Полный текст (1 901 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
قصة عمير بن سعد مع الجلاس بن سويد
لنتعلم هذا الدرس العجيب الغريب الكبير من صبي ما جاوز العاشرة من عمره إلا قليلاً؛ لكن هذا الصبي عرف أمانة الكلمة، وعرف خطورة الكلمة في آن واحد، إنه عمير بن سعد ﵁ وأرضاه، ذلكم الفتى الذي توفي أبوه فتزوجت أمه برجل ثري يقال له: الجلاس بن سويد، وفي السنة التاسعة أمر النبي ﷺ المسلمين أن يبذلوا وأن ينفقوا لإعداد الجيش، فانطلق المسلمون يصورون أروع صور البذل والإنفاق والعطاء، حتى بكى الكثير؛ لأنه لم يجد ما ينفقه لدين الله وفي سبيل الله جل وعلا، وعاد الفتى الصغير ليقص على أسماع الجلاس ما رأى وما سمع، فقال الجلاس كلمة خطيرة تخرجه من الإسلام من أوسع أبوابه، وتدخله الكفر من أوسع الأبواب، قال الجلاس لـ عمير: إن كان محمد صادقاً فيما يدعيه فنحن -والله! - أشر من الحمير! فاحتقن الدم في وجه هذا الفتى البار الذي وزن الكلمة بفهم دقيق ووعي عميق، وهو الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره إلا قليلاً، ونظر إلى الجلاس بن سويد وقال: (يا جلاس! والله! ما كان أحد على ظهر الأرض أحب إليَّ بعد رسول الله منك، ولقد قلتَ الآن كلمة إن قلتُها فضحتُك، وإن أخفيتُها خنتُ أمانتي، وأهلكتُ نفسي وديني، فكن على بينة من أمرك، فإني عازم على أن أمضي إلى رسول الله لأخبره بما سمعتُ)، وانطلق الفتى المؤمن البار إلى رسول الله ﵌ ليقص عليه ما سمع من الجلاس بن سويد؛ ولكن رسول الله لم يتعجل؛ لأنه هو الذي نزل عليه قول ربه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمَاً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦]، فأجلس النبي ﷺ عمير بن سعد، وأرسل إلى الجلاس بن سويد، فجاء الجلاس، فحيا رسولَ الله وجلس، فقال له النبي: (ما هذه المقالة التي بلغتنا عنك؟ وأخبره بما قال عمير) فقال: كذب، -والله- يا رسول الله! والله! ما قلتُ هذا، والله! لقد كذب علي عمير، والتفت النبي ﷺ إلى عمير فرأى الدم قد احتقن في وجهه مرةً أخرى، وانهالت الدموع مدراراً على تلك الوجنتين الرقيقتين، فرفع الفتى رأسه إلى السماء ليناجي ربه جل وعلا وقال: (اللهم أنزل على نبيك بيان ما تكلمتُ به) أيُّ يقين؟! وأيُّ ثقة؟! ويستجيب الله جل وعلا له؛ فإن الله يسمع ويرى، يستجيب الله دعوة هذا الفتى البار دعوة هذا الفتى الصادق، فينزل الوحي على رسول الله، وتصمت الكلمات، وتحبس الأنفاس، وتتعلق الأبصار برسول الله ﵌، وسُرِّي عن النبي ﵊ وهو يتلو قول الله جل وعلا: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ [التوبة:٧٤]؛ فيصرخ الجلاس وهو يستمع إلى هذه الآية الكريمة ويقول: صدق عمير يا رسول الله! وكذبتُ أنا، ويلتفت النبي ﷺ إلى عمير بن سعد ليفرك أذنيه برقة ولطف وحنان ويقول له: (وفَّتْ أذنُك ما سمعت، وصدَّقك ربُّك يا عمير!).
إنها أمانة الكلمة، والقصة -أيها الأحباب- أوردها الإمام السيوطي في (الدر المنثور) وعزاها إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر وابن مردويه وغيرهم.
стр. 422
الجهاد بالكلمة
أيها الحبيب الكريم! هذه هي خطورة الكلمة، وهذه هي الكلمة الشريرة، وهذه هي الكلمة الطيبة المنيرة، فتحرك بالكلمة الطيبة من الآن إلى الدعوة إلى الله، وإلى دين الله جل وعلا.
أيها الشباب! إن أهل الباطل الآن قد تحركوا بكل ما يملكون بباطلهم، وما زال أهل الحق متفرقين متناحرين متطاحنين.
فيا شباب الصحوة! ويا أيها الإخوة الأحباب الكرام! انبذوا الفُرقة، وانبذوا العصبية البغيضة للجماعات وللشيوخ وللمناهج، اعرفوا الحق تعرفوا أهله، فإن الحق لا يُعرف بالرجال، ولكن الرجال هم الذين يُعرفون بالحق.
فهيا أيها الأحباب! إليكم هذه النصائح من أخ يحبكم جميعاً في الله، ويشهد الله على ذلك، أقول: هذه هي خطورة الكلمة الآن في هذا الظرف الحرج، إن الحرب الآن حربٌ كلامية؛ مقروءة، ومسموعة، ومرئية، ومرسومة، فواجب على أهل الحق بعدما تحرك أهل الباطل لباطلهم أن يتحركوا جميعاً لدين الله جل وعلا، فماذا تنتظرون أيها الأحباب؟! ومتى سنتحرك جميعاً لدين الله؟! ومتى سنتحرك للدعوة إلى الله؟! إنني أعلم يقيناً أن هناك الكثير من أحبابنا وإخواننا قد يكونون أكثر منا علماً، وأكثر إخلاصاً، وأكثر فضلاً، وأعظم دعوة، ولكنهم ما زالوا متقوقعين داخل مكاتبهم بحجة طلب العلم! يا حبيبي في الله! إن طلب العلم لا ينتهي حتى تلقى الله، وتذكر قول أحمد: (مع المحبرة إلى المقبرة) إن طلب العلم لا ينتهي، بل لا يزال الأمر الإلهي من الله لسيد الدعاة وإمام النبيين قائماً إلى يوم القيامة، وذلك في قوله جل وعلا: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمَاً﴾ [طه:١١٤]، فاطلب العلم واقرأ وتعلم؛ لكن إياك وأن تتقوقع بحجة الطلب وتغفل عن الدعوة إلى الله، وعن التحرك لدين الله جل وعلا، فأنت مأمور بذلك، بل لقد قال علماؤنا: إن الدعوة إلى الله الآن فرض عين على كل مسلم ومسلمة، كل بحسب قدرته واستطاعته؛ لأننا نعيش زماناً نشط فيه أهل الباطل لباطلهم، وتحرك أهل الإرجاف لإرجافهم: والله! لقد التقيت بالشيخ أحمد ديدات في الرياض، فأخبرني خبراً يؤلم كل مسلم ومسلمة، فاستمعوا وانظروا كيف يتحرك أهل الباطل لباطلهم، ولا زال أهل الحق بهذه الفُرقة، بل وبهذا البرود وبهذا التكاسل من منطلق فهمٍ مقلوبٍ مغلوطٍ لآية في كتاب الله، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] فنقول: لا يا أخي! سيضرك ضلالهم، وإنما لا يضرك ضلالهم إن تحركت إليهم ودعوتهم بدعوة الله، وأقمت عليهم حجة الله بالحكمة البالغة والموعظة الحسنة، فحينئذٍ تكون قد أعذرت إلى الله جل وعلا، أما أن تجلس متقوقعاً لتقول: دع المُلك للمالك! ودع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله! فإننا لن نغير الكون، ولن نبدل الأمر، إلى آخر هذه الكلمات المريرة المؤلمة، بل أنت مأمور الآن أن تتحرك بالدعوة بقدر ما منَّ الله عليك به من سلاح الخلق العذب، والحكمة البالغة، والموعظة الحسنة، وضع نصب عينيك هذين الأمرين الجليلين من الله لسيد الدعاة: الأول: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظَّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
الثاني: قوله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥].
أيها الأحبة في الله! لقد أبلغني الشيخ ديدات أنه ذهب إلى جنوب إفريقيا فوجد المنصِّرين الموسومين بـ (المبشِّرين) يتحركون هنالك في أدغال الغابات وبين المستنقعات للدعوة لدينهم بأسلوب ذكي، فتأتي الفتاة الجميلة المثقفة لتلتقي بمجموعة من الأطفال الصغار أو الصبيان لتلعب معهم فقط بغير دعوة وبدون توجيه، فإذا ما عضَّ الجوع بطونهم قدمت إليهم الحلوى وهي تقول: هذه حلوى الرب يسوع! وفي اليوم التالي تلتقي مع نفس المجموعة لتلعب معهم فإذا ما عضَّ الجوع بطونهم قدمت إليهم خبزاً عفناً وهي تقول: هذا خبز محمد! فأهل الباطل يتحركون، وأهل الحق ما زالوا متفرقين، فتحرَّك أيها الحبيب! بقدر ما تملك، وعلى قدر استطاعتك، تحرك لدين الله وادع الناس بالكلمة الطيبة.
стр. 423
واجب أهل الحق تجاه الدعوة إلى الله
أيها المسلم! سأحدد لك الآن الخطة والمنهج، عليك الآتي: أولاً: افهم الإسلام فهماً شاملاً كاملاً بفهم دقيق، ووعي عميق.
ثم بعد أن تفهم الإسلام بشموله وكماله حول هذا الإسلام في حياتك أنت إلى واقع متحرك، ومجتمع مرئي ومسموع ومقروء، فإذا ما جاذبتك أشواك الطريق وزللت في معصية فإياك -أيها الشاب- وأن تتحرج من الدعوة إلى الله، ومن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بحجة أنك تزل في المعاصي! ومَن مِن الناس من لا يزل؟! ومَن مِن البشر ما زل؟! فأنت لست ملَكاً مقرَّباً، ولست نبياً مرسلاً، ولست رسولاً معصوماً، بل أنت بشر تطيع وتعصي، فإن أطعت الله فاحمد الله واستقم، وإن زلت قدمك وجاذبتك أشواك الطريق وعصيت فأتبع هذه المعصية بالحسنة، كما روي في الحديث: (يا معاذ! اتق الله حيثما كنتَ، وأتبِع السيئةَ الحسنةَ تمحها) نجد كثيراً من الشباب لا يدعو، وإذا قلت له: لماذا لا تتحرك؟! يقول: لأني من أهل الذنوب والمعاصي، وهذه تجعلني متحرجاً في الدعوة إلى الله وإلى دين الله.
يا أخي الحبيب! مَن مِن البشر لم يخطئ؟! ومَن مِن البشر لم يزل؟! لكن إن زللت فتُب وعُد وارجع إلى الله، وإياك وأن تتمادى في هذه الذنوب وفي هذه المعاصي؛ فإنها تمحق بركة العلم، وبركة الرزق، وبركة الخير والطاعة، بل وتمحق بركة كل شيء.
فافهم الإسلام بشموله وكماله، وحول هذا الإسلام في حياتك إلى واقع، ومما قاله أبو الحسن الندوي: إن أعظم خدمة نقدمها الآن للإسلام هي أن نشهد للإسلام شهادة عملية كما شهدنا له من قبل شهادة قولية.
فإن فهمتَ الإسلام فحوِّل الإسلام في حياتك إلى واقع، ونحن نريد الآن أن يتحول المسلمون جميعاً إلى دعاة، لا إلى دعاة على المنابر، وإنما إلى دعاة إلى دين الله في جميع مواقع الإنتاج ومواطن العطاء، فنريد المسلم الذي يعلن للدنيا بأسرها إسلامه وسنة نبيه ﵌.
ثم بعد ذلك تحرك لتعريف الناس بحقيقة الإسلام، واعمل رأياً عاماً مضاداً لهذا الرأي العام الذي يُشَن في الليل والنهار على الإسلام والمسلمين.
فتحركوا لإيجاد رأي عام مضاد بالكلمة الطيبة والحكمة البالغة والموعظة الحسنة.
стр. 424
البشارة بانتشار الصحوة الإسلامية في كل مكان
وأختم بهذه البشارة التي أسكبها في قلوب الإخوة والأخوات جميعاً فأقول: لا يخافن أحدٌ على الإسلام، بل خَفْ على نفسك أنت؛ لأن الإسلام دين الله، ومَن مِن الخلق يقوى على حرب الله؟! لا أحد، فالإسلام دين الله، ودين الله ظاهر منصور بنا أو بغيرنا، أسأل الله ألا يستبدل بنا غيرنا.
أيها الحبيب! أبشرك أن الصحوة الإسلامية العالمية الآن تَنَزَّلت في كل بقاع الدنيا كتَنَزُّل حبات الندى على الزهرة الظمأى والأرض العطشى، أو كنسمات ربيع باردة عطَّرَتْها وطيَّبَتْها أنفاسُ الزهور.
وأبشركم وأشهد الله أني حضرتُ عدة مؤتمرات في قلب قلعة الكفر -أمريكا- فرأيت الصحوة هناك أنشط بكثير مما رأيت في بلاد المسلمين، ففي أمريكا حضر مؤتمراً ما يزيد على ستة آلاف موحد وموحدة، واحتلوا قاعة أكبر فندق في مدينة (دترويت)، وصدح المؤذن بكلمة التوحيد والتكبير لله جل وعلا في قلب قلعة الكفر.
