Полный текст (1 901 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
فضل الصيام
شهر رمضان شهر عظيم مبارك، اصطفاه الله تعالى من بين شهور السنة؛ لأداء فريضة عظيمة فيه، وركن من أركان الإسلام، وهو: الصيام.
وهو موسم فيه بركات إلهية كثيرة، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق أبواب النار، وتصفد الشياطين، وتكثر فيه أبواب الخير.
стр. 282
(وربك يخلق ما يشاء ويختار)
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين، أما بعد: فمرحباً بكم أحبتي في الله، لقد كان من المنتظر أن يكون لقاؤنا في هذا اليوم المبارك هو الدرس السادس من دروس سورة الستر والعفاف سورة النور، ولكن اسمحوا لي -أيها الأحبة- أن نتوقف عن مواصلة دروس سورة النور لنحيي ضيفاً كريماً قد حل بنا ونزل علينا، إنه ضيف كريم يحل بنا وتحل معه البركات، إنه ضيف عظيم ينزل علينا وتنزل معه الرحمات، إنه ضيف مبارك تخشع فيه القلوب، وتصفو فيه النفوس، وتلين فيه الجلود، وتخشع فيه الجوارح، إنه شهر رمضان، إنه شهر الصيام، إنه شهر القرآن، إنه شهر القيام، إنه شهر الإحسان، إنه شهر العتق من النيران لمن تاب وأناب إلى الرحيم الرحمن جل وعلا.
تعالوا بنا -أيها الأحبة- لنعيش بعض الوقت مع هذا الشهر العظيم المبارك، ومع هذا الضيف العزيز الخفيف الذي سرعان ما يحل بنا، وسرعان ما يولي من بين أيدينا وظهورنا، فلقد كنا نقول منذ يومين أو ثلاثة: غداً رمضان، وسوف نقول بعد وقت قليل: لقد انتهى رمضان، وها هي أيام الخير، وها هي أيام البركات والرحمات تولي سريعةً من بين أيدينا وأظهرنا، فالله الله في هذه الأيام، الله الله في شهر القرآن، الله الله في شهر الصيام، الله الله في شهر الإحسان.
يا عباد الله! يا أبناء هذه الأمة الميمونة المباركة! يا من اختصكم الله جل وعلا بهذا الشهر العظيم المبارك واختصكم فيه بليلة هي خير من ألف شهر، وصدق الله جل وعلا إذ يقول: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨]، والاختيار هنا بمعنى الاصطفاء والاجتباء كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى.
إن الله جل وعلا هو الذي يخلق وهو الذي يفضل ما يشاء، ويختار من بين خلقه ويصطفي ما يشاء؛ فلقد خلق الله جل وعلا السموات سبعاً واختار العليا منها، فاختصها بالقرب من عرشه جل وعلا.
وخلق الله الجنان واختار منها جنة الفردوس، فجعل عرشه سقفاً لها، ويا لها من كرامة! وخلق الله الملائكة واصطفى من الملائكة جبريل وإسرافيل وميكائيل، فجبريل هو صاحب الوحي الذي به حياة القلوب والأرواح، وإسرافيل صاحب الصور الذي إذا نفخ فيه أحيت نفخته جميع الأموات بإذن رب الأرض والسماوات، وميكائيل هو صاحب القطر الذي به حياة كل شيء ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:٣٠].
وخلق الله جل وعلا البشر، واصطفى من البشر الأنبياء، واصطفى من الأنبياء الرسل، واصطفى من الرسل أولي العزم الخمسة، واصطفى من أولي العزم الخمسة الخليلين الكريمين: إبراهيم ومحمداً صلى الله عليهما وسلم، واختار محمداً ﷺ ففضله على جميع الأنبياء والمرسلين، فجعله إمام الأتقياء، وجعله إمام الأنبياء، وجعله سيد المرسلين، ورفعه الله جل وعلا على جميع الخلائق، وزكاه في كل شيء، فرفع له ذكره، ووضع عنه وزره، وشرح الله صدره.
زكاه في عقله فقال: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:٢].
وزكاه في بصره فقال: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧].
وزكاه في فؤاده فقال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١].
وزكاه في صدره فقال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١].
وزكاه في ذكره فقال: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:٤].
ووضع عنه وزره فقال: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح:٢].
وزكاه في علمه فقال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٥].
وزكاه في صدقه فقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣].
وزكاه كله فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، بأبي هو وأمي ﷺ .
وخلق الله جل وعلا الأمم، وعددهم كما ورد في الحديث: (خلق الله سبعين أمة)، واختار من بين هذا العدد الضخم الكبير أعظم الأمم وأفضل الأمم وخير الأمم، وهي هذه الأمة، أمة النبي ﷺ ، فضلها الله على جميع الأمم، وكرمها الله على جميع الأمم، وخاطبها بقوله جل وعلا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠].
وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد بسند حسن ورواه الحاكم في المستدرك وصححه وأقره الذهبي من حديث أبي الدرداء ﵁ أنه ﷺ قال: (أنتم موفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله .
وجعل الله هذه الأمة الأخيرة هي الأمة الوسط، أي: هي الأمة العدل، وهي الأمة الشاهدة على جميع الأمم، فقال ربنا جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]، جعل الله هذه الأمة الأخيرة هي الأمة الشاهدة على جميع الأمم السابقة، وفي الحديث الذي رواه البخاري وأحمد والترمذي من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه ﷺ قال: (يدعى نوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت قومك؟ والله جل وعلا أعلم، فيقول نوح ﵇: نعم بلغت قومي، فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلغكم هذا؟ فيقولون: لا ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد، فيقول الله جل وعلا لنوح: من يشهد لك يا نوح أنك بلغت قومك؟ فيقول نوح ﵇: يشهد لي محمد ﷺ وأمته).
هل رأيتم نوحاً؟ هل عاصرتم نوحاً ﵇؟ لا والله ما رأيناه ولا عاصرناه، إذاً ما الذي سيجعلنا نشهد لنوح ﵇ أنه بلغ قومه وأنذر قومه، يقول النبي ﵊: (فتدعون فتشهدون لنوح أنه بلغ قومه، وذلك قوله تعالى: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)) [البقرة:١٤٣]، ثم قال ﵊: الوسط: العدل)، ويقول ﷺ : (ثم أشهد عليكم).
وفي رواية الإمام أحمد (يقال لهذه الأمة -المباركة الميمونة- ما الذي جعلكم تشهدون لنوح؟ فتقول الأمة: أتانا رسولنا وأخبرنا أن الرسل قد بلغوا قومهم فصدقناه وآمنا به).
نزل القرآن على قلب نبينا ﷺ فقرأنا فيه قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [نوح:١]، إلى آخر السورة التي سماها الله جل وعلا في قرآننا باسم نبي الله نوح، تشهد هذه الأمة المباركة لنوح ﵇ أنه بلغ قومه وأنذر قومه.
هكذا أيها الأحباب! ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨]، إنه فضل الله جل وعلا ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١]، فأنتم خير أمة، وأنتم أكرم أمة على الله جل وعلا، وفضل الله عليكم عظيم، وصدق -والله- من قال: ومما زادني فخراً وتيها وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا يا أمة القرآن! يا أمة الإسلام! يا أمة التوحيد! يا أمة الإيمان! يا أمة الإحسان! يا أمة التصديق! يا أمة الشهادة! أنتم خير أمة أخرجت للناس: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، بماذا ولماذا؟ بهذه الشروط وتلك القيود: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، فوالله إن اختلت هذه الشروط اختلت النتيجة، وضاعت الخيرية عنكم، فإنكم إن لم تأمروا بالمعروف، وتنهوا عن المنكر، وتؤمنوا بالله جل وعلا؛ فلستم بخير أمة أخرجت للناس.
стр. 283
فضل شهر رمضان
يا أبناء هذه الأمة الميمونة المباركة! إن نعم الله علينا لا تعد ولا تحصى، ومن أعظم هذه النعم هذا الضيف الكريم الذي حل بنا، من أعظم النعم التي امتن الله جل وعلا بها عليكم يا أمة الإسلام والتوحيد شهر رمضان، شهر القرآن والصيام والقيام والإحسان، قال ربنا جل وعلا: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥]، إنها نعمة عظيمة يا عباد الله! إنه فضل كبير عليكم، إنه فصل الخيرات والرحمات، إنه موسم البركات والنفحات، ألا فتعرضوا لرحمة الله جل وعلا، ألا فتعرضوا لنفحات الله جل وعلا في الطاعة: بالصيام والقيام وقراءة القرآن والإحسان.
إنه موسم الطاعات إنه موسم الرحمات إنه موسم البركات، أما سمعتم إلى كلام سيد البريات ﷺ في الحديث الذي رواه الطبراني ورواته ثقات من حديث عبادة بن الصامت ﵁: أن النبي ﷺ كان إذا أقبل شهر رمضان يقول بأبي هو وأمي: (أتاكم رمضان شهر بركة يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة، ويحط الخطايا، ويستجيب فيه الدعاء، ويباهي بكم ملائكته، وينظر فيه إلى تنافسكم في الخير، فأروا الله من أنفسكم خيراً، فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله .
يباهي بكم ملائكته فيقول: انظروا إلى عبادي انظروا إلى الصائمين في النهار انظروا إلى من أقاموا الليل ركعاً سجداً بين يدي الله جل وعلا انظروا إلى من قضوا الليل مع قرآن الله وكتابه، وهذه علامات من علامات الحب لله ﵎؛ لأن الليل كما قال أستاذنا ابن القيم: إن الليل أنس المحبين، وروضة المشتاقين، ومدرسة الصالحين، من هذه المدرسة تخرّج العارفون بالله جل وعلا، وتخرج الصادقون مع الله جل وعلا، إن عباد الله الصالحين ينتظرون هذا الليل يرعونه بالنهار كما يرعي الراعي غنمه، ويحنون إلى غروب الشمس كما تحن الطير إلى أوكارها، حتى إذا ما جنهم الليل، واختلط الظلام، وبسطت الفرش، وخلا كل حبيب بحبيبه؛ قام عباد الله الصالحون فنصبوا إلى الله أقدامهم، وافترشوا جباههم، وناجوا ربهم جل وعلا طيلة الليل بقرآنه، وتضرعوا إليه ﵎، وطلبوا منه تكرمه وإنعامه وإحسانه، هذه علامات عباد الله الصالحين، (ويباهي بكم ملائكته وينظر فيه إلى تنافسكم في الخير)، هذا ذاكر لله، وهذا صائم لله ذاكر صابر، وهذا صائم لله ذاكر شاكر، وهذا متصدق محسن، وهذا قارئ للقرآن، وهذا مستغفر لله جل وعلا، وهذا متصدق على الفقراء والمساكين، وهذا يمر بين الجائعين من الفقراء ليحسن إليهم.
قال: (فأروا الله من أنفسكم خيراً، فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله ، ولهذا الحديث المبارك شاهد صحيح من حديث أبي هريرة رواه الإمام أحمد في مسنده والإمام الترمذي والإمام النسائي، وصححه شيخنا الألباني في صحيح الجامع، وهو: (أنه ﷺ كان إذا أقبل رمضان يقول: أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، وفيه ليلة هي خير من ألف شهر).
وروى ابن حبان والحاكم وابن ماجة والبيهقي وحسنه شيخنا الألباني في صحيح الجامع من حديث أبي هريرة أيضاً أنه ﷺ قال في حديث: (وينادي مناد كل ليلة -أي: من ليالي رمضان- يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر).
اسمع -أيها الحبيب- لتسجد لربك شكراً أنك من أمة النبي ﷺ ، يقول ﷺ : (ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة)، اللهم اجعلنا من عتقائك من النار في هذا الشهر الكريم.
وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).
وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أيضاً أن النبي ﷺ قال: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).
وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أيضاً: أن النبي ﷺ قال: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).
وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أيضاً أن النبي ﷺ قال: (قال الله : كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به.
والصوم جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم.
والذي نفس محمد بيده! لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه).
وفي الحديث الذي رواه أحمد في مسنده بسند حسن والحاكم في المستدرك وصححه وأقره الذهبي أن النبي ﷺ قال: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة -اسمع أيها الحبيب! ماذا يقول الصيام وماذا يقول القرآن- يقول الصيام: أي ربي! منعته الطعام والشراب والشهوة -أي: من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، الطعام بين يديه وامتنع عنه طاعة لله، زوجته بين يديه وامتنع عنها امتثالاً لأمر الله، والشراب بين يديه وهجره طمعاً في رحمة الله جل وعلا- فشفعني فيه، ويقول القرآن: أي ربي! منعته النوم بالليل فشفعني فيه)، يا عبد الله! هل أنت من هؤلاء؟! أيها الحبيب الكريم! يا من هجرت النوم في الليل طاعة لله جل وعلا، وجلست مع كتاب الله ﵎؛ هل أنت من هؤلاء أم أنت ممن سهر الليل مع المسلسلات الفاجرة، والأفلام الداعرة والعياذ بالله؟ أسأل الله أن يحفظني وإياكم من المعاصي، وأن يعزني وإياكم بطاعته، وأن يشرفني وإياكم بالعمل لدينه إنه ولي ذلك ومولاه.
أتدرون ماذا قال حبيبكم ورسولكم المصطفى ﷺ ؟ قال ﵊: (فيشفعان)، أي: فيشفع الصيام فيك أيها الصائم، ويشفع القرآن فيك أيها القارئ، يا لها من كرامة، ويا له من فضل، ويا لها من عظمة، ويا لها من رحمات! هذه بعض الأحاديث الصحيحة أيها الأحباب التي أخبرنا بها النبي ﷺ في فضل الصيام، والأحاديث كثيرة طويلة، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧].
стр. 284
الحث على اغتنام رمضان فيما يقرب من الله
الله الله -أيها الأحباب- في هذه الجائزة، وفي هذه المنحة، وفي هذه الصفقة! فوالله الذي لا إله غيره لو قيل لك يا عبد الله: إن هناك صفقة تجارية تستطيع لو دخلت فيها أن تربح ألف ريال، والله لن تتخلى عنها ولن تتركها، فما قولك بصفقة تعرض عليك فتربح فيها جنة عرضها السماوات والأرض؟ جنة عرضها السماوات والأرض بالصيام والقيام، فيغفر الله لك أيها الصائم القائم (من صام وقام -كما ذكرت آنفاً- غفر له ما تقدم من ذنبه)، صفقة عظيمة يا عباد الله، ورحمة كريمة من الله جل وعلا.
