقة، فقد روى مسلم من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال ﷺ : (تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً) وكيفية صناعة الحصير في الماضي هي: أنه كان يجلس الصانع فيضع العود بعد العود بعد العود، فيصنع بذلك الحصيرة الكبيرة المعروفة، (تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تعود القلوب على قلبين: قلب أسود مرباداً كالكوز مجخياً، لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً، إلا ما أشرب من هواه، وقلب أبيض لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض) فتعرض فتنة صغيرة فيتشرب القلب الأسود هذه الفتنة، فتنكت هذه الفتنة في القلب نكتة سوداء، ثم تعرض عليه فتنة أخرى فيتقبلها ويتشرف لها؛ فتتوسع بقعة السواد في القلب، وهكذا حتى يعلو الران القلوب، ولا حول ولا قوة إلا بالله، كما قال : ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٤ - ١٥].
فأمر الثبات أمر خطير؛ لأنه متعلق بالقلب، وما سمي القلب قلباً إلا لكثرة تقلبه، فأنت الآن قلبك على حال، وأنت إذا كنت في بيئة الطاعة فقلبك يزداد فيه الإيمان، ومحال أن يكون جلوسك في بيئة الطاعة كجلوسك أمام فيلم من الأفلام الداعرة أو مسلسل من المسلسلات الفاجرة؛ والإيمان يزيد وينقص، وهذا أصل من أصول أهل السنة والجماعة، يزيد الإيمان بالطاعات، وينقص الإيمان بالمعاصي والزلات، فعرض قلبك لبيئة الطاعة ليقوى الإيمان في قلبك، واصرف قلبك وعينك وجوارحك عن بيئة المعصية حتى لا يعلو الران قلبك وأنت لا تدري، أسأل الله أن يطهر قلوبنا بالإيمان.
стр. 260
ذكر بعض المواضع التي يجب الثبات فيها
ثالثاً: مواطن الثبات.
في عجالة سريعة أقول: إن المواطن التي يحتاج فيها المسلم إلى الثبات كثيرة، وأهمها الثبات على الدين وعلى المنهج، والثبات في الفتن، والثبات في الجهاد، والثبات عند الممات.
أما الثبات على المنهج فواجب على كل مسلم أن يثبت على منهج الله، ومن فضل الله ورحمته بنا أن الله جعل منهجه ميسراً لكل مسلم، فما عليك إلا أن تخطو على طريق الله، وما عليك إلا أن تفتح باب المسجد، وأن تدخل إلى بيت الله، وأن تتضرع إلى الله، وأن تطرح قلبك بين يدي الله، واترك بعد ذلك التسديد والمدد والتوفيق لمن بيده القلوب جل وعلا، فالمنهج ميسر، وتدبر معي قول الله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] الله أكبر! وقوله : ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧] ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وكما في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه؛ فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم) الشاهد من الحديث قوله: (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) فمنهج الله ميسر، ما عليك إلا أن تخطو على الطريق، وستجد المدد والتوفيق والتسديد من الله جل وعلا.
فيجب عليك أن تثبت عند هذه الفتن الكثيرة التي ذكرت، وهذا بتعرفك على وسائل الثبات التي سأذكرها، وحرصك على أن تحولها في حياتك إلى واقع.
ويجب عليك أن تثبت في الجهاد، والجهاد مراحل ودرجات، أسأل الله أن يرفع علم الجهاد، وأن يقمع أهل الزيغ وأهل الفساد، ووالله ما ذلت الأمة إلا يوم أن تركت ذروة سنام الإسلام، وفي الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود وأحمد وغيرهما أنه ﷺ قال: (إذا تبايعتم بالعينة -والعينة نوع من أنواع البيوع الربوية- ورضيتم بالزرع، وتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم)، لقد تثاقلت البطون والقلوب إلى الأرض وإلى الوحل والطين، ونسيت الأمة هذه الرسالة المباركة التي أرسل الله بها أمثال الإمام المجاهد العلم عبد الله بن المبارك لأخيه التقي النقي عابد الحرمين الفضيل بن عياض، أرسل له بهذه الرسالة من ميدان البطولة والشرف من ساحة الوغى، من الميدان التي تصمت فيه الألسنة الطويلة، وتخطب فيه السيوف والرماح على منابر الرقاب، يقول عبد الله بن المبارك لأخيه الفضيل بن عياض: يا عابد الحرمين! لو أبصرتنا لعلمت أنك في العبادة تلعب من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب من كان يتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الكريهة تتعب ولقد أتانا من مقال نبينا قول صحيح صادق لا يكذب لا يستوي غبار خيل الله في أنف امرئ ودخان نار تلهب هذا كتاب الله ينطق بيننا ليس الشهيد بميت لا يكذب فلا بد أن يعد الإنسان نفسه ليثبت إن منَّ الله برفع علم الجهاد؛ والجهاد ماضٍ وباقٍ إلى يوم القيامة، ومن كذّب ذلك وأنكره فقد كذب الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى بأبي هو وأمي ﷺ .
ومن أعظم مواطن الثبات: الثبات عند الممات، اللهم ثبتنا عند الموت، فالثبات عند الممات هو الغاية، بل أنت مأمور به كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] فأنت مأمور أن تموت على الإسلام، فمن الذي يثبته الله على فراش الموت؟ ومن الذي يضله الله عن التوحيد على فراش الموت؟ سؤال ينبغي أن نفكر فيه بقلوب واعية، والجواب لك على هذين السؤالين من الله: يقول جل وعلا: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧].
إذاً: الذي يثبته الله على فراش الموت هو المؤمن، ويضل الله على فراش الموت الظالمين، فيخون الظالم لسانه، ويعجز اللسان أن يردد (لا إله إلا الله) في وقت يكون الإنسان في أمس الحاجة إلى أن يعي قلبه حقيقة التوحيد، وأن يترجم لسانه حقيقة الإيمان، وهنا ينقسم الناس إلى صنفين وهذا هو عنصرنا الرابع بإيجاز شديد.
стр. 261
أصناف الناس عند الموت
الناس صنفان: صنف إذا نام على فراش الموت تهلل وجهه، وتهللت أساريره، وترى الابتسامة العريضة تعلو وجهه وشفتيه، وترى لسانه وكلامه يردد: (لا إله إلا الله)؛ لأنه عاش على لا إله إلا الله، وبذل وقته للتوحيد، وحول التوحيد في حياته إلى واقع، فحق على الله -حق أخذه الله على ذاته؛ إذ ليس لأحد حق على الله- لمن اتقاه أن يحسن الله بدايته، وأن يحسن الله نهايته، وأن يتولى الله رعايته، واسمع إلى الحافظ ابن كثير إذ يقول: (لقد أجرى الله الكريم عادته بكرمه أن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه) الله أكبر! إن عشت على الطاعة مت على الطاعة، وإن عشت على المعصية -أعاذني الله وإياك- مت على المعصية، وبعثت على المعصية، روى مسلم من حديث جابر بن عبد الله أنه ﷺ قال: (يبعث كل عبد على ما مات عليه) فإن مت على الطاعة بعثت على الطاعة، وإن عشت على التوحيد مت على التوحيد، وبعثت تحت راية إمام الموحدين وسيد المحققين محمد بن عبد الله ﷺ .
стр. 262
مواقف وأحوال بعض العصاة عند الموت
هذا صنف خبيث آخر -نسأل الله الستر والسلامة والعافية- إذا نام على فراش الموت خانه لسانه، وخانه قلبه، ويضله الله عن قولة التوحيد، وعن قولة الإيمان، يذكر الإمام ابن القيم في أحد كتبه: أن رجلاً مرت عليه امرأة فقالت له: أين الطريق إلى حمام منجاب؟ فنظر هذا الرجل إلى المرأة وإلى جمالها، فوقعت في قلبه، فأشار إلى باب داره، وقال: هذا هو حمام منجاب، فدخلت المرأة الدار، ولما علمت أنها وقعت في فخ المعصية، أرادت أن تزين المعصية له حتى تهرب، ثم انصرفت إلى حال سبيلها بعدما قالت: ائتني بكذا وكذا، فخرج الرجل ليأتيها بالطعام والشراب، ولما عاد كانت المرأة قد خرجت وهربت، فلم يجدها، فخرج ليبحث عنها في الشوارع والطرقات وهو يقول: يا رب قائلة يوماًَ وقد تعبت أين الطريق إلى حمام منجاب؟ ولما نام على فراش الموت ذهبوا ليلقنوه.
(لا إله إلا الله) فكان يرد عليهم قوله: يا رب قائلة يوماً وقد تعبت أين الطريق إلى حمام منجاب؟ وختم له بهذه الكلمات.
والعياذ بالله! وهذا رجل في المنصورة يخبرني عنه أخ ثقة: أنه كان جاراً له؛ يقول: ما من مرة دخلت البيت إلا وأسمع الغناء الفاحش في دار هذا الرجل، فذكرته مراراً وتكراراً فأبى، فكبر سنه وهو لم يصل لله جل وعلا.
يقول: فسمعت أنه يحتضر، فصعدت إليه؛ لأنه كان يسكن في البيت الذي يعلوني، فرأيت الرجل في فراش الموت يحتضر، ولا زال شريط الغناء يغني! فقلت لأبنائه: اتقوا الله؛ أبوكم يحتضر، وملك الموت بيننا، والملائكة الكرام حولنا، وأنتم تضعون الغناء، ضعوا القرآن الكريم لعل الله أن ييسر عليه، وأن يهون عليه السكرات والكربات، يقسم بالله العظيم إن أبناءه سكتوا، واقترب من جهاز الكاست ليخرج شريط الغناء، يقول: أقسم بالله لقد كشف الرجل الغطاء عن وجهه وقال لي: دع الغناء؛ فإنه ينعش قلبي!!! لقد أجرى الله الكريم عادته بكرمه أن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه.
