Полный текст (1 901 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
إعداد الكوادر المسلمة في كل موقع ومكان
ثانياً: إعداد الكوادر المسلمة في كل مكان، وفي كل موقع، أقول: لا نريد كل المسلمين دعاة في المساجد، بل أنت من الآن في متجرك، في مصنعك، في جامعتك، في مدرستك، في كل مكان مسئول، فهيا فكر من الآن واجتهد وقل: كيف أنفع الإسلام وأخطط للإسلام وأنا في هذا الموقع؟ أضرب لحضراتكم مثالاً: الاقتصاد، رجال الاقتصاد لماذا لا يجلسون من الآن ويخططون ويدبرون ويضعون المنهج للقضاء على الاقتصاد الربوي، أو على الأقل لرفعة الاقتصاد الإسلامي، لماذا لا تفكر أيها الاقتصادي في ذلك، أيها الدكتور في الجامعة، يا من درست الاقتصاد، ويا من درست التجارة، أنت داعية إلى الله، أنت جندي من جنود الله، لماذا لا تشغل بالك، لماذا لا تنام الليل وأنت تحمل هم هذا الدين تفكر كيف أستغل دراستي لنصرة دين الله .
أيها العامل في موقعك! لماذا لا تفكر في هم الدين وتقول: كيف أبتكر وأنا واقف على آلة، كيف أطور هذه الآلة لنصرة دين الله ؟ أيها المدرس! لماذا لا تفكر: كيف أنتشل عقول هؤلاء الأطفال، أو عقول هؤلاء الطلبة من الباطل إلى الحق لنصرة دين الله ؟ إعداد الكوادر في كل مكان، وفي كل اتجاه، نريد المهندس المسلم، والطبيب المسلم، والاقتصادي المسلم، والدبلوماسي المسلم، والوزير المسلم، والحاكم المسلم، نريد حاكماً كـ عمر بن الخطاب، أو كـ عمر بن عبد العزيز، ونريد قائداً كـ خالد بن الوليد، ونريد قاضياً كـ شريح القاضي، ونريد دبلوماسياً يعبر عن الإسلام كـ جعفر بن أبي طالب، يوم أن وقف أمام النجاشي يتحدث عن الإسلام، نريد الكوادر المسلمة في كل مكان، وإلا لو طُبق الإسلام الآن في بلد من بلاد المسلمين ولا توجد مثل هذه الكوادر أتظنون أنه سيأتي الخير؟ لا والله، والله ما يكون في ذلك خير أبداً؛ لأنها ستكون كارثة، ستكون صدمة، سيحكم على الإسلام من خلال هذه الكوادر الفاشلة، فنريد إعداد الكوادر المسلمة من الآن، فكر واجتهد.
стр. 317
استثمار أموال المسلمين في بلادهم
ثالثاً: على جميع رجال المال في العالم الإسلامي -وهم كثرة ولله الحمد والمنة- أن يتقوا الله في دين الله، وأن يتقوا الله في الأموال التي وهبهم الله جل وعلا، بدلاً من أن يستثمروها في بلاد الكفر، يستثمروها في بلاد المسلمين، وها نحن نرى مساحات شاسعة من الأراضي الصالحة للزارعة في السودان ومصر وغيرها، ونريد أموالاً طائلة، فينبغي أن تستثمر هذه الأرض؛ لاكتفاء المسلمين ذاتياً من الطعام والشراب، وينبغي أن تستغل هذه الأموال؛ لأن أموال المسلمين في خارج بلاد المسلمين يتحكم فيها هؤلاء لتسيير دفة العالم الاقتصادي كله، ومن بينهم أهل هذا المال وأصحابه، فلماذا لا تكون لنا القيادة، ولماذا لا تكون لنا الريادة؟ أنتم أصحاب الأموال التي تسير هذه البنوك، هي أموالكم يا مسلمون ويا عباد الله، لماذا لا ننتبه، لماذا لا نسترد هذه الأموال ونستغلها لصالح الإسلام، ولصالح المسلمين؟ وهبنا الله المال، ووهبنا الله الأرض، ووهبنا الذهب الأسود، ووهبنا الله الغنى، ووهبنا الله مساحة يحسدنا العالم كله عليها، ووهبنا الله موقعاً فريداً يحسدنا العالم كله عليه، لماذا لا نتقي الله جل وعلا في مقدراتنا التي وهبها الله جل وعلا إلينا، اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد يا رب العالمين.
стр. 318
تربية الأمة على العقيدة الصحيحة
رابعاً: علينا أن نبدأ من الآن ونحن مسئولون عن ذلك، أيها المسلم في كل مكان أنت مسئول عن دين الله جل وعلا، هيا فلنبدأ من الآن بخطوة البدء التي بدأ بها محمد ﷺ ، خطوة البدء هذه أن نتربى على العقيدة الصحيحة، وأن نحول لا إله إلا الله إلى منهج حياة، إلى واقع عملي في حياة الأمة، أنت لا تملك النتائج، خذ بالأسباب، والنتائج موكولة إلى مسبب الأسباب جل وعلا، لن يسألنا الله: لماذا لم تنتصروا؟ ولكنه سيسألنا: لماذا لم تعملوا ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥]، اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد يا رب العالمين، اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد يا رب العالمين، اللهم إني قد بلغت اللهم فاشهد يارب العالمين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكن ولكم فاستغفروه.
стр. 319
مسئولية الإسلام مسئولية الجميع
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
هذه مسئوليتكم أيها المسلمون، وهذا هو دور كل واحد منكم، ولا ينبغي أن يدعي واحد منا أنه لا دور له ولا مسئولية يتحملها، بل كل منا مسئول أمام الله ، فاتق الله على قدر استطاعتك: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، والله جل وعلا سيجعل في هذا الجهد ولو كان ضئيلاً الخير بإذن الله ، ووعد الله قائم ينتظر العصبة المؤمنة التي تقوم وتعلو لمستوى هذا الدين الذي ما أنزله الله جل وعلا إلا ليقود.
وأكتفي بهذا القدر خارج موضوعنا الذي كنا نتحدث فيه وهو تفسيرنا لسورة مريم، وأعدكم أن نعود من الأسبوع المقبل إن قدر الله لنا اللقاء والبقاء؛ لتفسير آيات سورة مريم.
أسأل الله جل وعلا أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب، ولنضرع إلى الله جل وعلا بقلوب صادقة، وبقلوب خالصة، وبدعوات مخلصة أن يوفق الله جل وعلا الإسلام والمسلمين.
اللهم انصر الإسلام والمسلمين، اللهم انصر الإسلام والمسلمين، وأعل بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم عجِّل بالقائد الرباني يا رب العالمين، اللهم قيض لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، اللهم أطفئ نار هذه الحرب والفتنة يا أرحم الراحمين، اللهم اجعلها بداية خير للإسلام والمسلمين.
اللهم ارحم البلاد والعباد، اللهم ارحم البلاد والعباد، الله ارحم البلاد والعباد، اللهم ارحم البلاد والعباد، اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا يسرتها وقضيتها يا رب العالمين.
أحبتي في الله! هذا وأكثروا من الصلاة والسلام على حبيبنا محمد ﷺ ، فإن الله وملائكته يصلون عليه، فأمركم بالصلاة عليه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
هذا وما كان من توفيق فمن الله جل وعلا، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويقذف به في النار، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
стр. 320
مداخل الشيطان
خلق الله آدم ﵇ وأمر الملائكة أن تسجد له، وحينها حسده إبليس على تلك المكانة؛ فأبى أن يسجد، فطرده الله من رحمته، فأبى إلا أن يدخل النار معه أكبر قدر ممكن من بني آدم، وذلك بدعوتهم إلى سبيله، وقد اتبع الشيطان في سبيل ذلك طرقاً شتى لا تخطر بعقل بني آدم، وجعل لذلك مداخل يدخل منها لينال مأربه منهم.
ولقد قيض الله للأمة من يبين لها هذه المداخل، وطرق تجنبها، كما جعل الله لعباده الصالحين حروزاً وتعاويذ يلوذون ويعوذون بها من الشيطان ومداخله.
стр. 321
طواغيت عُبدوا من دون الله
الحمد لله الذي لم يكن له شريكٌ في الملك وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو فلا خالق غيره ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة، ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الواحد الذي لا ضد له، وهو الصمد الذي لا منازع له، وهو الغني الذي لا حاجة له، وهو القوي الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو جبار السماوات والأرض فلا راد لحكمه ولا معقب لقضائه وأمره، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا ومعلمنا وقدوتنا وقرة أعيننا محمد رسول الله، اللهم صلِّ وسلم، وبارك عليك يا سيدي يا رسول الله، صلاةً وسلاماً يليقان بمقامك يا أمير الأنبياء وسيد المرسلين، وأشهد لك يا سيدي ويشهد معي الموحدون أنك قد أديت الأمانة، وبلغت الرسالة، ونصحت الأمة، وكشف الله بك الغمة، وعبدت ربك حتى لبيت داعيه، وجاهدت في سبيل ربك حتى أجبت مناديه، وعشت طوال أيامك ولياليك تمشي على شوك الأسى وتخطو على جمر الكيد والعنت، تلتمس الطريق لهداية الضالين وإرشاد الحائرين، حتى علمت الجاهل يا سيدي! وقومت المعوج! وأمنت الخائف! وطمأنت القلق! ونشرت أضواء الحق والخير والإيمان والتوحيد، كما تنشر الشمس ضياءها في رابعة النهار، فصلى الله وسلم وبارك عليك يا رسول الله، وجزاك الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته ورسولاً عن قومه.
أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! تعالوا بنا لنواصل مسيرتنا المباركة في شرحنا لآيات من كتاب ربنا جل وعلا، ومع اللقاء السادس والثلاثين على التوالي ومازلنا بفضل الله وحوله وطوله ومدده نطوف مع حضراتكم في بستان سورة مريم، وانتهينا في اللقاء الماضي من تفسير قول الحق جل وعلا: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ [مريم:٨١ - ٨٢] وقلنا في اللقاء الماضي: بأنها صورة من صور الشرك المتكررة وآلهة من آلهة العصر المتغيرة؛ لأن الطاغوت: هو كل شيء عبد في الأرض من دون الله جل وعلا، وللطاغوت في كل عصر لغة وصورة وأسلوب ولسان، إنها صورة من صور الشرك المتعددة والمتغيرة التي تتطور وتتغير بتغير الزمان والمكان، فقلنا: بأنه ربما تكون صورة الطاغوت والإله التي تعبد في الأرض من دون الله جل وعلا متمثلة في فرد من الأفراد، تصاغ له الأمجاد، وتهتف له الدنيا، وتصفق له الجماهير المخدوعة، كأديب من أدباء أولاد الحارات والبارات، أو كواحد من مدمني المخدرات من الممثلين والممثلات، أو المطربين والمطربات، أو الراقصين والراقصات، الأحياء منهم والأموات.
ربما تكون صورة الطاغوت الذي عبده الناس في الأرض من دون الله جل وعلا متمثلةً في صورة من هذه الصور، ولا تظنوا أن العبادة تقتصر على الركوع والسجود كما يفهمها كثير من الناس، ولكن العبادة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: هي كمال الحب مع كمال الذل.
وإن هؤلاء الذين ضربت لهم المثل يقدم لهم كثير من الناس من الولاء والحب والذل وفروض الطاعة ما لم يقدموا نصفه لله جل وعلا.
وربما تتمثل صورة الطاغوت الذي عبده الناس في الأرض من دون الله جل وعلا في المال، الذي عبده كثير من الناس وظنوه إلهاً قادراً يقول للشيء: كن؛ فيكون، فقدم كثير من الناس للمال كل ما يملكون من وقت وجهد وقوةٍ حتى وإن كان ذلك على حساب دينهم وقربهم من ربهم جل وعلا.
وربما تكون صورة الطاغوت متمثلةً في قبر من القبور أو ضريح من الأضرحة يذهب الناس ويهرعون إليه، ويقولون بلسان الحال والمقال: (إذا ما تعثرت الأمور فعليكم بأصحاب القبور).
فيذهب الناس إلى هذه القبور ويطلبون من أصحابها ما لا ينبغي أن يطلب إلا من العزيز الغفور.
وهكذا تتعدد صور الشرك والطواغيت التي عبدت في عصرنا من دون الله جل وعلا، بتعدد الأزمان، وتطور الأشكال، واختلاف عقول الناس وفكرهم: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ [مريم:٨١ - ٨٢].
стр. 322
لا سلطان للشياطين على أهل التوحيد والإخلاص
أيها الأحبة الكرام: جدير بهؤلاء الذين اتخذوا آلهةً من دون الله جل وعلا يطلب عندها العزة والرفعة والنصرة والغلبة والتأييد والتمكين، جديرٌ بهؤلاء أن يكونوا أولياءً وإخواناً للشياطين، وأن يكونوا أتباعاً وأولياءً للشياطين، وذلك هو ما أخبرنا به رب العالمين في الآيات التي نحن بصدد تفسيرها في هذا اللقاء المبارك، فيخبرنا ربنا جل وعلا عن هؤلاء ويقول: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّا * فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾ [مريم:٨٣ - ٨٤].
أسأل الله ﵎ أن يبارك في وقتنا حتى أنتهي من شرح هاتين الآيتين الموجزتين: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً * فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾ [مريم:٨٣ - ٨٤] والخطاب هنا لحبيبنا ﷺ يقول له ربنا: يا محمد! ﴿َألَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾ [مريم:٨٣] أي: تغريهم الشياطين إغراءً، وتزعجهم إزعاجاً، وتغويهم إغواءً إلى المعاصي والشهوات والشبهات.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾ [مريم:٨٣] والأز في اللغة: هو التحريك والتهييج، ولذا يقال لغليان الماء في القدر: أزيز، كما ورد في الحديث الذي أخرجه النسائي والترمذي وصححه ابن خزيمة وابن حبان: (أن النبي ﷺ كان يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء) فالأز: هو التحريك والتهييج؛ لأن الماء يتحرك في القدر عند الغليان، أي: إن الشياطين تأز أهل الشرك والضلال على المعاصي أزاً، وتهيجهم إلى المعاصي تهييجاً، وتحركهم إلى المعاصي تحريكاً، كما تحرك النار الماء في القدر أثناء غليانه وفورانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّا * فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾ [مريم:٨٣ - ٨٤].
هكذا -أيها الأحباب- لا سلطان للشياطين إلا على هؤلاء الذين عبدوا مع الله آلهة أخرى؛ لأنه لا سلطان للشياطين على أهل التوحيد والإخلاص، ليس معنى ذلك: أن الشياطين لا يغوون أهل الإيمان ولا يوسوسون لأهل التوحيد والإخلاص، لا.
ليس هذا هو المقصود، وإنما سلطان الإغواء والإغراء والإضلال للشيطان على أوليائه وأتباعه وأحبابه وأشياعه كما أخبر بذلك ربنا جل وعلا فقال الله سبحانه: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:٩٨ - ١٠٠] أي: وهم بالله جل وعلا مشركون، فليس معنى ما قلت: إنه لا سلطان أو أن الشيطان لا يوسوس لأهل الإيمان والتوحيد، كلا، بل إن الشيطان في صراع معكم يا أهل التوحيد والإيمان! وأهل التوحيد في صراع مع الشيطان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فهو الذي توعد أهل الإيمان عليه لعنة الله فقال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٦ - ١٧] إنه وعيد من الشيطان لنا: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف:١٦].