فهيا أيها الحبيب! هيا أيها المسلم! هيا أيها المكرم من الله جل وعلا! أقبل، تعالَ تعالَ إلى الله، عد إلى الله، ارجع إليه، استغفر الله جل وعلا، وامش بين يديه، وقف على بابه ذليلاً خاشعاً طالباً منه العفو والرحمة والغفران، ولا تيئس ولا تقنط مهما ارتكبت من الذنوب والمعاصي، ومهما وقعت في الكبائر، عد إلى الله جل وعلا، واعلم بأن عفو الله أعظم من كبائرك، وأعظم من ذنوبك، وأعظم من معاصيك.
الله جل وعلا -وهو ملك الملوك، وجبار السماوات والأرض- يتنزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، كما ورد في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁، يتنزل الله تنزلاً يليق بكماله وجلاله، فلا تعطلوا صفة النزول، ولا تكيفوها، ولا تؤولوها، إنما نؤمن بصفة النزول كما أخبر بذلك نبينا ورسولنا ﷺ ، ونقول: يتنزل تنزلاً يليق بكماله وجلاله، فكل ما دار ببالك فالله بخلاف ذلك ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، لا تدركه العقول ولا تكيفه الأفهام، فاقطع الطمع عن إدراك ذات الله جل وعلا، لا نعطل ولا نكيف ولا نؤول ولا نشبه، ولكن نردد مع الإمام الشافعي قوله: نؤمن بالله، وبما جاء عن الله، على مراد الله، ونؤمن برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله ﷺ ، قال عليه الصلاى والسلام: (ينزل الله تعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يمضي ثلث الليل الأول ويقول: أنا الملك أنا الملك، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ يقول الرسول ﷺ : فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر).
قم يا عبد الله، قم يا حبيبي في هذا الليل وكن من الساجدين بين يدي الله جل وعلا، كن من الراكعين، كن من القائمين، كن من الذاكرين والمستغفرين في الأسحار.
(من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟) الله جل وعلا يناديك فهل أنت ممن سيقول لربه: هأنذا يا ربي بين يديك أسألك العفو والمغفرة، أسألك أن تغفر لي ما قد سلف من الذنوب والعصيان، وكن على يقين بأن الله جل وعلا سيستجيب منك الدعاء، وكن على يقين بأن الله جل وعلا غفور رحيم، ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
أما علمت أيها الحبيب أنك إذا عدت إلى الله جل وعلا سيفرح الله ﵎ بتوبتك وأوبتك وعودتك، وهو الغني عنا فلا تنفعه الطاعة، ولا تضره المعصية ففي حديث أبي ذر الطويل الذي رواه مسلم، أنه ﷺ قال: (قال الله : يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً.
يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً).
وصدق الله جل وعلا إذ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر:١٥ - ١٧]، أنت الفقير إلى الله، والله هو الغني، لو عدت إليه -وهو الغني عنك- لفرح الله بك، ولا تعطل أيضاً صفة الفرح لله جل وعلا؛ لأن الرسول ﷺ هو أعرف الناس بربه، ورد في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الله أفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه راحلته وعليها طعامه وشرابه فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها وقد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ به يرى راحلته قائمة عنده وعليها طعامه وشرابه -فأراد أن يعبر عن شكره لله جل وعلا- فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح)، هذه الفرحة أنست الرجل نفسه؛ فجعلته يقول هذه المقولة، فالله جل وعلا يفرح بك إذا تبت إليه وعدت إليه أشد من فرح هذا العبد بعودة أسباب الحياة إليه مرة أخرى، إنه فضل الله جل وعلا.
وفي الحديث الذي رواه مسلم وأحمد من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل).
فهيا أيها اللاهي أيها الساهي أيها الغافل عد إلى الله جل وعلا، وذكر نفسك بأن الدنيا مهما طالت فهي قصيرة، ومهما عظمت فهي حقيرة؛ وأن الليل مهما طال لابد من طلوع الفجر؛ وأن العمر مهما طال لابد من دخول القبر، دنياك مهما طالت لابد وحتماً أن تلقى الله جل وعلا، وذكر نفسك بقول من قال: يا نفس قد أزف الرحيل وأظلك الخطب الجليل فتأهبي يا نفس لا يلعب بك الأمل الطويل فلتنزلن بمنزل ينسى الخليل به الخليل وليركبن عليك من الثرى ثقل ثقيل قرن الفناء بنا فما يبقى العزيز ولا الذليل وذكرها بقول القائل: دع عنك ما قد فات في زمن الصبا واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب لم ينسه الملكان حين نسيته بل أثبتاه وأنت لاه تلعب والروح منك وديعة أودعتها ستردها بالرغم منك وتسلب وغرور دنياك التي تسعى لها دار حقيقتها متاع يذهب الليل فاعلم والنهار كلاهما أنفاسنا فيها تعد وتحسب اسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يتقبل منا وإياكم الصيام والقيام، وأن يجعلنا وإياكم من المقبولين، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 285
التحذير من التفريط في رمضان
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين، أما بعد: فيا أيها الأحباب! لا تضيعوا رمضان، ولا تنشغلوا في رمضان بما لا ينفعكم عند الله جل وعلا في الآخرة في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، احذروا هذه الملاهي والشواغل التي تشغل العباد عن رب العباد جل وعلا! احذروا المسلسلات! احذروا الأفلام! احذروا التلفزيون! احذروا كل هذه الأمور التي ستشغلكم عن العزيز الغفور جل وعلا! وأقبلوا على الله ﵎، أقبلوا على القرآن، اقرءوا القرآن وتدبروا معانيه، وقفوا بين يدي أوامره ونواهيه وحدوده، أقبلوا على الذكر، أقبلوا على الاستغفار، جددوا التوبة للعزيز الغفار، واعلموا بأنها فرصة، ووالله لا يضمن واحد منا أن يعيش إلى رمضان القادم، فلا تضيع هذه الفرصة من بين يديك، واعلم أن رمضان سيولي سريعاً سريعاً، وبعد أيام قلائل سنقول بملء أفواهنا وبحسرة مؤلمة: لقد انقضى رمضان، ربح فيه من ربح، وخسر فيه من خسر.
نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم من الرابحين ومن الفائزين، اللهم تقبل منا الصيام والقيام يا رب العالمين، اللهم كما بلغتنا رمضان فبارك لنا فيه، اللهم كما بلغتنا رمضان فبارك لنا فيه، اللهم كما بلغتنا رمضان فبارك لنا فيه.
اللهم اجعلنا ممن صام وقام ورضيت عنه يا رب العالمين، ولا تجعلنا ممن صام وقام ولم يرضك يا أرحم الراحمين.
اللهم تقبل صيامنا وقيامنا واجعلنا من الفائزين.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
اللهم عافنا واعف عنا واغفر لنا وارحمنا واقبلنا وتقبل منا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم إنا عبيدك بنو عبيدك بنو إمائك نواصينا بيدك، ماض فينا حكمك، عدل فينا قضاؤك، نسألك اللهم بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك؛ أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور أبصارنا، وشفاء صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا، أنت ولي ذلك والقادر عليه.
اللهم اجعلنا ممن أقام حروف القرآن وحدوده يا رب العالمين، ولا تجعلنا ممن أقام حروفه وضيع حدوده يا أرحم الراحمين.
اللهم قيض لأمة التوحيد أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، أنت ولي ذلك ومولاه.
هذا وأكثروا من الصلاة والسلام على نبينا وحبيبنا محمد كما أمركم الله جل وعلا بذلك في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه.
هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه!
стр. 286
أهوال وعذاب القبر
إذا مات ابن آدم انتقل إلى المرحلة الأولى من مراحل الآخرة، ألا وهي مرحلة القبر وأهواله، فيأتيه ملكان ويسألانه ثلاثة أسئلة، وهي: من ربك؟ ومن نبيك؟ وما دينك؟ فمن عمل بطاعة الله ثبته الله بالجواب على هذه الأسئلة، ومن كان على غير ذلك فإنه ينعقد لسانه، ويتلعثم كلامه، ويكون من الهالكين والعياذ بالله!
стр. 287
الامتحان في القبر
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الواحد الذي لا ضد له، وهو الصمد الذي لا منازع له، وهو الغني الذي لا حاجة له، وهو القوي الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو جبار السماوات والأرض، فلا راد لحكمه، ولا معقب لقضائه وأمره.
وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا ومعلمنا وقدوتنا وقرة أعيننا محمداً رسول الله ﷺ ، عرضت عليه الدنيا بأموالها وزخارفها وسلطانها وذهبها وحريرها وملكها، كما قال الشاعر: عرضت له الدنيا فأعرض زاهداً يبغي من الأخرى المكان الأرفعا ما جر أثواب الحرير ولا مشى بالتاج من فوق الجبين مرصعا وهو الذي لبس السعادة حلة فضفاضة لبس القميص مرقعا وهو الذي لو شاء نالت كفه كل الذي فوق البسيطة أجمعا صلى عليك الله يا علم الهدى، ما هبت النسائم، وما ناحت على الأيك الحمائم.
أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! مرحباً بكم، وشكر الله لكم، وأسأل الله ﵎ أن يتقبل مني ومنكم جميعاً صالح الأعمال، وأن يكتب لنا بهذه الخطوات الدرجات، وأن يرفع لنا بها الأجر، إنه كريم جواد حليم.
نتحدث إن شاء الله هذه الليلة عن ثلاثة أسئلة، من أجاب على هذه الأسئلة دخل الجنة، ومن لم يجب عن هذه الأسئلة -وإن كان من العلماء- دخل النار وبئس القرار!! تعالوا بنا لنتعلم سوياً هذه الأسئلة والإجابة عليها؛ لنفوز بإذن الله جل وعلا بالجنة.
أولاً: انظر أين تسأل هذه الأسئلة؟ ومن الذي سيسألك؟ وأين ستكون لجنة الامتحان؟ ومن الممتحن؟ ومن الذي سوف يقدر النتيجة؟ يا ترى! هل ستجيب بامتياز مع مرتبة الشرف، أم سوف تجيب بدرجة جيد جداً، أم سوف تجيب بدرجة جيد، أم سوف تجيب بدرجة مقبول؟!
стр. 288
لجنة الامتحان
أولاً: لجنة الامتحان، اللجنة التي سوف تمتحن فيها: هي القبر.
ومن سيمتحنك؟ يمتحنك في القبر الملكان: منكر ونكير.
ورقة الأسئلة فيها ثلاثة أسئلة: السؤال الأول: من ربك؟ السؤال الثاني: من نبيك؟ السؤال الثالث: ما دينك؟ ماذا سيقول المؤمن؟ ربي الله حقاً، ومحمد نبيي صدقاً، وديني الإسلام، الجواب سهل جداً في هذا الوقت، كلنا أجبنا، الكل قال: ربي الله، ورسولي محمد ﷺ ، وديني الإسلام، ولكن الأمر هناك ليس سهلاً كما تتخيلون! وعند الامتحان يكرم المرء أو يهان.
فاللجنة صعبة جداً، وجو اللجنة مرعب؛ لأنه مكان ضيق ومظلم، ولكنه ضيق على من ضيقه الله عليه، وواسع على من وسعه الله عليه، ومظلم على من أظلمه الله عليه، ومضيء لمن نوره الله عليه.
وكي تحس برعب لجنة الامتحان تلك، أطفئ النور في البيت، أو ادخل غرفتك وأطفئ نور البيت كله، وعتم غرفتك تماماً، واترك أولادك في الخارج، أو كن في مكان لوحدك في البيت، ونم على سريرك، وليس على الأرض، وتذكر القبر.
والله العظيم سوف تحس أن الأمر صعب جداً، سوف تحس أن الأمر شديد، كان أحد الصالحين إذا أراد أن يذكر نفسه بالقبر، وبالآخرة، وذلك إذا وجد أن الدنيا قد سيطرت عليه: يسمع الأذان فلا يجيب ويقول لك: لا، أنا واقف في المحل حقي، والعمل عبادة!! أي عبادة هذه التي منعتك عن السجود والركوع لمن أنعم عليك؟! المؤذن يقول له: حي على الصلاة، وهو جالس يلعب دمنة في الخارج!! المؤذن يقول له: حي على الصلاة، وهو يقول: لا، إلى أن تنتهي المباراة! المؤذن يقول له: حي على الصلاة، وهو يقول: لا، العمل ورزق العيال أولى، إنا لله وإنا إليه راجعون!! تذكر حالك عندما تكون واقفاً على طابور الجمعية، أو على طابور الخبز ثلاث ساعات؛ من أجل أن تحصل على خمسة أرغفة، أتستكثر العشر الدقائق على الله؟! هذا عجيب!! مضيع الوقت كله للدنيا، وعند العشر الدقائق التي هي زمن الصلاة يقول: العمل عبادة، نحن نطلب رزق العيال، من أين آتي لأولادي بالأكل؟! إنا لله وإنا إليه راجعون!! كان أحد الصالحين إذا سيطرت عليه الدنيا قليلاً، وأحب أن يذكر نفسه بالآخرة، حفر لنفسه قبراً في وسط الصالة، بدلاً من أن يضع طاولة السفرة، التي تعمل لنا مشاكل في كل يوم! تجيء الزوجة، وتقول: لو ما كانت طاولة السفرة بثمانية كراسي ما كان هناك زواج.
فجاء الرجل الصالح هذا إلى مكان طاولة السفرة، وحفر قبراً وغطاه بخشب، وعندما تسيطر الدنيا على قلبه قليلاً، ينزل إلى القبر، فيغلق القبر على نفسه بهذه الخشبة، ويظل يصرخ ويبكي ويصيح وينادي ويقول: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]، حتى إذا ما انقطعت أنفاسه، وغرق في عرقه، دفع الخشبة برجله، وخرج إلى النور والهواء، وبكى وأكثر من البكاء، وقال لنفسه: ها أنتِ يا نفس! قد عدتِ وخرجت، فاعملي بما قلتِ، ثم يقول: والله إني لخائف أن تنزلي هذا القبر يوماً، وتنادين: رب ارجعون، فلا يستجاب لكِ! إذاً: لجنة الامتحان صعبة جداً، تخيل لو أن شخصاً أتى إليك وقال: أنت مطلوب غداً للمحكمة! أتحداك إن تنام تلك الليلة!! لن تنام أبداً! وسوف تسهر طوال الليل وأنت تفكر، وتقول: ماذا عملت؟ ماذا سيسألني؟ ماذا سأقول له؟! وهذا كله مع أنك سوف تعرض على محكمة سوف يحاسبك فيها إنسان!! فكيف سيكون حالك إذا ما عرضت على محكمة أحكم الحاكمين؟! هذه المحكمة التي لا تقبل الرشوة، ولا المحسوبية، ولا تقبل المحاماة، ولا تقبل الاستئناف للأحكام؛ لأن قاضيها هو الواحد الديان، عنوانها: لا ظلم اليوم، إن الله سريع الحساب، وصدق من قال.