стр. 263
مواقف في ثبات بعض الصالحين المتأخرين عند الموت
أيها الأحبة! قد يقول قائل من آبائنا وأحبابنا: هؤلاء هم أصحاب النبي، وهؤلاء هم السلف، فأين نحن من هؤلاء؟! فنقول: يا إخوة! ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء؛ والله ذو الفضل العظيم، كما قال تعالى: ﴿ثلة من الأولين * وثلة من الآخرين﴾ [الواقعة:٣٩ - ٤٠] وقال: ﴿ثلة من الأولين * وقليل من الآخرين﴾ [الواقعة:١٣ - ١٤].
هذا شاب أمريكي يختم له وهو ساجد يصلي لله .
وأخبرني بعض الإخوة عن داعية من إخواننا في الإسكندرية، وقف يتكلم عن مؤتمر السكان الذي عقد في القاهرة، وهو يتلمض ويتغيظ قلبه، ويكاد قلبه أن يتمزق وأن يتقطع، فيصاب بانفجار في المخ؛ فيموت وهو على منبر رسول الله! انظروا إلى الخواتيم؛ فالخواتيم ميراث السوابق.
وهذه أخت فاضلة ترجع مع زوجها بعد العمرة، وتركب الباخرة التي سمعتم عن حكايتها، وأوشكت الباخرة على الغرق، فقال هذا الزوج لزوجته: هيا اخرجي لنصعد فوق السطح؛ لأن المركب يغرق، فقالت: انتظر حتى ألبس ثيابي ونقابي فقال: هذا وقت نقاب؟! أهذا وقت ثياب؟! اخرجي فالناس أوشكوا على الغرق، فقالت: والله! لن أخرج إلا بكامل ثيابي، حتى إن قدر الله عليّ الموت ألقى الله وأنا على طاعة، ولبست ثيابها والمركب يغرق، وصعدت إلى السطح، فلما علمت أنها إلى الهلاك سائرة تعلقت بزوجها وقالت: أستحلفك بالله، هل أنت راضٍ عني؟ فبكى، فقالت: أريد أن أسمعها منك، قال: والله! ما رأيت منك إلا الخير، قالت: أريد أن أسمعها منك، فنظر إليها وبكى، وقال: أشهد الله أني راضٍ عنك، فتعلقت به وقالت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، يقول: والله! ما رأيتها بعد هذه الكلمات، وأسأل الله أن يجمعني بها في جنة رب الأرض والسماوات.
إنها الخواتيم! وهذا مؤذن يؤذن عشرين سنة ابتغاء مرضات الله ، وقبل الموت مرض مرضاً شديداً أعجزه أن يخرج للصلاة، وأعجزة أن يخرج إلى بيت الله جل وعلا، وفي اليوم الموعود بكى، ورفع أكف الضراعة إلى الله وقال: يا رب! أؤذن عشرين عاماً، وأحرم من الأذان في آخر عمري! فنادى على أولاده وقال: وضئوني، فوضئوه، فقال: هل حان وقت صلاة الظهر؟ قالوا: نعم، فقام على سريره في بيته واتجه إلى القبلة ورفع الأذان كاملاً إلى أن وصل إلى قوله: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، ثم خر على سريره، وقد فاضت روحه إلى الله، ولسانه يردد: لا إله إلا الله! لقد أجرى الله الكريم عادته بكرمه أن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه.
стр. 264
مواقف في ثبات بعض السلف الصالحين عند الموت
تدبروا هذا الصنف المبارك الذي عاش في الدنيا لدين الله، ولتوحيد الله؛ فمات على التوحيد، فهذا صديق الأمة الأكبر رضوان الله عليه أبو بكر، فقد جاء أنه لما نام على فراش الموت، وحشرجت روحه؛ دخلت عليه الصديقة بنت الصديق عائشة رضوان الله عليها، وأنشدت بيتاً من الشعر فقالت: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر فكشف الصديق الغطاء عن وجهه، وهو على فراش الموت بثبات عجيب، ونظر لـ عائشة وقال: يا ابنتي! لا تقولي هذا، وإنما قولي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩].
ولما نام فاروق الأمة عمر على فراش الموت دخل عليه الصحب الكرام، ومن بينهم ابن عباس، فقال له: أبشر ببشرى الله لك يا أمير المؤمنين! لقد مصّر الله بك الأمصار، ونشر الله بك العدل، وصحبت رسول الله، فأحسنت صحبته، ثم توفي رسول الله وهو عنك راضٍ، وصحبت أبا بكر، فأحسنت صحبته، ثم توفي أبو بكر وهو عنك راضٍ, وصحبت أصحاب رسول الله فأحسنت صحبتهم، ولئن مت اليوم فإنهم عنك راضون، ثم شهادة في سبيل الله، فأبشر ببشرى الله لك يا أمير المؤمنين! فبكى عمر وقال: والله! يا ابن عباس! لوددت أن أخرج من الدنيا كفافاً لا لي ولا علي، والله! لو أن لي ملء الأرض ذهباً لافتديت به اليوم من عذاب الله قبل أن أراه! عمر فاروق الأمة يقول: لو أن لي ملء الأرض لافتديت به اليوم من عذاب الله قبل أن أراه.
انظروا إلى هذا الثبات العجيب أيها الخيار الكرام! ومن بين هؤلاء الناس يخرج شاب يلبس ثوباً طويلاً- والحديث في صحيح البخاري - فينظر عمر، ودماؤه تنزف، والأمة تصرخ وتبكي على فراق فاروقها الملهم، وينظر عمر وهو على فراش الموت إلى هذا الشاب وهو يلبس ثوباً يجره على الأرض، فيقول الفاروق الأمير: ردوا علي هذا، ويرجع إليه الشاب، فيقول له عمر: يا ابن أخي! ارفع ثوبك؛ فإنه أنقى لثوبك، وأتقى لربك وفي لفظ البخاري: (فإنه أبقى لثوبك، وأتقى لربك.
الله أكبر! على فراش الموت يأمر بالمعروف، على فراش الموت ينهى عن المنكر! ما قال: هذه قشرة من قشور الدين، لا، والله! وما قال: هذه جزئية من جزئيات الدين، لا، والله! لأن الدين لا ينقسم إلى قشور ولباب، وإنما الذي جاء بالكل هو الذي جاء بالجزء، وهو النبي ﷺ ، وأنا أتفق معك -أيها الحبيب المبارك يا من تنادي بفقه الأولويات في الدعوة إلى الله- أنا معك على طول الخط، فلابد من فقه الأولويات، لكن شتان شتان بين فقه الأولويات، والسخرية والتحقير للفرعيات والجزئيات، فلا تحقر فرعاً، ولا تحاول أن تزيحه، نعم؛ ابدأ بالأهم فالمهم، لكن لا تحقر جزئية، ولا تقل: هذه من قشور الدين؛ فإن الدين كل لا يتجزأ، ولا ينقسم إلى قشور ولباب.
والشاهد هو: ثبات عمر رضوان الله عليه.
وهذا عثمان رضوان الله عليه؛ روى الطبري بسند صحيح أن عثمان بن عفان لما حوصر من الأوغاد المجرمين، ومنعوا عنه الماء، ووالله! لو صبروا عليه قليلاً لمات عثمان عطشاً، وهو الذي لا زال ماء بئره الذي اشتراه بخالص ماله يفيض على المسلمين في كل أنحاء مدينة رسول الله.
عثمان رضوان الله عليه في هذه الليلة التي قتل فيها ينام بعدما صلى ما شاء الله له أن يصلي، وقرأ من القرآن ما شاء الله له أن يقرأ؛ فيأتيه رسول الله ﷺ في نومه ويقول له الحبيب: أفطر عندنا غداً يا عثمان! فيصبح عثمان ويفتح باب داره، ويفتح القرآن بين يديه؛ لأنه علم أن الأجل قد انتهى، وأنه مقتول، ودخل عليه المجرمون الثوار؛ فدخل عليه الغافقي المجرم فضربه بحديدة في يده، وضرب المصحف برجله! فاستدار المصحف دورة كاملة، واستقر مرة أخرى في حجر عثمان؛ لتسيل عليه دماء عثمان، فتخالط دماء عثمان آيات القرآن كما خالطت آيات القرآن دماء عثمان ﵁، ويقتل عثمان وهو يقرأ القران، يا لهذه الخاتمة! وهذا علي يطعن هو الآخر ويعود إلى فراشه ويقول: أدخلوا عليّ أبنائي، فأدخلوا عليه أبناءه، فبذل لهم وصية طويلة -كلما قرأتها تعجبت! - وقال: انصرفوا عني، وظل يقول: (لا إله إلا الله، لا إله إلا الله) حتى فاضت روحه وهو يرددها، ﵁ وأرضاه.
وهذا عمر بن عبد العزيز رضوان الله عليه ينام على فراش الموت ويدخل عليه ابن عمه ويقول له: يا أمير المؤمنين! لقد تركت أولادك فقراء، ألا توصي لأبنائك بشيء؟! فيقول عمر بن عبد العزيز: (وهل أملك شيئاً من المال لأوصي لأبنائي به أم تريد أن أوصي لهم بأموال المسلمين؟! والله! ما أنا بفاعل، أدخلوا أبنائي عليّ، فأدخلوهم عليه، وهو على فراش الموت، فنظر إليهم وبكى، وقال: أي بنيّ! إن أباكم قد خير بين أمرين: بين أن يترككم فقراء ويدخل الجنة أوأن يترككم أغنياء من أموال المسلمين ويدخل النار، ولقد اختار أبوكم الجنة إن شاء الله، وأنتم عندي أحد رجلين: إما أن تكونوا صالحين فالله يتولى الصالحين، وإما أن تكونوا غير ذلك فلا أدع لكم ما تستعينون به على معصية الله؛ وأسأل عنه أنا بين يدي الله، اخرجوا عني، فخرجوا عنه، وهو يردد قول الله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣]، وفاضت روحه إلى رب العالمين، وهو يردد هذه الآية من كلام أحكم الحاكمين.