وقد احتفلت وزارة الدفاع -البنتاجون- في شهر ديسمبر في العام المنصرم احتفالاً رسمياً بتنصيب أول إمام للجيش الأمريكي؛ ليصلي بالمسلمين الموحدين في الجيش الأمريكي الصلوات في أوقات الدوام الرسمي.
والتقينا بأخت أمريكية مسلمة تسمى: كيليرا محمد، هذه الأخت منَّ الله عليها بالمال، فأنفقت مالها كله لدين الكبير المتعالي، فأنشأت في أمريكا خمسين مدرسة إسلامية.
وفي ولاية (فرجينيا) أنشأت الأخت نفسُها كليةً تُسمى بـ (كلية المعلمين) لتخرِّج المدرسين والمدرسات الذين يدرسون في هذه المدارس.
فهذا وعْدُ مَن؟ إنه وعد الله! الله أكبر! إنه وعد الله جل وعلا، قال الشاعر: صبحٌ تنفس بالضياء وأشرقا والصحوة الكبرى تهز البيرقا وشبيبة الإسلام هذا فيلقٌ في ساحة الأمجاد يتبع فيلقا وقواسم الإيمان تتخذ المدى درباً وتصنع للمحيط الزورقا وما أمر هذه الصحوةِ الكبرى سوى وعدٍ من الله الجليل تحققا هي نخلة طاب الثرى فنما لها جذع قوي في التراب وأعذقا هي في رياض قلوبنا زيتونة في جذعها غصن الكرامة أورقا فجرٌ تدفق مَن سيحبس نوره أرني يداً سدت علينا المَشرقا أيها الأحبة! يقول الله جل وعلا: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف:٨ - ٩].
وأختم بهذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك -وصححه على شرط الشيخين، وتعقَّبه الإمامُ الذهبي فقال: بل هو صحيح على شرط الإمام البخاري - من حديث تميم الداري أنه ﵌ قال: (ليبلغنَّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعزِّ عزيز أو بذلِّ ذليل، عزَّاً يعزُّ الله به الإسلام، وذلَّاً يذل الله به الكفر).
أسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن ينصر الإسلام والمسلمين، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين يا رب العالمين! وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 425
ميلاد المسيح
انقسم أهل الكتاب قبل الإسلام في عيسى بن مريم وأمه ﵉ إلى طرفين، كلاهما ضل السبيل، وفارق الحجة والدليل، فاليهود زعموا أنه ابن زنا وأنه مفتر كاذب، والنصارى زعموا أنه ابن الله، وأنه ثالث ثلاثة، وعبدوه مع الله جل وعلا! فجاء الإسلام بالحق في قضية عيسى ﵇، وكذب كلتا الطائفتين، وبين أن عيسى هو عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وبرأ مريم ﵍، وبين أن ولادتها عيسى من غير أب كانت معجزة، ومثله عند الله كمثل آدم ﵇.
стр. 426
عيسى بن مريم والميلاد المعجز
الحمد لله القائل: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران:٤٥]، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين، أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء، وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء، وطبتم جميعاً وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا الذي جمعني وإياكم في هذا الجمع المبارك على طاعته، أن يجمعني وإياكم في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! عيسى بن مريم والميلاد المعجز، خواطر مسلم يغار لعقيدة التوحيد التي تذبح الآن شر ذبحة، في زمان انتفخ فيه الباطل وانتفش كأنه غالب، وضعف فيه الحق وانزوى كأنه مغلوب، أقدم هذه الخواطر في هذه الأيام على وجه الخصوص التي اعتاد فيها العالم الغربي -بل والعالم الإسلام الهزيل المهزوم- على ما يسمونه باحتفالات أعياد الميلاد، وأنا أرى أنه من الواجب على العلماء والدعاة ألا يكونوا بموضوعاتهم وخطبهم في واد وأحوال العالم بصفة عامة وأحوال الأمة بصفة خاصة في واد آخر، من هذا المنطلق أحببت في هذه المناسبة أن أقدم لحضراتكم هذا الموضوع عن (ميلاد المسيح) وسيتم تناوله إن شاء الله من خلال العناصر التالية: أولاً: عيسى بن مريم والميلاد المعجز.
ثانياً: بل رفعه الله إليه.
ثالثاً: نزوله من السماء إلى الأرض بين يدي الساعة.
فأعرني قلبك وسمعك، والله أسأل أن يجعلني وإياكم ممن وحد الله جل وعلا حق التوحيد، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 427
براءة عيسى ﵇ مما ينسب إليه المبطلون
وجميل بنا أن نختم هذا العنصر الآن الذي أطلنا فيه الحديث -لتثبيت المعتقد الصافي في القلوب- بهذا الحوار الرباني الكريم، وإن شئت فقل: بهذه البراءة العظيمة من العلي الأعلى لنبي الله عيسى، اقرأ معي وتدبر في آخر سورة المائدة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة:١١٧ - ١١٨]، قال الله جل وعلا: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة:١١٩].
стр. 428
معجزة عيسى ﵇ في حديثه لقومه وهو في المهد
﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ [مريم:٢٧] فقابلها القوم بهذه التهم التي نزلت كالسياط: يا مريم ما هذا؟ ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم:٢٧ - ٢٨]، في العبادة (يَا أُخْتَ هَارُونَ) في الزهد والورع، (يَا أُخْتَ هَارُونَ) في التقى والتبتل والتضرع، ما هذا؟! لقد جئت شيئاً عظيماً منكراً، ما هذه الجرأة؟! ما هذه البجاحة؟! تحملين من الزنا، وتحملين الولد لتقابلينا به مرة أخرى بهذه الجرأة والسفور، (لقد جئت شيئاً فرياً)؛ كيف سمحت لنفسك بهذه الجريمة الشنعاء؟! ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم:٢٨].
فلما انقطع منها المقال أشارت إليه فأنطقه الله في الحال ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا * ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم:٢٩ - ٣٦].
أعباد المسيح لنا سؤال نريد جوابه ممن وعاه إذا مات الإله بصنع قوم أماتوه فهل هذا إله ويا عجباً لقبر ضم رباً وأعجب منه بطن قد حواه أقام هناك تسعاً من شهور لدى الظلمات من حيض غذاه وشق الفرج مولود صغيراً ضعيفاً فاغراً للثدي فاه ويأكل ثم يشرب ثم يأتي بلازم ذاك هل هذا إله ويقول القائل: فلو كان رباً كان يمنع نفسه فلا خير في رب نأته المطالب برئت من الأصنام في الأرض كلها وآمنت بالله الذي هو غالب ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ [مريم:٣٠ - ٣٢] ليست بغياً، ليست زانية، بل هي أمي ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ﴾ [مريم:٣٢ - ٣٣]، فهل هناك إله يولد؟! (وَيَوْمَ أَمُوتُ) فهل هناك إله يموت؟! ﴿وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا * ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾ [مريم:٣٣ - ٣٤]، قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩]، بل إن خلق آدم أعجز من خلق عيسى؛ لأن عيسى خلق من أم، أما آدم فخلق من غير أب ومن غير أم، فخلق آدم أعجز: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).
стр. 429
حوار مريم بنت عمران مع يوسف النجار
وبدأت بوادر الحمل تظهر على بطن مريم، فالتفت إليها يوسف النجار الذي يخدم معها بيت المقدس، واتهم اليهود مريم بالزنا مع يوسف، قال لها: يا مريم، إني سائلك عن شيء وأرجو أن لا تعجلي علي! فقالت له مريم: سل عما شئت يا يوسف وقل قولاً جميلاً، فقال لها يوسف معرضاً في القول: يا مريم هل يكون زرع بغير بذر؟! وهل يكون شجر بغير غيث أو مطر؟! وهل يكون ولد بغير أب؟! فقالت مريم: (نعم يا يوسف)، قال: كيف يا مريم؟! قالت: يا يوسف ألم تعلم أن الله خلق الزرع يوم خلقه من غير بذر، وخلق الشجر يوم خلقه من غير غيث أو مطر، وخلق آدم يوم خلقه من غير أب ومن غير أم؟ قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير.
стр. 430
مريم بنت عمران وحديث ابنها إليها وهو في المهد
حملت مريم بعيسى ﴿فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا * فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ [مريم:٢٢ - ٢٣]، ففاجأها المخاض الذي يهد الأركان للأنثى، وأنا أرجو أن تتصور أنثى بمفردها تضع لأول مرة ليس معها من الناس أحد، وإلا فكفى أن معها الملك.
﴿فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا * فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم:٢٢ - ٢٣]، أي: ألجأها المخاض إلى جذع النخلة، فتمسكت بهذا الجذع وهي تتألم، وفي وسط هذه الآلام التي تهد أركان الأنثى هدًّا، من مخاض وميلاد وليس معها أحد من الناس، وهي تتألم وتبكي، وفي وسط هذه الحالة النفسية المتراكبة: ﴿قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم:٢٣].
لك الله يا مريم! لك الله أيتها العذراء الطاهرة! ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم:٢٣] وهنا تفاجأ للمرة الثالثة بهذه المفاجئة الندية الرخية الرقيقة الرقراقة، إنها تسمع صوتاً، تسمع الحجة البالغة، تسمع الكلمات النيرة، يا إلهي، ما هذا؟! إنه المولود الذي نزل من أحشائها، إنه المولود يتكلم!! أنطقه الله الملك الذي هو على كل شيء قدير، ينادي على أمه بهذا النداء الحنون العذب الرقيق: يا أماه ﴿أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم:٢٤]، أي: انظري إلى هذه العين التي قدرها الله لك الآن، وانظري إلى هذه النخلة التي كانت شابة قد أنبت الله فيها الثمرة لك، فهزي بهذا الجذع، خذي بالأسباب وافعلي أي شيء: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم:٢٥ - ٢٦].
يا الله يا الله يا الله! إنها الحجة البالغة، المولود ما زال في لفائفه، قدرة الملك، عظمة الملك، قوة الملك، إرادة الملك جل وعلا!! لقنها الغلام الحجة البالغة فاطمأنت نفسها، واستراح قلبها، وسكن فؤادها، وحملت رضيعها وطفلها في صدرها، بل إن شئت فقل: في حنايا قلبها.
стр. 431
القدرة الإلهية لا تحدها حدود
أيها الشباب! أيها الأحباب! إن من يكلف عقله أن يصل إلى حدود قدرة الله جل وعلا كمن يكلف نملة أن تنقل جبلاً من مكان إلى آخر، أو كمن يكلف بعيراً ضخماً أن ينفذ من سم الخياط، وهذا مستحيل! إن قدرة الله لا تحدها حدود، ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ﴾ [مريم:٢١] وإذا قال ربك فلا حدود لقدرة الملك جل وعلا، لأن أمر الله بين الكاف والنون، يقول للشيء إذا أراده كن فيكون، ما أحوجنا إلى أن نتعبد لله الآن باسم القدير، باسم القوي، باسم الملك! لأن الأمة قد ضعف يقينها، وضعفت عقيدتها، وتخلخل اليقين في قلبها، فيجب علينا أن نتعبد من جديد لله باسم القدير.
إن قدرة الله وقوة الله لا تحدها حدود، فيد من التي خلقت السماء بغير عمد ترونها؟! يد من التي خلقت الأرض وثبتتها بالجبال، وزينتها بالأشجار، وشقت فيها البحار والأنهار؟! يد من التي امتدت إلى حبة القمح فغلفتها بهذه الأغلفة، وجعلت في نهاية كل حبة شوكة طويلة؛ لأنه قد قدر أن تكون حبة القمح غذاء لك أيها الإنسان؟! يد من التي امتدت إلى كوز الذرة فأخرجت هذه الحبات اللؤلؤية بهذا الجمال والإتقان والإبداع؟! يد من التي امتدت إلى رأسك أيها الإنسان فجعلت ماء العين مالحا، وماء الأنف حامضاً، وماء الأذن مرّاً، وماء الفم حلواً وعذباً؟! مع أن أصل هذه المياه واحد، وهو رأسك أيها الإنسان؟! يد من التي نجت الخليل إبراهيم من النيران؟! يد من التي حفظت يوسف من غيابات الجب؟! يد من التي نجت يونس في بطن الحوت؟! يد من التي نجت الحبيب المصطفى ليلة الهجرة! ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر:٢٢ - ٢٤].
قل للطبيب تخطفته يد الردى من يا طبيب بطبه من أرداك قل للمريض نجا وعوفي بعدما عجزت فنون الطب من عافاك قل للصحيح يموت لا من علة من المنايا يا صحيح دهاك قل للبصير وكان يحذر حفرة فهوى بها من ذا الذي أهواك بل سائل الأعمى خطا وسط الزحا م بلا اصطدام من يقود خطاك وسل الجنين يعيش معزولاً بلا راع ومرعى ما الذي يرعاك وسل الوليد بكى وأجهش بالبكاء لدى الولادة ما الذي أبكاك وإذا ترى الثعبان ينفث سمه فاسأله من ذا بالسموم حشاك واسأله كيف تعيش يا ثعبان أو تحيا وهذا السم يملأ فاك واسأل بطون النحل كيف تقاطرت شهداً وقل للشهد من حلاك بل سائل اللبن المصفى كان بين دم وفرث ما الذي صفاك ﴿كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم:٢١] هو على قدرة الله هين، فقدرة الله لا تحدها حدود، ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٢١].