مثل وقوفك يوم العرض عرياناً مستوحشاً قلق الأحشاء حيرانا والنار تزفر من غيظ ومن حنق على العصاة ورب العرش غضبانا اقرأ كتابك يا عبدي على مهل فهل ترى فيه حرفاً غير ما كانا فلما قرأت ولم تنكر قراءته إقرار من عرف الأشياء عرفانا نادى الجليل خذوه يا ملائكتي وامضوا بعبد عصى للنار عطشانا المشركون غداً في النار يلتهبوا والموحدون بدار الخلد سكانا فهذه هي المحكمة وهذه لجنة الامتحان، إنه جو مرعب! ومكان صعب.
القبر الذي ينادي عليك كل يوم: يا ابن آدم! وأنت في غفلة، القبر الذي ينادي عليك كل لحظة: يا ابن آدم! وأنت في سهو ونسيان.
يقول لك: يا ابن آدم! تمشي في جماعة على ظهري، وسوف تقع وحيداً في بطني.
يا ابن آدم! تسرح وتمرح وتجري على ظهري، وسوف تبكي في بطني.
يا ابن آدم! تأكل أموال اليتامى على ظهري، وسوف يأكلك الدود في بطني.
إذا ما ذهبت إلى هذا القبر وأنت محمول على الأعناق يا غافل! يا ساهي! يا عاصي! يا تارك الصلاة! يا تارك الصيام! يا من قضيت عمرك أمام المسلسلات والأفلام! اعلم أن الذي سيحملك إلى القبر أولادك وأحبابك، وهم الذين سيضعونك ويهلون على رأسك التراب، وأنت في غفلة يا مسكين! وأنت في سهو لا تتذكر هذا المشهد، ولا تفكر في هذا اللقاء، وإذا ما ذهبت إلى هناك رجع مالك للورثة، ورجعت زوجتك لتتزوج، ورجع أولادك ليتنعموا بالأموال، أما أنت فقد وضعت في التراب، وهنا ينادى عليك بلسان الحال: عبدي! رجعوا وتركوك! وفي التراب وضعوك! وللحساب عرضوك! ولو جلسوا معك ما نفعوك! ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت! والله العظيم! لن ينفعك أحد، لا ابنك سوف ينفعك، ولا أمك سوف تنفعك، ولا زوجتك سوف تنفعك، لن ينفعك إلا عملك، يا من تلهث ولا هم لك إلا جمع المال! لن ينفعك مالك إلا إذا أخذته من الحلال، وأنفقته فيما يرضي الكبير المتعال.
стр. 289
أهوال القبور
إذاً: لجنة الامتحان صعبة جداً، هذا هو جو اللجنة، القبر الذي قال عنه أحد الناس حينما قال: أيا من يدعي الفهم.
فإن كثيراً من الناس يدعون الفهم، وهم لا يفهمون شيئاً؛ لأن اعتقادهم أن الفهم الحقيقي هو: كيف يحسب التجارة؟ وكيف يحسب الأموال؟ وكيف يعد الدولارات، وكيف يعد الريالات؟! أيا من يدعي الفهم إلى كم يا أخا الوهم تعبي الذنب والذم وتخطي الخطأ الجم أما بان لك العيب أما أنذرك الشيب وما في نصحه ريب ولا سمعك قد صم أما نادى بك الموت أما أسمعك الصوت أما تخشى من الفوت فتحتاط وتهتم فكم تسدر في السهو وتختال من الزهو وتنفض إلى اللهو كأن الموت ما عم كأني بك تنحط إلى اللحد وتنغط وقد أسلمك الرهط إلى أضيق من سم هناك الجسم ممدود ليستأكله الدود إلى أن ينخر العود ويمسي العظم قد رم فزود نفسك الخير ودع ما يعقب الضير وهيئ مركب السير وخف من لجة اليم بذا أوصيك يا صاح وقد بحت كمن باح فطوبى لفتى راح بآداب محمد يأتم ﷺ ، وصدق الله جل وعلا إذ يقول: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ * فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى * أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة:٢٦ - ٤٠]، بلى قادر! بلى قادر! إذاًَ: القبر لجنة صعبة جداً، والأمر ليس سهلاً كما تتخيلون.
стр. 290
يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت
وقد تسأل شخصاً: من ربك؟ من نبيك؟ وما دينك؟ سيقول لك: ربي الله، ومحمد نبيي، وديني الإسلام، لكن الأمر ليس سهلاً هكذا! كم من العلماء الذين ملئوا المساجد بعلمهم ربما سئلوا هذه الأسئلة ولم يستطيعوا الجواب! وكم من أمي لا يستطيع أن يقرأ، ولا يعرف أن يكتب سيجيب بطلاقة وفصاحة لسان، لماذا؟! لأن الذي سيجيب في هذه اللحظات ليس هذا اللسان الذي تعود على الكذب، والذي تعود على الرياء، والذي تعود على النفاق، والذي تعود على الغيبة، والذي تعود على النميمة، وإنما الذي سيجيب في هذه اللحظات هو عملك، استمع إلى قول الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم:٢٧]، ما هو القول الثابت؟ هو: لا إله إلا الله محمد رسول الله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧]، والقبر أول منزل من منازل الآخرة، ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧].
стр. 291
منكر ونكير وما كلفا به من أسئلة
القبر: إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النيران، القبر إما أن يضيق على العبد فتختلف أضلاعه، وإما أن يتسع فيراه كالفضاء، فلجنة الامتحان صعبة جداً، والكلام في اللجنة طويل وهذا فيه كفاية، وننتقل إلى الأسئلة الثلاثة.
وماذا عن الملكين اللذين سيوجهان الأسئلة؟ إنهما منكر ونكير، وهما ملكان من ملائكة الله ، وكل ملك من الملائكة له وظيفة من يوم أن خلق إلى يوم أن تقوم الساعة، فجبريل موكل بالوحي إلى الأنبياء، وميكائيل موكل بتقسيم الأرزاق بين العباد، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور، وعزرائيل موكل بقبض الأرواح، وهكذا كل ملك له وظيفة، ورقيب وعتيد يسجلان عليك الحسنات والسيئات.
ومنكر ونكير مكلفان بأسئلة القبر، وهناك ملائكة ساجدة، وهناك ملائكة قائمة، وهناك ملائكة راكعة، الكل في عبادة ربه وفي ذكر مولاه، حتى إذا ما نفخ إسرافيل في الصور قام الجميع قائلاً: سبحانك! ربنا ما عبدناك حق عبادتك!! فمنكر ونكير هما المسئولان عن السؤال في القبر، إنه منظر عجيب ومنظر رهيب!! لأول مرة سوف ترى ملكاً.
стр. 292
السؤال الأول: من ربك
السؤال الأول: سوف يقولان لك: من ربك؟ انتبه! فإن الذي يوفق للجواب هو المؤمن الصادق، أما المنافق والدجال ونحوهم فإنهم لا يوفقون إلى الإجابة، وأما نفاقهم ودجلهم فإنه ينتهي بخروجهم من الدنيا، ولا مجال لفعله في القبر، وبعض الناس إذا نصح قال: أنا قلبي مثل اللبن (أبيض)، وهو لا يصلي! فهذا قلبه أسود من ظلام المعصية؛ لأنه لو كان في قلبه ذرة من إيمان، لركع وسجد للواحد الديان.
وربما رأيت مسلماً فتح الله عليه من الرزق وهو لا يصلي، وما شاء الله! صحة طيبة! ومع ذلك لا يصلي، وبعد ذلك تقول له: يا أيها الرجل! لماذا لا تصلي؟! فيقول لك: ربك رب رءوف! وتراه لا يزكي، فتسأله: لماذا لا تزكي؟! فيقول لك: والله أنا عندي عيال يأكلون الحجارة! وتراه ذا مال ومع ذلك فإنه لا يحج! فسبحان الله العظيم! المسلم هو الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله باللسان، ويصدق ذلك بالجنان وتنطلق بذلك الجوارح والأركان؛ لأن الإيمان عند أهل السنة: قول باللسان، وتصديق بالجنان وعمل بالجوارح والأركان.
وكثير من الناس في هذا الزمان يقول: والله! أنا أحب النبي ﷺ .
وهل هناك مسلم لا يحب النبي؟! لكن المحبة لها دلائل وبراهين، فقد يزعم بعضهم ويقول: أنا محب للنبي وهو لا يصلي! (محب للنبي) وهو مبتدع! (محب للنبي) وهو لا يزكي! (محب للنبي) ووهو بعيد عن سنة النبي ﷺ ! بالله عليكم: هل هذا محب أم كذاب؟! إذاً: الكذب سهل جداً، يقول لك: أنا أحب النبي.
لكن أين سلوكك؟! وأين محبتك العملية لرسول الله ﵊؟! من أجل هذا أذكر إخواننا هنا بأنه كان هناك تلميذ صغير يتعلم عند أستاذ، وسمع التلميذ الصغير أن أستاذه يرى النبي ﷺ في الرؤيا، فجاء التلميذ، وقال له: يا أستاذ! أنا أريد أن أرى النبي ﷺ ، قال له: يا بني! النبي ﷺ لا أحد يراه إلا إذا كان محباً له وصادقاً معه ومنفذاً لسنته، فلا يزور النبي إلا أحبابه ﷺ ، لماذا؟ لأن من الناس من يذهبون لزيارة النبي، ومن الناس من يأتي النبي لزيارته! ولذلك قال النبي ﷺ : (من رآني في المنام فقد رآني حقاً؛ فإن الشيطان لا يتمثل بي).
إذاً: السؤال الأول في القبر: سوف يقال لك: من ربك؟ والذي سوف يجيب هنا هو المؤمن الصادق، الذي قالها بحق وصدق في الدنيا: ربي الله، لم يسأل إلا الله، ولم يستعذ إلا بالله، ولم يتوكل إلا على الله، ولم يلجأ إلا إلى الله، ولم يفوض الأمر إلا إلى الله، إذا سأل سأل الله، وإذا استعان استعان بالله! المؤمن الذي كانت حياته كلها لله : صلى لله، وترك لله، وأعطى لله، ومنع لله، وأبغض لله، وراقب الله جل وعلا في سره وعلنه، هذا الذي يستطيع أن يجيب إذا ما سئل عن ربه، فيقول: ربي الله الذي آمنت به في الدنيا، ربي الله الذي راقبته في الدنيا، ربي الله الذي امتثلت لأوامره وشرعه وحدوده.
أما الرجل الكاذب الذي لم يصل، ولم يصم، ولم يزك، ولم يحج! وإنما هو مسلم بالبطاقة الشخصية! فإذا أدخل القبر فوالله لن ينطق بالصواب؛ لأن الله قال: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]، يثبت الله الذين آمنوا.
إذاً: المؤمن هو الذي يستطيع أن يجيب عن السؤال، والأمر ليس سهلاً مثلما تتخيلون؛ لأن الذي سوف ينطق هو إيمانك، والذي سوف ينطق هو عملك، والذي سوف ينطق هي صلاتك، والذي سوف ينطق هو قيام ليلك وقرآنك وبرك بوالديك، وإنفاقك على الفقراء واليتامى، وإحسانك للجيران، قال رسول الله ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: -والثلاث عمل عمله في الدنيا- صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع الناس به) فينتفع بذلك في قبره.
إذاً: الذي يجيب عن السؤال هو الذي آمن بالله حقاً في الدنيا، ولذلك فإن سيدنا حارثة -وهو صحابي جليل من صحابة النبي ﷺ قال عندما سأله النبي ﷺ : (يا حارثة! كيف أصبحت -يعني: كيف حالك وماذا أنت عامل هذا اليوم؟ - قال له: أصبحت مؤمناً حقاً، والحمد لله، يا رسول الله! قال له: انتظر يا حارثة! إن لكل قول حقيقة، فما حقيقة قولك، وما حقيقة إيمانك؟ فقال حارثة: حقيقة إيماني يا رسول الله! أني قد عزفت نفسي عن الدنيا) فاعلم أن الدنيا مهما طالت فهي قصيرة، ومهما عظمت فهي حقيرة؛ لأن الليل مهما طال لابد من طلوع الفجر؛ ولأن العمر مهما طال لابد من دخول القبر، وأن الدنيا دار ممر، وأن الآخرة دار مقر، فخذوا من ممركم لمقركم، ولا تفضحوا أستاركم عند من يعلم أسراركم!! (عزفت نفسي عن الدنيا) علم أن الدنيا قنطرة، أو شجرة استظل بظلها ثم تركها ورحل، علم أن الدنيا جيفة شاة ميتة، كما في حديث الترمذي أن النبي ﷺ مر على شاة ماتت وأصبحت جيفة، فقال لأصحابه: (أترون هذه الشاة هينة على أهلها؟ قالوا: نعم، يا رسول الله! ومن هوانها ألقوها، فقال لهم ﷺ : والله للدنيا أهون عند الله من هذه الشاة على أهلها، ولو أن الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء).
الدنيا حقيرة جداً، ونحن نتكالب ونتهافت عليها، والولد يقتل أباه من أجل الدنيا، والبنت تسب أمها من أجل الدنيا.
وكل هذا من أجل الأموال والكراسي والمناصب.
المحاكم ممتلئة بالبلايا، لماذا؟! بسبب الطمع والجشع، وكلهم ناسٍ أنه سيترك الدنيا حافياً عارياً، وصدق من قال: النفس تجزع أن تكون فقيرة والفقر خير من غنىً يطغيها وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت فجميع ما في الأرض لا يكفيها هي القناعة فالزمها تكن ملكاً ولو لم تكن لك إلا راحة البدن وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير القطن والكفن هل أخذ معه فداناً من الأرض؟! هل أخذ معه بقرة؟! هل أخذ معه مالاً؟! لا، أبداً.
قال الشاعر: دع الحرص على الدنيا وفي العيش فلا تطمع ولا تجمع من المال فلا تدري لمن تجمع فإن الرزق مقسوم وسوء الظن لا ينفع فقير كل من يطمع غني كل من يقنع إي والله! وأحكي لكم قصة ظريفة: هذا سيدنا عيسى ﵇ مشى مع صاحب له، وبعد ذلك وقف عيسى ﵇ يصلي، ودخل صاحبه القرية؛ ليأتي بطعام فأتى بثلاثة أرغفة، فلما وقف عيسى ﵇ يصلي جاع الرجل فأكل رغيفاً، ولما أنهى عيسى الصلاة قال له: أين الرغيف الثالث؟ قال: والله ما كانا إلا رغيفين، يكذب على نبي! قال له: يا رجل! قال: إنما هما اثنان.
