Полный текст (1 901 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
تعامله ﷺ مع الأطفال
أيها الإخوة! إننا قد نتألم غاية الألم إن رأينا طفلاً من أطفالنا يجري في المسجد أو يبكي أو يلعب، وربما يُنهر هذا الطفل نهراً ويطرد، وربما يفعل ذلك بعض إخواننا من أئمة المساجد وطلبة العلم، ونعجب من هذا غاية العجب! إن لم نفتح قلوبنا قبل أبواب مساجدنا لأطفالنا وأولادنا؛ ليتعلموا في بيوت الله عن الله ورسوله، فمتى وأين سيتعلم أولاد المسلمين؟ والله لقد نزل النبي ﷺ من على المنبر حين رأى الحسن يتهادى.
نعم.
رأى طفلاً صغيراً خرج من بيوته ﷺ يتهادى، وكان على المنبر فنزل وترك الخطبة، وحمل الحسن وارتقى به المنبر وأجلسه على يمينه على المنبر.
بالله ماذا لو صنع إمامٌ هذا الصنيع الآن، ووضعه عن يمينه؟ ثم أخذ النبي ﷺ ينظر إلى الحسن مرة وإلى الناس مرة، ثم قال: (إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) -يا ألله! - وهذا قبل الفتنة بسنوات؛ لكن الشاهد أن ننظر كيف نزل النبي ﷺ من على منبره، وحمل الحسن وهو طفل صغير، وأجلسه عن يمينه على المنبر؟ بل لقد روى مسلم من حديث جابر بن سمرة ﵁ قال: (صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الغداة، وخرج النبي ﷺ إلى بيته فاستقبله الولدان، فجعل النبي ﵊ يمسح على خدي أحدهم واحداً واحداً) هل فعلنا ذلك مع أولادنا؟ يقول جابر ﵁ الذي لم ينس هذا: (ومسح النبي ﷺ على خدي، فوجدت ليده برداً وريحاً كأنما أخرجهما من جُونةِ عَطَّار) ﷺ .
стр. 387
واجبنا في تعليم أطفالنا القدوة
أيها الإخوة! لا أنسى ذلك الرجل الحبيب العاقل حين كنت أعمل خطيباً لبيت من بيوت الله في مدينة القصيم، وجاء هذا الوالد الكريم وقال لي: يا شيخ محمد ولدي يحبك، قلت: الحمد لله، قال: وسآتي به لأول مرة لصلاة الجمعة في الجمعة المقبلة إن شاء الله، قلت: أهلاً وسهلاً به.
قال: ولكنني أحضرت هذه الهدية لتضعها في منبرك، فإذا أنهيت الخطبة سآتي به؛ لتسلم عليه، فأرجو منك أن تصافحه، وأن تقبله، وأن تدعو الله له، وأن تعطيه هذه الهدية ليزداد حباً لك ولبيت الله جل وعلا.
فَهم راقٍ انظر كيف يخطط الوالد لولده؟! كيف يغرس الوالد هذا الحب في قلب ولده بأسلوب يتناسب مع طفل.
وهذه المواقف -أيها الأحباب- لا ينساها أطفالنا أبداً، فكافئ ولدك بمكافأة؛ لأنه حفظ جزءاً من كتاب الله، فإنه لا ينسى أبداً هذه المكافأة، بل سيظل يحتفظ بها وهو في غاية السعادة.
اغرس في قلب ولدك حب العقيدة، فهذا خلق أسوتنا رسول الله ﷺ ، قال ابن عباس: (كنت رديف النبي ﷺ يوماً على حمار، فقال ﷺ : يا غلام! احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).
روى مسلم في صحيحه قال: حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب عن كهمس عن وكيع عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر قال: (كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني -يعني كان أول من قال بنفي القدر في البصرة معبد الجهني - قال: فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر؟ قالا: فوقف لنا عبد الله بن عمر داخلاً المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، وظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت: أبا عبد الرحمن -ينادي ابن عمر - إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ويتقفرون العلم -أي يبحثون عن غوامض العلم وخوافيه ودقائق مسائله- ويزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف -أي: لا يعلم الله الأشياء إلا بعد وقوعها وحدوثها- فقال عبد الله بن عمر: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني، فوالذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر، ثم قال: حدثني أبي عمر بن الخطاب قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد) وساق الحديث بطوله.
والشاهد: قول عبد الله بن عمر: (حدثني أبي عمر عن رسول الله)، فهل قال ولدك: حدثني أبي عن فلان الصحابي عن رسول الله؟ هل جلست مع ولدك أيها الأخ الحبيب الفاضل؟! أولسنا نحفظ هذه الأحاديث يا إخوة؟! أولسنا نعرف هذا المنهج التربوي؟ أولسنا نقف على هذا الخلق العظيم في معاملة النبي ﷺ للخلق؟
стр. 388
تعامل الرسول القدوة مع الكفار
أيها الإخوة! لقد علم النبي ﷺ الدنيا الشرف في معاملته مع الأعداء، فقد روى مسلم من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ قال: (ما منعني أن أشهد بدراً مع رسول الله ﷺ إلا أن المشركين قد أخذونا وقالوا: أتريدون محمداً؟ قال حذيفة: فقلت: لا.
قال حذيفة: فأخذ المشركون علينا عهد الله وميثاقه أن ننصرف إلى المدينة وألا نشهد بدراً مع رسول الله ﷺ ، قال: فذهبت إلى النبي ﷺ فأخبرته بما قال المشركون وبما قلت، فقال النبي ﷺ : انصرفا -يعني: لا تشهدا معنا المعركة- نفي للمشركين بعهدهم ونستعين الله عليهم)، هذا هو النبي محمد ﷺ .
أيها الأحباب! وأختم بهذا الموقف الرقيق، لأنني لو جلست إلى الفجر ما انتهيت؛ لأننا نتحدث عن منهج تربوي كامل، أختم بهذا المشهد الوضيء، ففي سنن النسائي وأبي داود بسند صحيح: أن عثمان بن عفان ﵁ أتى يوم فتح مكة بـ عبد الله بن سعد بن أبي السرح ليبايع رسول الله ﷺ ، وكان النبي ﷺ قد أهدر دمه، وأمر الصحابة أن يقتلوه في أي مكان وجدوه ولو كان معلقاً بأستار الكعبة.
فجاء به عثمان بن عفان فنظر النبي ﷺ فوجد عثمان وعبد الله بن سعد أمام عينيه وبين يديه، وإذا بـ عثمان يقول للنبي ﷺ : بايعه يا رسول الله! فغض النبي ﷺ الطرف عن عبد الله بن سعد وسكت ولم يرفع النبي ﷺ يده، فقال عثمان ثانية: بايعه يا رسول الله! فلم يمد النبي ﷺ يده، فقال عثمان ثالثة: بايعه يا رسول الله! وكان النبي ﷺ يستحيي من عثمان؛ لأن عثمان رجل تستحي منه الملائكة، فقال عثمان في الثالثة: بايعه يا رسول الله! فمد النبي ﷺ يده فبايع عبد الله بن سعد ثم انصرف والنبي ﷺ غاضب حزين، فالتفت النبي إلى أصحابه وقال: (أوما كان فيكم رجل رشيد يراني قد كففت يدي عن بيعته؛ فيقوم إليه ليقتله، فقال الصحابة: هلا أومأت إلينا بعينك يا رسول الله! فرد النبي ﷺ وقال: ما ينبغي لنبي أن تكون له خائنة أعين)، يعلمنا الصدق حتى في النظرة، لا في القول والفعل والاعتقاد فحسب، بل حتى في النظرة.
стр. 389
حاجتنا إلى الرجوع إلى المنهج النبوي والاقتداء بصاحبه ﵊
أيها الأفاضل! ما أحوجنا أن نرجع من جديد إلى رسول الله ﷺ ؛ لنسير على دربه، فوالله لا سعادة لنا ولا نجاة في الدنيا والآخرة إلا إذا عدنا من جديد إليه وسرنا على نفس الدرب الذي سار عليه، ورددنا مع السابقين الأولين الصادقين قولتهم الخالدة: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥].
فلنفرق بين مقامي الدعوة والجهاد، فمقام الجهاد يحتاج إلى رجولة وغلظة، أما مقام الدعوة فيحتاج إلى رقة وحكمة وتواضع ولين: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥]، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
أما في مقام الجهاد فقال ربنا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التحريم:٩]، فالخلط بين مقامي الدعوة والجهاد يوقعنا في حرج بالغ، فلنتحرك الآن بصدق وبهمة عالية وبإخلاص وبرجولة: ولم أر في عيوب الناس عيباً كنقص القادرين على التمام أنت تقدر أن تفعل أي شيء فتحرك لدين الله مر بالمعروف بمعروف، وانه عن المنكر بغير منكر، واحمل هم هذا الدين، واشهد لدين الله في موقعك الذي أنت فيه، في موقع إنتاجك وموطن عطائك، فهذه أعظم خدمة نقدمها اليوم لدين الله، فلسنا أقل من هؤلاء الذين أبدعوا في الشرق والغرب، بل يجب على هذه الأمة أن تبدع في كل مناحي الحياة بعد أن تحقق إيمانها بالله وإيمانها برسول الله ﷺ .
أسأل الله جل وعلا أن يردنا إلى الحق رداً جميلاً، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً! اللهم وكما آمنا بنبيك ولم نره فلا تفرق بيننا وبينه حتى تدخلنا مدخله، اللهم وأوردنا حوضه الأصفى، اللهم اسقنا منه شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبداً يا رب العالمين! اللهم لا تدع لأحد منا في هذه الليلة الكريمة المرجوة ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، اللهم اشف صدور قوم مؤمنين بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم أنج المسلمين المستضعفين في فلسطين، وأنج المسلمين المستضعفين في العراق، وأنج المسلمين المستضعفين في الشيشان، وأنج المسلمين المستضعفين في أفغانستان وفي كل مكان.
اللهم اجعل دولة قطر أمناً أماناً سخاءً رخاءً، وجميع بلاد المسلمين! اللهم لا تحرم هذا البلد من نعمة الأمن والأمان وجميع بلاد المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين! هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويرمى به في جهنم، ثم أعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 390
أثر الذنوب على الأمة
للذنوب آثار عظيمة على الأمم، فما نزل بلاء ولا كرب ولا شدة إلا بذنب، والذنوب هي سبب هلاك الأمم السالفة، وهي سبب حلول النقم وزوال النعم، وهي سبب في تسلط أعداء الإسلام على الأمة، والواجب علينا هو المبادرة بالتوبة حتى يرفع الله ما بنا، والله يفرح بتوبة عبده، إذ هو أرحم بالعبد من نفسه.
стр. 391
ركاب سفينة واحدة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته.
وصل اللهم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة والأخوات! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة في جنته ودار مقامته؛ إنه ولي ذلك ومولاه.
أحبتي في الله! أثر الذنوب على الأمة، هذا هو موضوع محاضرتنا هذه، وسوف ينتظم حديثي في هذا الموضوع المهم في العناصر التالية: أولاً: ركّاب سفينة واحدة.
ثانياً: خطر الذنوب والمعاصي.
ثالثاً: ما المخرج؟ وأخيراً: متى سنتوب؟ فأعيروني القلوب والأسماع، والله أسأل أن يغفر لنا الذنوب، وأن يستر علينا العيوب، وأن يتقبل منا جميعاً صالح الأعمال.
أولاً: ركّاب سفينة واحدة: إن الطالحين والصالحين ركاب سفينة واحدة، فإن هلك الطالحون لطلاحهم فسيهلك معهم الصالحون، وإن غرق المفسدون فسيغرق معهم الصالحون، والله ﵎ يقول: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥]، فلا يتوهمن متوهم -ولو كان صالحاً- أنه سينجو إن نزلت العقوبة الجماعية، نسأل الله أن يرفع عن الأمة البلاء.
ففي صحيح البخاري وغيره من حديث النعمان بن بشير أن النبي ﷺ قال: (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً حتى لا نؤذي من فوقنا، فلو تركوهم وما أرادوا لهلكوا وهلكوا جميعاً، ولو أخذوا على أيديهم لنجوا جميعاً).
فكثير من المسلمين الآن يتصور أنه ما دام قد حقق الصلاح وامتثل الأمر واجتنب النهي فقد نجا، وينظر إلى المنكرات وإلى الذنوب والمعاصي التي خيمت سحبها القاتمة المظلمة الكثيفة على سماء الأمة ثم يهز كتفيه ويمضي، وكأن الأمر لا يعنيه ما دام يأكل ملء فمه، وينام ملء عينه، وظن المسكين أنه قد نجا، بل وربما يستدل على نجاته بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥].
وقديماً خشي صديق الأمة ﵁ هذه السلبية القاتلة، وهذا الفهم المغلوط المقلوب للآية، فارتقى المنبر؛ فحمد الله وأثنى عليه، وقال: (أيها الناس! إنكم تقرءون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده) وفي لفظ: (إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه يوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده، ثم يدعونه فلا يستجاب لهم)، رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم بسند صحيح.
وفي الصحيحين أيضاً من حديث أم المؤمنين زينب بنت جحش ﵂: (أن النبي ﷺ دخل عليها يوماً فزعاً، وفي لفظ في الصحيح: قام النبي ﷺ من نومه عندها يوماً فزعاً، وهو يقول: لا إله إلا الله؛ ويل للعرب من شر قد اقترب! فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق النبي ﷺ بإصبعيه السبابة والإبهام، فقالت أم المؤمنين زينب ﵂: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم؛ إذا كثر الخبث).
والله الذي لا إله إلا هو لقد كثر الخبث، فلا ينبغي أبداً أيها الأفاضل أن تخيم على سمائنا سلبية قاتلة.
لقد صار كثير من الناس لا يعنيه أمر هذا الدين ما دام آمناً في سربه معافى في بدنه، رزقه الله قوت عمره لا قوت يومه، بل صرنا الآن إلا من رحم ربي ننظر إلى أكفان إخواننا التي تحمل على الأكتاف كل ساعة في أرض فلسطين وكأن الأمر لا يعنينا، حتى المشاعر قتلت في القلوب، وحتى الهم صرنا نبخل به، بل ربما لا يتذكر كثير من الناس الآن الواجب الذي عليه لله جل وعلا إلا إذا ذُكر في محاضرة، أو إلا إذا سمع شريطاً عابراً، فقد يسأل حينئذٍ هذا العالم أو هذا الداعية: ما الذي يجب علي أن أفعله؟ إنه أمر عجب! وكأن المسلم الصادق ما زال ينتظر أن يحدد له عالم ما يجب عليه أن يفعله، صحيح أن هذه ظاهرة صحية لا أقلل من شأنها، بل أحيي كل من يسأل، لكن الذي يدمي القلب -وهذا هو الذي يؤلمني، وهذا هو الشاهد- أن ينتظر المسلم حتى يرزقه الله عالماً ليسأله بعد ذلك عما يجب عليه أن يبذله ويقدمه لدين الله، بل من المسلمين الآن من يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون! ضاع الدين! لا حول ولا قوة إلا بالله! دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله! بل ومنهم من يقول: دع ما لله لقيصر! وامش إلى جوار الحائط، ورب أولادك، فالفتن كثيرة، والحوائط لها آذان، انتبه لنفسك، لا تنشغل بأمر الدين، ابتعد عن المساجد، ابتعد عن المتطرفين من الملتزمين أصحاب اللحى! لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي ولو ناراً نفخت بها أضاءت ولكن أنت تنفخ في رماد إلى آخر هذه الكلمات التي تشل حركة وفكر من يريد أن يخطو على طريق الدين خطوات منضبطة بضوابط الشرع، فالمهزوم نفساً مشلول الفكر والحركة، وربما يُنظِّر لها بالآية الجليلة التي ذكرت، مع أن الفهم للآية مغلوط ومقلوب.
فنحن جميعاً -أيها الأحبة- نركب سفينة واحدة، وعلينا جميعاً أن نعي هذه الحقيقة، ولا أريد أن أطيل مع كل محور من محاور هذا اللقاء المهم.
стр. 392
خطر الذنوب والمعاصي على الفرد والمجتمع
ثانياً: خطر الذنوب والمعاصي: الذنوب إن انتشرت واستشرت ربما يعم العذاب والعقاب، ويهلك الصالحون مع الطالحين، ثم يبعث بعد ذلك كل واحد على نيته، كما في الصحيحين من حديث عائشة ﵂، لكن سيهلك الجميع.
