Полный текст (1 901 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
صدق سعد بن الربيع مع الله ورسوله
المثال الأول: ما ذكره ابن سعد في (الطبقات) وابن إسحاق في (السيرة) وابن عبد البر في (الاستيعاب) والإمام مالك وابن حجر في (الإصابة) وغير هؤلاء: أن زيد بن ثابت ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ يوم أحد: (انطلق يا زيد! إلى سعد بن الربيع -وهو الأنصاري الخزرجي ﵁ فانظر أهو في الأحياء أم في الأموات؟ وأقرئه مني السلام، قال زيد بن ثابت: فانطلقت فوجدت سعدا في آخر رمق من الحياة، فاقتربت منه وقلت له: يا سعد! لقد أمرني رسول الله ﷺ أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟ وأن أقرئك منه السلام، فنظر سعد وقال: بل أنا في الأموات يا زيد! وأبلغ رسول الله مني السلام، وقل له: يقول لك: سعد بن الربيع: جزاك الله عنا خير ما جزى الله نبياً عن أمته ورسولاً عن رسالته، ثم قال سعد: يا زيد! وأبلغ القوم مني السلام، وقل لهم: يقول لكم سعد بن الربيع: لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى رسول الله مكروه وفيكم عين تطرف).
أي رجال هؤلاء؟! وأي عظمة هذه؟! يموت سعد وهو يقول: (بلغ رسول الله مني السلامة، وقل له: جزاك الله عنا خير ما جزى الله نبياً عن أمته ورسولاً عن رسالته، وبلغ القوم مني السلام يا زيد! وقل لهم: لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى رسول الله مكروه وفيكم عين تطرف!
стр. 457
صدق عبد الله بن عبد الله بن أبي مع الله ورسوله
المثال الثاني: ما رواه ابن جرير بسنده عن ابن زياد: أن الرسول ﷺ دعا عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول وقال له الرسول: (يا عبد الله! أسمعت ما قاله أبوك؟ فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! وما قال أبي؟ فقال الرسول ﷺ : إنه قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل!)، فنظر عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول وقال للرسول ﷺ : (كذب والله أبي يا رسول الله! فأنت الأعز وهو الأذل، ثم قال للحبيب ﵊: يا رسول الله! والله لقد أتيت المدينة ولا يوجد بها من هو أبر بأبيه مني، أما وقد قال ما قال فلتسمعن ما يسرك يا رسول الله!).
وصدق مع الحبيب ﷺ ، فخرج عبد الله ﵁ ووقف على باب المدينة، وجاء رأس النفاق أبوه عبد الله بن أبي ابن سلول فوقف أمامه ابنه وولده وقال له: إلى أين؟ فقال أبوه: إلى داري، فنظر إليه ابنه عبد الله وقال: (والله لا يأويك ظلها، ولا تبيتن الليلة فيها إلا بأمر من الله ورسوله!).
إنها العظمة! وأي كلمات نستطيع أن نعبر بها عن هؤلاء العمالقة الأطهار الأبرار الذين رباهم النبي ﷺ ؟! فيصرخ أبوه عبد الله: يا للخزرج! يا للخزرج! ابني يمنعني داري! فما الذي حدث؟ وما هذا الذي تحول؟ لقد تحولت العقول والقلوب يوم أن استقر الإيمان فيها، ويوم أن تمكنت العقيدة منها، تغيرت العقول كلية، وتغيرت القلوب كلية، إنها اللمسة الخفيفة التي تحول القلوب العادية المظلمة الكافرة إلى قلوب سكن فيها حب الله وحب رسوله ﷺ ، فتنظر بعدها إلى الدنيا على أنها حطام وظل زائل، وعارية مسترجعة، لا قيمة لها ولا وزن بجوار حب الله وحب رسول الله ﷺ ، إنها العقيدة التي تحول القلوب، إنه الإيمان الذي يخرج الأطهار والأبرار.
فلما قال له ابنه: (والله لا يأويك ظلها، ولا تبيتن الليلة فيها إلا بأمر من الله ومن رسوله) صرخ عبد الله بن أبي ابن سلول قائلاً: يا للخزرج! ابني -وهو من أبر الناس بأبيه، وقد شهد الأنصار كلهم ببره- يمنعني بيتي! فما الذي حدث؟! وما الذي فعله محمد ﷺ في هذه العقول والقلوب؟! إنه الإيمان والعقيدة إنها (لا إله إلا الله) بمعناها ومقتضاها، ويذهب الناس إلى عبد الله ويقولون له: يا عبد الله! هذا أبوك فكيف تمنعه؟! فيقول: والله لا يأويه ظلها، ولا يبيتن الليلة فيها إلا بأمر من الله ومن رسوله، ليعلم من الأعز ومن الأذل؟! فذهب الناس إلى من زكاه ربه في كل شيء.
إلى من زكاه ربه في عقله فقال: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:٢].
وزكاه في علمه فقال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٥].
وزكاه في صدقه فقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣].
وزكاه في فؤاده فقال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١].
وزكاه في بصره فقال: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧].
وزكاه في صدره فقال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١].
وزكاه في ذكره فقال: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:٤].
وزكاه كله فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
ذهب الناس إلى رسول الله ﷺ وقالوا: يا رسول الله! عبد الله يمنع أباه أن يدخل بيته ومنزله! فيرد صاحب الخلق الكريم ويقول لهم: (اذهبوا إلى عبد الله وأخبروه وقولوا له: يقول لك رسول الله: ائذن له أن يدخل بيته)، وهو الذي قال ما قال! إنه الحلم والعفو عند المقدرة والغضب، بأبي هو وأمي، فيأذن عبد الله -بعد أن أتاه الأمر من رسول الله- لأبيه أن يدخل إلى بيته، وهو يقول له: أما وقد جاء الأمر من رسول الله فلتدخل إلى بيتك، لتعلم من الأعز ومن الأذل؟!
стр. 458
ثناء الله على نبيه إسماعيل ﵇ بصدق الوعد
إنه صدق الوعد والوفاء بالعهد، ولو ظللنا نتحدث عن سيرهم وعن قصصهم لوجدنا وسمعنا عجباً! لذا أيها الأحباب! فإن الله أثنى على إسماعيل بصدق الوعد قبل الرسالة والنبوة، وينبغي أن نتوقف عند هذا، يقول : ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم:٥٤]، وبعدها يقول: ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٤].
إذاً: فصدق الوعد أمر خطير، ومقدمة هامة وضرورية لكل نبي ورسول؛ لأن من صفات الأنبياء والمرسلين صدق الوعد والوفاء بالعهد، وهذه صفات أهل الإيمان، ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٤]، وجمع الله لإسماعيل بين الرسالة والنبوة، والرسالة أشمل من النبوة، فإن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً، فشرف الله إسماعيل؛ وجمع له بين النبوة والرسالة فقال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٤]، وانظروا إلى ما يثني الله جل وعلا به على إسماعيل بعد الرسالة والنبوة فيقول: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم:٥٥].
فكان يأمر أهله أن يصلوا، وكان يأمر أهله أن يزكوا، فكان يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، قال الحسن في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ﴾ [مريم:٥٥] أي: قومه؛ لأن النبي بمنزلة الأب لأبنائه، فكان يأمر قومه بالصلاة والزكاة ﴿وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم:٥٥] فأنت مأمور يا عبد الله! أن تأمر أهلك بالصلاة والزكاة، وأن تأمرهم بالمعروف، وأن تنهاهم عن المنكر.
стр. 459
قوا أنفسكم وأهليكم النار فإنهم أمانة في أعناكم
فيا من صلى لله وترك بناته في الجامعات كاسيات عاريات! اتق الله واستح من الله، يا من تصلي لله جل وعلا وزوجتك سافرة.
اتق الله ! واعلم أنهن سيتعلقن برقبتك يوم القيامة، وسيقلن لله جل وعلا: يا رب! ما أمرنا بالمعروف، يا رب! ما نهانا عن المنكر، يا رب! دخل علينا في الليل فوجدنا أمام المسلسلات الفاجرة والأفلام الداعرة فجلس معنا، يا رب! وجدنا لا نصلي فلم يأمرنا، يا رب! وجدنا لا نتقي الله فلم يأمرنا، يا رب! وجدنا كاسيات عاريات فقال: إن البنات إذا بلغن إلى سن معينة فلا ينبغي فيه أن يؤمرن وأن ينهين! فاتق الله واستح من الله يا عبد الله! أما قرأت قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]؟! فبالله عليكم كم من الناس من يصلي وزوجته سافرة؟! وكم من الناس من يصلي وبناته كاسيات عاريات؟! أما تستحي من الله؟! يا من تدخل في الليل فترى بناتك أمام أشرطة الفيديو الداعرة، اتق الله فإنهن سيتعلقن برقبتك أمام الله في يوم قال عنه: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، ورد في سنن البيهقي وغيره أن الحبيب ﷺ قرأ هذه الآيات من سورة التحريم وقال: (اتقوا النار! اتقوا النار! اتقوا النار! فلقد أوقد عليها ألف عام حتى احمرت، وألف عام حتى ابيضت، وألف عام حتى اسودت فهي سوداء مظلمة)، وكان عبد الله بن عمر يقول: (اتقوا النار! فإن حرها شديد، وإن قعرها بعيد، وإن مقامعها حديد).
اؤمر أهلك بالصلاة اؤمر أهلك بالزكاة اؤمر بناتك بالحجاب؛ لأنك مسئول عنهن، فمرهن بالحجاب ولا تدعهن يخرجن كاشفات وسافرات وعاريات، اؤمر أهلك بالمعروف وانههم عن المنكر، كما قال الله عن إسماعيل: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم:٥٥] أي: زاكياً قد ﵁ لأعماله وخصاله، فكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضياً.
أسأل الله جل وعلا أن يجعلني وإياكم ممن قال فيهم: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٨].
وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 460
ثناء الله على نبيه إدريس ﵇ بصدق الوعد
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد: فيا أيها الأحبة! هذا هو قول الله ﵎ عن نبيه ورسوله إسماعيل: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم:٥٤ - ٥٥].
وبعد أن حدثنا الله جل وعلا عن نبيه إسماعيل حدثنا عن نبيه إدريس عليهما الصلاة والسلام، ففي عجالة سريعة أقول: إن نبي الله إدريس -الذي قال الله في حقه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم:٥٦ - ٥٧]- هو من أجداد نوح ﵇، ولقد زعم بعض المؤرخين أنه بعد نوح، ورد هذا الزعم الحافظ ابن كثير وغيره من المؤرخين الثقات، وقال: إن إدريس من أجداد نوح عليهم جميعاً الصلاة والسلام، وهو أول من خط بالقلم، وهو أول من لبس المخيط.
ورفعه الله مكاناً علياً، فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث مالك بن صعصعة ﵁ أنه ﷺ قال: (لما عرج بي إلى السماء أتيت على نبي الله إدريس في السماء الرابعة)، فقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم:٥٧] أي: في السماء الرابعة، وقد التقى الرسول ﷺ في السماء الأولى بآدم ﵇، والتقى في السماء الثانية بيحيى وعيسى ﵉، والتقى في السماء الثالثة بيوسف ﵇، والتقى في السماء الرابعة بإدريس ﵇، والتقى في السماء الخامسة بهارون ﵇، والتقى في السماء السادسة بموسى ﵇، والتقى في السماء السابعة بإبراهيم ﵇.
والحقيقة أيها الأحبة! أن من يطلع على كتب السير والتفاسير يجد من الأساطير والخرافات التي نسجت حول رفع إدريس ما تنوء بحمله الجبال! ولكن أقول: لم يرد في كيفية رفع إدريس خبر صحيح عن الصادق المصدوق محمد ﷺ ، ولذا فسأكتفي بما ورد عن إدريس في القرآن الكريم وهو قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم:٥٦ - ٥٧]، فلا ينبغي أن نلهث وراء هذه الخرافات والأساطير، فما سكت الله عنه وجب أن نسكت عنه، ولو علم الله في ذلك خيراً لذكره لنا، ولو علم رسول الله ﷺ في ذلك خيراً لذكره لنا.
إذاً: إدريس نبي من أنبياء الله جل وعلا، وصفه الله بالصديقية، وتقدم معنى كلمة (صديقاً) عند الكلام على خليل الله إبراهيم.
فإدريس نبي من أنبياء الله، رفعه الله مكاناً علياً، وحدد الرسول ﷺ هذه المكانة العالية بأنه في السماء الرابعة وكفى.
وبعد الحديث عن هذه الكوكبة المشرقة، وعن هذا الركب المضيء من الأنبياء والمرسلين، الذي بدأناه برسول الله ﷺ ثم بالخليل ثم بموسى ثم بإسماعيل وبإدريس، يثني الله ﵎ عليهم جميعاً بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم:٥٨].
فكانوا إذا تليت عليهم آيات الرحمن اقشعرت الجلود، وارتعدت الأفئدة، ولم تسعفهم الكلمات أن يعبروا عن خوفهم وإجلالهم لربهم جل وعلا، فخروا سجداً وهم يبكون من هيبة الله وعظمته .
стр. 461
أحكام سجود التلاوة
وهذا السجود ما يسمى عندنا بـ (سجود التلاوة)، وأوجز القول فيه فأقول: إن سجود التلاوة سنة عند أهل العلم، وسجود التلاوة يوجد في خمسة عشر موضعاً في القرآن الكريم، ويرى جماهير أهل العلم أنه سنة، بمعنى: أن من مرت عليه آية من آيات السجود في القرآن الكريم فمن السنة أن يسجد.
واختلف العلماء: هل يشترط لسجود التلاوة أن يكون الساجد متوضئاً؟ فالجمهور على أنه من الأفضل أن يكون الساجد متوضئاً، وقد ورد في صحيح البخاري أن عبد الله بن عمر كان يسجد على غير وضوء.
إذاً: فمن سجد وهو متوضئ فهذا هو الأولى والأفضل، ومن مرت عليه آية سجدة وسجد وهو على غير وضوء فقد سبقه في ذلك من هو أفضل منه، ولا إثم عليه.
فإذا ما مرت عليك آية فيها سجدة فالأفضل أن تكبر وتسجد.
ولا تسليم في سجود التلاوة، ولا تشهد له، وإنما تكبر تكبيرة وتسجد، ثم تدعو الله في سجودك.
وقد ورد في فضل هذا السجود ما رواه مسلم وأحمد من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إذا سجد ابن آدم -إذا مرت عليه آية السجدة فسجد- ولى الشيطان وهو يقول: يا ويلاه أمر ابن آدم بالسجود فأطاع فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار).
وأما الدعاء في سجود التلاوة فأصح حديث فيه هو حديث عائشة الذي رواه الحاكم وصححه الترمذي وابن السني أنها ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في سجود التلاوة: (سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره بحوله وقوته)، زاد الحاكم: (فتبارك الله أحسن الخالقين)، هذا هو الدعاء الذي يقال في سجود التلاوة، فتسبح الله الأعلى كما تسبحه في صلاتك (سبحان ربي الأعلى) كما قال صحاب (المغني) وغيره، ثم تقول: سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره بحوله وقوته فتبارك الله أحسن الخالقين، وهذه الزيادة جاءت عند الحاكم فقط.