стр. 265
وسائل الثبات على دين الله
أيها الأحبة! ما هي الوسائل التي تعينك على الثبات على دين الله، حتى تلقى الله على دينه وطاعته، أسأل الله أن يوفقني وإياكم لذلك، فإنما الأعمال بالخواتيم، أسأل الله أن يحسن خاتمتنا:
стр. 266
من وسائل الثبات الاستعانة بالله
أول وسيلة من وسائل الثبات حتى الممات: أن تستعين برب الأرض والسماوات؛ فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله الله فهو المخذول، فاستعن بالملك أن يثبت قلبك، وأن يسدد رميتك، وأن يثبت قدمك على الطريق، ذكر الإمام ابن الجوزي أن شيخاً من الشيوخ قال لطالب علم عنده: يا بني! ماذا أنت صانع لو مررت على غنم فنبحك كلبها؟ فقال التلميذ: ادفع الكلب ما استطعت، قال: فماذا تصنع إن نبحك الثانية؟ قال: أدفع الكلب ما استطعت، قال: فإن نبحك الثالثة؟ قال: أدفع الكلب ما استطعت، فقال الشيخ لتلميذه: يا بني! ذاك أمر يطول، ولكن استعن بصاحب الغنم يكف عنك كلبها، وكذا استعن بالله يكف عنك كيد الشيطان.
فمن توكل عليه كفاه، ومن اعتصم به نجاه، ومن استعان به هداه، فأول سبيل أن تطرح قلبك بمنتهى الذل والفقر لله ، واعترف له بضعفك وبعجزك، واعترف له بفقرك، وقم في الليل، ففي الليل أنس المحبين، وروضة المشتاقين، وإن لله عباداً يراعون الظلال بالنهار كما يراعي الراعي غنمه، ويحنون إلى غروب الشمس كما تحن الطير إلى أوكارها، حتى إذا ما جنّ عليهم الليل، واختلط الظلام، وبسطت الفرش، وخلا كل حبيب لحبيبه، نصبوا إلى الله أقدامهم، وافترشوا إلى الله جباههم، وناجوا ربهم بقرآنه، وطلبوا إحسانه وإنعامه؛ فإن أول ما يمنح الله هؤلاء أن يقذف من نوره جل وعلا في قلوبهم، فقم في الليل، وإذا خلا الأحباب بالأحبة فقم أنت وتضرع إلى الله ليثبتك ويسددك، واطلب العون والمدد منه جل وعلا.
стр. 267
من وسائل الثبات ذكر الجنة والنار
وأخيراً: ذكر الجنة والنار، فأكثر من ذكر الجنة، وأكثر من التدبر في أحوال النار وأهل النار؛ فإن كثرة التذكر والتدبر للجنة والنار يدفعك للطاعة، ويعينك على أن تثبت على الطاعة، فهذه الدنيا قصيرة، ومهما عظمت فهي حقيرة، ومهما طالت فهي قصيرة، فكم ستعيش؟! ستعيش أياماً قليلة جداً، فبالمقارنة إلى الزمن ستعيش أياماً قليلة، فتذكر دار القرار، وتذكر النار، واعلم أنك هنا في مزرعة، وفي بوتقة ابتلاء واختبار، فاغرس هنا ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم، وتذكر الجنة، وذكر نفسك وقل لها: يا نفس قد أزف الرحيل وأضلك الخطب الجليل فتأهبي يا نفس لا يلعب بك الأمل الطويل فلتنزلن بمنزل ينسى الخليل به الخليل وليركبن عليك فيه من الثرى ثقل ثقيل قرن الفناء بنا جميعاً فما يبقى العزيز ولا الذليل وذكرها بقول الآخر: أيا عبد كم يراك الله عاصياً حريصاً على الدنيا وللموت ناسيا أنسيت لقاء الله واللحد والثرى ويوماً عبوساً تشيب فيه النواصيا لو أن المرء لم يلبس ثياباً من التقى تجرد عرياناً ولو كان كاسيا ولو أن الدنيا تدوم لأهلها لكان رسول الله حياً وباقيا ولكنها تفنى ويفنى نعيمها وتبقى الذنوب والمعاصي كما هيا أسأل الله جل وعلا أن يثبتنا على الحق، اللهم ثبتنا على الإيمان، اللهم ثبتنا على الإيمان، اللهم إن أردت بالناس فتنة فاقبضنا إليك غير خزايا ولا مفتونين، ولا مفرطين ولا مضيعين، ولا مغيرين ولا مبدلين، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا.
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، وبلغنا مما يرضيك آمالنا.
اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها! اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا.
اللهم برحمتك لا تدع لأحد منا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً لنا إلا رحمته، ولا طائعاً إلا ثبته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين! اللهم اجعل جمعنا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا ولا معنا شقياً ولا محروماً، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى! اللهم اجعل هذه البلاد سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، واجعل هذه البلاد أمناً وأماناً وسائر بلاد المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين! أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء, وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
стр. 268
من وسائل الثبات مجالسة الصالحين
خامساً: مجالسة الصالحين وصحبتهم كما ذكرت، فاحرص على صحبة الصالحين في الدنيا، وبعد موتهم بقراءة شعرهم، والاطلاع على أخبارهم، يقول الإمام ابن القيم: كنا إذا ضاقت صدورنا ذهبنا إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، فإذا رأيناه وسمعنا كلامه؛ انطلقنا وقد شرح الله صدورنا.
وفي سنن ابن ماجة بسند حسن من حديث أنس أن النبي ﷺ قال: (إن من الناس ناساً مفاتيح للخير، مغاليق للشر) فاحرص على هذه المفاتيح التي تفتح قلبك وأذنك وسمعك وبصرك على الخير.
стр. 269
من وسائل الثبات قراءة القرآن والعمل به
ثانياً: من أعظم وسائل الثبات قراءة القرآن الكريم والعمل به، قال تعالى: ﴿وَقَاْلوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان:٣٢] فالترتيل للقرآن من أعظم وسائل الثبات.
أيها الحبيب المبارك! إن عجزت عن أن تقرأ أنت بنفسك فاسمع القرآن، وإن عجزت عن ذلك كله فاجلس إلى رجل واطلب منه أن يقرأ عليك القرآن، فكما يفكر الواحد منا في أن يدخل لبيته كل وسائل الترفيه، وكل وسائل السعادة؛ فليفكر في أن يمنح لرجل من أهل القرآن راتباً نظير حبسه لوقته، لا نظير تعليم القرآن، وليقل له: تعال علمني القرآن، وعلمني قصار السور، وأسمعني القرآن، قال تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء:٦٦] فاقرأ القرآن، وتدبره واجتهد على قدر استطاعتك أن تعمل به.
стр. 270
من وسائل الثبات مداومة ذكر الله
ثالثاً: ذكر الله، فلا يفتر لسانك عن ذكر الملك، ولقد ضرب النبي لنا مثل الذاكر ومثل الغافل في حديث عجيب رواه البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري قال: قال ﷺ : (مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت) فالذاكر حي، والغافل عن الذكر ميت ولو كان يعيش بين الأحياء، فأكثر من ذكر الله، يقول الله جل وعلا في الحديث القدسي الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة عن رسول الله عن رب العزة : (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني) فهل تريد شيئاً أعظم من أن يكون الله معك؟! وإذا كان الله معك فمن يكيدك؟ ومن ضدك؟ (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني؛ فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة).
стр. 271
من وسائل الثبات المحافظة على الصلاة في جماعة
رابعاً: المحافظة على الصلوات في جماعة، فاحرص على أن تهرول إلى بيوت الله، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، وإخوانك هم الذين يأخذون بيديك إلى الطاعة، ويذكرونك بالله، والنظر في وجوه الصالحين ورؤيتهم تذكرك بطاعة رب العالمين، كما قال سيد المرسلين: (مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إن لم تشتر منه ستشم الطيب منه، ونافخ الكير إن لم يحرق كيره ثيابك ستشم منه رائحة خبيثة) وصلاة الجماعة من أعظم وسائل الثبات على الدين، فقد روى أحمد وبعض أصحاب السنن وحسنه الألباني في (صحيح الترغيب والترهيب) عن النبي ﷺ قال: (تحترقون تحترقون، حتى إذا صليتم الصبح غسلتها) الله أكبر! كما قال ﷺ في الحديث الآخر: (أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يا رسول الله! قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا)، قال في الحديث السابق: (تحترقون تحترقون حتى إذا صليتم الصبح غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم الظهر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون-أي: بالذنوب والمعاصي- فإذا صليتم العصر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم المغرب غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العشاء غسلتها، ثم تنامون فلا يكتب عليكم شيء حتى تستيقظوا) فاحرص على الخير وعلى الطاعة، وقل: آمنت بالله ثم استقم، واستقم على طريق الخير، وعلى طريق الطاعة، وعليك بالمحافظة على الصلوات.
стр. 272
الترغيب في الزواج
الزواج حصن للمرء من الوقوع في معصية الله تعالى، وقد حث الله عليه، وجعله النبي ﷺ من سنته، ونهى عن التبتل والانقطاع، كما أن الزواج يحقق رغبة الفطرة، ويشبع الميل البشري مع الحفاظ على العفاف والطهر.
стр. 273
أهمية الزواج
الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو، فلا خالق غيره ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة، ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الأول فلا شيء قبله، وهو الآخر فلا شيء بعده، وهو الظاهر فلا شيء فوقه، وهو الباطن فلا شيء دونه، وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فمرحباً بكم أحبتي في الله ، وبعد وقفة طويلة توقفناها مع آلام أمتنا وجراحاتها، وكان لا بد من هذه الوقفة تألماً لآلام المسلمين، وتبصرة للمسلمين بما يدبر لهم في الليل والنهار، وتذكرة للمسلمين بواجبهم تجاه إخوانهم الذين يذبحون ذبح الخراف هنا وهناك، على مرأى ومسمع من الدنيا، وكان لا بد من هذه الوقفة تأدباً بحديث رسول الله ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث النعمان بن بشير ﵁ أنه ﷺ قال: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).