فما الذي أخرج آدم من الجنة؟ وما الذي أهلك قوم نوح؟ وما الذي أهلك قوم إبراهيم؟ وما الذي أهلك قوم عاد؟ وما الذي أهلك ثمود؟ وما الذي أهلك قوم لوط؟ وما الذي أهلك فرعون وجنده؟ وما الذي أهلك الظالمين في كل زمان ومكان؟ الجواب في كلمة واحدة: إنها المعصية، إنها الذنوب على تفاوتها، ابتداءً بالشرك وانتهاءً بأقل ذنب أو معصية ترتكب في حق الله جل وعلا، قال : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر:٤٥]، والآيات في هذا الباب كثيرة، فلا ينزل أي بلاء إلا بذنب، ولا يرفع أي بلاء إلا بتوبة.
وتدبروا هذا الحديث الذي رواه البيهقي في السنن، والحاكم في المستدرك بسند صحيح، من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (يا معشر المهاجرين! خصال خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشت فيهم الأوجاع والأسقام التي لم تكن في أسلافهم)، وأنا أقسم بالله أن الفاحشة قد أعلنت، بل إن من المسلمين الآن من يقضي الليل كله لمشاهدة الفاحشة، لقد دخلت صور الفاحشة غرف النوم، وقام كثير من المسلمين الليل بطوله لا بين يدي الله جل وعلا، بل لمشاهدة الأفلام الفاضحة الداعرة.
ثم والله! لقد كنت مع الشيخ محمد صفوت نور الدين -أسأل الله أن يرحمه رحمة واسعة- في أمريكا، وكنا نمشي سوياً بعد صلاة العصر قبيل المغرب إلى مركز إسلامي، فوالله الذي لا إله غيره! لقد رأينا بأعيننا شاباً يزني بفتاة على الطريق، فقلت: سبحان الله! صدق المصطفى الذي لا ينطق عن الهوى.
وحين كنت في ألمانيا في زيارتي الأخيرة دخلت فتاة ألمانية لتعلن إسلامها، وأنا في كل مرة أحب أن أتعرف على سبب إسلام كل من دخل علينا في إحدى هذه المراكز ليعلن إسلامه، فقلت: يا أختاه! أود أن أتعرف على سبب دخولك في الإسلام، فقصت هذه الفتاة الألمانية التي لم تبلغ الخامسة والعشرين من عمرها قصة عجيبة، قالت: كنت في سفر في هولندا، فرأيت حلقة كبيرة من الناس، وسمعت صراخاً وتصفيقاً إلى غير ذلك، تقول: اقتربت فنظرت وسط هذه الحلقة، فوجدت -والعياذ بالله- رجلاً يزني بامرأة، والناس تصفق له! إنه مشهد بهيمي قذر، وهؤلاء ما زالوا إلى يومنا هذا يعزفون على وتر التقديس والتمجيد للحرية والديمقراطية المشئومة المزعومة، ويدَّعون أنهم أصحاب حضارة، وهي حضارة عفنة نتنة تعفنت روحها، ويفعل فيها الإنسان بالإنسان ما تخجل الوحوش الضارية أن تفعله ببعضها البعض في عالم الغابات.
تقول: فاتصلت على صديقة لي ألمانية مسلمة وقلت لها: هل يمكن أن يزنى رجل بامرأة في الإسلام وتقبل أن يراها الناس؟ قالت: أعوذ بالله! بل يحرم على الرجل أن يجامع امرأته أمام أولاده.
إنه جواب يسير جميل من امرأة ألمانية لا تحسن أن تتكلم بالدليل، ولكن كلامها منضبط، فهذه الفتاة الأولى تقول: فدخل حب الإسلام قلبي، وعلمت أنه دين العفة.
هذه قيمة ربما لا تخطر لنا على بال، نعم؛ إنه دين العفاف، إنه دين الطهارة، إنه دين النقاء، إنه دين حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠].
قال ﷺ : (لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشت فيهم الأوجاع والأسقام التي لم تكن في أسلافهم)، فقد ظهر الإيدز، وهو مرض نقص المناعة، ظهر بصورة بشعة مروعة، وظهر السيلان، وظهرت الكلاميديا، وكلها أمراض تتعلق بهذا التجاوز الواضح لحدود الله جل وعلا، بل ينفق الشرق والغرب الآن مليارات ضخمة لمحاصرة هذا المرض، لكنهم إلى الآن ما استطاعوا، مع أن النبي الصادق قد حدد المخرج من هذه الأمراض الفتاكة منذ أربعة عشر قرناً، حين دل الأمة على الطهارة، وحرم عليها الزنا.
قال ﷺ : (لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشت فيهم الأوجاع والأسقام التي لم تكن في أسلافهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين، وشدة المؤنة، وجور السلطان).
لقد وقع تطفيف المكيال والميزان من كثير من الناس، فوقعوا في الضنك والضيق وجور السلاطين، (ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدواً فأخذ بعض ما في أيديهم)، صلى الله على من لا ينطق عن الهوى، لقد ضاعت الأندلس، والقدس الآن في أيدي اليهود، وكذلك العراق، والشيشان، واحتلت الأرض، وأخذ الأعداء بعض ما في أيدينا، بل تحولت الأمة إلى قصعة مستباحة لأقذر وأنجس وأسفل أمم الأرض، وصدق فيها قول الصادق كما في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وأبو داود من حديث ثوبان: (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها).
فهل تذكر القصعة؟ وهل تذكر طبق الطعام الذي تقدمه كل صباح لمجموعة من الطيور أو الدواجن في بيتك؟ وهل تتصور وتتذكر هذا المشهد وأنت تقدم الطبق بعد ليل طويل، وترى الطيور تتقاذف وتتطاير من أجل أن يصيب كل طائر حظه من هذه القصعة؟ إنه تشيبه نبوي بليغ لما عليه الأمة الآن: (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أومن قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: كلا، ولكنكم يومئذٍ كثير -مليار وثلث-، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، وليوشكن الله أن ينزع المهابة من قلوب عدوكم، ويقذف في قلوبكم الوهن، قيل: وما الوهن يا رسول الله؟! قال: حب الدنيا وكراهية الموت).
وفي مسند أحمد وسنن أبي داود بسند صحيح من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إذا تبايعتم بالعينة -والعينة نوع من أنواع البيوع الربوية المحرمة- ورضيتم بالرزع، وتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم).
قال ﷺ : (وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل بأسهم بينهم) آه! لقد استبدلت الأمة بالعبير بعراً، وبالثريا ثرى، وبالرحيق المختوم حريقاً محرقاً مدمراً، والله جل وعلا يقول: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥].
قال ابن القيم في كلام نفيس قلما تقف عليه لغيره: تحكيم رسول الله في كل أمر إسلام، وعدم وجود الحرج في الصدر من حكمه مقام إيمان، والرضا بحكمه مقام إحسان.
قال الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٣٦]، وقال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقِيهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥١ - ٥٢]، وقال في شأن المنافقين: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ [النساء:٦٠ - ٦١] فشعار المؤمن: حب الله ورسوله، والسمع بلا تردد، والطاعة بلا انحراف والتواء، وشعار المنافق: السمع والإعراض، والسمع والصد عن دين الله جل وعلا.
إن قلت قال الله قال رسوله همزوك همز المنكر المتغالي أو قلت قال الصحابة والألى تبع لهم في القول والأعمال أو قلت قال الشافعي وأحمد وأبو حنيفة والإمام الغالي صدوك عن وحي الإله ودينه واحتالوا على حرام الله بالإحلال يا أمة لعبت بدين نبيها كتلاعب الصبيان بالأوحال حاشا رسول الله يحكم بالهوى والزور تلك حكومة الضلال قال جل وعلا: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص:٢٦].
هذا هو خطر الذنوب، فوالله ما وقعنا في هذا الذل والمهانة إلا بسبب الذنوب.
стр. 393
الذنوب سبب الهزيمة
يا إخوة! لقد هُزم المسلمون في أحد وقائد الميدان رسول الله، فكيف يهزم المسلمون وقائدهم المصطفى وعدوهم المشركون؟! وكيف يهزمون وهم الصحابة؟! أسئلة كثيرة، بل قالوا ذلك، ورد الله جل وعلا عليهم بهذه الآية المحكمة: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ [آل عمران:١٦٥] يعني: يوم بدر ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ [آل عمران:١٦٥] أي: كيف نهزم؟ فاسمع إلى الجواب من الله، قال جل وعلا: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥].
ونحن دائماً نعلق الأخطاء على مشاجب خارجية، ونقول: الأعداء العلماء الحكام، ولا يفكر واحد منا أبداً في أن يفتش عن خطئه الشخصي، بل أنا أنظر إلى القذاة في عينك وأنسى العود في عيني، وأنت تنظر إلى القذاة في عيني وتنسى العود في عينك، وأنا لا أقلل من خطر العداءات الخارجية على الأمة، وإنما أود أن نعلم علم اليقين أن هذه الأعذار والتبريرات التي نبررها لهزائمنا المتلاحقة المتتالية، ولأخطائنا المتتابعة، إنما هي أعذار واهية، وتبريرات لا قدم لها ولا ساق.
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الأنفال:٥٣] والأمة قد غيرت.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] والأمة قد غيرت، ففي جانب العقيدة غيرت، وفي جانب العبادة غيرت، وفي جانب التشريع غيرت، وفي جانب الأخلاق غيرت، وفي جانب المعاملات والسلوك غيرت، وفي الجانب التربوي غيرت، وفي الجانب النفسي تغيرت، وفي الجانب الإعلامي غيرت، وفي الجانب الفكري غيرت، وفي كل الجوانب غيرت.
إن الله سنناً ربانية في الكون لا تتغير ولا تتبدل ولا تجامل تلك السنن أحداً من الخلق بحال، فمهما ادعى الإنسان لنفسه من مقومات المحاباة فالنعم تزول بالذنوب والمعاصي.
روى أبو نعيم في الحلية وغيره بسند صحيح أن النبي ﷺ قال: (إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله؛ فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته).
وقد يسألني كثير من الشباب، ويقول: فما ردك إذاً على هؤلاء الكافرين الذين وقعوا في أبشع المعاصي والذنوب والشرك، ومع ذلك نرى أن الله قد مكن لهم، وقد وسع عليهم أرزاقهم؟ والجواب يسير، ولن أخرج الجواب من كيسي ولا من عند نفسي، إنما هو قول ربنا وقول نبينا، ونحن بفضل الله لا نتكلم كلمة إلا بدليل من كتاب الله أو بحديث من أحاديث سيدنا رسول الله ﷺ ، فتدبر قول النبي ﵊: (إذا رأيت الله يعطي العبد ما يحب وهو مقيم على معاصيه، فاعلم بأنه استدراج له من الله ، وقرأ النبي ﷺ قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٤ - ٤٥])، والحديث رواه أحمد في مسنده وغيره بسند صحيح من حديث عقبة بن عامر ﵁.
إذاً: القضية محسومة بنص القرآن: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ) كان
الجواب
﴿ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٥ - ٤٦].
стр. 394
الذنوب والمعاصي سبب هلاك الأمم
ثم انظر -يا أخي- إلى الأمم السابقة الظالمة الجائرة المذنبة العاصية ماذا صنع الله بها؛ لأننا دائماً ننسى، فماذا صنع الله بعاد الأولى؟ قال تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة:٦ - ٧]، والله جل وعلا يسأل حبيبه فيقول: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة:٨] أي: هل تروا لهؤلاء الظالمين الأولين من باقية؟ قال الله جل وعلا: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥] وهذه هي الكلمة الثانية التي ترددها عاد، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥] أم لا زال عندك شك فيه؟ والله إن كثيراً من المسلمين عندهم شك في هذه المسألة إلا من رحم ربك، فبالمقارنة إلى قوة الملك تضعف كل القوى، بل تزول، فلنملأ قلوبنا بالثقة به سبحانه.
والله إن ما يعنيني في كل محاضرة هو أن تملأ القلوب بالثقة بالله بإجلال الله بعظمة الله بقدرة الله بهيبة الله بالتعرف على أسمائه الحسنى وصفاته العلا بالتعرف على اسم القوي القهار الجبار القدير العليم الخبير الحكيم، فاملأ قلبك بمعاني هذه الأسماء؛ لتعلم أن كل قوى الأرض ليست شيئاً يذكر أمام قوة رب السماء والأرض، قال : ﴿قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:٢٦].
стр. 395
كل الأمور بيد الله
اعلم أخي! أنه لا تسود دولة ولا تزول دولة ولا يسود حاكم ولا يزول حاكم إلا بأمر من بيده الملك، فهل تتصور أن قاذفة أو صاروخاً أو قنبلة أو طائرة تسقط على شبر من الأرض بعيداً عن سمع وبصر الملك؟
الجواب
لا، قال : ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩] فلا يوجد جبل في الأرض إلا ويعلم الله ما في وعره، وما من بحر ولا نهر على سطح الأرض إلا ويدري الله ما في قعره، ولا تحمل أنثى ولا تضع على وجه الأرض إلا بعلمه.
جاء حبر من أحبار اليهود إلى النبي ﷺ فقال: (يا محمد! إنا نجد مكتوباً عندنا في التوراة: أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والماء والثرى على إصبع، والشجر على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، ثم يهزهن ويقول: أنا الملك، فضحك النبي حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحق، وقرأ النبي قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر:٦٧])، فهذه هي مشكلتنا، وهذه هي المصيبة، أي: أننا كما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] ﷻ .
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت:١٥] انظر إلى الجواب وانظر إلى النتيجة: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ * وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [فصلت:١٦ - ١٨] اللهم اجعلنا من المؤمنين المتقين؛ لنكون أهلاً لنجاتك يا أرحم الراحمين!
стр. 396
وجوب الثقة بالله جل وعلا
فلا ينبغي أن تهتز ثقتك أيها المسلم في ربك، أو أن يضعف إيمانك بربك ، ثم تدبر قول الله جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِي * وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ﴾ [الفجر:٦ - ١٣] انظر إلى فاء الترتيب والتعقيب التي تضمد الجراح ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:١٣ - ١٤].
والله! إننا لفي انتظار خوض العذاب من الملك لهذه الأمم الكافرة الجائرة التي قالت: من أشد منا قوة؟ والتي تنتهك الأعراض، وتدنس المقدسات والأرض.
ثم تدبر -يا أخي- قول ربك: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:١ - ٥].
ثم في عصرنا: أين الاتحاد السوفيتي؟! يقول المفكر الشهير اشبنجلر: إن للحضارات دورات فلكية، فهي تغرب هنا لتشرق هنالك، وإن حضارة أوشكت على الشروق في أروع صورة، ألا وهي حضارة الإسلام، فهو الدين الوحيد في الأرض الذي يملك أقوى قوة روحانية نقية.
وأجمل من قوله قول ربي: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] فالأيام دول، فلا ينبغي أن ينظر الناظر إلى قوة دولة ظالمة غاشمة متكبرة متجبرة على أنها هي النهاية لهذا التاريخ ولهذا الكون، فالله جل وعلا أخذ الأمم التي انحرفت عن منهجه سبحانه جميعاً، أخذهم الله بذنوبهم ومعاصيهم وإعراضهم عن الله ﵎.
стр. 397
المخرج من حال الأمة الراهن بالأمر بالمعروف وتغيير المنكر
ثالثاً: ما المخرج؟ المخرج أنه لا يكفي صلاحك أبداً، بل يجب أن تكون صالحاً مصلحاً، ولا ينبغي أن تنظر إلى المنكرات وتهز كتفيك وتمضي وكأن الأمر لا يعنيك.
أيها الأفاضل: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في هذا الدين، وهو وظيفة الأنبياء والمرسلين، ولو طوي بساطه وأهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة، واضمحلت الديانة، وفشت الضلالة، وعمت الجهالة، وخربت البلاد، وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد، فهو شرط من شروط خيرية أمة النبي محمد، كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، فلا ينبغي أن ترى المنكر دون أن تغيره.
стр. 398
ضوابط تغيير المنكر
لكن اعلم يا أخي أن تغيير المنكر له ضوابط، فحماسك وحدك لا يكفي، وإخلاصك وحدك لا يكفي، بل لابد أن يكون حماسك وإخلاصك منضبطين بضوابط الشرع؛ حتى لا تفسد من حيث تريد الإصلاح، وحتى لا تضر من حيث تريد النفع، ففي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، فالتغيير باليد له ضوابطه، فمر بالمعروف بمعروف، وانه عن المنكر بغير منكر، وقد اتفق علماء الأمة على ذلك.