قال له: خيراً! ومر عيسى على ظباء ترعى -يعني: غزلان- فنادى نبي الله عيسى على ظبي من هذه الظباء وذبحه وشواه؛ لكي يأكلوا فوضع الظبي مشوياً، وقبل أن يمد الرجل يده سأل عيسى ربه أن يحيي له هذا الظبي فأحياه الله؛ لأن عيسى كان يحيي الموتى بإذن الله ، كما قال الله : ﴿وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٤٩].
وساعة رؤية الرجل للظبي الذي كان سيأكله مشوياً، فرآه حياً أمامه! سبحان الله! قال له عيسى: بحق الذي أراك هذه المعجزة من صاحب الرغيف؟ قال له: والله ما كانا إلا رغيفين! قال له: خيراً.
فأخذه بيده ومشوا، فمر نبي الله عيسى على نهر، فأخذه عيسى من يده يجره؛ ليعبر به على سطح الماء، فتأخر الرجل، فقال له: هيا، فعبر به نبي الله عيسى على سطح الماء حتى الشاطئ الآخر.
فقال الرجل: سبحان الله! يمشي على الماء! فقال له: بحق الذي أراك هذه المعجزة من صاحب الرغيف الثالث؟ فقال له: والله ما كانا إلا رغيفين! قال له: خيراً، فمر به نبي الله عيسى على أرض صحراء فيها رمال، فجمع عيسى ثلاثة أكوام من الرمل متساوية، وسأل عيسى ربه أن يصير له هذه الأكوام الترابية إلى ذهب! وأنتم تعرفون أن الذهب يذهب العقول.
قال الشاعر: رأيت الناس قد ذهبوا إلى من عنده ذهب ومن لا عنده ذهب فعنه الناس قد ذهبوا رأيت الناس قد مالوا إلى من عنده مال ومن لا عنده مال فعنه الناس قد مالوا رأيت الناس منفضة إلى من عنده فضة ومن لا عنده فضه فعنه الناس منفضة فحول الله تعالى الأكوام الترابية إلى ذهب، فقال له سيدنا عيسى: الكوم الأول من الذهب لي أنا، والكوم الثاني لك، والكوم الثالث لمن أكل الرغيف، فقال الرجل: أنا الذي أكلت الرغيف، فقال له نبي الله عيسى: كلها لك، ولكن هذا فراق بيني وبينك.
وانظر كيف كانت النهاية! قعد الرجل بجانب الثلاثة الأكوام وهو يقول: سوف أبني وأشتري عشرة فدادين، وسوف أعمل مزرعة ماشية! فمر عليه ثلاثة من قطاع الطرق، فلما رأوا الثلاثة الأكوام من الذهب ذهبت عقولهم فقتلوه.
ثم قال أحدهم: فليذهب أحدنا بسرعة ويحضر لنا طعاماً كي نأكل، ثم نهرب، فذهب رجل منهم ليحضر لهم طعاماً، -إنها فتنة المال!! إن الولد يقتل أباه من أجل المال، لكن: هل سيبقي هذا على صاحبيه؟! إنا لله وإنا إليه راجعون! - فقال لنفسه: لماذا لا تصنع سماً في الطعام، فتقضي على صاحبيك، وتأخذ الثلاثة الأكوام لوحدك، دون أن يعلم أحد بالخبر؟! وفي نفس اللحظة صاحباه الآخران يقولان: بدلاً من أن نقسم الأكوام، لم لا نقتله ونقسم الثلاثة على اثنين؟! فجاء صاحبهما بالطعام المسموم، وأثناء وصوله انقضا عليه فقتلاه، وجلسا يأكلان الطعام فماتا!! فعاد عيسى ﵇ إلى المكان، فوجد أكوام الذهب في مكانها، ووجد صاحبه وإلى جواره ثلاثة من الرجال؛ فبكى نبي الله عيسى وقال: هكذا تفعل الدنيا بأهلها! الذي سيجيب عن السؤال هو من كان مؤمناً في الدنيا، وتذكر قول سيدنا حارثة، عندما قال له رسول الله ﷺ : (ما حقيقة إيمانك يا حارثة؟ قال له: عزفت نفسي عن الدنيا، فأظمأ
стр. 293
السؤال الثاني: من نبيك
ثم يجيء السؤال الثاني: من نبيك؟ المؤمن الصادق الذي التزم بسنة النبي ﷺ ، والذي التزم بشرع النبي ﷺ ، والذي طبق هدي النبي ﷺ هو الذي سيقول: نبيي محمد ﷺ .
стр. 294
السؤال الثالث: ما دينك
المؤمن الذي أحب الإسلام، وعاش للإسلام، والتزم بتعاليم الإسلام وعمل لإسلامه، وافتخر بإسلامه، وأعلى إسلامه في كل مكان هو الذي سيقول: ديني الإسلام.
إذاً: من هو الذي يقدر على الإجابة عن هذه الأسئلة الثلاثة؟ لاشك أنه المؤمن الذي صدق في إيمانه في الدنيا، أما المنافق والكاذب والمضيع للفروض والمضيع للسنة فلن يستطيع أن يجيب عن الأسئلة أبداً؛ لقول الله : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧].
стр. 295
حديث قبض الروح
نرجع إلى حديث النبي ﷺ الذي شمل كل هذه المعاني، وهو حديث رواه البراء بن عازب وخرجه الطبراني والترمذي وغيرهما: (أن النبي ﷺ كان مع الأنصار في جنازة -شخص مات، وذهبوا ليدفنوه- فجلس النبي ﷺ على شفير القبر -يعني: على حافة القبر- وكان مع النبي ﵊ عود وأخذ النبي ﷺ ينكت الأرض بهذا العود -يعني: يضرب بالعصا- وبكى ﷺ ، ثم قال لإخوانه بعدما نظر إليهم: يا إخواني! لمثل هذا فأعدوا -أي: لمثل القبر- لمثل هذا فأعدوا، لمثل هذا فأعدوا، ثم قال ﵊: إن العبد إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال على الآخرة) أي: العبد الصالح المؤمن التقي النقي إذا مات أو كان على فراش الموت، وبدأت علاقته وصلته تنقطع مع الحياة الدنيا، وتتصل بالآخرة، (تأتيه ملائكة، وبيدهم حنوط من الجنة) هذا للمؤمن، والحنوط: طيب من الجنة (ويجلسون عند رأسه) يهيئونه، كي يأتي الدكتور الكبير الذي سوف يجري العملية الجراحية، وهو ملك الموت، هناك أطباء يهيئون المريض، الذي هو الميت، وهم الملائكة.
стр. 296
حال المؤمن عند قبض روحه
إن المؤمن الذي ينام على فراش الموت يرى أموراً عظيمة، وكثيراً ما نسمع من الناس: أن فلاناً ابتسم وهو في سكرات الموت، وأن فلاناً والعياذ بالله أسود وجهه وهو في سكرات الموت! نريد أن نفهم ما هو سبب ذلك؟! عندما يكون المؤمن على فراش الموت، فإنه يرى الملائكة، ولا يراهم أحد غيره، ولذلك فإن الإنس والجن لا يرون شيئاً من ذلك، يرى ملائكة تقترب من بعيد، ويرى أنها ملائكة بيض الوجوه، طيبي الرائحة، معهم حنوط من الجنة، فيعلم أن هذه ملائكة الرحمات، فيبتسم.
أتدرون لماذا يبتسم؟ لأنه في اللحظة هذه وهو على فراش الموت يرى مكانه في الجنة.
يرى ملائكة من بعيد تقترب معهم حنوط من الجنة، رائحتهم زكية طيبة، ويجلسون عند رأسه -يحرسون المكان كله- وبعد ذلك يأتي ملك الموت، ويجلس ملك الموت عند رأس عبد الله المؤمن، حتى إذا ما انتهى الأجل المحدد من قبل الله ، ينادي ملك الموت على روح المؤمن، ويقول: (يا أيتها الروح الطيبة! اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، ورب راض عنك غير غضبان).
يقول الحبيب المحبوب ﷺ : (فتخرج روحه سهلة سلسة، كما يسيل الماء من فم السقاء) يعني: القربة، انظر عندما تملأ قربة بالماء، ثم تصب منها ماءً، كيف ترى نزول الماء؟! ستجده ينزل بسلاسة، كذلك روح المؤمن تخرج سهلة سلسة جميلة.
فلا تدعها الملائكة مع ملك الموت طرفة عين، فيأخذون الروح، ويلفونها في حنوط من حنوط الجنة، وفي طيب من طيب الجنة، وهنا تصعد الملائكة بالروح الطيبة إلى الله، فيجيء ملائكة السماء الأولى، ويقولون: يا الله! لمن تكون هذه الروح الطيبة؟! ومن صاحبها؟! فتقول الملائكة التي تشيع الروح: إنها روح فلان بن فلان، بأطيب أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا.
وتعبر الملائكة سماء بعد سماء، حتى تنتهي الملائكة بالروح إلى خالق الروح، وهنا يقول الله جل وعلا لملائكته: يا ملائكتي! اكتبوا روح عبدي في عليين، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين:١٩ - ٢١].
اكتبوه في عليين، ثم أعيدوها إلى الأرض، فمنها خلقناهم، وفيها نعيدهم، ومنها نخرجهم تارة أخرى، فتعاد إلى القبر حتى تسأل، وإذا ما دخل هذا العبد القبر استقبله القبر وتكلم معه، وقال له: مرحباً بك وأهلاً!! لقد كنا في شوق إليك، ونحن في انتظارك يا ولي الله! جميع المخلوقات تسعد بالمؤمن في الحياة وبعد الممات.
وإذا دخل القبر وجد في استقباله في القبر رجلاً، هذا كلام النبي ﵊ وهذا نص الحديث: (وجد في استقباله في القبر رجلاً شديد بياض الوجه، طيب الرائحة، فيقول له: مرحباً بك، فيقول: من أنت، فوجهك وجه لا يأتي إلا بخير؟) يقول له الميت: من أنت يا صاحب الوجه الأنور! لا يأتي وجهك هذا إلا بخير؟! من أنت؟! فيقول له: (أبشر واسعد بأسعد يوم مر عليك منذ أن ولدتك أمك، ألا تعلم من أنا؟! أنا عملك الصالح، وهذا يومك الذي كنت توعد به) أنا صلاتك، أنا قيامك بالليل، أنا قرآنك، أنا ذكرك، أنا استغفارك، أنا حجك، أنا زكاتك، أنا صدقتك، أنا بر الوالدين، أنا الإحسان لليتامى، أنا الإحسان للفقراء، أنا الإحسان للجيران، أنا عملك الصالح، وهذا يومك الذي كنت توعد به.
ثم يقول له: سيأتيك الآن ملكان من عند ربك وسيسألانك من ربك؟ ومن نبيك؟ وما دينك؟ فقل لهما: ربي الله حقاً، ومحمد نبيي صدقاً، وديني الإسلام.
فيأتي منكر ونكير ويقولان له: من ربك؟ ومن نبيك؟ وما دينك؟ فيقول: ربي الله حقاً، ومحمد نبيي صدقاً، وديني الإسلام، فينادي منادٍ من قبل الواحد الديان، ويقول: إن صدق عبدي، فافتحوا له باباً إلى الجنة، وافرشوه فراشاً من الجنة، ووسعوا له في قبره، فيفسح له في قبره مد البصر، (القبر إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النيران).
وعندما يرى العبد هذا النعيم، ينادي على الله وهو في القبر، ويقول: يا رب! فيقول له: لبيك يا عبدي.
فيقول: رب أقم الساعة رب أقم الساعة، فيقال له: ولم؟ فيقول: حتى أري أهلي منزلتي عندك في الجنة.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 297
أكل مال اليتيم
تكلم الشيخ حفظه الله عن عظيمة من العظائم، وكبيرة من الكبائر وهي: أكل مال اليتيم، ثم حدد تعريف اليتيم وبيّن منزلة اليتيم في القرآن والسنة، كما تطرق إلى عاقبة من يأكل مال اليتيم ظلماً وعدواناً، وما هو الجزاء والعقاب الذي ينتظره، ثم أوضح الشيخ أمراً ربما يستغرب منه البعض، وهو أن الطفل قد يعاني من مرارة اليتم رغم وجود والديه، كما عرج الشيخ إلى أمر في غاية الأهمية، وهو كيف يؤمن الوالد مستقبل ولده بعد موته.
стр. 298
أولاً: من هو اليتيم ؟
نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل مني وإياكم صالح الأعمال، وأن يجمعني وإياكم في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد الدعاة وإمام النبيين في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك ومولاه وهو على كل شيء قدير.
أحبتي في الله! هذا هو لقاؤنا السادس مع السبع الموبقات التي حذر منها النبي ﷺ في حديثه الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة أنه ﵌ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات.
قالوا: يا رسول الله! وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات).
ونحن اليوم على موعدٍ مع الكبيرة الخامسة في هذا الحديث، ألا وهي قوله ﷺ : (وأكل مال اليتيم) ويا لها والله من كبيرة! قد وقع فيها معظم أولياء اليتامى نسأل الله السلامة والعافية.
ونظراًَ لخطورة هذا الموضوع وطوله أيها الخيار الكرام، فسوف ينتظم حديثي معكم في العناصر التالية: أولاً: من هو اليتيم؟ ثانياً: مكانة اليتيم في القرآن والسنة.
ثالثاً: عاقبة آكل مال اليتيم.
رابعاً: يتم رغم وجود الوالدين! وأخيراً: كيف تؤمِّن مستقبل ولدك بعد موتك؟ فأعيروني القلوب والأسماع -أيها الأحبة الكرام- فإن هذا الموضوع من الأهمية والخطورة بمكان.
أولاً: من هو اليتيم؟ قال ابن منظور في لسان العرب: اليتيم في الناس من فقد أباه، واليتيم في الحيوانات والطيور من فقد أمه، قلت: وهذه لطيفة لغوية دقيقة لها مغزى قل من ينتبه إليها، قال ابن منظور: وأصل اليتم في اللغة هو الغفلة، وبه سمي اليتيم يتيماً، أي: لأنه يتغافل عن بره بعد موت أبيه، وقال: وأصل اليتم في اللغة أيضاً هو: الانفراد، يقال: درة يتيمة، أي فريدة، ويقال: بيت يتيم، أي: بيت منفرد أو وحيد.