وبعد هذه الوقفة الطويلة نسأل الله جل وعلا أن يشفي جراحات الأمة، وأن يردها إلى إسلامها رداً جميلاً، وأن يقر أعيننا وإياكم بنصرة الإسلام وعز المسلمين، إنه ولي ذلك ومولاه وهو على كل شيء قدير؛ بعد هذه الوقفة الطويلة تعالوا بنا أحبتي في الله لندخل مرة أخرى إلى رحاب سورة الستر والعفاف، إلى رحاب سورة النور، فنحن اليوم على موعد مع الدرس السابع من دروس هذه السورة المباركة، وما زال حديثنا بتوفيق الله جل وعلا عن الضمانات الوقائية التي وضعها الإسلام سياجاً واقياً لأفراده رجالاً ونساءً من الوقوع في الفاحشة والعياذ بالله.
إن الإسلام منهج حياة متكامل شامل، لا يقوم أصلاً ولا يقوم أساساً على العقوبة، إنما يقوم على توفير أسباب الحياة النظيفة، ثم يعاقب بعد ذلك من ترك هذه الأسباب الطاهرة النظيفة، وذهب ليتمرغ في الوحل والطين طائعاً مختاراً غير مضطر.
ومن بين هذه الضمانات الوقائية التي تحدثنا عنها، والتي وضعها الإسلام سياجاً واقياً لأفراده من التردي والانحلال والوقوع في الفاحشة: أولاً: تحريم النظر إلى المحرمات.
ثانياً: تحريم التبرج وفرض الحجاب.
ثالثا: تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية والاختلاط بها.
رابعاً: الحض على الزواج لمن استطاع إليه سبيلاً، والحض على الصوم لمن لا يستطيع الزواج، والحض على عدم المغالاة في المهور.
ونحن اليوم بفضل الله جل وعلا على موعد مع الضمان الرابع الذي يعد من وجهة نظري من أعظم الضمانات الوقائية التي وضعها الإسلام حماية وتأميناً للعلاقة بين الرجل والمرأة؛ لأن الميل الفطري بين الرجل والمرأة ميل عميق في التكوين البشري؛ لأن الله تعالى قد أناط به امتداد الحياة على ظهر الأرض، لذا فهو ميل دائم لا ينقطع ولا ينتهي، ومن أجل ذلك شرع الإسلام الزواج وحث عليه، وجعل الله الزواج من سنن المرسلين، وجعله الحبيب المصطفى ﷺ من سنته، وقال: (من رغب عن سنتي فليس مني).
стр. 274
الزواج راحة للقلب واستقرار للحياة
امتن الله علينا بنعمة الزواج فقال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:٢١] أيها الحبيب! أيتها الأخت الكريمة الفاضلة! هل سمعتم هذا الأسلوب الرقيق العذب اللطيف الذي يمتن علينا به القرآن عند حديثه عن الزواج إنه من أعظم النعم التي امتن الله بها على الرجال والنساء على حد سواء، إنها صلة السكن للنفس والقلب، إنها صلة الراحة للجسد والقلب، إنها صلة الاستقرار للمعاش وللحياة: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا) لماذا؟ سكن راحة قلب وراحة نفس راحة بال وراحة ضمير استقرار حياة، واستقرار معاش، وشتان بين علاقة بين رجل وامرأة في الحلال، وبين علاقة بين رجل وامرأة في الحرام.
انظروا إلى رجل يعاشر زوجته في عش الزوجية، وبينما هو في هذه العبادة وهذه الطاعة -إن صحت النية فإن الله جل وعلا يأجره على ذلك- بينما هو على هذا الحال يطرق ويقرع عليه بابه، فما الذي يحدث، وما الذي يصير؟ يقوم بمنتهى الأمن والأمان والطمأنينة ليغتسل أو ليرتدي ثيابه، ثم يذهب ليرى من يطرق عليه بابه! وانظر إلى رجل مع امرأة في علاقة محرمة (الزنا) والعياذ بالله، في مكان أياً كان، ثم يطرق عليه الباب أو يسمع صوتاً هامساً في الشارع، أو يسمع حركة بخارج الدار، مستحيل أن يتم هذا اللقاء، وأن يستمر هذا الوضع، بل تراه قائماً مضطراً خائفاً وجلاً، وهذا هو الفرق بين العلاقة في الحلال كما أرادها الله، وكما شرعها رسول الله ﷺ ، وبين علاقة حرمها الإسلام وحرمها رسول الله ﵊.
(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا) اسمعوا مني هذه الكلمات واحفظوها، أقول: العلاقة الزوجية إن خلت من المودة والمحبة والرحمة أصبحت كالجسد الميت، إن لم يدفن فاح عفنه ونتنه، ودفنه هو الطلاق الذي أثار عليه المستشرقون شبهاً طوالاً عراضاً، وهي رحمة من أعظم رحمات الله جل وعلا.
لا بد للحياة الزوجية أن تبنى على الحب وعلى المودة وعلى الرحمة، على الحب الذي دنس واستغل ووضع في غير موضعه! وأصبح يعبر عن الحب بأقبح العلاقات الجنسية القذرة التي أصبح يعلمها لأبنائنا وفتياتنا الإعلام العميل للشيوعية والعلمانية وغيرهما.
إن العلاقة الزوجية لا بد أن تبنى على المحبة، ولا بد أن تبنى على الرحمة، ولا بد أن تبنى على المودة.
стр. 275
النهي عن التبتل والرهبانية
أمر الإسلام بالزواج، وحث النبي ﷺ عليه، ونهى عن التبتل والرهبانية، وجعل هذا الزواج بهذه الأصول وتلك الضوابط من سنته، ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: (جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادته -أي عن عبادة رسول الله- فلما أخبروا عنها كأنهم تقالوها -أي: كأنهم تقالوا عبادة النبي ﵊ فقالوا: وأين نحن من رسول الله وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟! فقال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فلما جاء النبي ﷺ قال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا -وفي رواية الإمام مسلم: فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ قام وقال: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا).
صاحب الأخلاق ﵊ يقول: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟) أي: هل أنتم الذين قلتم: أنا أصلي الليل أبداً، وأنا أصوم النهار أبداً، وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج؟ قال: (أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني!).
النبي ﵊ حث الشباب المسلم على أن يغض بصره، وعلى أن يحصن فرجه بهذه النعمة العظيمة نعمة الزواج، وحث غير القادر على الصيام، فإنه خير سياج وخير وقاية وأعظم ضمان، ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أنه ﷺ قال: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) أي: وقاية من الوقوع في الفاحشة والمعصية، إذا ما راقب الله جل وعلا، واتقى الله ، وعلم أن الله يعلم سره ونجواه: إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب وصدق الله جل وعلا إذ يقول: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧] أي: معهم بعلمه، معهم بقدرته، معهم بإحاطته، معهم بإرادته جل وعلا، ولا تجعلوا معية الله في الأماكن معية الذات حتى لا تقعوا فيما وقع فيه أهل الحلول والاتحاد وأهل التشبيه تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]،٠ ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣] إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩].
(فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) أي: فمن لم يستطع باءة الزواج ومئونة الزواج (فعليه بالصوم فإنه له وجاء).
стр. 276
الحض على عدم المغالاة في المهور
حض الإسلام -تيسيراً للزواج- على عدم المغالاة في المهور، وإن المشكلة الآن أضحت ضخمة كبيرة بصورة لا ينبغي أن نغمض عنها أعيننا، وأحمل الآباء والأمهات مسئولية جريمة هذه الكثرة الكاثرة من شباب الأمة الذي لا يستطيع الزواج، وهذه الكثرة الكاثرة من فتيات الأمة اللائي فاتهن ركب الزواج، أحمل هذه الجريمة برمتها الآباء والأمهات، إلى الآباء الذين وقفوا وقفة تعنت وتشدد أمام مغالاتهم في المهور، وأمام إسرافهم في النفقات والتكاليف، وكأنهم يريدون لعش الزوجية أن يتحول في أول أيامه إلى معرض تعرض فيه أرقى وأحدث ما تنتجه المصانع الإيطالية والأمريكية من أثاث! ما هذا يا عباد الله! اتقوا الله أيها الآباء! واتقين الله أيتها الأمهات! اتقوا الله في شباب الأمة الذي فتح عليه باب شر مستطير، وباب فتنة خطير كبير، إن الشاب في هذه الأيام يقضي زهرة عمره وأحلى أيام شبابه في الجمع لتكاليف الزواج، وإذا ما من الله عليه بجمع القليل ليحصن نفسه ويعف فرجه، يكون قد تجاوز الخامسة والثلاثين من عمره، فإنا لله وإنا إليه راجعون! وارجعوا إلى الإحصائيات فاقرءوها لتبكوا دماً بدل الدمع على حال شباب أمتنا، وعلى حال فتياتنا اللائي يصرخن بالليل والنهار، ويقضين الليل يشتكين إلى الله ظلم العادات القبيحة التي حالت بينهن وبين ما تتمناه كل فتاة، وتسعد به كل أنثى.
والله الذي لا إله غيره لو وصلت المرأة إلى أرقى الدرجات، وبلغ أبوها من الغنى ما بلغ فلن يغني عنها شيئاً، إن الفتاة لا تريد الغنى ولا تريد الجاه عند أبيها، بقدر ما تريد زوجاً تقياً نقياً يصون عرضها، ويحصن فرجها، ويستر عورتها، ويتقي الله فيها.
فاتقوا الله أيها الآباء! وارحموا شباب الأمة المساكين، ارحموا عجز الشاب، وارحموا ضعفه، وارحموا فقره.