إن الشيطان لا يقعد على طريق الخمارات والبارات؛ لأن هؤلاء الذين يذهبون إلى هناك إنما هم أتباعه وأشياعه وجنده، إن الشيطان لا يقعد إلا على طريق الحق والإيمان والمساجد والإسلام والإيمان: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف:١٦] لا يترك الشيطان طريقاً ولا سبيلاً يقرب العبد من مولاه إلا وقعد هناك كما ورد في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام أحمد في المسند من حديث صبرة بن أبي الفاكه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه كلها -أي: إن الشيطان قعد لابن آدم في جميع السبل والطرق- قعد الشيطان له على طريق الإسلام، فقال له: أتسلم وتذر دين آبائك وأجدادك؟ فعصاه ابن آدم فأسلم، فقعد له على طريق الهجرة فقال له: أتهاجر وتذر أرضك وسماءك؟! فعصاه ابن آدم فهاجر، فقعد له على طريق الجهاد فقال له: أتجاهد في سبيل الله بنفسك ومالك فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال؟! فعصاه ابن آدم فجاهد، فقال ﷺ : فمن فعل ذلك فمات كان حقاً على الله أن يدخله الجنة) فمن عصى الشيطان فأسلم فهاجر فجاهد ثم ختم الله له بالشهادة كان حقاً على الله أن يدخله الجنة.
هكذا -أيها الأحباب- ما ترك الشيطان طريقاً أو سبيلاً إلا وقعد عليه لابن آدم ليصده عن سبيل الله وليبعده عن طاعة الله جل وعلا، وكما يقول أستاذنا الإمام ابن القيم عليه رحمة الله: إن الإنسان لا يسلك من السبل إلا أربع اتجاهات: إما أن يمشي الإنسان عن يمينه، وإما أن يمشي عن شماله، وإما أن يمشي الإنسان بين يديه، أو من خلفه -عن أيمانهم وعن شمائلهم ومن بين الأيدي ومن الخلف، هذه اتجاهات أربع لا يمشي الإنسان إلا فيها- يقول الإمام: هذه هي السبل التي يسلكها الإنسان، فإن سلك الإنسان سبيلاً من هذه السبل وكانت نيته طاعة الله جل وعلا وجد الشيطان هناك بالمرصاد ليصده عن طاعة الله ﵎ ليقطع الشيطان عليه الطريق، أما إن سلكها لمعصية الله جل وعلا وجد الشيطان هناك خادماًَ له وحاملاً ومعيناً له على معصية الله ﵎، ثم قال الإمام ابن القيم: حتى لو نزل الإنسان إلى أسفل لوجد الشيطان هناك معيناً له على معصية الله وحائلاً بينه وبين طاعة الله جل وعلا، ما ترك الشيطان طريقاً ولا اتجاهاً إلا وهو لأهل الإيمان بالمرصاد، يصدهم عن طاعة الله جل وعلا ويغريهم بمعصية الله ﵎.
أو كما قال سيدنا قتادة عليه رحمة الله قال: يا ابن آدم! ما ترك الشيطان اتجاهاً إلا وقف لك فيه بالمرصاد، إلا اتجاهاً واحداً لم يستطع الشيطان أن يأتيك من خلال هذا الاتجاه، أتدرون ما هو؟ لم يترك الشيطان للإنسان طريقا ولا اتجاهاً إلا وأتى الإنسان منه إلا من فوقه، فإنه لم يستطع أن يحول بينه وبين رحمة الله ، جاءك الشيطان عن يمينك وشمالك ومن بين يديك ومن خلفك، حتى لو نزلت وادياً أو هبطت مكاناً جاءك الشيطان هناك، إلا من فوقك لم يستطع الشيطان أن يأتيك؛ لأنه لم يفلح أن يحول بينك وبين رحمة الله .
هكذا -أيها الأحباب- لم يترك الشيطان سبيلاً ولا طريقاً إلا وقعد فيه لأهل الإيمان والتوحيد، ولكن أهل الإيمان متمسكون ومتحصنون بحصن التوحيد، ومتمسكون بسنة محرر العبيد ﷺ ، فعصمهم الله من شره ونجاهم الله من كيده وحفظهم الله من إغوائه ووساوسه وإغرائه.
وجاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم من حديث عائشة ﵂: (أن الرسول ﷺ خرج من عندها ليلةً وكانت ليلتها، فدبت الغيرة في صدر عائشة، فعاد الرسول ﷺ إليها ليسألها عن سبب غيرتها، فقالت له: ومالي لا يغار مثلي على مثلك يا رسول الله؟! فقال لها ﷺ : أوَقد جاءك شيطانك يا عائشة؟ فقالت: أوَ معي شيطان يا رسول الله؟ قال لها: نعم، ومع كل إنسان شيطان، فقالت: حتى معك يا رسول الله؟ قال: حتى معي يا عائشة! إلا أن ربي أعانني عليه فأسلم) وفي رواية للإمام مسلم أيضاً: (إلا أن ربي أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير)، أما الرواية التي رواها البخاري ومسلم من حديث صفية بنت حيي زوج النبي ﷺ أنها قالت: (كان الرسول ﷺ معتكفاً فأتيت إلى المسجد لأزور رسول الله ليلاً، فحدثت النبي ﷺ ثم قمت لأذهب إلى داري قالت: فقام معي رسول الله ﷺ ليقلبني -أي: ليوصلني إلى الدار- فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا رسول الله أسرعا فنادى عليهما الرسول ﷺ وقال: على رسلكما -انتظرا- إنها صفية زوجي فقالا: سبحان الله يا رسول الله!! -أي: هل سنشك فيك يا رسول الله! - فقال لهما الرسول ﷺ : إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق، فخشيت أن يقذف في قلبيكما شراً).
ومن أجمل التعليقات على هذا الحديث ما علق به الإمام الشافعي عليه رحمة الله حيث قال: ما قال لهما الرسول ﷺ ذلك خوفاً على نفسه، كلا والله، ولكن الرسول ما قال لهم ذلك إلا من خوف الرسول عليهما؛ لأنه لو تسرب الشك إلى قلبيها لكفرا بالله ، من أجل ذلك نادى عليهما الرسول ﷺ وقال: (على رسلكما إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق فخشيت أن يقذف في قلبيكما شيئاً).
هكذا مع كل إنسان شيطان ويجري منك مجرى الدم؛ إذاً لا بد أن ننتبه إلى هذا العدو اللدود الذي حذرنا الله جل وعلا منه وحذرنا رسول الله ﷺ ، وانتبهوا معي إلى هذا العنصر الثاني من عناصر موضوعنا وهو من أخطر عناصر الموضوع، فإن للشيطان مدا
стр. 323
مداخل الشيطان
стр. 324
من مداخل الشيطان: الشرك بالله
اعلموا أن للشيطان مداخل خطيرة، وأول مدخل منها: هو مدخل الشرك بالله -والعياذ بالله- أول باب، بل إن غاية أماني الشيطان أن يجعل العبد يشرك بالرحيم الرحمن ﵎، وإذا ما أشرك العبد بالله تبرأ الشيطان منه كما أخبر بذلك ربنا جل وعلا فقال: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر:١٦].
وانتبهوا معي جيداً أيها الموحدون، لقد ذكر الإمام ابن جرير وابن كثير والبغوي وابن الجوزي وابن القيم في تفسير هذه الآية من سورة الحشر قصةً رهيبة، إنها قصة عابد من عباد بني إسرائيل يقال له: برصيصا، هذا العابد كان من أعبد عباد زمانه، وكان هناك في بلدته ثلاثة من الإخوة، وكانت لهم أخت وكانت بكراً، فلما خرج عليهم الغزو وخرجوا للقتال، قالوا: لا نأمن أن نضع أو نترك أختنا إلا عند عابد بني إسرائيل، وذهبوا بأختهم إلى هذا العابد الذي يسمى برصيصا، وألحوا عليه أنه تظل أختهم معه فرفض وأبى في بادئ الأمر -هكذا إنها مداخل الشيطان- فظلوا عليه بإلحاحهم حتى قبل هذا العابد ذلك، وقال: ولكن لا تجعلوها معي، اجعلوا لها خلوةً إلى جوار خلوتي وصومعةً إلى جوار صومعتي، فصنعوا لها ما أراد العابد، وانصرفوا إلى حال سبيلهم، وجاء الشيطان إلى هذا العابد ليلعب معه لعبته القذرة.
انتبهوا جيداً يا شباب الإسلام! انتبهوا إلى مداخل الشيطان يقول لك: حفاظاً على الدعوة وحفاظاً على الإسلام احلق لحيتك، فإنك لو حلقتها استطعت أن تتحرك بين الناس بدعوتك وما وقف أمامك أحد وما عارضك أحد، يذهب إلى المرأة ويقول لها: لا تلبسي الحجاب حتى تتزوجين، وتساعدها الأم على ذلك، وهكذا يذهب إلى صاحب الكرسي والمنصب ويقول له: اعلم أنك بعد قليل راحل سوف تترك هذا الكرسي، وسوف تترك هذا المنصب فهيا اسرق سرقةً وانهب نهباً وانهش نهشاً حتى تستطيع أن تعيش بعد ذلك وهكذا، انتبهوا إلى مداخل إبليس.
ذهب إليه الشيطان يمنيه في الأجر ويعظم له الثواب ويقول له: ما ضرك لو أنك قدمت إليها الطعام إلى باب صومعتها وانتظرها حتى تخرج؛ لأنه ربما مر سبع أو غير ذلك فأكل الطعام.
فقال: لا شيء في ذلك، فأخذ الطعام هذا العابد ووقف على باب صومعتها مرةً لم ينظر وأخرى كذلك وثالثة أيضاً ورابعة نظر إليها.
فذهب إليه الشيطان بعد ذلك وقال: ما ضرك لو أنك قدمت الطعام إلى داخل صومعتها أتخشى على نفسك وأنت التقي العابد الورع؟! فأخذ العابد الطعام وذهب إليها في صومعتها.
وذلك يستمر فترات طويلة جداً لا أقول: إنه يحتاج معه أو يتطلب ذلك من الشيطان وقت قصير، إن الشيطان يصبر على فريسته خاصة وإن كانت قوية الإيمان، فدخل العابد معها إلى صومعتها وخرج.
فقال له بعد ذلك: ما ضرك لو أنك جلست معها فإنها مكثت فترة طويلة لا تسمع ولا تكلم أحداً، فهيا اجلس معها كلمها في الدين والقرآن والحديث لا تكلمها في أمر من أمور الدنيا، ما ضرك في ذلك؟! فجلس معها وكلمها، وبعد ذلك ذهب إليه الشيطان وقال: ما ضرك لو أكلتما معاً، فأكل معها فمست يده يدها، بعد ذلك جاءه الشيطان فأوقعها في قلبه وزينها له، فقبلها -إنها المداخل والسبل والطرق زينها له فقبلها- ثم بعد ذلك والكل يعلم ما بعد ذلك، زنا بها -والعياذ بالله- فظهر الحمل ووضعت ولدها من الزنا، فجاءه الشيطان بعد ذلك وقال: لقد افتضح أمرك، أتترك ولدك من الزنا، فما الذي ستقوله لإخوتها حينما يحضرون، فقال: ماذا أصنع؟ قال: اقتل ولدها حالاً، فقتل ولدها، وبعد فترةٍ ذهب إليه وقال: أتظن أنها لن تخبر عنك ولن تحدث بما صنعت بها وبولدها، قال: إذاً ماذا أصنع؟ قال: اقتلها، فقتلها -زنا بها وقتل ولدها وقتلها- وعاد إخوتها، فترك الشيطان العابد وذهب إلى إخوتها وقال لهم: اعلموا أن العابد زنا بأختكم وقتل ولدها وقتلها، فذهب الثلاثة إلى هذا العابد وقالوا: افتح لنا قبرها فوجدوا أختهم قد قتلت وقد زني بها وذبحت، وهذا ولدها إلى جوارها، فجروه على وجهه وصلبوه على خشبة، وترك الشيطان الإخوة وذهب إلى برصيصا مرةً أخرى قال له: يا هذا ألا تعلم من أنا؟ أنا الشيطان، أنا الذي أوقعت الفتنة في قلبك، وجعلتك تزني بها، ثم جعلتك تقتل ولدها، ثم تقتلها، وأنا الذي أستطيع أن أخلصك مما أنت فيه، قال: خلصني، قال: لا.
إلا بشروط، قال: ما هي شروطك؟ أن تكفر بربك وتسجد لي من دون الله، فقال له العابد الغبي: لو سجدت لك وكفرت بربي -جل وعلا- تخلصني مما أنا فيه؟ قال: نعم أخلصك -يمنيه ويوعده- فكفر العابد بربه وسجد للشيطان، فنظر إليه الشيطان وهو يولي هارباً وينادي ويقول: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر:١٦].
هكذا أيها الأحباب! إنها مداخل الشيطان ومصائبه يزين إليك المعصية على أنها طاعة، يزين إليك الشبهات والشهوات فيجعلك تقول في الدين بالهوى كما سنرى بعد ذلك، يزين إليك الشبهة على أنها حق واضح وضوح الشمس في ضحاها، إن أول باب يدخل الشيطان إلى العبد منه باب الشرك بالله -والعياذ بالله- فإذا عجز الشيطان عن أن يغوي العبد ويضله عن الطريق، دخل إليه من المدخل الثاني وهو مدخل البدعة.
стр. 325
من مداخل الشيطان: البدعة
يا إلهي! إن الباب الذي يلي باب الشرك بالله باب البدع، فلا تستهينوا بأمر البدع، فإن البدع أحب إلى الشيطان من الفسوق والمعاصي، إن البدعة خطرها عظيم، وضررها جسيم.
فيا أصحاب البدع! يا من تحبون البدع! يا أصحاب الخطط الخمسية والسنوية والشهرية! يا من تخططون لأمور الدنيا ولا تبحثون عن أمر الدين! يا من تبحثون عن أعمالكم إذا ما كانت منتسبة أو متصلة بالدين! ابحثوا عنها، هل أنتم متبعون فيها لشرع النبي ﷺ ، أم أنتم موافقون لهوى الشيطان وشرعه؟ إن البدع أحب إلى الشيطان من الفسوق والمعاصي، لماذا؟ لأن المبتدع مكذب بالقرآن، والبدعة: هي كل شيء مستحدث في الدين، حتى لا يقول البعض متهشماً وساخراً من إخواني الذين كلمونا عن السنن والبدع، قالوا: إذا كان الأمر كذلك فمنبر الرسول لم يكن فيه مروحة، هكذا سخر بعض الناس واستهزأ بعض المسلمين بالسنن، وظنوا أن أمرها هين، أقول: أن البدعة أمر مستحدث في الدين، لم يقل الرسول لنا: لا تركبوا الطائرات ولا السيارات، كلا، وإنما قال الله جل وعلا: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن:٣٣] قال العلماء: إنه سلطان العلم، لا معنى لمن قال: بأن معنى البدعة هو: أن نقف لا نخترع ولا نبتكر، ليس هذا هو المقصود، وليست هذه هي البدعة، إنما البدعة أمرٌ مستحدث في الدين؛ لأن الرسول ﷺ ما مات إلا بعد أن بين لنا هذا الدين ووضحه لنا، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فإن البدعة أمر مستحدث في الدين لم يكن على عهد الرسول ﷺ ولا الصحابة ﵃.
