Полный текст (1 901 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
جراح المسلمين في أفغانستان
الحمد لله ذي الملك والملكوت، الحمد لله ذي العزة والجبروت، الحمد لله الذي بنصره وبتمام قدرته وكمال عظمته أنهى على أرض أفغانستان آمال الروس القياصرة، الحمد لله الذي أذل بالموت رقاب الروس الجبابرة، فنقلهم بالموت من القصور في الكرملن إلى القبور في أرضه وتحت طيات التراب، نقلهم من القصور إلى القبور، ومن ضياء المهود إلى ظلمة اللحود، ومن ملاعبة النساء والبغايا والغلمان إلى مقاساة الهوام والديدان، ومن التنعم بالطعام والشراب إلى التمرغ في العذاب والوحل والتراب.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القوي العزيز، الفعال لما يشاء إذا شاء كيف يشاء في الوقت الذي يشاء، ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:٢٦] لا راد لحكمه، ولا معقب لأمره، ولا مانع ولا حائل لنصره جل وعلا، ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٧ - ١٨] جل عن الشبيه وعن المثيل والنظير، لا كفء له ولا ند له، ولا شبيه له ولا مثيل له: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤].
(إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل، وعمل الليل قبل عمل النهار، حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه).
وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وقف في ميدان الوغى وساحة الشرف في ميادين الرجولة والبطولة يوم خرست الألسنة، ونطقت السيوف، وخطبت الرماح على منابر الرقاب، وقف ابن عبد الله ﷺ يقول بأبي هو وأمي: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب).
اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، فهو الذي علم الأمة الكرامة والشهامة، والرجولة، ويوم أن غابت الأمة عن تعاليمه أذلها الله جل وعلا! اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، وسار على طريقه، واتبع سنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! لقد كان من المنتظر أن يكون لقاؤنا اليوم هو اللقاء السابع من دروس سورة النور، ولكن يجب علينا أن نكون على مستوى أحداث أمتنا المكلومة المجروحة، فآثرت أن نطير سوياً على جناح السرعة لأمر الله جل وعلا إلى أرض أفغانستان الطاهرة إلى جبال أفغانستان وروابيها التي رويت بدماء الأبرار الأطهار إلى أرض المليون شهيد التي روت بدمائهم جبالها وصحاريها لإعلاء كلمة الله جل وعلا.
أيها الأحباب! لقاؤنا اليوم بعنوان: أفغانستان جراح وآمال.
بأي الجراح أبدأ؟ وعن أي الجراح سأتكلم؟ عن جراح المليون شهيد أم عن جراح المرأة التي غاب عنها زوجها أم عن جراح الأم التي كلم قلبها بموت شهيدها أم عن جراح الطفل الذي رأى أمه تقتل وتذبح ذبح الخراف أمام عينيه وبين يديه فراح يلتقم ثديها وقد فارقت الحياة، عن أي الجراح سأتكلم؟ هل سأتكلم عن جراح أفغانستان أم سأتكلم عن جراح أمة المسلمين التي تعتبر أفغانستان جزءاً مشلولاً من هذا الجسد الكبير الذي نزف وطال نزيفه، ومرض وغاب مرضه، وخدر وغاب تخديره ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم؟! عن أي الجراح سأتكلم؟ هل أتكلم عن جراح المسلمين في يوغوسلافيا على أيدي الصرب الفجرة الكفرة الذين انقضوا على المسلمين والمسلمات بالسلاح الأبيض، يقطعون أثدية النساء، ويذبحون الرجال على مرأى ومسمع من الدنيا؟ أين مجلس الأمن؟ وأين هيئة الأمم؟ هل هذا حرام على المسلمين حلال للفجرة الكفرة؟! لا حول ولا قوة إلا بالله.
لا إله إلا الله! المسلمون يذبحون ذبح الخراف على كل بقعة من أرض الله جل وعلا، في يوغسلافيا في كشمير في الفلبين، حتى في كثير من الدول العربية المسلمة -إنا لله وإنا إليه راجعون- امتلأت السجون والمعتقلات، ولا حول ولا قوة إلا برب الأرض والسماوات.
ما الذي جرى وما الذي حدث؟ أيها الأحباب! عم البلاء، واشتد الابتلاء، واشتد سواد الليل، وهذه بشائر النصر بإذن الله، فإن أشد ساعات الليل سواداً هي الساعة التي يليها ضوء الفجر، وفجر الإسلام قادم لا محالة، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف:٨] ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣]، ووالله لن تستطيع جميع الأفواه ولو اجتمعت على أن تطفئ نور الله جل وعلا فهل يضر السماء نبح الكلاب؟! سقطت ذبابة حقيرة على نخلة تمر عملاقة، وهمت الذبابة بالانصراف، فقالت الذبابة الحقيرة للنخلة العملاقة: أيتها النخلة! تماسكي فإني راحلة عنك، فقالت لها النخلة العملاقة: انصرفي أيتها الذبابة الحقيرة، وهل أحسست بك حينما سقطت علي لأستعد لك وأنت راحلة عني؟! إن جميع الأفواه لن تستطيع إطفاء نور الله ولو اجتمعت: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف:٨].
стр. 352
الجهاد الأفغاني ميلاد جديد لهذه الأمة
أيها الأحباب! لقد كان الجهاد الأفغاني ميلاداً جديداً لهذه الأمة التي نامت وغطت في نومها لقد كان الجهاد الأفغاني ميلاداً جديداً لهذه الأمة التي مرضت وطال مرضها لقد كان الجهاد الأفغاني ميلاداً جديداً لهذه الأمة التي مسخت وخدرت وغاب تخديرها.
لقد كان صمود المجاهدين الأفغان ثلاثة عشر عاماً أمام هؤلاء الروس شرفاً تاريخياً ضخماً لا شك في ذلك، ولقد كان انهزام الدب الروسي الأحمر الغبي الوقح أمام هؤلاء الأطهار الأبرار حدثاً تاريخياً ضخماً، أضخم وأعظم من سابقه، ولكن -بالله عليكم- هل عرف المسلمون على ظهر الأرض حقيقة هذا الجهاد؟ لا إلا من رحم الله جل وعلا.
كم من المسلمين لا يعرفون عن القضية الأفغانية شيئاً! كم من المسلمين لا يعرف قادة المجاهدين ولا يعرف عنهم شيئاً، في الوقت الذي لا يهدأ للإعلام بال ولا يقر له قرار على أتفه الأسباب، وأحقر الأخطار والمعلومات والأنباء، فيضج الإعلام كله على سباح أو لاعب كرة أو فاسق أو فاسقة، أو داعر أو داعرة، ويصك آذان المؤمنين الصادقين في الليل والنهار بأخبار الفاسقين والفاسقات، والساقطين والساقطات، والداعرين والداعرات، وكأن أحداث أفغانستان على كوكب آخر، وكأنها لا تعني المسلمين في شيء من الأشياء.
ما هذا التساهل؟! ما هذا التجاهل لمن يقولون: لا إله إلا الله؟! لماذا كل هذا؟! هل وصل غياب المسلمين عن دينهم وعن واقعهم إلى هذا الحد؟! أسأل الله جل وعلا أن يبارك في لقاءاتنا هذه حتى تصل إلى المجاهدين في أرض أفغانستان، وقد وعدت بذلك إن شاء الله جل وعلا، لعل الله أن يجعل فيها الشفاء، ونسأل الله أن يرزقنا الإخلاص، وأن يفتح بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين.
стр. 353
عشق الجهاد في سبيل الله
أيها الأحباب! هؤلاء عشقوا الجهاد بكل قلوبهم، شيوخاً ورجالاً وشباباً ونساءً وأطفالاً، اسمعوا معي: فتاة أفغانية جميلة عشقت الجهاد وأحبته، يتقدم لخطبتها شاب أفغاني مترف غني موسر متنعم، لبس أنعم الثياب وترك الجهاد، وترك إخوانه على قمم الجبال بين القنابل والصواريخ المحرمة دولياً التي استعملها الدب الروسي الوقح لحرب أفغانستان، ولقتل رجالها وشيوخها ونسائها، ولإفساد أرضها وزرعها.
يتقدم إليها هذا الشاب، ويجتمع أهل الأسرتين، وإذا بهم يفاجئون مفاجأة عجيبة، ما هي؟ تخرج هذه الفتاة المؤمنة بكامل حجابها، بنقابها وبغطاء وجهها، تخرج لتصفع الجميع صفعة قوية مؤلمة بهذه العبارة التي يشع من بين ثناياها حب الجهاد في سبيل الله، خرجت لتقول: لقد عاهدت الله ألا أتزوج إلا رجلاً بعضه في جنة الله، قد كسرت ذراعه أو كسرت ساقه في ميدان الجهاد في ميدان الشرف والبطولة والرجولة.
وهذا طفل صغير عشق الجهاد وأحبه وهو في الثالثة من عمره، يأتي قائد روسي بمجموعة من الدبابات ليقتحم قرية من القرى، ويقتل أهل بيت بكامله، وينجي الله طفلاً من هذا البيت، فيرى أمه قد ماتت، ويرى أباه قد مات، ويرى إخوانه قد ماتوا، وينجي الله هذا الطفل صاحب الثلاث سنوات.
أتدرون ماذا صنع هذا الطفل؟ خرج الطفل لا يهاب الموت، وكأنه لا يعرف شيئاً عن الموت، خرج هذا الطفل لينظر إلى هذا الدب الوقح الذي قتل أمه وأباه وإخوانه، ودمر وهدم بيته وعاد مرة أخرى إلى البيت، وأحضر علبة من الكبريت، وأقبل على أول دبابة ليحرقها بهذا الكبريت! ما هذا؟! من الذي علمه ورباه وأودع في قلبه حب الجهاد وحب الانتقام من الكفرة الفجرة؟! إنه الله جل وعلا: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠] ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧].
عباد الله! هذا بإيجاز الحقيقة الأولى، وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل منا وإياكم صالح الأعمال، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 354
كسر الجهاد الأفغاني لحاجز الخوف والرهبة من القوى العظمى
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصابرين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إمام المجاهدين، وقائد الغر المحجلين والغر الميامين، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة في الله! إن من الحقائق الضخمة التي أبرزها الجهاد الأفغاني: كسر حاجز الخوف والرهبة مما يسمى بالقوى العظمى، فقد كسر حاجز الخوف والرهبة من هاتين الدولتين المسميتين بالقوى العظمى، كسر الجهاد الأفغاني أنف الدب الروسي ووضعه في التراب، ووضع عليه أقدم النعال، لماذا؟ ليتعلم الناس -ويا ليت المسلمين يتعلمون- أن القوي العظيم هو الله ﷻ .
والله إن هذه القوى من أحقر وأضعف وأهون الخلق على الله، والله جل وعلا وحده هو القوي العزيز، ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد:١١] أين قوة هؤلاء إلى قوة الله؟! عباد الله! أنسيتم زلزال أرمينيا في أرض الروس؟ في سبع ثوان معدودات جعل الله عاليها سافلها، ودمرها على أهلها، بزلزال! ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١].
إن كل هذه القوى العظمى، وكل هذه الدول العظمى التي تعلقت بها قلوب المسلمين، وتوسدت إليها، ووثقت بها، ولجأت إليها وتوكلت عليها أكثر من توكلها على الله لا تساوي عند الله جناح بعوضة.
(يا أيها الناس) نداء عام لكل الناس في كل زمان وكل مكان ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الحج:٧٣] من أفراد من طواغيت من أمم من مجالس من هيئات من طرق دبلوماسية وغيرها.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٧٣ - ٧٤]، إن الله وحده هو القوي! ماذا فعل النمرود بن كنعان؟ ماذا فعل فرعون؟ ماذا فعل أبرهة؟ ماذا فعل أصحاب الأخدود؟ إن الله هو القوي العزيز، لا راد لحكمه، ولا معقب لأمره، ولا مانع لقضائه، ولا حائل بينه وبين نصره جل وعلا، هو الضار النافع، الخافض الرافع، المعطي المانع، المعز المذل، فلا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا خافض لمن رفع، ولا رافع لمن خفض، ولا ضار لمن نفع، ولا نافع لمن ضر، ولا معز لمن أذل، ولا مذل لمن أعز، فمن نصره الله فهو المنصور، ومن خذله الله فهو المخذول، ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد:١١] .
لقد كسر الجهاد الأفغاني هذا الحاجز وهذه الرهبة، في القلوب الحية، وإلا فإن أصحاب القلوب الميتة ما زالوا كُثراً ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولا عزة إلا بالله، ولا نصر إلا من عند الله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧] فينبغي أن يتبرأ المسلمون من كل حول طول إلا من حول الله وطوله، وأن يعودوا إلى الله، وأن يعلنوا الصلح مع الله، وأن يقولوا لله جل وعلا: اللهم إنا نبرأ من الثقة إلا بك، ومن الأمل إلا فيك، ومن التسليم إلا لك، ومن التفويض إلا إليك، ومن التوكل إلا عليك، ومن الصبر إلا على بابك، ومن الذل إلا في طاعتك، ومن الرجاء إلا لما في يديك الكريمتين، ومن الرهبة إلا لجلالك العظيم!