وإن من الله عليك بالمال ورأيت شاباً تقياً نقياً فما الذي يحول بينك وبين أن تذهب إليه لتعرض عليه ابنتك، أو أنك أكثر حياء من أمير المؤمنين عمر؟! ذهب عمر يعرض ابنته حفصة ﵂ على عمالقة الصحابة وأتقيائهم ﵃! إذا منّ الله عليك بالمال ورأيت شاباً صالحاً، فاذهب إليه، ولا تستحي، اذهب إليه وقل له: يا بني! هل لك في فتاة تتقي الله؟ هل لك في فتاة تحافظ على فرض الله؟ هل لك في فتاة تصون عرضك وتصون شرفك؟ اعرض عليه ابنتك، ولا تستحي أيها الأب الكريم فأنت لست مخلداً، إنما الذي سيبقى لابنتك هو زوجها.
стр. 277
المعتبر في الزوج الخلق والدين لا المال والجاه
روى الإمام الترمذي وابن ماجة والحاكم في المستدرك وصححه، وصححه أيضاً الإمام السيوطي في الجامع الصغير أن النبي ﷺ قال: (إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض)، والله لقد وقعت الفتنة ووقع الفساد العريض، يوم أن وقف الأب أمام المتقدم لابنته يقول: ما ثمنك؟ ما قيمتك؟ ولم يقل: من أنت؟ ما دينك؟ ما حالك مع القرآن؟ ما حالك مع الصلاة؟ ما حالك مع الله؟ أصبحت هذه الأسئلة لا وجود لها، بل يتقدم الشاب فيسأله عن عرض الدنيا الزائل، وعن حطام الدنيا الفاني، أصبح لا يسأل عن الدين، ووالله إن من تقدم بماله لفتاتك أيها الأب، ولابنتك أيتها الأم، والله الذي لا إله غيره -وأقسم بالله غير حانث- إنه سيعامل ابنتك كما ينظر إلى الريال والدولار، وإذا ما قضى منها نهمته، وشهوته ستتحول عنده إلى سلعة، لا تختلف شيئاً عن أي قطعة أثاث اشتراها بماله، وربما امتن عليها بغناه في يوم من الأيام قال رجل: (يا حسن! إن لي ابنة، فلمن أزوجها؟ قال: زوج ابنتك لمن يتقي الله، فإن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها).
أيها الآباء أيها الأخيار أيها الأحباب! هذه نصحية شاب من أبنائكم، ونصيحة ابن من أبنائكم: إذا جاءك من ترضى عن خلقه ودينه فقدم إليه ابنتك، واعرض عليه ابنتك، ولا تستحي أن يقال: إن فلاناً قد باع ابنته لفلان، هذا كلام العادات القبيحة الجاهلة، ورحم الله الإمام ابن القيم حيث قال: ما عادى الرسل إلا العادات.
إي والله، ما عادى الرسل إلا العادات، أي: ما وقف حجر عثرة في طريق الرسل إلا العادات، إنا وجدنا آباءنا كذلك يفعلون، هذه تنظر لابنة فلان فتقول: ابنة فلان قدم لها من المهر كذا وكذا، وقدم لها من الأثاث كذا وكذا، وأنا لا أقل عنها في شيء، وهذا ينظر إلى فلان، وهذه الأم تنظر إلى ابنة فلانة، ما هذا يا عباد الله؟! ووقف الشاب المسكين تائهاً حائراً بين هذه التيارات القبيحة من العادات، ووقفت البنت مسكينة حائرة تشكي أمرها إلى الله، وتشكي حالها إلى الله، ووالله لولا حياء فتياتنا، ولولا حياء أخواتنا، ولولا حياء بناتنا؛ لصرخن في وجوهنا في الليل والنهار، وقلن لنا: ارحموا عجزنا، وارحموا ضعفنا، واستروا عوراتنا، ماذا تصنع البنت إلى أبيها، ماذا تصنع البنت إلى أمها؟! هل تريد لابنتك أن تقضي عمرها في بيتك أم تريد لابنتك أن تقضي عمرها في فراشك؟! والله ما لهذا خلقت، وما لهذا وجدت، بل ما وجدت إلا لتكون في بيت زوجها، وإلا لتكون في عش الزوجية؛ لتباهي الأمم ولتباهي الدنيا بنسلها الذي تربيه على كتاب الله وعلى سنة رسول الله ﷺ .
стр. 278
أيسر النساء مهراً أعظمهن بركة
روىالإمام أحمد في مسنده، وفي إسناد هذا الحديث عيسى بن ميمون قال عنه الإمام البخاري: منكر الحديث، وبقية رجال الإسناد ثقات، وروى الحديث من طريق آخر الإمام ابن حبان، وقال: حديثه حسن، من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (إن أعظم النكاح بركة أيسرهن مئونة) خفف ولا تسرف (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا)، وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم.
فيسروا على عباد الله، ارحموا شباب الأمة يرحمكم الله، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، ارحموا الشباب والفتيات، يسروا لهم أمر الزواج، وخففوا عليهم عبء الزواج، أما تعلمون أن رسولكم ﷺ قد زوج رجلاً بما معه من القرآن، بوب الإمام البخاري باباً في كتاب النكاح في صحيحه بعنوان: باب التزويج بالقرآن وبغير صداق، انظروا إلى فقه البخاري، ورحم الله من قال: فقه البخاري في تراجمه، يترجم الباب بهذا العنوان: باب التزويج على القرآن وبغير صداق، وروى في هذا الباب حديث سهل بن سعد ﵁ قال: (جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إني وهبت نفسي لك) امرأة وهبت نفسها لرسول الله، وهذا أمر خاص بالنبي ﷺ وحده دون غيره من سائر الأمة، قال: (فقامت المرأة قياماً طويلاً، فقال رجل: يا رسول الله! زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة، فقال الرسول ﷺ : هل معك شيء تصدقها؟) أي: تقدمه لها صداقاً، (قال: لا، ليس معي إلا إزاري) سبحان الله! (فقال النبي ﵊: لو أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك، التمس شيئاً) أي: ابحث عن شيء آخر تقدمه لها.
(فذهب الرجل فلم يجد شيئاً، فرجع إلى النبي ﵊، فقال له النبي: التمس ولو خاتماً من حديد، فقال الرجل: لم أجد شيئاً) لم يجد حتى خاتماً من حديد يقدمه صداقاً لهذه المرأة إذا تزوجها.
فقال له النبي ﵊ (هل معك شيء من القرآن؟ قال: نعم.
معي سورة كذا وكذا، سور يسميها)، أتدرون ماذا قال له رسول الله ﵊؟! قال: (قد زوجتكها بما معك من القرآن).
هذا هو إسلامنا، هذا هو ديننا، إنه التخفيف، إن المرأة ليس لها في هذا الوجود إلا أن تجلس وأن تعيش مع زوج يتقي الله ويعينها على طاعة الله، ويأخذ بيدها وتأخذ بيده إلى مرضاة الله جل وعلا، لا أن تجلس مع أبيها، ولا أن تجلس مع أمها، إذا ما بلغت سن زواجها وسن إحصانها وسن إعفافها.
стр. 279
قصة ابن المسيب في تزويج ابنته
ولا ينبغي أن ننسى هذا المشهد المهيب، هذا المشهد الكريم، وأزفه إلى الآباء والأمهات، إنه مشهد زواج بنت سيد التابعين سعيد بن المسيب، عاصر كثيراً من أصحاب النبي ﷺ ، ولم يعترف معظم علماء الحديث بمراسيل أحد أكثر من اعترافهم بمراسيل سعيد بن المسيب، كما قال أحمد وغيره.
سعيد بن المسيب كانت له فتاة، أتدرون من خطبها لابنه، خطبها أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، لولده الوليد، أي نسب وأي شرف! أمير المؤمنين يخطب فتاة لولده، إنها زيجة يحرص عليها كل الناس، ولكن من ملأ الإيمان قلبه، وملأ التقى جوانحه، يريد أن يقدم ابنته لرجل صالح تقي نقي يراقب الله فيها، ويتقي الله فيها، ولو كان فقيراً لا يملك من حطام الدنيا شيئاً، ورفض سعيد بن المسيب أن يزوج ابنته للوليد بن عبد الملك بن مروان، وغضب عليه عبد الملك بن مروان بسبب ذلك، فلما أبى سعيد بن المسيب جلده مائة سوط.
ارجعوا إلى سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي في المجلد الرابع تحت عنوان: تزويجه ابنته، ضربه مائة سوط في يوم بارد، وأبى سعيد بن المسيب أن يقدم فلذة كبده وثمرة فؤاده للوليد بن عبد الملك بن مروان، وقدمها لطالب علم في حلقته فقير متواضع، إلا أنه وجد فيه التقى، ووجد فيه الصلاح والفلاح، قدمها لـ كثير بن أبي وداعة ﵀، والقصة أوردها الإمام أبو نعيم في الحلية، وأوردها الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية، وأوردها ابن خلكان في وفيات الأعيان، وأوردها الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء من طريق أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، وعلى الرغم من أن كثيراً من علماء الجرح والتعديل قد ضعف أحمد هذا إلا أن الإمام مسلماً رحمه الله تعالى قد احتج به على ضعفه، وقد وثقه غير واحد كـ ابن أبي حاتم وغيره.
يقول كثير بن أبي وداعة: كنت ممن يجلس في مجلس سعيد بن المسيب ففقدني أياماً، فسألني: أين كنت؟ فقلت: لقد توفيت أهلي، أي: ماتت زوجته وكان متزوجاً، فما قال: لن أزوجها لرجل قد تزوج قبل ذلك.