стр. 299
ثانياً: مكانة اليتيم في القرآن والسنة
لقد أولى القرآن الكريم عناية فائقة بأمر اليتيم وشأن اليتيم، اهتم القرآن بتربية اليتيم وبأمره من الناحية النفسية ومن الناحية المادية على السواء مراعاة لظروف اليتيم النفسية بعد فقد أبيه، فقد يحس بشيء من الذل أو القهر أو الانكسار، وراعى القرآن هذه الحالة النفسية مراعاة دقيقة؛ لأن الذي يشرع هو الذي خلق ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤].
стр. 300
مكانة اليتيم في القرآن
ستعجبون -أيها الأحباب الكرام- إذا علمتم أن اهتمام القرآن بأمر اليتيم كان منذ الفترة الأولى لتنزل الوحي على قلب الحبيب المصطفى الذي نشأ يتيماً، فكان يتمه تشريفاً لكل يتيم.
منذ الفترة الأولى اهتم القرآن بأمر اليتيم، بل امتن الله جل وعلا بذلك على حبيبه المصطفى الذي ولد يتيماً ونشأ يتيماً، فكان يتمه كما ذكرت تشريفاً وتكريماً لكل مسلم يتيم، قال الله تعالى ممتناً على حبيبه: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٦ - ٨] أي: لقد كنت يتيماً يا محمد -بأبي هو وأمي ﷺ فآواك الله وأيدك وأحاطك بعنايته ورعايته وحفظه وفضله، وكنت فقيراً فأغنى الله نفسك بالقناعة والرضا، ثم أفاض عليك بعد ذلك بالمال الوفير الحلال الطيب، وكنت شارداً تائهاً تبحث عن الحق في شعاب مكة وربوعها، في بيئة جاحدة، وبين نفوس شاردة، وفي هاجرة قاتلة محرقة، فهداك الله جل وعلا للحق، وطمأن قلبك، وشرح صدرك، ورفع ذكرك، ووضع وزرك، ومنَّ الله جل وعلا عليك بكل هذه الأفضال والنعم، ومن ثمَّ جاء هذا التوجيه الرباني الكريم: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:٩ - ١١].
بل تعجبون إذا علمتم أن الله جل وعلا قد أمر بالإحسان إلى اليتيم، ولم يكن هذا الأمر خاصاً بأمة الحبيب فحسب، بل لقد أمر الله بذلك الأمم من قبل أمة النبي ﷺ ، بل لقد أخذ الله هذا الأمر ميثاقاً جامعاً من بين المواثيق الجامعة التي أخذها على بني إسرائيل، فقال جل وتعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [البقرة:٨٣].
ومن هذا المنطلق الكريم بالاهتمام بأمر اليتيم، أمر الله جل وعلا ولي اليتيم والوصي على ماله بالمحافظة على هذا المال محافظة تامةً كاملة.
وأمر الله ولي اليتيم بعدم تبديد أمواله، أو تبديلها بالخبيث من الأموال، أو المتاجرة بها فيما حرم الله جل وعلا، وأمر الله جل وعلا ولي اليتيم أيضاً بألا يسرف بالإنفاق من أموال اليتامى، وبألا يسرع في تبديدها قبل أن يكبر أصحابها اليتامى ليأخذوا حقهم.
وأمر الله ولي اليتيم أيضاً بأنه إذا ما أحس النضج والرشد عند هؤلاء اليتامى، ورأى أنهم أصبحوا قادرين على تصريف شئونهم، وتدبير أحوالهم، والمحافظة على أموالهم، أمره الله أن يسارع برد لهذه الأموال كاملة وافرة غير منقوصة.
وإن كان هذا الولي غنياً فليستعفف عن الأكل من أموال اليتامى، وإن كان فقيراً فله أن يأكل من هذه الأموال مع اليتامى بالمعروف من غير سرفٍ ولا تبذير، وفي أضيق نطاق، وأقل الحدود.
ثم أمر الله وصي اليتيم بعد ذلك إذا ما كبر اليتامى أن يدفع إليهم أموالهم، وأن يُشهد على ذلك تبرئة للذمة، ودرأً للشبهة.
وإليكم هذه الآيات الكريمة التي تؤكد هذه المعاني التي ذكرتها آنفاً، يقول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٤].
وقال الله في سورة النساء: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٢] أمر للوجوب؛ إذ لم تأت قرينة تصرف هذه الأوامر من الوجوب إلى الندب ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً﴾ [النساء:٢] أي: إثماً وذنباً عظيماً، وقال في سورة النساء أيضاً: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾ [النساء:٦] قالت الشافعية والمالكية: إن الأمر بالإشهاد للوجوب أيضاً إلا أن الحنفية قالوا: إنه للندب وليس للوجوب، ولكن ظاهر الآيات يدل على أن الأمر بالإشهاد عند دفع المال للوجوب كذلك ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾ [النساء:٦].
ويا لها والله من خاتمة جليلة تفزع القلوب الحية! ألا وهي قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾ [النساء:٦] فهو الحسيب والرقيب والشهيد على أحوالكم وأقوالكم وأعمالكم، هو الذي يعلم منكم السر وأخفى، وهو الذي سيحاسبكم على ما قدمتم وما أخرتم في يوم لا ينفع فيه لا مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧].
وتأتي هذه الآية الجليلة -أيها الأحباب- التي تقرن أمر الإحسان إلى اليتيم بأمر عبادة الله وحده لا شريك له، ويا لها من مكانةٍ عظيمة لليتامى! قال الله جل وعلا: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [النساء:٣٦] إنه تكريم وتشريف أن يقرن الأمر بالإحسان إلى اليتامى بالأمر بعبادة الله جل وعلا وحده لا شريك له.
ومع أن كل هذه الآيات تشمل أمر اليتيم واليتيمة -أي: الذكر والأنثى- إلا أن ربنا جل وتعالى قد خص اليتيمة بآيتين للتأكيد على حقها، ولزيادة التوضيح والبيان؛ فقال ربنا جل وعلا في سورة النساء: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣] وقال : ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء:١٢٧].
ورد في صحيح مسلم أن عروة بن الزبير سأل خالته عائشة ﵂ عن الآية الأولى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء:٣] قالت: [يا بن أخي: هي اليتيمة في حجر وليها، فيرغب وليها في جمالها ومالها، ويريد أن ينتقص صداقها، فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا إليهن في صداقهن، وأُمروا بنكاح سواهن مثنى وثلاث ورباع] أي: أن الله جل وعلا يأمر ولي اليتيمة إن رغب في الزواج منها فقد أوجب الله عليه أن يكمل لها الصداق، وأن لا ينتقص حقاً من حقوقها، قال عروة: [قالت عائشة: إلا أن الناس قد استفتوا رسول الله بعد ذلك فأنزل الله جل وعلا: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء:١٢٧]] هذه هي مكانة اليتيم واليتيمة -أيها الأحبة- في القرآن، والآيات كثيرة جداً لا أستطيع أن أقف معها كلها، وأكتفي بهذا القدر لأعرج على مكانة اليتيم في سنة رسول الله ﷺ .
стр. 301
مكانة اليتيم في السنة
لقد كرم النبي ﷺ الذي نشأ يتيماً اليتامى على الأرض من المسلمين تكريماً عجيباً، ووالله لو لم يأت في السنة إلا هذا الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة لكفى، وفيه أنه ﷺ قال: (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين) أسمعت يا عبد الله؟ يقول حبيبك رسول الله ﷺ : (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين، وأشار النبي بالسبابة والوسطى) الله أكبر! أي فضلٍ وأي شرف، ولفظ رواية مسلم: قال ﷺ : (كافل اليتيم له أو لغيره -أي إذا كان اليتيم من قرابته أو كان اليتيم أجنبياً عنه لا يعرفه- معي في الجنة كهاتين، وأشار بالسبابة والوسطى) أي فضل وأي شرف لمن يكفل اليتيم أن يكون مرافقاً في الجنة للنبي ﷺ .
نقل الحافظ ابن حجر في الفتح مقولة عن ابن بطال إذ يقول: حق على كل من سمع بهذا الحديث أن يعمل به ليكون رفيق النبي ﷺ في الجنة فهي أفضل منزلة في الآخرة.
من منا لا يريد أن يرافق الحبيب في الجنة؟ بل لقد ورد في الحديث الذي رواه أبو يعلى وقال الحافظ ابن حجر في كتاب الأدب معلقاً على هذا الحديث الذي استشهد به: وإسناده لا بأس به من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (أنا أول من يفتح باب الجنة، فأرى امرأة تبادرني -أي تسرع خلفي لتدخل معي إلى الجنة- فأقول لها: مالكِ؟ من أنتِ؟ فتقول المرأة: أنا امرأة قعدت على أيتام لي) امرأة جلست تربي أيتامها بعد موت زوجها تسارع رسول الله ﷺ لتدخل معه الجنة، قال الحافظ ابن حجر: وقد يشتمل هذا الحديث على الأمرين، أي: على أمر السرعة والمنزلة معاً، تسرع لتكون مع رسول الله ولتكون في منزلة رسول الله ﷺ في الجنة، يقول لها الرسول ﷺ : (مالكِ؟ من أنتِ؟ فتقول: أنا امرأة قعدت على أيتام لي) جلست على أيتام لها لتربيهم تربية طيبة بالحلال الطيب، بعيداً عن أجواء المعصية العفنة عياذاً بالله جل وعلا.
بل وفي الحديث الذي رواه النسائي بسندٍ جيد من حديث أبي شريح خويلد بن عمرو الخزاعي أن النبي ﵌ قال: (اللهم إني أحرج -والحرج هو: الإثم الشديد والذنب العظيم- اللهم إني أحرج على حق الضعيفين اليتيم والمرأة).
وأختم بهذا الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، وفيه أن النبي ﷺ قال: (الساعي على الأرملة والمسكين -والأرملة هي التي مات زوجها وترك لها أولاده- كالمجاهد في سبيل الله، وكالذي يصوم النهار ويقوم الليل).
أسمعت يا عبد الله إلى هذا الفيض وإلى هذه النعم؟! (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، وكالذي يصوم النهار ويقوم الليل) أي فضلٍ هذا؟! والله الذي لا إله غيره إن من تخلى عن هذا الفضل لمحروم في الدنيا والآخرة.
الساعي على من مات عنها زوجها وترك لها أفراخها الصغار أجره عند العزيز الغفار كأجر المجاهد في سبيل الله الذي حمل نفسه وروحه على أسنة السيوف والرماح وطلب الشهادة من الله جل وعلا، أو كالذي يتعب نفسه ويصوم النهار ويقوم الليل لله العزيز الغفار جل وعلا.
стр. 302
ثالثاً: عاقبة آكل مال اليتيم
إذا كان هذا هو قدر اليتيم عند الله وعند رسول الله ﷺ ، فقد جاء القرآن يحذر وينذر بصورة تحذير رهيب وإنذار شديد لمن يتطاول ويتجرأ على أكل مال اليتامى ظلماً بغير حق، فلقد قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء:١٠] الله أكبر! أي رعبٍ هذا؟! أي إنذار شديد هذا؟! والله إنه إنذار يخلع القلوب الحية، وينذر من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً﴾ [النساء:١٠] فكم من أموالٍ لليتامى قد أكلت ظلماً، بل ومن الذي سلم إلا من سلمه الله جل وعلا، ووالله إن شربة ماء من أموال اليتامى بغير حق إنما هي نار تغلي في البطون، وإن لقمة خبز من أموال اليتامى بغير حق إنما هي نار تتأجج في البطون ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء:١٠].
ولما نزلت هذه الآيات نزلت على قلوبٍ حية، نزلت على قلوبٍ تستمع إلى القرآن لتنطلق على الفور لتحول القرآن إلى وقع وإلى منهج حياة، كان حالهم عجيباً وعجباً، ليس كحالنا اليوم، فإننا نستمع إلى أوامر الله أمراً أمراً، وإلى نواهي الله نهياً نهياً، وإلى حدود الله حداً حداً، ولا يستجيب إلا من رحم ربك، وينطلق البعض أو الأكثرون وكأنهم لم يسمعوا شيئاً، كأن الله لم يأمر، وكأن الله لم ينهَ، وكأن الله لم يحد حداً، واجب على الناس أن لا يتعدوا حدود الله جل وعلا، لما نزلت هذه الآيات في مجتمع الصحابة الذي رباه من رباه الله ليربي به الدنيا ﷺ ، لما نزلت هذه الآيات فزع الصحابة فزعاً شديداً، وتزلزلت قلوبهم زلزلة عظيمة، وذهب كل صحابي في بيته يتيم ففصل ماله عن مال اليتيم كله، وشرابه عن شراب اليتيم كله، حتى أن الأكل كان يوضع بين يدي اليتيم -كما قال ابن عباس - فيأكل اليتيم فإذا ما تبقى شيء من الطعام لا تمتد إليه الأيدي مطلقاً حتى يفضل هذا الطعام، فإن أكله اليتيم مرة ثانية وإلا خرب وفسد، وشق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، فاشتكوا لرسول الله ﷺ ، ولكن الله جل وعلا الذي لا يغيب ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، الذي يربيهم بمنهجه وقرآنه أنزل قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لاعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٠] وقد ظن بعض المفسرين أن هذه الآية الأولى منسوخة بآية البقرة وهذا وهم وخطأ، فإن آية البقرة آية محكمة لم تنسخ ولكن هذا من باب التخفيف عن هؤلاء الخيار الكرام الذين وقعوا في مثل هذا الحرج الشديد.
﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة:٢٢٠] يعلم من الذي يفسد أموال اليتامى، ويعلم من الذي يريد أن يصلح أموالهم وأن ينميها ويربيها لهم ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لاعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٠] وهكذا -أيها الأحبة- يأتي هذا الوعيد الشديد من الله ﵎ لآكل مال اليتيم.
стр. 303
رابعاً: يتمٌ رغم وجود الوالدين !!!