قال ابن القيم لله دره: إن النبي ﷺ قد شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل من المعروف ما يحبه الله ورسوله -وتدبروا أيها الشباب! - فإن كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر من المنكر فهو أمر بمنكر، وسعي في معصية الله ورسوله، ولقد كان النبي ﷺ يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها.
قد يرد علي شاب من شبابنا المتحمس المخلص ويقول: هذه المرحلة كانت مرحلة استضعاف.
لكن تدبر أيها الحبيب اللبيب! يقول ابن القيم: ولما فتح الله عليه مكة وصارت دار إسلام وعزم على هدم البيت الحرام ورده على قواعد إبراهيم، لم يفعل النبي ذلك مع قدرته على فعل ذلك؛ لأن قريشاً كانت حديثة عهد بكفر وقريبة عهد بإسلام.
وهذا تفصيل في غاية الأهمية.
فالتغيير إذاً له ضوابط.
стр. 399
التغيير بالكلمة الطيبة
ثم إن لم تستطع أن تغير هذا المنكر بيدك فبلسانك، بكلمة حلوة رقيقة عذبة.
جرب يا أخي! إذا رأيت منكراً أن تأمر بالمعروف بمعروف، وأن تنهى عن المنكر بغير منكر، فوالله الذي لا إله غيره لتجدن ثمرة ما خطرت لك على بال.
وفي إحدى الزيارات لألمانيا عرفني الإخوة هناك برجل ألماني من الدعاة، وقالوا: هذا الرجل كان يعمل ملاكماً، وأخذ بطولات في الملاكمة، ودعي هذا الرجل ليكرم في بلاد الحرمين في الرياض، يقول لي: وكان من بين الحضور أخت مسلمة تقدمت إلي بحجابها، وقدمت لي هدية، هذه الهدية عبارة عن ترجمة معاني القرآن الكريم باللغة الألمانية، دفعت له الهدية وخرجت، يقول: ومضى عشرون عاماً على هذه الهدية لم أفتحها، ولم أعرفها، قال: وبعد عشرين سنة جلست أرتب وأعيد كتبي في مكتبتي الخاصة، فوقعت يدي على هذا الكتاب، وتعجبت! وتذكرت السنوات الخالية، قال: وجلست على كرسي المكتب بسرعة ملفتة، وفتحت هذا الكتاب، وقدر الله أن أفتح على ترجمة سورة الإخلاص: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] فقرأت السورة، يقول: فارتعد جسدي، وبكت عيني، ثم عدت إلى الكتاب من أوله، فقرأت تفسير سورة الفاتحة، قال: فبكيت وخرجت مباشرة إلى المركز الإسلامي، وقلت لهم: ماذا تصنعون إن أردتم أن تدخلوا هذا الدين؟ قالوا: اغتسل، فاغتسل، قالوا: انطق الشهادتين، فنطق الشهادتين.
هذا الرجل العجيب الذي دخل الإسلام للتو ما مكث إلا أياماً تعرف فيها على نزر يسير، ثم أخذ المطويات والكتب والمنشورات وأخذ منضدة، وخرج إلى ميدان عام من الميادين العامة في ألمانيا ووقف، وكان الشباب والفتيات إذا رأوا هذا الرجل وهو معروف نزلوا ليوقع لهم على الأوتجراف، فيدعوهم إلى الإسلام، ويمنحهم المطويات والمنشورات والكتب الصغيرة، يقسم الإخوة لي بالله أنه أسلم على يديه في عام واحد أكثر من مائتي رجل وامرأة، وكل هؤلاء في ميزان الأخت الفاضلة التي أهدته هذه الترجمة.
فيا أخي: غير أنت، ودع النتائج إلى الله، قل كلمة جميلة، إن لم تستطع أن تقولها بلسانك فقلها بلسان عالم مخلص أو داعية صادق؛ بشريط أو بكتاب أو بكتيب أو بمطوية أو برسالة أو بهدية أو بكلمة جميلة، فما عليك إلا أن تزرع، ودع الثمرة لله ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم:٢٤ - ٢٥] فشجر الناس منه ما يثمر في الشتاء، ومنه ما يثمر في الصيف، ومنه ما يثمر في الربيع أو الخريف، أما الشجرة الطيبة التي ضربها الله في القرآن مثلاً للكلمة الطيبة فهي لا تتأثر بصيف ولا بشتاء، ولا بربيع أو خريف، بل لا تحطمها المعاول، ولا تعصف بها الرياح الهوجاء والأعاصير الشديدة، لأنها متغلغلة في قلب الصخور، وامتدت إلى عنان السماء، إنها الكلمة الطيبة التي تتخطى الحواجز والعقبات والسدود يقيناً، فما عليك إلا أن تخرج هذه الكلمة الطيبة بأدب على منهج رسول الله، ودع النتائج بعد ذلك لله تعالى.
قال الشاعر: بين الجوانح في الأعماق سكناها فكيف تنسى ومن في الناس ينساها الأذن سامعة والروح خاشعة والعين دامعة والقلب يهواها ولم لا؛ وهي كلمة الله جل وعلا؟ ولم لا وهي كلمة الصادق رسول الله ﷺ ، فأنت لا تقول إلا قال الله قال رسوله ﷺ ، فغير بلسانك، وقل كلمة جميلة رقيقة رقراقة مهذبة مؤدبة، فنحن لا نتعامل مع ملائكة بررة، ولا مع شياطين مردة، ولا مع أحجار صلبة، إنما نتعامل مع نفوس بشرية فيها الإقبال والإحجام، وفيها الطاعة والمعصية، وفيها الخير والشر، وفيها للحلال والحرام، وفيها الفجور والتقوى، وفيها الهدى والضلال، فلنكن على بصيرة بمفاتيح هذه الأنفس، والمفاتيح هي: الرحمة، والحكمة، والرقة، والأدب، والتواضع، فإن امتثلت هذا المنهج سبرت أغوار النفس، وتغلغلت إلى أعماقها، وبلَّغت من تريد ما تريد من قول الله ومن قول رسول الله.
стр. 400
شروط تغيير المنكر بالقلب
فإن لم تستطع إنكار المنكر لا بيدك ولا بلسانك فبقلبك، لكن اعلم أن إنكار المنكر في القلب له شرطان: الأول: أن يرى الله من قلبك بغض هذا المنكر الذي لا تستطيع تغييره، أما أن يجلس الرجل -مثلاً- أمام فلم من الأفلام وتعرض في هذا الفلم لقطات راقصة عارية، ثم يجلس المسلم ليشاهد ويحملق بعينيه، ثم يقول وهو يحملق: أستغفر الله، أستغفر الله، فهذا كذاب في استغفاره، فهو لم يغير بيده ولا بلسانه ولا حتى بقلبه، ولا عذر له.
والله لا عذر لواحد منا، لأنك إن لم تستطع أن تغير بيدك فغير بلسانك، فإن لم تستطع أن تغير بلسانك فغير بقلبك، ولا عذر لك البتة إن لم تغير هذا المنكر بقلبك، وذلك بأن يرى الله في قلبك بغضك لهذا المنكر.
الثاني: أن تزول أنت عن مكان المنكر الذي عجزت عن إزالته بيدك وبلسانك إن استطعت، ولابد من هذا القيد من باب الأمانة: (إن استطعت)، بمعنى: قد تكون في باص وأنت على سفر، ويعرض عليك فلم لا تريد أن تنظر إليه، ولا تستطيع أن تغادر الباص، فما عليك إلا أن تغض الطرف، وما عليك إلا أن يرى الله من قلبك بغضك لهذا المنكر، ثم انشغل أنت بصورة من صور الطاعة لله جل وعلا، كالذكر أو التسبيح أو الاستغفار أو الصلاة على النبي المختار ﷺ ، فهذه ضوابط لابد منها أيها الأفاضل! وليتحرك كل واحد منا على قدر استطاعته، كما قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وقال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وقال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧].
стр. 401
وجوب تعجيل التوبة
وأخيراً: متى سنتوب؟ وا أسفاه إن دعينا إلى التوبة وما أجبنا بعدما تعرفنا على خطر الذنوب والمعاصي! وا أسفاه إن دعينا إلى التوبة وما أجبنا! وا حسرتاه إن دعينا إلى الأوبة وما أنبنا! يا نادماً على ذنوبك أين أثر ندمك؟ آه! أين أثر ندمك؟ أين بكاؤك على زلة قدمك؟ أين بكاؤك على جرأتك على المعاصي والذنوب؟ أين حياؤك من علام الغيوب؟ قال الشاعر: إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفي عليه يغيب لقي الفضيل بن عياض رجلاً، فقال له الفضيل: يا أخي! كم عمرك؟ قال: ستون سنة، قال الفضيل: إذاً: أنت منذ ستين سنة تسير إلى الله، يوشك أن تصل، فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون.
قال الفضيل: يا أخي! هل تعرف معناها؟ قال: نعم، أني لله عبد، وأني إليه راجع، قال الفضيل: يا أخي! فمن عرف أنه لله عبد وأنه إليه راجع، فليعلم أنه موقوف بين يديه، ومن عرف أنه موقوف بين يديه فليعرف أنه مسئول، ومن عرف أنه مسئول بين يديه فليعد للسؤال جواباً، فبكى الرجل وقال: يا فضيل! وما الحيلة؟ قال الفضيل: يسيرة، قال: ما هي يرحمك الله؟ قال الفضيل: اتق الله فيما بقي من عمرك يغفر الله لك ما قد مضى وما قد بقي من عمرك.
قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
قال الشاعر: أيا من يدعي الفهم إلى كم يا أخا الوهم تعب الذنب بالذنب وتحطي الخطأ الجم أما نادى بك الموت أما أسمعك الصوت أما تخشى من الفوت فتحتاط وتهتم فكم تسير في السهو وتختال من الزهو وتنفض إلى اللهو كأن الموت ما عم كأني بك تنحط إلى اللحد وتنغط وقد أسلمك الرهط إلى أضيق من سم هناك الجسم ممدود ليستأكله الدود إلى أن ينخر العود ويمسي العظم قد رم فزود نفسك الخير ودع ما يعقب الضير وهيئ مركب السير وخف من لجة اليم بذا أوصيك يا صاح وقد بحت كمن باح فطوبى لفتى راح بآداب محمد يأتم وصدق ربي إذ يقول: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة:٢٦ - ٣٠] يفتح سجلك، ويفتح ملفك، ويفتح كتابك، فإذا به: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة:٣١ - ٣٢].
стр. 402
فرح الله بتوبة عبده
فهيا جدد التوبة والأوبة، واعلم بأن الله سيفرح بتوبتك مهما عظم ذنبك، وهو الغني عنك، كما قال ﷺ : (لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحتله بأرض فلاة، فانفلتت منه راحلته، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع بظلها، فبينما هو كذلك إذ به يرى راحلته قائمة عند رأسه، عليها طعامه وشرابه، فأراد أن يعبر عن فرحته العارمة فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح).
ففرح الله بتوبتك إليه أعظم من فرحة هذا العبد بأوبة راحلته إليه، فلمَ التسويف؟! لم التسويف؟! فما من ليلة تمر علينا إلا وربنا ﷻ يتنزل إلى السماء الدنيا تنزلاً يليق بكماله وجلاله؛ لأنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، يتنزل كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يمضي ثلث الليل الأول، فيقول: أنا الملك أنا الملك! من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من الذي يستغفرني فأغفر له؟ فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر.
وفي صحيح مسلم: أنه ﷺ قال: (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم) وأختم بهذا الحديث الرقراق الذي رواه البخاري من حديث عمر بن الخطاب ﵁، أنه ﷺ رأى امرأة في السبي تبحث عن ولدها، فلما وجدته ألزقته ببطنها فأرضعته، فلما نظر النبي إلى هذا المشهد الرقراق الحاني التفت إلى الصحابة وقال: (أترون هذه الأم طارحة ولدها في النار؟ قالوا: لا يا رسول الله! فقال: لله أرحم بعباده من هذه الأم بولدها)، فتدبر هذا البيان النبوي البليغ، ولذا قال أحد الصالحين: اللهم إنك تعلم أن أمي هي أرحم الناس بي، وأنا أعلم يا سيدي أنك أرحم بي من أمي، وأمي لا ترضى لي العذاب، أفترضاه لي وأنت أرحم الراحمين؟!
стр. 403
شروط التوبة
الندم ركن التوبة الأعظم، والبعد عن المعاصي والذنوب شرطها الثاني، والعمل الصالح والمداومة عليه، والانتقال من طاعة إلى طاعة، ومن خير إلى خير شرطها الثالث، قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم:٨].
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم لا تفضحنا بخفي ما اطلعت عليه من أسرارنا، ولا بقبيح ما تجرأنا به عليك في خلواتنا.
اللهم لا تفضحنا بخفي ما اطلعت عليه من أسرارنا، ولا بقبيح ما تجرأنا به عليك في خلواتنا.
اللهم اغفر لنا الذنوب التي تنزل النقم، اللهم اغفر لنا الذنوب التي تهتك العصم، اللهم اغفر لنا الذنوب التي تنزل البلاء، اللهم اغفر لنا الذنوب التي تنزل البلاء، اللهم اغفر لنا الذنوب التي تنزل البلاء.
اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم خذ بنواصينا إليك أخذ الكرام عليك.
اللهم أبرم لأمة التوحيد أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.
اللهم إنا نعترف لك -يا سيدي- بضعفنا فارحم ضعفنا، ونعترف لك -يا سيدي- بذنوبنا فاغفر ذنوبنا، ونعترف لك -يا سيدي- بعيوبنا فاستر عيوبنا.
اللهم اغفر ذنوبنا، واستر عيبنا، وفرج كربنا، واكشف همنا، وأزل همنا، وتول أمرنا، وفك أسرنا، واختم بالصالحات أعمالنا، اللهم اختم بالصالحات أعمالنا، اللهم اختم لنا بالصالحات.
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، وبلغنا مما يرضيك آمالنا، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا.
اللهم استر نساءنا، واحفظ بناتنا، واهد شبابنا، وأصلح أولادنا.
ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، واجعلنا للمتقين إماماً.
اللهم اشف صدور قوم مؤمنين بنصر الإسلام وعز الموحدين، اللهم أنج المسلمين المستضعفين في كل مكان، اللهم أنج المسلمين المستضعفين في كل مكان، اللهم أنج المسلمين المستضعفين في كل مكان.
اللهم لا تردنا من هذا المكان المبارك إلا بذنب مغفور، وسعي مشكور، وتجارة لن تبور، يا من إليه يلجأ الخائفون، وعليه يتوكل المتوكلون، ولعظيم فضله تبسط الأيدي ويسأل السائلون.
يا من اسمه دواء، وذكره شفاء، ارحم من رأس ماله الرجاء، وسلاحه البكاء، اللهم ارحم من رأس ماله الرجاء، وسلاحه البكاء، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا.
اللهم اجعل دولة قطر أمناً وأماناً سخاءً رخاءً وجميع بلاد المسلمين، اللهم لا تحرم هذا البلد من نعمة الأمن والأمان، اللهم لا تحرم هذا البلد من نعمة الأمن والأمان، اللهم لا تحرم هذا البلد من نعمة والأمن والأمان وجميع بلاد المسلمين.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 404
الجهاد سلعة ثمنها الجنة
إن الناظر إلى حال الأمة الإسلامية اليوم يجد أنها تعيش في واقع مؤسف مرير، واقع الذل والمهانة واقع الخزي والعار واقع تسلط الأعداء واقع تشريد الأطفال وترميل النساء ووالله إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن على الأمة المكلومة المحزونة، فبالأمس القريب كنا نقود العالم واليوم نقاد بالأمس نغزوا واليوم نغزى بالأمس كنا منارات هدى للحيارى والتائهين، واليوم نتسكع على موائد الفكر الغربي إنها الرزية التي ما بعدها رزية، والذل الذي ليس بعده ذل، ولا مخرج لنا ولا نجاة من هذا الواقع المؤلم إلا بالعودة إلى دين الله والجهاد في سبيله.
стр. 405
إنها الجنة
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، وبعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء وأيها الإخوة الأحباب الأعزاء، وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم جل وعلا الذي جمعنا وإياكم في هذا البيت المبارك على طاعته أن يجمعنا وإياكم في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله: سلعة ثمنها الجنة، هذا هو عنوان لقائنا مع حضراتكم في هذا اليوم الأغر المبارك، وكعادتنا فسوف ينتظم حديثنا مع حضراتكم تحت هذا العنوان في العناصر التالية: أولاً: واقع مرير.
ثانياً: شرف الجهاد وفضله.
ثالثاً: صورة مشرقة.
رابعاً: التولي كبيرة.