قال: أين كنت؟ قال: لقد توفيت أهلي فانشغلت بها، أي: ماتت زوجتي فانشغلت بها، فقال سعيد: هلا أخبرتنا فشهدناها معك، ثم قال سعيد بن المسيب: هل استحدثت امرأة أخرى، أي: هل تزوجت غيرها؟ فقال له كثير بن أبي وداعة: يرحمك الله يا أبا محمد! ومن يزوجني ولا أملك من الدنيا إلا درهماً أو درهمين! وفي رواية: إلا درهمين أو ثلاثة! فقال له سعيد: أنا أزوجك، قال: أوتفعل؟ قال: نعم، يقول: فقام سعيد فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسول الله، وزوجني ابنته على درهمين! يقول كثير: فانطلقت إلى بيتي وأنا لا أعلم ماذا أصنع من الفرح، ثم صليت المغرب وعدت إلى داري وكنت صائماً، وقدمت العشاء وكان خبزاً وزيتاً، وبينما أنا جالس أفكر فيمن أستدين منه، وإذا ببابي يقرع، فقلت: من؟ قال: سعيد! يقول: ففكرت في كل أحد اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب، فإنه منذ أربعين سنة لم ير إلا بين مسجده وبيته، ففتحت الباب، فإذا به سعيد بن المسيب فقلت: أبا محمد! وظننت أنه قد فكر في شيء آخر وغير رأيه، فقلت: يا أبا محمد هلا أرسلت إلي فآتيك؟ فقال سعيد بن المسيب: لا، أنت أحق أن تؤتى، ثم قال سعيد: يا كثير، لقد فكرت في أمرك: رجل عزب وقد زوجتك، فكرهت أن تبيت الليلة وحدك، وإذا بابنته واقفة في طوله من خلفه، فأخذها بيده ودفعها إلى دار كثير بن أبي وداعة، فأغلق الباب وانصرف، يقول كثير: فسقطت المرأة من الحياء! كن على حياء! يقول: فخشيت أن ترى الخبز والزيت، فجعلته وراء الشعلة -أي: وراء الضوء حتى لا تفتن لأول مرة بعيشته- وصعدت إلى سطح منزلي فناديت على جيراني، فجاءت زوجة من نساء الجيران فدخلت إليها لتؤنسها، ولما علمت أمي بذلك جاءتني وقالت: وجهك من وجهي حرام يا كثير إن مسستها قبل ثلاثة أيام، يقول كثير بن أبي وداعة: فتركتها ثلاثة أيام حتى جهزوها وأعدوها، فدخلت عليها فإذا هي من أجمل النساء، ومن أعلمهن ومن أحفظهن لكتاب الله، وأعلمهن بسنة رسول الله، وأعرفهن بحق الزوج، فغبت معها ولم أخرج إلى مجلس سعيد بن المسيب شهراً كاملاً، وبعد شهر خرجت إلى سعيد، فلما انفض المجلس اقترب مني وقال: كيف حال هذا الإنسان؟ قلت: بخير حال، بحال يسر الصديق ويسيء العدو، فقال لي سعيد: خذ عشرين ألف درهم لتستعين بها على حياتك! بالله عليكم بأي شيء نعلق! وماذا نقول، رحم الله من قال: رغيف خبز واحد تأكله في زاوية وكوز ماء بارد تشربه من صافية وغرفة نظيفة نفسك فيها هانية وزوجة مطيعة عينك عنها راضية وطفلة جميلة محفوفة بالعافية اختارك الله لها حتى تكون داعية خير من الدنيا وما فيها وهي لعمري كافية ما هذا! إنه الإسلام يا عباد الله! هذا هو ديننا: (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا) اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد يا رب العالمين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 280
قصة شريح مع زوجه
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد: وأخيراً أيتها الأخت الفاضلة الكريمة! أزف إليك هذه القدوة، أزف إليك هذه القدوة بعدما حدثنا الآباء، وتحدثنا مع أمهاتنا الفضليات الكريمات، أزف إليك هذه القدوة يا بنت الإسلام يا أصل العز! ويا أصل الشرف! يا من أغظت أعداء الإسلام بحجابك وتمسكك بدينك والتزامك، يا درتنا المصونة! ويا لؤلؤتنا المكنونة! أزف إليك هذه القدوة لتتحدثين بها بين يدي أبيك وأمام أمك إذا ما تقدم إليك الرجل الصالح، تكلمي وتحدثي، فخلقك العزم، وبلسانك الحلم, ولا تستحي أن تعرضي قضيتك بين يدي أبيك وبين يدي أمك.
هذه القدوة يزفها إلينا التاريخ، إنها زوج شريح القاضي، الذي ولاه عمر بن الخطاب قضاء الكوفة فمكث فيه ستين سنة، وضرب بعدله المثل، له ترجمة طويلة في سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي في المجلد الرابع.
يمر عليه الشعبي يوماً، والشعبي هو أعلم التابعين كما قال زيد عن مكحول: أعلم التابعين الشعبي.
يقول: التقى شريح بـ الشعبي فقال الشعبي لـ شريح: كيف حالك يا شريح؟ قال بخير حال، قال: كيف حال أهلك؟ أي كيف حال زوجك؟ فقال شريح: والله يا شعبي! منذ عشرين سنة لم أر من زوجي ما يغضبني قط، قال الشعبي: سبحان الله! وكيف ذلك؟! قال شريح: يا شعبي منذ أول ليلة دخلت فيها على زوجتي رأيت بها جمالاً نادراً وحسناً باهراً فقلت: أصلي ركعتين شكراً لله! يعترف لله بالفضل، ما قال: أقوم لأبحث عن كأس خمر، أو عن شريط قذر نجس، أو عن فيلم أقضي الليلة معه، لا، بل قال: أقوم أصلي ركعتين شكراً لله .
يقول شريح: فلما صليت وسلمت رأيت زوجتي تصلي بصلاتي وتسلم بسلامي أي: أنها دخلت معه في الصلاة لله جل وعلا، فلما انتهينا، وانفض الأهل والأحباب، مددت يدي نحوها، فقالت: على رسلك يا أبا أمية! اسمعوا ماذا تقول هذه المرأة، وماذا تقول هذه الزوجة في ليلة بنائها: على رسلك يا أبا أمية، ثم قالت: أحمد الله وأستعينه وأستغفره، وأصلي وأسلم على رسول الله، وبعد: أبا أمية! إني امرأة غريبة عنك، لا علم لي بأخلاقك، فبين لي ما تحب فآتيه، وما تكرهه فأتركه.
أبا أمية! لقد كان لك من نساء قومك من هي كفؤ لك، ولقد كان لي من رجال قومي من هو كفؤ لي، أما وقد قضى الله أمراً كان مفعولاً فاصنع ما أمرك الله به: ﴿فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:٢٢٩]، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولك.
الله أكبر! يقول شريح: فأحوجتني والله إلى الخطبة في ذلك يا شعبي، فجلست وقلت: أحمد الله وأستعينه وأستغفره وأصلي وأسلم على رسول الله وبعد: فإنك قلت كلاماً إن ثبت عليه يكن حظك، وإن تدعيه يكن حجة عليك.
أما إني أحب كذا وكذا، وأكره كذا وكذا.
قالت: فما تحب من زيارة أهلي؟ قال: ما أحب أن يملني أصهاري، قالت: فمن تحب من جيرانك أن يدخل دارك، قال: بنو فلان قوم صالحون، وبنو فلان قوم سوء، وما رأيت من حسنة فانشريها، وما رأيت من سيئة فاستريها.
يقول شريح: فبت معها بأنعم ليلة، ومكثت عشرين سنة، والله لم أعتب عليها في حياتي إلا مرة واحدة، وأشهد الله أني كنت لها ظالماً! قلت: يا لها من عيشة هانية، يا لها من عيشة هانية راضية، وهكذا تكون المرأة الصالحة التي تراقب الله جل وعلا في زوجها، وتتقي الله ﵎ في بعلها، هذا هو الزواج، وهذا نداء للآباء ونداء للأمهات ونداء للفتيات ونداء للشباب.
أسأل الله جل وعلا أن يحصن فروجنا، وأن يحصن فروج شباب أمتنا، وفتياتنا وبناتنا، إنه ولي ذلك ومولاه، اللهم حصن فروجنا، اللهم حصن فروجنا، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء، اللهم يسر لشباب الأمة زواجاً يعفوا به أنفسهم، ويسر لفتيات الأمة زواجاً يعففن به أنفسهن، أنت ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 281
فضل الصيام
شهر رمضان شهر عظيم مبارك، اصطفاه الله تعالى من بين شهور السنة؛ لأداء فريضة عظيمة فيه، وركن من أركان الإسلام، وهو: الصيام.
وهو موسم فيه بركات إلهية كثيرة، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق أبواب النار، وتصفد الشياطين، وتكثر فيه أبواب الخير.
стр. 282
(وربك يخلق ما يشاء ويختار)
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين، أما بعد: فمرحباً بكم أحبتي في الله، لقد كان من المنتظر أن يكون لقاؤنا في هذا اليوم المبارك هو الدرس السادس من دروس سورة الستر والعفاف سورة النور، ولكن اسمحوا لي -أيها الأحبة- أن نتوقف عن مواصلة دروس سورة النور لنحيي ضيفاً كريماً قد حل بنا ونزل علينا، إنه ضيف كريم يحل بنا وتحل معه البركات، إنه ضيف عظيم ينزل علينا وتنزل معه الرحمات، إنه ضيف مبارك تخشع فيه القلوب، وتصفو فيه النفوس، وتلين فيه الجلود، وتخشع فيه الجوارح، إنه شهر رمضان، إنه شهر الصيام، إنه شهر القرآن، إنه شهر القيام، إنه شهر الإحسان، إنه شهر العتق من النيران لمن تاب وأناب إلى الرحيم الرحمن جل وعلا.
تعالوا بنا -أيها الأحبة- لنعيش بعض الوقت مع هذا الشهر العظيم المبارك، ومع هذا الضيف العزيز الخفيف الذي سرعان ما يحل بنا، وسرعان ما يولي من بين أيدينا وظهورنا، فلقد كنا نقول منذ يومين أو ثلاثة: غداً رمضان، وسوف نقول بعد وقت قليل: لقد انتهى رمضان، وها هي أيام الخير، وها هي أيام البركات والرحمات تولي سريعةً من بين أيدينا وأظهرنا، فالله الله في هذه الأيام، الله الله في شهر القرآن، الله الله في شهر الصيام، الله الله في شهر الإحسان.