أما العنصر الرابع فهو عنصرٌ قد يراه بعض الإخوة غريباً ألا وهو: يتمٌ رغم وجود الوالدين! كيف يكون ذلك؟ ألم أقل في أول الخطبة بأن ابن منظور قال في لسان العرب: بأن اليتم في اللغة أصله الانفراد، فإذا عاش الطفل منفرداً فريداً وحيداً أحس باليتم وبالغربة؛ فهو بين والد قد انشغل بتجارته وأمواله ولم يعط لولده قليلاً من الوقت، وبين أم قد انشغلت عن ولدها بالعمل تارة، أو بالضرب في الأسواق تارة أخرى، أو بالجري وراء أحدث الموضات مرة ثالثة، وتركت ولدها ووليدها ونعمة ربها التي يريدها كثير من النساء غيرها، تركت هذه النعمة في أحضان المربية، أو في أحضان الخادمة، أو في أحضان المدارس، ووالله قد يُترك هذا الطفل بين أحضان مدارس أهل الكفر، هذه المدارس التي تركز على الظاهر لإبهار الكثير من المسلمين بتعليم اللغات، وأشهد الله على منبر رسول الله لقد دخل عليَّ أحد الإخوة الكرام وهو يبكي فقال لي: أدركني وقل لي ما الحل؟ قلت: ما الذي جرى ما الذي حدث؟ قال: دخلت زوجتي على ولدي في غرفته الخاصة، فوجدت الولد يصلي كصلاة النصارى ويقول: بسم الأب والابن والروح القدس وهو مسلم، قلت: سبحان الله! وأين رأى الولد هذه الصلاة؟ هل يدخل ولدك الكنائس؟ قال: لا.
قلت: عجيب، فما الذي جعله يصلي هكذا؟ فقال: إن ولدي في مدرسة تسمى بـ (الفرنسسكان) قلت: سبحان الله! وهل يريد من زرع الشوك أن يجني الورود، محال لمن زرع الشوك أن يجني إلا الجراح، ولدك على مائدة اللئام، وتريد أن يتربى على التوحيد والإسلام!! إنه وهم، ولدك يربى على موائد اللئام وتريد أن يعود إليك موحداً وعلى علم بتوحيده وبدين الإسلام!! هذا مستحيل! الولد جوهرة غالية، ونعمة كبيرة، ودرة صافية تقبل كل شيء ينقش عليها، فإن ربي على الإسلام وعلى الخير خرج عضواً صالحاً لنفسه ولمجتمعه وسعد في الدنيا والآخرة، وإن نقشت على هذه الدرة الشر أشربت الشر، وقبلت الشر وخرج عضواً فاسداً في مجتمعه، وشقي في الدنيا والآخرة والوزر والذنب على رأس والديه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].
فقد ينشأ الطفل بين والديه إلا أنه يحس باليتم، وبالوحشة، وبالغربة، لا يجد أباً يجلس إليه، ولا يجد أماً تأخذه في أحضانها لترضعه حنانها ورحمتها، كلا.
ورحم الله من قال:
ليس اليتيم من انتهى أبواه من هم الحياة وخلفاه ذليلا
إن اليتيم هو الذي ترى له أماً تخلت أو أباً مشغولا
стр. 304
خامساً: كيف تؤمِّن مستقبل ولدك بعد موتك ؟
وأخيراً: أيها الأحبة! يبقى لنا هذا العنصر الأخير في هيئة سؤال ألا وهو: كيف تؤمِّن مستقبل ولدك بعد موتك؟
و
الجواب
مباشرة من الله جل وعلا: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ [النساء:٩] جوابٌ محكمٌ من الذي خلق، ويعلم ما خلق ومن خلق ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ [النساء:٩] يقول سيد التابعين لولده: [إني سأكثر من الطاعات براً بك] براً بولده ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ [الكهف:٨٠] وفي الآية الأخرى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً﴾ [الكهف:٨٢] طاعة الوالد، وتقوى الوالد لا تضيع أبداً لا في حياته ولا بعد مماته، كيف لا وقد دخل مسلمة بن عبد الملك ابن عم عمر بن عبد العزيز عليه وهو على فراش الموت، فقال له: [يا أمير المؤمنين! ألا توصي لأولادك بشيء؟ فهم كثير وقد أفقرتهم ولم تترك لهم شيئاً] فقال عمر بن عبد العزيز: [أتريد مني أن أوصي لهم بما ليس لي، وهل أملك شيئاً لأوصي لهم به؟ أم تريد أن أوصي لهم بحقٍ لغيرهم، فوالله لا أفعل، فإنهم أحد رجلين: إما أن يكونوا صالحين والله يتولى الصالحين، وإما أن يكونوا غير صالحين فوالله لا أترك لهم ما يستعينون به على معصية الله ، أدخلوا أولادي عليَّ! فأدخلوا أولاده عليه كالفراخ الصغيرة، وهو على فراش الموت، فودعهم عمر بهذه الكلمات التي تذيب الحجارة، وتفتت الصخور، نظر عمر إلى أولاده وقال: يا بني! إن أباكم قد خير بين أمرين: بين أن تستغنوا ويدخل النار، وبين أن تفتقروا ويدخل الجنة، وقد اختار أبوكم الجنة، انصرفوا فأنتم وديعة عند الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين].
﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ [النساء:٩] وأحب ألا يفهم كلامي فهماً خاطئاً، ويقال: بأن الشيخ يدعو إلى الدروشة، ويريد أن ينقطع الآباء إلى العبادة وينشغلوا عن الدخول في الأسباب لتوفير المال الحلال الطيب لورثتهم، كلا.
فإن الأمر بالتقوى لا يعارض ألبتة الدخول في الأسباب، فإن الدخول في الأسباب كما قال الشاطبي في الموافقات: أمر واجب شرعاً.
يجب علي وعليك أن ندخل في الأسباب، فلا مانع أن تدبر المال الحلال الطيب لولدك، ولا مانع من أن تسعى ومن أن تكدح، شريطة أن لا تضيع حق الله أو حق ولد من أولادك، فإن كثيراً من الناس قد يظن أن الكدح والسعي على الأولاد لا حرج فيه أن يضيع الصلوات، وإذا ما قلت له يرد عليك ويقول: أليس العمل عبادة؟ أنا في عبادة، فلماذا أترك هذه العبادة لآتي للصلاة، فنقول لمن هذا حاله: لا حرج أن تسعى على رزقك من الحلال لتيسر لأولادك السعة والرخاء في الدنيا وبعد موتك، شريطة ألا يشغلك هذا الكدح عن حق الله جل وعلا أو عن حقوق أولادك، فإننا نرى كثيراً ونقرأ كثيراً عن آباء قد تركوا أولادهم وانصرفوا عنهم، واهتموا بأن يدبروا لهم الطعام والشراب فقط، وظنوا أن الأمر متوقف عند المال، وعند الطعام والشراب، ثم عاد هذا الرجل وهذا الوالد المسكين بعد فترة ليرى ولده -عياذاً بالله وحفظنا الله وإياكم- مدمناً للمخدرات، أو مدمناً للهروين، أو شارباً للخمر، أو زانياً أو مسك في بيت من بيوت الدعارة؛ لأن الوالد المسكين قد ظن أن كل ما عليه تجاه ولده أن يدبر له الطعام والشراب فقط.
وهذا خطأ كبير أحذر نفسي وأحبابي منه، فإن الولد في حاجة إلى أبيه، لا إلى مال أبيه فقط، فإن وفرت له المال ويسرت له السعة والرخاء مع كل ما تملك من فكر ورحمة، وعطاء وحنان وبذل ونصح وإرشاد، وتربية على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فهو الخير بل هو قمة الخير، بل وجزاك الله عن ذلك كل الخير، والأصل في ذلك حديث مسلم (أن الرسول ﷺ دخل على سعد بن أبي وقاص وهو مريض فقال سعد: يا رسول الله! هل أتصدق بنصف مالي؟ قال الرسول: لا، ثم قال: بالثلث والثلث كثير، وقال ﵊: إنك إن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالة يتكففون الناس) أي: يسألون الناس.
أسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلني وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم حصن فروجنا، وطهر أموالنا، وارزقنا الإخلاص والصدق في أقوالنا وأعمالنا أنت ولي ذلك ومولاه.
اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، واعل بفضلك كلمتي الحق والدين، اللهم اقبلنا وتقبل منا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا ثبته، ولا حاجة لك فيها رضى ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين.
أحبتي في الله! أكثروا من الصلاة والسلام على حبيبنا رسول الله كما أمرنا بذلك ربنا جل وعلا فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على حبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
هذا وما كان من توفيقٍ فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهوٍ أو زللٍ أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه، وأقم الصلاة.
стр. 305
المستقبل لهذا الدين
تعيش الأمة في حاضرها الكثير من المآسي والنكبات؛ فقد رزحت تحت ظلام الفجور والفسوق والعصيان والذل والهوان، وذلك بسبب مخالفتها لمنهج ربها ، لكن مع ذلك تلوح في الأفق القريب بشارات النصر والعزة لهذا الدين وأهله وعلو رايته من جديد، تزرع التفاؤل وتنزع القنوط واليأس، بشارات حقة ذكرت في الكتاب والسنة أبان عنها شيخنا الفاضل في خطبته، مذيلاً ذلك بذكر أسباب النصر التي كتبها الله على أهل نصرته.
стр. 306
واقع الأمة بين ماضيها وحاضرها
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أحبتي في الله! لقد تحدثنا في اللقاء الماضي عن واقع الأمة المسلمة في واقعنا المعاصر وعن حالها في واقعنا الحاضر، وبينا أن الأمة التي ذكرها الله جل وعلا في القرآن تختلف كثيراً عن أمة القرآن التي نراها في مثل هذه الأيام، وقلنا: إن الأمة التي ذكرها الله جل وعلا في القرآن وصفها الله بالخيرية، وعلل الله خيريتها؛ بأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله جل وعلا، ولكن أمة القرآن الآن ضيعت هذا المنهج الرباني، فضاعت بين الأمم، وسقطت من القمة السامقة إلى قمة الحضيض.
وقلنا: إن الله جل وعلا قد وصف الأمة في القرآن بالوسطية والاعتدال، ولكن الأمة في الواقع المعاصر تركت هذا المنهج الوسط، وأبت إلا أن تسلك طريق المغضوب عليهم والضالين من اليهود والنصارى، جنحت الأمة لليمين مرة ولليسار مرة، وللشرق مرة، وللغرب مرة، وتركت طريق الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ولما فعلت الأمة ذلك أذلها الله لمن كتب الله عليهم الذلة والهوان، ولا يوجد على الإطلاق أذل ممن أذله الله للأذل.
وقلنا: إن الله وصف الأمة في القرآن بالوحدة ودعاها إلى ذلك، ولكن الأمة قد أبت إلا أن تمزق شملها وتشتت صفها، وينفرط عقدها ولا حول ولا قوة إلا بالله، ويوم أن وصلت الأمة إلى هذا الحال من التشتت والتمزق والتفرق والضياع، طمع فيها الضعيف قبل القوي، والذليل قبل العزيز، والفقير قبل الغني ولا حول ولا وقوة إلا بالله العلي العظيم.
وقلنا: إنه مما يزيد اليأس والقنوط عند كثيرٍ من المسلمين أنه حتى لو نظر إلى أمة القرآن من مضمون الركب المادي الحضاري -كما يقولون- لوجد أمة القرآن تأتي خلف الركب إن لم تكن وراء الراكب البعيد، فطاقات أمة القرآن معطلة، عُطلت طاقاتنا العقلية، وعُطلت طاقاتنا العددية، وعُطلت طاقاتنا العلمية، وعُطلت طاقاتنا العملية، وعُطلت طاقاتنا الثقافية، فأثقل شيءٍ عندنا هو العمل، وأحب شيء إلينا هو الكسل، وأقل الثروات قيمة عند الأمة هو الإنسان.
وقلنا: إنه مما يزيد اليأس والقنوط عند كثيرٍ من المسلمين أنه في الوقت الذي يرى فيه أمة القرآن على هذا الحال من التمزق والتشتت، والخزي والضياع، يرى أمماً أخرى قد وصلت إلى أرقى درجات التقدم المادي، بصورة لا يكاد يصدقها عقل، ومما يزيد اليأس أيضاً عند كثيرٍ من المسلمين أنه يرى جميع الأمم على اختلاف مشاربها، وعلى اختلاف أيدولوجياتها، وعلى اختلاف نظرياتها، لا تتفق على شيءٍ قدر اتفاقها على الكيد للإسلام والمسلمين، ولكن بالرغم من كل ذلك ومن أكثر من ذلك فإننا على يقين كما أننا على يقين أن الشمس تشرق في كبد السماء، لتنير أرجاء المعمورة، إننا على يقين -وينبغي أن تكونوا على يقين أيها المسلمون في كل مكان- إننا على يقين جازم على الرغم من كل هذه الحروب بأن المستقبل لهذا الدين رغم كيد الكائدين.
стр. 307
بشارات النصر لدين الإسلام
إن المستقبل لهذا الدين بإذن الله جل وعلا؛ لأنني أرى في هذه الأيام بالذات، وتحت رحى هذه الفتنة الطاحنة، أرى كثيراً من القلوب قد اجتاحتها موجة عارمة من القنوط واليأس على أنه لا يمكن أبداً أن يكون هناك عودة للمسلمين، وأن يكون هناك نصرة لدين الله ، ولكن أبشروا أيها المسلمون، واعلموا علم اليقين بأن النصر لدين محمد ﷺ ، وبأن المستقبل لهذا الدين رغم كيد الكائدين.
وتعالوا معي لأزف إليكم هذه البشائر التي تبشر بنصر دين الله جل وعلا، على الرغم من كل هذه المحاولات التي تدبر وتخطط في الليل والنهار، من الكيد للإسلام والمسلمين أقول: بالرغم من ذلك أبشروا بنصرة الله، أبشروا بوعد الله، ووعد الله قائم، ووعد الله صدق، ووعد الله حق، ووعد الله لا يُخلف أبداً: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران:٩].
стр. 308
وعد الله بنصرة دينه وغلبته وإظهاره على الدين كله
البشارة الأولى من هذه البشارات: هي وعد الله جل وعلا بنصرة دينه وغلبته وإظهاره على الدين كله، استمع إلى الله جل وعلا وهو يقول في سورة الصف : ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف:٨ - ٩] يا لها من بشارة عظيمة ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [الصف:٨]، وهل يضر السماء نبح الكلاب؟!! سقطت ذبابة حقيرة على نخلة عملاقة، فكادت الذبابة أن تطير، فقالت لهذه النخلة العملاقة: تماسكي أيتها النخلة فإني راحلة عنك، فقالت لها النخلة العملاقة: انصرفي أيتها الذبابة الحقيرة، وهل أحسست بك حينما سقطت عليَّ لأستعد لك وأنت راحلة عني؟!! ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف:٨] لا تطفئ نور الله جعل وعلا جميع الأفواه ولو اجتمعت ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف:٨].