إذاً: فالمبتدع الذي يأتي بجديد من عند نفسه أو من عند شياطين إنسه وجنه نقول: قال الله قال رسول الله، فيرد علينا أهل البدع ويقولون: قال فلان عالم الأزهر، إنا لله وإنا إليه راجعون! أقول: قال الله قال رسول الله وأنت تقول: قال فلان عالم الأزهر، والله الذي لا إله غيره، لا قول بعد قول الله ولا قول بعد قول رسول الله ﷺ ، مهما طالت عمامته، والله ولو كانت عمامته بحجم صحن هذا المسجد لا قول له بعد قول الله ولا فتوى له مع فتوى رسول الله ﷺ ، ورحمة الله على الإمام ابن القيم حيث قال:
إن قلت قال الله قال رسوله همزوك همز المنكر المتغالي
أو قلت قد قال الصحابة والألى تبع لهم في القول والأعمال
أو قلت قال الشافعي وأحمد وأبو حنيفة والإمام العالي
صدوا عن وحي الإله ودينه واحتالوا على حرام الله بالإحلال
يا أمة لعبت بدين نبيها كتلاعب الصبيان في الأوحال
حاشا رسول الله يحكم بالهوى والجهل تلك حكومة الضلال
يا أصحاب البدع! يا من تغنون وترقصون للبدع! يا من تبكون وتندبون! يا من تصرخون! يا من تفزعون! اعلموا علم اليقين أن الله جل وعلا لا يقبل التوبة من صاحب بدعةٍ حتى يترك بدعته ويدعها، إن البدعة أحبُ إلى الشيطان من المعصية، وإنها الباب الذي يلي باب الشرك بالله والعياذ بالله! فيا من تهونون البدع! اتقوا الله جل وعلا.
يا من تشنون الحروب والفتن وتعلنون العداوات على أهل وأصحاب السنن! إني أعجب لحالكم أنتم أهل الباطل تصرون على باطلكم! لماذا هذا الإصرار على البدع؟! لم هذا الإصرار على الباطل؟! يا صاحب البدعة اعلم أنك متهم لرسول الله بالنقص! يا صاحب البدعة اعلم أنك مكذب بقول الله جل وعلا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣]! يا صاحب البدعة أنت متهم للرسول ﷺ ؛ لا تظنوا أننا أحرص على الدين من رسول الله، لا تظنوا أننا أحب للدين من صحابة رسول الله، كلا والله وألف كلا، فما لم يكن ديناً على عهد الرسول والصحابة فلن يكون ديناً في هذا الزمان، وفي هذه الأيام التي تجرأنا وتبجحنا فيها على شرع رسول الله ﷺ .
فاعلموا علم اليقين وأُشهد الله جل وعلا أني قد بلغت، اللهم فاشهد يا رب العالمين! أُشهد الله جل وعلا أني قد حذرت من البدع، وإن البدعة أحب إلى الشيطان من المعصية، بل إنها الباب الذي يلي باب الشرك بالله، إذا عجز الشيطان عن أن يشرك العبد بالله دخل إليه من الباب التالي مباشرةً إنه باب البدع.
стр. 326
من مداخل الشيطان: الكبائر والصغائر
إن وجد الشيطان العبد متمسكاً بالسنة ومغالياً لأهل البدع والزيغ والضلال دخل إليه من الباب الثالث وهو باب الكبائر والعياذ بالله! فإن عجز الشيطان عن العبد أن يوقعه في كبيرة من الكبائر دخل إليه من الباب الذي وقع فيه كثير منا -وأسأل الله أن يحفظنا- باب صغائر الذنوب، يقول له: هذه ليست مهمة, هذه صغيرة، وهكذا، ماذا تعني اللحية! ماذا يعني كذا، ماذا يعني كذا، يبدأ الشيطان يدخل على القلب فيضيع العبد السنن أو يستهين العبد بصغائر الذنوب، والرسول ﷺ يقول: (إذا اجتمعت صغائر الذنوب على العبد أهلكته) من أراد منكم أن يشعل ناراً هل يأتي بكوم رهيب من الحطب في المرة الأولى؟ كلا، وإنما يأتي بحزمة إلى جوار حزمة إلى جوار حزمة حتى يجتمع عنده كوم رهيب من الحطب، كذلك صغائر الذنوب ذنب صغير فذنب صغير، استهانة بالسنة، ثم استهانة بالنوافل، استهانة بصغائر الذنوب، حتى يجتمع كل ذلك على القلب فيتكون على القلب الران، فتحجبه عن رحمة الواحد الديان: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٤ - ١٥].
فإذا عجز الشيطان عن ذلك، زين له بعد ذلك ترك النوافل وفضائل الأعمال.
هكذا الشيطان معك في كل طريق واقف لك بالمرصاد إذا ما كان طريقك في طاعةٍ، صدك عن هذه الطاعة وزين لك المعصية.
стр. 327
كيفية التحرز من الشيطان
أيها الأحباب! لقد حذرنا الله من الشيطان وطمأننا بأن كيد هذا الشيطان كان ضعيفاً على من تمسكوا بتوحيدهم لله، وتحصنوا بحصن التوحيد، وبسنة محرر العبيد ﷺ ، فمن لجأ إلى الله كان حقاً على الله أن يحفظه من الشيطان وشره، ومن تمسك بسنة رسول الله كان حقاً على الله أن يحفظه من الشيطان وشركه، من أجل ذلك -على سبيل المثال لا على وجه الإجمال- علمنا الرسول ﷺ كيف نحترز من هذا العدو اللدود، فانتبهوا معي إلى هذه الحروز بإيجاز شديد: علمنا الرسول ﷺ أن نحترز بالآتي، وأقول: على سبيل المثال لا على وجه الإجمال ما ورد في مسند الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن الشيطان قال لربنا: (وعزتك وجلالك لأضلنهم ما دامت أرواحهم في أبدانهم، فقال له ربنا: وعزتي وجلالي لأغفرن لهم ماداموا يستغفرونني).
الحرز الأول: الاستغفار.
الحرز الثاني: الاستعاذة، لقول الله جل وعلا: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف:٢٠٠].
الحرز الثالث: المعوذات وسورة الإخلاص: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] والفلق والناس، فما تعوذ بأفضل من ذلك أحد، كما ورد في صحيح مسلم والحديث مروي عن عقبة بن عامر ﵁.
الحرز الرابع: قراءة آية الكرسي لقوله ﷺ : (فما قرأ إنسان آية الكرسي إلا وما زال عليه حافظ ولا يقربنه شيطان حتى يصبح) والحديث في البخاري مروي عن أبي هريرة.
الحرز الخامس: ذكر الله، فما تحصن عبدٌ بحصن أقوى من تحصنه بذكر مولاه جل وعلا، فاذكروا الله تعالى أيها الأحباب، إذا ما أحسستم أن الشيطان يريد أن يلتهم قلوبكم، فاذكروا الله ﵎ لقول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً﴾ [الإسراء:٤٥] ولقوله جل وعلا: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف:٢٠٠] ولقوله جل وعلا: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:٩٨ - ١٠٠].
الحرز السادس: قراءة أواخر سورة البقرة: (من قرأ الآيتين الأخريين من سورة البقرة كفتاه من ليلته) أي: كفتاه من كل شر وإثم.
الحرز السابع: الحرص على الوضوء، فإن الوضوء سلاح المؤمن.
الحرز الثامن: كثرة الصلاة.
الحرز التاسع: كثرة الصلاة على رسول الله ﷺ .
وهكذا أقول على سبيل المثال لا على وجه الإجمال: هكذا أيها الأحباب! ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾ [النساء:٧٦] لمن تمسك بالله واعتصم به وتمسك بسنة رسول الله، حق على الله لمن اتقاه أن يستره فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض، حق على الله لمن اتقاه أن يتولى رعايته، وأن يحسن بدايته وأن يحسن نهايته.
فيا أيها المسلمون: تحصنوا بالله جل وعلا والجأوا إليه، وتمسكوا بشرع رسوله، ينجيكم من الشيطان وشره وشركه ووساوسه.
أما من شذ عن صراط الله المستقيم، وعن طريق الرحمن الرحيم وجد هناك على كل سبيل وطريق الشياطين تغويه إغواءً، وتؤزه أزاً وتغريه إغراءً: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾ [مريم:٨٣].
أسأل الله سبحانه أن ينجينا وإياكم من وساوس الشياطين ومن إغوائهم.
وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.
стр. 328
وقفة أخيرة: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد: أيها الأحباب! يقول سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً * فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾ [مريم:٨٣ - ٨٤] لا يضيق صدرك بهم يا رسول الله، ولا تستعجل لهم العذاب ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف:٨٣] واستمعوا معي إلى هذه الآية التي تحتاج منا إلى خطبة كاملة قال الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾ [مريم:٨٤] انظروا إلى هذه الدقة البالغة والحساب المحسوب الدقيق ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾ [مريم:٨٤] إن الأعمال محسوبة عليهم، بل إن الأنفاس عليهم كما قال ابن عباس عليه رضوان الله، إنما نعد عليهم ذنوبهم، وويل لمن يعد الله عليه ذنوبه، فإن الواحد منا إذا أحس بأن رئيسه في العمل في هذه الأرض يتابع عمله ويتتبع أخطاءه يعيش في قلق وحسبان، فما بالكم بالواحد الديان.
يا من تراقبون رؤساءكم في الأعمال! يا من تخافون من مديريكم في الأعمال وتنسون رب السماوات والأرض! لا تراقبونه في قولٍ ولا في عمل، أحللتم لأنفسكم الغيبة والنميمة والمعاصي، خفتم الناس ولم تخافوا الله، هبتم الناس ولم تهابوا الله.
يا من تسوفون في التوبة! وترجئونها اعلموا أن الأنفاس معدودة: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾ [مريم:٨٤] إن الأنفاس معدودة ومحسوبة، وفجأة سترون أنفسكم بين يدي الله جل وعلا الذي عد وحسب عليكم كل شيء: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾ [مريم:٨٤].
يا من أكلتم الرشاوي والحرام! يا من ضيعتم الصلاة! يا رواد الفجر في رمضان! أين أنتم؟! أين أنتم يا من ملأتم المساجد في رمضان؟! يا من كنتم تعبدون رمضان! أما رمضان فقد مضى فرب رمضان حي لا يموت، فهل أنتم من عباد رمضان؟ أين أنتم من عبادة الحي الذي لا يموت؟ أين رواد الفجر في رمضان؟ أين رواد المساجد في رمضان؟ أين من كانوا يحرصون على الصلاة في رمضان؟ أين هم؟ أيها المغرور! يا من جئت لتحارب اللحى! يا من لا تجرؤ أن تناقش وزيراً أو أميراً، وجئت لتناقش أمر الله ولتحتج على أمر رسول الله ﷺ ! هل تجرؤ على أن تناقش وزيراً أو تناقش أميراً لتقول له: لم أصنع ذلك؟ ولماذا أفعل ذلك؟ جئت لتحتج على أمر الله ولتناقش أمر رسول الله ﷺ .
أيها المغرور! يا من غرك منصبك! ويا من خدعك الكرسي الذي جلست عليه! اتق الله جل وعلا، لو أن الكرسي دام لغيرك ما وصل إليك، والله الذي لا إله غيره! لن نتوانى ولن نتورع عن أن نقف بالمرصاد لكل من يحارب دين الله ولكل من يعتدي على شرع رسول الله مهما كانت النتائج؛ لأن رزقنا وأرواحنا بيد الله، لأن الضار والنافع هو الله، فحذار من حرب الله جل وعلا، احذروا من حرب رسول الله ﷺ : ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾ [مريم:٨٤] إن الأنفاس معدودة ومحسوبة، وفجأة سترى نفسك بين يدي الله جل وعلا.
واستمعوا معي بقلوبكم أيها الأحباب الأطهار الموحدون، استمعوا إلى حياتكم لخصها لنا سيدنا زين العابدين علي بن الحسين بن علي ﵃ جميعاً، لخص لنا سيدنا علي الحياة تلخيصاً بارعاً مرعباً مذهلاً، حيث قال عليه رضوان الله ورحمة الله ، وأسأل الله تبارك وتعال أن يجزيه عن هذا الكلام خير الجزاء، فإنها بلاغةٌ لا تتوفر لأصحاب رسائل الدكتوراة والماجستير، ولا لأصحاب أدب الحارات والبارات، ماذا قال سيدنا علي عليه رضوان الله ورحمة الله قال:
أنا الذي أغلق الأبواب مجتهداً على المعاصي وعين الله تنظرني
تمر ساعات أيامي بلا ندم ولا بكاء ولا خوف ولا حزنِ
ولي بقايا ذنوب لست أعلمها الله يعلمها في السر والعلنِ
ما أحلم الله عني حيث أمهلني وقد تماديت في ذنبي ويسترني
كأنني بين تلك الأهل منطرحاً على الفراش وأيديهم تقلبني
وقد أتوا بطبيب كي يعالجني ولم أر الطبيب هذا اليوم ينفعني
واشتد نزعي وصار الموت يجذبها من كل عرق بلا رفق ولا هون
كأنني وحولي من ينوح ومن يبكي علي وينعاني ويندبني
وقام من كان أحب الناس في عجل نحو المغسل يأتيني يغسلني
فجاءني رجل منهم فجردني من الثياب وأعراني وأفردني
وأودعوني على الألواح منطرحاً وصار فوقي خرير الماء ينظفني
وأسكب الماء من فوقي وغسلني غسلاً ثلاثاً ونادى القوم بالكفن
فحملوني على الأكتاف أربعةٌ من الرجال وخلفي من يشيعني
وقدموني إلى المحراب وانصرفوا خلف الإمام فصلى ثم ودعني
صلوا عليَّ صلاة لا ركوع لها ولا سجود لعل الله يرحمني
وأخرجوني من الدنيا فوا أسفا على رحيلٍ بلا زاد يبلغني
وأنزلوني إلى قبري على مهلٍ وقدموا واحداً منهم يلحدني
وكشف الثوب عن وجهي لينظرني فأسكب الدمع من عينيه أغرقني
وقال هلوا عليه الترب واغتنموا حسن الثواب من الرحمن ذي المنن
من منكر ونكير ما أقول لهم قد هالني أمرهم جداً فأفزعني
وأقعداني وجدا في مسائلتي مالي سواك إلهي من يخلصني
تقاسم الأهل مالي بعدما انصرفوا وصار وزري على ظهري فأثقلني
فلا تغرنك الدنيا وزينتها وانظر إلى فعلها في الأهل والوطنِ
يا نفس كفي عن العصيان واكتسبي فعلاً جميلاً لعل الله يرحمني
يا نفس ويحك توبي واعملي حسناً عسى تجازين بعد الموت بالحسن
وامنن عليَّ بعفو منك يا أملي فإنك الواحد الرحمن ذو المنن
أيها اللاهي! أيها الساهي! أيها الغافل! إلى متى تبعد عن طريق ربك؟! إلى متى تحارب مولاك؟! إلى متى تتجرأ على شرع رسولك ومصطفاك؟!