يا عباد الله! يا أبناء هذه الأمة الميمونة المباركة! يا من اختصكم الله جل وعلا بهذا الشهر العظيم المبارك واختصكم فيه بليلة هي خير من ألف شهر، وصدق الله جل وعلا إذ يقول: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨]، والاختيار هنا بمعنى الاصطفاء والاجتباء كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى.
إن الله جل وعلا هو الذي يخلق وهو الذي يفضل ما يشاء، ويختار من بين خلقه ويصطفي ما يشاء؛ فلقد خلق الله جل وعلا السموات سبعاً واختار العليا منها، فاختصها بالقرب من عرشه جل وعلا.
وخلق الله الجنان واختار منها جنة الفردوس، فجعل عرشه سقفاً لها، ويا لها من كرامة! وخلق الله الملائكة واصطفى من الملائكة جبريل وإسرافيل وميكائيل، فجبريل هو صاحب الوحي الذي به حياة القلوب والأرواح، وإسرافيل صاحب الصور الذي إذا نفخ فيه أحيت نفخته جميع الأموات بإذن رب الأرض والسماوات، وميكائيل هو صاحب القطر الذي به حياة كل شيء ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:٣٠].
وخلق الله جل وعلا البشر، واصطفى من البشر الأنبياء، واصطفى من الأنبياء الرسل، واصطفى من الرسل أولي العزم الخمسة، واصطفى من أولي العزم الخمسة الخليلين الكريمين: إبراهيم ومحمداً صلى الله عليهما وسلم، واختار محمداً ﷺ ففضله على جميع الأنبياء والمرسلين، فجعله إمام الأتقياء، وجعله إمام الأنبياء، وجعله سيد المرسلين، ورفعه الله جل وعلا على جميع الخلائق، وزكاه في كل شيء، فرفع له ذكره، ووضع عنه وزره، وشرح الله صدره.
زكاه في عقله فقال: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:٢].
وزكاه في بصره فقال: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧].
وزكاه في فؤاده فقال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١].
وزكاه في صدره فقال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١].
وزكاه في ذكره فقال: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:٤].
ووضع عنه وزره فقال: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح:٢].
وزكاه في علمه فقال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٥].
وزكاه في صدقه فقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣].
وزكاه كله فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، بأبي هو وأمي ﷺ .
وخلق الله جل وعلا الأمم، وعددهم كما ورد في الحديث: (خلق الله سبعين أمة)، واختار من بين هذا العدد الضخم الكبير أعظم الأمم وأفضل الأمم وخير الأمم، وهي هذه الأمة، أمة النبي ﷺ ، فضلها الله على جميع الأمم، وكرمها الله على جميع الأمم، وخاطبها بقوله جل وعلا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠].
وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد بسند حسن ورواه الحاكم في المستدرك وصححه وأقره الذهبي من حديث أبي الدرداء ﵁ أنه ﷺ قال: (أنتم موفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله .
وجعل الله هذه الأمة الأخيرة هي الأمة الوسط، أي: هي الأمة العدل، وهي الأمة الشاهدة على جميع الأمم، فقال ربنا جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]، جعل الله هذه الأمة الأخيرة هي الأمة الشاهدة على جميع الأمم السابقة، وفي الحديث الذي رواه البخاري وأحمد والترمذي من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه ﷺ قال: (يدعى نوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت قومك؟ والله جل وعلا أعلم، فيقول نوح ﵇: نعم بلغت قومي، فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلغكم هذا؟ فيقولون: لا ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد، فيقول الله جل وعلا لنوح: من يشهد لك يا نوح أنك بلغت قومك؟ فيقول نوح ﵇: يشهد لي محمد ﷺ وأمته).
هل رأيتم نوحاً؟ هل عاصرتم نوحاً ﵇؟ لا والله ما رأيناه ولا عاصرناه، إذاً ما الذي سيجعلنا نشهد لنوح ﵇ أنه بلغ قومه وأنذر قومه، يقول النبي ﵊: (فتدعون فتشهدون لنوح أنه بلغ قومه، وذلك قوله تعالى: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)) [البقرة:١٤٣]، ثم قال ﵊: الوسط: العدل)، ويقول ﷺ : (ثم أشهد عليكم).
وفي رواية الإمام أحمد (يقال لهذه الأمة -المباركة الميمونة- ما الذي جعلكم تشهدون لنوح؟ فتقول الأمة: أتانا رسولنا وأخبرنا أن الرسل قد بلغوا قومهم فصدقناه وآمنا به).
نزل القرآن على قلب نبينا ﷺ فقرأنا فيه قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [نوح:١]، إلى آخر السورة التي سماها الله جل وعلا في قرآننا باسم نبي الله نوح، تشهد هذه الأمة المباركة لنوح ﵇ أنه بلغ قومه وأنذر قومه.
هكذا أيها الأحباب! ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨]، إنه فضل الله جل وعلا ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١]، فأنتم خير أمة، وأنتم أكرم أمة على الله جل وعلا، وفضل الله عليكم عظيم، وصدق -والله- من قال: ومما زادني فخراً وتيها وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا يا أمة القرآن! يا أمة الإسلام! يا أمة التوحيد! يا أمة الإيمان! يا أمة الإحسان! يا أمة التصديق! يا أمة الشهادة! أنتم خير أمة أخرجت للناس: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، بماذا ولماذا؟ بهذه الشروط وتلك القيود: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، فوالله إن اختلت هذه الشروط اختلت النتيجة، وضاعت الخيرية عنكم، فإنكم إن لم تأمروا بالمعروف، وتنهوا عن المنكر، وتؤمنوا بالله جل وعلا؛ فلستم بخير أمة أخرجت للناس.
стр. 283
فضل شهر رمضان
يا أبناء هذه الأمة الميمونة المباركة! إن نعم الله علينا لا تعد ولا تحصى، ومن أعظم هذه النعم هذا الضيف الكريم الذي حل بنا، من أعظم النعم التي امتن الله جل وعلا بها عليكم يا أمة الإسلام والتوحيد شهر رمضان، شهر القرآن والصيام والقيام والإحسان، قال ربنا جل وعلا: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥]، إنها نعمة عظيمة يا عباد الله! إنه فضل كبير عليكم، إنه فصل الخيرات والرحمات، إنه موسم البركات والنفحات، ألا فتعرضوا لرحمة الله جل وعلا، ألا فتعرضوا لنفحات الله جل وعلا في الطاعة: بالصيام والقيام وقراءة القرآن والإحسان.
إنه موسم الطاعات إنه موسم الرحمات إنه موسم البركات، أما سمعتم إلى كلام سيد البريات ﷺ في الحديث الذي رواه الطبراني ورواته ثقات من حديث عبادة بن الصامت ﵁: أن النبي ﷺ كان إذا أقبل شهر رمضان يقول بأبي هو وأمي: (أتاكم رمضان شهر بركة يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة، ويحط الخطايا، ويستجيب فيه الدعاء، ويباهي بكم ملائكته، وينظر فيه إلى تنافسكم في الخير، فأروا الله من أنفسكم خيراً، فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله .
يباهي بكم ملائكته فيقول: انظروا إلى عبادي انظروا إلى الصائمين في النهار انظروا إلى من أقاموا الليل ركعاً سجداً بين يدي الله جل وعلا انظروا إلى من قضوا الليل مع قرآن الله وكتابه، وهذه علامات من علامات الحب لله ﵎؛ لأن الليل كما قال أستاذنا ابن القيم: إن الليل أنس المحبين، وروضة المشتاقين، ومدرسة الصالحين، من هذه المدرسة تخرّج العارفون بالله جل وعلا، وتخرج الصادقون مع الله جل وعلا، إن عباد الله الصالحين ينتظرون هذا الليل يرعونه بالنهار كما يرعي الراعي غنمه، ويحنون إلى غروب الشمس كما تحن الطير إلى أوكارها، حتى إذا ما جنهم الليل، واختلط الظلام، وبسطت الفرش، وخلا كل حبيب بحبيبه؛ قام عباد الله الصالحون فنصبوا إلى الله أقدامهم، وافترشوا جباههم، وناجوا ربهم جل وعلا طيلة الليل بقرآنه، وتضرعوا إليه ﵎، وطلبوا منه تكرمه وإنعامه وإحسانه، هذه علامات عباد الله الصالحين، (ويباهي بكم ملائكته وينظر فيه إلى تنافسكم في الخير)، هذا ذاكر لله، وهذا صائم لله ذاكر صابر، وهذا صائم لله ذاكر شاكر، وهذا متصدق محسن، وهذا قارئ للقرآن، وهذا مستغفر لله جل وعلا، وهذا متصدق على الفقراء والمساكين، وهذا يمر بين الجائعين من الفقراء ليحسن إليهم.
قال: (فأروا الله من أنفسكم خيراً، فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله ، ولهذا الحديث المبارك شاهد صحيح من حديث أبي هريرة رواه الإمام أحمد في مسنده والإمام الترمذي والإمام النسائي، وصححه شيخنا الألباني في صحيح الجامع، وهو: (أنه ﷺ كان إذا أقبل رمضان يقول: أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، وفيه ليلة هي خير من ألف شهر).
وروى ابن حبان والحاكم وابن ماجة والبيهقي وحسنه شيخنا الألباني في صحيح الجامع من حديث أبي هريرة أيضاً أنه ﷺ قال في حديث: (وينادي مناد كل ليلة -أي: من ليالي رمضان- يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر).
اسمع -أيها الحبيب- لتسجد لربك شكراً أنك من أمة النبي ﷺ ، يقول ﷺ : (ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة)، اللهم اجعلنا من عتقائك من النار في هذا الشهر الكريم.
وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).
وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أيضاً أن النبي ﷺ قال: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).
وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أيضاً: أن النبي ﷺ قال: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).
وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أيضاً أن النبي ﷺ قال: (قال الله : كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به.
والصوم جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم.
والذي نفس محمد بيده! لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه).