стр. 355
الجهاد الأفغاني نموذج لإحياء روح الجهاد في سبيل الله
أيها الأحباب! لقد أبرز الجهاد الأفغاني مجموعة من الحقائق الضخمة الكبيرة التي كانت في واقع هذه الأمة أفكاراً باهتة باردة لا تتعدى الكتب والصحف، فحولها الجهاد الأفغاني إلى واقع إلى حياة إلى منهج، ومن أعظم هذه الحقائق التي جسدها وأحياها الجهاد الأفغاني: روح الجهاد في سبيل الله.
ماذا يعرف المسلمون اليوم عن الجهاد في سبيل الله الذي أصبحت الدعوة إليه تقابل بشيء من التعجب، بل لا أكون مبالغاً إن قلت: بل أصبحت الدعوة إليه تقابل بشيء من الإنكار الشديد؟ لقد حرص أعداء هذه الأمة على أن يحولوا بينه وبين هذه الأمة، وعلى أن يضعوا في طريقه العقبات والحواجز والسدود.
وعلى ألا يربى جيل المسلمين على مائدة الجهاد، خشية أن يخرج من جديد خالد بن الوليد أو صلاح الدين أو مسلمة بن عبد الملك.
أمر الله جل وعلا بالجهاد بعد الإيمان بالله في آية واحدة، فقال : (يا أيها الذين آمنوا) هل قرع النداء قلبك؟، هل قرع النداء سمعك يا من آمنت بالله جل وعلا؟! ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ﴾ [الصف:١٠] ما نوع هذه التجارة وما ربحها؟ وما راتبها؟ عباد الله! أستحلفكم بالله لو نودي علينا بتجارة نربح فيها الدولار والريال، هل سنتقاعس؟ لا والله.
ما هي التجارة، وما هي نوعية هذه الصفقة التي يعرضها علينا ربنا جل وعلا، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف:١٠].
تجارة تنجينا من عذاب أليم؟! ما هي يا رب؟ ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف:١١] تجاهدون في سبيل الله لا في سبيل القوميات، ولا الوطنيات، ولا الأرض، ولا كل هذه النعرات الجاهلية، بل لتكون كلمة الله هي العليا، لرفع راية لا إله إلا الله، محمد رسول الله ﷺ ، ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف:١١].
أيها الأحباب! إن الجهاد ذروة سنام الإسلام، كما في حديث معاذ الذي رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، أنه ﷺ قال لـ معاذ: (ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قال: بلى يا رسول الله -بأبي هو وأمي ﷺ قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد).
أيها الإخوة! إن مفهوم الجهاد في سبيل الله جل وعلا، لتكون كلمة الله هي العليا! الجهاد بدأ يتضاءل في حس المسلمين يوماً بعد يوم، حتى حولت الدعوة إلى الجهاد إلى كثير من الدعوات الفاجرة الباهتة كالدعوة إلى القومية إلى الوطنية إلى الديمقراطية إلى هيئة الأمم إلى مجلس الأمن إلى الطرق الدبلوماسية إلى المحافل الدولية، وهم يعلمون أن هذا كله يصرف المسلمين عن الحقيقة والوظيفة التي من أجلها أوجدهم الله، وأخرجهم الله جل وعلا، الوظيفة التي جسدها ربعي بن عامر ﵁ ﵁ أمام رستم قائد الفرس يوم أن قال له: من أنتم؟ وما الذي جاء بكم إلى أرضنا وبلادنا؟ فقال ربعي الذي اعتز بإسلامه وبدينه وعرف وظيفته وغايته التي من أجلها ابتعثه الله، فقال: (نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة)، هذه هي الوظيفة التي من أجلها أخرجت هذه الأمة، قال الله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] لماذا؟ ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠].
وقال الله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤]، وقال جل شأنه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣] هذه هي وظيفة الأمة، ولن تنتصر الأمة بالشعارات البراقة، والدعوات بالدبلوماسية، ما فالجهاد هو الدواء الوحيد، هو العلاج الناجح الذي سيعيد للأمة مجدها، وسيضمد جراحها، وسيعيد للأمة ذاتها وكرامتها وهويتها التي مسخت منذ زمن طويل.
إنه الجهاد في سبيل الله وحده، لا في سبيل الطاغوت، ولا في سبيل الأرض، ولا في سبيل النعرات الجاهلية الفاجرة، بل الجهاد في سبيل الله جل وعلا.
وإن الكفار ليعلمون علم اليقين أن الإسلام هو المارد العملاق الذي بدأ يتململ من جديد، ولو هب من مرقده لأباد مدنية الشرق الملحدة الفاجرة، وحضارة الغرب الكافرة.
стр. 356
ويمكرون ويمكر الله
عباد الله! لقد سمعنا أن أمريكا مدت المجاهدين بالسلاح وبالمعونات وغيرها، فهل أمدتهم لسواد عيونهم؟ هل أمدتهم لحبها لهم؟ لا والله، ومن فهم ذلك فهو بعيد كل البعد عن واقع الأمة وحياتها، وعن المخططات التي تدبر للأمة في الليل والنهار، وما مدت أمريكا المجاهدين بالسلاح أو بغيره إلا لسببين اثنين: السبب الأول: هو إطالة مدة القتال لإجهاض روسيا التي هي في هذا الوقت القوة الوحيدة المجابهة لقوة هؤلاء الغربيين، فأرادت هذه القوة الغربية، إجهاض روسيا من الناحية العسكرية، ومن الناحية الاقتصادية، وهذا ما أقر به الكافر قبل المسلم من المحللين وغيرهم، والحرب الأفغانية هي السبب الرئيسي لإجهاض روسيا من الناحية الاقتصادية.
السبب الآخر: لتطول مدة الحرب، فيقتل أكبر عدد من المجاهدين, وبذلك تكون أمريكا قد ضربت عصفورين بحجر واحد: إجهاض الروس، وقتل أكبر عدد من المجاهدين لطول زمن الحرب، وهذا هو ما صرحت عليه أمريكا نفسها، حيث أعلن مسئول كبير -نقلاً عن جريدة الشرق الأوسط- فقال: لقد فوجئنا بانتصار الأفغان، وصدق الله إذا يقول: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠] هذا كلام الله جل وعلا كلام العليم الخبير ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠] يودون أن نكون معهم على الكفر والإلحاد حتى نكون سواء في بحر الزندقة والكفر والعياذ بالله! ولكن يأبى الله جل وعلا إلا أن يتم نوره، وأن يظهر نوره، قال الله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٨٢]، وقال: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]، وقال: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]، وقال: ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦] هذه حقيقة كبيرة جسدها الجهاد الأفغاني جسدها هؤلاء الذين عشقوا الجهاد في سبيل الله، وعشقوا الكرامة والسيادة والعزة والأنفة، ما وضعوا أنوفهم في التراب إلا لله جل وعلا، وعظمته وجلاله.
ما هي قوة هؤلاء إلى قوة الدب الروسي الظالم الغاشم؟! نصرهم الله جل وعلا بأقل العدد، وأقل العتاد والعدد؛ لأنهم رفعوا أكف الضراعة إلى الله، واصطلحوا مع الله، ورفعوا لا إله إلا الله، ولا عيب أبداً أن يكون في الصف من اختلت عقيدته، ومن فسد دينه، ومن ابتدع، وهذه موجودة في كل بقعة من بقاع الأرض، وفي كل بلد من بلاد المسلمين، وهذا لا يمنع أن نحكم على هؤلاء بأنهم رفعوا راية لا إله إلا الله، وجاهدوا لإعلاء كلمة الله ، فكان النصر من الله وإن طالت مدته لغربلة الصف، ولتمحيص القلوب، ورأب هذا الصدع، ولإلغاء هذه الخلافات التي تدب من حين لآخر بفعل شياطين الإنس والجن، ولكن ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١].
стр. 357
الحث على الجهاد في سبيل الله
أيها الأحباب! لنا -إن شاء الله جل وعلا- عودة إلى أفغانستان جراح وآمال، وبإذن الله جل وعلا -إن قدر الله لنا البقاء، وإن قدر الله لنا اللقاء- سوف نعيش مع بعض أمجاد المسلمين مع حطين مع اليرموك، مع بعض تلك الأمجاد التي تناساها كثير من المسلمين، وأعتذر لكم أنني سأتوقف طويلاً عن دروس سورة النور، لنكون على مستوى أحداث أمتنا، ورحم الله جل وعلا من قال: يا قوم إن الأمر جد قد مضى زمن المزاح سموا الحقائق باسمها فالقوم أمرهم صراح سقط القناع عن الوجوه وفعلهم بالسر باح أرأيت لبناناً وما يجري به في كل ساح أرأيت شاتلا وصبرا والبراجن والطواح لم يخجلوا من ذبح شيخ لو مشى في الريح طاح أو كصبية كالزهر لم ينبت لها ريش الجناح ذبحوا الصبي وأمه وفتاتها ذات الوشاح عبثوا بأجساد الضحا يا انتشاء وانشراح وعدوا على الأعراض يخشوا قصاصاً أو جناح ما ثم معتصم يغيـ ث من استغاث به وصاح أرأيت كيف يكاد للـ إسلام في وضح الصباح أرأيت أقصانا وما هدم العدو وما استباح أرأيت أرض الأنبياء ما تعاني من جراح أرأيت كيف غدا اليهو د وكيف أحسنا الصياح غصبوا فلسطيناً وقا لوا ما لنا عنها براح لم يعبئوا بقرار أمن دانهم أو باقتراح عادت جيوشهم تهـ دد بالخراب والاجتياح لولا صلابة فتية غر بدينهم شحاح في أرض أفغان العريـ قة في البطولة والكفاح غنموا السلاح من العد ووقاتلوه بذا السلاح بسيوف سياف وحكمـ تيار أبطال للكفاح قد بيضوا وجه الحنيـ فة ليس ذلك بامتداح يا أمة الإسلام هبوا واعملوا فالوقت راح الكفر جمع شمله فلم والتفرق والصراخ فتجمعوا وتجهزوا بالمستطاع وبالمتاح يا ألف مليون وأيـ ن هم إذا دعت الجراح لا بد من صنع الرجا ل ومثله صنع السلاح لا يصنع الأبطال إلا في مساجدنا الفساح في روضة القرآن في ظل الأحاديث الصحاح من لم يعش لله عا ش وما استراح ولا أراح لا يستوي في منطق الـ إيمان سكران وصاح شعب بغير عقيدة ورق تذريه الرياح من خان حي على الصلا ة يخون حي على الكفاح يا إخوتي صبراً فالليل كاد يسفر عن صباح والليل إن تشتد ظلمـ ته نقول الفجر لاح والفجر إن يبزغ فلا نوم وحي على الفلاح يا ألله! يا ألله! يا ألله! يا أحد يا فرد يا صمد، يا من لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، لا إله لنا سواك فندعوه، ولا رب لنا غيرك فنرجوه، يا منقذ الغرقى، ويا منجي الهلكى، ويا سامع كل نجوى، يا سامع الدعوات، ويا سامع الأصوات، ويا عالماً بما هو آت، ويا عالم الخفيات؛ انصر المجاهدين الأفغان، اللهم انصر المجاهدين الأفغان، اللهم اربط على قلوبهم، اللهم اربط على قلوبهم، اللهم اربط على قلوبهم.
اللهم نجهم من الخلاف والفرقة! اللهم نجهم من الخلاف والفرقة! اللهم نجهم من الخلاف والفرقة! اللهم نجهم من شياطين الإنس والجن يا رب العالمين! اللهم أقر أعيننا بنصرك الذي وعدتنا! اللهم أقر أعيننا بنصرك الذي وعدتنا! اللهم أقر أعيننا بنصرك الذي وعدتنا! اللهم طمئن قلوبنا، واشرح صدورنا بنصرك يا رب العالمين! اللهم إنا قد دعوناك ومنك الإجابة، اللهم إنا قد دعوناك كما أمرتنا فاستجب لنا كما وعدتنا برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم انصر المسلمين في كل مكان، وردهم إلى الإسلام رداً جميلاً، أنت ولي ذلك ومولاه! اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
стр. 358
قلوب الصالحين
صلاح القلوب واستقامتها على منهج الله من أهم الأمور التي غفل عنها الناس اليوم، فكان ذلك سبباً في شقائهم وبعدهم عن الله؛ ومن أراد صلاح قلبه واستقامته فليتعرف على صفات قلوب الصالحين حتى يكون منهم، وليعزم على إصلاح قلبه ونيته، وسيجد أثر ذلك في حياته كلها.
стр. 359
أهمية صلاح القلوب
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده رسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة الطيبة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وطبتم وطاب ممشاكم أيها الإخوة والأخوات، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله الكريم جل وعلا الذي جمعني بكم في هذا البيت المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة في جنته ودار مقامته، إنه ولي ذلك ومولاه.