وأخيراً: لا عز إلا بالجهاد.
فأعيروني القلوب والأسماع، فإن هذا الموضوع في هذه الآونة الحرجة من الأهمية بمكان، والله أسأل أن يرزقنا الصواب والسداد والتوفيق، وأن يجعل أقوالنا وأعمالنا خالصة لوجهه؛ إنه ولي ذلك ومولاه، وهو على كل شيء قدير.
стр. 406
واقع مرير في حياة الأمة
أيها الأحبة: لن أطيل الحديث في تشخيص الواقع المرير الذي تحياه الأمة في هذه الأيام، فإن هذا الواقع معروف للصغير قبل الكبير، ومعروف للقاصي قبل الداني، فوالله إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا لما حل بالأمة لمحزونون.
أيها الأحباب! إن الناظر إلى أمة الإسلام سيبكي دماً بدل الدمع إن كان ممن يتحرق قلبه على أحوال أمته الجريحة المسكينة، فإن الأمة قد ذلت بعد عزة، وضعفت بعد قوة، وجهلت بعد علم، وأصبحت في ذيل القافلة الإنسانية بعد أن كانت تقود القافلة كلها بالأمس القريب بجدارة واقتدار.
أصبحت الأمة اليوم تتأرجح في سيرها، بل ولا تعرف طريقها الذي يجب عليها أن تسلكه وأن تسير فيه بعد أن كانت الأمة بالأمس القريب الدليل الحاذق الأرب للدروب المتشابكة في الصحراء المهلكة التي لا يهتدي للسير فيها إلا الأدلاء الأذكياء المجربون، وأصبحت الأمة الآن تتقوت على موائد الفكر الغربي بعد أن كانت الأمة بالأمس القريب منارة تهدي الحيارى والتائهين والضالين الذين أحرقهم لفح الهاجرة القاتل، وأرهقهم طول المشي في التيه والظلام.
إن كان الله جل وعلا قد وصف الأمة في القرآن بالوسطية والوسطية هي الاعتدال بتفسير النبي ﷺ فإننا نرى الأمة الآن قد تركت منهج الوسطية وجنحت إلى الشرق الملحد تارة وإلى الغرب الكافر تارة أخرى.
وإذا كان الله جل وعلا قد وصف الأمة في القرآن بالخيرية فقد علل الله خيريتها بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإيمان بالله جل وعلا، ولكنك ترى الأمة الآن -إلا من رحم ربك جل وعلا من أبنائها- لا تأمر بالمنكر ولا تنهى عن المعروف، بل ويشرك بالله جل وعلا على مرأى ومسمع ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وإذا كان الله قد وصف الأمة في القرآن بالوحدة إلا أنك ترى الأمة الآن قد تمزق شملها، وتشتت صفها، وتقسمت إلى دول بل إلى دويلات، بل وتفككت الدويلات هي الأخرى إلى أجزاء، بل وتقسمت الأجزاء من الدويلات إلى أجزاء، ووضع الاستعمار بين هذه الدويلات والجزئيات مسماراً عفناً نتناً ألا وهو مسمار الحدود، يطرق عليه الأعداء بعنف وقوة من آن لآخر لتشتعل نار الفتن بين هذه الدويلات الصغيرة التي لا تحرك ساكناً، ولم يعد يلتفت إليها الشرق الملحد أو الغرب الكافر.
لقد تحولت الأمة الآن إلى قصعة مستباحة من أذل وأخس وأحقر أمم الأرض، أصبحت الأمة الآن قصعة مستباحة لإخوان القردة والخنازير للصرب المجرمين للملحدين الشيوعيين لعباد البقر الأنجاس.
لقد أذل الله الأمة الآن لمن كتب الله عليهم الذل والذلة والمهانة! وأنا أتساءل دوماً وكثيراً وأقول: هل رأيتم أذل ممن أذله الله للأذل؟ لا والله، ولا أريد أن أفصل في تشخيص الداء فإنه معلوم، والسؤال الآن: ما الذي أوصل الأمة إلى هذا الحال وإلى هذا الواقع المرير؟ والجواب -أيها الأحبة- في آية واحدة محكمة من كتاب الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١].
والله لقد غيرت الأمة وبدلت بدلت في جانب العقيدة في جانب العبادة في جانب التشريع، بل تجرأت وتحدت ربها جل وعلا، ونحت شريعة نبيها، وحكمت في الأعراض والأموال والفروج القوانين الوضعية والمناهج الأرضية من صنع المهازيل من البشر من الملحدين والشيوعيين والديمقراطيين والعلمانيين والساقطين بل والتافهين، ممن قال عنهم المصطفى في حديثه الصحيح الذي رواه أحمد وغيره: (يأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين وينطق فيها الرويبضة، قيل: ومن الرويبضة يا رسول الله؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة) ووالله لقد تكلم التافهون لا في أمر العوام بل في أمر دين الله جل وعلا وشريعة النبي ﵊.
أيها الأحبة: لقد غيرت الأمة وبدلت في كل جانب من الجوانب إلا من رحم ربك جل وعلا، وما هذا الواقع المرير الذي أراه إلا عدلاً من الله جل وعلا إذ إن الله لا يحابي أحداً من الخلق بحال مهما ادعى لنفسه من مقومات المحاباة.
أيها الأحبة! لقد شخص النبي ﷺ الداء في كلمات بسيطة، وحدد لهذا الداء الدواء، فلم يترك النبي ﷺ الداء والدواء لأي داعية من الدعاة ليحدده على حسب نظرته أو على حسب هواه، بل حدد الداء في حديثه الصحيح الذي رواه أبو داود من حديث ثوبان ﵁: (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: كلا، ولكنكم يومئذ كثير، ولكن غثاء كغثاء السيل، وليوشكن الله أن ينزع المهابة من قلوب عدوكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت) هذا هو الداء.
ولقد أكد النبي ﷺ الداء في حديث آخر رواه أحمد وأبو داود من حديث ابن عمر وصححه الألباني وغيره، قال ﷺ : (إذا تبايعتم بالعينة) والعينة نوع من أنواع البيوع الربوية المحرمة ولا مجال للتفصيل في هذا البيع الآن.
قال: (إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، وتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم).
يوم أن حرفت الأمة الإيمان بالله ونخر الفكر الغربي في جسد الأمة، وشوهت العقيدة الصافية، ودنس صفاؤها وعكر نقاؤها، وانحرفت الأمة عن المعتقد الصحيح، وعن حقيقة الإيمان التي قال عنها علماؤنا: قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، وانطلقت الأمة لتستغيث بغير الله، ولتستعين بالشرق الملحد والغرب الكافر، ولتذبح لغير الله، ولتقدم النذور لغير الله، ولتسأل الأموات من دون الله، بل ولتنحي شريعة الله جل وعلا، ووقعت في شرك مظلم معتم إلا من رحم ربك جل وعلا، وتركت بعد ذلك الجهاد في سبيل الله، وأخلدت إلى الوحل والطين، وعاش المسئولون في هذه الأمة يعبدون العروش والكروش والقروش، وبذلوا كل ما يملكون حتى العقيدة من أجل الحفاظ على هذا الكرسي الزائل والمنصب الفاني، ومن أجل إرضاء السادة والكبراء الذين أجلسوهم على هذه الكراسي، ولعبوا بهم من وراء الكواليس كلعبة العرائس أو الدمى على مسرح يتلهى به الساقطون والسذج والرعاع.
أيها الإخوة! لما أخلدت الأمة إلى الأرض وتركت الجهاد في سبيل الله سلط الله عليها إخوان القردة والخنازير، والصرب الكفرة المجرمين، والشيوعيين الملحدين، وعبدة البقر والفئران المجرمين في كشمير، وهأنتم ترون الصورة بهذا الواقع المرير، وبهذا الظلام، نسأل الله جل وعلا أن يسعد قلوبنا وإياكم بنصرة الإسلام وعز المسلمين، و ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١].
أيها المسلمون! واقع مرير، ولا خروج من هذا الواقع المرير الذي تحياه الأمة الآن إلا إذا رفعت الأمة من جديد راية ذروة سنام الإسلام، راية الجهاد في سبيل الله، والله لقد تمنيت من كل قلبي أن لو أسمعت هذا الموضوع وهذه الخطبة لكل مسئول في هذه الأمة، لا أقول لمسئولينا في مصرنا -أسأل الله أن يحفظها- وإنما تمنيت أن لو أسمعت هذا لكل مسئولي هذه الأمة الذين يتعرضون الآن للذل والمهانة من قبل أعداء الله جل وعلا، ولو فطنوا إلى أن الشباب الذين أعلنت عليهم الحرب اليوم هم القوة الرادعة لأعداء الله جل وعلا لاحتضنوا هؤلاء الشباب، ولوضعوهم في القلوب، وأطبقوا عليهم العيون، فإنه إذا جد الجد وحمي الوطيس فهم أسوده.
أيها الأخيار! ها نحن نرى اليهود يتلاعبون بالأمة كلها، بل وبالعالم كله، وما أخبار المفاعل النووي في (ديمونة) من أحد ببعيد.
وها نحن نسمع الآن وزير خارجيتنا يصرح بتصريحات جريئة بل وخطيرة، ولو علم الحكام قوة هؤلاء الشباب الذين يتشوقون للجهاد في سبيل الله لوضعوا هؤلاء الشباب في القلوب ولفتحوا الباب على مصراعيه لشباب توضأ لله جل وعلا، وقام الليل يتضرع إلى الله أن يرفع الله علم الجهاد، ليقوم هؤلاء ليسدوا بصدورهم فوهات مدافع أعداء الله جل وعلا.
أيها الأحبة! لا عز لهذه الأمة إلا بالجهاد، وأنا أعلم علم اليقين أن الحديث عن الجهاد أصبح جريمة، ويقابل بتعسف شديد وباستنكار، بل وأصبح الحديث عن الجهاد تهمة يؤخذ عليها بالنواصي والأقدام، لكن تمنيت أن لو فهم الحكام حقيقة الجهاد الذي أنادي به الآن، فأنا ما قصدت به التطرف؛ لأن إعلامنا العميل قد شوه الصورة فهو متخبط في قلب الحقائق وتشويه الصور، فقد شوه الإعلام صورة الجهاد، وطمس الصورة المشرقة للجهاد، وخلط بينما يسميه بالإرهاب والتطرف.
إلى آخر مسمياتهم، بل وخلط الإعلام بين هذه الصورة وبين الصورة المشرقة للجهاد في سبيل الله ضد أعداء الله من الكافرين والمنافقين.
أيها الأحباب! لا بد أن يعي الحكام حقيقة الجهاد حتى لا يصبح الجهاد بعبعاً يخشونه الحكام في كل بلد من بلاد المسلمين، يخشون من مجرد سيرته أو من مجرد الحديث عنه، لأن القائمين على الإعلام قد قلبوا الحقائق وشوهوا الصور.
стр. 407
شرف الجهاد وفضله
أيها الأحبة! عنصرنا الثاني من عناصر هذا اللقاء: شرف الجهاد وفضله.
أحبتي! لقد أمر الله نبيه ﷺ بالدعوة إليه، ونادى عليه بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢] فقام النبي ﷺ ولم يقعد ولم ينم حتى لقي ربه جل وعلا، ثم خاطبه بعد هذه المرحلة السرية، بأن يجهر بالدعوة، والسرية والجهرية في الدعوة قائمة إلى يومنا هذا بحسب ما تقتضيه مصلحة الدعوة، وانطلق ﵊ يدعو الناس إلى الله سراً في الظلام وتحت السراديب لماذا؟ لأن للأصنام جيوشاً من الغضب، ولأن عباد الأصنام ينحر بعضهم بعضاً من أجل ناقة، فما ظنك بما سيفعلونه من أجل آلهتهم التي يذبحون لها آلاف النياق؟! وبعد ثلاث سنوات أمر الله نبيه ﷺ أن يجهر بالدعوة بقوله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر:٩٤] فقام الحبيب المصطفى ﷺ ليجهر بدعوة الله على رءوس المشركين بمكة، فصدع بأمر الله ودعا إلى الله الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والحر والعبد، والأحمر والأسود، فأرغت قريش وأرعدت وأزبدت، ودقت طبول الحرب وأوعدت، وازداد الإيذاء واشتد البلاء، وأصاب هذا البلاء صاحب الدعوة، وابتلي المصطفى ﷺ ، ووضع التراب على رأسه! يا شباب الصحوة! وضع التراب على رأس الحبيب محمد! ووضعت النجاسة على رأسه، وتقدم إليه مجرم ليخنق أنفاسه.
وابتلي أصحاب الحبيب وأنتم تعلمون ماذا فُعل بـ بلال وماذا فعل بـ عمار وماذا فعل بأم ياسر وماذا فعل بـ خباب وبغيرهم، وعندها أمر النبي ﷺ أصحابه بالهجرة إلى بلاد الحبشة مرتين.
لماذا الهجرة إلى الحبشة؟ لأن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد، ولما كثرت جراحات أصحاب النبي صلى الله من أثر التعذيب الذي لاقوه على أيدي المشركين والمجرمين في مكة؛ هاجروا إلى الحبشة، ومع ذلك، لم يأذن الله لنبيه ﷺ في القتال.
يا شباب الإسلام! ليس من الحكمة مطلقاً أن تقاتل فئة قليلة أمة طاغية عاتية جندت كل طاقاتها وإمكانياتها للصد عن سبيل الله ولمحاربة دين الله، بل وليس من فقه الدعوة ولا من الدين، إنما قد لا ينسحب هذا الحكم على بعض الأفراد، فإن الذي ندين الله به أنه على طول خط الدعوة رأينا من الأفراد من يبذل روحه لدين الله جل وعلا ولم ينكر عليه النبي ﷺ ذلك، لكنني أتكلم في الجملة وبالمجموع، فليس من الحكمة أن تواجه.
وهأنذا أكرر للمرة الثالثة: ليس من الحكمة أن تواجه فئة في صورة ضعيفة لا يملكون فيها شيئاً أمة طاغية جندت كل الطاقات والإمكانيات للصد عن سبيل الله جل وعلا، وإنما في هذه الحالة تتحرك كما تحرك النبي ﷺ في مرحلة استضعاف، وهأنذا أقول بملء فمي: نحن نعيش الآن مرحلة استضعاف، بل ومرحلة ذل.
يا إخوة! يا من تحرككم الحماسة والعاطفة فقط اعلموا أننا الآن ندفع الجزية، ولا بد من فقه مراحل الجهاد، ولا بد من النظر إلى الأمر نظرة كاملة، إذ إن العاطفة وحدها لا تكفي، وإذ إن الحماس وحده لا يكفي، وأنا أقول ذلك ووالله لا أبتغي به إلا وجه الله، فإن الحركة الإسلامية الآن في أمس الحاجة إلى هداة ودعاة مخلصين لا يجاملون الحركة على حساب منهج الله جل وعلا، إذ لا بد من فهم النصوص العامة والخاصة للربط بينها وبين المناطات الخاصة والعامة ربطاً صحيحاً حتى لا نضع النصوص في غير موضعها، أو نستشهد بالأدلة في غير محلها.
أيها الأحبة الكرام: في هذه المرحلة من الاستضعاف لم يأذن الله لنبيه ولا لأصحابه بالقتال، بل أمر الله نبيه بقوله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الطور:٤٨] ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٩] تحرك أنت للدعوة جيش الأمة كلها للدعوة لدين الله! أيها الأحبة: جيشوا الأمة كلها للدعوة لدين الله جل وعلا: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٩].
وبعد مرحلة الجهر بالدعوة اشتد البلاء والإيذاء، وبلغ الإيذاء ذروته بتدبير مؤامرة حقيرة لاغتيال صاحب الدعوة ﷺ ، فأمر الله نبيه بالهجرة من مكة إلى المدينة، وأمر النبي ﷺ الصحابة بالهجرة من مكة إلى المدينة، فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة أسس للإسلام دولة بكل ما تحمله معنى كلمة دولة: قائد جيش رجال قوة أرض، وهنا بل وهنا فقط أذن الله للنبي والمسلمين معه بالقتال ولم يفرض القتال عليهم، بل أذن لهم في صد العدوان لتأمين الدعوة، فقال جل وعلا: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج:٣٩ - ٤٠] ألم أقل لكم هذه هي الجريمة القديمة الحديثة: أن تقول: لا إله إلا الله: ﴿إلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤٠ - ٤١] أذن الله بصد العدوان بالقتال لتأمين الدعوة وحماية النفس، ولم يفرض الله القتال على النبي ﷺ وأصحابه.