قال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم:١٢]، لا تسأل عن كيفية الحمل، والعلم الحديث الآن يبين لنا صوراً عجيبة، فهم يستطيعون بالحيوان المنوي للزوج وبويضة المرأة أن يجمعوهما، فإذا شاء الله تخصبت فكان الولد، سبحان الله!، لا تسأل عن كيفية الحمل وأنت على يقين أن الله إذا أراد شيئاً كان.
نفخ جبريل ﵇ في درعها، والدرع هو أعلى الثوب، فحملت مريم ﵍، والراجح من أقوال المفسرين: أن مريم حملت بعيسى حملاً عادياً تسعة أشهر، وإن كنا لا نشك أن الله كان قادراً ولا زال سبحانه على أن تحمل مريم بعيسى وأن تضعه في لحظة واحدة، لكن الراجح من أقوال المحققين من أهل التفسير: أنها حملت به حملاً عادياً تسعة أشهر.
стр. 432
مريم بنت عمران العذراء البتول
أولاً: عيسى بن مريم والميلاد المعجز.
أيها الأحبة الكرام! لأول مرة في تاريخ البشرية الطويل ينسب نبي إلى أمه، إنه عيسى بن مريم ﵇، وأمه مريم لها مكانة لم تنلها أنثى في الوجود كله، إنها العذراء التقية النقية التي اصطفاها الله من بين نساء العالمين؛ ليودعها هذا السر الكبير في أعظم ميلاد وأيسر حمل، إنها المرأة التي قد كملت بشهادة المصطفى، ففي الصحيحين من حديث أبي موسى أنه ﷺ قال: (كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسيا امرأة فرعون، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)، ليعلم الجميع أن مريم ﵍ ما كرمت في منهج على ظهر الأرض، بل وفي كتاب من الكتب، بقدر ما كرمت في كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ ، فمن هي مريم؟ إنها مريم بنت عمران، أمها: حنى بنت فاخود، كانت عقيمة لا تلد، فسألت الله أن يهبها الولد فاستجاب الله لها، وتحرك الحمل في بطنها بعدما كانت عقيمة، فلما تحرك الحمل، أرادت أن تفي بنذرها لله جل وعلا فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ [آل عمران:٣٥ - ٣٦] أي: الطاهرة ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران:٣٦ - ٣٧].
اختلفوا في بيت المقدس من الذي سيكفل مريم ﵍، فقالوا: اضربوا القرعة فيما بينكم، فعلى أي واحد منا وقعت القرعة فليكفل مريم ﵍، قالوا: فليأخذ كل واحد منا قلمه ولنخرج جميعاً إلى شاطئ النهر، ولنلقي الأقلام كلها في شاطئ النهر، فأي قلم جرى مع التيار لا يكفل صاحب هذا القلم مريم، أما القلم الذي يسير في عكس اتجاه التيار فهو الذي سيكفل صاحبه مريم ﵍.
فرأوا قلماً يسير في عكس التيار، فلما أخرجوه وجدوا أنه قلم نبي الله زكريا، فتكفلها زكريا، وتولى تربيتها ورعايتها.
ففي بيت المقدس في كفالة نبي ترعرعت هذه الزهرة الطيبة في بستان الورع والزهد والتقى، نشئت مريم ﵍، حتى وصلت إلى مكانة قريبة من الله، ونادتها الملائكة يوماً وهي تتعبد لله: بهذه البشارة: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران:٤٢ - ٤٣] مكانة عظيمة، بل لقد وصلت إلى مكانة من القرب أنه دخل عليها نبي الله زكريا فوجد عندها فاكهةً في غير زمانها وأوانها ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٣٧] درجة من اليقين، فما أحوج الأمة الآن إلى اليقين في الرزق ذو القوة المتين.
стр. 433
مريم بنت عمران ومفاجأة الملك
وفي يوم من الأيام خلت مريم بنت عمران بنفسها لقضاء شأن من شئون الأنثى الخاصة، وفجأة! تفاجأ بمفاجئة عنيفة تهز فؤادها هزّاً، يا الله ما هذا؟! إنه بشر سوي في خلوة مريم العذراء الطاهرة البتول، ولك أن تتصور امرأة ترعرعت في بستان الحياء تقضي شأناً من شئونها الخاصة، فتفاجأ برجل سوي يقتحم عليها خلوتها -وأرجو أن لا تختلط الصور في ذهنك، في أن تقارن هذه العذراء بنساء هذا الزمان إلا من رحم ربك؛ لتكون المقارنة عادلة منصفة- يهتز فؤادها، إنه بشر سوي، وسرعان ما لجأت إلى الله العلي فقالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم:١٨] أي: إن كنت ممن يتقي الله ويخشى الله .
وقالت: (إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ) لتستجلب الرحمة في قلبه، فتفاجأ البتول الطاهرة بمفاجئة أعلى، حينما يرد عليها هذا البشر السوي ليقول لها: لا تخافي ولا تحزني ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم:١٩]، قالت مريم التي تعلم سبيلاً واحداً للإنجاب والذرية، وهو أن يلتقي الرجل بزوجه ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم:٢٠]، أي: لم أتزوج ولم أعرف سبيل الزنا أو سبيل البغاء، وهنا يأتي الرد الحاسم القاطع على لسان هذا الملك الكريم: ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٢١].
стр. 434
بل رفعه الله إليه
ثانياً: بل رفعه الله إليه، لقد زعم اليهود عليهم لعائن الله المتتالية أنهم قتلوا عيسى عبد الله ورسوله!! وزعم النصارى بجهل فاضح أنه صلب ودفن، وفي اليوم الثالث خرج من قبره ثم صعد إلى السماء وجلس عن يمين الرب أبيه، وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأحياء والأموات.
﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف:٥]؛ فكذب الله هؤلاء وهؤلاء، فقال سبحانه: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٥٧ - ١٥٨]، آيات صريحة: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ)، والأخرى: (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا) والثالثة: (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ)، رفع نبي الله عيسى إلى السماء لحكمة عظيمة، ألا وهي أن الله جل وعلا قد قدر أن نزوله من السماء بعد ذلك من علامات الساعة الكبرى!
стр. 435
كيفية رفعه ﵇
ولكن كيف رفع؟ انطلق اليهود وهم يبحثون عن نبي الله عيسى ليقتلوه، فألقى الله شبه عيسى على يهوذا الأسخريوطي الذي دل اليهود على مكان نبي الله عيسى، فهذا قول.
القول الثاني: ورد في حديث رواه ابن أبي حاتم والنسائي من حديث ابن عباس موقوفاً عليه بسند صححه الحافظ ابن كثير في تفسيره لسورة النساء، قال: (لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء، خرج عيسى يوماً على أصحابه وهم يجلسون في البيت، وفي البيت اثنا عشر رجلاً من الحواريين، فقال لهم نبي الله عيسى: إن منكم من يكفر بي بعد أن آمن بي، ثم قال: أيكم يقبل أن يلقى عليه شبهي ليقتل مكاني ليكون معي في درجتي في الجنة، فقام شاب من أحدثهم سناً قال: أنا يا نبي الله! فقال له عيسى: اجلس -كأنه أشفق عليه لصغر سنه- فجلس الشاب.
ثم قال عيسى قولته مرة ثانية: أيكم يقبل أن يلقى عليه شبهي ليقتل مكاني ليكون معي في درجتي في الجنة، فقام نفس الشاب، فقال له نبي الله عيسى: اجلس، فردد عيسى المقولة للمرة الثالثة، فقام نفس الشاب، فقال له عيسى: هو أنت.
يقول ابن عباس: فجاء الطلب، أي: من اليهود ليأخذوا نبي الله عيسى، فألقى الله شبهه على هذا الشاب، وألقى على عيسى سنة من النوم ثم رفعه إليه، فأخذ اليهود هذا الشاب الذي ألقي عليه الشبه، فقتلوه وصلبوه ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء:١٥٧] قال ابن عباس: فانقسم الناس فيه إلى ثلاث فرق: الفرقة الأولى قالت: كان فينا الله، أي: في الأرض -عياذاً بالله- ثم صعد إلى السماء، وهؤلاء هم اليعقوبية.
وقالت الفرقة الثانية: كان فينا ابن الله ثم رفعه أبوه إلى السماء، وهذه هي النسطورية.
ثم قالت الفرقة الثالثة: كان فينا عبد الله ورسوله، ثم رفعه الله إليه، ثم ينزله إلى الأرض إذا شاء، وهؤلاء هم الموحدون المسلمون.
يقول ابن عباس: (فقامت الفرقتان الأولى والثانية على الثالثة فقتلوا أهلها، فظل الإسلام صامتاً حتى بعث الله نبيه المصطفى ﷺ .
فجاء الحبيب المحبوب فبين لنا كيف أن الله قد ألقى الشبه على فلان أو فلان، وكيف أن الله قد رفع عيسى إليه، بل وصرح القرآن بذلك، قال الله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران:٥٥] تدبر معي قول الله: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) فهذه دارت حولها الإشكالات، والوفاة في الآية كما قال جمهور المحققين من أهل التفسير: الوفاة في الآية بمعنى النوم، والدليل على ذلك قول الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام:٦٠] فسمى الله النوم في الليل وفاة.
وكما في كلام الحبيب المحبوب محمد ﷺ ، كان إذا استيقظ من نومه قال: (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور)، فالنوم وفاة صغرى، والموت وفاة كبرى، فألقى الله على عيسى سنة من النوم، ثم رفعه إليه للحكمة الجليلة التي ذكرت، ولحكم قد لا نعلمها، يعلمها الملك ﷻ .
أيها الأحبة الكرام: وشاء الله سبحانه أن يكون نزول عيسى ﵇ علامة كبرى من علامات الساعة وهذا ما سوف نتعرف عليه بعد جلسة الاستراحة، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 436
نزول عيسى ﵇ من السماء إلى الأرض بين يدي الساعة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! ثالثاً: نزول عيسى من السماء إلى الأرض بين يدي الساعة، فنحن الآن ننتظر نزول نبي الله عيسى، وقد بيّن القرآن والسنة الصحيحة ذلك، فمثل هذه الأمور الغيبية لا يجوز البتة لأحد أن يتكلم فيها إلا بصريح القرآن أو صحيح السنة، فأنا لم آت بكلمة واحدة من عندي أبداً، بل من القرآن والسنة الصحيحة وأقوال المفسرين المعتبرين من أهل العلم، يقول الله تعالى في سورة الزخرف وهو يخاطب حبيبه المصطفى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف:٥٧] إلى قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف:٦١]، وفي قراءة ابن عباس: (وإنه لعَلَم للساعة) أي: علامة وأمارة على قرب الساعة، فنزول عيسى ﵇ من علامات الساعة الكبرى.
стр. 437
عيسى بن مريم وأقوام يأجوج ومأجوج
وفي حديث النواس يقول ﷺ : (فبينما هو كذلك إذ أتى عيسى قوماً قد عصمهم الله من الدجال، فيمسح عيسى على وجوههم، ويبشرهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هم كذلك إذ أوحى الله إلى نبيه عيسى أني قد بعثت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم) -أي: لا قدرة لأحد ولا طاقة بقتالهم- فيبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، ثم يقول الله لنبيه عيسى: (فاحرز عبادي إلى الطور) اجمع عبادي من المؤمنين إلى جبل الطور (فيحصر نبي الله عيسى وأصحابه) من المؤمنين الموحدين من أمة محمد- فيخرج يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيمرون على بحيرة طبرية فيشرب أوائل يأجوج ومأجوج البحيرة بكاملها، فإذا ما جاء أواخرهم قالوا: كان بهذه البحيرة مرة ماء) أين ذهب الماء؟ وهم لا يعلمون ولا يدرون أن أوائل يأجوج ومأجوج هم الذي جففوا البحيرة تجفيفاً.
يقول ﵌: (فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله) أي: يتضرعون إلى الله بالدعاء أن يهلك يأجوج ومأجوج- إذ إن الله قد أخبره أنه لا يدان لأحد بقتالهم، فيتضرع إلى الله أن يهلك يأجوج ومأجوج (فيستجيب الله فيرسل عليهم النغف) والنغف: هو الدود الصغير، وأرجو أن لا تمر هذه الكلمة على الأذهان مروراً سريعاً، يأجوج ومأجوج الذين يجففون بحيرة، والذين يتجرءون بوقاحة حينما يقولون: لقد قهرنا أهل الأرض فهيا بنا لنقاتل أهل السماء، فيصوبون نشابهم أي: السهام إلى السماء، فيريد الله أن يبتليهم وأن يفتنهم، فتنزل السهام إليهم مرة أخرى وقد لطخت بالدماء، فيقول المجرمون الفجرة: لقد قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء، هؤلاء الفجرة يهلكهم الملك بالدود، فأين الظالمون؟ وأين التابعون لهم في الغي؟ بل أين فرعون وهامان؟ أين من دوخوا الدنيا بسطوتهم وذكرهم في الورى ظلم وطغيان هل خلَّد الموت ذا عز لعزته أو هل نجى منه بالسلطان إنسان لا والذي خلق الأكوان من عدم الكل يفنى فلا إنس ولا جان ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] فيرسل الله عليهم النغف، وهو الدود الصغير: (فيصبحون؟ فرسى أي: قتلى كموت نفس واحدة) وهم يغطون وجه الأرض، ومع ذلك يصبحون قتلى كموت نفس واحدة (فتمتلأ الأرض بزهمهم) أي: بشحمهم ونتنهم، يقول المصطفى: (ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه، فلا يجدون شبراً من الأرض وإلا وقد ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى مرة ثانية وأصحابه إلى الله جل وعلا -أي: يتضرعون إليه بالدعاء- أن يطهر الأرض من هذا النجس والنتن، فيستجيب الله جل وعلا لهم، فيرسل طيراً كأعناق البخت -أي: كرقاب الإبل- فتأخذ يأجوج ومأجوج فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطراً لا يكن منه بيت ولا وبر، فيغسل هذا المطر الأرض، حتى تصبح الأرض كالزَّلقة، أو كالزُّلقة، أو كالزُّلفة، أو كالزَّلفة) والروايات كلها صحيحة، أي: تصبح الأرض كالمرآة في صفائها ونقائها.