دع عنك ما قد فات في زمن الصبا واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب
لم ينسه الملكان حين نسيته بل أثبتوه وأنت لاهٍ تلعب
والروح منك وديعةٌ أُودعتها ستردها بالرغم منك وتسلب
وغرور دنياك التي تسعى لها دار حقيقتها متاع يذهب
فالليل فاعلم والنهار كلاهما أنفاسنا فيها تعد وتحسب
اللهم لا تخزنا يوم العرض عليك، اللهم أحسن وقوفنا بين يديك، اللهم اختم لنا بالتوحيد والإيمان.
стр. 329
الإسلام كل لا يتجزأ
سعى أعداء الإسلام إلى خلخلة الدين الإسلامي من الداخل، بعد أن يئسوا من زعزعته من الخارج.
فجاءوا بمبادئ هدامة، ظاهرها الرحمة، وباطنها العذاب والخراب، ومما جاءوا به: الدعوة إلى حرية الفكر، وتحرير المرأة.
وقد استطاعوا أن يمرروا هذه الأفكار المبهرجة، والشعارات الزائفة إلى بعض ضعاف الإيمان وقاصري التفكير، وهذا يدعونا إلى أن نرسخ العقيدة الإسلامية في قلوبنا وقلوب الشباب، وأن نعلم يقيناً أن الإسلام كل لا يتجزأ.
стр. 330
حقيقة الإسلام
السلام عليكم ورحمة الله.
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو، فلا خالق غيره ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة، ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [لقمان:٣٠].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الواحد الذي لا ضد له، وهو الصمد الذي لا منازع له، وهو الغني الذي لا حاجة له، وهو القوي الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو جبار السماوات والأرض فلا راد لحكمه ولا معقب لقضائه وأمره، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أدى الرسالة، وبلغ الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وعرض الله جل وعلا عليه الدنيا بأسرها فأعرض عنها زاهداً: عرضت عليه الدنيا فأعرض زاهداً يبغي من الأخرى المكان الأرفعا ما جر أثواب الحرير ولا مشى بالتاج من فوق الجبين مرصعا وهو الذي لبس السعادة حلة فضفاضة لبس القميص مرقعا وهو الذي لو شاء نالت كفه كل الذي فوق البسيطة أجمعا يا مصطفى لأنت ساكن مهجتي روحي فداك وكل ما ملكت يدي إني وقفت لنصر دينك همتي وسعادتي ألا بغيرك أقتدي لك معجزات باهرات جمة وأجلها القرآن خير مؤيد ما حرفت أو غيرت كلماته شلت يد الجاني وشاه المعتدي وأنا المحب ومهجتي لا تنثني عن وجدها وغرامها بمحمد قد لامني فيه الكفور ولو درى نعم الإيمان به لكان مساعدي يا رب صل على الحبيب محمد واجعله شافعنا بفضلك في غد أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! مرحباً بكم في هذا اللقاء الطيب المبارك، نضر الله وجوهكم، وزكى الله نفوسكم، وشرح الله صدوركم، وثبت الله خطاكم، وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال، وعفا الله عني وعنكم، وغفر الله لنا ولكم، إنه ولي ذلك ومولاه، وشكر الله لأخي وحبيبي في الله الشيخ بدوي، وجزاه الله خيراً على هذه الدعوة المباركة، حتى نلتقي بهذه الوجوه المشرقة بفيض الإيمان، أسأل الله أن يجمعنا بكم مع رسولنا في الجنة.
وأبدأ من حيث انتهى إخواننا الذين سبقوني بالحديث، وسوف ألتقط الخيط من أخي وحبيبي الشيخ عمر لأكمل الحديث الذي بناه وبدأه مع حضراتكم.
وسوف يكون حديثنا عن هذه الكلمة الموجزة التي علق عليها أستاذنا الشيخ بدوي، ألا وهي: الإسلام كل لا يتجزأ، ويشهد الله أني كنت قد أعددت موضوعاً آخر، ولكن إن كان هذا هو قدر الله، فأسأل الله أن يجعل ما سأقوله موفقاً مسدداً.
الإسلام كل لا يتجزأ، ما أحلى هذه العبارة، وما أجدر أن يتوقف المسلمون عند أركانها ومبادئها ومعانيها، لذا فإني سوف أضبط الحديث حتى لا ينسي كلامي بعضه بعضاً.
أولاً: فلتعلموا جميعاً أيها الأحباب! أن هذا الإسلام كل لا يتجزأ، والإسلام بهذا المعنى يحارب حرباً لا هوادة فيها، فأعداء الإسلام يخططون للكيد بالإسلام ليل نهار، أعداء الإسلام يريدون للمسلمين أن يصلوا، وأن يحجوا بيت الله الحرام، وأن يصوموا رمضان، ولا يقفون عثرة في طريق المسلمين من دفع الزكاة، كلا، بل يشجعون ذلك، وربما كانوا كرماء! فيفتحون في إذاعة القرآن الكريم برنامجاً خاصاً لترتيل القرآن ليل نهار، وهذا كله لا يحرك لأعدائه إلى ساكناً، لا يحركهم ويقلقهم إلا عندما ننادي بأن الإسلام كل لا يتجزأ.
стр. 331
خطة الأعداء في خلخلة الدين الإسلامي
اعلموا -أيها الأحباب- أن أعداء ديننا يعلمون علم اليقين أن هذا الإسلام هو الخطر الماثل أمام الشرق الملحد والغرب الكافر، ويعلمون أن هذا الإسلام هو المارد العملاق، الذي إن هب من مرقده أباد مدنية الشرق الملحدة وحضارة الغرب الكافرة، من أجل ذلك لم يتوان الشرق الملحد أو الغرب الكافر، على أن يتفقا ويتحدا -على الرغم من اختلاف أيديلوجياتهم، واختلاف سياستهم، إلا أنه لا ضرر أن يتفق الشرق الملحد والغرب الكافر- على ضرب هذا الإسلام، ووصلوا في نهاية الأمر إلى حقيقة خطيرة، أتدرون ما هي؟ سجل هذه الحقيقة القائد المهزوم لويس التاسع -حينما أسره المسلمون في مدينة المنصورة- في وثائقه السرية وقال: إنه لا سبيل بعد اليوم إلى غزو المسلمين عن طريق الحرب أو القوة، ولابد من البحث عن سبيل وأسلوب جديد!! فما هي الخطوات واللبنات التي وضعها واتفق عليها الشرق الملحد والغرب الكافر على توهين هذا الإسلام في قلوب المسلمين وفي بيوت المسلمين:
стр. 332
الدعوة إلى حرية الفكر
أولاً: دعا أعداء ديننا في أول الأمر إلى حرية الفكر، وقالوا بأن هذا هو الباب الذي سيفتح الطريق على مصراعيه إلى النظريات المضلة والأفكار الهدامة، فنادوا أول ما نادوا إلى تطوير الأزهر، وإن شئتم فقولوا: إلى تدمير الأزهر! قالوا بأن الإسلام دين جامد، دين لا حرية فيه ولا تطور فيه، ولا رقي، إنما هو دين نزل على الأعراب والبدو في أرض الجزيرة، وقد انتهت مهمته، فلم يعد لهذا الإسلام وجود، ولا بد ألا يكون له وجود، وعليه؛ فلا بد إذاً من الانفتاح على الشرق أو على الغرب.
دعوا إلى تطوير الفكر، ونجح في ذلك أعداء ديننا نجاحاً باهراً، وجاء النجاح على أيدي أصحاب الولاء وأصحاب المحبة للشرق والغرب، الذين دعاهم الاستعمار ليحجوا إلى كعبتهم وإلى قبلتهم في الشرق الملحد أو الغرب الكافر، فاستجابوا لدعوته، وعاد هؤلاء الذين مسخهم الاستعمار وزينهم ورفعهم، ليغلغلوا في عقول وقلوب الشباب تلك المعاني السامة.
ومن هؤلاء من يسمى بعميد الأدب العربي -وأنا أسميه بوائد الأدب العربي- الذي ذهب إلى فرنسا، ثم عاد ليحارب الإسلام بمنتهى البجاحة، طه حسين، محرر الجيل! الذي دمر الجيل والأجيال التي تلته، الذي دعا أول ما دعا إلى الاختلاط السافر بين الجنسين، الرجل ابن الصعيد، الذي ذهب إلى باريس بإيماء وباستدعاء من أعداء هذا الإسلام، لأن الخطر الحقيقي أن يحارب الإسلام على أيدي أبنائه من المسلمين، فهذه قمة الخطورة! هذا الذي ذهب إلى هناك وزينه الاستعمار تزييناً، ونفخه نفخاً، هو ابن الصعيد -مع أن أبناء الصعيد تجري الغيرة في عروقهم، وتسري الشهامة والرجولة في قلوبهم، ولكن هذا قد دمر كل هذه المبادئ- عاد وقد تشرب أفكار الاستعمار، وأراد أن يغذي الشباب بها كما عاد رفاعة الطهطاوي ليكتب في كتابه الأسود (تخليص الإبريز في تلخيص باريز)، عاد ليقول بالحرف الواحد: إن الرقص على الطريقة الأوروبية -وأنتم تعلمون كيفية الرقص على الطريقة الأوروبية، فإن أبا الشياطين الذي يسمى بالتلفزيون قد علم الصغير قبل الكبير ما هو الرقص على الطريقة الأوروبية- ليس داعياً من دواعي الفساد، وإن الاختلاط بين الجنسين ليس داعياً من دواعي الفسق والانحلال! ومن هؤلاء: نجيب محفوظ، صاحب رواية: أولاد حارتنا هذا الذي غضب الكثير له حينما تكلمنا عليه، فقالوا: من أنتم لتتكلموا على هؤلاء العمالقة؟! قلنا لهم: نحن -والحمد لله- مسلمون موحدون، وهؤلاء والحمد لله يأبى الله -كما قال الإمام ابن القيم عليه رحمة الله- إلا أن يظهر النفاق على صفحات وجوههم، وفي زلات أقلامهم، ولا يمكن أن يجتمع النفاق والإيمان في قلب واحد، فإما إيمان أو نفاق.
وغير هؤلاء ممن زينهم الاستعمار ورفع شأنهم، فصفقت لهم الجماهير المخدوعة، والجماهير المضللة، وعاد هؤلاء ليغلغلوا في عقول الشباب بخاصة وفي عقول المسلمين بعامة، أن الفكر الأوروبي طود شامخ ولا سبيل إلى نهضة المسلمين وإلى رقيهم وإلى حضارتهم إلا إذا ضيع المسلمون إسلامهم، وعادوا ليعتنقوا هذا الفكر الأوروبي.
فنجحوا أولاً في تحرير الفكر.
стр. 333
الدعوة إلى تحرير المرأة
ثانياً: نادوا بعد ذلك إلى القشة التي قصمت ظهر البعير، أتدرون ما هي؟ نادوا إلى تحرير المرأة، ونجح أعداء ديننا في ذلك نجاحاً باهراً، حتى أخرجوا المرأة المسلمة -ولا حول ولا قوة إلا بالله- من خدر حيائها المهيب، ومن خدر حيائها المصون الكريم، حتى نجحوا في أن تخرج المرأة المسلمة سافرة متبرجة عارية تتحدى الله جل وعلا، وتقول بلسان الحال والمقال: يا رب غير شرعك وبدل دينك! فإنه لم يعد يتفق مع حضارة القرن العشرين.
عز على أعداء ديننا -عليهم لعنات الله المتوالية- أن تجود المرأة المسلمة على أمتها في هذا الزمان بعمر كـ عمر بن الخطاب، أو بخالد كـ خالد بن الوليد، أو بعمر كـ عمر بن عبد العزيز، أو بصلاح كـ صلاح الدين، وهي التي ظلت طيلة القرون الماضية تهز المهد بيمينها، وتزلزل عروش الكفر بشمالها.
ولكنهم نجحوا في أن تخرج المسلمة سافرة مبتذلة عارية، نجحوا في أن يغلغلوا في عقلها أن الإسلام دين الجمود، ولا بد من محاكاة الشرق الملحد والغرب الكافر، لا بد من التطور، لا بد من المدنية، لا بد من التحرر، ونجح أعداء ديننا في ذلك نجاحاً باهراً، وكاد جنونهم أن يدمر الأخضر واليابس يوم أن رأوا صحوتنا المسلمة الراشدة، هذه الصحوة التي هزت الشرق الملحد والغرب الكافر، فلم يهدأ لهم بال، بل ولن يقر لهم قرار إلا إن ينجحوا في أن يضربوا هذه الصحوة من بين صفوفها، عن طريق المسلمين الذين ينتسبون ظلماً وزوراً إلى هذا الإسلام العظيم، وهذا هو ما نحذر منه.
стр. 334
أهمية العقيدة في تقويم سلوك المسلم
وها نحن نضع الخطوات العملية لكي يكون الإسلام كلاً لا يتجزأ: ولابد أن نفهم هذه الحقيقة فهماً جيداً؛ لأن كثيراً من المسلمين ينتسب إلى الإسلام بشهادات الميلاد والبطاقات العائلية والشخصية، وهو بعيد كل البعد عن تعاليم وقيم الإسلام، بالله عليكم قولوا لي: ما معنى أن يكون المسلم مسلماً وهو يغش الميزان! وصار الكيلو جرام يساوي تسعمائة وخمسين جراماً فقط، سبحان الله! وإذا ذهبت لتاجر وقلت له: أعطني متراً من القماش، أعطاك (٩٥٠سم)، فالمتر أيضاً صار تسعمائة وخمسين سنتيمتر!! ما معنى أن يكون المسلم مسلماً وهو لا يصلي، ما معنى أن يكون المسلم مسلماً وهو لا يزكي، ما معنى أن يكون المسلم مسلماً وزوجته سافرة عارية متبرجة، ما معنى أن يكون المسلم مسلماً وهو يغتاب الناس ويمشي بين الناس بالنميمة، ما معنى أن يكون المسلم مسلماً وهو عاق لوالديه، وهو يؤذي الجيران، هل هذا الإسلام الذي تريدون؟ كلا والله! إذاً: لا بد أن نعلم علم اليقين أن العقيدة هي الأساس، وإن صلحت العقيدة صلح البناء كله، وإن فسدت العقيدة فسد البناء كله، من أجل ذلك فإني أنادي على إخواني من الدعاة أن يبدءوا أولاً في هذا العصر وفي هذه الأيام بما بدأ به النبي ﷺ في بناء العقيدة، لماذا؟ لأنني أرى كثيراً من الدعاة يركز على جوانب فرعية -كما قال أخي الشيخ عمر - وينسى الأساس، وبالله عليكم: هل يقول عاقل: إنه من الممكن أن نقيم هذا السقف بدون هذا الأساس وهذه الأعمدة؟! يا إخواننا! نريد أن نقف وقفة هامة عند هذه الحقيقة، ألا وهي أن الرسول ﷺ ظل يدعو إلى العقيدة في مكة ثلاثة عشر عاماً كاملة، وهو الرسول المؤيد بمدد السماء ووحي السماء ظل النبي ثلاثة عشر عاماً كاملة يربي الناس على العقيدة، وعلى معنى لا إله إلا الله، بأوامرها ونواهيها، ومقتضياتها وحدودها، لماذا؟ لأنه لو رسخت العقيدة في القلوب، واطمأنت لها النفوس، وانقادت لها الجوارح، لصلح الأمر؛ لأن الإيمان ليس كلمة تقال باللسان، ولكن الإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالجوارح والأركان.