وللترمذي وابن ماجة وغيرهما من حديث ابن عباس ﵄ أنه ﷺ كان يقول في سجوده -أي: في سجود التلاوة-: (اللهم حط بها عني وزراً، واكتب لي بها عندك أجراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود ﵇.
هذا مجمل ما يقال في سجود التلاوة.
يقول الحق ﵎: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم:٥٨].
وورد في صحيح البخاري أن عمر ﵁ قرأ يوماً في خطبة الجمعة على المنبر سورة النحل، فلما وصل إلى السجدة نزل من على المنبر فسجد وسجد الناس معه، وفي الجمعة الأخرى وقف على المنبر وقرأ نفس الآيات ولم ينزل ولم يسجد، ثم قال: (أيها الناس! إنا لم نؤمر بالسجود، فمن فعله فحسن، ومن لم يفعله فلا إثم عليه) في رواية أخرى قال: إلا من شاء.
إذاً: هو سنة، ويستحب للمسلم أن يسجده، فإن كان متوضئاً فهو الأولى، وإن كان على غير وضوء وسجد سجود التلاوة فلا إثم عليه، والله تعالى أعلم.
وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال.
اللهم يا معلم داود علمنا، اللهم يا معلم داود علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا.
اللهم لا تدع لأحد منا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا يسرتها يا رب العالمين! والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 462
سوء الخاتمة
الغاية من خلق العباد وإيجادهم في هذه الدنيا هي عبادة الله جل وعلا، ولا يستشعر ذلك إلا من عرف الحقيقة الحتمية التي لا مفر منها، ألا وهي: الموت والقدوم على الله ، والسؤال عن الميثاق والعهد الذي أخذه الله على ابن آدم، وهو: ألا يشرك به شيئاً، كما أن من أكثر من ذكر الموت، واستحضر القدوم على الله كان هذا سبباً في حسن خاتمته.
стр. 463
الغاية من خلق العباد
الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو؛ فلا خالق غيره، ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة؛ ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢]، أحمدك -يا ربي- وأستعينك، وأستغفرك، وأستهديك؛ لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، جل ثناؤك، وعظم جاهك، ولا إله غيرك.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لك، هو الظاهر فلا شيء فوقه، وهو الباطن فلا شيء دونه، وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الرسالة، وبلغ الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته.
اللهم كما آمنا به ولم نره فلا تفرق بيننا وبينه حتى تدخلنا مدخله.
اللهم كما آمنا به ولم نره فلا تفرق بيننا وبينه حتى تدخلنا مدخله.
اللهم كما آمنا به ولم نره فلا تفرق بيننا وبينه حتى تدخلنا مدخله.
اللهم احشرنا تحت لوائه، اللهم احشرنا تحت لوائه، اللهم أحينا على سنته.
اللهم أحينا على سنته، اللهم أحينا على سنته.
اللهم توفنا على ملته، اللهم توفنا على ملته.
اللهم اسقنا بيده الشريفة شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبداً.
اللهم عافنا واعف عنا، واغفر لنا وارحمنا، اللهم عافنا واعف عنا، واغفر لنا وارحمنا.
اللهم استرنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض، اللهم استرنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض.
اللهم ارزقنا قبل الموت توبة، وعند الموت شهادة، وبعد الموت جنة ونعيماً ورضواناً، اللهم ارزقنا قبل الموت توبة، وعند الموت شهادة، وبعد الموت جنة ونعيماً ورضواناً؛ إنك ولي ذلك ومولاه، وأنت على كل شيء قدير.
أما بعد: فيا أيها الأحبة في الله! مرحباً بكم في لقاء جديد من لقاءات الإيمان، في ضيافة الحق جل وعلا، وعلى مائدة سيدنا رسول الله ﷺ ، فنضر الله هذه الوجوه، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وتقبل الله مني وإياكم صالح الأعمال، وغفر الله لي ولكم.
ثم أما بعد: فإن لقاءنا هذا هو مع موضوع هام، إنه موضوع الخوف من سوء الخاتمة، أسأل الله أن يحسن ختامي وختامكم.
اعلموا -أيها الإخوة في الله- أن الله جل وعلا خلق الإنسان ولم يتركه سدىً وهملاً، بل إن الله جل وعلا قد خلق هذا الإنسان، وحد له القوانين، وشرع له التشريعات، ووضع له الحدود التي تكفل سعادته في الدنيا والآخرة، فإن أطاع الإنسان أوامر مولاه؛ فأتمر بأوامره، وانتهى بنواهيه، ووقف عند حدوده جل وعلا؛ ضمن الله له السعادة في دنياه، والنجاة والفوز في أخراه، وإن شذ هذا الإنسان عن أوامر الله جل وعلا، وعن نواهي الله ، ولم يقف عند حدوده؛ خاب -والله- وخسر في الدنيا والآخرة؛ فإن الله لم يخلق الخلق سدىً وهملاً، قال صاحب (معارج القبول) عليه رحمة الله: اعلم بأن الله جل وعلا لم يخلق الخلق سدىً وهملاً بل خلق الخلق ليعبدوه وبالإلهية يفردوه فالله جل وعلا خلقك، وأنزل إليك الكتب، وأرسل إليك الرسل، فأمرك ونهاك، وحد لك حدوداً لا ينبغي أن تتجاوزها أو تتعداها، ثم بين لك المصير، وحدد لك الجزاء؛ حتى لا تأتي يوم القيامة وتقول: يا رب! لم يبلغني رسولك، ولم أقرأ كتابك، بل أقام الله جل وعلا عليك الحجة في هذه الحياة، فأنزل عليك الكتب، وأرسل إليك الأنبياء والمرسلين، وأبقى لك بعد الأنبياء والمرسلين ورثة الأنبياء وورثة المرسلين، ألا وهم العلماء الذين -دوماً وأبداً- يذكرونك بأوامر الله، ويحذرونك من نواهي الله، ويذكرونك بأن تكون وقافاً عند حدود الله جل وعلا؛ ضماناً لسعادتك وفلاحك ونجاحك في الدنيا والآخرة.
وحق على الله -أيها الأحبة في الله- لمن اتقاه أن يحسن بدايته، وأن يتولى رعايته، وأن يحسن نهايته، والتقوى كما عرفها علي رضوان الله عليه: هي العمل بالتنزيل، والخوف من الجليل، والرضا بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل، وهذا وعد من الله جل وعلا للمتقين أن يحسن بدايتهم، وأن يتولى في الحياة رعايتهم، وأن يحسن نهايتهم بالفلاح والنجاح والتوحيد والإيمان.
وقد بين الله جل وعلا لك أن المصير: إما جنة -نسأل الله أن يجعلنا من أهلها- وإما نار ﴿عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].
إذاً: أنت أيها الإنسان مخلوق لله جل وعلا، ومؤتمر بأوامر الله، وملتزم بقوانين الله جل وعلا، فطالما أنك مخلوق لله فأنت عبد لمولاك، ولا ينبغي للعبد أن يتصرف في ملك سيده إلا بإذن وتصريح منه، فيقف عند أوامره، وينتهي بنواهيه، ويمتثل بحدوده جل وعلا، فإذا التزمت بالأوامر والنواهي والحدود حدد الله جل وعلا لك المصير، وإن كانت الأخرى فإن الأمر واضح، يقول الله جل وعلا: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٧ - ١٠].
وقال في سورة النازعات: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١]، وقبل ذلك يقول الله جل وعلا: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٣٧ - ٣٩].
стр. 464
الحقيقة الحتمية التي لا مفر منها
الله حدد لنا الطريق، وأخبرنا بحقيقة يغفل عنها الناس في وسط طغيان الشهوات والماديات، وهذه الحقيقة حقيقة تسربل بها طوعاً وكرهاً البغاة، والمتألهون، والظالمون، والمتكبرون، والمتجبرون، بل والأنبياء والمرسلون، إنها الحقيقة الكبرى، إنها قضية كلية من قضايا الكون الكلية، ألا وهي حقيقة الموت.
إن الموت -أيها الأحبة في الله- لا بد أن نذكره دوماً وألا ننساه؛ لأن من ذكر الموت عجل التوبة، والتزم بالقناعة والرضا، وعلم حقيقة هذه الحياة، فقد طغت الماديات والشهوات على قلوب كثير من الناس، لما ذكر الله جل وعلا الموت في القرآن ذكره بلفظة الحق؛ لأنه حق لا مراء فيه، وصدق لا كذب فيه، ولا باطل معه، يقول الله جل وعلا: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:١٩ - ٢٢]، انتبهوا إلى دقة هذه الكلمات! (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ)، والحق أنك تموت، والله حي لا يموت.
(وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ)، والحق أن ترى عند موتك ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب.
(وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ)، والحق أن يكون قبرك روضةً من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران.
(وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ)، (تحيد) أي: تهرب وتفر وتجري! تحيد إلى الطعام إذا أحسست بالجوع، وتحيد إلى الشراب إذا أحسست بالظمأ، وتحيد إلى الطبيب إذا أحسست بالمرض، ثم ماذا بعد كل هذا؟ يا أيها القوي الفتي! يا أيها الذكي! يا أيها العبقري! يا أيها الأمير! يا أيها الحاكم والوزير! بل ويا أيها الوضيع! بل ويا أيها الحقير! استمعوا جميعاً (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ) فوالله الذي لا إله غيره! إن كل باك سيبكى! أنت اليوم تبكي على إخوانك وخلانك وأحبابك الذين يموتون، وغداً سوف يُبكى عليك أيها المسكين! كل باك سيبكى، وكل موجود سيفنى، وكل مذكور سينسى، ليس غير الله يبقى، من علا فالله أعلى.
إنها حقيقة مرة والله الذي لا إله غيره وكثير من المسلمين غفل عنها، ولا تظن أن ذكرى الموت هو أن نقول: إننا كنا الليلة أو اليوم نشيع جنازة فلان أو فلانة، كلا! بل إن ذكرى الموت -أيها الأحبة في الله- هو أن نستعد دوماً وأبداً لهذا اللقاء، في معجم الطبراني: (أن رجلاً من الأنصار قال: يا رسول الله! من أكيس الناس وأعزم الناس؟ -أي: من أرجح الناس عقلاً، وأكثر الناس فطنة وذكاءً؟ فقال ﷺ : أكثرهم ذكراً للموت) ولم يكتف الرسول ﷺ بهذه العبارة أيها الأحباب! بل قال: (أكثرهم ذكراً للموت، وأكثرهم استعداداً للموت).
يا أيها الأخ الكريم! اعلم علم اليقين أنه لابد أن تلقى الله رب العالمين، قال : ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ [العلق:٦ - ٨].
وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦].
وقال : ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة:٢٦ - ٣٠].
أي: إلى ربك يومئذ المرجع والمآل والعودة.
فيا أيها الإنسان! لا تظن أنك قد خلقت سدىً، ولا تظن أنك قد خلقت لتدور في اليمين وفي الشمال برغباتك وشهواتك وأهوائك ونزواتك، فافعل ما شئت في هذه الحياة، وابعد عن أوامر ربك ما شئت؛ لأنه لابد أنك ستقف يوماً بين يدي الله جل وعلا، لتسأل عما قدمت، وعما أخرت، وعما أسررت، وعما أعلنت، قال : ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة:١ - ٤]، قرأ الحبيب المصطفى ﷺ هذه الآية يوماً فقال لأصحابه: (أتدرون ما قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة:٤]؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال لهم ﷺ : يوم تشهد الأرض على كل من كان على ظهرها)، فسوف تشهد عليك هذه الأرض، وتخبر بكل شيء؛ بكل ما كان، وبكل ما جرى، وبكل ما حدث.
ويقول الله جل وعلا في سورة يس: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ * وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ [يس:٦٥ - ٦٨]، فتشهد عليك جوارحك، وتشهد عليك هذه الأرض التي تعيش عليها، والتي عصيت الله جل وعلا على ظهرها، ولم تعجل بالتوبة إلى الله بعد هذه المعصية.
فيا أيها الأخ الكريم! اعلم أنك ما خلقت سدىً وهملاً، بل إنه لابد لك من لقاء بين يدي الله جل وعلا، ولكن هذه الحياة وهذه الفترة التي ستحياها بين وقت ميلادك ووقت مماتك هي فترة عصيبة ورهيبة.
فلابد أن تسجد لله شكراً أنك من الموحدين لله جل وعلا، والله الذي لا إله غيره! ليس الأمر باختيارك ولا بإرادتك أنت، وإنما الأمر بتوفيق الله جل وعلا كما قال : ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١]، فلا تظن أنك مسلم لله جل وعلا بفضلك واختيارك ورغبتك، بل إنك بعثت في أسرة مسلمة، ونشأت على الإسلام، جاء في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) أي: من عاش في أسرة يهودية شب يهودياً والعياذ بالله! ومن عاش في أسرة نصرانية شب نصرانياً والعياذ بالله! ومن عاش في أسرة مجوسية شب مجوسياً والعياذ بالله! أما إن رأيت نفسك في أسرة تعلن التوحيد لله جل وعلا، وتنتسب إلى رسول الله ﷺ ، فوالله! يا إخواني! إنها نعمة لو شكرنا الله جل وعلا عليها الليل والنهار ما وفيناه حق هذه النعمة؛ لأنه فضل الله أولاً وآخراً، وابتداءً وانتهاءً، فهو الذي اختارنا موحدين، وهو اختارنا مسلمين، وهو الذي ثبتنا على سنة رب العالمين، فعليكم أن تسجدوا لله شكراً على هذه النعمة، وصدق من قال: ومما زادني فخراً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين.
стр. 465
الميثاق الذي أخذه الله على بني آدم
الله جل وعلا خلق الناس جميعاً وفطرتهم على توحيده وعبادته كما قال : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧٢]، وانظروا إلى دقة الكلمات القرآنية! يقول صاحب (معارج القبول) في تعليقه على هذه الآية: لم يقل الله جل وعلا: وإذ أخذ ربك من آدم، وإنما قال: من بني ولم يقل ربنا: من ظهره، بل قال: (مِنْ ظُهُورِهِمْ)، ولم يقل: ذريته، بل قال: (ذُرِّيَّتَهُمْ) ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢].
جمع الله الأرواح في عالم يسمى بعالم الذر، وأشهد الله الأرواح على أن له الوحدانية والجلال والكمال، فشهدت كل نسمة وكل روح ستدب على ظهر الأرض إلى أن يرثها الله جل وعلا لله بالوحدانية والكمال، خلقها الله واستنطقها فنطقت، وقال لها: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) أي: ألست بربكم الذي خلقكم؟ ألست بربكم الذي يرزقكم؟ ألست بربكم الذي يرعاكم ويتولاكم؟ ألست بربكم الذي يوفقكم لما فيه الخير؟ ألست بربكم الذي خلق السماوات والأرض؟ ألست بربكم الذي رفع السماء بغير عمد وبسط الأرض؟ ألست بربكم الذي أنزل إليكم الكتب؟ ألست بربكم الذي بعث إليكم الرسل؟ فشهد الجميع لله بالكمال والجلال وقالوا: (بَلَى شَهِدْنَا) أي: شهدنا لله بالوحدانية، وشهدنا لله بالكمال والجلال، فذكرهم الله جل وعلا بهذا الميثاق الأول الذي نسيه كثير من المسلمين، ذكرهم الله وهو يعلم من خلق: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، فهو الذي يعلم ما كان، وما قد كان، وما هو كائن، وما سيكون، قال جل وعلا: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢]، فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين، وأنطقنا بالتوحيد والكمال في عالم الذر، ثم خلقنا الله جل وعلا وأنشأنا في بيت مسلم يدعو الله ويوحده ، فهذا فضل الله أولاً وآخراً، وابتداءً وانتهاءً.