يقول المصطفى: (ثم يقال للأرض: انبتي ثمرتك وردي بركتك، فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحاً طيبة فتأخذ الناس تحت آباطهم فتقبض روح كل مؤمن، وروح كل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر -أي: الحمير- وعليهم تقوم الساعة)، ثم يعيش الناس في هذه السعادة والرخاء مع نبي الله عيسى الذي يحكمهم بشريعة محمد بن عبد الله ﷺ ، ثم يموت ويصلي عليه الموحدون من أمة سيد النبيين.
أسأل الله جل وعلا أن يجمعنا بنبي الله عيسى، وأن يجمعنا بإمام الأنبياء محمد وبإخوانه من النبيين والمرسلين في جنات النعيم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
اللهم ارزقنا التوحيد الصحيح يا رب العالمين، اللهم ثبت التوحيد بشموله في قلوبنا، اللهم ثبت العقيدة التي ترضيك في قلوبنا، اللهم توفنا على التوحيد والإيمان، اللهم كما خلقتنا موحدين فثبتنا على التوحيد وتوفنا على التوحيد واحشرنا في زمرة الموحدين تحت لواء سيد النبيين، مع أخيه عيسى الكريم، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا، اللهم أغننا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عن من سواك.
اللهم كن لنا ولا تكن علينا، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل تدبيره في تدميره يا رب العالمين، أنت ولي ذلك والقادر عليه.
اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، وكل لنا ولا تكن علينا، اللهم إن أردت بالناس فتنة فاقبضنا إليك غير خزايا ولا مفتونين، ولا مفرطين ولا مضيعين، ولا مغيرين ولا مبدلين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم احمل المسلمين الحفاة واكس المسلمين العراة، وأطعم المسلمين الجياع برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم اجعل مصر واحة للأمن والأمان، اللهم لا تحرم بلدنا مصر من الأمن والأمان، اللهم لا تحرم مصر من الأمن والأمان وسائر بلاد المسلمين.
اللهم اجعل مصر سخاء رخاء وسائر بلاد المسلمين، اللهم ارفع عن مصر الغلاء والوباء والبلاء وسائر بلاد المسلمين، اللهم لا تحرم مصر من التوحيد والموحدين برحمتك يا أرحم الراحمين.
هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 438
مكان نزوله ﵇ وقتله للدجال
يتجه نبي الله عيسى مباشرة إلى بيت المقدس، فلقد حدد النبي موطن نزوله، قال كما في رواية النواس في صحيح مسلم: (فينزل نبي الله عيسى عند المنارة البيضاء شرقي دمشق) هذا كلام الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، حتى المكان الذي سينزل فيه حدده: ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق فيتجه إلى بيت المقدس، فيدرك نبي الله عيسى المسلمين وهم يصلون صلاة الصبح -وفي رواية: وهم يعدون الصفوف لقتال الدجال- فإذا رأى إمام المسلمين نبي الله عيسى تقهقر ليخلي المكان لنبي الله ليصلي النبي بالأمة، فيدفع عيسى في كتف إمامنا نحن المسلمين ويقول له: تقدم صل أنت فلك الصلاة أقيمت.
وفي رواية أخرى في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله يقول: (إمامكم منكم؛ تكرمة الله لأمة محمد ﷺ ، فيتقدم إمام المسلمين ليصلي خلفه مأموماً نبي الله عيسى)، انظر إلى كرامة الأمة، نبي الله عيسى يصلي خلف إمام من أئمة المسلمين، وهناك بعض الروايات التي ذكرت: أن هذا الإمام هو المهدي ﵇، (فإذا ما أنهى صلاة الصبح أمرهم أن يفتحوا باب بيت المقدس، فيرى الدجال خلفه سبعون ألف يهودي بالسيوف، فإذا نظر نبي الله عيسى إلى الدجال ذاب الدجال كما يذوب الملح في الماء، فيقوم حينئذ نبي الله عيسى حتى يدركه عند باب لُدٍّ فيقتله) و (لُدٌ) مدينة معروفة الآن بفلسطين.
стр. 439
نزول عيسى حاكما بشريعة محمد ﷺ
وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﵌ قال: (والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم عيسى بن مريم حكماً مقسطاً، فيُكسَر الصليب أو فيكسِر الصليب -واللغتان صحيحتان-، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد).
تدبر كلام الصادق: (ليوشكن أن ينزل فيكم عيسى بن مريم حكماً مقسطاً)، أي: عادلاً، وأول ما يفعله أنه يكسر الصليب المقدس، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية فلا يقبلها من أحد، فإما الإسلام وإما القتال.
ويفيض المال، وتحل البركات حتى قال المصطفى ﷺ في الحديث الذي رواه الضياء المقدسي وصححه الألباني من حديث أبي هريرة قال المصطفى: (طوبى لعيش بعد المسيح، طوبى لعيش بعد المسيح، تؤمر الأرض أن تخرج بركتها وأن تخرج زرعها، حتى أنك لو زرعت أو بذرت زرعك على الصفا -أي على الحجر- لنبت)، فالبركات تتنزل إلى الأرض، بل ترعى الذئاب مع الغنم، والأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، كما قال الصادق ﷺ ، ويمسك الصبي الحية فلا تؤذيه، يعيش الناس حالة من الأمن والاستقرار والأمان، بصورة لا يستطيع بليغ أن يعبر عنها على الإطلاق.
стр. 440
صفة عيسى ﵇ عند نزوله
روى مسلم من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري قال: (اطلع علينا النبي ﷺ يوماً ونحن نتذاكر فقال: ما تذاكرون؟ فقالوا: نذكر الساعة يا رسول الله! فقال الصادق: إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات وهي: الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ويأجوج ومأجوج، ونزول عيسى ابن مريم، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم، ونزول عيسى بن مريم) آية وعلامة من علامات الساعة الكبرى.
بل لقد حدد الصادق المصدوق شكله ووجهه وهو ينزل من السماء، والحديث رواه ابن ماجة وابن حبان في صحيحه، وصححه الحاكم على شرط الشيخين وأقره الذهبي من حديث أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ليس بيني وبين عيسى نبي، وإنه نازل فيكم، فإذا رأيتموه تعرفونه، إنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، ينزل بين مهرودتين أو بين ممصرتين -وفي رواية النواس بن سمعان -: ينزل بين مهرودتين) أي: ثوبين مصبوغين، ورواية النواس في صحيح مسلم (ينزل عيسى بين مهرودتين) أي: ثوبين مصبوغين مائلين إلى الصفرة الخفيفة كما قال النووي وغيره، (واضعاً كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ قطر رأسه، وإذا رفع تحدر منه جمان كحبات اللؤلؤ).
стр. 441
أيها العاصي تب إلى ربك
خلقنا الله في هذه الدنيا لعبادته، وسوق النفس إلى ما فيه رضاه وطاعته، إلا أن النفس الأمارة بالسوء لا تفتأ تأمر الإنسان بالمعصية والبطالة، فمن نهاها عن الهوى أفلح، ومن أتبع نفسه هواها خسر الخسران العظيم، فطوبى لمن تاب، ولقي وهو راضٍ عنه العزيز الوهاب.
стр. 442
المعصية سبب لكل شقاء وبلاء
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وطبتم جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الأعزاء! وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً.
وأسأل الله جل وعلا الذي جمعنا وإياكم في الدنيا على طاعته أن يجمعنا وإياكم في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
تب إلى الله أيها العاصي! هذا هو عنوان لقائنا مع حضراتكم في هذا اليوم الكريم المبارك، ونظراً لطول هذا الموضوع فسوف أركز الحديث مع حضراتكم في العناصر التالية: أولاً: المعصية سبب لكل شقاء وبلاء.
ثانياً: انتبه فإن الموت يأتي بغتة.
ثالثاً: باب التوبة مفتوح.
رابعاً: قصة تائب.
فأعرني قلبك وسمعك أيها الحبيب! وأسأل الله جل وعلا أن يرزقنا وإياكم التوبة النصوح، وأن يجعلنا وإياكم جميعاً ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٨].
أولاً: المعصية سبب لكل شقاء وبلاء: إي ورب الكعبة! فما الذي أخرج الأبوين الكريمين من الجنة، من دار اللذة والسرور والنعيم إلى دار الأحزان والمصائب والآلام؟! وما الذي أخرج إبليس وطرده من رحمة الله ؟! وما الذي أغرق فرعون وجنوده؟! وما الذي دمر قوم عاد؟! وما الذي دمر قوم ثمود؟! وما الذي دمر قوم لوط؟! وما الذي دمر قوم صالح؟! وما الذي دمر قوم شعيب؟! وما الذي دمر وخسف بـ قارون الأرض؟! وما الذي شتت بني إسرائيل في الأرض والتيه والضلال أربعين سنة، وجعل منهم القردة والخنازير؟! وما الذي أذل العالم كله اليوم، فحرم من الأمن والأمان، على الرغم من كثرة وسائله الأمنية، بل وعلى الرغم من كثرة الاختراعات التي شاء الله جل وعلا أن تحول هي ذاتها إلى وسائل للرعب وللموت واستعباد الجنس البشري؟! وما الذي حول العالم كله اليوم إلى غابة وحوش؟! فإننا نرى الإنسان اليوم يفعل بأخيه الإنسان ما تخجل الوحوش أن تفعله في عالم الغابات، وإننا نرى العالم كله اليوم قد حرم من الأمن والاستقرار وهدوء البال وراحة الضمير والاستقرار النفسي، ورأينا الكثير والكثير من أبناء العالم ينتحر بشكل جماعي! إن العالم قد حرم من الأمن والأمان، نرى الواحد منهم قد أحاط نفسه بقوات تلو قوات، وبالرغم من ذلك نراه قد حرم من نعمة الأمن والأمان! إن العالم اليوم أيها الأحبة! محروم من نعمة الأمن، محروم من نعمة الرخاء الاقتصادي، بل محروم من نعمة الاستقرار النفسي وهدوء البال وانشراح الصدر وراحة الضمير.
وما الذي أذل أمة المصطفى ﷺ لأذل أمم الأرض وأخس وأحقر أمم الأرض؟! والجواب على كل هذه الأسئلة في آية واحدة محكمة من كتاب الله ، أقرأ معي -أيها الكريم- قول الله سبحانه: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٧].
ولكن للأسف ربما يغتر كثير من الناس بما يراه من نعم الله جل وعلا على بعض خلقه وبعض عباده، بل وبعض دول الغرب، إذا نظر الإنسان إلى هؤلاء الذين تسري عليهم النعم بالليل والنهار ربما اغتر بهذه النعمة، ونسي هذا المغرور قول العزيز الغفور جل وعلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٤ - ٤٥].
стр. 443
سنن الله الكونية لا تتبدل ولا تتغير
لله سنن كونية في الكون لا تتبدل ولا تتغير أبداً، ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٤٤]، الله أكبر! كان من المفترض أن يقول الله تبعاً لهذه المقدمة في هذه الآية: فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب العذاب من كل جهة، ومن كل مكان، ولكن انظر إلى قول الله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٤ - ٤٥].
فكم من مبتلى بنعم الله عليه وهو لا يدري! وكم من مغرور بستر الله عليه وهو لا يدري! وكم من مفتون بثناء الناس عليه وهو لا يدري! فإذا كنت في نعمة فارعها فإن الذنوب تزيل النعم وصنها بطاعة الله فإن الإله سريع النقم إن للطاعة نوراً في الوجه، ونوراً في القلب، وقوة في البدن، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق؛ وإن للمعصية سواداً في الوجه، وظلمة في القلب، ووهناً في البدن، وضيقاً في الرزق، وبغضاً في قلوب الخلق.
стр. 444
الخمس الخصال الموجبة للبلاء
اسمع لحبيبك المصطفى ﵌ كما في الحديث الصحيح الذي رواه ابن ماجة في سننه والحاكم في المستدرك والبزار والبيهقي، وصحح الحديث الشيخ الألباني في صحيح الجامع من حديث ابن عمر أن النبي ﵌ قال: (يا معشر المهاجرين! خصال خمس إن ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشت فيهم الأوجاع والأسقام التي لم تكن في أسلافهم) ما سمعنا أبداً من قبل بمرض نقص المناعة الذي يسمى (الإيدز)، ما سمعنا عنه، وما عرفناه، ولو فتشت ونقبت في الدراسات والأبحاث لعلمت أن الشواذ من أهل الزنا، وممن يفعلون فعل قوم لوط، هم الذين يصابون بهذا المرض الخطير، وآخر الإحصائيات أن من تسعين إلى اثنين وتسعين بالمائة من الشواذ جنسياً هم الذين يصابون بهذا المرض الخطير، مرض نقص المناعة الذي يعرف الآن بالإيدز، بل لقد بلغ عدد المصابين بهذا المرض من هؤلاء الشواذ في قلعة الكفر أمريكا ما يزيد عن عشرين مليوناً! إنه وعد الله، ووعد الصادق الذي لا ينطق عن الهوى: (لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشت فيهم الأوجاع والأسقام التي لم تكن في أسلافهم، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين، وشدة المئونة، وجور السلطان)، والله لقد وقع الأمر، نقصت الأمة المكيال والميزان فشدد الله عليها، نرى الأمة الآن تعيش في ضنك، لا يمكن بأي حال أن يعبر أهل اللغة عن هذا الضنك إلا بقول الله: ﴿مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٤]، إنه الضنك في الأرزاق الضنك في الصدور الضنك في النفس الضنك في الأخلاق الضنك في كل شيء.
(ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين، وشدة المئونة، وجور السلطان، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا) الله أكبر! (لولا البهائم لم يمطروا) ومن الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب: (إن سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام خرج مع بني إسرائيل يوماً من الأيام ليصلي بهم صلاة الاستسقاء؛ لينزل الله المطر، ومر سليمان على وادي النمل، فرأى نملة قد رفعت قوائمها تناجي ربها جل وعلا وتقول: يا رب نحن قوم من خلقك، فلا تهلكنا بذنوب بني آدم! فاستجاب الله وأنزل الله المطر! فالتفت سليمان الذي استمع إليها إلى بني إسرائيل قائلاً: يا بني إسرائيل توبوا إلى الله واستغفروه، فوالله إن الله قد أتى بفرجه لكم استجابة منه لدعاء نملة)، الله أكبر! والله لولا البهائم لخسف الله بنا، وصب الله علينا العذاب صباً.
(ولم يمنعوا زكاة أموالهم) من الذي يؤدي زكاة ماله في غاية الحب لله والرضا عن تشريع الله؟! بل إننا نرى الأغنياء الآن يتحايلون من أجل أن يمنعوا زكاة أموالهم، ومن أجل أن يمنعوا حقوق الفقراء التي أوجبها الله عليهم في أموالهم.
(ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدواً من غيرهم فيأخذ بعض ما كان في أيديهم) وهذا واقع مر، فلقد سلط الله علينا أخس أمم الأرض، وأحقر أمم الأرض، وأذل أمم الأرض، فقد طمع في الأمة الذليل قبل العزيز، والضعيف قبل القوي، والقاصي قبل الداني، وأصبحت الأمة اليوم قصعة مستباحة لكل أمم الأرض، بل ولعباد البقر من أذل وأحقر أمم الأرض، بل لإخوان القردة والخنازير من أذناب يهود الذين يضربون الأمة على أم رأسها بالنعال في الليل والنهار، لماذا؟ لأن الأمة قد نقضت عهد الله ونقضت عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما قال الحبيب في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود من حديث ثوبان: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: كلا، ولكنكم يومئذ كثير، ولكن غثاء كغثاء السيل! وليوشكن الله أن ينزع المهابة من قلوب عدوكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت).
واسمع إلى الخصلة الخامسة أيها الحبيب: (وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل الله بأسهم بينهم شديد) ووالله لقد نحّى الأئمة كتاب الله، بل وسخروا من كتاب الله، بل واستهزءوا بكتاب الله، بل ومن أبناء الأمة من قال بالحرف الواحد: إن الشريعة اليوم لم تعد تتفق مع روح هذا العصر! وإذا أرادت الأمة الحضارة والرقي فيجب عليها أن تنحي شريعة الله! فإنها ما جعلت إلا للمساجد، ويجب عليها أن تنطلق لتأخذ بقوانين الشرق الملحد، وبقوانين الغرب الكافر.
وبهذا خابت الأمة وخسرت، ورضي الله عن فاروقها الملهم إذ يقول: (لقد كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العز في غيره أذلنا الله) وورب الكعبة! لقد ابتغت الأمة العز في غير الإسلام؛ فأذلها الله ذلاً لا يستطيع أهل البلاغة والبيان أن يصفوه على الإطلاق.
إنها المعصية أيها الأحبة! إنه شؤم المعاصي، إنها آثار المعاصي، إنه حصاد المعاصي المر، فالمعصية سبب لكل شقاء، وسبب لكل بلاء.
стр. 445
موعظة إبراهيم بن أدهم
اسمع أيها الحبيب! هذه الأجوبة البديعة من أحد علماء السلف لأحد العصاة المذنبين، أذكر بها نفسي وإياكم، فما من أحد على ظهر الأرض إلا وقد عصى الله، ما من أحد على ظهر الأرض إلا وقد ذاق مرارة المعصية وذاق حلاوة الطاعة، أذكر نفسي وإياك أيها الحبيب! فلقد جاء رجل أسرف على نفسه إلى إبراهيم بن أدهم، وإبراهيم بن أدهم هو الثقة بإطلاق، وليس كما يظن بعض طلاب العلم، بل هو ثقة بإطلاق كما قال علماء الجرح والتعديل، راجع ترجمته في تهذيب التهذيب لـ ابن حجر، وناهيك بقولة إمام الجرح والتعديل الإمام العلم يحيى بن معين إذ يقول في حق إبراهيم رحم الله الجميع: عدل ثقة، وأهل الحديث يعلمون معنى كلمة ثقة، لاسيما إذا كانت هذه الكلمة من إمامهم الإمام العلم يحيى بن معين.
فقد ذهب إليه رجل وقال: يا إبراهيم! لقد أسرفت على نفسي بالمعاصي والذنوب، فماذا أصنع؟ أريد أن أتوب إلى الله ، فماذا أصنع؟ وكلنا والله نريد التوبة، كلنا والله نريد الإنابة؛ لأنه والله ما من عبد قد ارتكب معصية -وكان يحمل قلباً سليماً حياً- إلا وأحس أن الأرض بما رحبت قد ضاقت عليه، وأن أنفاسه تختنق، وأن صدره يضيق فيكون كخرم إبرة، إنها الفطرة السوية السليمة، وإن كنت على غير ذلك ففتش عن قلب؛ لأنه ربما تكون لا تحمل قلباً ولا حول ولا قوة إلا بالله! وأنا لا أقصد القلب الذي يتكون من الأذين والبطين، وإنما أقصد القلب الذي قال عنه الحبيب المصطفى كما في الصحيحين من حديث النعمان: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب).
ماذا قال إبراهيم بن أدهم لهذا السائل؟ قال له: يا هذا! عليك بخمس خصال لتكون من أهل التوبة، ولتترك المعاصي.
قال: هاتها يرحمك الله.
قال إبراهيم: أما الأولى: إذا أردت أن تعصي الله فلا تأكل من رزق الله! أيها العاصي! أذكر بهذا نفسي والله، فأنا أولكم، إذا أردت أن تعصي الله فلا تأكل من رزق الله! قال الرجل: سبحان الله! وهل الأرزاق كلها إلا من الله يا إبراهيم؟! فقال له: فهل يجدر بك أن تأكل رزقه وتعصيه؟! دع عنك ما قد فات في زمن الصبا واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب لم ينسه الملكان حين نسيته بل أثبتاه وأنت لاه تلعب والروح منك وديعة أودعتها ستردها بالرغم منك وتسلب وغرور دنياك التي تسعى لها دار حقيقتها متاع يذهب الليل فاعلم والنهار كلاهما أنفاسنا فيها تعد وتحسب إذا أردت أن تعصي الله فلا تأكل من رزق الله! قال: كيف ذلك والأرزاق كلها لله؟ ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦]، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨]، لا تأكل رزق الله إذا أردت أن تعصي الله، قال: كيف ذلك والأرزاق كلها بيد الله؟! قال: وهل يجدر بك أن تأكل رزقه وتعصيه؟! قال: لا، هات الثانية.
قال إبراهيم: أما الثانية: إن أردت أن تعصي الله فابحث عن أرض ليست لله فاعصه هناك؟! ابحث عن مكان ليس ملكاً لله، فكيف تجرؤ على أن تعصي الله في ملكه؟! كيف تجرؤ على أن تدخل بيت ملك من ملوك الأرض أو بيت حاكم من حكام الدنيا وأنت ستعصيه في هذا البيت؟! والله لن تجرؤ على معصيته، وأتحداك أن تجرؤ، بل أتحداك أن تفعل ذلك في بيت رئيس مجلس الإدارة، أو في بيت مدير عام، أو في بيت مدير إدارة، أو في بيت رئيس قسم، أو في مكتب مسئول صغير، أتحداك أن تعصيه في مكتبه! فإن أردت أن تعصي الله ففتش عن أرض ليست ملكاً لله فاعص الله هنالك! فقال الرجل: يا إبراهيم! الأرض كلها لله، ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ [الأعراف:١٢٨]، فكيف تقول لي هذا؟! فقال إبراهيم: فهل يجدر بك أن تعصي الله في ملك الله؟! فكر -يا أخي- هل يجدر بك أن تعصي الله في ملك الله جل وعلا؟! قال الرجل: هات الثالثة يرحمك الله.
قال: أما الثالثة: إذا أردت أن تعصي الله جل وعلا فابحث عن مكان أمين لا يراك الله فيه! أمسك أعرابي أعرابية في الصحراء، وأراد أن يفعل بها المعصية، فقالت له هذه المعلمة المربية التي أرادت أن تربيه على مراقبة الله: اذهب وانظر هل يرانا أحد؟ هل نام الناس؟ هل اطمأن الجميع وهجع الجميع في خيامه؟ فانطلق الرجل وعاد إليها فرحاً مسروراً بلذة سيجني ثمارها المرة بعد حين! قال: أبشري لا يرانا أحد، نام الجميع ولا يرانا إلا الكواكب، فقالت له: وأين مكوكبها؟! أين الله؟! إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما يخفى عليه يغيب ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧]، معهم أينما كانوا بسمعه، معهم أينما كانوا ببصره، معهم أينما كانوا بعلمه، فإذا أردت أن تعصي الله ففتش عن مكان أمين لا يراك فيه الله ! أراد أستاذ فطن ذكي أن يربي تلاميذه على المراقبة لله، فدفع لكل تلميذ طائراً وقال: لينطلق كل تلميذ ليذبح طائره في مكان لا يراه فيه أحد، فجاء كل تلميذ بطائره بعدما ذبحه، ودخل على الأستاذ تلميذ نجيب بطائره ولم يذبحه، قال: ما الذي جعلك تأتي بطائرك من غير ذبح؟ قال: يا أستاذي! لقد أمرتنا أن نفتش عن مكان لا يرانا فيه أحد، وما من مكان أذهب إليه إلا والله يراني فيه، فعدت به هكذا.
إنها المراقبة لله، إن أردت أن تعصي الله ففتش عن مكان أمين لا يراك الله فيه، فقال الرجل: كيف يا إبراهيم والله يقول: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩]؟! فقال إبراهيم: فهل يجدر بك أن تعصي الله وأنت على يقين أن الله يراك؟! قال: يرحمك الله هات الرابعة.
قال: أما الرابعة: إذا أردت أن تعصي الله، وجاءك ملك الموت فقل له: أخر قبض روحي حتى أتوب إلى الله! قال: كيف ذلك والله جل وعلا يقول: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤]؟! قال: أنت تعلم ذلك، وكيف تريد النجاة؟! تعلم أن الموت يأتي بغتة، وتعلم أن ملك الموت لا ينتظر أحداً، ولا يترك شاباً ولا شيبة، ولا رجالاً ولا نساءً ولا صغاراً ولا كباراً.
أين الظالمون وأين التابعون لهم في الغي بل أين فرعون وهامان أين من دوخوا الدنيا بسطوتهم وذكرهم في الورى ظلم وطغيان هل أبقى الموت ذا عز لعزته أو هل نجى منه بالسلطان إنسان لا والذي خلق الأكوان من عدم الكل يفنى فلا إنس ولا جان إذا جاءك ملك الموت -أيها العاصي، أيها المسرف على نفسك بالذنوب- فلا تستجب! قل: لا.
لن أستجيب لك يا ملك الموت! أو قل: انظرني إلى أجل معدود، لماذا؟ لأعود إلى الله، ولأتوب إلى الله، ولأرجع إلى الله، كلا ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]، إنها كلمة حقيرة لا وزن لها عند الله، لا يستجيبها الله، لقد أمهلك الله، لقد أنزل الله إليك الكتب، وأرسل الله إليك الرسل، وبعث الله إليك العلماء والدعاة فسخرت منهم، واستهزأت بهم، وصددت عن سبيل الله، ووقفت حجر عثرة في دعوة الله، وفي طريق الدعاة إلى الله.
واليوم لما عاينت الحقائق ورأيت الحق الذي لا خفاء فيه تقول: (رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي) هو لا يدري إن كان سيعمل أو لا يعمل، وإنما يقول: (لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا) فعلم الله كذبه، وعلم الله نفاقه، فقال جل وعلا: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠].
قال: هات الخامسة يا إبراهيم! قال: أما الخامسة: إذا أردت أن تعصي الله، فإذا جاءتك زبانية جهنم ليسوقوك إلى العذاب فلا تذهب معهم! فبكى الرجل وانطلق وهو يصرخ ويقول: أستغفر الله وأتوب إليه، أستغفر الله وأتوب إليه، اللهم اغفر لنا وراحمنا يا أرحم الراحمين.