وفي السنة الثانية من الهجرة -وهذه هي المرحلة الرابعة من مراحل التشريع الجهادي- أمر الله النبي والمؤمنين معه بالقتال، وفرض الله القتال عليهم بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦] وهنا أصبح القتال فرضاً على النبي ﷺ والمؤمنين معه والمؤمنين من بعده إلى أن يرث الله الأرض من عليها، ولا تصدقوا الكذابين والأفاكين والمجرمين الذين أرادوا أن يميتوا الجهاد، فإن الجهاد ما مات ولم يمت ولن يموت بإذن الله، وأسأل الله جل وعلا أن يسعدنا وإياكم برفع علم الجهاد؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ولقد بين الله شرف الجهاد بعد ذلك، وحث الله المؤمنين على الجهاد فقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ﴾ [الصف:١٠] هأنذا الآن لو قلت لحضراتكم: أيها الناس هل أدلكم على تجارة يربح فيها صاحب الألف ألفين هل أدلكم على تجارة يربح فيها صاحب المليون مليونين، لحلقت الأعين وأنصتت الآذان.
نعم.
فهذه تجارة مربحة، ولقلتم بصوت واحد: أين دلنا!! هأنذا أدلكم على تجارة أغلى من ذلك وأربح من ذلك، يقول الحق جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف:١٠ - ١٣] اللهم عجل بالفتح يا رب العالمين!: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف:١٣] هل تصدقون الله رب العالمين؟! انتبهوا يا شباب الصحوة! فقد أمر الله بالإيمان قبل الجهاد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [الصف:١٠] فأثبت لهم عقد الإيمان ابتداءً، ثم قال: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [الصف:١٠ - ١١].
يا إخوة: والله الذي لا إله غيره لن نرى للإسلام دولة، ولن نرى حاكمية تطبق الشريعة إلا إذا حققنا الإيمان ابتداءً، وربينا الناس على عقيدة التوحيد بصفائها وشمولها وكمالها.
يا إخوة! الإسلام لبنة أساسه العقيدة، فالإسلام عقيدة تنبثق منها شريعة تنظم كل شئون الحياة، ولا يقبل الله من قوم شريعتهم إلا إذا صحت عقيدتهم، فمحال والله أن نرى ما نحلم به إلا بمثل ما بدأ به المصطفى، وقد بدأ بالتربية بالعقيدة.
لا تتعجب أيها الشاب، ولا تقل لي: أنت تريد منا الآن أن نبدأ بالتربية على العقيدة من جديد، والأمة تضرب بالنعال؟! أقول لك بملئ فمي وأعلى صوتي: لن تجني ثمرة على الإطلاق ولو عشت ألف سنة إلا إذا ربيت من جديد على العقيدة بصفائها وشمولها، وأنت لست مسئولاً عن النتيجة، والله لن يسألك عن النتيجة، إنما سيسألك عن العمل: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥] لن يسألني الله عن نتيجة الدعوة، ولا عن نتيجة العمل، وما علي الآن إلا أن أدعو، سواءً اهتدى الناس أم لم يهتدوا، فليس هذا من شأني، بل ولا من شأن غيري، إنما هو من شأن العزيز الحميد.
لقد خاطب الله إمام الدعاة وسيد النبيين بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٧٢] ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ﴾ [الرعد:٧] ﴿يَا أَيُّهَا ا
стр. 408
صور مشرقة من حياة الصحابة الكرام في ميادين الجهاد
عباد الله! إن شرف الجهاد عظيم, وإن فضل الجهاد كبير، ولما علم أصحاب النبي ﷺ ذلك بذلوا أرواحهم لله جل وعلا، وإن عنصرنا الثالث: صور مشرقة من أصحاب النبي ﷺ :
стр. 409
أنس بن النضر
فهذا أنس بن النضر -وحديثه في الصحيحين- في غزوة أحد يسمع الخبر: قتل رسول الله ﷺ ، وتسري الفتنة والفاجعة بين الجنود كسريان النار في الهشيم، حتى وضع بعض الصحابة السلاح وأرادوا الرجوع إلى المدينة، وقالوا: ماذا نصنع بالحياة بعد رسول الله ﷺ ، فمر عليهم أنس بن النضر فأخبروه بذلك فصرخ فيهم وقال: قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ﷺ ، ثم التفت فرأى سعد بن معاذ فقال له: يا سعد! إني لأجد ريح الجنة، وترك أنس بن النضر سعد بن معاذ وانطلق في صفوف القتال ليقاتل محتسباً مقبلاً غير مدبر، فمن الله عليه بالشهادة، فما عرفته إلا أخته ببنانه، وبه بضع وثمانون جرحاً ما بين ضربة بسيف ورمية بسهم وطعنة برمح.
стр. 410
عمير بن الحمام
وهذا عمير بن الحمام يقف إلى جوار النبي ﷺ على أرض المعركة في بدر ليرفع النبي هذا التبليغ الكبير: (أيها الناس قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض)، الله أكبر! فسمع عمير بن الحمام، هذا الشاب العملاق، سمع هذا النداء من القائد الأعلى بأبي هو وأمي حيث أفاد: (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فقال عمير: بخ بخ! جنة عرضها السماوات والأرض، فسمع النبي ﷺ عميراً، فقال: يا عمير ما حملك على أن تقول بخ بخ؟ قال: لا والله يا رسول الله إلا أني رجوت أن أكون من أهلها، فقال المصطفى: أنت من أهلها).
يا إلهي! هكذا يبشر على الفور بالجنة وهو لا زال على تراب الدنيا، والمبشر له هو المصطفى الصادق المصدوق، يقول له: (أنت من أهلها) فاطمأن عمير، وأخرج تمرات معه ليأكلها ليتقوى بها على القتال، وما أخرج تلك الكلمات إلا ليرفع بها معنوياته، فما أتوا له براقصة داعرة لترفع معنويات الجيش، بل سمع هذه الكلمات فارتفعت معنوياته كلمات الطهر والصدق، وأخرج التمرات ليأكلها ليتقوى على القتال، فأكل تمرة أو أكثر، ثم تفكر في كلام المصطفى وفي حقيقة الأمر، وقال: جنة عرضها السماوات والأرض! كأن ما بيني وبين الجنة إلا أن ألقي بهذه التمرات وأن أنقض في الصفوف لأقاتل فأقتل لأدخل الجنة، والله لئن حييت حتى آكل هذه التمرات إنها إذاً لحياة طويلة!.
أيها الاحباب! تمنيت أن لو سمع ذلك عباد العروش والقروش والكروش يعتقد أن الحياة لأكل بعض التمرات طويلة!
стр. 411
حنظلة بن أبي عامر
وهذا شاب آخر في أول أيام عرسه، في ليلة أنس وعرس، يسمع النداء: يا خيل الله اركبي، حي على الجهاد، حي على الجهاد، فينزع نفسه من بين أحضان عروسه، أو إن شئت فقل: ينزعه الإيمان من بين أحضان عروسه وينطلق مسرعاً على الفور لينال شرف الصف الأول خلف رسول الله، وتنتهي المعركة، ويرفع التقرير للحبيب محمد، يا رسول الله إننا نرى أثر ماء على أرضنا، ونزل النبي ﷺ بنفسه فرأى أثر الماء على حنظلة، فقال النبي: اسألوا زوجته، اسألوا أهله، فرفعت زوجة حنظلة هذا التقرير العجيب وقالت: إن حنظلة لما سمع المنادي يقول: يا خيل الله اركبي! حي على الجهاد! حي على الجهاد! كان جنباً فلم يمهله الوقت ليرفع عن نفسه الجنابة، فانطلق لينال شرف الصف الأول خلف الحبيب رسول الله ﷺ ، فسقط شهيداً في ميدان القتال، فلما سمع النبي ﷺ ذلك قال: (إن الله جل وعلا قد أرسل ملائكة من السماء بماء من الجنة لتغسل حنظلة، ولترفع عنه الجنابة، ليلقى الله جل وعلا وهو طاهر).
إنهم الأبطال! إنهم الرجال الذين عرفوا حقيقة الدنيا!! اللهم إنا نشهدك أننا نحب الجهاد في سبيلك، اللهم إنا نشهدك أنا نتمنى الجهاد في سبيلك، اللهم إنا نشهدك أن لو نادى المنادي الآن: يا خيل الله اركبي حي على الجهاد لرأيت من هذا الشباب ومن هؤلاء الشيبان من هو كـ حنظلة، ومن هو كـ عمير بن الحمام، ومن هو على شاكلة خالد.
اللهم إنا نشهدك أن من شباب الأمة الآن من يتمنى أن لو سد فوهات المدافع بصدره لتكون كلمتك هي العليا!! اللهم ارفع علم الجهاد، واقمع أهل الزيغ والفساد برحمتك يا أرحم الراحمين!
стр. 412
عظم التولي يوم الزحف
عباد الله! لقد حرم الله جل وعلا التولي من ساحة الجهاد، بل وجعله كبيرة من الكبائر، فقال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥]، وقال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال:١٥ - ١٦] يبوء بغضب الله ومأواه جهنم؛ لأنه فر من ساحة الشرف والبطولة.
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب من كان يتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الصبيحة تتعب ولقد أتانا من مقال نبينا قول صحيح صادق لا يكذب لا يستوي غبار خيل الله في أنف امرئ ودخان نار تلهب هذا كتاب الله ينطق بيننا ليس الشهيد بميت لا يكذب من علم هذه الحقيقة بذل نفسه وهو يعلم أنه سيفوز بإحدى الحسنين: الشهادة أو النصر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال:١٥ - ١٦] وقد أخبر النبي ﷺ أن التولي كبيرة، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: (اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات).
أسأل الله أن يجعلني من: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٨] وأرجئ الحديث عن العنصر الأخير إلى ما بعد جلسة الاستراحة، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 413
لا عزة إلا بالجهاد
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة: لا عزة إلا بالجهاد، وأعلم يقيناً أنكم تعلمون ذلك، وتمنيت أن لو أسمع من لا يعلم ذلك، فأسأل الله أن يبارك بهذه الكلمة وأن يوصلها كيف شاء.
أيها المسئولون أيها الحكام؛ ها أنتم تصرحون الآن على ألسنة وزرائكم أن اليهود يتحدون العالم كله، وهأنتم توقعون على نزع السلاح النووي من منطقة القارة الأفريقية وتنادون بنزع السلاح النووي من إسرائيل، بل وحدد بمنتهى الصراحة وزير خارجيتنا وأعلن أنه لن يسمح على الإطلاق بأن تمتلك إسرائيل السلاح النووي، ويحذر من المواجهة المسلحة في المنطقة مرة أخرى، وأنتم تعرفون ما لا نعرفه نحن، فلماذا لا تفتحون صفحة جديدة مع الشباب المسلم؟ والله الذي لا إله غيره إذا جد الجد لن يفر من الميدان إلا من ترفعونهم اليوم على الرءوس وفوق الأعناق.
هل تتوقعون أن يحمل السلاح ضد اليهود وأذناب اليهود وأعداء الأمة الممثلون الساقطون الهابطون؟ هل تتوقعون أن يدافع عن الأرض والعرض والعقيدة المطربون والمطربات، واللاعبون واللاعبات؟ لا والله، فلن يدفع العدو الذي يصول الآن ويجول إلا هذا الشباب الطاهر الذي توضأ لله جل وعلا، وقام بالليل يبكي، وكاد قلبه أن يحترق وهو يرى الأمة من حوله مبعثرة، والدماء من حوله تنزف والأشلاء من حوله تتمزق، ومع ذلك فإن الطواغيت قد وضعوا في وجهه العقبات والعراقيل والسدود، بل واتهموه بأبشع التهم إن اشتاق إلى الجهاد في سبيل الله، يخرج لينصر إخوانه في أفغانستان فيتهم بالتطرف والإرهاب يذهبون إلى البوسنة فيشار إليهم بأصابع الاتهام هؤلاء تدربوا على السلاح! لماذا لا نستغل مثل هذه الطاقات في محاربة أعداء الله؟! ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠].
نحن لا ننادي بأعمال الفوضى مطلقاً داخل البلاد، فإننا لا نوافق على ذلك على الإطلاق، بل إنني أقول لهؤلاء: والله إننا أحرص على أمن مصر منكم، وأحرص على مصر منكم، فلماذا يتهم هؤلاء على طول الخط؟! لماذا يشار إليهم بأصابع الاتهام في كل المناسبات بل وبدون مناسبات؟ لماذا لا تفتح لهم الصفوف؟ لماذا لا يستمع إلى رأيهم؟ ما توجههم، ما هي أمنيتهم، ما هي هويتهم؟ هويتهم تحكيم الشريعة.
هل هذا إرهاب؟! هل من ينادي بأن يحكم قرآن الله، وأن تحكم شريعة رسول الله إرهابي متطرف؟! قالوا تطرف جيلنا لما سما قدراً وأعطى للطهارة موثقا ورموه بالإرهاب لما أبى الخنا ومضى على درب الكرامة والسخا أوكان إرهاباً جهاد نبينا أم كان حقاً بالكتاب مصدقا أتطرف إيماننا بالله في عصر تطرف بالهوى وتزندقا إن التطرف أن نذم محمداً والمقتدين به نمدح عفلقا إن التطرف أن نبادل كافر حباً ونمنحه الولاء محققا إن التطرف وصمة في وجه من جعل البوسنة جمراً محرقا شتان بين النهر يعذب ماؤه والبحر بالملح الأجاج تفتقا ما هو التطرف؟ ما هو الإرهاب؟ لماذا لا تفتح الصفوف لشباب الإسلام ليعدوا لمثل هذا اليوم؟ ووالله إنه لقادم، إنه لوعد الله ووعد الصادق رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى.
هذا نداء إلى حكامنا ومسئولينا: إننا لا نريد على الإطلاق فتناً أبداً، ولا نريد على الإطلاق أن تخدش لبنة في جدار من جدران مصر أبداً، إننا نواجه ذلك على طول الخط، إذ إننا نعلم يقيناً أن الدعوة إلى الله لن تثمر إلا في جو هادئ آمن مطمئن.
أيها الأحبة! إن المرحلة التي نحياها الآن تحتاج من كل فرد منا، ومن كل رجل، ومن كل شاب، ومن كل طفل، ومن كل أخت، ومن كل فتاة.