أحبتي في الله: "قلوب الصالحين"، هذا هو عنوان محاضرتنا مع حضراتكم في هذه الليلة الكريمة الطيبة، وكعادتي حتى لا ينسحب بساط الوقت سريعاً من تحت أقدامنا، فسوف ينتظم حديثي مع حضراتكم في هذا الموضوع الجليل الرقراق في العناصر المحددة التالية: أولاً: أهمية الموضوع وخطورته.
ثانياً: صفات قلوب الصالحين.
وأخيراً: كيف نحقق صلاح القلوب.
فأعيروني القلوب والأسماع، والله أسأل أن يرزقنا وإياكم الصلاح والتقى والعفاف والغنى، وأن يتقبل منا ومنكم جميعاً صالح الأعمال.
أولاً: أهمية الموضوع وخطورته.
أيها الأحبة: الأحداث متلاحقة، والفتن كقطع الليل المظلم، يرقق بعضها بعضاً، والأمة كلها الآن قد تسربلت بسربال من الدماء والأشلاء، وأخشى ما أخشاه أن ينسى كل مسلم منا نفسه وسط هذه الأحداث المتلاحقة، وألا يفتش في حاله مع ربه ﵎، مع أنها الخطوة العملية الأولى على طريق النصر والتمكين، لذا أرى أنه من الواجب على العلماء وطلبة العلم ألا يملوا من طرح هذه الموضوعات التي تجدد الإيمان في القلوب.
وأنا أدين الله ﵎ بأنه لا مخرج لهذه الأمة من هذه الأزمة الطاحنة إلا بقلوب سليمة تعرف ربها جل وعلا، إذ إن الأمة الآن لا ينقصها المال، ولا ينقصها السلاح، ولا تنقصها العقول والأدمغة التي تفكر وتخطط وتبدع، ولا ينقصها الاقتصاد، ولا ينقصها المناخ، بل ولا ينقصها الموقع الاستراتيجي، لكن ينقصها أن تعرف ربها جل وعلا، وأن تجدد الإيمان به والثقة فيه، والتوكل عليه .
فأنا أكرر وأقول: الإسلام عقيدة تنبثق منها شريعة تنظم كل شئون الحياة، ولا يقبل الله من قوم شريعتهم إلا إذا صحت عقيدتهم، لذا فإننا إن طرحنا الليلة موضوع القلوب فما أبعدنا النجعة، وما انحرفنا وانجرفنا وانصرفنا عن واقع الأمة النازف أبداً!
стр. 360
صلاح القلوب غاية الأنبياء والمرسلين
ثالثاً: الموضوع مهم لأن الصلاح أمر جليل، فقد يتصور كثير من المسلمين والمسلمات أن صلاح القلب أمر هين، ويقولون: فلان صالح وفلان صلاح مع أن الصلاح أيها الأفاضل أمنية الأنبياء والمرسلين، إي والله إن الصلاح أمنية الأنبياء والمرسلين.
فالصلاح لغة: مصدر صلح يصلح صلاحاً، وهو ضد الفساد.
والصلاح شرعاً واصطلاحاً: سلوك سبيل الهدى.
فالعبد الصالح هو المستقيم على طاعة الله، القائم بما عليه من حقوق لله جل وعلا وحقوق لخلق الله ﵎، تدبروا معي هذا الدعاء الودود المشرق للكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، يتضرع إلى الله جل وعلا ويقول: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١] يوسف الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يرجو ربه جل وعلا أن يلحقه بالصالحين.
وهذا إمام الموحدين، وقدوة المحققين، وأسوة سيد المرسلين خليل الله إبراهيم؛ يتضرع إلى الله جل وعلا بهذا الدعاء: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء:٨٣] فالصلاح أيها الأفاضل أمنية وغاية الأنبياء والمرسلين، لذا فلا تتصور أن صلاح القلب أمر يسير، بل والله يحتاج إلى جهد شاق، ودرب طويل، فهاهو سائل يذهب يوماً إلي سفيان الثوري ليقول له: يا سفيان! لقد ابتليت بمرض في قلبي فصف لي دواءً، فقال سفيان: عليك بعروق الإخلاص، وورق الصبر، وعصير التواضع، ضع هذا كله في إناء التقوى، وصب عليه ماء الخشية، وأوقد عليه نار الحزن على المعصية، وصفه بمصفاة المراقبة، وتناوله بكف الصدق، واشربه من كأس الاستغفار، وتمضمض بالورع، وابتعد عن الحرص والطمع؛ تشف من مرضك بإذن الله.
هذا منهج لصلاح القلوب، فلا تتصور أن تطبيق هذا المنهج أمر يسير، بل يحتاج إلى صدق مع الله كما سأبين في المحور الثالث بإذن الله جل وعلا.
стр. 361
الفتن تؤثر في القلوب
ثانياً: الموضوع مهم لكثرة الفتن، والنبي ﷺ يقول كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁: (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا).
والفتن تنقسم إلى قسمين: فتن الشهوات، وفتن الشبهات، وأنا لا أعلم زماناً أيها الأفاضل قد انتشرت فيه فتن الشهوات والشبهات كهذا الزمان.
أما فتن الشهوات ففيها قول النبي ﷺ كما في الصحيحين من حديث عمرو بن عوف الأنصاري، وفيه قال: (والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها؛ فتهلككم كما أهلكتهم).
أما فتن الشبهات فكما في الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم بألفاظ متقاربة من حديث معاوية بن أبي سفيان ﵁، أنه ﷺ قال: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة -وفي لفظ: على ثلاث وسبعين ملة- كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي).
فإذا انحرفنا عن ديننا غرقنا في بحور الشهوات، وإذا انحرفنا عن الفهم الصحيح لديننا سقطنا في شباك الشبهات، والأمر يحتاج إلى إيمان وعلم، وإلى جلوس بين أيدي الربانيين من العلماء، لا سيما ونحن نعيش زمان الفتن كما ذكرت.
стр. 362
كثرة تقلب القلب
إننا في أمس الحاجة في هذه الظروف الحالكة إلى أن يفتش كل مسلم ومسلمة في حال قلبه، وفي حاله مع ربه ﵎، فالموضوع جليل وخطير، وذلك للأسباب التالية: أولاً: الموضوع متعلق بالقلب، وما سمي القلب قلباً إلا لكثرة تقلبه، فقلبك الآن على حال، وإن خرجت وجلست أمام التلفاز يتغير حال قلبك حتماً عن حاله الذي أنت عليه الآن، لذا كان حبيب القلوب محمد ﷺ يتضرع إلى الله بهذا الدعاء (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) وفي مسند أحمد بسند حسن، قالت أم سلمة: (يا رسول الله! أوإن القلوب لتتقلب؟ قال: ما من قلب من قلوب بني آدم إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد، إن شاء الله أزاغه، وإن شاء الله أقامه) رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ.
وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: (إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد.
ثم قال: اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك).
والقلوب أربعة، كما في الحديث الذي رواه أحمد في مسنده من حديث حذيفة بن اليمان ﵁، وهو يصح موقوفاً على حذيفة، ويضعف مرفوعاً، ومدار تضعيف علمائنا لهذا السند على الليث بن أبي سليم، والليث متكلم فيه، وإن كان لا يرد كما قال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل، لكن الراجح أنه يصح موقوفاً على حذيفة ﵁، قال: (القلوب أربعة: قلب أجرد فيه سراج يزهر، فذلك قلب المؤمن، وقلب أغلف فذلك قلب الكافر، وقلب منكوس عرف ثم أنكر وأبصر ثم عمي، فذلك قلب المنافق، وقلب تمده مادتان مادة إيمان ومادة نفاق، وهو لما غلب عليه منهما)، أي: فإن غلبت مواد الإيمان على قلبك مال إلى الإيمان، وإن غلبت مواد النفاق على قلبك مال إلى النفاق، أسأل الله أن يملأ قلوبنا وإياكم بالإيمان، وأن يجنبنا وإياكم النفاق، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 363
صفات قلوب الصالحين
ثانيا: صفات قلوب الصالحين؛ وهذا هو المحور الرئيسي في المحاضرة! قلوب الصالحين أيها الأفاضل قلوب مَنَّ الله جل وعلا عليها بصفات جليلة، ووالله الذي لا إله غيره إني لأشعر الآن بخجل شديد وأنا أشرع في الحديث عن قلوب الصالحين، أنه كان من الواجب ألا يتحدث عن صفات قلوب الصالحين إلا من توافرت لديه الأهلية علماً وعملاً، أو من رزقه الله جل وعلا صلاحاً، ولكنني والله لا أتحدث اليوم مع حضراتكم عن صفات قلوب الصالحين من منطلق شعوري بالأهلية، وإنما من منطلق الشعور بالمسئولية، وهذا ما تؤصله وتقرره القاعدة الفقهية: من عدم الماء تيمم بالتراب، ويتردد في أذني قول القائل: وغير تقيٍّ يأمر الناس بالتقى طبيب يداوي الناس وهو عليل إلهي لا تعذبني فإني مقر بالذي قد كان مني فكم من زلة لي في البرايا وأنت علي ذو فضل ومَنًّ يظن الناس بي خيراً وإني لشر الناس إن لم تعف عني
стр. 364
قلوب الصالحين مخلصة لله
أيها الأحبة: قلوب الصالحين قلوب متجردة لا تعمل إلا لله ﵎، ولا تبتغي الأجر إلا من الله ، لا تعمل من أجل جماعة، ولا تعمل من أجل زعامة، ولا تعمل من أجل صدارة، وما أحوج الأمة الآن إلى هذا التجرد! وما أحوج العاملين للإسلام إلى هذا التجرد.
لا يهمنا من يرفع الراية من المسلمين، من الصالحين، المهم أن ترفع الراية، ولا يهمنا من يقول قولة الحق من المسلمين، المهم أن تقال قولة الحق، وهاهو سيف الله المسلول خالد بن الوليد يعلم الأمة الآن هذا الدرس الكريم، حينما يعزله عمر بن الخطاب ﵁ عن قيادة الجبهة العامة في بلاد الشام، ويولي عمر من جديد أبا عبيدة بن الجراح أمين الأمة وكان قد ولى الصديق خالد بن الوليد، وأرسل رسالة إلى قائد الجيوش العامة في الشام أبي عبيدة وقال أبو بكر بعد أن حمد الله وأثنى عليه: من أبي بكر إلى أبي عبيدة بن الجراح! سلام الله عليك وبعد: فإني قد وليت خالد بن الوليد قيادة الجبهة في بلاد الشام، فاسمع له وأطع، ووالله ما وليته القيادة العامة إلا لأني أظن أن له فطنة في الحرب ليست لك، وأنت عندي يا أبا عبيدة خير منه.
وأرسل الصديق الأمر إلى خالد، فأرسل خالد بن الوليد رسالة إلى أبي عبيدة: من خالد بن الوليد إلى أبي عبيدة بن الجراح، سلام الله عليك وبعد: فإني قد تلقيت أمر خليفة رسول الله يأمرني بالسير إلى بلاد الشام والقيام بأمرها والتولي لجندها، ووالله ما طلبت ذلك وما أردته، وأنت في موطنك الذي أنت فيه يا أبا عبيدة، أنت سيدنا وسيد المسلمين، لا نستغني عن رأيك ولا عن مشورتك، أراد الله بنا وبك خيراً والسلام.
فيتنازل أبو عبيدة بن الجراح عن القيادة لـ خالد؛ ليصبح أبو عبيدة جندياً مطيعاً بعد أن كان بالأمس القريب قائداً مطاعاً، ويعزل عمر خالد بن الوليد ويولي أبا عبيدة، فيتنازل خالد بن الوليد لـ أبي عبيدة عن القيادة ليتحول هو الآخر وليصبح جندياً مطيعاً بعد أن كان بالأمس القريب قائداً مطاعاً.
ما أحوجنا إلى هذا التجرد في هذه الأزمة الطاحنة، فلتقدم الأمة الأبناء، ليقف كل واحد في مكانه الذي يناسبه، ليبدع فيه بقدراته وإمكانياته التي آتاه الله ، وفي صحيح البخاري أنه ﷺ قال: (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، وإن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع).
ما أحوجنا إلى هذا التجرد! إلى هذا الإخلاص! واعلم بأن كل قولة وحركة لا تبتغي بها وجه الله جل وعلا لا قبول لها عند الله، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، فمن عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه).
стр. 365
قلوب الصالحين رحيمة
وقلوب الصالحين أيضاً أيها الأحبة قلوب رحيمة كبيرة، لا تعرف الغلظة ولا القسوة، ولا تعرف سبل الانتقام، كلا، بل هي قلوب امتلأت بالحب لكل مسلم على وجه الأرض، وإن وجد صالح من هؤلاء الصالحين أخاً من إخوانه على معصية أو على تقصير اقترب منه برحمة حانية، وبكلمة رقيقة رقراقة، فذكره بالله ﵎.
أيها الأفاضل! إن الناس في حاجة إلى قلب كبير رحيم، يتسع لضعفهم ولجهلهم ولبعدهم؛ حتى يسمعهم عن ربنا ونبينا.