لو رسخت معاني لا إله إلا الله في القلوب لأصبح الإنسان بعد ذلك مهيئاً لأن يقيم كل نظام الإسلام، بكل جزئياته وتصوراته، لأجل ذلك ظل النبي يربي الصحابة ثلاث عشرة سنة على العقيدة.
وبعد هذا لما هاجر النبي إلى المدينة ونزلت آيات التشريع وآيات المعاملات، قال الله جل وعلا: الخمر حرام، فقالوا: سمعنا وأطعنا، انتهينا ربنا، وقال: الربا حرام، فقالوا: سمعنا وأطعنا، انتهينا يا ربنا، لماذا؟ لأن العقيدة بنيت، لأن القلب أصبح على أتم الاستعداد للتلقي عن الله، ورسخ فيه معنى الإيمان ومعنى التوحيد، فأصبح هؤلاء العمالقة الصحابة في غاية الاستعداد لتلقي النظام الإسلامي كله، بكل فروعه وتصوراته وجزئياته، نهى الله فانتهوا، وأمر الله فأتمروا، وحد الله حدوداً فوقفوا جميعاً عند حدود الله.
стр. 335
الفرق بين المراقبة الدينية والمراقبة القانونية
أي حكومة من الحكومات الوضعية، لو أرادت أن تنهى عن جريمة من الجرائم، كجريمة الاغتصاب، أو جريمة شرب الخمور، أو جريمة الربا، واستخدمت إعلامها وبطشها وظلمها وجبروتها وقوتها ودعاياتها وكل ما تملك، فإنها لن تستطيع أن تقضي على هذه الجريمة إلا على الظاهر منها فقط، بينما المجتمع بأسره يعج بهذه الجريمة حيث لا تراه عين القانون الباصرة.
ولنضرب مثالاً نوضح به ما قلنا: لو أنك جندي في الجيش، ووقفت في طابور الصباح، ووقف أمامك ضابط برتبة مقدم أو عقيد أو عميد، وظل يصدر أوامر وتعليمات: انتبه، قف، لا يتلفت أحد، لا يجلس أحد، لا يتحرك لا لا وظل يصدر الأوامر والتعليمات، بالله عليكم! بمجرد أن يولي للناس ظهره سيحصل؟
الجواب
أن البعض سيقعد، والبعض الآخر سيصلح المنديل، وهكذا تكثر الحركة والفوضى.
ولننظر إلى المقابل الجميل المشرق، لو أن الإمام وقف أمام هذا الجمع الطيب، وأقام المؤذن الصلاة، ووقف الإمام ونظر إلينا بوجهه وقال: اعتدلوا، استقيموا، وأعطانا الإمام ظهره، فهل يجلس منا أحد؟ لا.
لأننا نراقب الله أصلاً، نراقب الله بقلوبنا، ونعلم أن الله لا يغفل ولا ينام هذا هو الفرق بين أن نراقب قانون السماء وقانون الأرض، هذا هو الفرق بين مراقبة القانون السماوي والقانون الوضعي البشري، لا تظنوا أن قانون العبيد كقانون العزيز الحميد، لا والله.
يا إخواني! إننا ننادي على الدعاة -وعليكم أولاً- أن يبدءوا ببناء العقيدة، لأن العقيدة هي الأساس، ابدءوا ببناء العقيدة وإن ادعى المسلمون بأنهم مسلمون؛ لأننا مسلمون ببطاقاتنا الشخصية فقط.
لأن الإسلام قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان.
стр. 336
التحيل على الربا والمحرمات
ثالثاً: لا بد -أيها الأحباب- أن نعلم أنه لن يفرج الله همنا، ولن يكشف الله غمنا، ولن تحل أزماتنا، ولن تفرج كروبنا، ولن تعود إلينا عزتنا، ولن يعود إلينا مجدنا، ولن تعود إلينا كرامتنا إلا بالصلح مع الله، إننا نحارب الله ليل نهار بالربا الذي حرمه الله وحرمه الرسول ﷺ ، فقال في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم وأحمد والنسائي وأبو داود وغيرهم، (درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد عند الله من ست وثلاثين زينة)، وقال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩] والله الذي لا إله غيره لقد أعلن الله الحرب علينا، هل تنتظرون أزمات أفظع وأجشع مما نعيش فيه! أزمات اقتصادية، وأزمات خلقية، وأزمات في المواصلات، وأزمات في رغيف الخبز، في كل شيء، فماذا تنتظرون يا سادة؟ نقول لهم: الربا حرام، ولكنهم يحتالون عليه ليحلوه لأنفسهم، رحمة الله عليك يا ابن القيم حين قلت: إن قلت: قال الله قال رسوله همزوك همز المنكر المتغالي إن قلت لهم: القرآن يقول: إن الله حرم علينا لحم الخنزير، قالوا: نعم هذا صحيح، ولكن القرآن حرم الخنازير التي كانت في أرض الجزيرة، لأنها كانت خنازير هزيلة، أما خنازير اليوم فهي سمينة جداً، وليست محرمة!! نقول لهم: الخمر حرام، يقولون: نعم، الخمر التي حرمها ربنا في القرآن حرام، لكننا لا نشرب الخمر، وإنما نشرب شمبانية، ونشرب بيره.
تقول: يا إخواننا! الربا حرام، قالوا: نعم، الربا حرام حرمه ربنا، لكن هذا الذي نأكله اسمه فوائد البنوك، اسمه شهادات الادخار، اسمه شهادات الاستثمار وفيها (أ، ب، ج)، وقالوا: بأن (أ، ب) حرام، و " ج " حلال، وفي الحقيقة كلها حرام حتى مجموعة (ج)، وهي نوع من أنواع المقامرة، والمقامرة محرمة شرعاً في الإسلام، كأن يأخذ مالك وماله ومالي، ثم يضعها على ما يسمى باليانصيب -اليانصيب الشهري، أو النصف شهري، أو السنوي أو النصف سنوي- فالذي يقع السهم على ماله هو الذي يربح كل المال وهذا هو ما يسمى في الإسلام بالمقامرة، والمقامرة محرمة شرعاً.
إن قلت قال الله قال رسوله همزوك همز المنكر المتغالي أو قلت قال الصحابة والأولى تبع لهم في القول والأعمال أو قلت قال الشافعي وأحمد وأبو حنيفة والإمام العالي صدوا عن وحي الإله ودينه واحتالوا على حرام الله بالإحلال يا أمة لعبت بدين نبيها كتلاعب الصبيان في الأوحال حاشا رسول الله يحكم بالهوى والجهل تلك حكومة الضلال إذاً إخواني: لا بد وأن نعلم أنه لا عز لنا ولا كرامة إلا إذا اصطلحنا مع الله، وعدنا إلى هذا الإسلام من منطلق: أنه كل لا يتجزأ، الإسلام دين ودولة، وعقيدة وشريعة، ودنيا وآخرة: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة:٨٥].
وأقول بصدق: أخزانا الله في الحياة الدنيا، على يد أبناء القردة والخنازير، على يد دولة لا تتجاوز الخمسة مليون، وضعت أنوف المسلمين في التراب، وداست على رءوسهم بالأحذية، كتب ربنا عليهم الذلة لكنهم أذلونا، وقد سمعت عبارة من أستاذ لي والله كاد قلبي أن ينخلع لسماعها، قال لي: لقد أذلنا الله في هذه الأيام لمن كتب الله عليه الذلة والمسكنة، فهل رأيت -يا بني- أذل ممن أذله الله للأذل! هل رأيتم أذل ممن أذله الله للأذل؟ لا والله، لا ذلة بعد هذه الذلة، ولا هوان بعد هذا الهوان، تركنا كتاب الله جل وعلا وفيه دواؤنا، وفيه هدايتنا ونجاحنا وفلاحنا، وصرنا نلهث وراء الشرق الملحد ووراء الغرب الكافر، وأبينا إلا أن نتبع خطاهم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلناه وراءهم، كما أخبر بذلك النبي ﷺ .
هذا القرآن الذي جعله الله عزنا، وجعله الله فلاحنا، وجعله الله في قيادتنا، ولكننا أبينا إلا أن نضيع القرآن، أبينا إلا أن نكون كما قال الرسول: ﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]، هذا القرآن الذي أنزله الله على الرسول لسعادة أمته، بل لسعادة البشرية في الدنيا والآخرة، هذا القرآن، إنه النعمة الباقية، إنه العصمة الواقية، إنه الحجة البالغة، إنه الدلالة الدامغة، والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى عليه، ما أنزله الله على الحبيب ليشقى به أبداً، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ [طه:٥ - ٦].
ما أنزل الله عليك القرآن -يا محمد- لتشقى به حين تواجه به الناس، كلا، ما أنزل الله عليك القرآن إلا لتقيم به أمة، وإلا لتنظم به مجتمعاً، وإلا لتربي به العقول والقلوب والضمائر والأخلاق، ما أنزل الله القرآن ليعلق على الجدران، أو ليحلي النساء بالقرآن صدورهن، أو ليقرأ المسلمون القرآن على القبور، كلا، بل: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس:٧٠]؛ هذا القرآن تلك هي وظيفته، وهذه هي مهمته.
يوم أن جعلت أمة محمد ﷺ القرآن قائداً، حوَّلهم من رعاة للغنم إلى سادة وقادة لجميع الأمم، ولكننا ضيعنا القرآن فضيعنا الله، ضيعنا القرآن فأذلنا الله، ضيعنا القرآن فأشقانا الله، ضيعنا القرآن فأبعدنا الله عن رحمته.
ولا بد أن نعلم أن العودة إلى هذا القرآن ليست اختياراً ولا تطوعاً، كلا، ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥]، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦].
إذاً: لا بد أن نعلم أن هذه البشرية من صنع الله، ولن تفتح مغاليق فطرتها إلا بمفاتيح من صنع الله، ولن تعالج أمراضها إلا بالدواء الذي سوف يقدم لها من يد الله .
لا بد أن نعود إلى مصدر عزنا، وإلى مصدر كرامتنا، وإلى مصدر رفعتنا.
стр. 337
طغيان المادة على قلوب المسلمين
النقطة الرابعة والأخيرة: أن طغيان المادة قد طغى على قلوب كثير من المسلمين في هذه الأيام، فطغيان المادة وشهواتها أنست المسلم ربه وآخرته.
وأنا أذكركم وأذكر نفسي -أيها الأحباب- بأنه لا بد من أن نفكر في يوم سوف نعرض فيه أمام الله جل وعلا، ولابد أن يسأل كل واحد منا نفسه: هل ما أقدمه لإسلامي، وما أقدمه لديني يليق بكمال الله وجلال الله وعظمة هذا الدين؟ سل نفسك أيها الشاب: ما هي الغاية والهدف الذي من أجله جعلك الله في هذه الأرض؟ لقد نسينا الهدف، وظن كثير منا أن هدفه أن يخرج في الصباح الباكر للعمل، وربما ضيع صلاة الفجر، وقضى الوقت في العمل، وعاد بعد ذلك ليتناول وجبة الغداء، وبعدها ينام، ثم يقوم ليجلس أمام المسلسلات أو أمام المباريات، ثم ينام إلى الصباح.
وهكذا دواليك، وكأنه ثور معلق في ساقيه، وعندما تقول له: لماذا لا تصلي؟ يقول لك: الإيمان في القلب! والله لو في قلبه ذرة من الإيمان ما ضيع أركان الواحد الديان، وآخر يقول لك: والله! إن قلبي مثل اللبن، وما دام قلبي نظيف فلا داعي للصلاة، وإذا فتح الله عليه وهدى قلبه، وعقد العزم على الصلاة، أتاه الشيطان بصورة أحد أصحابه، فيقول له: إلى أين؟ يقول: إلى الصلاة، فانتظرني وأنا سأخطف العشاء وآتيك.
جاء رجل للإمام أبي حنيفة عليه رحمة الله، وقال له: يا إمام! لقد ضاع مني مالي! فقال له الإمام: الجأ إلى الله، انو أن تصلي الليل كله لله ، فظن الرجل أن هذه وصفة، فقال: والله بسيطة! وذهب الرجل فتوضأ، ونوى أن يقيم الليل كله، لكن بنية أن يتذكر المال، وفي أول ركعتين جاءه إبليس، وقال له: لا تتعب نفسك! فالمال في المكان الفلاني.
صلى وصام لأمر كان يطلبه فلما انقضى الأمر لا صلى ولا صام أخذ المال ونام، وغدى في الفجر إلى الإمام لكي يبشره، فبكى الإمام عليه رحمة الله، وقال: والله لقد كنت على يقين أن الشيطان لن يدعك تقيم الليل لله .
﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم:٢٢]، ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر:١٦] إنا لله وإنا إليه راجعون! إذاً: لا بد أن تعلم وأن تتذكر -أخي الحبيب- هذه الحقيقة، وهي أن الشيطان عدو مبين للإنسان، حريص على أن يسلخه من دينه، وكثير من المسلمين قد ضيع أركان الدين، فضيع الصلاة، وضيع الزكاة، فلابد من الانتباه والعمل بما يوجبه الله.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 338
قذف المحصنات
لقد حفظ الله أعراض المسلمين وصانها؛ فأنزل حدوداً، وشرع شرائع تردع صاحب النفس الخبيثة التي تريد الفتنة، وتتتبع العورات، ومن ذلك: أن على من قذف المسلمين بالزنا أن يأتي بأربعة شهداء أو يجلد ثمانين جلدة؛ فأعراض المسلمين غالية، وأنسابهم شريفة؛ فليس لأي أحد أن يرميها أو يتهمها بسوء، إلا أن يأتي ببرهان واضح وضوح الشمس في رابعة النهار.
стр. 339
معنى قذف المحصنات
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، طبتم جميعاً، وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل منا صالح الأعمال، وأن يجمعني وإياكم في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد الدعاة وإمام النبيين في جنته، ومستقر رحمته؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! هذا هو لقاؤنا الأخير مع السبع الموبقات، التي حذر منها النبي ﷺ في الحديث الذي روه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة أنه ﵌ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله! وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات).
ونحن في هذا اللقاء على موعد مع الكبيرة السابعة، ألا وهي: قوله ﷺ : (وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) وسوف ينتظم حديثي عن هذا الموضوع في العناصر التالية: أولاً: المعنى اللغوي.
ثانياً: شروط القذف، وبم يثبت؟ ثالثاً: حكم القذف، وعقوبته في الدنيا والآخرة.
رابعاً: نموذج من القذف البشع.
وأخيراً: صورة مشرقة.
فأعيروني القلوب والأسماع؛ فإن هذا اللقاء من الأهمية بمكان، أسأل الله جل وعلا أن يسدد قلبي وقلوبكم وقولي وقولكم، إنه ولي ذلك ومولاه.
أولاً: المعنى اللغوي.
القذف كما جاء في لسان العرب لـ ابن منظور: هو الرمي والسب، والمعنى هنا: رمي المرأة بالزنا أو ما في معناه.
أما المحصنات جمع محصنة، والمحصنة: هي المرأة المتزوجة، والمحصنة والمحصنة بالكسر كذلك هي المرأة العفيفة الشريفة البعيدة عن الريبة والشك، والغافلات هن البريئات الطوايا، المطمئنات النفس، اللاتي لم يفعلن شيئاً يحذرنه ويخفن منه، هذا هو المعنى اللغوي لكلماتنا التي نحن بصدد شرحها اليوم بإيجاز شديد.