تحتاج من أن نربي أنفسنا على الأقل -وذلك أضعف الإيمان- تربية إيمانية صحيحة بشمولها وكمالها، لا نريد علماً فقط، ولا أريد أن يقعد الإخوة لطلب العلم الشرعي فقط، وإنما أريد أن نحول هذا العلم في حياتنا إلى واقع، وأن نجيش الأمة كلها دعوياً لدين الله جل وعلا؛ لنكون القاعدة الصلبة التي تحمل دين الله وتنطلق بدين الله لتنادي على الجميع بتحقيق دين الله، وحينئذ يفرح المؤمنون بنصر الله! والله أسأل أن يقر أعيننا وإياكم بنصرة الإسلام وعز الموحدين! اللهم ارفع علم الجهاد، اللهم ارفع علم الجهاد، اللهم ارفع علم الجهاد، اللهم اقمع أهل الزيغ والفساد، اللهم اقمع هل الزيغ والفساد، اللهم أقر أعيينا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم اشف صدور قوم مؤمنين، اللهم اشف صدور قوم مؤمنين، اللهم اشف صدور قوم مؤمنين! اللهم إنا نشكو إليك خيانة الخائنين، وإشراك المنافقين، وضعف الموحدين، اللهم إنا نشكو إليك إجرام المجرمين، وخيانة المنافقين، وضعف الموحدين! اللهم ارحم ضعفنا، اللهم ارحم ضعفنا، اللهم ارحم ضعفنا! اللهم اجبر كسرنا، اللهم اغفر ذنوبنا، اللهم استر عيوبنا، اللهم آمن روعاتنا، اللهم تول أمرنا! اللهم فك أسرنا، اللهم واختم بالباقيات الصالحات أعمالنا، اللهم إن أردت بالناس فتنة فاقبضنا إليك غير خزايا ولا مفتونين ولا قانطين ولا مضيعين ولا مغيرين ولا مبدلين، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم قيض لأمة التوحيد أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، أنت ولي ذلك ومولاه! اللهم قيض للأمة قائداً ربانياً يحكم الأمة بكتابك وبسنة رسولك ﷺ ، لينصر دينك لتنصره والأمة يا رب العالمين! اللهم احمل المسلمين الحفاة، واكس المسلمين العراة، وأطعم المسلمين الجياع، اللهم ارزقنا الشهادة في سبيلك، اللهم ارزقنا الشهادة في سبيلك، اللهم وإن كان الطواغيت قد منعونا من الجهاد فإنا نشهدك أننا نحدث أنفسنا بالصبر والجهاد في سبيلك! اللهم واختم لنا بالشهادة ولا تحرمنا الزيادة، اللهم وأدخلنا الجنة ولا تحرمنا الزيادة! اللهم احفظ شباب الأمة! اللهم أصلح حكامنا، اللهم اهد حكامنا، اللهم اهد حكامنا، اللهم ردهم إليك رداً جميلاً! اللهم ردهم إلى القرآن رداً جميلاً، اللهم ردهم إلى السنة رداً جميلاً، اللهم ردهم إلى الحق رداً جميلاً، اللهم ارزق علماءنا الصدق والإخلاص، اللهم جنب علماءنا الرياء والنفاق، اللهم جنب علماءنا الرياء والنفاق، اللهم ارزق علماءنا الصدق والإخلاص، واجمع كلمتهم يا رب العالمين! اللهم اجمع شمل الأمة، اللهم وحد صفها، اللهم لا تمزق شملها، اللهم اجمع كلمتها يا رب العالمين، اللهم استرنا ولا تفضحنا وأكرمنا ولا تهنا وكن لنا ولا تكن علينا! اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك! اللهم أكرمنا ولا تهنا وكن لنا ولا تكن علينا! اللهم من أرادنا والإسلام بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا والإسلام بسوء فأشغله بنفسه ودمره كما دمرت عاداً وثمود، حسبنا الله ونعم الوكيل من كل ظالم يمكر بنا! اللهم إنا نعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا، اللهم إنا نعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا، اللهم إنا نعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا! اللهم فك أسر إخواننا المأسورين، اللهم فك أسر شيوخنا المسجونين، اللهم فك أسر شيوخنا المسجونين، اللهم فك أسر دعاتنا المأسورين، اللهم فك أسر دعاتنا المأسورين، اللهم اربط على قلوبهم يا أرحم الراحمين، اللهم رب أولادهم يا رب العالمين، اللهم رب أولادهم يا رب العالمين، اللهم رب أولادهم يا رب العالمين، اللهم احفظنا وإياهم بحفظك، واكلأنا وإياهم بعنايتك ورعايتك! اللهم اجعل مصر واحة للأمن والأمان، اللهم اجعل بلدنا مصر واحة للأمن والأمان! اللهم اجعل مصر سخاءً رخاءً وسائر بلاد الإسلام! اللهم ارفع عن مصر الغلاء والوباء والبلاء والفتن ما ظهر منها وما بطن يا رب العالمين! أيها الأحبة الكرام! هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه برآء، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويلقى بي في جهنم.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 414
خطورة الكلمة
للكلمة أثر عظيم في الخير أو الشر، فبالكلمة يرضى الله عن العبد، حتى تبلغه من ذي العرش رضواناً وبها يسخط الله عليه، فيتهاوى بها في دركات النار، فيجب على المسلم أن يحذر من لسانه، وألا يتكلم إلا بما يعود عليه بالنفع في الدنيا والآخرة.
стр. 415
تأكيد الإسلام على خطورة الكلمة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ﴿الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدَاً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الإسراء:١١١] ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون:٩١]، الحمد لله الذي لا إله إلا هو، فلا خالق غيره، ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة؛ ولذا قضى إلا نعبد إلا إياه ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [لقمان:٣٠].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدَّى الأمانة، وبلَّغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، اللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته وإمامته، وصلِّ اللهم وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة التي طال شوقي إليها، وزكَّى الله هذه الأنفس التي انصهرنا معها في بوتقة الحب في الله، وشرح الله هذه الصدور التي جمعنا وإياها كتاب الله.
أحبائي يا ملء الفؤاد تحيةً تجوز إليكم كل سفحٍ وعائقِ لقد شدني شوق إليكم مكلل بالحب والتقدير والدعاء المشفقِ وأرَّقني في المُظلِمات عليكمُ تكالب أعداء سعوا بالبوائقِ أردتم رضا الرحمن قلباً وقالباً وما أرادوا إلا حقير المآزقِ فسدد الله على درب الحق خطاكمُ وجنبكم فيه خفي المزالقِ مرحباً بأحبابي! مرحباً بأصحابي أوسمة السنة والشرف! طبتم جميعاً، وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً.
واسمحوا لي أن أخص بالتحية صانعة الأجيال، ومربية الرجال، التي تربعت طيلة القرون الماضية على عرش حيائها، تهز المهد بيمينها، وتزلزل عروش الكفر بشمالها، فمرحباً مرحباً بكِ -يا صاحبة النقاب- عهد غربة الإسلام الثانية! يا درةً حُفظت في الأمس غاليةً واليوم يبغونها للهو واللعب يا قرةً قد أرادوا جَعْلها أمَداً غريبة العقل غريبة النسب هل يستوي مَن رسولُ الله قائدُه دوماً وآخرُ هاديه أبو لهب وأين مَن كانت الزهراء أسوتُها ممن تخطت خطى حمالة الحطب فلا تبالي يا صاحبة النقاب! لا تبالي يا أختاه! فلا تبالي بما يُلقون من شُبَهٍِ وعندك الشرع إن تدعيه يستجب سليه مَن أنا لمننسبي من أهلي للغرب أم أنا للإسلام والعرب لمن ولائي لمن حبي لمن عملي لله أم لدعاة الإثم والكذب وما مكاني في دنيا تموج بنا في موضع الرأس أم في موضع الذنب هما سبيلان يا أختاه فاكسبي خيراً أو اكتسبي سبيل ربك والقرآن منهجه نور من الله لم يُحجَب ولم يغِب فاستمسكي بعرى الإيمان واعتزي وصابري واصبري لله واحتسبي حياكِ الله يا صاحبة النقاب! وحياكم الله يا أصحاب أوسمة السنة والشرف! يا أصحاب اللحى! أسأل الله جل وعلا أن يجمعني وإياكم في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد الدعاة وإمام النبيين في جنته ومستقر رحمته؛ إنه ولي ذلك ومولاه، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة:١٢٠].
(خطورة الكلمة) هذا هو عنوان محاضرتنا، فأعيروني القلوب والأسماع؛ فإن هذا الموضوع في هذه الأيام بالذات من الأهمية بمكان، لا سيما ونحن نشهد الآن حرب الكلمة بكل أشكالها وصورها، مقروءة ومسموعة ومرئية، بل ومرسومة.
أيها الأحبة! إن ترك الألسنة تُلقي التهم جُزافاً بدون بينة أو دليل يترك المجال فسيحاً لكل من شاء أن يقول ما شاء في أي وقت شاء، ثم يمضي آمناً مطمئناً ليصبح نجماً تلفزيونياً بارعاً تصور صوره، وتترجم كلماته! وبعدها تصبح الجماعة وتمسي وأعراضها مجرَّحة، وسمعتها ملوثة، وإذا كل فرد فيها متهم أو مهدد بالاتهام، وهذه حالة من القلق والشك والريبة لا تطاق.
ومن ثم أكد الإسلام على خطورة الكلمة، فبكلمة -أيها المسلم الحبيب- تدخل دين الله، وبكلمة تخرج من دين الله، وبكلمة تنال رضوان الله، وبكلمة تنال سخط الله، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة واللفظ للبخاري أنه ﵌ قال: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يُلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم).
стр. 416
طعن المنافقين في الصالحين
هناك من يجيد الكلمة، ويجيد التمثيل، بل ربما يجيد العبرة؛ ليقال له على شاشات الشيطان الأكبر الموسوم بالتلفاز: إنك رجل عاطفي رقيق! ولا ينبئك عن هذا الصنف الخبيث مثل خبير، يقول جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق اللَّهَ﴾ [البقرة:٢٠٤ - ٢٠٦] فاتق الله، ولا تحارب الله ورسوله! اتق الله ولا تصد عن سبيل الله! فاتق الله ولا تقل: تحت النقاب دعارة! فإن أول من لبست النقاب هن زوجات النبي الطاهرات، اتق الله! ولا تحارب الله ورسوله بحجة أنك تحارب الإرهاب، وأنك تريد أن تقضي على التطرف! فما هو الإرهاب؟ وما هو التطرف؟ قالوا تطرف جيلنا لما سما قدراً وأعطى للطهارة موثقا ورمَوه بالإرهاب حين أبى الخنا ومضى على درب الكرامة وارتقى أوَكان إرهاباً جهادُ نبينا أم كان حقاً بالكتاب مُصَدَّقا أتَطَرُّفٌ إيماننا بالله في عصر تطرف في الهوى وتزندقا؟! إن التطرف أن نذم محمداً والمقتدين به وأن نمدح عفلقا إن التطرف أن نرى من قومنا مَن صانَعَ الكفر اللئيم وأطرقا إن التطرف أن نبادل كافراً حباً ونمنحه الولاء محققا إن التطرف وصمة في وجه مَن حوَّلوا البوسنة رماداً محرقا شتان بين النهر يعذُب ماؤه والبحر في الملح الأجاج تمزقا! اتق الله ولا تعمِّم الأحكام! واتق الله ولا تشوِّه الصورة بكاملها! واتق الله ولا تلطِّخ السمعة بأسرها! اتق الله ولا تجرِّح الكرامة كلها! هل أصبح الدعاة إلى الله والإسلاميون مِن خلفِهم بلا استثناء وبدون تفرقة هم المِشْجَب الذي تُعَلَّق عليه كل الأخطاء؛ من ظلم سياسي، وفساد اجتماعي، وتدهور أخلاقي، وفساد إعلامي وعلمي؟! هل أصبح هؤلاء سر تأخر الأمة، وسبب أزمتها، وسبب تأخرها عن ركب الأمم المتقدمة؟! سبحان ربي العظيم! سبحان رب العظيم! اتق الله -يا عبد الله- ولا تحارب الله ورسوله! اتق الله ولا تضع الحديد والنار أمام دين الله جل وعلا، وأمام المتمسكين بسنة الحبيب رسول الله! اتق الله واعلم بأنك ستُعرض بين يدي الله جل وعلا! ولا تظنن أنك ستقف بين يدي محكمة عسكرية مزوِّرة أو محكمة مدنية تقبل الرشوة، وإنما ستُعرض وستقف بين يدي ملك الملوك جل وعلا.
فتذكر يا من تعبد الكرسي الزائل! ويا من تعبد المنصب الفاني! ويا من تعبد القلم السيال في النفاق! اتق الله واعلم أنك ستقف غداً بين يدي الله جل وعلا! فتذكر يا مسكين! وإياك وأن تغتر! تذكر وقوفك يوم العرض بين يدي الله ، فأين الجاه؟! وأين الوجاهة؟! وأين المال؟! وأين السلطان؟! وأين الجريدة؟! وأين الصحف؟! وأين الإعلام؟! وأين الوزارة؟! وأين الإمارة؟! وأين كل شيء؟! لقد ضاع كل شيء! قال سبحانه عن الظالم أنه يقول: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨ - ٢٩].
تذكر وقوفك يوم العرض عرياناً مستوحشاً قلق الأحشاء حيرانا والنار تلهب من غيظٍ ومن حنقٍ على العصاة ورب العرش غضبانا اقرأ كتابك يا عبدي على مهل فهل ترى فيه حرفاً غير ما كانا اقرأ كتابك يا من حاربت الله! اقرأ كتابك يا من حاربت الأطهار! اقرأ كتابك يا من حاربت الأشراف! اقرأ كتابك يا من اتهمت الصالحات! اقرأ كتابك يا من اتهمت القانتات! فلما قرأتَ ولم تنكر قراءته وأقررتَ إقرار مَن عرف الأشياء عرفانا نادى الجليل خذوه يا ملائكتي وامضوا بعبدٍ عصى للنار عطشانا المشركون غداً في النار يلتهبوا والموحدون بدار الخلد سكانا فتذكر -يا علماني! يا من حاربت الله ورسوله! - أن أمام عينيك وبين يديك باب التوبة وباب الأمل، فإن باب التوبة لا يُغلَق أمام أحد البتة ما دام قد جاء تائباً إلى الله، منيباً إلى مولاه، فاحترم قلمك، واحترم فكرك، واحترم عقلك، واحترم صحيفتك، واحترم مجلتك، واحترم قُرّاءك، واكتب ما يرضي الله وما يرضي رسول الله، وإن كانت لا هذه ولا تلك فاكتب الذي يرضي العقل الحر الأبي، والقلم المنصف الهادئ.
أهذا ما تريدونه؟! وهل هذا حوار أم إشعال للنار؟! قرأتُ على صفحات صفراء الدمن بالحرف الواحد لأحد هؤلاء المرجفين يقول: بعض الملتحين الجدد تذكرك أشكالهم بالصحابة، وبعضهم يذكرونك بكفار قريش!! وقال آخر: أحذركم من الذي يواظب على الصلوات الخمس، وهو يغتسل من جنابة الزنا في حمام المسجد!! هل هذا حوار أم إشعال للنار؟! وهل هذا فكر أم سب وقذف؟! نحن نريد المناقشة، ونريد الحوار الهادئ الذي تنادون به، ونريد العقل والمنطق، فإن أمن البلد لا يهم طائفة من الناس بعينها، إنما يهم كل مسلم ومسلمة؛ لأننا على يقين أنه كلما كان الأمن مستتباً والأمر مستقراً أثمرت الدعوة إلى الله جل وعلا، ولا تظنوا أن البلد يقتصر على طائفة دون طائفة، كلا! والله! قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة:٢٠٦] أي: إن لم يتب إلى الله، وإن لم يرجع إلى الله جل وعلا.
стр. 417
تحذير النبي ﷺ من خطر اللسان
أوصى النبي ﵌ معاذ بن جبل بوصيته الخالدة التي رواها الإمام الترمذي بسند حسن صحيح وفيها: أنه قال لـ معاذ: (ألا أخبرك برأس الأمر، وعموده، وذروة سنامه؟ قال: بلى يا رسول الله! قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله.
ثم قال ﵌: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قال: بلى يا رسول الله! فأخذ رسولُ الله بلسانه، ثم قال: كُفَّ عليك هذا.
فقال معاذ: أوَإنا مؤاخذون بما تتكلم به ألسنتنا؟ فقال ﵌: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائدُ ألسنتهم؟!).
فبكلمة تُشْعَل نار الفتن والحروب! وبكلمة خُرِّبت البيوت، وتألمت القلوب، وبكت العيون! بكلمة سُطِّرت في تقريرٍ أسود مِن رجل لا يتقي الله ولا يعبد إلا كرسياً زائلاً ولا يعبد إلا منصباً فانياً خُرِّبت البيوت، وجُرِّحت القلوب، وبكت العيون، وتألمت النفوس! وبكلمة فُرِّق بين زوجين، وبكلمة فُرِّق بين الأخ وأخيه، وبين الوالد وولده، وبين الولد ووالده! كل ذلك بسبب كلمة أيها الأحباب.
إن الكلمة أمرها خطير في دين الله، إن أمانة الكلمة -يا من حَمَّلك الله أمانة الكلمة- أمر عظيم.
يا أيها المسئول! ويا من حَمَّلك الله أمانة الإعلام! ويا من منَّ الله عليك بقلم تكتب به! اتق الله! ويا من حَمَّلك والله أمانة التربية! اتق الله! واعلم أنك مسئول بين يدي الله عن هذه الأمانة العظيمة، وأنك مسئول عن كل كلمة سطرها قلمك، وستُسأل هل أردت رضوان الله ورضوان رسول الله أم أردت الدنيا وزينتها ولا حول ولا قوة إلا بالله؟ فاتق الله واعلم أن كل كلمة تتلفظ بها قد سُطِّرت عليك في كتاب عند ربي ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه:٥٢].
يقول الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٦ - ١٨].
وقال جل وعلا: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابَاً يَلْقَاهُ مَنشُورَاً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبَاً﴾ [الإسراء:١٣ - ١٤].
وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولَاً﴾ [الإسراء:٣٦].
فستُسأل بين يدي الله عن كل كلمة.
وإنَّ أخطر ما ينبغي أن أحذر منه أن هؤلاء المرجفين والمنافقين الذين أعلنوا الحرب الضروس على الإسلام والمسلمين، وهم يملكون أحدث أبواق الدعاية؛ إن أخطر ما أحذر منه أن بعض الطيبين قد رددوا هذه الكلمات الخطيرة التي لو مزجت -والله- بماء البحار لمزجتها! فلا ينبغي لهم أن يرددوا هذه الكلمات التي نطق بها أهل الإرجاف.