إن الصالحين لا يعرفون الانتقام، ولا يعرفون القسوة، ويتذكرون دوماً قول الله لنبيه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، ويذكرون قول الله لنبيه ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥].
وما أحلى وأرق هذا المشهد، فهاهو رسول الله ﷺ يرى أعرابياً يترك الصحراء المترامية الأطراف، ليدخل إلى مسجده فيبول على مقربة من النبي ﵊، وبكل أدب ورحمة وتواضع يريد الصحابة أن ينقضوا عليه، فيقول صاحب الخلق الرحمة المهداة: (لا تزرموه، دعوه يكمل بولته)، وذلك في المسجد إلى جواره؟ نعم.
فينتهي الأعرابي من تبوله، وينادي عليه النبي برحمة ليقول له: (إن المساجد لا تصلح لشيء من هذا، إنما جعلت للصلاة، ولذكر الله، ولقراءة القرآن)، ويأمر النبي ﷺ رجلاً فأتى بدلو من الماء فصبه عليه، وطهر المكان وأنهى المشكلة تماماً برحمة متناهية، وبأدب عال، وبخلق عظيم.
كلنا يحفظ الحديث، لكننا وبكل أسف إلى الآن لم نحول هذا الحديث وغيره في حياتنا إلى واقع عملي، وإلى منهج حياة، بل ربما إذا رأى أحدنا أخاً من إخوانه على تقصير أو على معصية، وأراد أن يكلمه، يكلمه ولسان حاله يقول: أنا التقي وأنت الشقي! أنا المتبع وأنت المبتدع! أنا الطائع وأنت العاصي! أنا على الحق وأنت على الضلال! لا يا أخي، ﴿كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء:٩٤] قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧] الله الله في الرحمة بعباد الله! تحركوا أيها الأفاضل، يا شباب الأمة، قد يكون الحق معنا، وهنا (قد) للتحقيق، كقوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١].
أقول: قد يكون الحق معنا، أسألكم بالله أن تتدبروا هذه الكلمات، قد يكون الحق معنا، ولكننا لا نحسن أن نشهد لهذا الحق على أرض الواقع بأخلاقنا وسلوكنا، ولا نحسن أن نشهد لهذا الحق عرضاً وبلاغاً ودعوة لأهل الأرض بالحكمة البالغة والرحمة المتناهية، والكلمة الرقيقة الرقراقة.
وقد يكون الباطل مع غيرنا لكنه يحسن أن يلبس الباطل ثوب الحق، ويحسن أن يصل بباطله إلى حيث أن ينبغي أن يصل الحق، وحينئذ ينزوي حقنا ويضعف كأنه مغلوب، وينتفخ باطلهم وينتفش كأنه غالب، وهنا يتألم أهل الحق لحقهم الذي ضعف وانزوى، وللباطل الذي انتفخ وانتفش، فنعبر عن ألمنا للحق بصورتين: إما أن نعبر عن ألمنا بصورة سلبية ساكنة فنزداد هزيمة نفسية على هزيمتنا، وعزلة عن المجتمع والعالم، وإما أن نعبر عن ألمنا بصورة صاخبة منفعلة متشنجة دموية، انفلتت من القواعد الشرعية القرآنية والنبوية، وهنا نخسر الحق للمرة الثالثة وللمرة الألف، لأن أهل الأرض سيزدادون بغضاً للحق الذي معنا، وإصراراً على الباطل الذي معهم.
فلنشهد لهذا الحق على أرض الواقع بالأقوال والقلوب والأخلاق والأعمال، ولنشهد لهذا الحق ببلاغه لأهل الأرض بالحكمة البالغة والرحمة، بالكلمة الرقراقة، قال الله لنبيين كريمين موسى وهارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٣ - ٤٤]، فإن خان الكافرون فنحن لا نخون ديننا أبداً، وإن حاد الكافرون عن هذه المواثيق المكذوبة المزعومة فنحن لا نحيد أبداً عن منهج ربنا ومنهج نبينا ﷺ ، ولا يضغط علينا الواقع النازف بدمائه وأشلائه ليخرجنا عن أمر الله وأمر رسول الله ﷺ .
стр. 366
قلوب الصالحين خاشعة
رابعاً: قلوب الصالحين قلوب وجلة خاشعة، اللهم ارزق قلوبنا الخشوع وعيوننا الدموع.
قلوب الصالحين قلوب وجلة خائفة خاشعة: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠] قالت عائشة رضوان الله عليها: (يا رسول الله! أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ قال: لا يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصلي ويصوم ويتصدق ويخشى ألا يتقبل الله منه)، فالصالح وجل يخشى من مكر الله، ويخشى من سوء الخاتمة، وتراه خاشعاً دائماً بين يدي ربه جل وعلا.
وأصل الخشوع قيام القلب بين يدي الرب بالذل والخضوع، روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد:١٦] إلا أربع سنين)، استبطأ الله جل وعلا قلوب هؤلاء، فأنزل هذه الآية بعد أربع سنوات من إسلامهم: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقّ﴾ [الحديد:١٦]! أما آن لقلوبنا أن تخشع؟! أما آن لقلوبنا أن تخشع لذكر الله؟! أما آن لقلوبنا أن تخشع لمناهي الله؟! أما آن لقلوبنا أن تقف عند حدود الله؟! أما آن لعيوننا أن تبكي من خشية الله جل وعلا؟ فوالله والله ما خلا قلب من الخوف والخشية إلا وقاده الشيطان إلى كل فتنة وهوى، وما ملئ قلب بالخوف من الله جل وعلا إلا ودله الخوف على كل خير في الدنيا والآخرة، نعم، قيل للحسن البصري: يا أبا سعيد! إننا نجالس أقواماً يخوفوننا بالله جل وعلا حتى تكاد قلوبنا أن تطير من شدة الخوف، فقال الحسن: يا أخي! والله إنك إن تخالط أقواماً يخوفونك في الدنيا حتى يدركك الأمن في الآخرة خير من أن تخالط أقواماً يؤمنونك في الدنيا حتى يدركك الخوف في الآخرة.
فالخوف من الله جل وعلا سمة رئيسية من سمات الصالحين، لا يتخلون عنها أبداً فوق أي أرض وتحت أي سماء أبداً، فالصالح مراقب لربه، فإن خلا بنفسه يقول لنفسه: الله يسمعني، الله يراني! إن أغلق على نفسه حجرته، وأمسك بيده بماوس كنترول ليبحث عن أي شيء مخالف لأمر الله ورسوله، فليتذكر ربه ، ويهتف في قلبه هاتف الخوف من الله جل وعلا: الله يسمعك! الله يراك! ألم تعلم أن الله مطلع على سرك ونجواك؟! قال جل وعلا: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧] جل وعلا، فهو معهم بسمعه معهم ببصره معهم بإرادته ﵎ وعلمه: إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفي عليه يغيب فالصالح صاحب قلب وجل خائف يخشى الله ﵎ مع صلاحه، مع صدقه، مع إخلاصه، مع عمله لله ﵎، مع امتثاله للأمر، مع اجتنابه للنهي، مع توبته إن زلت قدمه في بؤرة معصية، ومع ذلك فهو يخشى الله جل وعلا.
أيها الأحبة: هاهو نبينا ﷺ -والحديث رواه البخاري وغيره- لما مات عثمان بن مظعون ﵁ -وعثمان بن مظعون أول من لقب بالسلف الصالح، وأول من دفن بالبقيع، وممن شهدوا بدراً، والرسول يقول: (لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم-)؛ ثبت في رواية ضعف سندها بعض أهل العلم: أنه لما مات قبّله النبي ﷺ بين عينيه وبكى، وسالت دموع النبي على خدي عثمان ﵁.
هذا الرجل المبارك لما مات قالت امرأة من الأنصار يقال لها أم العلاء: (رحمة الله عليك أبا السائب) تقصد عثمان بن مظعون، ثم قالت أم العلاء: (شهادتي عليك أن الله أكرمك، فقال لها النبي ﷺ : وما يدريك أن الله أكرمه؟! قالت: سبحان الله فمن؟!) تعني: فمن هذا الذي يكرمه الله إن لم يكرم الله عثمان بن مظعون؟ (فقال النبي ﷺ : أما هو فقد جاءه الحق وقد جاءه اليقين، ووالله إني لأرجو له الخير، ثم قال -بأبي هو وأمي-: والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم).
وهاهو عمر فاروق الأمة الأواب الذي شهد له النبي ﷺ شهادة لم تتردد في أذن التاريخ بعدها أبداً حين قال: (إيه يا ابن الخطاب! والذي نفسي بيده لو رآك الشيطان سالكاً فجاً لتركه لك، وسلك فجاً غير فجك)، والحديث في الصحيحين، وعندما ينام على فراش الموت وجرحه يتفجر دماً، ويدخل عليه ابن عباس ﵄ فيقول: (أبشر ببشرى الله لك يا أمير المؤمنين! فلقد صحبت رسول الله ﷺ فأحسنت صحبته، ثم توفي رسول الله وهو عنك راض، وصحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم توفي أبو بكر وهو عنك راض، وصحبت أصحاب رسول الله فأحسنت صحبتهم، ولئن توفيت اليوم فوالله إنهم عنك لراضون، ثم شهادة في سبيل الله، فبكى عمر وقال: والله إن المغرور من غررتموه! والله إني لأرجو أن أترك الدنيا لا لي ولا علي، ثم بكى وقال: والله لو أن لي طلاع الأرض -أي ملء الأرض- ذهباً لافتديت به اليوم من عذاب الله قبل أن أراه) وهذا معاذ بن جبل مقدام العلماء، وإمام الحكماء، سيد من سادات الصالحين الأتقياء، السمح السري، السهل السخي، حبيب الحبيب النبي، لما ابتلي بالطاعون في بلاد الشام، ونام على فراش الموت، قال لأصحابه: انظروا هل أصبح الصباح؟ فنظر أحدهم وقال: لا.
لما يصبح الصباح بعد! فسكن معاذ، ثم قال مرة أخرى: انظروا هل أصبح الصباح؟ قالوا: لا بعد! فسأل في الثالثة: هل أصبح الصباح؟ قالوا: لا بعد! فبكى معاذ بن جبل وقال: أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إني كنت أخافك وأنا اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أنني ما أحببت الدنيا لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار، وإنما لمكابدة الساعات، وظمأ الهواجر، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء في مجالس الذكر)، ثم فاضت روحه إلى الله جل وعلا.
وهذا سفيان الثوري ينام على فراش الموت، فيدخل عليه حماد بن سلمة فيرى سفيان يبكي بكاءً شديداً وهو إمام الزهد والعلم والورع، فيقول رجل في مجلسه: يا إمام! أتخشى ذنوبك؟! فيأخذ سفيان عوداً صغيراً من الأرض ويقول: لا والله لذنوبي أهون عندي من هذا، ثم بكى سفيان الثوري وقال: ولكني والله أخشى أن يسلب إيماني قبل الموت.
وهذا الشافعي الإمام العلم، ينام على فراش الموت، فيدخل عليه المزني فيقول: كيف حالك يا إمام؟ فيقول الشافعي: أصبحت من الدنيا راحلاً، وللإخوان مفارقاً، ولربي ملاقياً، ولا أدري أتصير روحي إلى الجنة فأهنيها، أم إلى النار فأعزيها.
هؤلاء هم الصالحون مع صلاحهم يخشون الله، قلوب وجلة، قلوب خاشعة خاضعة لا تغتر بعلم، ولا تغتر بعمل، ولا تغتر بتعبد، ولا تغتر بمكان أو بمكانة أو بجاه.
стр. 367
قلوب الصالحين تقية
ثالثاً: قلوب الصالحين قلوب تقية، فأصل التقوى أيها الأفاضل أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية، هذا هو التأصيل اللغوي للتقوى، فالتقوى مصدر مأخوذ من: اتقى يتقي وقاية، والوقاية: أن تجعل بينك وبين ما تخافه وتحذره وقاية.
وأصل التقوى في الاصطلاح أن يجعل العبد بينه وبين غضب الله وسخطه وعذابه وقاية، هذه الوقاية هي فعل الطاعات واجتناب المعاصي، وقد أصلنا لغة واصطلاحاً أن الصلاح سلوك سبيل الهدى، والعبد الصالح هو المستقيم على طاعة الله، القائم بما عليه من حقوق لله جل وعلا وحقوق لخلق الله، فقلوب الصالحين قلوب تقية نقية.
التقوى ليست كلمة ولا محاضرة، ولكنها منهج متكامل، بل ستعجب أيها الحبيب إذا علمت أن التقوى هي الغاية من العبادة التي خلق الله من أجلها الخلق كله، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] وبين ربنا أن الغاية من العبادة هي التقوى، فقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١]؛ لذا كانت التقوى وصية الله للأولين والآخرين من خلقه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١].
وكانت التقوى وصية النبي ﷺ لجميع أمته، كما في سنن الترمذي بسند صحيح من حديث العرباض بن سارية ﵁ وفيه قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة، وجلت منها القلوب؛ وذرفت منها العيون، فقلنا: كأنها موعظة مودع! فأوصنا يا رسول الله! فقال: أوصيكم بتقوى الله الحديث.