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف:٩] ويا لها من شهادة، الله يشهد لدين محمد بأنه الهدى ودين الحق، ويا لها من شهادة، وهي كلمة الفصل التي ليس بعدها زيادة: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الصف:٩] وقد تحقق وعد الله، لا تظنوا أن هذا كلاماً لم يتحقق، تحقق وعد الله مرة في حياة حبيبه ورسوله ﷺ ، أتم الله لهم النعمة، وأكمل الله عليهم الدين، وأظهر الله دينه على كل الأديان، فالدين الإسلامي في ذاته كبير لا يقف أمامه أي دين، وفي واقعه أظهره الله جل وعلا في حياة رسوله وعلى يد الرعيل الأول الذي حمل راية الإسلام خفاقة عالية، وهم يحملون أرواحهم على أسنة السيوف والرماح، ويحرصون على الموت كحرصهم على الحياة، فدانت لهم معظم المعمورة على مدى قرن من الزمان أو يزيد أظهر الله دينه.
ولقد أظهر الله دينه مرة، ووعد الله جل وعلا قائم إن قام المسلمون بمنهج الله جل وعلا، وعد الله مذكور لكل فئة من أهل الإيمان، ترفع راية الإسلام خفاقة عالية، وتطلب النصرة من الله جل وعلا، وعد الله قائم لا يتبدل ولا يتخلف ولا يتغير ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف:٩].
стр. 309
الخسار والبوار لأموال الكفار الصادة عن سبيل الله
إليكم البشارة الثانية في سورة الأنفال، وهذه البشارة بالذات لها وقع عجيب على قلوب أهل الإيمان، ولها وقع لذيذ على قلوب أهل الثقة بالله جل وعلا، واستمعوا إلى هذه البشارة الطيبة أيها المسلمون، وأبشروا بها في كل مكان على ظهر هذه الأرض، يقول الله جل علا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦].
يا لها من بشارة! ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ [الأنفال:٣٦] لماذا؟ ﴿لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٣٦] فدعهم ينفقون الأموال والمليارات والدولارات: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال:٣٦].
يا لها من بشارة عظيمة! ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال:٣٦] إن أعداء هذا الدين لا يتورعون في الليل والنهار على أن يبذلوا كل ما يملكون من محاولات لتنحية هذا الإسلام، فهم على يقين مطلق -يا عباد الله- أن هذا الإسلام هو المارد العملاق، الذي إن هب من مرقده أباد مدنية الشرق الملحدة، وحضارة الغرب الكافرة، هم يقولون ذلك في كتبهم، ويسجلون ذلك، هم الذين قالوا: لا يمكن أبداً أن ننتصر على هذا الإسلام بقوة عدد، أو بقوة عتاد، لا يمكن على الإطلاق أن ننتصر بعد اليوم على المسلمين بقوة السلاح، وبقوة العتاد؛ لأن الاستعمار بالسلاح، والاستعمار بالأبدان والجنود يثير الحماس في قلوب المسلمين، ويثير الحمية في قلوبهم فيثورون على المستعمر، لذا فاطمئنوا جيداً أنه لا يمكن على الإطلاق أن تكون في واقعنا المعاصر صورة من صور الاستعمار المادي، أن تأتي قوة أو دولة وتستعمر دولة أخرى، هذا لا يمكن على الإطلاق، ولكن هناك صور أخرى من الاستعمار أقسى وأمر كأس خمر وغانية يفعلان في تحطيم الأمة المسلمة ما لا يمكن أن يفعله ألف مدفع، وقد فعلوا ذلك تماماً وأكملوا المؤامرة والمخطط، هذا هو تدبيرهم لا يتورعون أبداً من إنفاق ما يملكون من الأموال للصد عن سبيل الله، ولتنحية هذا الإسلام العظيم.
انتبهوا معي أيها المسلمون فكم أُنفق من أموال على تنصير المسلمين، وكم أُنفق من أموال على تدعيم الاقتصاد الربوي اليهودي الكافر، حتى لا تقوم للاقتصاد الإسلامي قائمة، كم أنفق من أموال على أندية الوتاري في جميع أنحاء العالم الإسلامي وغيره، كم أنفق من أموال على أندية الماسونية في جميع أنحاء العالم، كم أنفق من أموال على حرب دامت سنوات طويلة للقضاء على الموحدين الأفغان وعلى المسلمين الأفغان، كم أنفق من أموال لإشاعة الرذيلة وتحطيم الأخلاق بين صفوف المسلمين عن طريق الأفلام الداعرة، والمسلسلات الفاجرة، كم أنفق من أموال؟! ولكن ما الذي حدث؟ إن هذه الأموال التي أُنفقت بالمقارنة إلى ما وصلوا إليه من نتائج أمر يزلزل قلوب أهل الكفر ويشرح صدور أهل الإيمان، لقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال:٣٦] وتتم حسرتهم الكبرى يوم يحشرون إلى جهنم ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦] يالها والله من بشارة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال:٣٦] لا بد من غلبة الحق، ولا بد من أن يظهره الله جل وعلا، ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة:٣٣].
قالها أحدهم: إن الإسلام سيكون دين أوروبا في القريب أو البعيد، وسوف نرى في خطبة اليوم أن هناك صرخات مدوية، وصرخات وصرخات مرعبة، لا أقول من أبناء المسلمين، وإنما أقول من أبناء الشرق والغرب، هذه الصرخات تنذر بسوء مصير البشرية.
إن أمام هذه الحضارة المادية التي ما تركت شيئاً إلا واخترعته لإبادة هذا الإنسان صرخات تنذر بسوء مصير البشر على ظهر المعمورة، وها نحن نسمع في كل يوم، ما نشرة إلا ونسمع، وما من جريدة إلا ونقرأ مصير مرعب للبشر في كل أنحاء الأرض لما اخترعته هذه الحضارة المادية المرعبة، ومن قرأ كتب هؤلاء العلماء أو المفكرين والأدباء من الشرق والغرب فزع والله، صرخات مرعبة ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦].
стр. 310
استخلاف الله للمؤمنين في الأرض
أما البشارة الثالثة يا عباد الله يا أهل التوحيد ويا أهل الإيمان والإسلام البشارة الثالثة من سورة النور، يقول الله جل وعلا: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [النور:٥٥] إيمان وعمل صالح، هذا هو الشرط، فما هو جواب هذا الشرط أيها الأحباب؟ ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ [النور:٥٥] وعد الله قائم: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [النور:٥٥] فأين أهل الإيمان، وأين أهل العمل الصالح؟ إن وجد أهل الإيمان ووجد أهل العمل الصالح فأبشروا بوعد الله جل وعلا، فما هو هذا الوعد؟ ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور:٥٥] تحقق وعد الله أم لم يتحقق؟ تحقق والله مرة في عهد الحبيب ﷺ ، وفي عهد الرعيل الأول الذين حملوا راية الإسلام خفاقة بمنتهى العزة والرفعة، حملوه وانطلقوا في ربوع الأرض بعزة أهل الإيمان، وثقة أهل الإسلام، بأيديهم اليمنى كتاب الله ودين الله جل وعلا، وبالأخرى سيف ورمح، يدعون إلى دين الله ، وليفرضوا دين الله على وجه كل من أبى، وعلى كل من وقف ليصد الناس عن الدخول في دين الله .
انطلق بعزة أهل الإيمان وقالها ربعي لـ رستم: [نحن قوم ابتعثنا الله] لماذا؟ ابتعثنا الله لبناء العمارات، وركوب أفخم السيارات، وأكل ما لذ وطاب من الطعام والشراب، وقضاء الأوقات أمام المسلسلات الفاجرة والأفلام الداعرة، وقضاء الأوقات أمام المباريات وصرخات وقتالات، وحروب على هذا الهراء؟! لا.
[نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة] يوم أن فهموا ذلك وانطلقوا بهذا الفهم دانت لهم أرجاء المعمورة، حتى وصلت حدود الدولة الإسلامية إلى أقصى المشرق والمغرب، وأُذل كسرى وأُهين قيصر، تحقق وعد الله جعل وعلا ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ﴾ [النور:٥٥] وسيظل الحال هكذا إن هم عبدوني وحدي ولم يشركوا بي شيئاً.
стр. 311
بلوغ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار
أما البشارة الرابعة: فهي من أحاديث رسول الله ﷺ ، وإلا فالآيات التي تتحدث وتبشر بنصرة دين الله كثيرة جداً ولله الحمد والمنة.
أحبتي في الله! أعيروني القلوب والأسماع، واستمعوا إلى هذا الحديث المبارك الذي يدخل الأمل والسرور والطمأنينة إلى قلب كل موحد بالله جل وعلا، الحديث رواه أحمد ورواه الإمام الطبراني وقال الطبراني: رجاله رجال الصحيح، وصححه الحاكم وقال: صحيح الإسناد على شرط الشيخين، وصححه الألباني على شرط مسلم، من حديث تميم الداري ﵁، أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ليبلغن هذا الأمر -أي الدين أو الإسلام- ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر) أسمعتم بشارة أعظم وأغلى من هذه البشارة؟! (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر -حتى بيوت الشعر والصوف- إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وذلاً يذل الله به الكفر).
ويؤيد هذا الحديث حديث خباب بن الأرت الذي رواه البخاري، أن خباباً ﵁ قال: (أتيت النبي ﷺ وهو متوسد بردة في ظل الكعبة وقد اشتد علينا إيذاء أهل قريش، أو إيذاء أهل مكة، فذهبت إليه وقلت: يا رسول الله! ألا تدعو الله لنا؟ ألا تستنصر الله لنا؟ فقعد النبي ﷺ وهو محمرٌ وجهه وقال: لقد كان من قبلكم يمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه ولحمه فلا يصرفه ذلك عن دين الله، ويؤتى الرجل فيوضع المنشار في مفرق رأسه فيشق نصفين ما يصرفه ذلك عن دين الله، والله -أو والذي نفسي بيده! - ليتمن الله هذا الأمر -أي هذا الدين- حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون) وعد الله قائم أيها المسلمون.
وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد وقال صاحب مجمع الزوائد: رجاله ثقات، وصححه الإمام العراقي صاحب تخريج الإحياء من حديث حذيفة ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً أو عضوضاً، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرياً، فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة) وعد الله قائم (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة) إن شاء الله جل وعلا.
وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (يقاتل المسلمون اليهود) لا بد وحتماً من ذلك، وعد الله قائم، لا اتفاقيات، ولا معاهدات، ولا بنود، وعد الله قائم، ولن يخلف الله وعده، ولن يخلف الله عهده: (يقاتل المسلمون اليهود فينتصرون عليهم، حتى يقول الحجر والشجر) ينطق الله الحجر والشجر، يا لها من معجزة، ويا لها من كرامة! حتى ينطق الحجر والشجر ويقول الحجر والشجر: (يا مسلم يا عبد الله! تعال إن ورائي يهودي تعال فاقتله) ينطق الحجر وينطق الشجر إلا نوعاً واحداً من الأشجار، ألا وهو شجر الغرقد، وتعجبون أن اليهود الآن يقومون بحملة رهيبة واسعة لزراعة معظم الأراضي من شجر الغرقد؛ لأنهم على يقين بقول محمد بن عبد الله ﷺ ، وأنا أعلنها صريحة والله وأقول: بأنه لا يمكن للمسلمين على الإطلاق أن ينتصروا في يوم من الأيام على اليهود بسلاح أو بعتاد؛ لأن اليهود أهل عقيدة، ولن يغلبوا إلا بالعقيدة، بعقيدة التوحيد، وعقيدة الإسلام، ينطق الله الحجر والشجر حتى يقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله! خلفي يهودي تعال فاقتله، إلا شجر الغرقد، والآن حملة رهيبة لزراعة هذا الشجر؛ لأنهم يثقون بقول محمد ﷺ ، ربما لا أكون مبالغاً إذا قلت: بأنهم يثقون بمحمد أكثر من ثقة بعض المسلمين بقول رسول الله.
يا لها من بشائر، والأحاديث في هذا الباب أيضاً كثيرة -أيها الأحباب- فهذه بشائر أخرى.
стр. 312
إفلاس جميع الأنظمة البشرية
خامساً: من بين البشائر المختلفة التي تبشر بنصرة دين الله جل وعلا: إفلاس جميع الأنظمة البشرية، وها نحن نسمع الآن الصرخات المدوية التي تعلن بسوء مصير هذه البشرية أمام هذا التقدم المادي الذي ما ترك شيئاً إلا واخترعه لإبادة هؤلاء البشر، صرخات من هنا ومن هناك، تنادي على منقذ، ولا شك أن المنقذ هو الإسلام، لماذا؟ أولاً: لأن الإسلام هو دين الفطرة، وهو دين البشرية جمعاء الذي ارتضاه الله جل وعلا لجميع البشر ديناً.
ثانياً: ما نراه من صحوة إسلامية عارمة في كل جميع أنحاء العالم الإسلامي، وما نراه من عودة صادقة من المسلمين إلى الله جل وعلا، وإلى دين الله ، وإذا أردت أن تتحقق من ذلك، فبنظرة عابرة على أي مسجد من مساجد المسلمين لترى كتائب الشباب المسلم وقد عمرت بيوت الله جل وعلا، منذ ثلاثين سنة فقط أتحدى أن يقول لي أحد الناس: إنه كان يرى هذه الجموع المؤمنة من كتائب الشباب المسلم في أي بيت من بيوت الله ، حتى ولو في بيت الله الحرام، أو في مسجد رسول الله ﷺ ، هذه بشارة تطمئن وتشرح الصدور، وهذا من فضل الله جل وعلا.
وبدأ المسلمون يعودن إلى دين الله ، ويعلمون أنهم خدعوا طيلة السنوات الماضية، ربما خدعهم أبناء المسلمين ممن فُرقوا في مدارس الاستعمار، ومدارس أعداء الدين، الذين لقبوا بأنصاف المحررين والمجددين والمطورين، وعادوا إلينا لينفثوا سموم فكرهم وعقيدتهم التي تربوا عليها في مدارس الاستعمار، لقد فَهِم المسلمون ذلك والحمد لله، وذلك بفضل الله جل وعلا، ثم بفضل العلماء المخلصين والدعاة الصادقين، فَهِم المسلمون ما يخطط لهم، وما يراد بهم، وهذا من فضل الله جل وعلا.
وبشارة ثالثة: أننا نرى والحمد لله غير المسلمين يدخلون في الإسلام على الرغم من أن الدعوة التي تبذل لدعوة هؤلاء لا تذكر، ولكنه دين الفطرة، فمعنا الفطرة -أيها الأحباب- معنا رصيد فطرة الإنسان، ومعنا رصيد فطرة الكون، ومعنا دين الحق الذي لأجله قامت السماوات والأرض، وأنزل الله لأجله الكتب، وأرسل الله لأجله الرسل، وقبل كل ذلك وبعد كل ذلك معنا الله، ويا لها من معية: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١].