стр. 418
ترويج المنافقين لحادثة الإفك
إذا أردتَ -أيها الحبيب- أن تتعرف على خطورة الكلمة بحق فاعلم أنه بسبب كلمات قليلة كاذبة طيَّرها رأس النفاق، وتلقفتها أبواق الدعاية، بثت هذه الكلمات لتنال من عرض أطهر قائد، وأشرف مُرَبٍّ عَرَفَته الدنيا، لتنال من عرض رسول الله ﵌!! وهل اتهم الحبيب في عرضه؟!
الجواب
نعم، بسبب كلمات خبيثة طيَّرها منافق، وتلقفتها أبواق الدعاية وعصابات الإرجاف والنفاق، تطايرت هذه الكلمات لتنال من أشرف وأطهر عرض، ألا وهو عرض رسول الله ﵌.
ففي الصحيحين من حديث عائشة قالت: (كان رسول الله ﵌ إذا أراد أن يخرج في سفر أقرع بين نسائه، فأيتهن وقع سهمها خرجت معه)، وفي غزوة بني المصطلق ضرب النبي القرعة بين نسائه فوقع السهم على عائشة ﵂ وأرضاها، فخرجت عائشة مع الحبيب رسول الله ﵌.
تقول عائشة: (وكنت أُحْمَل في هودجي، وأُنْزَل فيه، وكان هذا بعد نزول آية الحجاب).
والهودج هو: محملٌ أو رحلٌ يوضع على ظهر البعير لتركب فيه المرأة؛ ليكون ستراً لها، فكانت عائشة بعد نزول الحجاب تركب في هذا الهودج، ويُنْزَل هذا الهودج وهي فيه.
فلما انتهى رسول الله من غزوِه وقَفَل -أي: عاد-، وقرب من المدينة، وقف الجيش في مكان، وأرادت هذه الزهرة التي نشأت في بستان الحياء أن تقضي حاجتها، فانطلقت عائشة بعيداً عن أعين الجيش لقضاء حاجتها، فلما عادت إلى هودجها ومكانها التمست صدرها فلم تجد عقدها، فعادت لتبحث عن عقدها في موضع قضاء شأنها، فأخرها البحث، فعادت مرة أخرى فلم تجد بموضع الجيش من داعٍ ولا مجيب! فجلست عائشة ﵂ في موضعها، فغلبتها عينها فنامت، وهي تعتقد أن القوم إذا فقدوها سيرجعون إليها مرةً أخرى، وكان من وراء الجيش صفوان بن المعطل السلمي رضوان الله عليه، فاقترب صفوان فرأى سواد إنسان نائم، فعرفها فقال: (إنا لله وإنا إليه راجعون)؛ عائشة وقد كان يراها قبل نزول آية الحجاب.
تقول عائشة: (فاستيقظتُ من نومي على استرجاعه -أي: على قوله: إنا لله وإنا إليه راجعون- فأناخ راحلته فركبتُها، ووالله! ما سمعت منه كلمةً غير استرجاعه، ثم انطلق يقود بي الراحلة، فأدركنا الجيش وقد نزلوا موغلين في نحر الظهيرة -أي: في وقت شدة الحر- فهلك في شأني مَن هلك، وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي ابن سلول.
وفي بعض الروايات في غير الصحيحين: قال المنافق الخبيث: من هذه؟ قالوا: عائشة.
قال: ومن هذا؟ قالوا: صفوان.
فقال الخبيث المجرم -وما أكثرهم اليوم-: زوج نبيكم تبيت مع رجل حتى الصباح، ثم جاء يقودها؟! والله! ما نجت منه، وما نجا منها! فقال قولة عفنة خبيثة شريرة، وتلقفت هذه الكلمات أبواق الدعاية وعصابات الإرجاف والنفاق، وانطلق المنافقون والمرجفون يرددون هذه الكلمات؛ لتنال من عرض رسول الله ﵌.
رُحماك رحماك يا ألله! رسول الله يُتَّهم في عرضه وهو الطاهر الذي فاضت طهارته على العالمين؟! رسول الله يُتَّهم في صيانة حرمته وهو القائم على صيانة الحرمات في أمته؟! فيا أيها الدعاة! ويا أيها الشباب! هذا رسولكم يُبتلى هذا رسولكم يُمتحن هذا رسولكم تُصَب الابتلاءات على رأسه يُتَّهم في عرضه يُتَّهم في شرفه يوضع التراب على رأسه يوضع سلى الجزور على ظهره، وبالرغم من ذلك ما قال: يا رب! دعوتُ الناس فلم يستجب لي أحد! وما قال: يا رب! لِمَ تحكم الطواغيت وتمكنهم من رقابنا؟! ولِمَ تحكم الطواغيت وتمكنهم من ظهور الموحدين؟! فإن هذه نغمة أراها تتردد الآن على ألسنة بعض أحبابنا من شبابنا المتحمس الذي اشتد عليه الإيذاء، وكثرت عليه الفتن والمحن، وهذا سوء أدب مع الله يا أخيار! لأن الله جل وعلا يقول عن نفسه: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] ورب الكعبة! إنه ليس أحد أغير على الحق وأهله من الله جل وعلا، فلا تتعجلوا النتائج، ولا تسيئوا الأدب مع ربكم جل وعلا، واعلموا أن الحال كما قال : ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢]، فليس الإيمان كلمة تقال باللسان فحسب، ولكن الإيمان حقيقة ذات تكاليف، وأمانة عظيمة ذات أعباء، قال : ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٣]، وقال : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:٢١٤] وليس مثلهم ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ﴾ [البقرة:٢١٤] مَن القائل؟ ﴿الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤].
فرسول الله ابتُلي واتُّهم في عرضه وفي شرفه؛ وهو القائم على صيانة الحرمات في أمته!! وهاهي عائشة رضوان الله عليها تلكم الزهرة التي تفتحت في حقل الإسلام، وسُقيت بمداد الوحي على يد رسول الله ﵌؛ تُرمى في أشرف وأعز ما تعتز به كل فتاة شريفة تُرمى في عرضها تُرمى في شرفها، والمرأة تُتَّهم في كل شيء إذا اتهمت في عرضها وشرفها.
وهذا هو صديق الأمة الأكبر، ذلكم الرجل الرقيق الوديع الحليم الذي بذل ماله وروحه، بل وبذل أولاده لدين الله؛ يُتَّهم بهذا الاتهام الخطير المريب، وفيمن يتهم؟! يتهم في عائشة في زوج رسوله ونبيه ومصطفاه! وهذا هو صفوان بن المعطل يُتَّهم في عقيدته وفي دينه يوم أن يُرمى بخيانة رسوله ﵌! إنه الابتلاء أيها الأحباب! وأنا لا أريد أن أتوقف مع لفظ الحديث بطوله، وإنما أريد أن أتوقف مع محل الشاهد فقط: تقول عائشة رضوان الله عليها: (فلما عدنا إلى المدينة مرضت شهراً كاملاً، وأنا لا أعلم شيئاً عن قول أهل الإفك، إلا أنه يريبني أني لا أرى من رسول الله اللطف الذي كنتُ أرى حينما أشتكي، بل كان يدخل رسول الله عليّ ويقول: (كيف تيكم؟! ثم ينصرف) فخرجت ذات يوم لقضاء حاجتها مع أم مسطح، فأخبرتها بقول أهل الإفك، فازدادت مرضاً على مرضها، فعاد إليها الرسول يوماً فقالت: أتأذن لي -يا رسول الله- أن أذهب إلى أبَوَي؟ تقول: وأنا أريد أن أتحقق الخبر من قبلهما، فأذن لها النبي ﵌.
الشاهد -أيها الأحباب- أن رسول الله ذهب يوماً لزيارة عائشة، فسلم وجلس إلى جوارها، وكانت امرأةٌ من الأنصار قد جلست إلى جوارها تبكي لبكائها، فتشهد النبي ﷺ ، وحمد الله وأثنى عليه، ثم نظر إلى عائشة وقال: (يا عائشة! إنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتِ بريئة فسيبرئك الله ، وإن كنتِ قد ألممتِ بذنبٍ فاستغفري الله، وتوبي إليه، فإن العبد إذا أذنب واعترف بذنبه وتاب إلى الله تاب الله عليه).
لا إله إلا الله! كلمات تهدهد الحجارة، وتفتت الكبد! عائشة تسمع هذا من رسولها ومن حبيبها وزوجها ﵌! فلما سمعت عائشة هذه الكلمات جف الدمع في مقلتيها، ونظرت إلى أبيها صديق الأمة الأكبر وهي تريد أن يرد أبوها عنها هذا الاتهام، وهذه الكلمات المزلزلة فقالت: (يا أبت! أجب عني رسول الله، فنظر إليها الصديق -الذي هدهد الألم قلبه، وعصر الإفك فؤاده- نظر إليها نظرة استعطاف وهو يقول: (والله! يا ابنتي! ما أجد ما أقوله لرسول الله) فنظرت البنت المسكينة إلى أمها وقالت: (يا أماه! أجيبي عني رسول الله) فقالت الأم المسكينة -التي عصر الألم كبدها وفؤادها-: (والله! يا بنيتي! ما أجد ما أقول لرسول الله) فبكت عائشة ﵂، وقالت: والله! ما أجد لي ولكم مثلاً إلا كما قال أبو يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨]) فصبر جميل يا صويحبات النقاب! والله المستعان على ما يصف المرجفون! فصبر جميل يا أصحاب أوسمة السنة والشرف! والله المستعان على ما يصف المنافقون! تقول عائشة: (﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨]، واضطجعت في فراشها وهي تقول: والله! إني لَبريئة، وإن الله مبرئي ببراءة؛ ولكني ما ظننتُ أن يُنزل الله في شأني وحياً يُتلى، فلَشأني في نفسي كان أحقر من أن يُنزل الله فيَّ قرآناً يُتلى؛ ولكني كنتُ أرجو أن يرى رسول الله رؤيا في نومه يبرِّئني الله فيها، فوالله! ما رام رسول الله مجلسه؛ وإذا بالوحي يتنزَّل على رسول الله ﵌، وكان الوحي إذا نزل عليه عرف الناس منه ذلك من شدة ما يتنزَّل عليه، وصمتت الألسنة، وتوقفت الكلمات، وتعلقت الأبصار برسول الله، وانتهى الوحي، وسُرِّي عن الحبيب، فسُرِّي عنه وهو يضحك، فالتفت إلى عائشة وهو يقول: (يا عائشة! أبشري، فلقد برأك الله من فوق سبع سماوات) فقامت أمها في فرح وسعادة وسرور وقالت لابنتها: (قومي يا عائشة! -أي: قومي إلى رسول الله- فاحمدي، واشكري رسول الله) فقالت عائشة: (لا، والله! لا أقوم إلى رسول الله، ولا أحمد رسول الله، بل لا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي من فوق سبع سماوات) وتلا النبي صلى الله عليه وآله
стр. 419
فضل الكلمة الطيبة
في مقابل الكلمة الخطيرة الشريرة هناك الكلمة الطيبة هناك الكلمة المنيرة هناك الكلمة الصالحة التي تخدم دين الله، والتي ترد وتذب عن عرض الطيبين والطيبات، فلِمَ لا تكون -أيها الحبيب- من أصحاب هذه الكلمة الطيبة؟ أيها المسلم! أيها المسئول في الإعلام! أيها الصحفي! أيها السائق للسيارة! أيها المسلم في مصنعه! أيها المسلم في متجره! أيها المسلم في بقالته! أيها المسلم في الشارع أيتها المسلمة في كل مكان! لِمَ لا تكونون من أصحاب الكلمة الطيبة التي تدافع عن دين الله، وتدعو إليه، وتنافح عن أعراض الطيبين والطيبات؟ لماذا لا نتاجر بهذه الكلمة الطيبة مع رب الأرض والسماوات؟ إن الكلمة الطيبة صدقة، يقول الحبيب ﷺ : (عليكم بالصدق! فإن الصدق يهدي إلى البر؛ وإن البر يهدي إلى الجنة؛ وإن الرجل ليصدُق ويتحرَّى الصدق حتى يُكتَب عند الله صِدِّيقاً، وإياكم والكذب! فإن الكذب يهدي إلى الفجور؛ وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب ويتحرَّى الكذب حتى يُكتَب عند الله كذاباً) والحديث رواه الشيخان من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ وأرضاه.
الكلمة الطيبة ضرب الله لها مثلاً في قرآنه بالشجرة الطيبة فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم:٢٤ - ٢٥].
أيها الأحباب! إن من شجر الناس ما يثمر في الصيف، ومن شجر الناس ما يثمر في الشتاء؛ ولكن الشجرة الطيبة التي ضربها الله في القرآن مثلاً للكلمة الطيبة شجرة لا تتأثر بالمناخ؛ فلا تتأثر بشتاء أو بصيف، وإنما تؤتي ثمارَها وأُكُلَها كل حين بإذن ربها، فهي شجرة مباركة عميقة الجذور، تتغلغل في أعماق التربة وقلب الصخور، إنها شجرة قائمة باسقة مثمرة؛ لا تزعزعها الأعاصير، ولا تعصف بها الرياح، ولا تحطمها معاول الهدم والبطش والظلم والطغيان، ذلك هو مَثَل الكلمة الطيبة، تلك الكلمة التي لا تمنعها الحواجز، ولا تحجبها السدود، ولا تصدها العوائق والعقبات.
стр. 420
أثر الكلمة الطيبة في إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي ﵁
أيها الحبيب الكريم! هذا هو الطفيل بن عمرو الدوسي سيد قبيلة دوس ﵁ وأرضاه، يأتي إلى مكة -شرفها الله- ورحى الصراع دائرة على أشُدها بين المشركين وبين رسول الله ﵌، وكان المشركون والصناديد يحولون بين الناس وبين دعوة الحق، فذهبوا إلى الطفيل وحذروه، وقالوا له: إياك وأن تستمع إلى كلمة من محمد بن عبد الله؛ فإن كلامه كالسحر يفرق بين الابن وأبيه، وبين الأخ وأخيه، وبين الزوج وزوجه، فنحذرك على مكانتك وشرفك وسيادتك في قومك، فاحذر أن تسمع كلمة واحدة من محمد بن عبد الله، وظلوا يحذرون الطفيل، حتى عزم على ألا يستمع إلى كلمة واحدة من رسول الله، فلما أراد أن يذهب إلى البيت الحرام ملأ أذنيه قطناً؛ لكي لا تصل كلمةٌ إلى الأذن؛ لكن هيهات هيهات! فإن الكلمة الطيبة لا تحجبها السدود، ولا تمنعها الحواجز، ولا تصدها العقبات والعراقيل، يقول الطفيل: (فذهبت إلى الكعبة، فرأيتني قريباً من محمد ﵌، وأبى الله إلا أن يُسمعني بعض ما يقول محمد) سبحان الله! أيها الحبيب! لك أن تتخيل القرآن الذي قال الله فيه: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعَاً مُتَصَدِّعَاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢١] ولك أن تتخيل إذا قرأ هذا القرآنَ رسولُ الله، والله لقد خشي المشركون على أنفسهم من سماعه كما قال عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت:٢٦] هذه وصيتهم لبعضهم البعض؛ لأنهم خافوا على أنفسهم من سماع القرآن؛ لأن القرآن يصفع الكِبر في قلوبهم وعقولهم، ويخاطب أعماق فطرتهم، ويمس الوجدان، ويحرك القلب الحي السليم، بل قد تعجبون أنه دخل النبي ﷺ يوماً في السنة الخامسة من البعثة في مكة إلى بيت الله الحرام، وقام النبي يصلي ويقرأ القرآن على أسماع المشركين، فصمتت الألسنة، وانتبهت وتيقظت الأسماع، وتعلقت الأبصار، وأنصتوا لقراءة رسول الله، قرأ النبي ﷺ على أسماعهم سورة النجم، وفي أواخر السورة قرأ النبي ﷺ قوارع تطير لها القلوب، قرأ قوله تعالى: ﴿أَزِفَتِ الآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ * أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم:٥٧ - ٦٢]، وخر النبي ساجداً لله، وخر المشركون من خلفه سجّداً لله، والحديث رواه البخاري في كتاب التفسير وعنون له بعنوان طيب، ورحم الله من قال: (فقه البخاري في تراجمه) نعم؛ لقد فقه الإمام ﵀ هذا الحديث، فعنون له بقوله: (باب: سجود المسلمين مع المشركين).
وروى الحديث مختصراً من حديث ابن عباس ﵄ قال: (سجد رسول الله بسورة النجم -قرأ السجدة وسجد- فسجد المشركون والمسلمون، والجن والإنس).