وكانت التقوى وصية السلف لبعضهم البعض، أوصى بها الصديق عمر، فقال: (اتق الله يا عمر)، وأوصى بها عمر ولده عبد الله قال: (يا بني! أوصيك بتقوى الله، فإنه من اتقاه وقاه، ومن أقرضه جزاه، ومن شكره زاده)، وأوصى بها عمر بن عبد العزيز أحد إخوانه فقال: أوصيك بتقوى الله التي لا يقبل غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، ولا يثيب إلا عليها، فإن العاملين بها قليل، وإن الواعظين بها كثير، جعلنا الله وإياكم من المتقين، وأسأل الله أن يجعلنا من الواعظين العاملين بها، إنه على كل شيء قدير.
وأوصى بها ابن السماك أحد إخوانه فقال: أوصيك بتقوى الله الذي هو نجيك في فريضتك، ورقيبك في علانيتك، فاجعل الله من بالك على كل حالك، في ليلك ونهارك، وخف الله بقدر قربه منك، وقدرته عليك، واعلم أنك بسلطانه، واعلم أنك لا تخرج من سلطانه إلى سلطان غيره، ولا من ملكه إلى ملك غيره، فليعظم منه حذرك وليكثر منه وجلك، والسلام.
فقلوب الصالحين قلوب تقية، استقامت على الإيمان، واستقامت على الطاعة، واستقامت على السنة، وهذا هو سبيل الصالحين ودربهم، أسأل الله أن يجعلنا من الأتقياء الأنقياء، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 368
سلامة قلوب الصالحين من الأمراض
قلوب الصالحين رزقها الله ﵎ صفات جليلة عظيمة كريمة، وأعظم هذه الصفات أيها الأفاضل أنهم أصحاب قلوب سليمة، ففتش أيها الصالح في سلامة قلبك، فوالله لا نجاة لك في الدنيا والآخرة إلا بقلب سليم، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] ما القلب السليم؟ قال ابن القيم ﵀: لا يسلم القلب حتى يسلم من خمسة أشياء: حتى يسلم من شرك يناقض التوحيد، ومن بدعة تناقض السنة، ومن غفلة تناقض الذكر، ومن شهوة تناقض الأمر، ومن هوى يناقض الإخلاص.
فقلوب الصالحين قلوب سليمة، سلمت من الشرك، سلمت من الشك، سلمت من الغل، سلمت من الحقد، سلمت من الحسد، سلمت من البدع، سلمت من الغفلة، سلمت من الشهوة، سلمت من الهوى، ففتش عن هذه الصفات في قلبك أيها الحبيب، وفتشي يا أختاه عن هذه الصفات؛ لنعلم لماذا تأخر النصر؛ ولنعلم لماذا هزمت الأمة، فالله ﵎ لا يجامل أحداً من خلقه مهما ادعى هذا المخلوق لنفسه من مقومات المجاملة والمحاباة.
لقد غضب المسلمون يوم هزموا في أحد وقالوا: كيف نهزم وعدونا هم المشركون! كيف نهزم وقائدنا هو رسول الله ﷺ ! وكان الجواب أيها الأحبة في قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥].
فتش في نفسك! فتش في قلبك! فتش في عملك! فتش في حالك! والله ما هزمت الأمة إلا يوم أن انحرفت عن منهج الله، والله ما هزمت الأمة إلا يوم انحرفت عن عقيدة التوحيد بشمولها وكمالها وصفائها وجلائها، إلا يوم أن سلكت درباً بعيداً عن درب رسول الله ﷺ ، قال جل وعلا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الأنفال:٥٣] وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١].
فسلامة القلب أيها الأفاضل هي الخطوة العملية الأولى على الطريق، والله لن تنصر الأمة أبداً بمظاهرات، ولا بحرق أعلام أو ماكتات، ولا بنشاط صحفية ساخنة، ولا بمؤتمرات هنا أو هناك، وإنما ستنصر الأمة إن جددت إيمانها بالله، وإن صححت معتقدها في الله، وإن سارت من جديد على درب سيدنا رسول الله، ورددت مع السابقين الصادقين الأولين قولتهم الخالدة: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥].
واسمحوا لي أن أقول: إن عقيدة التوحيد أيها الأفاضل قد ذبحت اليوم في الأمة شر ذبحة، وعقيدة التوحيد هي الخطوة العملية الأولى على طريق النصر، ولا ينبغي أن نترك التوحيد في أي مرحلة من مراحل البناء، لأن التوحيد لا ينتقل منه إلى غيره، بل ينتقل معه إلى غيره في كل خطوة على الطريق، وفي كل مرحلة من مراحل البناء والإعداد والتعمير.
فقلوب الصالحين قلوب سليمة، ولا أريد أن أطيل في كل صفة، وإلا فوالله لو أطلت النفس مع كل صفة لاحتجت إلى محاضرة كاملة، نسأل الله جل وعلا أن نكون منهم بمنه وكرمه.
стр. 369
ذوق القلوب الصالحة لطعم الإيمان
ثانياً: قلوب الصالحين قلوب ذاقت طعم الإيمان، قال جل وعلا: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧]،والحياة الطيبة أيها الصالحون أيها الصادقون! أيها المؤمنون! هي حياة الإيمان: ولست أرى السعادة جمع مال ولكن التقي هو السعيد هذه هي الحياة الحقيقية، حياة القلوب، حياة الأرواح، ولا يذوق طعم الإيمان ولا يحيا هذه الحياة الكريمة الطيبة إلا من خرج من ضيق الجهل إلى فضاء العلم، ومن سجن الهوى إلى ساحة الهدى، ومن نجاسة النفس إلى طهارة القدس، فالإيمان ليس كلمة ترددها الألسنة دخاناً في الهواء، كلا كلا! ولكن الإيمان الذي ينقل الأمة الآن بإذن الله من حالة الذل والهوان التي تحياها إلى حال العز والكرامة التي يجب أن تكون فيها، هذا الإيمان قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان! هذا الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي والزلات، هذا الإيمان هو حصن الأمان لهذه الأمة! هذا الإيمان هو سفينة نوح التي يجب على الأمة الآن أن تركبها وسط هذه الرياح الهوجاء، والفتن المتلاطمة! هذا الإيمان هو الذي حول الصحابة من رعاة للإبل والغنم إلى سادة وقادة للدول والأمم! هذا الإيمان هو الذي انتزع حنظلة من بين أحضان عروسه لينال شرف الشهادة في سبيل الله! هذا الإيمان هو الذي جعل طلحة يدافع بين يدي رسول الله ويلتفت إليه ويقول: نحري دون نحرك يا رسول الله، هذا الإيمان هو الذي جعل خبيب بن عدي حين اقترب منه أبو سفيان وقد وضع على خشبة الصلب في التنعيم وقال له أبو سفيان: يا خبيب! أيسرك أن يكون محمد في موضعك الذي أنت فيه الآن لنضرب عنقه، وأنت في أهلك معافى؟! قال خبيب: لا والله، ما يسرني أن تصيب رسول الله ﷺ في موضعه الذي هو فيه الآن شوكة تؤذيه وأنا في أهلي معافى، فقال أبو سفيان قولته الخالدة: والله ما رأيت أحداً يحب أحداً كما رأيت أصحاب محمد يحبون محمداً! هذا الإيمان أيها الأفاضل هو صمام الأمان لهذه الأمة، وهو حصن الأمان، وهو المحرك الحقيقي لها، ولذا إن رأيت أن النصر قد تأخر فاعلم أن القاعدة المؤمنة ما توفرت بعد بنص القرآن، قال ﷻ : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥] وقال جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨] وقال جل وعلا: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧].
فلا بد أن نحقق الإيمان الذي كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وله أركانه، له طعمه، له حلاوته، له نوره؛ ففي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب ﵁، أن جبريل سأل نبينا الجليل: (ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره).
والإيمان له طعم، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً)، والإيمان له حلاوة كما في الصحيحين من حديث أنس أنه ﷺ قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار).
وهذا الإيمان له نور، ففي الحديث الذي رواه أبو نعيم والديلمي بسند حسن من حديث علي أن الحبيب النبي ﷺ قال: (ما من القلوب قلب إلا وله سحابة كسحابة القمر، فبينا القمر مضيء إذ علته سحابة فأظلم، فإذا جلت عنه أضاء)، فكما أن السحابة تحجب نور القمر عن الأرض، كذلك تحجب سحب المعاصي نور الإيمان في القلب، فإذا انقشعت سحابة السماء عاد نور القمر إلى أهل الأرض، وإذا انقشعت سحابة المعاصي عن القلوب بالتوبة إلى علام الغيوب، عاد الإيمان في القلب إلى إشراقه ونوره مرة أخرى.
وقد ذكرت عن حذيفة في تقسيمه للقلوب قوله: (قلب أجرد فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن) فقلوب الصالحين قلوب ذاقت طعم الإيمان، أسأل الله جل وعلا أن يذيقنا وإياكم حلاوة الإيمان، وأن يملأ قلوبنا وإياكم بنور الإيمان، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 370
كيف نحقق صلاح القلوب
стр. 371
المواظبة على مجالس الذكر والعلم
وأخيراً: المواظبة على مجالس الذكر والعلم: ففي هذه المجالس يزداد إيمانك، وتزداد معرفتك بربك، وتزداد معرفتك بنبيك ﷺ ، واعلم بأنه لا يشقى جليس لهؤلاء الصالحين السعداء الذين حضروا مجلس العلم ليسمعوا عن الله وعن رسول الله، والحديث بطوله في الصحيحين وفي آخره: يسأل الله الملائكة عن عباده في مجلس العلم، وأخيراً يقول ملك: يا رب! إن فيهم فلاناً لم يأت لمجلس العلم، إنما جاء لحاجة، أي: من حوائج الدنيا، فيقول الله : هم القوم لا يشقى جليسهم.
فاحرص على مجلس علم تتعرف فيه على أصول دينك، وعلى أركان إيمانك، وعلى ربك ونبيك ﷺ ، لا سيما ونحن نعيش زمان الفتن، فمن الواجب على كل مسلم أن يراجع العلماء، وأن يجلس بين أيديهم قبل أن يتكلم وقبل أن يخطو على الطريق خطوة، والله ﵎ أسأل أن يرزقنا وإياكم الصلاح، وأن يجعلنا من الصالحين.
اللهم ارزقنا الصلاح واجعلنا من الصالحين، اللهم ارزقنا الصلاح واجعلنا من الصالحين، اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع الكريم المبارك ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ميتاً لنا إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً بيننا إلا زدته وثبته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين! اللهم اجعل يا سيدي جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا شقياً، ولا محروماً.
اللهم أنج المسلمين المستضعفين في كل مكان، اللهم أنج المسلمين المستضعفين في فلسطين، اللهم أنج المسلمين المستضعفين في العراق، اللهم أنج المسلمين المستضعفين في الشيشان، اللهم أنج المسلمين المستضعفين في أفغانستان، اللهم إنهم حفاة فاحملهم، عراة فاكسهم، جوعى فأطعمهم، اللهم لا تخذلهم بذنوبنا وذنوبهم، اللهم لا تخذلهم بذنوبنا وذنوبهم.
اللهم إني أسأل أن تجعل دولة قطر أمنا أماناً سخاءً رخاءً، اللهم لا تحرم هذا البلد من نعمة الأمن والأمان وجميع بلاد المسلمين، اللهم لا تحرم هذا البلد من نعمة الأمن والأمان وجميع بلاد المسلمين، اللهم استر نساءنا واحفظ بناتنا، واهد أولادنا وأصلح شبابنا، ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً.
هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويرمى به في جهنم، ثم أعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 372
الاجتهاد في الطاعات
ثالثاً: الاجتهاد في الطاعات من أعظم السبل لتحقيق الصلاح: فمن ذلك المحافظة على الصلوات الخمس في جماعة، المحافظة على الورد اليومي للقرآن، المحافظة على أذكار الصباح والمساء، المحافظة على الدعوة إلى الله بحكمة بالغة، المحافظة على الأمر بالمعروف بمعروف، والنهي عن المنكر بغير منكر، المحافظة على الإحسان للفقراء والمساكين، الحرص على زيارة المرضى، الحرص على زيارة المقابر، الحرص على الإحسان لكل من يريد الإحسان، اجتهد في الطاعات ولا تنس أن تقوم بالليل لله ركعات، فالليل أنس المحبين، وروضة المشتاقين.
وإن لله عباداً يراعون الظلال بالنهار كما يراعي الراعي غنمه، ويحنون إلى غروب الشمس كما تحن الطير إلى أوكارها، حتى إذا ما جنهم الليل، واختلط الظلام، وبسطت الفرش، وخلا كل حبيب بحبيبه، قاموا فنصبوا إلى الله أقدامهم، وافترشوا على الأرض جباههم، وناجوا ربهم بقرآنه، وطلبوا إحسانه وإنعامه، يقسم ابن القيم ويقول: والله إن أول ما يمنحهم ربهم أن يقذف من نوره في قلوبهم، وقال ﷺ : (عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم).