ولكن لا تظن أن الأمر يقف عند هذا الحد، فكم من مسلم نشأ في بيت مسلم، وشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ولكن الله جل وعلا قد ختم له بالكفر، والعياذ بالله! فكم من كافر وكم من عاصٍ وكم من مذنب عاش طوال حياته على المعصية، وعاش طوال حياته على الفسق والفجور، ولكن الله جل وعلا بفضل منه ورحمة ختم له عند موته بـ (لا إله إلا الله) فكان من أهل الجنان! فيا أيها المغرور يا أيها المخدوع بعلمه! يا أيها المخدوع بطاعته! يا أيها المخدوع بصلاته! يا أيها المخدوع بعدد حججه! يا أيها المخدوع بالطاعات! انتبه واحذر! فوالله الذي لا إله غيره! إن الخوف من سوء الخاتمة مزق قلوب الأنبياء والمرسلين، ومزق قلوب الأتقياء والعارفين، فلا تظنوا أن الأمر يسير أو هين، فكم من مسلم شهد لله بالوحدانية ولكنه مات على غير الإسلام وخرج من الدنيا على غير الإيمان! وكم من مسلم عاش طوال حياته على فسق وضلال وختم الله جل وعلا له بالتوحيد والإيمان، فنطق عند موته بـ (لا إله إلا الله) فكان من أهل الجنان!
стр. 466
الأعمال بالخواتيم
فالتوفيق بيد الله ابتداءً وانتهاءً، وأولاً وآخراً، فنسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن يتوفاهم على التوحيد والإيمان.
استمع إلى كلام حبيبك ومصطفاك -والحديث في مسند الإمام أحمد - وانتبهوا يا إخواني! إلى دقة هذا الكلام، فوالله! إن هذا الموضوع في غاية الخطورة، واعلموا أن الذي يتكلم به هو المصطفى رسول الله ﷺ الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، عن أم سلمة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يكثر في دعائه أن يقول: اللهم يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك، فقالت أم سلمة: يا رسول الله! أو إن القلوب لتتقلب؟! فقال لها: يا أم سلمة! والذي نفسي بيده! ما من مخلوق الله من بني آدم إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء الله أقامه، وإن شاء الله أزاغه)، وفي رواية أخرى: (إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء)، وهذا حديث في غاية الخطورة، ووالله! لو أننا نحمل بين طيات جوارحنا إيماناً يلاصق قلوبنا مباشرة وحقيقة، وقرأنا هذا الحديث أو استمعنا إليه؛ لتمزقت القلوب، وارتعدت الجوارح والأفئدة، فالذي يدعو بذلك هو رسول الله، فماذا أقول أنا؟! وماذا تقول أنت؟! الحبيب رسول الله يقول: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)، وهو المصطفى والمجتبى والمختار، وهو الذي كرمه الله جل وعلا على جميع المخلوقات، بل وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وهو الذي رباه الله على عينه، وهو الذي قال له ربه: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:٣]، وهو الذي قال له ربه: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨]، وهو الذي قال له ربه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]، ومع هذا: (يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك)، فارتعدت أم سلمة فقالت: (يا رسول الله! أو إن القلوب لتتقلب؟! أي: أن قلبي على الإسلام، وعلى هذا الدين، وعلى هذا الإيمان، فهل من الممكن أن يتقلب عن هذا الإسلام؟! فقال لها: (يا أم سلمة! والذي نفسي بيده! ما من مخلوق من بني آدم إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء الله أقامه، وإن شاء الله أزاغه) أو (بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها الله جل وعلا كيف يشاء).
أيها الأحبة في الله! إن القلوب بيد الله جل وعلا، وإن القلوب لتتقلب، وإن الأمر جد خطير، ويحتاج إلى عمل طويل، وإلى جهاد مرير، يقول الحبيب المصطفى ﷺ -والحديث في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁: (إن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل النار، ثم يختم الله جل وعلا له عمله، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة؛ وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة الزمان الطويل، ثم يختم الله جل وعلا له عمله، فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار)، وفي رواية أخرى: (فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخل الجنة؛ ويسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار، فيدخل النار)، وروى الإمام البخاري عليه رحمة الله هذا الحديث وزاد في آخره: (إنما الأعمال بالخواتيم).
جاء في سنن الإمام الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ ذكر أن الكفل كان من بني إسرائيل، وكان يسرف على نفسه بالمعاصي، وجاءته امرأة تطلب منه المال، فراودها عن نفسها فأبت، وذكرته بالله جل وعلا، فأصر، ولما جلس منها كما يجلس الرجل من زوجه ارتعدت، واصفرت، واضطربت جوارحها، فقال لها: ممن تخافين؟ قالت: أخاف الله رب العالمين، فأرخى عليها ثيابها، وعاهد الله من وقته ألا يعصي ربه طرفة عين، وقدر الله جل وعلا أن مات الكفل في تلك الليلة، ولا يعرف الناس عنه إلا الفسق والضلال، واستيقظ الناس، وذهبوا إلى دار الكفل فرأوا عجباً، رأوا كتابة على باب داره بخط عجيب غريب: لقد غفر الله للكفل جميع ذنوبه! لأنه أخلص التوبة لله جل وعلا.
ويشهد لمعنى هذا الحديث البخاري ومسلم عن أبي هريرة في قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، وبعدما يأسه العابد من التوبة قتله وأتم به المائة، وبعد ذلك تاب إلى الله جل وعلا على يد عالم، وقبل الله منه التوبة، كما أخبر الحبيب ﷺ ، ويوم أن خرج من قريته مات، فاختلفت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأرسل الله إلى الملائكة ملكاً ليحكم بينهم، وقال لهم: (قيسوا المسافة، فإلى أيتهما هو أقرب فهو من أهلها، فقاسوا المسافة، فوجدوه قريباً بشبر من القرية التي كان يقصدها للعبادة فيها)، وفي بعض الروايات يقول الحبيب: (قال الله جل وعلا: يا رياح! احمليه، ويا أرض! قربيه)، وهو الذي عاش طيلة حياته على المعصية، بل على كبيرة من الكبائر وهي جريمة القتل، وهذا الكفل عاش على الفسق والمعاصي، وهكذا كم من الناس الذين لا يعلمهم إلا خالقهم جل وعلا عاشوا على مزاولة المعاصي، وقبل أن يلقى أحدهم الله بأيام أو بساعات تاب إلى رب الأرض والسماوات؛ فقبل الله منه التوبة، وغفر له الذنوب، وستر الله عليه العيوب، وختم له بالتوحيد فقال: لا إله إلا الله، والرسول ﷺ يقول: (من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة)، واعلموا بأن الأمر ليس يسيراً، فلا تظنوا أن النطق بهذه الشهادة عند الاحتضار أمر هين، كلا! والله! فإن اللسان في هذا الوقت لا ينطق ولا يتكلم، بل الذي سيتكلم هو عملك، فكم من العلماء الذين ملئوا الدنيا بعلمهم، وارتفعوا على الناس بكراسيهم ومناصبهم، وكم من العلماء الذين ملئوا المساجد بالدروس والمحاضرات -أسال الله العفو والعافية- فإذا جاءته لحظة الموت، وجاء من حوله ليلقنوه الشهادة، ربما ما استطاع لسانه أن ينطق بـ (لا إله إلا الله)؛ لأنه لا ينطق في هذه اللحظات إلا الأعمال الصالحات، واقرأ قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠]، فلابد من الاستقامة على هذه الكلمة، لابد من الاستقامة على طريق الإيمان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [فصلت:٣٠]، فالإنسان حين ينام على فراش الموت تأتيه الشياطين من كل مكان تريد أن تضله، وتريد أن تخرجه على غير الإيمان، فشيطان على يمينه، وشيطان على شماله، وشيطان عند رأسه، وشيطان عند قدميه، وشيطان يقول له: مت يهودياً؛ فإنه خير الأديان، وشيطان يقول له: مت نصرانياً؛ فإنه خير الأديان، وهكذا فإن كان من المؤمنين الصادقين المخلصين فيقول الله جل وعلا في حقهم: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [إبراهيم:٢٧]، يتنزل عليه التثبيت والثبات ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم:٢٧]، وما هو القول الثابت؟ يقول ابن عباس: إن القول الثابت هو: لا إله إلا الله، فيتنزل عليه الثبات من رب الأرض والسماوات: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]، وهكذا فإن المؤمنين الصادقين تتنزل عليهم ملائكة التثبيت والثبات، كما قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [فصلت:٣٠]، فتبشرهم الملائكة وتقول لهم: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٢].
إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد لما نام على فراش الموت أتاه ولده عبد الله ليلقنه الشهادة، ويذكره بـ (لا إله إلا الله)، ولكن الإمام كان لا يتكلم إلا بكلمة واحدة، ولا يصرخ إلا بها، ولا ينطق إلا بها، كان يقول: لا، لا، لا ولما أفاق الإمام من سكرات الموت وكرباته وهوله، سأله ولده وهو يبكي: يا أبت! أقول لك: قل: لا إله إلا الله وأنت تقول لي: لا، لا؟ فرد الإمام وقال: يا بني! أنا لا أتحدث معك، أتاني شيطانان، جلس أحدهما عن يميني، والآخر عن يساري يقول لي الأول: يا أحمد! لقد فتنا في دنياك ولو فتنا اليوم ما أدركناك بعد اليوم، يا أحمد! مت يهودياً؛ فإنه خير الأديان، والآخر يقول: يا أحمد! مت نصرانياً؛ فإنه خير الأديان، وأنا أقول: لا، لا، بل على دين محمد ﷺ ، على (لا إله إلا الله) على كلمة التوحيد والإخلاص، أتدرون من هذا الذي ذهبت إليه الشياطين لتضله؟ إنه إمام أهل السنة والجماعة، إنه الإمام أحمد! فماذا يكون ظني بك وظنك بي؟! وكيف حالك وحالي؟! نسأل الله العفو والعافية؛ فالشياطين لا تتركنا في الدنيا ولا عند الموت، بل تريد أن يختم لك بالسوء والعياذ بالله! فتقول لك: مت على دين اليهودية، مت على دين النصرانية، هذا وأنت في هذه السكرات والظلمات، فالموت في حد ذاته كربة، والموت في حد ذاته فتنة، بل إن الله سماه مصيبة كما في سورة المائدة.
стр. 467
مصيبة الموت وما اشتملت عليه من الدواهي
انتبه معي أيها الشاب! انتبهوا معي أيها المسلمون! ما ظنك وما حالك لو قطع عرق من عروقك؟ لا شك أنك تتألم ألماً شديداً، وتتألم ألماً فظيعاً، وإحساسك بألمه هو من خلال وجود الروح فيك؛ لأنك لا تتألم إذا خرجت الروح منك، سئل الشافعي عليه رحمة الله وقيل له: يا إمام! هل الروح هي التي تحمل الجسد أم أن الجسد هو الذي يحمل الروح؟ فقال: بل إن الروح هي التي تحمل الجسد، بدليل أن الروح إذا فارقت الجسد؛ وقع الجسد جثة هامدة لا قيمة له، فأنت لا تتألم إلا لوجود الروح فيك، فإذا قطع عرق منك تتألم لوجود الروح فيك، فما ظنك إذا كان الذي ينزع منك هو الروح كله؟! الذي تنزع الروح من جسده يحس بسكرة عجيبة، وكربة شديدة، إنها سكرات الموت، فإن لكل عضو من أعضائك ولكل جارحة من جوارحك سكرة بعد سكرة، وكرباً بعد كرب، وضيقاً بعد ضيق، وهولاً بعد هول، قال : ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ [النازعات:١] وهم الملائكة ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ [النازعات:٢]، إنها سكرات وكربات وأهوال! كرب بعد كرب لكل عضو ولكل جارحة، فينام الإنسان على فراش الموت وقد بردت أطرافه، وارتعدت فرائصه، واضطربت جوارحه، وتجعد وجهه، وبرد كل عضو منه بعد الآخر، أنفاسه في صدره تعلو وتهبط، اجتمع الناس من حوله، وأحضروا له الأطباء، وأحضروا له الخبراء، ووضعوا له التحاليل، ووضعوا له الأدوية، وجهزوا له كل شيء؛ لأنه صاحب المنصب، وصاحب الجاه، وصاحب السلطان، وصاحب الأموال، وصاحب القوة، وصاحب الوزارات، ولكن الله جل وعلا قدر عليه الموت، ولا راد لقدره ولا راد لمشيئته، قال : ﴿وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨].
стр. 468
سكرات الموت
مصيبة الموت في حد ذاتها تشتمل على ثلاث دواهي: الداهية الأولى: سكرات الموت، وسكرات الموت أمر شديد، وأمر فظيع؛ لأن لكل عضو سكرة، ولكل عضو ألم وتألم، فينام الإنسان على فراش الموت وقد اصفر وجهه، وارتعدت جوارحه، واصفر لونه، وبردت أعضاؤه، ينام على فراش الموت فيسلم كل عضو الروح إلى العضو الذي يليه، وتراه قد بردت منه الأطراف، وارتعدت الجوارح، واضطربت الفرائص، واصفر اللون، وتجعد الوجه، واجتمع الأطباء من حوله، وأحضروا له الخبراء والأطباء، وأحضروا له العلماء والأدوية؛ لأنه صاحب الوزارات، وصاحب الأموال والأرصدة، وصاحب العمارات والسيارات، وصاحب المنصب والكرسي، أحضروا له الأطباء من حوله، فهذا يصنع كذا وذاك يفعل كذا من أجل أن يطيلوا في حياته، وأن يطيلوا في عمره! فإذا أفاق من سكرات الموت نظر إلى من حوله، وهو في هذا الكرب والهول؛ نظر إلى زوجه إلى أولاده إلى أحفاده وقال لهم: يا أولادي! لا تتركوني وحدي! ولا تفردوني في لحدي! من منكم يزيد في عمري ساعة أو ساعتين؟! أنا أبوكم، وأنا أخوكم، وأنا حبيبكم! أنا الذي بنيت القصور، أنا الذي عمرت الدور، أنا الذي نميت التجارة، أنا الذي جمعت ومنعت، ولكن هيهات، قال : ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]، كلا! إنها كلمة لا يجيبها الله؛ لأنها كلمة حقيرة خرجت من حقير على الله، كان في دنياه يعاند شرع الله، ويحارب الدعاة، ويتحدى الله جل وعلا، وكانت زوجته تخرج سافرة عارية ولا يمنعها، ولم يصل لله صلاة، ولم يركع لله ركعة، ولم يسجد لله سجدة، ولم يتق الله جل وعلا، ولم يراقبه: (كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا)، كلمة حقيرة لا يسمعها الله، ولا جواب لها عند الله جل وعلا، (وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).