стр. 340
شروط إقامة حد القذف وبما يثبت
ما هي شروط القذف؟ وبمَ يثبت؟ لا يصبح القذف جريمة تستحق الجلد إلا بشروط، منها ما يجب توافره في القاذف، ومنها ما يجب توافره في المقذوف، ومنها ما يجب توافره في الشيء المقذوف به.
стр. 341
الشروط التي يجب توافرها في المقذوف
ثانياً: الشروط التي يجب توافرها في المقذوف: أولاً: العقل.
ثانياً: البلوغ، أي: أن يكون المقذوف أيضاً بالغاً، قال الإمام مالك: فإذا قذف إنسان صبية صغيرة لم تصل إلى حد البلوغ، لكنها تُشتهى، فإنه يجب أن يقام على قاذفها الحد؛ لأن هذا القذف قد يسيء إلى أهلها وأسرتها، وقد يفسد عليها مستقبلها.
لكن جمهور أهل العلم قالوا: إن قاذف الصبية التي لم تصل إلى حد البلوغ لا يقام عليه حد القذف، وإنما يعزر، ويترك التعزير لولي الأمر أو للقاضي.
ثالثاً: أن يكون مسلماً.
رابعاً: أن يكون ذا عفة، أي: أن يعرف هذا الرجل بالعفة، وبالبراءة والبعد عن هذه الفاحشة التي رمي بها.
خامساً: الحرية، أي: أن يكون المقذوف حراً لا عبداً، وقذف الحر للعبد محرم أيضاً، روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، وهذا لفظ البخاري في كتاب الحدود أنه ﵌ قال: (من قذف مملوكه وهو بريء مما قال جلد يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال) هذه هي الشروط التي يجب أن تتوافر في المقذوف.
стр. 342
الشروط التي يجب توافرها في االقذف نفسه
ثالثاً: الشروط التي يجب أن تتوافر في القذف نفسه هي: التصريح بالزنا، أو التعريض الظاهر الذي يفهم منه بدون التصريح بالقذف، والتعريض الظاهر، مثل أن يقول رجل لرجل آخر: أنا لست ولد زنا، أو: إن أمي ما زنت بي، فهذا تعريض ظاهر بأنه يتهم من يحدثه بأنه كذلك، فالتصريح أو التعريض الظاهر من الشروط التي يجب أن تتوافر في القذف نفسه.
стр. 343
ما يثبت به حد القذف
بمَ يثبت حد القذف؟! يثبت حد القذف بأمرين، أو بأحدهما: الأمر الأول: إقرار القاذف على نفسه.
والأمر الثاني: شهادة الشهود على أن القاذف قد قذف فلاناً من الناس.
стр. 344
الشروط التي يجب توافرها في القاذف
أولاً: الشروط التي يجب توافرها في القاذف هي: العقل، والبلوغ، والاختيار، أي: أن يكون القاذف عاقلاً بالغاً مختاراً غير مكره، وهذه الشروط هي أصول التكليف باتفاق، فإن القاذف إذا كان مجنوناً أو صغيراً أو مكرهاً لا يقام عليه الحد باتفاق أهل العلم؛ وذلك للحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في السنن والترمذي في جامعه والحاكم في المستدرك، وصحح الحديث شيخنا الألباني في صحيح الجامع من حديث علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﵌ قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم -وفي لفظ: وعن الصبي حتى يشب- وعن المجنون حتى يفيق) وفي لفظ: (وعن المعتوه حتى يعقل) ولقوله ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام الطبراني من حديث ثوبان، وصحح الحديث شيخنا الألباني في صحيح الجامع أنه ﵌ قال: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه) هذه هي الشروط التي يجب توافرها في القاذف؛ ليقام عليه حد القذف، أي: ليجلد ثمانين جلدة، وهي: أن يكون عاقلاً بالغاً مختاراً لا مكرهاً.
стр. 345
حكم القذف وعقوبته في الدنيا والآخرة
ثالثاً: حكم القذف، وعقوبته في الدنيا والآخرة.
أيها الأحبة الكرام! إن الإسلام منهج حياة متكامل؛ لا يقوم أساساً على العقوبة، ولكنه يقوم على توفير أسباب الحياة النظيفة، والضمانات الوقائية الأمينة، ثم يعاقب بعد ذلك من يدع الأخذ بهذه الأسباب الميسرة، والضمانات المأمونة؛ ليتمرغ في أوحال المعصية طائعاً مختاراً غير مضطر، ومن ثمَّ يشدد الإسلام في عقوبة القذف هذا التشديد، ويتوعد على القذف بأشد الوعيد؛ لأن ترك الألسنة تلقي التهم جزافاً بدون بينة أو دليل يترك المجال فسيحاً لكل من شاء أن يتهم من شاء، في أي وقت شاء، بتلك التهمة الفظيعة النكراء، ويمضي هذا القاذف آمناً في الجماعة، مطمئناً لا ينكد عيشه، ولا تكدر حياته ولا نفسيته، وإذا بالمجتمعات تصبح وتمسي وأعراضها مجرحة، وسمعتها ملوثة، وكل فرد فيها شاك في أصله، أو شاك في زوجه، أو شاك في بيته، بل وكل بيت فيها مهدد بالانهيار، وهذه حالة من الشك والقلق والريبة لا يمكن أن تطاق بحال من الأحوال، ومن ثمَّ شدد الإسلام هذا التشديد الرهيب على جريمة القذف، وعلى عقوبة القذف، وأوجب على القاذف ثلاثة أحكام.
أولاً: أن يجلد القاذف ثمانين جلدة، إنها عقوبة تقرب من عقوبة الزنا، للزاني البكر ثمانين جلدة، وعقوبة الزنا كما تعلمون لغير المحصن أن يجلد مائة جلدة، أولاً الأحكام التي أوجبها الله على القاذف أن يجلد ثمانين جلدة.
ثانياً: أن ترد شهادته أبداً.
ثالثاً: أن يصبح فاسقاً، أي: ليس بعدل لا عند الله ولا عند الناس، وهذه الشروط متفق عليها بين الفقهاء ما لم يتب القاذف إلى رب الأرض والسماء، ولقد نصت على هذه الأحكام آية محكمة من سورة النور، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٤] ثم يأتي هذا الاستثناء الندي من الرحيم الكريم: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٥].
هذه هي الأحكام التي تترتب على القاذف في هذه الحياة الدنيا.
стр. 346
عقوبة القذف في الآخرة
تقدم بإيجاز الكلام عن حكم القذف وعقوبته في الدنيا، أما عقوبة القذف في الآخرة فوالله إنها لقاسية، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور:٢٣ - ٢٥].
стр. 347
وجوب الجلد أو اللعان لمن قذف امرأته
أخرج الإمام أحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو داود وغيرهم عن ابن عباس ﵄ قال: (لما نزلت آية سورة النور -أي: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ)) [النور:٤] إلى آخر الآية قال سعد بن عبادة: أهكذا أنزلت يا رسول الله؟! فقال النبي ﷺ : يا معشر الأنصار! أما تسمعون ما يقول سيدكم؟ فقال الأنصار: لا تلمه -يا رسول الله- فإنه رجل غيور، والله! ما تزوج امرأة قط إلا بكراً، وما طلق امرأة قط فاجترأ أحد منا على أن يتزوجها من شدة غيرته، فلا تلمه يا رسول الله! فقال سعد بن عبادة: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! والله! إني لأعلم أنها لحق، وأنها من عند الله تعالى، لكني تعجبت! فإذا رأيت لكاعاً -أي امرأته- قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه، ولا أحركه حتى أنطلق لآتي بأربعة شهداء! والله! ما آتي بهم إلا وقد قضى حاجته يا رسول الله!) وفي لفظ البخاري ومسلم أن سعد بن عبادة ﵁ قال: (والله! لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال الحبيب: أتعجبون من غيرة سعد؟! والله! لأنا أغير من سعد، والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن) فالله يغار، وصفة الغيرة لا ينبغي أن تؤول أو تعطل أو تكيف أو تمثل، فالله جل وعلا يغار، (ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
فما لبث ذلك المجتمع الطاهر الكريم إلا يسيراً حتى ابتلي بما خافه سعد بن عبادة، ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وأحمد وغيرهم بألفاظ مختلفة من حديث ابن عباس ﵄ أنه قال: فوالله! لم يلبثوا إلا يسيراً حتى جاء هلال بن أمية - وهذا من الثلاثة الذين تخلفوا، وتاب الله عليهم- من أرضه عشاءً، فدخل على أهله، فوجد رجلاً يفعل الفاحشة بأهله، فرأى بعينيه، وسمع بأذنيه، فلم يهيجه، فلما أصبح غدا على رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إني جئت أهلي عشاءً فرأيت بعيني وسمعت بأذني، واتهم هلال زوجته، وقذفها بالزنا عند رسول الله برجل يقال له: شريك بن سحماء هكذا قذف هلال امرأته بالزنا، فما العمل؟ وما الحل؟ كره رسول الله ﷺ ما جاء به هلال بن أمية، واشتد عليه ذلك، واجتمعت عليه الأنصار وقالوا: لقد ابتلينا بما قاله سعد بن عبادة، والرسول ﷺ قال لـ هلال بن أمية: يا هلال! البينة أو حد في ظهرك؟ فقال هلال بن أمية: يا رسول الله! إذا رأى أحدنا رجلاً على امرأته ينطلق يلتمس البينة؟! والرسول ﷺ يقول: البينة أو حد في ظهرك؟ وإذا بـ هلال يقول: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق! إني لصادق، ولينزلن الله ما يبرئ به ظهري من الحد.
يا إلهي! أي ثقة هذه؟! وأي يقين بالله هذا؟! يقول الرجل: (ولينزلن الله ما يبرئ به ظهري من الحد) يقول ابن عباس: والله! لقد أراد رسول الله أن يقيم الحد على هلال بن أمية، وبينما هو كذلك إذ أنزل الله الوحي على رسوله ﷺ ، وكان إذا نزل عليه الوحي عرف الصحابة ذلك، فأمسكوا عنه، فلما فرغ الوحي سري عن رسول الله ﷺ ، وكان أول ما فعل: أن التفت إلى هلال بن أمية وقال: أبشر يا! هلال! أبشر يا هلال! فلقد جعل الله لك فرجاً ومخرجاً، فقال هلال بن أمية: والله! لقد كنت أرجو ذلك من ربي .
فنزلت على الحبيب آيات اللعان لتبت الأمر في هذه القضية الخطيرة، وتلا الحبيب ﷺ قول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ * وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:٦ - ١٠] ثم قال الحبيب: (أرسلوا إليها، فجاءت امرأة هلال بن أمية، فتلا النبي عليهما الآيات، وذكرهما بالله ، وأخبرهما أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، ثم قال هلال: والله! إني لصادق يا رسول الله! فقالت المرأة: إنه لكاذب، فقال النبي: لاعنوا بينهما، فقيل لـ هلال بن أمية: اشهد بالله، فشهد هلال أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، أي: صادق فيما قذف به امرأته من الزنا، ولما كانت الخامسة قيل له: يا هلال اتق الله! فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة؛ وإن هذه هي الموجبة التي توجب عليك العذاب، فقال هلال: والله! لا يعذبني الله عليها، كما لم يجلدني عليها، وإني لصادق، فشهد في الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم قيل للمرأة: اشهدي بالله أربع شهادات أنه من الكاذبين، فشهدت المرأة أربع شهادات إنه لمن الكاذبين، فلما كانت الخامسة قيل لها: اتقي الله! فإن هذه هي الموجبة التي توجب عليك العذاب، وإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فتلكأت المرأة ساعة، وهمت بالاعتراف، ثم قالت: والله! لا أفضح قومي، فشهدت على نفسها في الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين).
وهنا فرق النبي بينهما، وقضى بالولد لها، ونهى عن أن ينسب الولد لأب، وأسقط النسب عن هلال بن أمية، وحذر من أن يرمى ولدها، فمن رماه أقيم عليه حد القذف، ثم قال النبي ﵊: (انظر! فإن جاءت به -أي: بولدها- أكحل العينين، سابغ الإليتين، خدلج الساقين، فهو لـ شريك بن سحماء، فلما وضعت المرأة ولدها كان بمثل ما وصفه رسول الله ﷺ ، فقال الحبيب: والله! لولا ما قضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن).
اللعان بمثابة البينة للزوج الذي رأى زوجته على الفاحشة -والعياذ بالله- ولم يستطع أن يأتي بالشهود، فله أن يلاعنها ويترتب على اللعان الأحكام التالية: أولاً: أن يفرق بينه وبين امرأته.
ثانياً: أن تحرم المرأة عليه تحريماً أبدياً.
ثالثاً: أن يسقط عنه النسب؛ فلا ينسب الولد إليه.
رابعاً: أن يسقط عنه حد القذف، فلا يقام عليه حد القذف، ولا يجلد.
الخامسة: أن ترجم المرأة إذا لم تلاعن، فإذا لاعنت هي الأخرى لا يترتب على لعانها إلا حكم واحد، ألا وهو أن يسقط عنها حد الرجم.