стр. 373
مصاحبة الصالحين
رابعاً: مصاحبة الصالحين: أكثر من صحبة الصالحين، الأموات منهم والأحياء، اصحب الأموات من الصالحين بمطالعة سيرهم، والوقوف على أخبارهم، فالنبي ﷺ يقول: (لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي)، ويقول كما في الصحيحين: (مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير).
أيها الشاب الحبيب! أيها الوالد الكريم! أيتها الأخت الفاضلة! خذوا القرار بقوة ورجولة، واصحبوا الأخيار والصالحين، فإن صحبتهم تذكر بالله جل وعلا، وتذكر بالآخرة، وتحول بين العبد وبين المعصية، فشتان بين من يذكرك بالله وبين من يذكرك بالشيطان! شتان بين من يأخذ بيدك إلى طريق رسول الله وبين من يأخذ بيدك إلى طريق الشيطان! اصحب الصالحين من الأموات بمطالعة سيرهم، قال إمام الجرح والتعديل علي بن المديني رحمه الله تعالى: لقد أعز الله الدين يوم الردة بـ أبي بكر، وأعز الله الدين يوم المحنة بـ أحمد بن حنبل الصالحون فضلهم عظيم والله على هذه الأمة، اصحبهم لتسير على دربهم.
واصحب الصالحين من الأحياء ممن تتوسم فيهم الصلاح، وسترى أن هذا فتح الله عليه في القرآن، وهذا فتح الله عليه في طلب العلم، وهذا فتح الله عليه في الإنفاق، وهذا فتح الله عليه في الخلق، فاضرب مع كل هؤلاء بسهم، وسل الله جل وعلا أن يحشرك مع الصالحين.
стр. 374
صدق الاستعانة بالله
أولاً: صدق الاستعانة بالله جل وعلا، فالله ﵎ هو الذي يحول القلوب، وهو الذي يملك القلوب، قال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر:٣١] وقال سبحانه: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:٥٦] وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩]، فأمر القلوب وأمر الهدى بيد الله، فسل الله جل وعلا أن يهدي قلبك، وأن يرزقك الصلاح، وأن يرزقك الإيمان، وأن يرزقك الاستقامة على طريق الله، وعلى طريقة رسول الله ﷺ .
стр. 375
مراقبة آفات النفس
ثانياً: مراقبة آفات النفس، والعمل مع رؤية الفضل والنعم: راقب آفات نفسك، قبل أن تتكلم وبعد أن تتكلم، قبل أن تعمل وبعد أن تعمل، وقل لها: لماذا أتكلم؟ لماذا أصمت؟ لماذا أدخل؟ لماذا أخرج؟ لماذا أقوم؟ لماذا أغضب؟ لماذا أفرح؟ لماذا أوالي؟ لماذا أعادي؟ لماذا أعطي؟ لماذا أمنع؟ سل نفسك، فتش عن آفات النفس، فالنفس أمارة وهي عدو خطير بين جوانبنا لا نفطن إليه، ولن نتمكن ورب الكعبة من رفع السيف أبداً إلا إذا تمكنا من الانتصار على هذه النفس الأمارة بالسوء: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف:٥٣].
فانظر إلى عيبك وآفات نفسك لتنظر في الوقت ذاته إلى فضل الله عليك، ونعم الله عليك، مع ما أنت فيه من عيب ونقص وتقصير، لتعلم أن كل نعمة وفضل إنما هي محض فضل الله عليك، ولو عاملك الله ﵎ بما أنت عليه من عيب وتقصير ما من الله عليك بهذه النعم وهذا الفضل، فانظر إلى عيب النفس، وانظر في الوقت ذاته إلى فضل الله عليك، ونعم الله عليك، وستر الله عليك، لتجدد التوبة بعد كل معصية، ولتعمل صالحاً يرضي الله .
стр. 376
النبي القدوة
لقد جعل الله تعالى نبيه محمداً ﷺ أسوة حسنة لنا، فأدبه الله تعالى وأحسن تأديبه، حتى كان من العظمة والقدوة بالمحل الأعلى، وقد حول تعاليم الإسلام إلى منهج عملي، وتعامل مع الخلق مؤمنين وكفاراً، كباراً وصغاراً وفق ذلك المنهج، فإذا أراد المسلمون أن تعود لهم الكرامة والعزة، فعليهم باتباع نهجه والاقتداء بسلوكه الكريم ﵊.
стр. 377
عظمة الرسول ﷺ
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة فكشف الله به الغمة.
فاللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه المشرقة الطيبة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة في جنته ودار مقامته، إنه ولي ذلك ومولاه.
стр. 378
أمة محمد أولى الأمم اعتزازاً بماضيها
أحبتي في الله! النبي القدوة ﷺ ، هذا هو عنوان محاضرتنا مع حضراتكم في هذه الليلة الطيبة، ودعونا ندع اللقاء مفتوحاً دون تقييد أو تحديد؛ لأن الحديث عن رسول الله ﷺ حديث جميل رقيق رقراق طويل لا حد لمنتهاه.
أيها الأحبة! إذا كان الوقوف على الماضي لمجرد البكاء والنحيب والعويل فهذا شأن الفارغين العاطلين، وازدراء الماضي بكل ما فيه من خير ونور شأن الحاقدين الجاهلين، ولقد حاول أعداء الأمة بكل سبيل أن يضعوا بين الأمة وبين هذا الماضي المجيد المشرق الوضيء الطاهر الحواجز والموانع والسدود، حتى لا تستمد الأمة من هذا الماضي نوراً يضيء لها الطريق، ودماء زكية لتتدفق في عروق مستقبلها وأجيالها، مع أن كل أمم الأرض تفخر بماضيها وتفخر برجالها، وتفخر بأبنائها، وأولى أمم الأرض بهذا الاعتزاز والفخار بجدارة واقتدار، بل وبشهادة العزيز الغفار هي أمة نبينا المختار، قال جل وعلا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، فلا ينبغي أبداً -مع هذا الواقع النازف- أن نجرد الأمة من خيريتها، ولا ينبغي أبداً -مع حالة الضعف التي تعتري الأمة الآن- أن نسلب الأمة مكانتها التي أرادها لها ربها ﵎، فشتان بين الإيمان والكفر! وشتان بين الطاعة والمعصية، قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦]، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة:١٨]، قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨].
أين الثرى من الثريا؟ وأين الأرض من كواكب الجوزاء؟ وأين الحق من الباطل؟ وأين الليل من النهار؟ لا يلتقيان أبداً.
هذه الأمة هي أولى أمم الأرض بالاعتزاز والفخار، فلقد أنجبت الأمة على طول تاريخها رجالاً سيظل التاريخ يقف أمام سِيرَهِمْ وقفة إعزاز وإجلال وإكبار، وعلى رأس هذه الأمة قدوتنا الأعظم وأسوتنا ومعلمنا ونبينا وحبيبنا محمد ﷺ ، فهو الطاهر الذي فاضت طهارته على العالمين، وهو الأسوة والقدوة والمثل الأعلى، وما أحوج الأمة الآن إلى هذه القدوة وإلى هذا المثل الأعلى لاسيما ونحن نعيش زماناً قَلَّتْ فيه القدوة من ناحية وقدم فيه كثير من التافهين ليكونوا القدوة من ناحية أخرى.
стр. 379
النبي ﷺ يحول الإسلام إلى منهج عملي
إن الأسوة والقدوة لهذه الأمة هو محمد بن عبد الله ﷺ ، وقد يكون من اليسير جداً -أيها الأحباب! - أن نضع منهجاً نظرياً في التربية، لكن هذا المنهج سيظل حبراً على الورق، وسيظل حبيس الأشرطة والمجلدات ما لم يتحول هذا المنهج في حياتنا إلى منهج حياة وإلى واقع عملي.
لقد استطاع النبي ﷺ أن يحول هذا المنهج التربوي الإسلامي إلى منهج حياة، وذلك يوم أن نجح في طبع عشرات الآلاف من النسخ من هذا المنهج، لكنه ﷺ لم يطبعها بالحبر على صحائف الأوراق، وإنما طبعها على صحائف قلوب أصحابه بمداد من التقى والهدى والنور، فانطلق هذا الجيل المبارك؛ ليُحَوِّلَ مع هذه القدوة الطيبة والمثل الأعلى؛ هذا المنهج الذي رآه هذا الجيل منهجاً في دنيا الناس يتحرك، فصدقوا أن هذا المنهج ما أنزله الله إلا للتطبيق، إذ لو شاء الله لأنزل بهذا المنهج ملكاً، ولقال الناس ساعتها: هذا ملك من الملائكة، لكن شاء الله وقدر أن يحول الناس هذا المنهج الرباني في دنياهم إلى منهج حياة وإلى واقع عملي.
شاء الله وقدر أن يرسل الأسوة الحسنة والقدوة الطيبة والمثل الأعلى محمداً ﷺ ؛ ليحول هذا المنهج الرباني في دنيا الناس إلى منهج عملي، لذا قالت عائشة ﵂ حين سئلت عن خلقه ﷺ : (كان خلقه القرآن)، وقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١].
فالأسوة الحسنة والقدوة الطيبة والمصطفى والمجتبى من بين العالمين هو رسول الله ﷺ الذي شرح الله له صدره، ورفع الله له قدره، وأعلى الله له ذكره، وطهره ورفعه وكرّمه على جميع العالمين، وزكّاه جل وعلا في كل شيء.
زكاه في عقله، فقال سبحانه: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:٢].
زكاه في بصره فقال سبحانه: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧].
زكاه في فؤاده فقال سبحانه: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١].
زكاه في صدره فقال سبحانه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١].
زكاه في ذكره، فقال سبحانه: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:٤].
زكاه في طهره، فقال سبحانه: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح:٢].
زكاه في علمه، فقال سبحانه: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٥].
زكاه في صدقه، فقال سبحانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣].
زكاه في حلمه، فقال سبحانه: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨].
وزكاه كله، فقال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
أغر عليه للنبوة خاتم من الله من نور يلوح ويشهد وضم الإله اسم النبي إلى اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهد وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد
стр. 380
رسول الله قدوة في شتى مجالات الحياة
إن رسول الله ﷺ عجيبة من عجائب الكون، وآية من آيات الله، ومعجزة من معجزات الله في هذه الأرض -وتدبروا معي هذا التأصيل الذي لابد منه- فهو رسول يتلقى الوحي من السماء ليربط الأرض بالسماء بأعظم رباط وأشرف صلة، وهو رجل سياسة، يقيم للإسلام دولة من فتات متناثر، وسط صحراء تموج بالكفر موجاً، فإذا هي بناء شامخ لا يطاوله بناء في فترة لا تساوي في حساب الزمن شيئاً على الإطلاق، وهو رجل حرب يضع الخطط ويقود الجيوش بنفسه، بل إذا حمي الوَطِيْسُ واشتدت المعارك وفر الأبطال والشجعان، وقف على ظهر دابته لينادي على الجمع بأعلى صوته ويقول: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب) وهو رب أسرة كبيرة تحتاج إلى كثير من النفقات من نفقات الوقت والفكر والتربية والشعور، فضلاً عن النفقات المادية، فيقوم النبي ﷺ بهذا الدور على أعلى وأثم وجه شهدته الأرض وعرفه التاريخ.
فهو ﷺ رجل إنساني من طراز فريد كأنه ما خلق في الأرض إلا ليمسح دموع البائسين، وليضمد جراح المجروحين، وليذهب آلام البائسين المتألمين.
وهو رجل عبادة قام بين يدي الله حتى تورمت قدماه، فلما قيل له: أولم يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال قولته الجميلة: (أفلا أكون عبداً شكوراً).
هو رجل دعوة أخذت عرقه ووقته وفكره وروحه، قال له ربه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢]، فقام ولم يذق طعم الراحة حتى لقي ربه جل وعلا، فرسول الله ﷺ ما تعلقت به قلوب أصحابه إلا لأنه قدوة، ما أمرهم بأمر إلا وكان أول المنفذين له، وما نهاهم عن نهي إلا وكان أول المنتهين عنه، وما حد لهم حداً إلا وكان أول الوقافين عند هذا الحد.
стр. 381
حاجة الناس إلى القدوة
أيها الأحباب! الناس بحاجة إلى قدوة وليسوا بحاجة إلى منظرين ينظرون تنظيراً بارداً، باهتاً لا علاقة له بالصدق ولا بالواقع.
لما رأى الناس رسول الله ﷺ يحول هذا المنهج الرباني والنبوي في حياتهم إلى منهج عملي تعلقت به القلوب، فالقلوب تتعلق بالجمال كأمر فطري جبلي، فكيف بمن جمع الله له الجمال والكمال خَلقاً وخُلقاً؟
стр. 382
افتقاد الناس للقدوة الحسنة
أيها الأحباب! إن مشكلتنا الآن أن كثيراً من أبنائنا وإخواننا قد افتقدوا القدوة في كل ميادين الحياة في الجانب الدعوي وإن كنا نرى المنظرين ونسمع المتحدثين في البيوت فقد افتقدت كثير من البيوت القدوة في كثير من مناحي الحياة، فنحن نحتاج الآن إلى قدوة تشهد لهذا الإسلام بخلقها وسلوكها وقولها وعملها لا إلى منظر سلبي بارد لا يمت تنظيره إلى واقعه أو إلى قوله أو فعله وخلقه بأدنى صلة.