سكرات الموت شديدة، تألم منها رسول الله محمد ﷺ ، ففي صحيح البخاري من حديث عائشة ﵂ قالت: (لما اشتد برسول الله ﷺ النزع كان عنده ركوة فيها ماء، فكان كلما اشتد به النزع وضع يده في الإناء، ثم مسح بالماء على جبهته- أي: على الرشح الذي يخرج من جبينه- ثم يقول: إن للموت لسكرات! اللهم هون علي سكرات الموت)، فهذا رسولنا ﷺ يقول: (إن للموت لسكرات! إن للموت لسكرات! اللهم هون عليَّ سكرات الموت)، وذكر الإمام المحاسبي عليه رحمة الله أن الله جل وعلا قال لإبراهيم الخليل: (يا إبراهيم! كيف وجدت الموت يا إبراهيم؟ فقال الخليل: وجدت الموت يا رب! كسفود -أي: كقطعة حديد صلبة- بين صوف مبلول، فنزعت فانتزع معها كل شيء، فقال الله: أما إنا قد هونا عليك، أما إنا قد هونا عليك).
وذكر المحاسبي عليه رحمة الله أيضاً: (أن الله قال لموسى: يا موسى! كيف وجدت الموت؟ فقال موسى: يا رب! وجدت الموت كعصفور وضع على مقلاة، فلا هو يطير فينجو، ولا يموت فيستريح)، هذه هي سكرات الموت.
يوم أن نزلت سكرات الموت بـ هارون الرشيد وأفاق من سكراته وكرباته، نادى على من حوله وقال لهم: أريد أن تحملوني لأرى قبري الذي سأدفن فيه بعيني، فحملوا هارون الذي أعطاه الله ملكاً عظيماً، كان يخرج فيرى السحابة في السماء فيقول لها: أيتها السحابة! في أي مكان شئت فأمطري، فوالله لسوف يأتيني خراجك إن شاء الله، أي: أن أي مكان أنزلت أمطارك ومياهك، سوف يخرج هذا الماء الزرع، ويأتيني خراج هذا الزرع من أي البقاع، انظروا إلى عظمة ملكه! فـ هارون لما احتضر قال: احملوني لأرى قبري بعيني، فحملوا هارون إلى قبره فنظر إلى حفرته وبكى، وظل يبكي حتى أبكى من حوله، ثم رفع رأسه إلى الله جل وعلا وقال: يا رب! يا من لا يزول ملكه! ارحم من قد زال ملكه، يا ألله! يا من لا يزول ملكه! ارحم من قد زال ملكه.
стр. 469
رؤية ملك الموت
الداهية الثانية من الدواهي الثلاث التي تتعلق بالموت، والتي تجعل الإنسان غير الصادق يختم له بسوء الخاتمة: رؤية ملك الموت، وهذا أمر مرعب وأمر عجيب! فلقد روى الإمام أبو نعيم في (حلية الأولياء) بسند ضعيف عن واثلة بن الأسقع ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (رؤية ملك الموت أشد من ألف ضربة بسيف)، ترى شيئاً عجيباً لأول مرة؛ لأنك سترى ملك الموت رأي العين، وتعاين كل شيء، بل سترى مكانك في الجنة والنار، كما في حديث البراء بن عازب الطويل الذي خرجه الإمام النسائي والإمام أحمد والإمام الترمذي والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين.
стр. 470
الحذر من سوء الخاتمة
وبعد ذلك فإن أعظم هذه الدواهي الثلاث هي داهية سوء الخاتمة، والعياذ بالله! وأقول: إن الأمر بيد الله، ويحتاج إلى إيمان صادق، وعمل مخلص، وسوء الخاتمة أمر خطير يحتاج إلى أمور، ونسأل الله جل وعلا أن يختم لنا بحسن الخاتمة؛ فكم من مسلم ختم له بغير الإيمان، قرأت في كتاب (التذكرة) للإمام القرطبي: أن امرأة مرت على رجل وسألته قائلة: يا هذا! أين حمام منجاب؟ وحمام منجاب مكان يغتسل فيه النساء، فلما نظر إليها هذا الرجل وقعت في قلبه فافتتن بها؛ فأشار إلى باب داره وقال: هذا هو حمام منجاب، فدخلت المرأة إلى هذا البيت، ولما علمت أنها وقعت في الفخ أرادت أن تزينها له حتى تهرب، فقالت: هلا أحضرت كذا وكذا؟! فخرج هائماً على وجهه، فهربت، فعاد إلى بيته ليبحث عنها فلم يجدها، فخرج إلى الشوارع والطرقات هائماً يقول: يا ربُّ قائلة يوماً وقد تعبت أين الطريق إلى حمام منجاب وظل الرجل يهذي بهذا الكلام حتى عاش طيلة حياته يقول هذه، ولما حضرته الوفاة وذهبوا يلقنوه (لا إله إلا الله) وكلما قالوا له: قل لا إله إلا الله كان يرد على الحاضرين ويقول: يا ربُّ قائلة يوماً وقد تعبت أين الطريق إلى حمام منجاب وختم له بسوء الخاتمة، والعياذ بالله! وذكر القرطبي أيضاً أن مؤذناً كان يؤذن في مصر، وصعد ذات يوم على سطح المسجد ليرفع الأذان، فوقعت عينه على امرأة في بيت رجل نصراني، فوقعت في قلبه، وافتتن بها، فنزل إلى دارها وقال: أريدك لنفسي، فقالت: أنت مسلم وأنا نصرانية، فإن أردتني فلتخرج من دينك ولتتنصر.
قال: لا مانع من أن أتنصر من أجلك، فخرج الرجل من الإسلام وتنصر، والعياذ بالله! ثم صعد على سطح هذه الدار لبعض شئونه فسقط ميتاً، فلم يفز بدنيا ولا بآخرة.
وذكر أيضاً الإمام القرطبي في (التذكرة): أن أحد الناس كان يعمل تاجراً، ولما حضرته الوفاة جعلوا يلقنوه (لا إله إلا الله)، فكان يكرر الأرقام الحسابية فيقول: عشرة إحدى عشر اثنا عشر! يا عبد الله! قل: لا إله إلا الله، وهو يكرر الأرقام الحسابية والعياذ بالله! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! وختم له بسوء الخاتمة، نسأل الله العفو والعافية.
فما العمل إن كان الأمر والقلوب بيد الله؟! إن دواهي الموت الثلاث تجعل الثابت حيراناً، فما العمل لينجينا الله جل وعلا من الخاتمة السيئة والعياذ بالله؟! يقول الإمام ابن كثير عليه رحمة الله في تفسيره لقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
(لقد أجرى الله الكريم عادته بكرمه أن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه).
إنها قمة العدل وقمة الرحمة.
ويقول الإمام ابن رجب الحنبلي عليه رحمة الله: (ما علم على الإطلاق أن رجلاً ختم له بسوء الخاتمة وقد استقام ظاهره مع باطنه، ولا يختم بسوء الخاتمة -والعياذ بالله! - إلا لمن اختلف باطنه مع ظاهره)، فمن اختلف باطنه مع ظاهره فهو الذي يختم له بسوء الخاتمة.
فالأمر -أيها الإخوان- يحتاج إلى صدق في العمل، وإلى اجتهاد في الطاعة، وإلى متابعة للجماعة، وإلى التزام بسنة النبي ﷺ ؛ لأن الإيمان قول وعمل، ليس الإيمان بالتمني، ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، وإن قوماً ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، وقالوا: نحن نحسن الظن بالله، وكذبوا لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل.
إذاً: الأمر يحتاج إلى استقامة في الظاهر، واستقامة في الباطن، فمن استقام ظاهره مع باطنه ختم له بخاتمة طيبة إن شاء الله جل وعلا، فلقد أجرى الله الكريم عادته بكرمه أن من عاش على شيء مات عليه، فإن عشت على الطاعة مت على الطاعة، وإن عشت على التوحيد طيلة حياتك واستقمت عليه توفاك الله عليه، وإن عشت للمباريات والمسلسلات والأفلام والمعاصي والشهوات مت على ذلك، وبعثت على ذلك، فالأمر جد خطير.
فمن رحمة الله وعدله وكرمه أن من استقام على طريق الإيمان، واستقام على طريق الطاعة، واستقام على طريق التوحيد، واستقام على طريق السنة؛ ختم الله جل وعلا له بالإيمان، وختم الله جل وعلا له بالتوحيد، فثبته الله جل وعلا عند الموت.
يقول ابن رجب الحنبلي: (يقال للملك إذا ما ذهب ليقبض روح العبد: شم رأسه، فيقول: أجد في رأسه القرآن، فيقال للملك: شم بطنه، فيقول: أجد في بطنه رائحة الصيام، فيقال: شم قدميه، فيقول: أشم في قدميه رائحة القيام، فيقال: عبد حفظ نفسه فحفظه مولاه).
احفظ الله يحفظك؛ فحق على الله لمن اتقاه أن يحسن الله بدايته، وأن يتولى الله رعايته، وأن يحسن الله نهايته.
إذاً: الأمر بيد الله جل وعلا، والأمر يحتاج إلى إيمان واستقامة، وإلى صدق ومجاهدة، وإلى إخلاص ويقين، وإلى عمل وجد، وإلى اجتهاد وطاعة، فإنك إذا أردت أن تحصل على درجة الماجستير أو على درجة الدكتوراة لا تنام كثيراً، بل تواصل الليل بالنهار من أجل الحصول على شهادة ربما حرص أحد على أن يأخذها وهي تبعده عن الله جل وعلا، وقد يكون فيها تجرؤ بعد ذلك على الله، وتحدٍ لشرع الله، فهذا دكتور عظيم يقول: لماذا لا نخطئ البخاري؟ إن البخاري رجل فلماذا لا نخطئ البخاري؟! وهو الذي ظل يجمع صحيحه، وقضى في حله وترحاله ستة عشر عاماً كاملة، ثم يقول هذا: لماذا لا نخطئ البخاري؟ وهو الذي أجمع جلة أهل العلم على صحة كتابه إلى الحد الذي قالوا فيه: إنه أصح الكتب بعد القرآن الكريم، ثم يأتي عالم في عرف العلماء يحمل الدكتوراة ليتحدى الله جل وعلا بعد ذلك، ويتجرأ على سنة رسول الله ﷺ .
فيا أيها الأحباب! إن الأمر جد خطير، ولكنني لا أقنط أحداً؛ فإن الأمر في غاية البساطة، قال ابن رجب: (من استقام ظاهره مع باطنه ختم له بالإيمان، ومن ناقض ظاهره باطنه ختم له بسوء الخاتمة).
فهيا استقيموا على طريق التوحيد، وتتبعوا سنة محرر العبيد ﷺ ، واجتهدوا في الطاعة والعبادة، واعلموا أن الله جل وعلا يقبل التوبة عن عباده، ويغفر الذنوب، ويكفر السيئات، قال : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
فلا تيئسوا ولا تقنطوا، وتوبوا إلى الله جميعاً -أيها المؤمنون- لعلكم تفلحون، واعلموا أن الله سبحانه غفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى لله جل وعلا.
فهيا أيها الأحباب! بادروا بالتوبة ولا تسوفوا، فإن الموت يأتي بغتة.
أسأل الله جل وعلا أن يختم لنا بحسن الخاتمة، وأن يختم لنا بالتوحيد والإيمان، وأن يخرجنا من هذه الدنيا على خير، وأن يحشرنا في زمرة الحبيب المصطفى ﷺ ، وأن يمتعنا بالنظر إلى وجهه يوم نلقاه.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 471
عندما ترعى الذئاب الغنم
لله في هذا الكون سنن لا تتبدل ولا تتغير، ومن هذه السنن النصر المبين للمؤمنين، والناظر إلى حياة النبي ﷺ وأصحابه يجد خير دليل وشاهد على ذلك.
وينبغي أن نعلم أنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، ولن يتغير حال الأمة إلا إذا غير كل فرد مسلم ما في نفسه من حب الدنيا، والحياة الذليلة، وتاق إلى القتال في سبيل الله بعزة وإباء!
стр. 472
الغرب وحضارة الذئاب
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء! وطبتم جميعاً وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الحليم الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار مقامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! (عندما ترعى الذئاب الغنم) هذا هو عنوان لقائنا مع حضراتكم في هذا اليوم الكريم المبارك، وكعادتنا حتى لا ينسحب بساط الوقت من بين أيدينا سريعاً، فسوف أركز الحديث مع حضراتكم تحت هذا العنوان في العناصر التالية: أولاً: الغرب وحضارة الذئاب.
ثانياً: حتى تتبع ملتهم.
ثالثاً: هذا هو طريق النجاة.
وأخيراً: ولا تهنوا ولا تحزنوا.
والله أسأل أن يقر أعيننا وإياكم بنصرة الإسلام وعز الموحدين، وأن يشفي صدور قوم مؤمنين، وأن يرفع الهم والغم والكرب عن أمة سيد النبيين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أولاً: الغرب وحضارة الذئاب: أحبتي في الله! لقد ابتليت الأمة الإسلامية بنكبات وأزمات كثيرة على طول تاريخها، مروراً بأزمة الردة الحادة والهجمات التترية الغاشمة، والحروب الصليبية الطاحنة، وزوال ظل الخلافة الراشدة المسلمة، وضياع القدس الشريف وانتهاءً بأزمة العراق المخزية.
كانت الأمة في الماضي مع كل هذه الأزمات تمتلك مقومات النصر، من إمام صالح، وثقة في الله، واعتزاز بهذا الإسلام العظيم، ولكن الأمة في واقعنا المعاصر مع هذه الأزمات فقدت جل مقومات النصر، إذ إن الأمة قد انحرفت انحرافاً مروعاً عن منهج رب العالمين، وعن طريق سيد المرسلين ﷺ ، انحرفت الأمة في الجانب العقدي والتعبدي والتشريعي والأخلاقي والفكري، بل وحتى في الجانب الروحي ولا حول ولا قوة إلا بالرب العلي! انحرفت انحرافاً مزرياً في جميع مجالات الحياة؛ فحق عليها قول الصادق الذي لا ينطق عن الهوى كما في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وأبو داود من حديث ثوبان (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟! قال: كلا، وإنكم يومئذ كثير ولكن غثاء كغثاء السيل، وليوشكن الله أن ينزع المهابة من قلوب عدوكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قيل: وما الوهن يا رسول الله؟! قال: حب الدنيا، وكراهية الموت).
لقد أصبحت الأمة الآن قصعة مستباحة لأرذل ولأذل وأحقر أمم الأرض؛ لأن الأمة قد تحولت إلى غثاء من النفايات البشرية تعيش على ضفاف مجرى الحياة الإنسانية كدويلات متناثرة، بل متصارعة، بل متحاربة، تفصل بين الأمة حدود جغرافية مصطنعة، ونعرات قومية جاهلية منتنة، وترفرف على سماء الأمة رايات القومية والوطنية، وتحكم الأمة قوانين الغرب العلمانية، وتدور بالأمة الدوامات السياسية، فلا تملك الأمة نفسها عن الدوران، بل ولا تختار لنفسها حتى المكان الذي تدور فيه.