стр. 446
اغتنم لحظات عمرك فالموت يأتي بغتة
أيها الأحبة الكرام! أيها الإخوة الكرام! كم من أحبابنا وإخواننا اليوم يتمرغ في نعم الله، ويعيش في نعيم الله وهو مع ذلك مصر على معصية الله، لماذا؟ يقول: أنا لازلت شاباً! إن شاء الله تعالى إن كبر سني سأتوب إلى الله، ولن أترك المساجد أبداً! فنقول: إن الموت لا يترك صغيراً ولا كبيراً، والله لا يضمن أحد أن يعيش إلى الغد، قال عبد الله بن عمر: (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء).
إن الموت هو الحق أيها الأحبة! ذكر نفسك بهذه الحقيقة التي سماها الله في القرآن بالحق، قال سبحانه: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق:١٩]، والحق أنك تموت، والله حي لا يموت، والحق أن ترى عند موتك ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب، والحق أن يكون قبرك روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران.
﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩]، أي: ذلك ما كنت منه تهرب.
تحيد إلى الطبيب إذا جاءك المرض خوفاً من الموت، وتحيد إلى الطعام إذا أحسست بالجوع خوفاً من الموت، وتحيد إلى الشراب إذا أحسست بالظمأ خوفاً من الموت، ولكن ثم ماذا؟! أيها القوي الفتي! يا أيها الحاكم! يا أيها الكبير! يا أيها الصغير! يا أيها الفقير! كل باك فسيبكى، وكل ناع فسينعى، وكل مدخور سيفنى، وكل مذكور سينسى، ليس غير الله يبقى، من على فالله أعلى.
انظر إليه: هو من هو؟! هو صاحب الجاه والسلطان، والأموال، والوزارة، والملك، نام على فراش الموت! الأطباء من حول رأسه، كل يبذل له الرقية، كل يبذل له العلاج، ولكنهم يريدون شيئاً، وملك الملوك قد أراد شيئاً آخر، ﴿وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨]، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
انظر إليه لقد اصفر وجهه، وشحب لونه، وبردت أطرافه، وتجعد جلده، وبدأ يحس بزمهرير قارس يزحف إلى يديه وقدميه، يحاول جاهداً أن يحرك شفتيه بكلمة التوحيد، فيحس أن الشفة كالجبل لا تريد أن تتزحزح إلا لمن يسر الله له النطق بلا إله إلا الله، فينظر في لحظة صحوه بين السكرات والكربات، ينظر إلى أهله، وإلى الأطباء من فوق رأسه، وإلى إخوانه، وإلى أحبابه، ويقول بلسان الحال، بل وبلسان المقال: يا أحبابي! يا إخواني! لا تتركوني وحدي، ولا تفردوني في لحدي، افدوني بأعماركم، أنا صاحب الجاه، أنا صاحب السلطان، أنا الذي بنيت لكم القصور، أنا الذي عمرت لكم الدور، أنا الذي نميت التجارة، فمن منكم يزيد في عمري ساعة أو ساعتين؟ وهنا يعلو صوت الحق: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٨٣ - ٩٦].
سبحانك يا من أذللت بالموت رقاب الجبابرة! سبحانك يا من أنهيت بالموت آمال القياصرة! سبحانك يا من نقلت بالموت الأكاسرة والأكابرة والأباطرة من القصور إلى القبور! ومن ضياء المهود إلى ظلمة اللحود! ومن ملاعبة النساء والجواري والغلمان إلى مقاساة الهوان والديدان! ومن التنعم بألوان الطعام والشراب إلى التمرغ في ألوان الوحل والتراب!
стр. 447
مواعظ شعرية
سفري بعيد وزادي لن يبلغني وقوتي ضعفت والموت يطلبني ولي بقايا ذنوب لست أعلمها الله يعلمها في السر والعلني أنا الذي أغلق الأبواب مجتهداً على المعاصي وعين الله تنظرني ما أحلم الله عني حيث أمهلني وقد تماديت في ذنبي ويسترني كأنني بين تلك الأهل منطرحاً على الفراش وأيديهم تقلبني وقد أتوا بطبيب كي يعالجني ولم أر الطب اليوم ينفعني واشتد نزعي وصار الموت يجذبها من كل عرق بلا رفق ولا هون كأنني وحولي من ينوح ومن يبكي علي وينعاني ويندبني وقام من كان احب الناس في عجل نحو المغسل يأتيني يغسلني فجاءني رجل منهم فجردني من الثياب وأعراني وأفردني وأودعوني على الألواح منطرحاً وصار فوقي خرير الماء ينظفني وأسكب الماء من فوقي وغسلني غسلاً ثلاثاً ونادى القوم بالكفن وحملوني على الأكتاف أربعة من الرجال وخلفي من يشيعني وقدموني إلى المحراب وانصرفوا خلف الإمام فصلى ثم ودعني صلوا علي صلاة لا ركوع لها ولا سجود لعل الله يرحمني وأنزلوني إلى قبري على مهل وقدموا واحداً منهم يلحدني فكشف الثوب عن وجهي لينظرني فأسكب الدمع من عينيه أغرقني وقال هلوا عليه الترب واغتنموا حسن الثواب من الرحمن بالمنن وأخرجوني من الدنيا فوا أسفاه على رحيل بلا زاد يبلغني يا نفس كفي عن العصيان واغتنمي حسن الثواب من الرحمن بالمنن وقال آخر: يا نفس قد أزف الرحيل وأظلك الخطب الجليل فتأهبي يا نفس لا يلعب بك الأمل الطويل فلتنزلن بمنزل ينسى الخليل به الخليل وليركبن عليك فيه من الثرى ثقل ثقيل قرن الفناء بنا جميعاً فما يبقى العزيز ولا الذليل أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 448
باب التوبة مفتوح
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه ومن والاه.
أما بعد: فيا أيها الأحبة في الله! ثالثاً: باب التوبة مفتوح.
هيا يا من رق قلبك، وخشعت جوارحك، ودمعت عينك، تب إلى الله، وعاهد ربك من الآن على التوبة، على ترك المعاصي، على ترك الذنوب، على السير على طريق الحبيب المحبوب محمد ﷺ ، فإن الدنيا -والله- مهما طالت فهي قصيرة، ومهما عظمت فهي حقيرة.
هيا تب إلى الله، واعلم بأن الله -وهو الغني عن العالمين- سيفرح بتوبتك، سيفرح بأوبتك، سيفرح بعودتك، اسمع لربك وهو ينادي عليك: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
واسمع إلى الله وهو ينادي عليك في الحديث القدسي الذي رواه مسلم والترمذي واللفظ للترمذي من حديث أنس: (يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة).
ووالله ما من يوم يمر، وما من ليلة تمر، إلا وربك يتنزل إلى السماء الدنيا تنزلاً يليق بكماله وجلاله كما في صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري: (يتنزل ربك ويقول: أنا الملك، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر).
فعد إليه، ليجدك ربك ساجداً بين يديه، متضرعاً متذللاً على أعتابه، لتناجيه ولترفع إليه أكف الضراعة، فإن الله يفرح بأوبتك، ويفرح بتوبتك، وهو الغني عن العالمين، لا تنفعه الطاعة، ولا تضره المعصية، (إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها) وذلك في يوم القيامة، فتب إلى الله.
стр. 449
قصة تائب
أقص عليكم قصة تائب؛ لأن كثيراً من الناس الآن يحول الشيطان بينه وبين التوبة بحجة أنه قد أسرف على نفسه بالمعاصي والذنوب، ويقول لنفسه: كيف تعود إلى الله وقد أسرفت على نفسك بالمعاصي؟! كيف ترجع؟! كيف تتوب؟! وهل يقبل الله منك التوبة؟! نعم يا أخي! الله يقبل منك التوبة إن صحت توبتك، وحققت لها الشروط، فأقلعت عن الذنب، وندمت على ما فعلت، واستغفرت الله، وأكثرت من العمل الصالح، قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فعد إليه وأنت على يقين بأن الله سيغفر لك ما دمت قد حققت شروط التوبة النصوح.
إنها قصة شاب من السعودية ما ترك كبيرة من الكبائر إلا وارتكبها، ما من ليلة تمر عليه إلا وهو يترنح بين كئوس الخمر، وأحضان الزواني، ولما رآه أهله هكذا قالوا: نزوجه لعل الله أن يمن عليه بالهداية والتوبة، وأن يستقيم على طريق الطاعة، فزوجوه، واختاروا له فتاة جميلة على دين، ولكنه لازال منغمساً في شهواته ونزواته والعياذ بالله، ما من ليلة إلا ويترك زوجته ليذهب ويبحث عن أخرى والعياذ بالله! وظل على هذا الحال إلى أن رزقه الله من هذه الزوجة بفتاة صغيرة جميلة، وكبرت هذه الفتاة حتى بلغت الرابعة من عمرها، وكانت تسأل عن أبيها: أين أبي في الليل؟! أين هو؟! وأمها تعلم، ولكنها تخفي عنها الجواب، وفي ليلة من الليالي عاد هذا الشاب بشريط جنسي داعر، ودخل فاطمأن، نظر إلى زوجته فرآها نائمة، ونظر إلى ابنته فرآها نائمة، فدخل إلى غرفته المجاورة بعدما اطمأن إلى أن البيت كله قد هجع ونام، وأدخل هذا الشريط القذر، الذي ابتليت به كثير من بيوت المسلمين في هذه الأيام ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وأدخل الشريط في هذا الجهاز الخطير، في جهاز الفيديو، وجلس أمام هذا الشريط بعدما فعل وشرب ولا حول ولا قوة إلا بالله.
واستيقظت الفتاة الصغيرة من نومها، فرأت نوراً في الغرفة إلى جوار غرفة أمها، فتسللت من الفراش كتسلل القطا، ودخلت على أبيها الذي فوجئ بها أمامه، وإذ بهذه الفتاة يلقي الله على لسانها كلمة عجيبة، نظرت إلى أبيها الذي أذهلته المفاجأة، ونظرت إلى التلفاز فرأت مشهداً مروعاً، بكت ثم قالت لأبيها: يا أبتي! أتريد أن تدخلنا جميعاً النار معك؟! وكأن هذه الكلمة كانت بمثابة النور الذي بدد هذا الظلام في هذا القلب المظلم، وقعت الكلمة على وتر حساس، ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤].
إن الهداية بيد الله، وإن الفضل بيد الله؛ لذا أذكر أحبابي الشباب من أهل الطاعة والسنة والالتزام، إياك أن تحتقر عاصياً، وإياك أن تسب أحداً؛ لأنك لا تعلم بأي شيء سيختم لك، وبأي شيء سيختم له، فإن الأمر لله، ﴿إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران:٧٣]، أسأل الله أن يختم لي ولكم بخاتمة التوحيد.
وقعت هذه الكلمة على قلب الرجل كالماء البارد، أو كحبات الندى على زهرة ظمأى، تفتح القلب، فقام واحتضنها وقبلها بين عينيها، وقال لها: والله لقد آن! والله لقد آن! وسمع المؤذن يؤذن لصلاة الفجر فخرج إلى المسجد المجاور، وشاء الله أن يتلو الإمام في صلاة الفجر: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣]، وبكى هذا التائب بكاءً طويلاً، وبكّر بعد الشروق إلى عمله، فعجب إخوانه في العمل لماذا جاء اليوم مبكراً؟! فأخبرهم بقصته، فقال له رئيسه: فلتعد اليوم إلى بيتك، فإني أرى الإرهاق ظاهراً عليك، فعاد الرجل إلى بيته -أيها الأحبة- فسمع بكاءً وعوياً وصراخاً، فلما دخل قال: ما الخبر؟! قالوا: لقد ماتت ابنتك! الله أكبر! لقد ماتت ابنتك، فبكى الرجل بكاءً طويلاً، وأصر على أن يحتضنها في صدره، وأن ينطلق بها ليضعها في قبرها في مثواها الأخير، قالوا: لا تفعل.
قال: أريد أن أودع النور الذي أخرجني من الظلمات إلى النور! وكانت هي التوبة، عاد إلى الله، ووالله إنه الآن ممن يتحرك لدعوة الله ولدين الله .
أيها الأحبة الكرام! توبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون! واعلموا بأن الله تواب رحيم، واعلموا أن الله غفور كريم.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع المبارك ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا ثبته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين! اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً.
اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم اجعل مصر واحة من الأمن والأمان، اللهم لا تحرم مصر من الأمن والأمان، اللهم لا تحرم مصر من التوحيد والموحدين، الله اجعل مصر سخاءً رخاءً وسائر بلاد الإسلام، اللهم رد الأمة إليك رداً جميلاً برحمتك يا أرحم الراحمين! أيها الأحبة! هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 450
الوفاء بالعهد
الوفاء بالعهد وصدق الوعد من صفات الأنبياء والصالحين، ولهذا مدح الله من كان كذلك، وأمر بهما، وجعل نقض العهد وإخلاف الوعد من صفات المنافقين التي يجب الحذر منها!
стр. 451
صدق الوعد خصلة كريمة من خصال الأنبياء ﵈
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: أحبتي في الله! مع اللقاء التاسع والعشرين وما زلنا بحول الله وطوله ومدده نطوف في بستان سورة مريم، ومع قول الحق ﵎: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم:٥٤ - ٥٥].