стр. 348
نموذج من القذف البشع
العنصر الرابع: بإيجاز شديد: نموذج من القذف البشع، وانتبهوا جيداً أيها الأحباب الكرام! إنه نموذج من القذف البشع لأشرف وأطهر وأكرم بيت على ظهر هذه الأرض، لبيت الحبيب المصطفى، لبيت رسول الله، قذف الرسول واتهم في عرضه وشرفه في عائشة التي أحبها من كل قلبه، ولنترك الحديث لـ عائشة ﵂ لتحدثنا عن هذا النموذج الوقح، وعن هذه الفتنة المزلزلة القاسية المدمرة، والحديث رواه البخاري ومسلم وغيرهما، تقول عائشة ﵂: (كان رسول الله ﷺ إذا خرج إلى سفر أقرع بين نسائه -أي: ضرب يبن نسائه قرعة- فأيتهن وقعت القرعة عليها خرجت مع رسول الله، فأقرع رسول الله بيننا في إحدى غزواته -وهي: غزوة بني المصطلق- فوقع سهمي، فخرجت مع رسول الله ﷺ ، وكانت آية الحجاب قد نزلت، وكنت أحمل في هودجي وأنزل فيه -والهودج: هو المحمل على ظهر البعير تركب فيه المرأة ليسترها، أي: يحملون الهودج وهي بداخله، يضعونه وينزلونه- فلما انتهى رسول الله من الغزو وقفل -أي: عاد- ودنونا من المدينة آذن رسول الله ليلة بالرحيل، فانطلقت لقضاء حاجتي بعيداً عن الجيش، فلما قضت حاجتها وفرغت من شأنها عادت إلى رحلها، فالتمست صدرها فلم تجد عقدها، فعادت مرة أخرى لتبحث عن عقدها، وأخرها طلب العقد، وكان الجيش قد رحل، فلما عادت لم تجد في منزل الجيش من داع ولا مجيب، تقول عائشة: فمكثت في منزلي، وظننت أن القوم سيفقدونني، ويرجعون إلي، فبينما أنا كذلك غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ﵁ خلف الجيش، فرأى سواد إنسان نائم، فأقبل عليها وعرفها؛ تقول: فعرفني؛ لأنه كان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه -أي: استيقظت من نومي على قوله: إنا لله وإنا إليه راجعون- فخمرت وجهي بجلبابي -أي: غطيت وجهي بجلبابي- ووالله! ما كلمني كلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، فأناخ راحلته فركبتها، وانطلق بي يقود الراحلة، حتى أتينا الجيش وقد نزل في نحر الظهيرة -أي: في وسط شدة الحر- فهلك في شأني من هلك، وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي بن سلول) وفي بعض الروايات: (نظر رأس النفاق الوقح فقال: من هذه؟! لأنها جاءت بغير هودج، جاءت على ظهر بعير صفوان بن المعطل ﵁، فقالوا: إنها عائشة ﵂، فقال الخبيث: زوج نبيكم تبيت مع رجل، ويأتي بها في الصباح يقودها! والله! ما نجت منه، ولا نجا منها!) قولة عفنة خبيثة شريرة، وطير المنافق هذه المقولة وهذا القذف الخطير الكبير، وتلقفتها ألسنة المشركين والمنافقين، وما أكثرهم في كل زمان ومكان! الذين يريدون النيل من القادة الأطهار الأشراف الأخيار، ويريدون النيل من الإسلام ذاته متمثلاً في أطهر مثل، وأعظم قدوة، في محمد بن عبد الله ﵌، وهلك بعض المسلمين، وزلوا وسقطوا في هذا، وماجت المدينة الطاهرة شهراً كاملاً بقولة أهل الإفك؛ بهذا القذف المرير الرهيب الخطير، ولحكمة يعلمها الله لم تنزل آية واحدة على قلب رسول الله ﷺ ، ورسول الله يتألم، ويطحن قلبه الألم، ويعصر كبده هذا الخبر الفظيع المؤلم، رسول الله ﷺ يتهم في عرضه! ويتهم في شرفه! ويتهم في طهارته! وهو الطاهر الذي فاقت طهارته على جميع العالمين، ويتهم في صيانة حرمته! وهو القائم على صيانة الحرمات في أمته، وفيمن؟! في عائشة التي أحبها من كل قلبه، وها هي الصديقة الطاهرة العفيفة الحصان الرزان رضوان الله عليها تتهم في أعز وأغلى ما تعتز به كل فتاة شريفة، في عرضها وفي شرفها، تتهم عائشة زوج الحبيب رسول الله في عرضها وشرفها، وهي الزهرة التي ترعرعت في بستان الإسلام، وسقيت بمداد الوحي على يد رسول الله ﵌، وها هو صديق الأمة الأكبر الرجل الكريم الشهم أبو بكر الذي احتل ذروة سنام الصديقية بلا منازع، يحطم قلبه الألم، وتهدهد هذه الإشاعة كبده، وتكاد أن تفتته، ﵁ وأرضاه، ويحدث ويعبر عن هذا الألم الذي يكاد يعصر قلبه، ويحطم فؤاده وهو يقول: (والله! ما رضينا بهذا في الجاهلية أفنرضى به في الإسلام؟!) وها هو الصحابي الجليل صفوان بن المعطل يتهم في دينه وعرضه، ويتهم في شرفه، ويتهم بخيانة حبيبه ورسوله ونبيه ﷺ ، رحماك رحماك يا ألله! أي ابتلاء هذا؟! وأي فتنة هذه؟! والله لا تقوى الجبال الراسيات على تحمل هذه المصيبة الكبيرة والفتنة المدمرة، قال ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢ - ٣] لكِ الله يا عائشة! فما حالها؟! وكيف يكون شأنها؟! وهي الغافلة التي لا تعلم عن الأمر شيئاً، بل ولم تسمع عن الأمر شيئاً، تقول عائشة: (فلما عدنا إلى المدينة مرضت شهراً كاملاً، وأنا لم أعلم شيئاً، ولم أسمع من حديث الإفك شيئاً، ولم أستنكر من رسول الله إلا أنه لم يكن يلاطفني بمثل ما كان يلاطفني به إذا اشتكيت، حتى خرجت يوماً لقضاء حاجتي، فالتقيت بأم مسطح، فأخبرتني بخبر أهل الإفك، فقلت: أوقد قال الناس ذلك؟! قالت: بلى، أما سمعت؟!) فعادت عائشة ﵂ الغافلة المحصنة المؤمنة البريئة الطوية التي لا تنتبه لشيء؛ لأنها ما ألمت بشيء تحذر منه أو تخاف منه، عادت إلى بيتها فدخل عليها رسول الله ﷺ ، فاستأذنته أن تذهب إلى بيت أبويها لتتيقن من الخبر، فأذن لها رسول الله ﷺ ، تقول: (فذهبت إلى بيت أبوي، فسألت أمي، فقالت لها أمها: يا بنية! لا تلتفتي إلى هذا، فقلت: سبحان الله! أوقد قال الناس هذا حقاً؟! فبكيت تلك الليلة، وما اكتحلت عيني بنوم، حتى إن أبوي يزعمان أن البكاء فالق كبدي، تقول: ورسول الله يدخل يسلم ولا يقول إلا كلمة واحدة: كيف تيكم؟! ثم ينصرف، تقول: فاستأذنت عليّ ذات يوم امرأة من الأنصار، فأذنت لها، وأنا أبكي، فجلست إلى جواري تبكي، وأبواي جالسان عند رأسي، فدخل علينا رسول الله ﷺ ، فجلس إلى جوار عائشة وتشهد وحمد الله ثم قال: يا عائشة! لقد بلغني عنك كذا وكذا؛ فإن كنت بريئة فسيبرئك الله ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله؛ وتوبي إليه، فإن العبد إذا أذنب فاعترف بذنبه فتاب إلى الله تاب الله عليه) يا ألله! يقول هذا رسول الله ﷺ ، تقول عائشة: (فلما سمعت مقالة رسول الله قلص دمعي -جف الدمع في عيني، ونظرت إلى أبيها، وهي لا تعرف بماذا تجيب؟! وماذا تقول؟! - وقالت لأبيها: أجب عني رسول الله، فقال الصديق ﵁: والله! ما أعلم ماذا أقول لرسول الله، فالتفتت المسكينة إلى أمها فقالت: أجيبي عني رسول الله، فقالت الأم التي حطمها الألم: والله! ما أعلم ماذا أقول لرسول الله ﷺ ، تقول المسكينة الحصان الرزان: والله! ما أعلم لكم مثلاً إلا كما قال أبو يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨] تقول عائشة: فاضطجعت في فراشي وأعطيت لهم ظهري، ووالله! إني لأعلم أني لبريئة، وأن الله مبرئي ببراءة، ولكني ما كنت أظن أن الله سينزل في حقي وحياً يتلى، فلشأني في نفسي كان أحقر من هذا، تقول: والله! ما غادر رسول الله موضعه وما برح المكان منا أحد وإذ برسول الله ينزل عليه الوحي، وكان إذا تنزل عليه الوحي عرف منه ذلك، حتى أخذته الرحضاء، وتنزلت منه مثل حبات الجمان -أي: كحبات اللؤلؤ- في اليوم الشديد البرودة، فلما سري عن رسول الله ﷺ ونزلت عليه براءة عائشة من السماء ممن يسمع ويرى ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، التفت رسول الله إلى عائشة ﵂ وهو يضحك، وقال لها: أبشري يا عائشة! لقد برأك الله ، فقالت أمها: قومي يا عائشة فاحمدي رسول الله ﷺ ، فقالت عائشة: لا والله! والله! لا أحمده ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي) يا لها من ثقة ويقين عجيبين! وتلا الحبيب ﷺ قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١١] إلى آخر الآيات في سورة النور.
وهكذا أيها الأحبة! نرى نموذجاً بشعاً مرعباً من نماذج القذف، وهذه هي خطورته، ومن ثمَّ شدد الإسلام هذا التشديد على هذه الجريمة البشعة التي تفسح المجال لكل أحد أن يقول ما شاء في أي وقت شاء، وأن يتهم من شاء بتلك التهمة النكراء.
وأخيراً: في مقابل هذه الصورة القاتمة تبقى لنا صورة وضيئة مشرقة، نعيش معها بعد جلسة الاستراحة.
وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 349
صورة مشرقة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة! في مقابل هذه الصورة القاتمة تعالوا بنا لنعيش قليلاً جداً مع هذه الصورة المشرقة، إنها صورة فتى ملأ الإيمان قلبه، وملأ عليه قلبه حب رسول الله ﷺ ، إنه الفتى الصغير الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره، عمير بن سعد ﵁ وأرضاه، عمير بن سعد مات أبوه فتزوجت أمه برجل ثري غني يقال له: الجلاس بن سويد، ولما كان في السنة التاسعة من الهجرة دعا رسول الله المسلمين أن ينفقوا، وأن يبذلوا لغزوة تبوك، فتسابق المسلمون في الإنفاق، وعاد الفتى الصغير عمير بن سعد ليقص على زوج أمه الجلاس بن سويد ما كان من أخبار المؤمنين الصادقين، وما كان من تخلف المنافقين والمرجفين عن رسول الله ﷺ ، فقال الجلاس بن سويد كلمة خبيثة خطيرة، قال: يا عمير! إن كان محمد صادقاً فيما يقول فنحن شر من الحمير، وهنا حلقت عين الفتى المؤمن في وجه هذا الرجل، وقال له: والله! ما كان أحد على ظهر الأرض أحب إلي بعد رسول الله منك، أما وقد قلت هذه المقالة فلقد قلت مقالة إن قلتها فضحتك، وإن أخفيتها أهلكت نفسي وديني، فكن على حذر من أمرك؛ فإني مخبر رسول الله بما قلت، وانطلق الفتى الصادق الذي وعى ما سمع إلى رسول الله ﷺ ، فقص عليه ما كان من الجلاس بن سويد، فأجلسه النبي عنده، وأرسل النبي رجلاً ليأتيه بـ الجلاس، للتثبت والتبين قبل الحكم، وجاء الجلاس، فأنكر ما قاله الفتى المؤمن، وقال: والله! يا رسول الله! ما قلت، وإن عميراً قد كذب علي، ولماذا أقول هذا؟! إلى آخر هذه الافتراءات والاتهمات القديمة الحديثة التي يأبى الله إلا أن يظهرها على صفحات وجوه المنافقين وألسنتهم، وفي مداد أقلامهم العفنة.
ونظر النبي ﷺ إلى هذا الفتى المؤمن وقد احتقن وجهه بالدم واحمر، وانهمرت الدموع على خده وعلى وجنيته، وارتعد وخاف، ماذا يقول لرسول الله ﷺ ؟ ووالله! لم يلبثوا إلا يسيراً حتى نزل على رسول الله الوحي في مجلسه هذا، ونزل عليه الوحي الذي يبرئ هذا الفتى الذي رفع أكف الضراعة إلى الله وقال: اللهم أنزل على رسول الله تصديق ما قلت، ونزل قول الله جل وعلا: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [التوبة:٧٤] فصرخ الجلاس بن سويد وقال: صدق عمير يا رسول الله! وأتوب إلى الله يا رسول الله! وهكذا التفت النبي إلى هذا الفتى الصادق الذي بللت وجهه مرة أخرى دموع الفرح بعد دموع الحزن والألم، ومد الحبيب يده إلى أذن عمير بن سعد ففركها بيسر ولين وقال له: (لقد وفّت أذنك ما سمعت، وبرأك ربك يا عمير)!.
إنها صورة مشرقة تعمدت أن أختم بها في مقابل تلك الصورة القاتمة للقذف البشع.
أسأل الله جل وعلا أن يتقبل مني وإياكم صالح الأعمال، اللهم ارزقنا الصدق في أقوالنا، والإخلاص في أعمالنا وأحوالنا، اللهم اغفر لنا ذنوبنا، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم استرنا ولا تفضحنا، اللهم استرنا ولا تفضحنا، اللهم استرنا ولا تفضحنا، اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم استر نساءنا، اللهم استر نساءنا، اللهم استر نساءنا، اللهم استر نساءنا.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
اللهم اقبلنا وتقبل منا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأعل بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم قيض لأمة التوحيد أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، اللهم اجعل بلاد الحرمين أمناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم اجعل بلاد الحرمين أمناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم اجعل بلاد الحرمين سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم وفق حكامنا وعلماءنا إلى كل ما فيه رضاك يا رب العالمين! أحبتي في الله! أكثروا من الصلاة والسلام على رسول الله كما أمرنا الله جل وعلا بذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله! أن أذكركم به وأنساه.
стр. 350
أفغانستان جراح وآمال
لقد أبرز الجهاد الأفغاني ضد روسيا حقائق عظيمة، ومصالح عديدة، ظهرت وتجسدت جلية في واقع الأمة الإسلامية، ومن ذلك: أنه انكسر في قلوب المسلمين رهبة الدول العظمى، وتبين لهم تحقق قوله سبحانه: (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز).
стр. 351
جراح المسلمين في أفغانستان
الحمد لله ذي الملك والملكوت، الحمد لله ذي العزة والجبروت، الحمد لله الذي بنصره وبتمام قدرته وكمال عظمته أنهى على أرض أفغانستان آمال الروس القياصرة، الحمد لله الذي أذل بالموت رقاب الروس الجبابرة، فنقلهم بالموت من القصور في الكرملن إلى القبور في أرضه وتحت طيات التراب، نقلهم من القصور إلى القبور، ومن ضياء المهود إلى ظلمة اللحود، ومن ملاعبة النساء والبغايا والغلمان إلى مقاساة الهوام والديدان، ومن التنعم بالطعام والشراب إلى التمرغ في العذاب والوحل والتراب.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القوي العزيز، الفعال لما يشاء إذا شاء كيف يشاء في الوقت الذي يشاء، ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:٢٦] لا راد لحكمه، ولا معقب لأمره، ولا مانع ولا حائل لنصره جل وعلا، ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٧ - ١٨] جل عن الشبيه وعن المثيل والنظير، لا كفء له ولا ند له، ولا شبيه له ولا مثيل له: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤].
(إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل، وعمل الليل قبل عمل النهار، حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه).
وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وقف في ميدان الوغى وساحة الشرف في ميادين الرجولة والبطولة يوم خرست الألسنة، ونطقت السيوف، وخطبت الرماح على منابر الرقاب، وقف ابن عبد الله ﷺ يقول بأبي هو وأمي: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب).
اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، فهو الذي علم الأمة الكرامة والشهامة، والرجولة، ويوم أن غابت الأمة عن تعاليمه أذلها الله جل وعلا! اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، وسار على طريقه، واتبع سنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! لقد كان من المنتظر أن يكون لقاؤنا اليوم هو اللقاء السابع من دروس سورة النور، ولكن يجب علينا أن نكون على مستوى أحداث أمتنا المكلومة المجروحة، فآثرت أن نطير سوياً على جناح السرعة لأمر الله جل وعلا إلى أرض أفغانستان الطاهرة إلى جبال أفغانستان وروابيها التي رويت بدماء الأبرار الأطهار إلى أرض المليون شهيد التي روت بدمائهم جبالها وصحاريها لإعلاء كلمة الله جل وعلا.
أيها الأحباب! لقاؤنا اليوم بعنوان: أفغانستان جراح وآمال.