أيها الحبيب! أبى الله إلا أن يُسمع الطفيل كلاماً من كلام الحق، فقال لنفسه: ثكلتك أمك يا طفيل! إنك رجل لبيب شاعر، فلماذا لا تسمع من هذا الرجل؟! فسمع الطفيل رسول الله، ثم قال: (اعرض عليَّ أمرك.
فعرض النبي عليه الإسلامَ، فقال الطفيل: امدد يدك لأبايعك: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله) كلمة الحق لا تمنعها السدود، أوصلها الله جل وعلا إليه.
стр. 421
قصة عمير بن سعد مع الجلاس بن سويد
لنتعلم هذا الدرس العجيب الغريب الكبير من صبي ما جاوز العاشرة من عمره إلا قليلاً؛ لكن هذا الصبي عرف أمانة الكلمة، وعرف خطورة الكلمة في آن واحد، إنه عمير بن سعد ﵁ وأرضاه، ذلكم الفتى الذي توفي أبوه فتزوجت أمه برجل ثري يقال له: الجلاس بن سويد، وفي السنة التاسعة أمر النبي ﷺ المسلمين أن يبذلوا وأن ينفقوا لإعداد الجيش، فانطلق المسلمون يصورون أروع صور البذل والإنفاق والعطاء، حتى بكى الكثير؛ لأنه لم يجد ما ينفقه لدين الله وفي سبيل الله جل وعلا، وعاد الفتى الصغير ليقص على أسماع الجلاس ما رأى وما سمع، فقال الجلاس كلمة خطيرة تخرجه من الإسلام من أوسع أبوابه، وتدخله الكفر من أوسع الأبواب، قال الجلاس لـ عمير: إن كان محمد صادقاً فيما يدعيه فنحن -والله! - أشر من الحمير! فاحتقن الدم في وجه هذا الفتى البار الذي وزن الكلمة بفهم دقيق ووعي عميق، وهو الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره إلا قليلاً، ونظر إلى الجلاس بن سويد وقال: (يا جلاس! والله! ما كان أحد على ظهر الأرض أحب إليَّ بعد رسول الله منك، ولقد قلتَ الآن كلمة إن قلتُها فضحتُك، وإن أخفيتُها خنتُ أمانتي، وأهلكتُ نفسي وديني، فكن على بينة من أمرك، فإني عازم على أن أمضي إلى رسول الله لأخبره بما سمعتُ)، وانطلق الفتى المؤمن البار إلى رسول الله ﵌ ليقص عليه ما سمع من الجلاس بن سويد؛ ولكن رسول الله لم يتعجل؛ لأنه هو الذي نزل عليه قول ربه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمَاً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦]، فأجلس النبي ﷺ عمير بن سعد، وأرسل إلى الجلاس بن سويد، فجاء الجلاس، فحيا رسولَ الله وجلس، فقال له النبي: (ما هذه المقالة التي بلغتنا عنك؟ وأخبره بما قال عمير) فقال: كذب، -والله- يا رسول الله! والله! ما قلتُ هذا، والله! لقد كذب علي عمير، والتفت النبي ﷺ إلى عمير فرأى الدم قد احتقن في وجهه مرةً أخرى، وانهالت الدموع مدراراً على تلك الوجنتين الرقيقتين، فرفع الفتى رأسه إلى السماء ليناجي ربه جل وعلا وقال: (اللهم أنزل على نبيك بيان ما تكلمتُ به) أيُّ يقين؟! وأيُّ ثقة؟! ويستجيب الله جل وعلا له؛ فإن الله يسمع ويرى، يستجيب الله دعوة هذا الفتى البار دعوة هذا الفتى الصادق، فينزل الوحي على رسول الله، وتصمت الكلمات، وتحبس الأنفاس، وتتعلق الأبصار برسول الله ﵌، وسُرِّي عن النبي ﵊ وهو يتلو قول الله جل وعلا: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ [التوبة:٧٤]؛ فيصرخ الجلاس وهو يستمع إلى هذه الآية الكريمة ويقول: صدق عمير يا رسول الله! وكذبتُ أنا، ويلتفت النبي ﷺ إلى عمير بن سعد ليفرك أذنيه برقة ولطف وحنان ويقول له: (وفَّتْ أذنُك ما سمعت، وصدَّقك ربُّك يا عمير!).
إنها أمانة الكلمة، والقصة -أيها الأحباب- أوردها الإمام السيوطي في (الدر المنثور) وعزاها إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر وابن مردويه وغيرهم.
стр. 422
الجهاد بالكلمة
أيها الحبيب الكريم! هذه هي خطورة الكلمة، وهذه هي الكلمة الشريرة، وهذه هي الكلمة الطيبة المنيرة، فتحرك بالكلمة الطيبة من الآن إلى الدعوة إلى الله، وإلى دين الله جل وعلا.
أيها الشباب! إن أهل الباطل الآن قد تحركوا بكل ما يملكون بباطلهم، وما زال أهل الحق متفرقين متناحرين متطاحنين.
فيا شباب الصحوة! ويا أيها الإخوة الأحباب الكرام! انبذوا الفُرقة، وانبذوا العصبية البغيضة للجماعات وللشيوخ وللمناهج، اعرفوا الحق تعرفوا أهله، فإن الحق لا يُعرف بالرجال، ولكن الرجال هم الذين يُعرفون بالحق.
فهيا أيها الأحباب! إليكم هذه النصائح من أخ يحبكم جميعاً في الله، ويشهد الله على ذلك، أقول: هذه هي خطورة الكلمة الآن في هذا الظرف الحرج، إن الحرب الآن حربٌ كلامية؛ مقروءة، ومسموعة، ومرئية، ومرسومة، فواجب على أهل الحق بعدما تحرك أهل الباطل لباطلهم أن يتحركوا جميعاً لدين الله جل وعلا، فماذا تنتظرون أيها الأحباب؟! ومتى سنتحرك جميعاً لدين الله؟! ومتى سنتحرك للدعوة إلى الله؟! إنني أعلم يقيناً أن هناك الكثير من أحبابنا وإخواننا قد يكونون أكثر منا علماً، وأكثر إخلاصاً، وأكثر فضلاً، وأعظم دعوة، ولكنهم ما زالوا متقوقعين داخل مكاتبهم بحجة طلب العلم! يا حبيبي في الله! إن طلب العلم لا ينتهي حتى تلقى الله، وتذكر قول أحمد: (مع المحبرة إلى المقبرة) إن طلب العلم لا ينتهي، بل لا يزال الأمر الإلهي من الله لسيد الدعاة وإمام النبيين قائماً إلى يوم القيامة، وذلك في قوله جل وعلا: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمَاً﴾ [طه:١١٤]، فاطلب العلم واقرأ وتعلم؛ لكن إياك وأن تتقوقع بحجة الطلب وتغفل عن الدعوة إلى الله، وعن التحرك لدين الله جل وعلا، فأنت مأمور بذلك، بل لقد قال علماؤنا: إن الدعوة إلى الله الآن فرض عين على كل مسلم ومسلمة، كل بحسب قدرته واستطاعته؛ لأننا نعيش زماناً نشط فيه أهل الباطل لباطلهم، وتحرك أهل الإرجاف لإرجافهم: والله! لقد التقيت بالشيخ أحمد ديدات في الرياض، فأخبرني خبراً يؤلم كل مسلم ومسلمة، فاستمعوا وانظروا كيف يتحرك أهل الباطل لباطلهم، ولا زال أهل الحق بهذه الفُرقة، بل وبهذا البرود وبهذا التكاسل من منطلق فهمٍ مقلوبٍ مغلوطٍ لآية في كتاب الله، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] فنقول: لا يا أخي! سيضرك ضلالهم، وإنما لا يضرك ضلالهم إن تحركت إليهم ودعوتهم بدعوة الله، وأقمت عليهم حجة الله بالحكمة البالغة والموعظة الحسنة، فحينئذٍ تكون قد أعذرت إلى الله جل وعلا، أما أن تجلس متقوقعاً لتقول: دع المُلك للمالك! ودع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله! فإننا لن نغير الكون، ولن نبدل الأمر، إلى آخر هذه الكلمات المريرة المؤلمة، بل أنت مأمور الآن أن تتحرك بالدعوة بقدر ما منَّ الله عليك به من سلاح الخلق العذب، والحكمة البالغة، والموعظة الحسنة، وضع نصب عينيك هذين الأمرين الجليلين من الله لسيد الدعاة: الأول: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظَّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
الثاني: قوله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥].
أيها الأحبة في الله! لقد أبلغني الشيخ ديدات أنه ذهب إلى جنوب إفريقيا فوجد المنصِّرين الموسومين بـ (المبشِّرين) يتحركون هنالك في أدغال الغابات وبين المستنقعات للدعوة لدينهم بأسلوب ذكي، فتأتي الفتاة الجميلة المثقفة لتلتقي بمجموعة من الأطفال الصغار أو الصبيان لتلعب معهم فقط بغير دعوة وبدون توجيه، فإذا ما عضَّ الجوع بطونهم قدمت إليهم الحلوى وهي تقول: هذه حلوى الرب يسوع! وفي اليوم التالي تلتقي مع نفس المجموعة لتلعب معهم فإذا ما عضَّ الجوع بطونهم قدمت إليهم خبزاً عفناً وهي تقول: هذا خبز محمد! فأهل الباطل يتحركون، وأهل الحق ما زالوا متفرقين، فتحرَّك أيها الحبيب! بقدر ما تملك، وعلى قدر استطاعتك، تحرك لدين الله وادع الناس بالكلمة الطيبة.
стр. 423
واجب أهل الحق تجاه الدعوة إلى الله
أيها المسلم! سأحدد لك الآن الخطة والمنهج، عليك الآتي: أولاً: افهم الإسلام فهماً شاملاً كاملاً بفهم دقيق، ووعي عميق.
ثم بعد أن تفهم الإسلام بشموله وكماله حول هذا الإسلام في حياتك أنت إلى واقع متحرك، ومجتمع مرئي ومسموع ومقروء، فإذا ما جاذبتك أشواك الطريق وزللت في معصية فإياك -أيها الشاب- وأن تتحرج من الدعوة إلى الله، ومن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بحجة أنك تزل في المعاصي! ومَن مِن الناس من لا يزل؟! ومَن مِن البشر ما زل؟! فأنت لست ملَكاً مقرَّباً، ولست نبياً مرسلاً، ولست رسولاً معصوماً، بل أنت بشر تطيع وتعصي، فإن أطعت الله فاحمد الله واستقم، وإن زلت قدمك وجاذبتك أشواك الطريق وعصيت فأتبع هذه المعصية بالحسنة، كما روي في الحديث: (يا معاذ! اتق الله حيثما كنتَ، وأتبِع السيئةَ الحسنةَ تمحها) نجد كثيراً من الشباب لا يدعو، وإذا قلت له: لماذا لا تتحرك؟! يقول: لأني من أهل الذنوب والمعاصي، وهذه تجعلني متحرجاً في الدعوة إلى الله وإلى دين الله.
يا أخي الحبيب! مَن مِن البشر لم يخطئ؟! ومَن مِن البشر لم يزل؟! لكن إن زللت فتُب وعُد وارجع إلى الله، وإياك وأن تتمادى في هذه الذنوب وفي هذه المعاصي؛ فإنها تمحق بركة العلم، وبركة الرزق، وبركة الخير والطاعة، بل وتمحق بركة كل شيء.
فافهم الإسلام بشموله وكماله، وحول هذا الإسلام في حياتك إلى واقع، ومما قاله أبو الحسن الندوي: إن أعظم خدمة نقدمها الآن للإسلام هي أن نشهد للإسلام شهادة عملية كما شهدنا له من قبل شهادة قولية.
فإن فهمتَ الإسلام فحوِّل الإسلام في حياتك إلى واقع، ونحن نريد الآن أن يتحول المسلمون جميعاً إلى دعاة، لا إلى دعاة على المنابر، وإنما إلى دعاة إلى دين الله في جميع مواقع الإنتاج ومواطن العطاء، فنريد المسلم الذي يعلن للدنيا بأسرها إسلامه وسنة نبيه ﵌.
ثم بعد ذلك تحرك لتعريف الناس بحقيقة الإسلام، واعمل رأياً عاماً مضاداً لهذا الرأي العام الذي يُشَن في الليل والنهار على الإسلام والمسلمين.
فتحركوا لإيجاد رأي عام مضاد بالكلمة الطيبة والحكمة البالغة والموعظة الحسنة.
стр. 424
البشارة بانتشار الصحوة الإسلامية في كل مكان
وأختم بهذه البشارة التي أسكبها في قلوب الإخوة والأخوات جميعاً فأقول: لا يخافن أحدٌ على الإسلام، بل خَفْ على نفسك أنت؛ لأن الإسلام دين الله، ومَن مِن الخلق يقوى على حرب الله؟! لا أحد، فالإسلام دين الله، ودين الله ظاهر منصور بنا أو بغيرنا، أسأل الله ألا يستبدل بنا غيرنا.
أيها الحبيب! أبشرك أن الصحوة الإسلامية العالمية الآن تَنَزَّلت في كل بقاع الدنيا كتَنَزُّل حبات الندى على الزهرة الظمأى والأرض العطشى، أو كنسمات ربيع باردة عطَّرَتْها وطيَّبَتْها أنفاسُ الزهور.
وأبشركم وأشهد الله أني حضرتُ عدة مؤتمرات في قلب قلعة الكفر -أمريكا- فرأيت الصحوة هناك أنشط بكثير مما رأيت في بلاد المسلمين، ففي أمريكا حضر مؤتمراً ما يزيد على ستة آلاف موحد وموحدة، واحتلوا قاعة أكبر فندق في مدينة (دترويت)، وصدح المؤذن بكلمة التوحيد والتكبير لله جل وعلا في قلب قلعة الكفر.
وقد احتفلت وزارة الدفاع -البنتاجون- في شهر ديسمبر في العام المنصرم احتفالاً رسمياً بتنصيب أول إمام للجيش الأمريكي؛ ليصلي بالمسلمين الموحدين في الجيش الأمريكي الصلوات في أوقات الدوام الرسمي.
والتقينا بأخت أمريكية مسلمة تسمى: كيليرا محمد، هذه الأخت منَّ الله عليها بالمال، فأنفقت مالها كله لدين الكبير المتعالي، فأنشأت في أمريكا خمسين مدرسة إسلامية.
وفي ولاية (فرجينيا) أنشأت الأخت نفسُها كليةً تُسمى بـ (كلية المعلمين) لتخرِّج المدرسين والمدرسات الذين يدرسون في هذه المدارس.
فهذا وعْدُ مَن؟ إنه وعد الله! الله أكبر! إنه وعد الله جل وعلا، قال الشاعر: صبحٌ تنفس بالضياء وأشرقا والصحوة الكبرى تهز البيرقا وشبيبة الإسلام هذا فيلقٌ في ساحة الأمجاد يتبع فيلقا وقواسم الإيمان تتخذ المدى درباً وتصنع للمحيط الزورقا وما أمر هذه الصحوةِ الكبرى سوى وعدٍ من الله الجليل تحققا هي نخلة طاب الثرى فنما لها جذع قوي في التراب وأعذقا هي في رياض قلوبنا زيتونة في جذعها غصن الكرامة أورقا فجرٌ تدفق مَن سيحبس نوره أرني يداً سدت علينا المَشرقا أيها الأحبة! يقول الله جل وعلا: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف:٨ - ٩].
وأختم بهذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك -وصححه على شرط الشيخين، وتعقَّبه الإمامُ الذهبي فقال: بل هو صحيح على شرط الإمام البخاري - من حديث تميم الداري أنه ﵌ قال: (ليبلغنَّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعزِّ عزيز أو بذلِّ ذليل، عزَّاً يعزُّ الله به الإسلام، وذلَّاً يذل الله به الكفر).
أسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن ينصر الإسلام والمسلمين، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين يا رب العالمين! وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 425
ميلاد المسيح
انقسم أهل الكتاب قبل الإسلام في عيسى بن مريم وأمه ﵉ إلى طرفين، كلاهما ضل السبيل، وفارق الحجة والدليل، فاليهود زعموا أنه ابن زنا وأنه مفتر كاذب، والنصارى زعموا أنه ابن الله، وأنه ثالث ثلاثة، وعبدوه مع الله جل وعلا! فجاء الإسلام بالحق في قضية عيسى ﵇، وكذب كلتا الطائفتين، وبين أن عيسى هو عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وبرأ مريم ﵍، وبين أن ولادتها عيسى من غير أب كانت معجزة، ومثله عند الله كمثل آدم ﵇.
следующие страницы →