نحن في هذا الدرس على موعد مع نبي ورسول كريم من رسل الله جل وعلا، مع إسماعيل ﵇، وإسماعيل هو والد العرب جمعياً، اصطفاه الله من ولد إبراهيم، كما ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم أنه ﷺ قال: (إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل).
ولقد أثنى الله جل وعلا على إسماعيل بصدق الوعد، فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم:٥٤].
وصدق الوعد أيها الأحباب! خصلة كريمة من خصال الإيمان، وخلق عظيم من أخلاق الإسلام، عز وجوده وندر في هذه الأيام، فكم من وعود معسولة! وكم من عهود مسموعة ومرئية ومنقولة! ولكن أين الوفاء بالعهد؟! وأين صدق الوعد والوعود؟! فإن كثيراً من الناس في هذه الأيام يشبه حاله تماماً بما حكوه عن جحا وساقيته، فلقد زعموا أن جحا صنع ساقية تأخذ الماء من النهر وترد نفس الماء إلى نفس النهر؛ فعجب الناس لـ جحا وقالوا له: عجباً لك يا جحا! ما الذي دعاك إلى ذلك؟! ما الفائدة من ساقية تأخذ الماء من النهر وترد نفس الماء إلى نفس النهر؟! فقال جحا: يكفيني نعيرها، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فكم من الناس من يتكلم؟ وكم من المسئولين من يَعِد؟ وكم من المسئولين من يتعهد لله وللناس؟ ولكن أين صدق الوعود؟! وأين الوفاء بالعهود؟! لذا أثنى الله جل وعلا على إسماعيل بصدق الوعد؛ لخطورة هذه الخصلة وهذا الخلق فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٤].
قال أئمة التفسير: إن الله جل وعلا أثنى بهذا على إسماعيل؛ لأنه ما من عهد عاهد به ربه إلا وصدق في عهده ووعده لربه جل وعلا، فهو الذي وعد الخليل ﷺ أن يجده صابراً إذا ما جاء لينفذ فيه أمر الله بالذبح، كما قال الله عنه: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢]، والدليل على أنه وفى بوعده قول ربه جل وعلا: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٣]، عاهد ربه فوفى بعهده ووعده لله ، لذا أثنى الله عليه بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم:٥٤].
وصدق الوعد أيها الأحبة! مدح الله جل وعلا به المتقين الصادقين، كما في آية البر الجامعة التي في سورة البقرة، يقول الحق ﵎: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧].
والشاهد في قوله: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة:١٧٧] وهذه صفة من صفات المتقين الصادقين، ولذا قال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧].
وكفى أن نعلم بأن إخلاف الوعد وعدم الوفاء بالعهد من خصال المنافقين عياذاً بالله! فمن أخلف وعده وغدر بعهده فقد اتصف بصفة من صفات المنافقين، والعياذ بالله!
стр. 452
أنواع النفاق وعلاماته
جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً).
فانتبهوا يا عباد الله! واحذروا من هذه الخصال، وتعرف أيها الأخ على نفسك أين أنت؟ وهل أنت من المؤمنين الصادقين، أم أنت -والعياذ بالله- من المنافقين؟ فقد تكون فيك خصلة من خصال النفاق وأنت لا تدري، فإن النفاق هو الداء العضال الذي قد يقع الرجل فيه وهو لا يشعر.
النوع الأول: النفاق الأكبر، وصاحبه مخلد في الدرك الأسفل من النار، وهو: أن يظهر الإسلام ويبطن الكفر، والعياذ بالله! النوع الثاني: نفاق العمل، وهو: أن يظهر الإنسان علانية خيرة -نسأل الله لنا ولكم العفو والعافية- وأن يبطن الشر والسوء، والعياذ بالله! فالنفاق هو الداء العضال الذي قد يمتلئ منه الرجل وهو لا يدري ولا يشعر، فانتبهوا يا عبد الله! لتتعرف على حالك أين أنت من كتاب الله جل وعلا؟ وهل أنت من المؤمنين الصادقين المتقين؟ أو أنك -والعياذ بالله- من أهل النفاق؟ وانتبه! لقول النبي ﷺ الذي رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه ﷺ قال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب)، فهل أنت من الصادقين في القول، أم أنت غير ذلك والعياذ بالله؟ هذه الأربع: (إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر)، هذه هي صفات وخصال أهل النفاق: إذا حدث فهو كاذب، وإذا عاهد فهو من الغادرين، وإذا خاصم فهو من الفاجرين، وإذا اؤتمن لم يؤد الأمانة.
وفي الرواية التي جاءت عن أبي هريرة ﵁ والتي رواها البخاري ومسلم: أنه ﷺ قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)، وفي رواية لـ مسلم: (إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم)، أي: فهو منافق.
إذا اختلت ثقة الإنسان في وعود وعهود إخوانه من المسلمين اختل الكيان، وتخلخل بناء الأمة، وضاع فيها الأمن والأمان، فكم من المسلمين من يحدث وهو كاذب؟ وكم من المسلمين من يعد وهو خائن؟ وكم من المسلمين من يعاهد وهو غادر؟ كم أعطى من الوعود والعهود وبعدها غدر بأصحابها؟ وكم من وعود معسولة؟ وكم من عهود مسموعة ومرئية ومنقولة؟ ولكن أين صدق الوعد؟ وأين الوفاء بالعهد؟ لقد ضاعت هذه الخصلة وضاع هذا الخلق بين المسلمين إلا من رحم الله جل وعلا.
فرواية أبي هريرة: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)، ورواية عبد الله بن عمرو بن العاص أنه ﷺ قال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر) والعياذ بالله! والروايتان في الصحيح.
стр. 453
خوف السلف من النفاق
والله لقد مزق الخوف من النفاق قلوب السابقين الأولين، وهم من هم في الصدق والوفاء! مزق الخوف من النفاق قلوبهم، فهذا فاروق الأمة عمر بن الخطاب الذي قال في حقه المصطفى ﷺ : (لقد أجرى الله الحق على لسان عمر وقلبه)، انظر إلى هذه الشهادة التي شهدها الرسول ﷺ لـ عمر! فهو الذي وصفه القرآن من فوق سبع سموات، ونزل القرآن من عند الله موافقاً لرأي عمر في أكثر من موضع، ويوم أن قام النبي ﷺ ليصلي على رأس النفاق عبد الله بن أبي ابن سلول جذبه عمر بن الخطاب بثوبه، وقال: لا تصل عليه يا رسول الله! أنسيت ما صنع؟! لقد صنع كذا في يوم كذا، وكذا في يوم كذا، وجاذب عمر ثوب الرسول ﷺ فجذب رسول الله ثوبه وقال: (دعني يا عمر! فلقد خيرني الله جل وعلا بين أن أستغفر لهم أو لا أستغفر لهم) ثم صلى الرسول ﷺ على رأس النفاق، وينزل القرآن على الحبيب ﷺ موافقاً لرأي عمر ﵁، وهو قول الله جل وعلا: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤]، فنزل القرآن موافقاً لرأي عمر، ويوم أن قال عمر برأيه في أسرى بدر نزل القرآن موافقاً أيضاً لرأي عمر.
ويوم أن نظر عمر إلى المنافقين وهم ينظرون إلى نساء رسول الله ﷺ غضب وأخذته الغيرة، وقال لرسول الله: (احجب نساءك يا رسول الله! فإن المنافقين ينظرون إليهن) فنزلت آيات الحجاب، وحجب الرسول نساءه، وكم من الآيات والمواقف التي نزل فيها القرآن موافقاً لرأي عمر ﵁؟ فـ عمر هو الفاروق الذي فرق الله به بين الحق والباطل، وعمر هو الذي يقول في حقه رسول الله: (لو كان نبياً بعدي لكان عمر).
ويوم أن سمع عمر ﵁ أن النبي ﷺ قد أخبر حذيفة بن اليمان -وهو أمين سر رسول الله ﷺ بأسماء المنافقين ذهب إلى حذيفة ﵁ ويقول له: (نشدتك الله يا حذيفة! هل سماني لك رسول الله في أسماء المنافقين؟).
عمر بن الخطاب يخشى ويخاف على نفسه النفاق، فقال: (نشدتك الله يا حذيفة! هل سماني لك رسول الله في المنافقين؟ فيرد عليه حذيفة ويقول: لا، ولا أزكي بعدك أحداً) عمر مزق الخوف من النفاق قلبه وقلوب السابقين الصادقين، حتى أساءوا الظن بأنفسهم، وخشوا أن يكونوا من المنافقين، والعياذ بالله! ولقد ثبت في صحيح مسلم من حديث حنظلة الأسيدي ﵁ أنه مر عليه الصديق يوماً فوجده يبكي، فسأله الصديق: لماذا تبكي يا حنظلة؟ فرد عليه حنظلة بقوله: نافق حنظلة يا أبا بكر! فقال: ومم ذاك؟ قال حنظلة: نكون عند رسول الله ﷺ فيذكرنا بالجنة والنار كأنهما رأي العين، حتى إذا ما عدنا إلى بيوتنا عافسنا الأزواج والصبية فنسينا كثيراً -أي: إذا عدنا إلى البيوت وتركنا رسول الله ﷺ نسينا كثيراً من الخشوع والخضوع والبكاء والذل لله جل وعلا- فنظر الصديق ﵁ إلى حنظلة وقال: وأنا أجد مثل ذلك.
فانطلقا إلى رسول الله ﷺ ، فسأل الحبيب حنظلة: وقال: (ما يبكيك يا حنظلة؟!)، فقال حنظلة: نافق حنظلة يا رسول الله! فسأله النبي ﷺ فذكر له ما ذكره لـ أبي بكر فقال الحبيب ﵊: (لو تدومون على الحالة التي تكونون بها عندي لصافحتكم الملائكة في مجالسكم وعلى الطرقات، ولكن ساعة وساعة)، أي: لو تدومون على هذا الحال من الخشوع والخضوع والذل والانكسار للكبير المتعال لأصبحتم كالملائكة، وبمعنى أدق: لصافحتكم الملائكة في مجالسكم، وفي الطرقات، ولكن ساعة وساعة.
стр. 454
معنى حديث: (ساعة وساعة)
وهنا وقفة؛ لأن كثيراً من المسلمين يأخذون هذه القولة في هذا الحديث المبارك ويقولون: ساعة وساعة، بمعنى: ساعة لشهواتك وملذاتك ومعاصيك، وساعة لربك جل وعلا، فإذا ما ذهبت إليه لتذكره بالله ولتأمره بالمعروف ولتنهاه عن المنكر قال لك: يا أخي! ساعة وساعة، فلا تشدد علينا، وإذا ما قلت له: صل، وإذا ما قلت له: زك، وإذا ما قلت له: لا تسبل الثوب، وإذا ما قلت له: لا تحلق اللحية، نظر إليك وقال: يا أخي! لا تشدد علينا؛ فإن الأمر يسير، ألم يقل رسول الله: (ساعة وساعة)؟! ومثل هذه الفتاوى جاهزة ومعدة.
وإذا ما قلت له: اتق الله! قال لك: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وإذا ما قلت له: اتق الله! ولا تشرب الخمر، قال لك: ليست خمراً، ولكنها مشروبات روحية! وإذا ما قلت له: اتق الله ولا تأكل الخنزير لأنه حرام، قال لك: الخنزير المحرم هو الخنزير الذي كان في أرض الجزيرة يوم أن نزل القرآن؛ وكان خنزيراً هزيلاً، أما خنازير اليوم -وما أكثرها! - فهي تربى في المصحات، ويشرف عليها الأطباء، فلمَ لا نأكلها؟!! وأصبح الحال كما قال الشاعر: إن قلت قال الله قال رسوله همزوك همز المنكر المتغالي أو قلت قد قال الصحابة والأولو تبع لهم في القول والأعمال أو قلت قال الشافعي وأحمد وأبو حنيفة والإمام العالي صدوك عن وحي الإله ودينه واحتالوا على حرام الله بالإحلال يا أمة لعبت بدين نبيها كتلاعب الصبيان في الأوحال حاشا رسول الله يحكم بالهوى والجهل تلك حكومة الضلال وإنما المراد بقوله: (ساعة وساعة)، أي: ساعة لمعاشك، وساعة لمعادك، فلا مانع من أن تداعب زوجك وولدك، ولا مانع من أن تمكث مع أولادك ومع زوجتك أو زوجاتك ساعة لتخفف عليهم، أو أن تمكث في الأرض أو تسيح في الأرض لتحصل رزقك من الحلال، وبعدها تتفرغ لعبادة الله جل وعلا، فساعة لدنياك، وساعة لأخراك، ساعة لمعاشك وساعة لمعادك، أما أن تجلس أمام المسلسلات الفاجرة والأفلام الداعرة وأنت تقول: قال رسول الله: (ساعة وساعة)، فهذا فهم مقلوب، ما قاله الرسول ﷺ أبداً.
стр. 455
مواقف ضرب فيها السلف أروع الأمثلة في صدق الوعد
فصدق الوعد خصلة كريمة وصفة حميدة من صفات الإيمان، وخلق عظيم من أخلاق الإسلام، ولا أنسى وأنا أتحدث في هذا المقام عن صدق الوعود وعن الوفاء بالعهود أن أذكِّر بخيرة الرجال الأبطال، الذين رباهم سيد الناس محمد ﷺ فضربوا للبشرية إلى يوم القيامة أروع الأمثلة في صدق الوعد والوفاء بالعهد، فهؤلاء الأنصار ﵃ وأرضاهم عاهدوا الرسول ﷺ وبايعوه على الصدق فصدقوا، وعاهدوه على نصرته فنصروه.