بأي الجراح أبدأ؟ وعن أي الجراح سأتكلم؟ عن جراح المليون شهيد أم عن جراح المرأة التي غاب عنها زوجها أم عن جراح الأم التي كلم قلبها بموت شهيدها أم عن جراح الطفل الذي رأى أمه تقتل وتذبح ذبح الخراف أمام عينيه وبين يديه فراح يلتقم ثديها وقد فارقت الحياة، عن أي الجراح سأتكلم؟ هل سأتكلم عن جراح أفغانستان أم سأتكلم عن جراح أمة المسلمين التي تعتبر أفغانستان جزءاً مشلولاً من هذا الجسد الكبير الذي نزف وطال نزيفه، ومرض وغاب مرضه، وخدر وغاب تخديره ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم؟! عن أي الجراح سأتكلم؟ هل أتكلم عن جراح المسلمين في يوغوسلافيا على أيدي الصرب الفجرة الكفرة الذين انقضوا على المسلمين والمسلمات بالسلاح الأبيض، يقطعون أثدية النساء، ويذبحون الرجال على مرأى ومسمع من الدنيا؟ أين مجلس الأمن؟ وأين هيئة الأمم؟ هل هذا حرام على المسلمين حلال للفجرة الكفرة؟! لا حول ولا قوة إلا بالله.
لا إله إلا الله! المسلمون يذبحون ذبح الخراف على كل بقعة من أرض الله جل وعلا، في يوغسلافيا في كشمير في الفلبين، حتى في كثير من الدول العربية المسلمة -إنا لله وإنا إليه راجعون- امتلأت السجون والمعتقلات، ولا حول ولا قوة إلا برب الأرض والسماوات.
ما الذي جرى وما الذي حدث؟ أيها الأحباب! عم البلاء، واشتد الابتلاء، واشتد سواد الليل، وهذه بشائر النصر بإذن الله، فإن أشد ساعات الليل سواداً هي الساعة التي يليها ضوء الفجر، وفجر الإسلام قادم لا محالة، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف:٨] ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣]، ووالله لن تستطيع جميع الأفواه ولو اجتمعت على أن تطفئ نور الله جل وعلا فهل يضر السماء نبح الكلاب؟! سقطت ذبابة حقيرة على نخلة تمر عملاقة، وهمت الذبابة بالانصراف، فقالت الذبابة الحقيرة للنخلة العملاقة: أيتها النخلة! تماسكي فإني راحلة عنك، فقالت لها النخلة العملاقة: انصرفي أيتها الذبابة الحقيرة، وهل أحسست بك حينما سقطت علي لأستعد لك وأنت راحلة عني؟! إن جميع الأفواه لن تستطيع إطفاء نور الله ولو اجتمعت: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف:٨].
стр. 352
الجهاد الأفغاني ميلاد جديد لهذه الأمة
أيها الأحباب! لقد كان الجهاد الأفغاني ميلاداً جديداً لهذه الأمة التي نامت وغطت في نومها لقد كان الجهاد الأفغاني ميلاداً جديداً لهذه الأمة التي مرضت وطال مرضها لقد كان الجهاد الأفغاني ميلاداً جديداً لهذه الأمة التي مسخت وخدرت وغاب تخديرها.
لقد كان صمود المجاهدين الأفغان ثلاثة عشر عاماً أمام هؤلاء الروس شرفاً تاريخياً ضخماً لا شك في ذلك، ولقد كان انهزام الدب الروسي الأحمر الغبي الوقح أمام هؤلاء الأطهار الأبرار حدثاً تاريخياً ضخماً، أضخم وأعظم من سابقه، ولكن -بالله عليكم- هل عرف المسلمون على ظهر الأرض حقيقة هذا الجهاد؟ لا إلا من رحم الله جل وعلا.
كم من المسلمين لا يعرفون عن القضية الأفغانية شيئاً! كم من المسلمين لا يعرف قادة المجاهدين ولا يعرف عنهم شيئاً، في الوقت الذي لا يهدأ للإعلام بال ولا يقر له قرار على أتفه الأسباب، وأحقر الأخطار والمعلومات والأنباء، فيضج الإعلام كله على سباح أو لاعب كرة أو فاسق أو فاسقة، أو داعر أو داعرة، ويصك آذان المؤمنين الصادقين في الليل والنهار بأخبار الفاسقين والفاسقات، والساقطين والساقطات، والداعرين والداعرات، وكأن أحداث أفغانستان على كوكب آخر، وكأنها لا تعني المسلمين في شيء من الأشياء.
ما هذا التساهل؟! ما هذا التجاهل لمن يقولون: لا إله إلا الله؟! لماذا كل هذا؟! هل وصل غياب المسلمين عن دينهم وعن واقعهم إلى هذا الحد؟! أسأل الله جل وعلا أن يبارك في لقاءاتنا هذه حتى تصل إلى المجاهدين في أرض أفغانستان، وقد وعدت بذلك إن شاء الله جل وعلا، لعل الله أن يجعل فيها الشفاء، ونسأل الله أن يرزقنا الإخلاص، وأن يفتح بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين.
стр. 353
عشق الجهاد في سبيل الله
أيها الأحباب! هؤلاء عشقوا الجهاد بكل قلوبهم، شيوخاً ورجالاً وشباباً ونساءً وأطفالاً، اسمعوا معي: فتاة أفغانية جميلة عشقت الجهاد وأحبته، يتقدم لخطبتها شاب أفغاني مترف غني موسر متنعم، لبس أنعم الثياب وترك الجهاد، وترك إخوانه على قمم الجبال بين القنابل والصواريخ المحرمة دولياً التي استعملها الدب الروسي الوقح لحرب أفغانستان، ولقتل رجالها وشيوخها ونسائها، ولإفساد أرضها وزرعها.
يتقدم إليها هذا الشاب، ويجتمع أهل الأسرتين، وإذا بهم يفاجئون مفاجأة عجيبة، ما هي؟ تخرج هذه الفتاة المؤمنة بكامل حجابها، بنقابها وبغطاء وجهها، تخرج لتصفع الجميع صفعة قوية مؤلمة بهذه العبارة التي يشع من بين ثناياها حب الجهاد في سبيل الله، خرجت لتقول: لقد عاهدت الله ألا أتزوج إلا رجلاً بعضه في جنة الله، قد كسرت ذراعه أو كسرت ساقه في ميدان الجهاد في ميدان الشرف والبطولة والرجولة.
وهذا طفل صغير عشق الجهاد وأحبه وهو في الثالثة من عمره، يأتي قائد روسي بمجموعة من الدبابات ليقتحم قرية من القرى، ويقتل أهل بيت بكامله، وينجي الله طفلاً من هذا البيت، فيرى أمه قد ماتت، ويرى أباه قد مات، ويرى إخوانه قد ماتوا، وينجي الله هذا الطفل صاحب الثلاث سنوات.
أتدرون ماذا صنع هذا الطفل؟ خرج الطفل لا يهاب الموت، وكأنه لا يعرف شيئاً عن الموت، خرج هذا الطفل لينظر إلى هذا الدب الوقح الذي قتل أمه وأباه وإخوانه، ودمر وهدم بيته وعاد مرة أخرى إلى البيت، وأحضر علبة من الكبريت، وأقبل على أول دبابة ليحرقها بهذا الكبريت! ما هذا؟! من الذي علمه ورباه وأودع في قلبه حب الجهاد وحب الانتقام من الكفرة الفجرة؟! إنه الله جل وعلا: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠] ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧].
عباد الله! هذا بإيجاز الحقيقة الأولى، وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل منا وإياكم صالح الأعمال، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 354
كسر الجهاد الأفغاني لحاجز الخوف والرهبة من القوى العظمى
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصابرين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إمام المجاهدين، وقائد الغر المحجلين والغر الميامين، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة في الله! إن من الحقائق الضخمة التي أبرزها الجهاد الأفغاني: كسر حاجز الخوف والرهبة مما يسمى بالقوى العظمى، فقد كسر حاجز الخوف والرهبة من هاتين الدولتين المسميتين بالقوى العظمى، كسر الجهاد الأفغاني أنف الدب الروسي ووضعه في التراب، ووضع عليه أقدم النعال، لماذا؟ ليتعلم الناس -ويا ليت المسلمين يتعلمون- أن القوي العظيم هو الله ﷻ .
والله إن هذه القوى من أحقر وأضعف وأهون الخلق على الله، والله جل وعلا وحده هو القوي العزيز، ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد:١١] أين قوة هؤلاء إلى قوة الله؟! عباد الله! أنسيتم زلزال أرمينيا في أرض الروس؟ في سبع ثوان معدودات جعل الله عاليها سافلها، ودمرها على أهلها، بزلزال! ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١].
إن كل هذه القوى العظمى، وكل هذه الدول العظمى التي تعلقت بها قلوب المسلمين، وتوسدت إليها، ووثقت بها، ولجأت إليها وتوكلت عليها أكثر من توكلها على الله لا تساوي عند الله جناح بعوضة.
(يا أيها الناس) نداء عام لكل الناس في كل زمان وكل مكان ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الحج:٧٣] من أفراد من طواغيت من أمم من مجالس من هيئات من طرق دبلوماسية وغيرها.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٧٣ - ٧٤]، إن الله وحده هو القوي! ماذا فعل النمرود بن كنعان؟ ماذا فعل فرعون؟ ماذا فعل أبرهة؟ ماذا فعل أصحاب الأخدود؟ إن الله هو القوي العزيز، لا راد لحكمه، ولا معقب لأمره، ولا مانع لقضائه، ولا حائل بينه وبين نصره جل وعلا، هو الضار النافع، الخافض الرافع، المعطي المانع، المعز المذل، فلا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا خافض لمن رفع، ولا رافع لمن خفض، ولا ضار لمن نفع، ولا نافع لمن ضر، ولا معز لمن أذل، ولا مذل لمن أعز، فمن نصره الله فهو المنصور، ومن خذله الله فهو المخذول، ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد:١١] .
لقد كسر الجهاد الأفغاني هذا الحاجز وهذه الرهبة، في القلوب الحية، وإلا فإن أصحاب القلوب الميتة ما زالوا كُثراً ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولا عزة إلا بالله، ولا نصر إلا من عند الله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧] فينبغي أن يتبرأ المسلمون من كل حول طول إلا من حول الله وطوله، وأن يعودوا إلى الله، وأن يعلنوا الصلح مع الله، وأن يقولوا لله جل وعلا: اللهم إنا نبرأ من الثقة إلا بك، ومن الأمل إلا فيك، ومن التسليم إلا لك، ومن التفويض إلا إليك، ومن التوكل إلا عليك، ومن الصبر إلا على بابك، ومن الذل إلا في طاعتك، ومن الرجاء إلا لما في يديك الكريمتين، ومن الرهبة إلا لجلالك العظيم!
стр. 355
الجهاد الأفغاني نموذج لإحياء روح الجهاد في سبيل الله
أيها الأحباب! لقد أبرز الجهاد الأفغاني مجموعة من الحقائق الضخمة الكبيرة التي كانت في واقع هذه الأمة أفكاراً باهتة باردة لا تتعدى الكتب والصحف، فحولها الجهاد الأفغاني إلى واقع إلى حياة إلى منهج، ومن أعظم هذه الحقائق التي جسدها وأحياها الجهاد الأفغاني: روح الجهاد في سبيل الله.
ماذا يعرف المسلمون اليوم عن الجهاد في سبيل الله الذي أصبحت الدعوة إليه تقابل بشيء من التعجب، بل لا أكون مبالغاً إن قلت: بل أصبحت الدعوة إليه تقابل بشيء من الإنكار الشديد؟ لقد حرص أعداء هذه الأمة على أن يحولوا بينه وبين هذه الأمة، وعلى أن يضعوا في طريقه العقبات والحواجز والسدود.
وعلى ألا يربى جيل المسلمين على مائدة الجهاد، خشية أن يخرج من جديد خالد بن الوليد أو صلاح الدين أو مسلمة بن عبد الملك.
أمر الله جل وعلا بالجهاد بعد الإيمان بالله في آية واحدة، فقال : (يا أيها الذين آمنوا) هل قرع النداء قلبك؟، هل قرع النداء سمعك يا من آمنت بالله جل وعلا؟! ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ﴾ [الصف:١٠] ما نوع هذه التجارة وما ربحها؟ وما راتبها؟ عباد الله! أستحلفكم بالله لو نودي علينا بتجارة نربح فيها الدولار والريال، هل سنتقاعس؟ لا والله.
ما هي التجارة، وما هي نوعية هذه الصفقة التي يعرضها علينا ربنا جل وعلا، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف:١٠].
تجارة تنجينا من عذاب أليم؟! ما هي يا رب؟ ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف:١١] تجاهدون في سبيل الله لا في سبيل القوميات، ولا الوطنيات، ولا الأرض، ولا كل هذه النعرات الجاهلية، بل لتكون كلمة الله هي العليا، لرفع راية لا إله إلا الله، محمد رسول الله ﷺ ، ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف:١١].
أيها الأحباب! إن الجهاد ذروة سنام الإسلام، كما في حديث معاذ الذي رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، أنه ﷺ قال لـ معاذ: (ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قال: بلى يا رسول الله -بأبي هو وأمي ﷺ قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد).
أيها الإخوة! إن مفهوم الجهاد في سبيل الله جل وعلا، لتكون كلمة الله هي العليا! الجهاد بدأ يتضاءل في حس المسلمين يوماً بعد يوم، حتى حولت الدعوة إلى الجهاد إلى كثير من الدعوات الفاجرة الباهتة كالدعوة إلى القومية إلى الوطنية إلى الديمقراطية إلى هيئة الأمم إلى مجلس الأمن إلى الطرق الدبلوماسية إلى المحافل الدولية، وهم يعلمون أن هذا كله يصرف المسلمين عن الحقيقة والوظيفة التي من أجلها أوجدهم الله، وأخرجهم الله جل وعلا، الوظيفة التي جسدها ربعي بن عامر ﵁ ﵁ أمام رستم قائد الفرس يوم أن قال له: من أنتم؟ وما الذي جاء بكم إلى أرضنا وبلادنا؟ فقال ربعي الذي اعتز بإسلامه وبدينه وعرف وظيفته وغايته التي من أجلها ابتعثه الله، فقال: (نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة)، هذه هي الوظيفة التي من أجلها أخرجت هذه الأمة، قال الله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] لماذا؟ ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠].
وقال الله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤]، وقال جل شأنه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣] هذه هي وظيفة الأمة، ولن تنتصر الأمة بالشعارات البراقة، والدعوات بالدبلوماسية، ما فالجهاد هو الدواء الوحيد، هو العلاج الناجح الذي سيعيد للأمة مجدها، وسيضمد جراحها، وسيعيد للأمة ذاتها وكرامتها وهويتها التي مسخت منذ زمن طويل.
إنه الجهاد في سبيل الله وحده، لا في سبيل الطاغوت، ولا في سبيل الأرض، ولا في سبيل النعرات الجاهلية الفاجرة، بل الجهاد في سبيل الله جل وعلا.
وإن الكفار ليعلمون علم اليقين أن الإسلام هو المارد العملاق الذي بدأ يتململ من جديد، ولو هب من مرقده لأباد مدنية الشرق الملحدة الفاجرة، وحضارة الغرب الكافرة.
следующие страницы →