ذلت الأمة بعد عزة، وضعفت الأمة بعد قوة، وإن ما رأيناه في الأيام الماضية -ولم تنته فصول هذه المسرحية بعد- من تهديد أمريكي صارخ لا للعراق فحسب، بل للأمة كلها، وإن ما نراه من هذا الواقع المر الأليم ليؤكد حالة الذل والهوان التي تحياها أمتنا في هذه الأيام.
أيها الأحبة! إن ما يجري لأمتنا يقع وفق سنن ربانية لا تتبدل ولا تتغير، ولا تحابي أحداً من الخلق بحال مهما ادعى لنفسه من مقومات المحاباة، ولن تعود الأمة إلى مكانتها الطبيعية إلا وفق هذه السنن التي لا يجزي معها تعجل الأذكياء، ولا وهم الأصفياء، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، ما هذا الواقع وهذا التهديد، بل وهذه الجيوش الرابضة الآن في أرض الإسلام في أرض الخليج العربي المسلم من حاملات الطائرات، وما هذه الأعداد الهائلة من الأفراد إلا تأكيداً صريحاً على حضارة الغرب المادية الوحشية البربرية.
إنها حضارة الذئاب رغم الدجل الإعلامي والعهر السياسي، ورغم أنف العجوز الشمطاء اليهودية مادلن أولبريت التي تصرخ هنا وهناك بما يسمونه احترام الشرعية الدولية، ولا تصدقوا من يقول: إنها سياسة الكيل بمكيالين، لا.
إنه مكيال واحد، إنه مكيال العداء لمحمد بن عبد الله وللإسلام في كل زمان ومكان، إنه كلام ربنا وكلام الصادق نبينا الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ .
أيها المسلمون! ينبغي أن نفيق من هذا النوم العميق، وأن نستيقظ من هذا السبات الذي طال، فإن حضارة الغرب هي حضارة الذئاب والأفاعي هي حضارة الثعالب هي الحضارة الوحشية البربرية الظالمة هي الحضارة السوداء، وإن شعار هذه الحضارة بلا نزاع: البقاء للأقوى، كما هو مشاهد في هذا العالم اليوم على الرغم من وجود مجلس الأمن، وهيئة الأمم، وعلى الرغم من وجود حلف الأطلسي إلى آخر هذه الأحلاف والهيئات، التي ما جعلت أصلاً إلا لتضمن البقاء للنظام العالمي الكبير الذي يتحكم في بنوده وأصوله وفروعه يهود الأمريكان.
إنه عالم الغرب الذي يمتطي الآن جواد الحضارة ويسوم البشرية سوء العذاب، فلقد ذاقت البشرية في عهد الرجل الغربي ما تستحي الوحوش الضارية في عالم الغابات أن تفعله ببعضها البعض.
ولم العجب؟ أليست الحضارة الأمريكية الظالمة هي الحضارة التي ألقت القنابل النووية المذيبة على هيروشيما ونجازاكي؟! أنسيتم أن الأمريكان هم الذين دمروا بالقنابل النووية هيروشيما ونجازاكي؟ أليست هي الحضارة الغاشمة التي أبادت شعب الهنود الحمر عن بكرة أبيه؟! إذاً: لا عجب إذا رأينا الحضارة الغربية المادية الآن تريد أن تمحو من على وجه الأرض شعب العراق، ولو استطاعت الحضارة الغربية المادية أن تمحو من على وجه الأرض الشعوب الإسلامية لفعلت ذلك من أجل سواد عيون اليهود، وصدق ربي إذ يقول: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠].
قالوا لنا الغرب قلت صناعة وسياحة ومظاهر تغرينا لكنه خاو من الإيمان لا يرعى ضعيفاً أو يسر حزينا أين أطفال العراق الذين يموتون بعشرات الآلاف والإعلام الأمريكي بل والغربي يظهر الجنازات للأطفال بالعشرات بل بالمئات؟! أين من يرقصون على مسرح الحريات؟! أين من يتغنون بحقوق الإنسان؟! أين من يتغنون بحقوق الحيوان؟! أين هم من أطفال صغار لا يجدون طعاماً ولا شراباً ولا دواءً؟ ويزداد الهم حينما نرى بعض المسلمين لا يتعاطفون مع صدام المجرم إلا لأنه وقف ضد الأمريكان، وهذا فهم عقيم سقيم، فلم يعد ولاء هذه الأمة لله ولا لرسوله ﷺ ، فوالله لو وجدت أمريكا في عملائها أفضل من صدام ما أبقته على كرسي الحكم يوماً واحداً، إنه الدجاجة التي تبيض كل يوم لأمريكا بيضة من الذهب الخالص: قالوا لنا الغرب قلت صناعة وسياحة ومظاهر تغرينا لكنه خاو من الإيمان لا يرعى ضعيفاً أو يسر حزيناً الغرب مقبرة المبادئ لم يزل يرمي بسهم المغريات الدينا الغرب مقبرة العدالة كلما رفعت يد أبدى لها السكينا الغرب يحمل خنجراً ورصاصة فعلامَ يحمل قومنا الزيتونا كفر وإسلام فأنى يلتقي هذا بذلك أيها اللاهونا أنا لا ألوم الغرب في تخطيطه لكن ألوم المسلم المفتونا وألوم أمتنا التي رحلت على درب الخضوع ترافق التنينا وألوم فينا نخوة لم تنتفض إلا لتضربنا على أيدينا يا مجلس الأمن المخيف إلى متى تبقى لتجار الحروب رهينا إلى متى ترضى بسلب حقوقنا منا وتطلبنا ولا تعطينا لعبت بك الدول الكبار فصرت في ميدانهن اللاعب الميمونا يا مجلساً غدا في جسم عالمنا مرضاً خفياً يشبه الطاعونا شكراً لقد أبرزت وجه حضارة غربية لبس القناع سنينا شكراً لقد نبهت غافل قومنا وجعلت شك الواهمين يقينا يا مجلس الأمن انتظر إسلامنا سيريك ميزان الهدى ويرينا إن كنت في شك فسل فرعون عن غرق وسل عن خده قارونا ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:١٤]، إنها حضارة الذئاب! أما آن للعلمانيين أن يحترموا أنفسهم وعقولهم؟! أما آن للمسلمين أن يفيقوا وأن يستبينوا سبيل المؤمنين من سبيل المجرمين؟ أيها الأحبة: لابد أن يوحد الآن الصف المسلم، فنحن في أمس الحاجة إلى هذا التوحد؛ لينصر المسلمون دينهم بكل سبيل؛ وليقفوا على الصف الذي يستبين فيه الرجل العادي سبيل المؤمنين من سبيل المجرمين.
стр. 473
حتى تتبع ملتهم
العنصر الثاني من عناصر المحاضرة هو: حتى تتبع ملتهم.
وبكل أسف القرآن يقرأ، ولكن القرآن في وادٍ وهي في واد آخر.
ولم العجب وقد ضيعت الأمة القرآن، ونحته عن حياتها وهجرته وحكمت قوانين الغرب؟! وصدق على الأمة قول الصادق الذي لا ينطق عن الهوى كما في الصحيحين من حديث أبي سعيد (لتتبعن سنن من كان قبلكم، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟! قال: فمن).
هجرت الأمة القرآن، وحكمت في الأعراض والأموال والدماء قوانين الغرب ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠] ولا حول ولا قوة إلا بالله! القرآن يتلى وربنا جل وعلا يقول لحبيبه المصطفى ﷺ : ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [البقرة:١٢٠]، و (لن) هنا هي لن المستقبلية أي: إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
فهل تصدقون الملك القدير؟! هل تصدق الأمة ربها الذي يقول لنبيه المصطفى ﷺ : ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]؟!
стр. 474
خطر موالاة اليهود والنصارى
من أجل سواد عيون (النتن ياهو) تفعل أمريكا الآن ما تفعل، فإن اللوبي الصهيوني في أمريكا يخنق أنفاسها -شرذمة من اليهود- لتتحكم في مصير العالم بأسره.
لماذا؟ لا لقوة اليهود، لا والله؛ فإن الله يقول: ﴿تحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤]، وإنما لهزيمة نفسية طحنت الأمة طحناً، فالأمة ليست ضعيفة ولا فقيرة وليست قليلة، بل الأمة غنية وأموال الأمة في بنوك الغرب تدير دفة السياسة العالمية بأسرها، فالأمة ليست فقيرة لا في الأموال ولا الأعداد الهائلة ولا في المناخ، فإن العالم كله يحسد الأمة الإسلامية على مناخها وعلى وسطيتها في المكان، وأنتم تعلمون أن الله قد حبا هذه الأمة مما يسمى بالبترول ما تستطيع الأمة أن تتحكم به في سياسة العالم بأسره، لو أنها عرفت ربها، واحترمت نفسها وأذعنت واستسلمت لنبيها ﷺ ، ولكن أبى الله إلا أن يذل من عصاه، وأبى الله إلا أن يعز من أطاعه واتقاه، والأمة قد عصت ربها، وانحرفت عن طريق نبيها ﵌، فأذلها الله وأهانها.
إن الله جل وعلا يخاطب نبيه ﷺ ويخاطب المؤمنين جميعاً من بعد النبي ﷺ بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١]، قال حذيفة بن اليمان: (فليحذر أحدكم أن يكون يهودياً أو نصرانياً وهو لا يدري، لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]).
تدبر أخي الحبيب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة:٥١]، العجوز الشمطاء أولبريت يهودية ووزير الدفاع يهودي واليهود بعضهم أولياء بعض للنصارى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]، ليس هذا قولي حتى لا أتهم بالتطرف ولا بالإرهاب، إنما هو كلام ربنا جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١]، قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ﴾ [البقرة:١٠٩].
استمعوا وتدبروا كلام ربنا! ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:١٠٩]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران:١١٨].
يا لها ورب الكعبة من آيات، لا أقول تجسد ظاهر القول، بل توضح باطن القول، يجليها لنا العليم الخبير بمن خلق! ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران:١١٨].
أيها المسلم: أتحب أعداء الحبيب وتدعي حباً له ما ذاك في الإمكان وكذا تعادي جاهداً أحبابه أين المحبة يا أخا الشيطان إن المحبة أن توافق من تحب على محبته بلا نقصان فإن ادعيت له المحبة مع خلا فك ما يحب فأنت ذو بهتان عبد الله! لو صدقت الله فيما زعمته لعاديت من بالله ويحك يكفر وواليت أهل الحق سراً وجهرة ولما تعاديهم وللكفر تنصر فما كل من قد قال ما قلت مسلم ولكن بأشراط هنالك تذكر مباينة الكفار في كل موطن بذا جاءنا النص الصحيح المقرر وتصدع بالتوحيد بين ظهورهم وتدعوهم سراً لذاك وتجهر هذا هو الدين الحنيفي والهدى وملة إبراهيم لو كنت تشعر أخي المؤمن! إنأوثق عرى الإيمان الحب في الله، والبغض في الله، ومن أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان.
من أحب لله لا من أجل وطنية، ولا من أجل قومية، فقد استكمل الإيمان.
أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم من المؤمنين الصادقين الذين ينصرون دينه وسنة نبيه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 475
طريق النجاة
أيها الأحبة الكرام! طريق النجاة من هنا فلا ينبغي أن نشخص الداء بحسرة ومرارة وألم دون أن نحدد الدواء، ودون أن نبين طريق النجاة.
أيها المسلمون! إن طريق النجاة في كلمة واحدة، وليس معنى ذلك أن نرددها بالألسنة فحسب، وإنما لترددها الأمة باللسان، ولتصدقها بالجنان، ولتحولها إلى واقع عملي بالجوارح والأركان.
إن هذه الكلمة هي الإسلام، فمستحيل أن ينصر الله أمة خذلت دينه وخذلت نبيه! إن الأمة الآن تتغنى في مولد النبي ﷺ بأخلاق النبي وهي أمة لا تستحي إلا من رحم ربك العلي، فإنها في الوقت الذي تتغنى فيه بمولد النبي وأخلاق النبي ﷺ تراها قد نحت شريعة النبي، وحكّمت قانون الغرب العلماني، والله جل وعلا يقول: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء:٦٥]، و (لا) هي لا النافية كما قال علماء اللغة ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
أيها الأحباب! لقد كانت الأمة في أول الأمر -بالمقارنة إلى ما تحياه الأمة الآن- ضعيفة من الناحية المادية، قليلة من الناحية العددية، فقيرة من الناحية المالية، لكنها كانت غنية بالإيمان، قوية بالله فماذا كانت النتيجة؟ كلكم يعلم النتيجة.
قلة في أرض الجزيرة وسط صحراء تموج بالكفر موجاً، وسط إمبراطورية الفرس وإمبراطورية الروم استطاعت هذه القلة المؤمنة بقيادة المصطفى ﷺ أن تقيم للإسلام دولة من فتات متناثر، فإذا هي بناء شامخ لا يطاوله بناء، في فترة لا تساوي في حساب الزمن شيئاً على الإطلاق مع قلة العدد مع الفقر المادي المرهق مع الضعف الجسدي، ولكنهم كانوا أعزة بالرب العلي: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩]، قالوا كلمة وحولوها إلى واقع عملي وإلى منهج حياة، فأذلوا كسرى وأهانوا قيصر.
ولله در ربعي بن عامر ﵁ عندما وقف يوماً أمام رستم، فعلمه وعلمنا كيف تكون العزة بالإسلام! لقد دخل ربعي بن عامر في موقعة القادسية على قائد الجيوش الكسروية رستم الذي قال عنه كسرى: (لأرمين المسلمين بقائدي الذي ادخرته ليوم الكريهة)، وولى كسرى رستم قيادة الجيوش الكسروية، وكانت الكرة للمسلمين بأمر الله، وأراد رستم أن يفاوض سعد بن أبي وقاص ﵁، فأرسل إليه: أن أرسل إلينا رسولاً لنفاوضه، فأرسل سعد بن أبي وقاص ﵁ ربعي بن عامر ﵁، فانطلق ربعي على فرس قصيرة، يلبس ثياباً متواضعة ممزقة، وفي يده رمحه وعلى بدنه ترسه ودرعه، فأرادوا أن يمنعوه من الدخول وهو على ظهر فرسه على سيدهم رستم، فقال ربعي بلغة الواثق في الله المطمئن لدين الله العزيز بالإيمان: أنا لم آتاكم، وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإلا عدت، فقال رستم: ائذنوا له، فدخل ربعي وهو يتكئ برمحه بعز واستعلاء بالإيمان، فصرخ في وجهه رستم، وقال: من أنتم؟ ولماذا جئتم؟ فقال ربعي ليعلم رستم ويعلمنا من بعده ما هي الغاية التي من أجلها ابتعثنا، ولأجلها وجدنا، قال ربعي: نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، فمن قبل منا قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن حال بيننا وبين دعوة الناس إلى دين الله قاتلناه حتى نفضي إلى موعود الله.
قال رستم: وما موعود الله؟ قال ربعي: الجنة لمن مات في سبيل الله، والنصر لمن بقي منا على ذلك.
فقال رستم: لقد سمعت مقالتك، فهل لكم أن تؤخرونا لننظر في أمرنا ولتنظروا في أمركم؟! فقال ربعي بعزة وإيمان عجيبين: لقد سن لنا رسولنا ﷺ أن لا نؤخر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث ليال، فانظر في أمرك وأمرهم، واختر لنفسك واحدة من ثلاث.