стр. 313
الإسلام قادم بوعد الله أولاً وبأنصاره ثانياً
فيا عباد الله ويأيها المسلمون! الموضوع طويل جداً، ولكنني أريد أن أضع النقاط على الحروف وأقول: مهما كانت الحروب التي تُكاد للإسلام وتدبر للمسلمين فإن وعد الله قائم، وإن المستقبل لهذا الدين، رغم كيد الكائدين، والإسلام ما دخل معركة إلا وانتصر فيها بإذن الله جل وعلا وهو أعزل من السلاح بالمقارنة إلى ما يوجد عند غيره من سلاح ومن عتاد، الإسلام هو الذي قهر التتار، الإسلام هو الذي كافح الصليبين، الإسلام هو الذي كافح الاستعمار البريطاني في السودان، الإسلام هو الذي كافح الاستعمار البريطاني في مصر، الإسلام هو الذين كافح الاستعمار الفرنسي في الجزائر وهو أعزل من سلاحه، إلا من قوة الحق التي أودعها الله فيه، فمعه الحق، ومعه رصيد فطرة الإنسان، ورصيد فطرة الكون، فمن كان الله معه فمن يكون ضده، ومن يكون عليه؟ ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١].
فوعد الله جل وعلا قائم يا عباد الله، وعد الله لا يخلف ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران:٩] ولكن هل يتنزل النصر كما يتنزل المطر من السماء؟ أتظنون ذلك؟ أبداً الأمر يحتاج إلى كفاح، ويحتاج إلى جهاد، ويحتاج إلى رجال، ويحتاج إلى أطهار، ويحتاج إلى أبرار، ويحتاج إلى أهل صدق، ويحتاج إلى أهل رجولة، يحملون الإسلام من جديد، يرتفعون إلى مستوى هذا الدين الذي ما أنزله الله إلا ليقود البشرية جمعاء، نريد رجالاً يرتفعون إلى هذا المستوى العالي، إلى مستوى هذا الدين الذي ما أراده الله إلا ليقود البشرية جمعاء، النصر لا يتنزل كنزول المطر، ولكن النصر يتنزل بأسباب أودعها الله في كونه، فإن أخذنا بهذه الأسباب جاءنا نصر مسبب الأسباب جل وعلا، وإن تخلينا عن هذه الأسباب فلا نصرة لنا ولو كان قائدنا ومعنا في المعركة هو محمد ﷺ ، لو كان قائدنا في المعركة رسول الله وتخلينا عن أسباب النصر والنصرة ما جاءنا النصر من الله جل وعلا، ذلك وعد الله أيضاً وسنن الله الثابتة، وسنن الله القائمة، يوم أن تخلى أصحاب النبي ﷺ في غزوة أحد واختلت بعض أسباب النصر، كانت النتيجة كما تعلمون جميعاً، فالله جل وعلا أودع الكون أسباباً ونواميساً وقوانيناً لا بد أن نرتفع إلى مستواها، ولا بد أن نأخذ بها حتى يأتينا نصر الله جل وعلا.
стр. 314
أسباب نصر الله لهذا الدين وأهله
بعض الناس يشتكون ويقولون: نسمع كلاماً يحمس القلوب، ويزلزل الأفئدة، ولكننا نخرج وما علم كل واحد منا دوره، فما دوري أنا وأنا على ثغرة من ثغرات الإسلام؟ هذا هو المطلوب، انتبه يا عبد الله، انتبه أيها المسلم! يا من شرفك الله بالإسلام، انتبه أيها المسلم في كل مكان، اعلم علم اليقين أنك على ثغرة من ثغرات الإسلام، في متجرك، في مصنعك، في مدرستك، في جامعتك، في عملك، في مسجدك، أنت على ثغرة، لا نريد أن يتحول الناس جميعاً إلى دعاة يدعون لدين الله جل وعلا في المساجد ويتركون المزارع والمتاجر والمصانع، لا نريد ذلك، أنت جندي للإسلام في موقعك، أينما كنت فأنت جندي لدين الله جل وعلا.
وسوف أضع بعض النقاط العملية التي هي من السهولة واليسر على كل مسلم غيور على دين الله أن ينطلق من الآن ومن اليوم لنصرة دين الله جل وعلا، وعلى ألا يؤتى الإسلام من قبله، حتى لا يكون خائناً للأمانة التي أمَّنه الله عليها.
стр. 315
العودة إلى هذا الدين والكفر بقوانين البشر وأنظمتهم
أولاً: يجب على المسلمين وفوراً -وأنت واحد منهم- أن يعودوا إلى الإسلام، وأن يكفروا -وأنت واحد منهم- بجميع قوانين البشر، من ديمقراطية وعلمانية وشيوعية وبعثية إلى آخر هذه القوانين الكافرة التي نحت شرع الله ، وأعلت شرع البشر على شرع الله جل وعلا، يجب على جميع المسلمين -وأنت واحد منهم- ألا تذعن لهذا القانون على قدر ما استطعت ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦].
والله أعجب لهذه العبارة التي قالها يوماً جمال الدين الأفغاني للهنود يوم أن احتلهم الإنجليز: لو أن ملايينكم طنت في آذان الإنجليز لخرقتم آذانهم، فهل صرخ كل مسلم في وجه حاكمه الذي رفض شرع الله وحكم فيه شرع البشر، هل صرخ كل مسلم في وجهه وقال: لا، إلا لشرع الله جل وعلا.
ولكننا نسمع لا أقول المسلمين، بل العلماء يقولون: نعم للرجل الذي يحكم فينا شرع الله، أي شرع يا عباد الله؟ شرع الله جل وعلا، كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، هل صرخت أيها المسلم في وجه حاكمك بقدر ما تملك، وبقدر ما تستطيع، لو صرخ الجميع فوصل الصوت صوتاً واحداً والله لطبق فينا شرع الله جل وعلا، ولكنه الجبن، فأنت مسئول بقدر ما تملك وبقدر ما تستطيع في موقع مسئوليتك وفي موقع عملك أن تربي الناس، وأن تربي نفسك، وأن تربي أولادك، وأن تربي بيتك على أن الذي يحكمنا قانون كافر، على أن الذي يحكمنا قانون من وضع البشر، وغاب عنا قانون الله جل وعلا وشرعه، ولا يمكن أبداً أن تكون لنا عزة وريادة وسيادة وكرامة إلا إذا كفرنا بقوانين البشر، وحكمنا فينا قوانين رب البشر جل وعلا؛ لأن بعض الناس يقولون: إذا أردنا مدنية وحضارة فلا بد أن ننحي شرع الله ونعلي شرع العبيد؛ لأنه أثبت أنه أجدى من شرع العزيز الحميد.
стр. 316
إعداد الكوادر المسلمة في كل موقع ومكان
ثانياً: إعداد الكوادر المسلمة في كل مكان، وفي كل موقع، أقول: لا نريد كل المسلمين دعاة في المساجد، بل أنت من الآن في متجرك، في مصنعك، في جامعتك، في مدرستك، في كل مكان مسئول، فهيا فكر من الآن واجتهد وقل: كيف أنفع الإسلام وأخطط للإسلام وأنا في هذا الموقع؟ أضرب لحضراتكم مثالاً: الاقتصاد، رجال الاقتصاد لماذا لا يجلسون من الآن ويخططون ويدبرون ويضعون المنهج للقضاء على الاقتصاد الربوي، أو على الأقل لرفعة الاقتصاد الإسلامي، لماذا لا تفكر أيها الاقتصادي في ذلك، أيها الدكتور في الجامعة، يا من درست الاقتصاد، ويا من درست التجارة، أنت داعية إلى الله، أنت جندي من جنود الله، لماذا لا تشغل بالك، لماذا لا تنام الليل وأنت تحمل هم هذا الدين تفكر كيف أستغل دراستي لنصرة دين الله .
أيها العامل في موقعك! لماذا لا تفكر في هم الدين وتقول: كيف أبتكر وأنا واقف على آلة، كيف أطور هذه الآلة لنصرة دين الله ؟ أيها المدرس! لماذا لا تفكر: كيف أنتشل عقول هؤلاء الأطفال، أو عقول هؤلاء الطلبة من الباطل إلى الحق لنصرة دين الله ؟ إعداد الكوادر في كل مكان، وفي كل اتجاه، نريد المهندس المسلم، والطبيب المسلم، والاقتصادي المسلم، والدبلوماسي المسلم، والوزير المسلم، والحاكم المسلم، نريد حاكماً كـ عمر بن الخطاب، أو كـ عمر بن عبد العزيز، ونريد قائداً كـ خالد بن الوليد، ونريد قاضياً كـ شريح القاضي، ونريد دبلوماسياً يعبر عن الإسلام كـ جعفر بن أبي طالب، يوم أن وقف أمام النجاشي يتحدث عن الإسلام، نريد الكوادر المسلمة في كل مكان، وإلا لو طُبق الإسلام الآن في بلد من بلاد المسلمين ولا توجد مثل هذه الكوادر أتظنون أنه سيأتي الخير؟ لا والله، والله ما يكون في ذلك خير أبداً؛ لأنها ستكون كارثة، ستكون صدمة، سيحكم على الإسلام من خلال هذه الكوادر الفاشلة، فنريد إعداد الكوادر المسلمة من الآن، فكر واجتهد.
стр. 317
استثمار أموال المسلمين في بلادهم
ثالثاً: على جميع رجال المال في العالم الإسلامي -وهم كثرة ولله الحمد والمنة- أن يتقوا الله في دين الله، وأن يتقوا الله في الأموال التي وهبهم الله جل وعلا، بدلاً من أن يستثمروها في بلاد الكفر، يستثمروها في بلاد المسلمين، وها نحن نرى مساحات شاسعة من الأراضي الصالحة للزارعة في السودان ومصر وغيرها، ونريد أموالاً طائلة، فينبغي أن تستثمر هذه الأرض؛ لاكتفاء المسلمين ذاتياً من الطعام والشراب، وينبغي أن تستغل هذه الأموال؛ لأن أموال المسلمين في خارج بلاد المسلمين يتحكم فيها هؤلاء لتسيير دفة العالم الاقتصادي كله، ومن بينهم أهل هذا المال وأصحابه، فلماذا لا تكون لنا القيادة، ولماذا لا تكون لنا الريادة؟ أنتم أصحاب الأموال التي تسير هذه البنوك، هي أموالكم يا مسلمون ويا عباد الله، لماذا لا ننتبه، لماذا لا نسترد هذه الأموال ونستغلها لصالح الإسلام، ولصالح المسلمين؟ وهبنا الله المال، ووهبنا الله الأرض، ووهبنا الذهب الأسود، ووهبنا الله الغنى، ووهبنا الله مساحة يحسدنا العالم كله عليها، ووهبنا الله موقعاً فريداً يحسدنا العالم كله عليه، لماذا لا نتقي الله جل وعلا في مقدراتنا التي وهبها الله جل وعلا إلينا، اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد يا رب العالمين.
стр. 318
تربية الأمة على العقيدة الصحيحة
رابعاً: علينا أن نبدأ من الآن ونحن مسئولون عن ذلك، أيها المسلم في كل مكان أنت مسئول عن دين الله جل وعلا، هيا فلنبدأ من الآن بخطوة البدء التي بدأ بها محمد ﷺ ، خطوة البدء هذه أن نتربى على العقيدة الصحيحة، وأن نحول لا إله إلا الله إلى منهج حياة، إلى واقع عملي في حياة الأمة، أنت لا تملك النتائج، خذ بالأسباب، والنتائج موكولة إلى مسبب الأسباب جل وعلا، لن يسألنا الله: لماذا لم تنتصروا؟ ولكنه سيسألنا: لماذا لم تعملوا ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥]، اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد يا رب العالمين، اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد يا رب العالمين، اللهم إني قد بلغت اللهم فاشهد يارب العالمين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكن ولكم فاستغفروه.
стр. 319
مسئولية الإسلام مسئولية الجميع
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
هذه مسئوليتكم أيها المسلمون، وهذا هو دور كل واحد منكم، ولا ينبغي أن يدعي واحد منا أنه لا دور له ولا مسئولية يتحملها، بل كل منا مسئول أمام الله ، فاتق الله على قدر استطاعتك: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، والله جل وعلا سيجعل في هذا الجهد ولو كان ضئيلاً الخير بإذن الله ، ووعد الله قائم ينتظر العصبة المؤمنة التي تقوم وتعلو لمستوى هذا الدين الذي ما أنزله الله جل وعلا إلا ليقود.
وأكتفي بهذا القدر خارج موضوعنا الذي كنا نتحدث فيه وهو تفسيرنا لسورة مريم، وأعدكم أن نعود من الأسبوع المقبل إن قدر الله لنا اللقاء والبقاء؛ لتفسير آيات سورة مريم.
أسأل الله جل وعلا أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب، ولنضرع إلى الله جل وعلا بقلوب صادقة، وبقلوب خالصة، وبدعوات مخلصة أن يوفق الله جل وعلا الإسلام والمسلمين.
اللهم انصر الإسلام والمسلمين، اللهم انصر الإسلام والمسلمين، وأعل بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم عجِّل بالقائد الرباني يا رب العالمين، اللهم قيض لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، اللهم أطفئ نار هذه الحرب والفتنة يا أرحم الراحمين، اللهم اجعلها بداية خير للإسلام والمسلمين.
اللهم ارحم البلاد والعباد، اللهم ارحم البلاد والعباد، الله ارحم البلاد والعباد، اللهم ارحم البلاد والعباد، اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا يسرتها وقضيتها يا رب العالمين.
أحبتي في الله! هذا وأكثروا من الصلاة والسلام على حبيبنا محمد ﷺ ، فإن الله وملائكته يصلون عليه، فأمركم بالصلاة عليه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
هذا وما كان من توفيق فمن الله جل وعلا، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويقذف به في النار، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
стр. 320
مداخل الشيطان
خلق الله آدم ﵇ وأمر الملائكة أن تسجد له، وحينها حسده إبليس على تلك المكانة؛ فأبى أن يسجد، فطرده الله من رحمته، فأبى إلا أن يدخل النار معه أكبر قدر ممكن من بني آدم، وذلك بدعوتهم إلى سبيله، وقد اتبع الشيطان في سبيل ذلك طرقاً شتى لا تخطر بعقل بني آدم، وجعل لذلك مداخل يدخل منها لينال مأربه منهم.
ولقد قيض الله للأمة من يبين لها هذه المداخل، وطرق تجنبها، كما جعل الله لعباده الصالحين حروزاً وتعاويذ يلوذون ويعوذون بها من الشيطان ومداخله.
следующие страницы →