وفي الحديث الذي رواه أحمد في مسنده بسند حسن والحاكم في المستدرك وصححه وأقره الذهبي أن النبي ﷺ قال: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة -اسمع أيها الحبيب! ماذا يقول الصيام وماذا يقول القرآن- يقول الصيام: أي ربي! منعته الطعام والشراب والشهوة -أي: من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، الطعام بين يديه وامتنع عنه طاعة لله، زوجته بين يديه وامتنع عنها امتثالاً لأمر الله، والشراب بين يديه وهجره طمعاً في رحمة الله جل وعلا- فشفعني فيه، ويقول القرآن: أي ربي! منعته النوم بالليل فشفعني فيه)، يا عبد الله! هل أنت من هؤلاء؟! أيها الحبيب الكريم! يا من هجرت النوم في الليل طاعة لله جل وعلا، وجلست مع كتاب الله ﵎؛ هل أنت من هؤلاء أم أنت ممن سهر الليل مع المسلسلات الفاجرة، والأفلام الداعرة والعياذ بالله؟ أسأل الله أن يحفظني وإياكم من المعاصي، وأن يعزني وإياكم بطاعته، وأن يشرفني وإياكم بالعمل لدينه إنه ولي ذلك ومولاه.
أتدرون ماذا قال حبيبكم ورسولكم المصطفى ﷺ ؟ قال ﵊: (فيشفعان)، أي: فيشفع الصيام فيك أيها الصائم، ويشفع القرآن فيك أيها القارئ، يا لها من كرامة، ويا له من فضل، ويا لها من عظمة، ويا لها من رحمات! هذه بعض الأحاديث الصحيحة أيها الأحباب التي أخبرنا بها النبي ﷺ في فضل الصيام، والأحاديث كثيرة طويلة، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧].
стр. 284
الحث على اغتنام رمضان فيما يقرب من الله
الله الله -أيها الأحباب- في هذه الجائزة، وفي هذه المنحة، وفي هذه الصفقة! فوالله الذي لا إله غيره لو قيل لك يا عبد الله: إن هناك صفقة تجارية تستطيع لو دخلت فيها أن تربح ألف ريال، والله لن تتخلى عنها ولن تتركها، فما قولك بصفقة تعرض عليك فتربح فيها جنة عرضها السماوات والأرض؟ جنة عرضها السماوات والأرض بالصيام والقيام، فيغفر الله لك أيها الصائم القائم (من صام وقام -كما ذكرت آنفاً- غفر له ما تقدم من ذنبه)، صفقة عظيمة يا عباد الله، ورحمة كريمة من الله جل وعلا.
فهيا أيها الحبيب! هيا أيها المسلم! هيا أيها المكرم من الله جل وعلا! أقبل، تعالَ تعالَ إلى الله، عد إلى الله، ارجع إليه، استغفر الله جل وعلا، وامش بين يديه، وقف على بابه ذليلاً خاشعاً طالباً منه العفو والرحمة والغفران، ولا تيئس ولا تقنط مهما ارتكبت من الذنوب والمعاصي، ومهما وقعت في الكبائر، عد إلى الله جل وعلا، واعلم بأن عفو الله أعظم من كبائرك، وأعظم من ذنوبك، وأعظم من معاصيك.
الله جل وعلا -وهو ملك الملوك، وجبار السماوات والأرض- يتنزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، كما ورد في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁، يتنزل الله تنزلاً يليق بكماله وجلاله، فلا تعطلوا صفة النزول، ولا تكيفوها، ولا تؤولوها، إنما نؤمن بصفة النزول كما أخبر بذلك نبينا ورسولنا ﷺ ، ونقول: يتنزل تنزلاً يليق بكماله وجلاله، فكل ما دار ببالك فالله بخلاف ذلك ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، لا تدركه العقول ولا تكيفه الأفهام، فاقطع الطمع عن إدراك ذات الله جل وعلا، لا نعطل ولا نكيف ولا نؤول ولا نشبه، ولكن نردد مع الإمام الشافعي قوله: نؤمن بالله، وبما جاء عن الله، على مراد الله، ونؤمن برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله ﷺ ، قال عليه الصلاى والسلام: (ينزل الله تعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يمضي ثلث الليل الأول ويقول: أنا الملك أنا الملك، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ يقول الرسول ﷺ : فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر).
قم يا عبد الله، قم يا حبيبي في هذا الليل وكن من الساجدين بين يدي الله جل وعلا، كن من الراكعين، كن من القائمين، كن من الذاكرين والمستغفرين في الأسحار.
(من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟) الله جل وعلا يناديك فهل أنت ممن سيقول لربه: هأنذا يا ربي بين يديك أسألك العفو والمغفرة، أسألك أن تغفر لي ما قد سلف من الذنوب والعصيان، وكن على يقين بأن الله جل وعلا سيستجيب منك الدعاء، وكن على يقين بأن الله جل وعلا غفور رحيم، ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
أما علمت أيها الحبيب أنك إذا عدت إلى الله جل وعلا سيفرح الله ﵎ بتوبتك وأوبتك وعودتك، وهو الغني عنا فلا تنفعه الطاعة، ولا تضره المعصية ففي حديث أبي ذر الطويل الذي رواه مسلم، أنه ﷺ قال: (قال الله : يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً.
يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً).
وصدق الله جل وعلا إذ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر:١٥ - ١٧]، أنت الفقير إلى الله، والله هو الغني، لو عدت إليه -وهو الغني عنك- لفرح الله بك، ولا تعطل أيضاً صفة الفرح لله جل وعلا؛ لأن الرسول ﷺ هو أعرف الناس بربه، ورد في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الله أفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه راحلته وعليها طعامه وشرابه فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها وقد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ به يرى راحلته قائمة عنده وعليها طعامه وشرابه -فأراد أن يعبر عن شكره لله جل وعلا- فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح)، هذه الفرحة أنست الرجل نفسه؛ فجعلته يقول هذه المقولة، فالله جل وعلا يفرح بك إذا تبت إليه وعدت إليه أشد من فرح هذا العبد بعودة أسباب الحياة إليه مرة أخرى، إنه فضل الله جل وعلا.
وفي الحديث الذي رواه مسلم وأحمد من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل).
فهيا أيها اللاهي أيها الساهي أيها الغافل عد إلى الله جل وعلا، وذكر نفسك بأن الدنيا مهما طالت فهي قصيرة، ومهما عظمت فهي حقيرة؛ وأن الليل مهما طال لابد من طلوع الفجر؛ وأن العمر مهما طال لابد من دخول القبر، دنياك مهما طالت لابد وحتماً أن تلقى الله جل وعلا، وذكر نفسك بقول من قال: يا نفس قد أزف الرحيل وأظلك الخطب الجليل فتأهبي يا نفس لا يلعب بك الأمل الطويل فلتنزلن بمنزل ينسى الخليل به الخليل وليركبن عليك من الثرى ثقل ثقيل قرن الفناء بنا فما يبقى العزيز ولا الذليل وذكرها بقول القائل: دع عنك ما قد فات في زمن الصبا واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب لم ينسه الملكان حين نسيته بل أثبتاه وأنت لاه تلعب والروح منك وديعة أودعتها ستردها بالرغم منك وتسلب وغرور دنياك التي تسعى لها دار حقيقتها متاع يذهب الليل فاعلم والنهار كلاهما أنفاسنا فيها تعد وتحسب اسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يتقبل منا وإياكم الصيام والقيام، وأن يجعلنا وإياكم من المقبولين، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 285
التحذير من التفريط في رمضان
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين، أما بعد: فيا أيها الأحباب! لا تضيعوا رمضان، ولا تنشغلوا في رمضان بما لا ينفعكم عند الله جل وعلا في الآخرة في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، احذروا هذه الملاهي والشواغل التي تشغل العباد عن رب العباد جل وعلا! احذروا المسلسلات! احذروا الأفلام! احذروا التلفزيون! احذروا كل هذه الأمور التي ستشغلكم عن العزيز الغفور جل وعلا! وأقبلوا على الله ﵎، أقبلوا على القرآن، اقرءوا القرآن وتدبروا معانيه، وقفوا بين يدي أوامره ونواهيه وحدوده، أقبلوا على الذكر، أقبلوا على الاستغفار، جددوا التوبة للعزيز الغفار، واعلموا بأنها فرصة، ووالله لا يضمن واحد منا أن يعيش إلى رمضان القادم، فلا تضيع هذه الفرصة من بين يديك، واعلم أن رمضان سيولي سريعاً سريعاً، وبعد أيام قلائل سنقول بملء أفواهنا وبحسرة مؤلمة: لقد انقضى رمضان، ربح فيه من ربح، وخسر فيه من خسر.
نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم من الرابحين ومن الفائزين، اللهم تقبل منا الصيام والقيام يا رب العالمين، اللهم كما بلغتنا رمضان فبارك لنا فيه، اللهم كما بلغتنا رمضان فبارك لنا فيه، اللهم كما بلغتنا رمضان فبارك لنا فيه.
اللهم اجعلنا ممن صام وقام ورضيت عنه يا رب العالمين، ولا تجعلنا ممن صام وقام ولم يرضك يا أرحم الراحمين.
اللهم تقبل صيامنا وقيامنا واجعلنا من الفائزين.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
اللهم عافنا واعف عنا واغفر لنا وارحمنا واقبلنا وتقبل منا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم إنا عبيدك بنو عبيدك بنو إمائك نواصينا بيدك، ماض فينا حكمك، عدل فينا قضاؤك، نسألك اللهم بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك؛ أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور أبصارنا، وشفاء صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا، أنت ولي ذلك والقادر عليه.
اللهم اجعلنا ممن أقام حروف القرآن وحدوده يا رب العالمين، ولا تجعلنا ممن أقام حروفه وضيع حدوده يا أرحم الراحمين.
اللهم قيض لأمة التوحيد أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، أنت ولي ذلك ومولاه.
هذا وأكثروا من الصلاة والسلام على نبينا وحبيبنا محمد كما أمركم الله جل وعلا بذلك في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه.
هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه!
следующие страницы →