فقال رستم: وما هي؟ قال ربعي: أما الأولى فالإسلام، ونقبل ونرجع عنك.
قال رستم: وما الثانية؟ قال ربعي: الجزية.
الجزية التي تدفعها الأمة الآن رغم أنفها، فإن الفاتورة الأمريكية تسدد من دول الإسلام ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قال رستم: وما الثالثة؟ قال ربعي: القتال في اليوم الرابع! أي: بعد ثلاثة أيام، ثم قال ربعي: ولن نبدأك بقتال فيما دون الثلاثة إلا إن بدأتنا أنت بقتال، أنا كفيل بذلك عن أصحابي.
فقال رستم: أقائدهم أنت؟ أي: هل أنت القائد؟ هل أنت سعد بن أبي وقاص؟ فقال ربعي: لا، ولكن المسلمين كالجسد الواحد، يجير أدناهم على أعلاهم.
انظروا إلى عز الأسلاف انظروا إلى استعلاء الإيمان في قلوبهم انظروا إلى اعتزازهم بربهم ودينهم، ونصرتهم بكل ما يملكون لنبيهم ﷺ .
لقد وقف المغيرة بن شعبة يظلل على رأس النبي ﷺ في الحديبية، فجاء عروة بن مسعود الثقفي ليفاوض النبي ﷺ كرسول من قبل قريش، وامتدت يد عروة بن مسعود ليداعب شعرات كريمات طاهرات طيبات من لحية الحبيب محمد ﷺ ، فضرب المغيرة بن شعبة على ظهر يد عروة مع أنه ابن أخيه وصرخ في وجه عروة وقال له: أخر يدك عن لحية النبي قبل أن لا تصل إليك يدك.
انظروا إلى نصرة هؤلاء لدين الله ولدين رسول الله ﵌! أيها الأحباب! والله إن الإسلام لن ينصر بالخطب الرنانة، ووالله لو وقفنا على المنابر نخطب سنوات وسنوات فلن ينتصر الإسلام إلا إذا تحولت هذه الخطب في واقع الأمة إلى منهج حياة يتألق سمواً وعظمةً وجلالة.
منذ متى والعلماء يخطبون ولكن الأمة لا تغير من واقعها المرير شيئاً؟ أيها الأحباب! إننا نرى انفصاماً واضحاً بين منهجنا وواقعنا، فالخطب الرنانة المؤثرة لن تغير من الواقع شيئاً إلا إذا غيرت الأمة الواقع بتحويلها لهذا الكلام الرباني والنبوي إلى منهج عملي في دنيا الناس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ * إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٢ - ٤].
إن طريق الإسلام هو طريق محمد بن عبد الله ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣].
إن طريق النجاة أن تمتثل الأمة أمر ربها وأمر نبيها، وأن تجتنب الأمة نهي ربها ونهي نبيها، وأن تقف الأمة عند حدود ربها وحدود نبيها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:١ - ٢].
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦].
قال تعالى في وصف المؤمنين الصادقين: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥١ - ٥٢].
وقال تعالى في المنافقين المجرمين الذين يقولون بألسنتهم سمعنا وأطعنا ولكنهم في الواقع يقولون: وعصينا، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء:٦٠ - ٦١].
طريق الفلاح بين واضح جلي لكل من كان في قلبه تقىً لله، وما علينا إلا أن نرجع إلى الله وإلى قرآنه وسنة نبيه، فالعودة إلى القرآن والسنة ليست نافلة ولا تطوعاً ولا اختياراً، بل إننا أمام شرط الإسلام وحد الإيمان: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، أسأل الله جل وعلا أن يرد الأمة إل
стр. 476
لا تهنوا ولا تحزنوا
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! لست أبداً ممن يدندنون على التيئيس والتقنيط، بل أنا ممن يدندن دوماً على تبشير الأمة بالقضاء على هذه الهزيمة النفسية التي تسيطر الآن على كثير من قلوب آبائنا وشبابنا وإخواننا، وهذا هو عنصرنا الأخير (ولا تهنوا ولا تحزنوا)، قال تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩].
أيها الأحباب! نحن في حاجة إلى أن نحقق الإيمان فحسب، فلو حققنا الإيمان لنصرنا الله جل وعلا وإن كنا قلة، وإن كنا فقراء، وإن كنا ضعفاء، قال جل في علاه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]، وقال جل وعلا: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ﴾ [الحج:٤٠]، وقال جل وعلا: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥].
إننا نحتاج إلى أن نحول الإيمان إلى واقع عملي، وإلى منهج حياة.
فهيا أيها الأحبة! أبدأ بنفسي وتبدأ أنت أيها الوالد الفاضل بنفسك، وتبدأ أيها الأخ العزيز الحبيب بنفسك، وأنت أيتها الأخت الكريمة فلتبدئي بنفسك، ولا ينبغي أن نعلق أخطاءنا على غيرنا، قال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥]، فلتبدأ الأمة كلها بنفسها، وكما ذكرت: أنا لا أخاطب هذا الجمع الكريم بين يدي فحسب، وإنما أخاطب ملايين الأمة عبر شريط الكاست، فإن الشريط ولله الحمد يسري في أرجاء الأرض، وقد أخبرني أخ حبيب وأقسم لي بالله وقال: يا أخي! أنا أحبك في الله، قلت: أحبك الله الذي أحببتني فيه، قلت: من أين أنت يا أخي؟ قال: من فلسطين، قلت: وتعيش هنالك، قال: نعم، ثم قال: والله ما عرفناك إلا من شريط الكاست في تل أبيب؛ لذا فأنا أخاطب الأمة كلها عبر شريط الكاست، أن يبدأ كل مسلم بنفسه من الآن، ولا ينبغي أن نعلق الأخطاء على غيرنا، لا على الحكام، ولا على العلماء، ولا على إسرائيل، ولا على الأمريكان ولا على فلان، ولا علان، وإنما فليعلق كل إنسان منا الخطأ على نفسه وليبدأ بالتصحيح.
(ابدأ بنفسك) هذا ما أملكه وما سأسأل عنه أنا بين يدي الله: ماذا قدمت؟ ماذا فعلت؟ ماذا بذلت؟ لن يسألني ربي سبحانه: ماذا قدم غيرك؟ ماذا فعل غيرك؟ وإنما سيسألني ماذا قدمت أنا، وماذا علمت أنا لدين الله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥].
أيها الأحبة الكرام! فلنبدأ بأنفسنا وعلى كل مسلم أن يحقق الإيمان ويحوله في بيته وواقعه ووظيفته إلى منهج حياة، فالإيمان قول باللسان، وتصديق بالجنان -أي: بالقلب- وعمل بالجوارح والأركان.
نريد لبيوتنا أن تستنير بنور الإيمان نريد لبيوتنا أن تتذوق حلاوة وطعم الإيمان نريد أن تتعرف كراسي الوظائف على المؤمنين الصادقين نريد لكل مواقع الإنتاج ومواطن العطاء، وأماكن المسئولية أن تتذوق حلاوة الإيمان على أيدي المؤمنين الصادقين.
شتان بين مسئول مؤمن يراقب الله ولا يراقب رئيسه في العمل، وبين مسئول لا يعرف للإيمان حقيقة ولا طعماً، فالأول سيتقي الله في جماهير الأمة ممن يتعاملون معه، والآخر يعبد كرسيه الذي جلس عليه ولا شيء غيره.
شتان بين موطن يشع بالإيمان وموطن خال من الإيمان، فنريد أن نحول الإسلام في واقعنا وحياتنا إلى منهج حياة، وأنا أكرر هذه الكلمات دوماً؛ لأن القول إن خالف العمل بذرت بذور النفاق في القلوب، كما قال علام الغيوب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣]، وقال سبحانه: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤]، أسأل الله أن يرزقنا العلم والعمل، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أيها الأحبة الكرام! نحتاج إيماناً لينصرنا الله، وأرجو أن يعلم شبابنا جيداً أن النصرة من الله ما تأخرت عن الأمة إلا لأنه لا توجد في الأرض الآن العصبة المؤمنة التي تستحق نصر الله، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]، وهذه سنة ربانية؛ فإن العاقل يعلم يقيناً أن العصبة المؤمنة التي تستحق النصر ما وجدت إلى الآن، إنما هم أفراد قلائل جداً في هذه الأمة، فنحتاج من هؤلاء الأفراد أن ينتشروا ويمتدوا امتداداً وأفقياً بين أهل الإسلام، لتزداد القاعدة، ورأسياً في غير أهل الإسلام؛ لتزداد القاعدة المؤمنة التي تستحق نصر الله جل وعلا، ومع ذلك يا إخوة فأنا لا أخشى على الإسلام، وإنما كل كلامي على المسلمين، فإن الإسلام قد وعد الله بظهوره على الدين كله رغم أنف الأمريكان، ورغم أنف اليهود، ورغم أنف المشركين والمنافقين والمجرمين، فقد وعد بنصرة دين محمد على الدين كله، وهو الملك الذي يقول للشيء: (كن) فيكون.
هل تصدقون الملك جل وعلا وهو يقول: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٢ - ٣٣]؟! لقد قرأت حديثاً في صحيح مسلم من حديث ثوبان يملأ القلب أملاً، وهو من كلام الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، يقول الحبيب ﷺ : (إن الله تعالى زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها).
هل تصدقون النبي ﷺ ؟ أيها الأحبة: الحديث في أعلى درجات الصحة، فقد رأى النبي ﷺ مشارق الأرض ومغاربها، ولم لا وهو الذي رأى في الدنيا الجنة والنار؟! إي والله، لقد رأى النبي ﷺ وهو يصلي صلاة الاستسقاء الجنة ورأى النار.
يقول النبي ﷺ : (إن الله تعالى زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها)، وفي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والحاكم في المستدرك وصححه على شرط الشيخين، وأقره الذهبي، وتعقب الحاكم والذهبي والألباني فقال: بل هو صحيح على شرط مسلم من حديث تميم الداري، أن الحبيب النبي ﷺ قال: (ليبلغن هذا الأمر -أي: هذا الدين- ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وذلاً يذل الله به الكفر)، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦] ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩].
اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز المؤمنين، اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز المؤمنين، اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز المؤمنين! اللهم اشف صدور قوم مؤمنين بنصرة الإسلام وعز الموحدين بقدرتك وعظمتك يا رب العالمين! اللهم انصر دينك وكتابك وعبادك المؤمنين، اللهم انصر دينك وكتابك وعبادك المؤمنين، اللهم انصر دينك وكتابك وعبادك المؤمنين، اللهم احفظ أهلنا في العراق، اللهم احفظ أولادنا في العراق، اللهم احفظ نساءنا في العراق، اللهم احفظ المسلمين في كل مكان من شر الأشرار، وكيد الفجار، برحمتك يا عزيز يا غفار! اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة، ويذل فيه أهل المعصية، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، أنت ولي ذلك ومولاه! اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأعل بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأعل بفضلك كلمة الحق والدين! اللهم ارفع علم الجهاد اللهم ارفع علم الجهاد اللهم ارفع علم الجهاد اللهم ارفع علم الجهاد اللهم ارفع علم الجهاد اللهم ارفع علم الجهاد اللهم اقمع أهل الزيغ والفساد! اللهم ارزقنا الشهادة في سبيلك، اللهم ارزقنا الشهادة في سبيلك، اللهم ارزقنا الشهادة في سبيلك، اللهم ارزقنا الشهادة في سبيلك برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اشف صدور قوم موحدين، واشف صدور قوم مؤمنين برحمتك يا رب العالمين! اللهم اجعل بلدنا مصر واحة للأمن والأمان، وجميع بلاد المسلمين! اللهم اجعل مصر سخاءً رخاءًَ وجميع بلاد المسلمين! اللهم ارفع عن مصر الغلاء، اللهم ارفع عن مصر الغلاء، اللهم ارفع عن مصر البلاء، اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن، وجميع بلاد المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين!
стр. 477
قدر النبي عند الله
كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على خُلق عظيم، بتزكية الله تعالى له، وبالواقع الذي عاشه مع الناس كلهم، المسلمين منهم والكافرين، فالواجب هو الاقتداء بالنبي ﷺ في كل أخلاقه ومعاملته، والناظر إلى حال أبناء الإسلام في هذا الزمان يرى أنهم قد جهلوا قدر نبيهم ﵌، وتركوا شرعه وراءهم، وجعلوا سيرته قصة يتغنى بها في المحافل والذكريات، وجانبوا سنته بإقامة الموالد المشتملة على البدع والشهوات، وادعوا محبته في الوقت الذي يقصرون فيه في جانب دينهم، ولا يغارون على ما يجري للمسلمين والمسلمات في كثير من بقاع الدنيا.
стр. 478
خلق النبي ﷺ
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وطبتم جميعاً أيها الآباء الفضلاء وأيها الإخوة الأعزاء، وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله جل وعلا الذي جمعنا وإياكم في هذا البيت المبارك على طاعته أن يجمعنا وإياكم في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله: "أمة لا تعرف قدر نبيها" هذا هو عنوان لقائنا مع حضراتكم في هذا اليوم الكريم المبارك، ونظراً لأن الحديث في هذا الموضوع ذو شجون، فسوف أُركِّز الحديث مع حضراتكم تحت هذا العنوان في العناصر التالية: أولاً: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
ثانياً: القرآن يربي ويعلم.
ثالثاً: الواقع خير شاهد.
وأخيراً: هذا هو الحب أيها المحب.
فأعرني قلبك وسمعك أيها الحبيب! سائلاً المولى جل وعلا أن يجعلني وإياكم جميعاً ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب.
стр. 479
كان خلقه القرآن
أيها الأحبة: والله الذي لا إله غيره، لو ظللت الدهر كله أتحدث عن أخلاق رسول الله ما استطعت، ولكن لخصت عائشة الصديقة الحصان الرزان هذا الخلق العظيم في كلمات محددة فقالت: (كان خلقه القرآن)، فقد كان رسول الله قرآناً متحركاً بين الناس.
لقد جمع الله في شخص الحبيب المصطفى ﷺ أشخاصاً متعددين كثيرين في آن واحد، انتبه معي أيها الحبيب: فهو رسول من عند الله يتلقى الوحي من السماء ليربط السماء بالأرض بأعظم رباط وأشرف صلة، وهو رجل سياسة من طراز فريد، يقيم أمة ودولة من فتات متناثر، فإذا هي بناء شامخ لا يطاوله بناء، تذل الأكاسرة وتهين القياصرة وتغير مجرى التاريخ في فترة لا تساوي في حساب الزمن شيئاً، وهو رجل حرب من طراز أوحد، يقود الجيوش، ويخطط للمعارك، ويتخذ غرفة للعمليات عن بُعد من أرض المعركة.
وهذا لم يعلمه التاريخ إلا في قرننا الحالي، وقد فعله رسول الله في غزوة بدر، اتخذ غرفة للعمليات ليخطط فيها للمعركة وللحرب، وقام ليختار القادة، وليختار قائد الميمنة وقائد الميسرة، بل ولما افتضت الجموع في حنين قام الحبيب المصطفى رافعاً سيفه في ساحة الوغى، وميدان البطولة والشرف، ذلكم الميدان الذي تصمت فيه الألسنة الطويلة، وتخطب فيه السيوف والرماح على منابر الرقاب، وقف الحبيب المصطفى ليعلن بأعلى صوته قائلاً: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب).