مشى الطاوس يوماً باختيال فقلده شكل مشيته بنوه فقال: علام تختالون قالوا بدأت به ونحن مقلدوه وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه أنا لا أريد أن أطوف بحضراتكم في بستان النبي الماتع، فهذا الأمر يحتاج إلى سنوات ورب الكعبة، ولكنني فقط أردت بهذا العنوان وسط هذه الفتن الهائجة والأمواج المتلاطمة أن أقف بحضراتكم في هذا البستان الماتع وقفة متأنية في كيفية تعامل رسول الله ﷺ مع الناس؛ لأننا قد افتقدنا الآن فن التعامل مع الخلق، وقد قلت لحضراتكم بالأمس: قد يكون الحق معنا -و (قد) هنا للتحقيق- لكننا لا نحسن أن نشهد لهذا الحق على أرض الواقع، ولا نحسن أن نشهد لهذا الحق عرضاً للناس على منهج النبي ﷺ بالحكمة البالغة والموعظة الحسنة، وقد يكون الباطل مع غيرنا، لكنه يحسن أن يلبس الباطل ثوب الحق، ويحسن أن يوصل بالباطل إلى حيث ينبغي أن يصل الحق، وحينئذ ينزوي حقنا ويضعف -كما هو الواقع- وكأنه مغلوب، وينتفخ الباطل وينتفش كأنه غالب، وهنا نتألم لحقنا الذي ضعف وانزوى، وللباطل الذي انتفخ وانتفش، فنعبر عن هذا الألم بصورتين لا ثالث لهما: إما أن نعبر عن ألمنا تعبيراً ساكناً صامتاً سلبياً، فنزداد هزيمة نفسية على هزيمتنا وانعزالاً عن المجتمع والعالم، وإما أن نعبر عن ألمنا هذا تعبيراً صاخباً متشنجاً منفعلاً دموياً انفلت من القواعد الشرعية القرآنية والنبوية، وهنا تكثر الأخطاء وتكثر التجاوزات، وحينئذ نخسر الحق للمرة الثالثة بل للمرة الألف؛ لأن أهل الأرض في الأرض سيزدادون بغضاً للحق الذي معنا، وإصراراً على الباطل الذي معهم، فنخسر الحق الذي من أجله خلق الله السموات والأرض والجنة والنار، ومن أجله أرسل جميع الأنبياء والمرسلين.
стр. 383
تعامل النبي القدوة مع الخلق
إن رسول الله هو أسوتنا وقدوتنا، فلننظر أيها الأفاضل! كيف كان يتعامل النبي ﷺ مع الخلق؟ وهذا ما أود أن أركز الحديث فيه مع أحبابنا وإخواننا جميعاً.
لماذا نجح أهل الباطل في جذب قلوب الجماهير إلى باطلهم، مع أنهم لا يملكون على الإطلاق حجة تقنع عقلاً ولا قلباً، ومع ذلك استطاعوا أن يجذبوا جماهير المسلمين -فضلاً عن أهل الأرض- إلى الباطل الذي معهم؟! انظر كيف يدعو غير المسلِم المسلَم، أو غير المسلم وكيف يخاطبه ويحاوره؟ لماذا نخسر قضيتنا مع أنها قضية مضمونة؟! لماذا صار الإسلام في قفص اتهام؟ بكل أسف لا يوجد إلى الآن مجموعة من المدافعين الصادقين المخلصين الذين يدافعون عن هذا، ولا أقول: يدافعون بل يبينون الحق بالحق وبقوة الإيمان، بل نقف أمام كل تهمة يتهم بها ديننا وقفة الضعيف المهزوم المخذول، الذي يود أن لو وضع أنفه ورأسه في الرمال وكأنه لا يملك حجة ليبلغها لأهل الأرض، بل صارت ردودنا سلبية مهزومة، ونسينا قول الله جل وعلا: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩].
إن مكمن الخطر إلى الآن أننا لم نشهد لهذا الإسلام على أرض الواقع بأخلاقنا وسلوكنا، ولم نبلغ هذا الحق لأهل الأرض كما بلغه أسوتنا وقدوتنا ﷺ ، فإنه ما جهة إلا وخاطبها: خاطب الملوك خاطب الرؤساء خاطب العشائر والقبائل، ما ترك مجلساً من مجالس الكفار إلا وغشيهم في أنديتهم؛ ليبلغهم دين الله بأدب جم بحكمة بالغة بموعظة حسنة بكلمة رقيقة رقراقة، ولو تتبعت منهج رسول الله في البلاغ والدعوة إلى الله لرأيت العجب العجاب حتى مع أكفر أهل الأرض.
стр. 384
تعامله ﷺ مع ثمامة سيد اليمامة
أيها الأحبة! تدبروا هذه الرواية كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: (بعث رسول الله ﷺ خيلاً قبل نجد، فجاءت برجل يقال له: ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة، وربط الصحابة ثمامة في سارية من سواري المسجد النبوي -أي: في عمود- ودخل النبي ﷺ المسجد فوجد ثمامة بن أثال مربوطاً في السارية، فاقترب النبي ﷺ منه)، فإذا به يرى ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة، ثمامة الذي أعلن الحرب بضراوة على النبي ﷺ وعلى دينه.
(فاقترب النبي ﷺ منه وقال: ماذا عندك يا ثمامة؟! فقال ثمامة: عندي خير يا محمد! إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط من المال ما شئت).
قول واضح صريح قوي: (إن تقتل تقتل ذا دم) يعني: إن قتلتني فاعلم بأن دمي لن يضيع هدراً ولن تفرط قبيلتي في هذا الدم.
(وإن تنعم تنعم على شاكر)، أي: إن أحسنت إلي وأطلقت سراحي فلن أنسى لك هذا الجميل والمعروف ما حييت، فأنا رجل أصيل لا أنسى إحسان من أحسن إلي.
(وإن كنت تريد المال فسل تعط من المال) أي: أما إن كنت تريد المال والفدية فسل تعط من المال ما شئت.
(فتركه النبي ﷺ ، وفي غير رواية الصحيحين: (أمر النبي ﷺ الصحابة أن يحسنوا إلى ثمامة).
(ثم دخل عليه في اليوم الثاني واقترب منه وقال: ماذا عندك يا ثمامة؟! فقال: عندي ما قلت لك يا محمد! إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه النبي ﷺ ، ثم دخل عليه في اليوم الثالث، فقال: ماذا عندك يا ثمامة؟! قال عندي ما قلت لك يا محمد! إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فقال النبي ﷺ : أطلقوا ثمامة) أي: لا نريد مالاً ولا جزاءً ولا شكوراً.
ولاحظ -أخي- أن النبي ﷺ قد أبقاه في المسجد، ولم يأمر بإخراجه، فدل هذا على جواز أن يدخل المشرك المسجد ما لم يدخله بقصد الإهانة والإساءة، وقصد النبي ﷺ أن يبقى ثمامة في المسجد ليستمع ثمامة القرآن غضاً طرياً من فم رسول الله ﷺ ، وليرى النبي ﷺ كيف يربي الصحابة، وليرى كيف يتعامل الصحابة مع رسول الله، فالمسجد مدرسة تعلم فيها ثمامة في ثلاثة أيام عظمة هذا الدين.
أيها الأحباب! منذ متى ونحن ندخل المساجد؟ منذ كم سنة؟ فهل تعلمنا هذا الدين كما ينبغي في بيوت الله وكما علم النبي ﷺ وأصحابه ثمامة في ثلاثة أيام عظمة وجلال هذا الدين؟ قال النبي ﷺ : (أطلقوا ثمامة، فانطلق ثمامة إلى حائط فاغتسل) أولم أقل لك إنه تعلم في المسجد؟ ثم عاد إلى المسجد النبوي ووقف بين يدي رسول الله وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله.
اسمع أيها الحبيب اللبيب! إلى قول ثمامة؟ (يا رسول الله! والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فأصبح وجهك الآن أحب الوجوه كلها إلي، والله ما كان على الأرض دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك أحب الدين كله إلي، والله ما كان على الأرض بلد أبغض إلي من بلدك فأصبح بلدك الآن أحب البلاد كلها إلي، ثم قال: يا رسول الله! لقد أخذتني خيلك وأنا أريد العمرة، فبماذا تأمرني؟ فبشره رسول الله ﷺ ثم أمره بإتمام العمرة).
قال الحافظ ابن حجر: (فبشره) أي: بالجنة، أو بمغفرة الذنوب، أو بقبول التوبة، وأمره بأن يتم عمرته.
أيها الحبيب! انطلق ثمامة إلى مكة شرفها الله فجهر بالتلبية -كما في غير رواية الصحيحين- وهو القائل: ومنا الذي لبى بمكة محرماً برغم أبي سفيان في الأشهر الحرم فلما رفع صوته بالتلبية قام المشركون إليه: من هذا الذي يرفع صوته بالتلبية بين أظهرنا؟ فقاموا إليه وضربوه ضرباً شديداً حتى أنقذه أبو سفيان من بين أيديهم وقال: إنه ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة وأنتم تحتاجون إلى الحنطة من هذه البلاد، فتركوه، فلما سمع ذلك جلس ثمامة، وقال: والله لا تصل إليكم بعد اليوم حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله.
خلع رداء الشرك على عتبة الإيمان فوظف كل طاقاته لخدمة دينه، وهذا هو حقيقة الانتماء لهذا الدين.
منذ متى قد شرح الله صدورنا لهذا الدين؛ لكن ماذا فعلنا؟ ماذا بذلنا؟ ماذا قدمنا؟ أنت تخطط لمستقبل أولادك ولتجارتك ما لا تخطط عُشر معشاره لدين الله جل وعلا.
أيها الأحباب! لو خططنا لهذا الدين عشر ما نخططه لأولادنا وبيوتنا ومستقبل تجاراتنا لغيَّر الله هذا الحال، لكنك قد لا تتذكر العمل لدينك إلا في محاضرة كهذه، أو إذا استمعت شريطاً لرجل من أهل العلم الصادقين، يحترق قلبك حينئذ أنك تنتمي إلى دين يجب عليك أن تضحي من أجله وأن تبذل له أغلى ما تملك.
لكن ثمامة ﵁ وظف طاقاته وإمكانياته وعقله وفكره وماله ومكانته لدين الله ﵎، وكان ثمامة أول من فرض حصاراً اقتصادياً على الشرك وأهله في مكة، حتى أكلت قريش (العلهز) وهو وبر الإبل مع الجلد، يضعونه على النار ويأكلونه من شدة الجوع، حتى ذهب أبو سفيان إلى النبي ﷺ ؛ يناشده الله والرحم أن يرسل إلى ثمامة ليخلي بينهم وبين الميرة، فرد عليه معدن الكرم وصاحب الخلق والأسوة الطيبة ورحمة الله للعالمين، وأرسل إلى ثمامة أن خل بينهم وبين الميرة.
والشاهد أيها الأفاضل: انظروا كيف حول خلق النبي ﷺ وأدبه ورحمته وتواضعه البغض في قلب ثمامة إلى حب مشرق وود.
انظروا كيف حول خلق النبي ﷺ البغض في قلب ثمامة إلى حب مشرق وود! انظروا كيف حول الرفق واللين قلبه! وهذه الأمثلة والأحاديث نحفظها، لكنني لا أدري هل نظن هذه الأحاديث ليست لنا؟ ولسنا مكلفين بأن نحولها في حياتنا جميعاً إلى منهج حياة، وإلى واقع عملي؟
стр. 385
تعامله ﷺ مع شاب جاء يستأذنه في الزنا
أيها الأحبة: لقد روى الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح: أن شاباً -تغلي الشهوة في عروقه- جاء إلى النبي ﷺ يوماً وقال: يا رسول الله! أتأذن لي في الزنا؟ -يستأذن رسول الله في الزنا- فقال الصحابة: مه! مه! فقال النبي ﷺ : ادن -أي: اقترب، لم يقل: اطردوه، أخرجوه، أخرجوا هذا النجس الفاسد الفاسق، لا- ويقترب الشاب من رسول الله ﷺ ، ويسأله النبي ﷺ برفق وحب وحنان وخلق: أتحبه لأمك؟ فيقول: لا والله يا رسول الله! جعلني الله فداك، فيقول: أتحبه لأختك؟ قال: لا والله يا رسول الله! جعلني الله فداك، فيقول النبي ﷺ : أتحبه لابنتك؟ أتحبه لخالتك؟ أتحبه لعمتك؟ والشاب يقول: لا والله جعلني الله فداك، فيقول: وكذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم وبناتهم، وأخواتهم، وعماتهم وخالاتهم، ومع كل ذلك يرفع النبي ﷺ يده المباركة الشريفة ليضعها على صدر هذا الغلام ويدعو الله له ويقول: (اللهم اشرح صدره! واغفر ذنبه! وحصن فرجه)، فيخرج الشاب من عند رسول الله ولا يوجد على الأرض شيء أبغض إليه من الزنا.