وأضرب مثالين اثنين في ذلك:
стр. 456
صدق سعد بن الربيع مع الله ورسوله
المثال الأول: ما ذكره ابن سعد في (الطبقات) وابن إسحاق في (السيرة) وابن عبد البر في (الاستيعاب) والإمام مالك وابن حجر في (الإصابة) وغير هؤلاء: أن زيد بن ثابت ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ يوم أحد: (انطلق يا زيد! إلى سعد بن الربيع -وهو الأنصاري الخزرجي ﵁ فانظر أهو في الأحياء أم في الأموات؟ وأقرئه مني السلام، قال زيد بن ثابت: فانطلقت فوجدت سعدا في آخر رمق من الحياة، فاقتربت منه وقلت له: يا سعد! لقد أمرني رسول الله ﷺ أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟ وأن أقرئك منه السلام، فنظر سعد وقال: بل أنا في الأموات يا زيد! وأبلغ رسول الله مني السلام، وقل له: يقول لك: سعد بن الربيع: جزاك الله عنا خير ما جزى الله نبياً عن أمته ورسولاً عن رسالته، ثم قال سعد: يا زيد! وأبلغ القوم مني السلام، وقل لهم: يقول لكم سعد بن الربيع: لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى رسول الله مكروه وفيكم عين تطرف).
أي رجال هؤلاء؟! وأي عظمة هذه؟! يموت سعد وهو يقول: (بلغ رسول الله مني السلامة، وقل له: جزاك الله عنا خير ما جزى الله نبياً عن أمته ورسولاً عن رسالته، وبلغ القوم مني السلام يا زيد! وقل لهم: لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى رسول الله مكروه وفيكم عين تطرف!
стр. 457
صدق عبد الله بن عبد الله بن أبي مع الله ورسوله
المثال الثاني: ما رواه ابن جرير بسنده عن ابن زياد: أن الرسول ﷺ دعا عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول وقال له الرسول: (يا عبد الله! أسمعت ما قاله أبوك؟ فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! وما قال أبي؟ فقال الرسول ﷺ : إنه قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل!)، فنظر عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول وقال للرسول ﷺ : (كذب والله أبي يا رسول الله! فأنت الأعز وهو الأذل، ثم قال للحبيب ﵊: يا رسول الله! والله لقد أتيت المدينة ولا يوجد بها من هو أبر بأبيه مني، أما وقد قال ما قال فلتسمعن ما يسرك يا رسول الله!).
وصدق مع الحبيب ﷺ ، فخرج عبد الله ﵁ ووقف على باب المدينة، وجاء رأس النفاق أبوه عبد الله بن أبي ابن سلول فوقف أمامه ابنه وولده وقال له: إلى أين؟ فقال أبوه: إلى داري، فنظر إليه ابنه عبد الله وقال: (والله لا يأويك ظلها، ولا تبيتن الليلة فيها إلا بأمر من الله ورسوله!).
إنها العظمة! وأي كلمات نستطيع أن نعبر بها عن هؤلاء العمالقة الأطهار الأبرار الذين رباهم النبي ﷺ ؟! فيصرخ أبوه عبد الله: يا للخزرج! يا للخزرج! ابني يمنعني داري! فما الذي حدث؟ وما هذا الذي تحول؟ لقد تحولت العقول والقلوب يوم أن استقر الإيمان فيها، ويوم أن تمكنت العقيدة منها، تغيرت العقول كلية، وتغيرت القلوب كلية، إنها اللمسة الخفيفة التي تحول القلوب العادية المظلمة الكافرة إلى قلوب سكن فيها حب الله وحب رسوله ﷺ ، فتنظر بعدها إلى الدنيا على أنها حطام وظل زائل، وعارية مسترجعة، لا قيمة لها ولا وزن بجوار حب الله وحب رسول الله ﷺ ، إنها العقيدة التي تحول القلوب، إنه الإيمان الذي يخرج الأطهار والأبرار.
فلما قال له ابنه: (والله لا يأويك ظلها، ولا تبيتن الليلة فيها إلا بأمر من الله ومن رسوله) صرخ عبد الله بن أبي ابن سلول قائلاً: يا للخزرج! ابني -وهو من أبر الناس بأبيه، وقد شهد الأنصار كلهم ببره- يمنعني بيتي! فما الذي حدث؟! وما الذي فعله محمد ﷺ في هذه العقول والقلوب؟! إنه الإيمان والعقيدة إنها (لا إله إلا الله) بمعناها ومقتضاها، ويذهب الناس إلى عبد الله ويقولون له: يا عبد الله! هذا أبوك فكيف تمنعه؟! فيقول: والله لا يأويه ظلها، ولا يبيتن الليلة فيها إلا بأمر من الله ومن رسوله، ليعلم من الأعز ومن الأذل؟! فذهب الناس إلى من زكاه ربه في كل شيء.
إلى من زكاه ربه في عقله فقال: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:٢].
وزكاه في علمه فقال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٥].
وزكاه في صدقه فقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣].
وزكاه في فؤاده فقال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١].
وزكاه في بصره فقال: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧].
وزكاه في صدره فقال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١].
وزكاه في ذكره فقال: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:٤].
وزكاه كله فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
ذهب الناس إلى رسول الله ﷺ وقالوا: يا رسول الله! عبد الله يمنع أباه أن يدخل بيته ومنزله! فيرد صاحب الخلق الكريم ويقول لهم: (اذهبوا إلى عبد الله وأخبروه وقولوا له: يقول لك رسول الله: ائذن له أن يدخل بيته)، وهو الذي قال ما قال! إنه الحلم والعفو عند المقدرة والغضب، بأبي هو وأمي، فيأذن عبد الله -بعد أن أتاه الأمر من رسول الله- لأبيه أن يدخل إلى بيته، وهو يقول له: أما وقد جاء الأمر من رسول الله فلتدخل إلى بيتك، لتعلم من الأعز ومن الأذل؟!
стр. 458
ثناء الله على نبيه إسماعيل ﵇ بصدق الوعد
إنه صدق الوعد والوفاء بالعهد، ولو ظللنا نتحدث عن سيرهم وعن قصصهم لوجدنا وسمعنا عجباً! لذا أيها الأحباب! فإن الله أثنى على إسماعيل بصدق الوعد قبل الرسالة والنبوة، وينبغي أن نتوقف عند هذا، يقول : ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم:٥٤]، وبعدها يقول: ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٤].
إذاً: فصدق الوعد أمر خطير، ومقدمة هامة وضرورية لكل نبي ورسول؛ لأن من صفات الأنبياء والمرسلين صدق الوعد والوفاء بالعهد، وهذه صفات أهل الإيمان، ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٤]، وجمع الله لإسماعيل بين الرسالة والنبوة، والرسالة أشمل من النبوة، فإن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً، فشرف الله إسماعيل؛ وجمع له بين النبوة والرسالة فقال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٤]، وانظروا إلى ما يثني الله جل وعلا به على إسماعيل بعد الرسالة والنبوة فيقول: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم:٥٥].
فكان يأمر أهله أن يصلوا، وكان يأمر أهله أن يزكوا، فكان يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، قال الحسن في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ﴾ [مريم:٥٥] أي: قومه؛ لأن النبي بمنزلة الأب لأبنائه، فكان يأمر قومه بالصلاة والزكاة ﴿وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم:٥٥] فأنت مأمور يا عبد الله! أن تأمر أهلك بالصلاة والزكاة، وأن تأمرهم بالمعروف، وأن تنهاهم عن المنكر.
стр. 459
قوا أنفسكم وأهليكم النار فإنهم أمانة في أعناكم
فيا من صلى لله وترك بناته في الجامعات كاسيات عاريات! اتق الله واستح من الله، يا من تصلي لله جل وعلا وزوجتك سافرة.
اتق الله ! واعلم أنهن سيتعلقن برقبتك يوم القيامة، وسيقلن لله جل وعلا: يا رب! ما أمرنا بالمعروف، يا رب! ما نهانا عن المنكر، يا رب! دخل علينا في الليل فوجدنا أمام المسلسلات الفاجرة والأفلام الداعرة فجلس معنا، يا رب! وجدنا لا نصلي فلم يأمرنا، يا رب! وجدنا لا نتقي الله فلم يأمرنا، يا رب! وجدنا كاسيات عاريات فقال: إن البنات إذا بلغن إلى سن معينة فلا ينبغي فيه أن يؤمرن وأن ينهين! فاتق الله واستح من الله يا عبد الله! أما قرأت قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]؟! فبالله عليكم كم من الناس من يصلي وزوجته سافرة؟! وكم من الناس من يصلي وبناته كاسيات عاريات؟! أما تستحي من الله؟! يا من تدخل في الليل فترى بناتك أمام أشرطة الفيديو الداعرة، اتق الله فإنهن سيتعلقن برقبتك أمام الله في يوم قال عنه: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، ورد في سنن البيهقي وغيره أن الحبيب ﷺ قرأ هذه الآيات من سورة التحريم وقال: (اتقوا النار! اتقوا النار! اتقوا النار! فلقد أوقد عليها ألف عام حتى احمرت، وألف عام حتى ابيضت، وألف عام حتى اسودت فهي سوداء مظلمة)، وكان عبد الله بن عمر يقول: (اتقوا النار! فإن حرها شديد، وإن قعرها بعيد، وإن مقامعها حديد).
اؤمر أهلك بالصلاة اؤمر أهلك بالزكاة اؤمر بناتك بالحجاب؛ لأنك مسئول عنهن، فمرهن بالحجاب ولا تدعهن يخرجن كاشفات وسافرات وعاريات، اؤمر أهلك بالمعروف وانههم عن المنكر، كما قال الله عن إسماعيل: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم:٥٥] أي: زاكياً قد ﵁ لأعماله وخصاله، فكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضياً.
أسأل الله جل وعلا أن يجعلني وإياكم ممن قال فيهم: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٨].
وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 460
ثناء الله على نبيه إدريس ﵇ بصدق الوعد
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد: فيا أيها الأحبة! هذا هو قول الله ﵎ عن نبيه ورسوله إسماعيل: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم:٥٤ - ٥٥].
وبعد أن حدثنا الله جل وعلا عن نبيه إسماعيل حدثنا عن نبيه إدريس عليهما الصلاة والسلام، ففي عجالة سريعة أقول: إن نبي الله إدريس -الذي قال الله في حقه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم:٥٦ - ٥٧]- هو من أجداد نوح ﵇، ولقد زعم بعض المؤرخين أنه بعد نوح، ورد هذا الزعم الحافظ ابن كثير وغيره من المؤرخين الثقات، وقال: إن إدريس من أجداد نوح عليهم جميعاً الصلاة والسلام، وهو أول من خط بالقلم، وهو أول من لبس المخيط.
ورفعه الله مكاناً علياً، فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث مالك بن صعصعة ﵁ أنه ﷺ قال: (لما عرج بي إلى السماء أتيت على نبي الله إدريس في السماء الرابعة)، فقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم:٥٧] أي: في السماء الرابعة، وقد التقى الرسول ﷺ في السماء الأولى بآدم ﵇، والتقى في السماء الثانية بيحيى وعيسى ﵉، والتقى في السماء الثالثة بيوسف ﵇، والتقى في السماء الرابعة بإدريس ﵇، والتقى في السماء الخامسة بهارون ﵇، والتقى في السماء السادسة بموسى ﵇، والتقى في السماء السابعة بإبراهيم ﵇.
والحقيقة أيها الأحبة! أن من يطلع على كتب السير والتفاسير يجد من الأساطير والخرافات التي نسجت حول رفع إدريس ما تنوء بحمله الجبال! ولكن أقول: لم يرد في كيفية رفع إدريس خبر صحيح عن الصادق المصدوق محمد ﷺ ، ولذا فسأكتفي بما ورد عن إدريس في القرآن الكريم وهو قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم:٥٦ - ٥٧]، فلا ينبغي أن نلهث وراء هذه الخرافات والأساطير، فما سكت الله عنه وجب أن نسكت عنه، ولو علم الله في ذلك خيراً لذكره لنا، ولو علم رسول الله ﷺ في ذلك خيراً لذكره لنا.
إذاً: إدريس نبي من أنبياء الله جل وعلا، وصفه الله بالصديقية، وتقدم معنى كلمة (صديقاً) عند الكلام على خليل الله إبراهيم.
فإدريس نبي من أنبياء الله، رفعه الله مكاناً علياً، وحدد الرسول ﷺ هذه المكانة العالية بأنه في السماء الرابعة وكفى.
وبعد الحديث عن هذه الكوكبة المشرقة، وعن هذا الركب المضيء من الأنبياء والمرسلين، الذي بدأناه برسول الله ﷺ ثم بالخليل ثم بموسى ثم بإسماعيل وبإدريس، يثني الله ﵎ عليهم جميعاً بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم:٥٨].
فكانوا إذا تليت عليهم آيات الرحمن اقشعرت الجلود، وارتعدت الأفئدة، ولم تسعفهم الكلمات أن يعبروا عن خوفهم وإجلالهم لربهم جل وعلا، فخروا سجداً وهم يبكون من هيبة الله وعظمته .
следующие страницы →