وهو أب وزوج، ورب أسرة كبيرة تحتاج إلى كثير من نفقات الفكر، نفقات الشعور، نفقات التربية، نفقات النصح، فضلاً عن نفقات المال، فيقوم الحبيب المصطفى بهذا الدور على أعلى نسق شهدته الأرض وعرفه التاريخ.
وهو إنساني من طراز فريد، كأنه ما خلق إلا ليزيل الدموع، كأنه ما خلق إلا ليمسح الآلام عن القلوب، يمنح الناس وقته وفكره وعقله وماله ونصحه وروحه وشعوره، كأنه ما خلق إلا ليسعد الناس في الدنيا قبل الآخرة، وهو قبل كل ذلك وبعد كل ذلك فهو قائم على أشرف وأعظم دعوة شهدتها الأرض، أخذت الدعوة عقله وفكره وروحه بل ودمه، فيقوم المصطفى بهذه الأدوار كلها كأنه ما خلق إلا لكل دور من هذه الأدوار ليقوم به على أعلى نسق وأكمل صورة.
فمبلغ العلم فيه أنه بشر وأنه خير خلق الله كلهم
стр. 480
قصة الأنصار بعد قسمة غنائم حنين
روى الإمام أحمد وابن إسحاق بسند صحيح من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: (لما قسم النبي ﷺ الغنائم يوم حنين: أعطى لقومه من قريش ولسائر العرب، ولم يعط الأنصار من الغنائم شيئاً، فغضب الأنصار من رسول الله، ووجد الأنصار في أنفسهم على رسول الله ﷺ ، حتى قال قائلهم: والله لقد لقي رسول الله قومه -أي: لقي رسول الله قومه فأعطاهم ونسينا- فلما سمع سعد بن عبادة الأنصاري هذه العبارة انطلق إلى الحبيب المصطفى ﷺ ، وقال: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي! لقد وجد الأنصار عليك في أنفسهم.
فقال المصطفى: فيم يا سعد؟ فقال سعد: لأنك قسمت الغنائم وأعطيت قومك من قريش وأعطيت سائر العرب ولم تعط الأنصار من الغنائم شيئاً.
فقال صاحب الخلق: اجمع لي الأنصار يا سعد.
فجمع سعد بن عبادة الأنصار رضوان الله عليهم، وخرج النبي ﷺ على الأنصار، وقام المصطفى ﷺ في الأنصار خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا معشر الأنصار! ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله، وعالة -أي: فقراء- فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟ فسكت الأنصار، فالتفت إليهم نبينا الحبيب المختار وقال: ألا تجيبون يا معشر الأنصار؟ فقالوا: وبماذا نجيب؟ المن لله ولرسول الله ﷺ .
فقال الحبيب المصطفى: والله لو شئتم لقلتم فصدقتم: جئتنا طريداً فآويناك، وعائلاً -أي: فقيراً- فواسيناك، ومخذولاً فنصرناك، وجئتنا خائفاً فأمناك، فقال الأنصار: المن لله ولرسوله، فقال المصطفى: يا معشر الأنصار! لقد وجدتم في أنفسكم عليّ في لعاعة -أي: في شيء تافه- من أمر الدنيا تألفت بها قلوباً دخلت الإسلام حديثاً، ووكلتكم أنتم إلى ما من الله به عليكم من الإسلام، يا معشر الأنصار! أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون أنتم برسول الله إلى رحالكم؟! يا معشر الأنصار! والله لو سلك الناس شعباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار، والله لولا الهجرة لكنت رجلاً من الأنصار، فاللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار.
فبكى الأنصار ﵃ وأرضاهم حتى اخضلت لحاهم، وقالوا على لسان رجل واحد لصاحب الأخلاق السامية: رضينا بالله رباً، وبرسول الله قسماً ومغنماً).
هل نستطيع في لغة البشر أن نعبر عن هذه الأخلاق من رسول الله يوم أن قال لهم.
(لولا الهجرة لكنت من الأنصار) ويوم أن كرمهم بهذا التكريم؟! لا ورب الكعبة، فلتردد معي -يا أيها المسلم- هذه الشهادة الزكية التي زكاه بها ربه وخالقه ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
قال الشاعر: فمبلغ العلم فيه أنه بشر وأنه خير خلق الله كلهم وقال آخر: أغر عليه للنبوة خاتم من نور يلوح ويشهد وضم الإله اسم النبي إلى اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهد وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد
стр. 481
قصة عمير بن وهب
روى ابن إسحاق بسند صحيح أن عمير بن وهب أسر ولده وهب بن عمير في غزوة بدر، فجلس عمير بن وهب مع صفوان بن أمية إلى جوار الكعبة وهما على الكفر والشرك، فتذكرا يوم بدر، فقال عمير بن وهب لـ صفوان بن أمية: والله لولا دين علي وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي لركبت إلى محمد لأقتله.
فقال صفوان بن أمية لـ عمير بن وهب: دينك علي، وعيالك عيالي أواسيهم بمالي، ولا أمنع شيئاً عنهم، واركب إلى محمد فاقتله.
يقول عمير بن وهب: فقلت لـ صفوان: فاكتم خبري وخبرك ولا تخبر بذلك أحداً.
فقال صفوان بن أمية: أفعل ذلك.
وانطلق عمير بن وهب فشحذ سيفه، وأغرقه في السم، وركب إلى المدينة؛ ليقتل الحبيب المصطفى ﵌، ولما أناخ راحلته على باب المسجد النبوي نظر إليه الفاروق الملهم عمر، فقال عمر: هذا عدو الله عمير بن وهب، والله ما جاء إلا لشر وسوء، فانطلق عمر إلى عمير ولببه من ثيابه خنقه خنقاً شديداً وجره إلى النبي ﷺ حتى أوقفه بين يدي رسول الله.
فقال الحبيب المصطفى ﷺ صاحب الخلق: (ادن يا عمير! فاقترب عمير من رسول الله، فقال له الحبيب ﷺ : ما الذي جاء بك؟ قال: ابني أسير عندكم، جئت لتحسنوا إلي في فدائي، فقال الحبيب: اصدقني يا عمير ما الذي جاء بك؟ قال: ما جئت إلا لهذا.
فقال المصطفى: فما بال السيف في عنقك؟ فقال عمير بن وهب: قبحها الله من سيوف، وهل أغنت عنا شيئاً يوم بدر؟! فقال المصطفى ﷺ : اصدقني يا عمير ما الذي جاء بك؟ قال: والله ما جئت إلا لهذا.
فقال الحبيب المصطفى ﷺ : بل جلست أنت وصفوان بن أمية في حجر الكعبة وقلت لـ صفوان: والله لولا دين عليّ وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي لركبت إلى محمد لأقتله، فقال لك صفوان: دينك عليّ، وعيالك عيالي، أواسيهم بمالي ولا أمنع شيئاً عنهم، واركب إلى محمد، فاقتله فقلت له: اكتم خبري وخبرك قال: أفعل، فشحذت سيفك وأغرقته في السم، وركبت إلى المدينة لتقتلني، والله حائل بينك وبين ذلك).
فقال عمير بن وهب: أشهد أنك رسول الله، والله ما علم بهذا الخبر أحد غيري وغير صفوان، ولقد علمت الآن أن الذي أخبرك بهذا هو الله ، فأحمد الله الذي ساقني إلى هذا المساق، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله.
فماذا قال صاحب الخلق الذي عرف منذ اللحظات الأولى أن عميراً ما جاء إلا ليقتله في عقر داره؟ قال صاحب الخلق لأصحابه: (فقهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه القرآن، وأطلقوا له ولده) هل توجد لغة للبشر أستطيع بها أن أعبر عن هذه الأخلاق السامية؟ لا ورب الكعبة، فلندع المشهد يتألق سمواً وروعة وجلالاً، ولتردد معي أيها المحب هذه الشهادة العظيمة التي شهد بها ربه جل وعلا ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
стр. 482
قصة زيد بن سعنة
أولاً: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
روى الطبراني عن عبد الله بن سلام بسند رجاله ثقات أن زيد بن سعنة وهو الحبر الكبير من أحبار اليهود قال: (ما من شيء من علامات النبوة إلا وقد عرفته في وجه محمد حين نظرت إليه إلا اثنتين: الأولى: يسبق حلمه جهله، والثانية: لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً.
يقول زيد بن سعنة: فخرج رسول الله ﷺ يوماً من الحجرات مع علي بن أبي طالب، وإذ برجل من الأعراب يقبل على النبي ويقول: يا رسول الله! إن قومي في قرية بني فلان دخلوا في الإسلام، ولكنهم دخلوا في الإسلام طمعاً، فلقد أخبرتهم أنهم إن دخلوا في الإسلام أتاهم رزقهم رغداً، وقد نزلت بهم اليوم شدة وقحط؛ فأخشى أن يخرجوا من الإسلام طمعاً كما دخلوا في الإسلام طمعا، فإن رأيت أن ترسل إليهم بشيء تغيثهم به فعلت يا رسول الله! فالتفت الحبيب المصطفى ﷺ صاحب الخلق العظيم إلى علي بن أبي طالب وسأله: هل عندنا شيء من المال؟ فقال علي بن أبي طالب: لا والله يا رسول الله لقد نفد المال كله.
يقول زيد بن سعنة: فدنوت من محمد ﷺ وقلت له: يا محمد! هل تبيعني تمراً معلوماً في حائط بني فلان -أي: في بستان بني فلان- إلى أجل معلوم، فقال النبي ﷺ : نعم، لكن لا تسم حائط بني فلان، أبيعك تمراً معلوماً إلى أجل معلوم، لكن لا تسم حائط بني فلان، يقول زيد بن سعنة: فوافقت النبي على ذلك، وأعطيت النبي ثمانين مثقالاً من الذهب، فأخذها النبي كلها وأعطاها لهذا الأعرابي وقال: اذهب إلى قومك فأغثهم بهذا المال، فانطلق الأعرابي بالمال كله.
يقول زيد بن سعنة: ولم يمض غير قليل من الوقت، فرأيت رسول الله ﷺ مع أبي بكر وعمر وعثمان ونفر من أصحابه صلوا على جنازة لصاحب لهم، وأتى النبي ﵊ إلى جدار ليجلس في ظله.
فاقترب منه زيد بن سعنة ونظر إليه بوجه غليظ، وأخذ بمجامع قميصه وردائه، وهز الحبر اليهودي رسول الله هزاً عنيفاً وهو يقول له: أد ما عليك من حق ومن دين يا محمد، فوالله ما علمتكم يا بني عبد المطلب إلا قوم مطلٌ في سداد الحقوق وأداء الديون، فالتفت إليه عمر وعينه تدور، وقال له: يا عدو الله! أتقول لرسول الله ﷺ ما أسمع، وتفعل برسول الله ما أرى؟! والذي نفسي بيده لولا أني أخشى فوته وغضبه لضربت رأسك بسيفي هذا، يقول زيد بن سعنة: وأنا أنظر إلى النبي ﷺ وإذ بالنبي ينظر إلي في سكون وهدوء، ثم التفت المصطفى ﷺ إلى عمر بن الخطاب وقال له: يا عمر، لقد كنت أنا وهو في حاجة إلى غير ذلك، يا عمر لقد كان من الواجب عليك أن تأمرني بحسن الأداء، وأن تأمره بحسن الطلب).
فوقف زيد بن سعنة مبهوتاً مفزوعاً أمام هذه الأخلاق السامية، وأمام هذه الروح الوضيئة العالية من الحبيب المصطفى بأبي هو وأمي ﷺ ، أتدرون ماذا قال صاحب الأخلاق العظيمة؟ التفت الحبيب إلى عمر ﵁ وقال: يا عمر! خذه وأعطه حقه، وزده عشرين صاعاً من تمر جزاء ما روعته، يقول زيد بن سعنة: فأخذني عمر بن الخطاب وأعطاني حقي وزادني عشرين صاعاً من تمر فقلت له: ما هذه الزيادة يا عمر؟ فقال له: أمرني رسول الله أن أزيدكها جزاء ما روعتك، فالتفت الحبر اليهودي إلى عمر وقال: يا عمر، ألا تعرفني؟ قال: لا.
قال: أنا زيد بن سعنة.
قال عمر: حبر اليهود؟ قال: نعم، فالتفت إليه عمر وقال: فما الذي حملك على أن تقول لرسول الله ما قلت، وعلى أن تفعل برسول الله ما فعلت؟! فقال زيد بن سعنة: والله يا ابن الخطاب ما من شيء من علامات النبوة إلا وقد عرفته في وجه رسول الله حين نظرت إليه، ولكنني لم أختبر فيه خصلتين من خصال هذه النبوة، فقال له عمر: وما هما؟ قال حبر اليهود: الأولى: يسبق حلمه غضبه، والثانية: لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً، أما وقد عرفتهما اليوم في رسول الله فأشهدك يا عمر أني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم).
أيها الأحبة: ماذا أقول أمام هذه الأخلاق؟ وبأي لغة أعلق؟! أنا أسأل الآن وأقول: هل توجد لغة أستطيع بها أن أعبر عن هذه الأخلاق السامية؟ لا ورب الكعبة! فلندع المشهد يتألق روعة وسمواً وجلالة، ولتردد معي أيها المحب للحبيب المصطفى هذه الشهادة العظيمة من خالقه جل وعلا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
стр. 483
حكم الاحتفال بمولد النبي ﵊
قال الله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١]، فأقول: هل بعث الله رسوله المصطفى لتكون سيرته قصة تتلى في يوم المولد من أيام شهر ربيع؟ ما أرخصه من حب! ما أرخصه من اتباع! ما أرخصه من تقدير! أمة والله لا تعرف قدر نبيها، هل بعث الله رسوله لتكون سيرته قصة تتلى بصوت رخيم جميل أنيق والناس من حول صاحب الصوت يصطرخون؟ ويخرج الناس بعد سماعهم لسيرة المصطفى وكأن لسان حالهم يقول: كان يا ما كان أيام زمان على عهد النبي ﵊، كأنها قصة أبي زيد الهلالي! وكأننا ما كلفنا أن نحول هذه السيرة في حياتنا إلى واقع عملي، وإلى منهج حياة! تحكى الآن سيرة النبي ﵊ على أنها قصة، لم يعد الناس ينظرون إلى هذه السيرة ليحولوا معانيها في حياتهم إلى واقع عملي، إلى مشهد يتحرك ويرى ويسمع في عالم الدنيا وفي عالم الناس.