والله يا إخوة! لقد رأت عيني وسمعت أذني، رأيت أخوين من إخواننا العاديين البسطاء في طريقهم إلى مسجد كهذا، وأمام مكان الوضوء وقفا يتحدثان ويبدو أن أحدهما كان على سفر لأنهما تعانقا، وقفا فتحدثا حتى شرع المؤذن في إقامة الصلاة، وإذ بأحد الإخوة يمر عليهما وأراد أن يأمرهما بالتعجيل إلى الصلاة، فنظر إليهما وقال: (صل يا حمار أنت وهوه)، فاقتربت من الأخ وقلت: لا يا أخي! لن يصلوا يا أخي! قال: كيف يا شيخ! قلت: يا أخي! متى فرض الله الصلاة على الحمير؟ الحمير لا تصلي! هل هذه طريقة بلاغ طريقة دعوة طريقة تعامل مع الخلق؟ إننا لا نتعامل أيها الإخوة مع ملائكة بررة، ولا مع شياطين مردة، ولا مع أحجار صَلدةٍ، بل نتعامل مع نفوس بشرية فيها الإقبال والإحجام فيها الحلال والحرام فيها الخير والشر فيها الطاعة والمعصية فيها الفجور والتقوى فيها الهدى والضلال، فلابد أن نكون على بصيرة بمفاتيح هذه النفوس البشرية؛ لنتغلغل إلى أعماق أعماقها، هذا إن كنا قد صدقنا الله بالفعل في أننا نريد أن ننقل الناس من البدعة إلى السنة، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن الباطل إلى الحق، ومن الشر إلى الخير، ومن الضلال إلى الهدى، أما إن كنا نعمل من أجل أنفسنا ومن أجل الهوى فذاك شأن آخر، لكن إن كنت تريد بالفعل أن تنقل الناس من الباطل إلى الحق، فبحق، ولن تنقلهم أبداً إلا بحق، قال جل وعلا لنبينا ﷺ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨].
قال ابن القيم ﵀: ولا يكون الرجل من أتباع النبي ﷺ حقاً حتى يدعو إلى ما دعا إليه النبي ﷺ على بصيرة.
стр. 386
تعامله ﷺ مع الأطفال
أيها الإخوة! إننا قد نتألم غاية الألم إن رأينا طفلاً من أطفالنا يجري في المسجد أو يبكي أو يلعب، وربما يُنهر هذا الطفل نهراً ويطرد، وربما يفعل ذلك بعض إخواننا من أئمة المساجد وطلبة العلم، ونعجب من هذا غاية العجب! إن لم نفتح قلوبنا قبل أبواب مساجدنا لأطفالنا وأولادنا؛ ليتعلموا في بيوت الله عن الله ورسوله، فمتى وأين سيتعلم أولاد المسلمين؟ والله لقد نزل النبي ﷺ من على المنبر حين رأى الحسن يتهادى.
نعم.
رأى طفلاً صغيراً خرج من بيوته ﷺ يتهادى، وكان على المنبر فنزل وترك الخطبة، وحمل الحسن وارتقى به المنبر وأجلسه على يمينه على المنبر.
بالله ماذا لو صنع إمامٌ هذا الصنيع الآن، ووضعه عن يمينه؟ ثم أخذ النبي ﷺ ينظر إلى الحسن مرة وإلى الناس مرة، ثم قال: (إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) -يا ألله! - وهذا قبل الفتنة بسنوات؛ لكن الشاهد أن ننظر كيف نزل النبي ﷺ من على منبره، وحمل الحسن وهو طفل صغير، وأجلسه عن يمينه على المنبر؟ بل لقد روى مسلم من حديث جابر بن سمرة ﵁ قال: (صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الغداة، وخرج النبي ﷺ إلى بيته فاستقبله الولدان، فجعل النبي ﵊ يمسح على خدي أحدهم واحداً واحداً) هل فعلنا ذلك مع أولادنا؟ يقول جابر ﵁ الذي لم ينس هذا: (ومسح النبي ﷺ على خدي، فوجدت ليده برداً وريحاً كأنما أخرجهما من جُونةِ عَطَّار) ﷺ .
стр. 387
واجبنا في تعليم أطفالنا القدوة
أيها الإخوة! لا أنسى ذلك الرجل الحبيب العاقل حين كنت أعمل خطيباً لبيت من بيوت الله في مدينة القصيم، وجاء هذا الوالد الكريم وقال لي: يا شيخ محمد ولدي يحبك، قلت: الحمد لله، قال: وسآتي به لأول مرة لصلاة الجمعة في الجمعة المقبلة إن شاء الله، قلت: أهلاً وسهلاً به.
قال: ولكنني أحضرت هذه الهدية لتضعها في منبرك، فإذا أنهيت الخطبة سآتي به؛ لتسلم عليه، فأرجو منك أن تصافحه، وأن تقبله، وأن تدعو الله له، وأن تعطيه هذه الهدية ليزداد حباً لك ولبيت الله جل وعلا.
فَهم راقٍ انظر كيف يخطط الوالد لولده؟! كيف يغرس الوالد هذا الحب في قلب ولده بأسلوب يتناسب مع طفل.
وهذه المواقف -أيها الأحباب- لا ينساها أطفالنا أبداً، فكافئ ولدك بمكافأة؛ لأنه حفظ جزءاً من كتاب الله، فإنه لا ينسى أبداً هذه المكافأة، بل سيظل يحتفظ بها وهو في غاية السعادة.
اغرس في قلب ولدك حب العقيدة، فهذا خلق أسوتنا رسول الله ﷺ ، قال ابن عباس: (كنت رديف النبي ﷺ يوماً على حمار، فقال ﷺ : يا غلام! احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).
روى مسلم في صحيحه قال: حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب عن كهمس عن وكيع عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر قال: (كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني -يعني كان أول من قال بنفي القدر في البصرة معبد الجهني - قال: فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر؟ قالا: فوقف لنا عبد الله بن عمر داخلاً المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، وظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت: أبا عبد الرحمن -ينادي ابن عمر - إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ويتقفرون العلم -أي يبحثون عن غوامض العلم وخوافيه ودقائق مسائله- ويزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف -أي: لا يعلم الله الأشياء إلا بعد وقوعها وحدوثها- فقال عبد الله بن عمر: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني، فوالذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر، ثم قال: حدثني أبي عمر بن الخطاب قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد) وساق الحديث بطوله.
والشاهد: قول عبد الله بن عمر: (حدثني أبي عمر عن رسول الله)، فهل قال ولدك: حدثني أبي عن فلان الصحابي عن رسول الله؟ هل جلست مع ولدك أيها الأخ الحبيب الفاضل؟! أولسنا نحفظ هذه الأحاديث يا إخوة؟! أولسنا نعرف هذا المنهج التربوي؟ أولسنا نقف على هذا الخلق العظيم في معاملة النبي ﷺ للخلق؟
стр. 388
تعامل الرسول القدوة مع الكفار
أيها الإخوة! لقد علم النبي ﷺ الدنيا الشرف في معاملته مع الأعداء، فقد روى مسلم من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ قال: (ما منعني أن أشهد بدراً مع رسول الله ﷺ إلا أن المشركين قد أخذونا وقالوا: أتريدون محمداً؟ قال حذيفة: فقلت: لا.
قال حذيفة: فأخذ المشركون علينا عهد الله وميثاقه أن ننصرف إلى المدينة وألا نشهد بدراً مع رسول الله ﷺ ، قال: فذهبت إلى النبي ﷺ فأخبرته بما قال المشركون وبما قلت، فقال النبي ﷺ : انصرفا -يعني: لا تشهدا معنا المعركة- نفي للمشركين بعهدهم ونستعين الله عليهم)، هذا هو النبي محمد ﷺ .
أيها الأحباب! وأختم بهذا الموقف الرقيق، لأنني لو جلست إلى الفجر ما انتهيت؛ لأننا نتحدث عن منهج تربوي كامل، أختم بهذا المشهد الوضيء، ففي سنن النسائي وأبي داود بسند صحيح: أن عثمان بن عفان ﵁ أتى يوم فتح مكة بـ عبد الله بن سعد بن أبي السرح ليبايع رسول الله ﷺ ، وكان النبي ﷺ قد أهدر دمه، وأمر الصحابة أن يقتلوه في أي مكان وجدوه ولو كان معلقاً بأستار الكعبة.
فجاء به عثمان بن عفان فنظر النبي ﷺ فوجد عثمان وعبد الله بن سعد أمام عينيه وبين يديه، وإذا بـ عثمان يقول للنبي ﷺ : بايعه يا رسول الله! فغض النبي ﷺ الطرف عن عبد الله بن سعد وسكت ولم يرفع النبي ﷺ يده، فقال عثمان ثانية: بايعه يا رسول الله! فلم يمد النبي ﷺ يده، فقال عثمان ثالثة: بايعه يا رسول الله! وكان النبي ﷺ يستحيي من عثمان؛ لأن عثمان رجل تستحي منه الملائكة، فقال عثمان في الثالثة: بايعه يا رسول الله! فمد النبي ﷺ يده فبايع عبد الله بن سعد ثم انصرف والنبي ﷺ غاضب حزين، فالتفت النبي إلى أصحابه وقال: (أوما كان فيكم رجل رشيد يراني قد كففت يدي عن بيعته؛ فيقوم إليه ليقتله، فقال الصحابة: هلا أومأت إلينا بعينك يا رسول الله! فرد النبي ﷺ وقال: ما ينبغي لنبي أن تكون له خائنة أعين)، يعلمنا الصدق حتى في النظرة، لا في القول والفعل والاعتقاد فحسب، بل حتى في النظرة.
стр. 389
حاجتنا إلى الرجوع إلى المنهج النبوي والاقتداء بصاحبه ﵊
أيها الأفاضل! ما أحوجنا أن نرجع من جديد إلى رسول الله ﷺ ؛ لنسير على دربه، فوالله لا سعادة لنا ولا نجاة في الدنيا والآخرة إلا إذا عدنا من جديد إليه وسرنا على نفس الدرب الذي سار عليه، ورددنا مع السابقين الأولين الصادقين قولتهم الخالدة: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥].
فلنفرق بين مقامي الدعوة والجهاد، فمقام الجهاد يحتاج إلى رجولة وغلظة، أما مقام الدعوة فيحتاج إلى رقة وحكمة وتواضع ولين: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥]، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
أما في مقام الجهاد فقال ربنا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التحريم:٩]، فالخلط بين مقامي الدعوة والجهاد يوقعنا في حرج بالغ، فلنتحرك الآن بصدق وبهمة عالية وبإخلاص وبرجولة: ولم أر في عيوب الناس عيباً كنقص القادرين على التمام أنت تقدر أن تفعل أي شيء فتحرك لدين الله مر بالمعروف بمعروف، وانه عن المنكر بغير منكر، واحمل هم هذا الدين، واشهد لدين الله في موقعك الذي أنت فيه، في موقع إنتاجك وموطن عطائك، فهذه أعظم خدمة نقدمها اليوم لدين الله، فلسنا أقل من هؤلاء الذين أبدعوا في الشرق والغرب، بل يجب على هذه الأمة أن تبدع في كل مناحي الحياة بعد أن تحقق إيمانها بالله وإيمانها برسول الله ﷺ .
أسأل الله جل وعلا أن يردنا إلى الحق رداً جميلاً، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً! اللهم وكما آمنا بنبيك ولم نره فلا تفرق بيننا وبينه حتى تدخلنا مدخله، اللهم وأوردنا حوضه الأصفى، اللهم اسقنا منه شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبداً يا رب العالمين! اللهم لا تدع لأحد منا في هذه الليلة الكريمة المرجوة ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، اللهم اشف صدور قوم مؤمنين بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم أنج المسلمين المستضعفين في فلسطين، وأنج المسلمين المستضعفين في العراق، وأنج المسلمين المستضعفين في الشيشان، وأنج المسلمين المستضعفين في أفغانستان وفي كل مكان.
اللهم اجعل دولة قطر أمناً أماناً سخاءً رخاءً، وجميع بلاد المسلمين! اللهم لا تحرم هذا البلد من نعمة الأمن والأمان وجميع بلاد المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين! هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويرمى به في جهنم، ثم أعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 390
أثر الذنوب على الأمة
للذنوب آثار عظيمة على الأمم، فما نزل بلاء ولا كرب ولا شدة إلا بذنب، والذنوب هي سبب هلاك الأمم السالفة، وهي سبب حلول النقم وزوال النعم، وهي سبب في تسلط أعداء الإسلام على الأمة، والواجب علينا هو المبادرة بالتوبة حتى يرفع الله ما بنا، والله يفرح بتوبة عبده، إذ هو أرحم بالعبد من نفسه.
следующие страницы →