والله ما أرسل الله نبيه لتكون سيرته ماضياً بل وحاول أعداء الأمة أن يحولوا بين الأمة وبين رسولها، حرصوا أن يحولوا بين الأمة وبين سيرة النبي العظيم الخاتم؛ لتظل سيرة النبي في حياة الأمة قصة تتلى، وحكاية جميلة ترددها الألسنة، وقصائد وكلمات منمقة، يحتفل بها علية القوم وسادة الناس، تحتفل الأمة برسول الله عبر قصيدة أو عبر أبيات شعرية، أو عبر خطبة رنانة، أو عبر ندوة رنانة، أو عبر ليلة ماجنة، ليلة يؤتى فيها براقص يسمونه مداحاً، يقف هذا الراقص بين جموع تصرخ، ويتحرك مجموعة من الناس لجمع التبرعات، لماذا تجمع التبرعات؟! يقولون: لمولد رسول الله، أي مولد هذا الذي تجمع له التبرعات؟ يجمع في هذه الليلة ألف، يجمع في هذه الليلة ألفان، يجمع في هذه الليلة ثلاثة آلاف، أليس في بلدنا فقراء هم في أمس الحاجة إلى هذا المال؟! اتقوا الله يا أيها الناس! اتقوا الله يا عباد الله! والله إنه الكذب، والله إنه الدجل، ينفق في ليلة من هذه الليالي -بحجة أننا نحتفل برسول الله- هذه الآلاف من الجنيهات، وينفقها أناس لا يصلون وأنتم تعلمون، رجل لا يصلي لله ويدعي أنه يحتفل برسول الله، ما هذا الكذب؟! ما هذا الهراء؟! أيها المسلمون اتقوا الله، وأذكركم بهذه النصيحة الخالصة لوجه الله، لا أسألكم عليها مالاً، ولا أسألكم عليها أجراً، وليقل الناس ما قالوا؛ فإني أبتغي رضا رب الناس جل وعلا، إن ما تفعلونه بدعة منكرة لا أصل لها ولا وجود لها.
يا من تمسكون الطبل والمزمار؛ لتغنوا للنبي المختار، أنتم على بدعة، والله ما فعل ذلك أبو بكر، والله ما فعل ذلك عمر، والله ما فعل ذلك عثمان، والله ما فعل ذلك علي! إن الاحتفال برسول الله لا يتمثل في هذه الليالي الماجنة التي يختلط فيها الشباب بالفتيات، والرجال بالنساء، ويترك فيها الناس صلاة العصر، حيث يمرون على المسجد أثناء الزفة فلا يصلون لماذا؟ أرفعت عنهم التكاليف لأنهم يحتفون برسول الله؟ ما شاء الله! إنا لله وإنا إليه راجعون، قضوا هذه الليلة مع هذا الراقص، والله الذي لا إله غيره ربما ما صلى واحد منهم الفجر لله، هل هذا هو الحب؟! أيها المسلمون! سيسألني الآن أب طيب من آبائنا ويقول: لماذا لا تمنع الدولة هذه الموالد؟
و
الجواب
إنها ثلة منتفعة، وأذكرك بتحقيق صحفي لا أقول: نشرته جريدة المعارضة، وإنما نشرته جريدة الجمهورية، وهذا التحقيق ينبئنا عن أموال صناديق النذور في قبور الأولياء، ففي مسجد السيد البدوي في كل ثلاثة أشهر يفتح صندوق النذور، ويكون نصيب خادم دورة المياه في كل ثلاثة أشهر أكثر من تسعة آلاف جنيه! فما ظنك بمن هو أعلى؟! وتأتي أنت يا صاحب اللحية لتقول: حرام تقطع رقبتي، تحرمني من هذه الآلاف، إنها ثلة منتفعة، والله لا أصل لها في قرآن ولا أصل لها في سنة، أما أن يأتي رجل لا يصلي ويدعي أنه يحتفل برسول الله، فهذا منكر عظيم.
أيها المسلمون! من دفع جنيهاً واحداً لهذه الموالد فهو عاصٍ لله ، وقد وقع في البدعة، وقد ارتكب إثماً ومعصية، يقول الحبيب المصطفى ﷺ : (من نذر لغير الله فقد أشرك)، أنت مسئول عن مالك، كل جنيه تدفعه ورب الكعبة ستسأل عنه، الله سيسألك عن هذه الأموال، يقول المصطفى: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: -وذكر النبي منها- ويسأل عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه).
ستقول: يا رب! أنفقته في المولد! أي مولد؟ رجال ونساء، تضييع للصلوات، فقراء في أمس الحاجة إلى هذه الأموال، الله الله عباد الله، اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد.
أيها الشباب! يا من تتحرك دماء الحماس في عروقكم، وظيفتنا البلاغ والبيان، ليست وظيفتنا أن نلزم الناس، وأن نجبر الناس، وأن نقهر الناس، وظيفتنا البلاغ، وظيفتنا البيان، ما علينا إلا أن نبلغ، ما علينا إلا أن نبين، ما علينا إلا أن نوضح الحق بالدليل من القرآن والسنة، قال الله لنبيه: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِر﴾ [الرعد:٧]، ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [الشورى:٤٨]، ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٧٢]، فوظيفتنا أن نبلغ، وأن نحذر، وأن ننذر، ولنترك النتائج بعد ذلك لمن بيده القلوب، أسأل الله أن يرد الأمة إليه رداً جميلاً، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 484
القرآن يربي ويعلم
أيها الأحبة: إذا كانت مكانة رسول الله في قلوبنا أن نحتفل له في ليلة بقصيدة أو بندوة أو بمحاضرة، فما أرخصها من مكانة وما أرخصه من حب؛ لذا لا يعلم قدر رسول الله إلا الله، أنزل الله عليه القرآن ليربي ويعلم أصحابه، وليعلم المسلمين من بعدهم كيف يعاملون رسول الله، وكيف يوقرون رسول الله، وهذا هو عنصرنا الثاني من عناصر اللقاء: "القرآن يعلم".
قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات:١ - ٣].
هذا القرآن يؤدبنا ويعلمنا كيف نعامل النبي ﷺ ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:١] قال ابن عباس: أي: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة.
وقال مجاهد: أي: لا تفتاتوا على رسول الله حتى يقضي الله على لسان رسوله.
وقال الضحاك: أي: لا تقضوا شيئاً من شرائع دينكم دون الله ورسوله.
قال القرطبي: (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله أي: لا تقدموا قولاً ولا فعلاً على قول الله وعلى قول وفعل رسول الله؛ فإن من قدم قوله وفعله على قول وفعل رسول الله فإنما قدمه على الله؛ لأن رسول الله إنما يأمر بما أمر به الله .
قال الإمام الشنقيطي: (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله)، ويدخل في ذلك دخولاً أولياً تشريع ما لم يأذن به الله، وتحريم ما لم يحرمه، وتحليل ما لم يحلله؛ إذ لا حلال إلا ما أحله الله على لسان رسوله، ولا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، ولا دين إلا ما شرعه الله على لسان رسوله ﷺ ، هذا هو الهدف الذي ينبغي أن تكون عليه الأمة مع رسول الله، أي: لا تقدم قولة ولا فعلة على قول وفعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
والسؤال الآن يا إخوة: هل امتثلت الأمة أمر الله فتأدبت مع رسول الله؟ هل امتثلت الأمة أمر الله فلم تقدم قولها ولا حكمها ولا فعلها على قول وفعل وحكم رسول الله؟ والجواب بملء الفم: لا، والواقع خير شاهد، وهذا هو عنصرنا الثالث من عناصر اللقاء، أرجئ الحديث عنه إلى ما بعد جلسة الاستراحة، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 485
الواقع خير شاهد على خيانة الأمة ومجانبة السنة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! هل امتثلت الأمة أمر الله فتأدبت مع رسول الله، فوقرت النبي، وأجلت النبي، وعظمت النبي، فامتثلت أمره، واجتنبت نهيه، ووقفت عند حدوده، واتبعت سيره وطريقه ﷺ ؟ والجواب بملء الفم: لا، والواقع خير شاهد على جوابي، وهذا هو العنصر الثالث من عناصر اللقاء.
إن واقع الأمة خير شاهد على أن الأمة لم تمتثل أمر الله وأمر رسوله، أمة تدعي أنها تحتفل برسول الله في شهر ربيع في الوقت الذي نحت فيه شريعته، وسخرت فيه من سنته! هل هذا حب؟ هل هذا احتفال؟ أمة يتغنى أبناؤها ابتداءً من علية القوم وسادة الناس في شهر ربيع على شاشات التلفاز بالندوات والمحاضرات والموالد، وتدعي أنها تحب رسول الله، وتحتفل برسول الله، وتكرم رسول الله، في الوقت الذي نحت سنته، وعطلت شريعته، أين السنة؟ أين شريعة رسول الله؟ هل تعلمون أن الأمة الآن قد حكمت في الأموال والأعراض والدماء والفروج القوانين الوضعية الفاجرة الجائرة، وعطلت شريعة النبي المصطفى ﷺ ؟ الله يقول في قرآنه: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢]، فعرض قانون الله على مجلس الشعب، فماذا قال مجلس الشعب الموقر؟ قال مجلس الشعب الموقر: لا، هذا قانون لا نأخذ به ولن نعمل به، لماذا؟ قالوا: لأنه قانون وحشي، لأنه قانون فيه تعسف وظلم.
فما قانونكم الذي تريدون أن تحكموه في الأعراض؟ قالوا: إن تم الزنا بين الرجل والمرأة بالتراضي خفف الحكم، وإن تدخل زوج الزانية وتنازل عن القضية فلا يجوز للقاضي أن يدخل في القضية حكماً، وتصبح المتهمة بريئة، ويصبح المتهم بريئاً من الفور وعلى الحال! هذا قانونهم؛ وذاك هو قرآننا وتشريعنا.
هذا مثال واحد أضربه لحضراتكم؛ لنبين لكم أن الأمة قد نحت الشريعة قد عطلت كتاب الله قد عطلت سنة رسول الله وحكمت قانون نابليون وقانون البيت الأبيض، وقانون البيت الأحمر، وقانون البيت الأسود، واستبدلت بالعبير بعراً، وبالثريا ثرى، وبالرحيق المختوم حريقاً محرقاً مدمراً.
أين الأمة من دماء تسفك، وأشلاء تمزق، وأعراض تنتهك، ومقدسات تدنس وهي تغني لرسول الله؟!!
стр. 486
غفلة الأمة عن جراحها ومصائبها
أمة لا تستحي حين يرقص القادة والعلماء والكبار بحب رسول الله في الوقت الذي تسفك فيه الدماء، وتمزق فيه الأشلاء، وتنتهك فيه الأعراض، وتدنس فيه المقدسات، والأمة لا زالت تغني، ومازالت ترقص بحبها للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو الذي قال كما في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير: (مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).
المسلمة في البوسنة تصرخ والمسلمون في بلاد المسلمين يأكلون عروسة المولد! المسلمة في البوسنة ينتهك عرضها ولا زال الكبار يرقصون ويغنون بحب رسول الله، أين أنتم من رسول الله؟! أين أنتم من محبته ﷺ ؟! المسلمة منذ أربع سنوات تصرخ في البوسنة، وأخيراً قالت: أيها المسلمون! إن عجزتم عن مدنا بالسلاح فأمدونا بحبوب منع الحمل؛ حتى لا تعظم المصيبة، أين المسلمون الراقصون؟! أين المسلمون الذين يتغنون في الليل والنهار؟! يا مسلمون إن عجزتم عن مدنا بالسلاح لندافع عن شرفنا وعقيدتنا، فأمدونا بحبوب منع الحمل؛ حتى لا تعظم المصيبة.
بل قهر الصرب قلب المسلمة، وحطموا فؤادها يوم أن أخذوا طفلها من صدرها، ووضعوا طفلها أمام عينيها على النار؛ ليشوى الطفل أمام أمه، ثم أكرهت الأم تحت تهديد الرصاص أن تأكل من لحم ولدها المشوي، وبعد ذلك ينتهك عرضها، ثم تضرب بالرصاص لتقتل!! أين المسلمون الذين يغنون ويرقصون بحب رسول الله؟!! المسلمة في البوسنة تصرخ وتقول: أنا لا أريد طعامكم وشرابكم فدمي هنا يا مسلمون يراق عرضي يدنس أين شيمتكم أما فيكم أبيٌ قلبه خفاق أختاه أمتنا التي تدعونها صارت على درب الخضوع تساق أودت بها قومية مشئومة وسرى بها نحو الضياع رفاق إن كنت تنتظرينها فسينتهي نفق ويأتي بعده أنفاق مدي إلى الرحمن كف تضرع فلسوف يرفع شأنك الخلاق لا تيأسي فأمام قدرة ربنا تتضاءل الأنساب والأعراق يا من احتضنت طفلك في صدرك، وضحكت ملء فمك، وأكلت ملء بطنك، وعشت للكراسي الزائلة وللمناصب الفانية، لقد أُخذ الطفل من أحضان أمه على أرض البوسنة.
والله الذي لا إله غيره لقد رأيت بعيني على شاشات التلفاز في إحدى الزيارات لأمريكا منظراً يخلع القلب، رأيت امرأة صومالية خرجت في ظل هذه الحرب الطاحنة وخرج معها أبناؤها، وفي صحراء مقفرة نفد الطعام ونفد الشراب، فسقطت الأم من الإعياء وهي تحمل رضيعها، وتحمل طفلاً آخر على ظهرها، وأطفالها يجرون ثيابها من خلفها، كانت تمشي هذه الأم في الصحراء، ثم انتهى الطعام وانتهى الشراب وسقطت الأم تحت حرارة محرقة في صحراء مقفرة، ونامت وطال نومها، قبض الله روحها وماتت، وانطلق الأطفال يبحثون عن طعام يبحثون عن شراب، فلما لم يجد الأطفال طعاماً ولا شراباً انطلقوا يفتشون عن ثدي الأم، فالتقم الأطفال الثدي، فلما جف الثدي ولم يعد يعطي لبناً انطلق الأطفال يبحثون عن شيء آخر فلم يجدوا، فوالله لقد انقضوا على لحم أمهم ليأكلوه!! هذه صورة في الصومال على مرأى ومسمع المسلمين، وفي البوسنة أيضاً ينتزع الطفل من أمه ليباع أمام أمه، طفل يباع أمام أمه، أين المسلمون الذين يغنون ويرقصون لرسول الله ﷺ ؟! أطفالنا ناموا على أحلامهم وعلى لهيب القاذفات أفاقوا أطفالنا بيعوا وأوروبا التي تشري ففيها راجت الأسواق أين النظام العالمي أما له أثر ألم تنعق به الأبواق أين السلام العالمي لقد بدا كذب السلام وزاغت الأحداق يا مجلس الخوف الذي في ظله كسر الأمان وضيع الميثاق أوما يحركك الذي يجري لنا أوما يثيرك جرحنا الدفاق يعفى عن الصرب الذين تجبروا وطغوا ويفرد بالعقاب عراق وحشية يقف الخيال أمامها متضائلاً وتمجها الأذواق أين الذين يرقصون ويغنون بحب رسول الله من هذه المآسي المروعة، في البوسنة، وفي الصومال، وفي الشيشان، وفي طاجكستان، وفي تركستان، وفي كشمير، وفي الفلبين، وفي كل مكان؟ ففي كل بلد على الإسلام جائرة ينهد من هولها رضوى وثهلان ذبح وصلب وتقتيل لإخوتنا كما أعدت لتشفى الحقد نيران يستصرخون ذوي الإيمان عاطفة فلم يغثهم ليوم الروع أعوان هل هذه غيرة أم هذه ضعةٌ للكفر ذكر وللإسلام نسيان الواقع خير شاهد على كذب الأمة، وعلى أن الأمة قد خانت الله والرسول، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧]، والواقع خير شاهد على أن الأمة قد خانت ربها، وخانت نبيها، يوم أن تخلت عن الأمانة وعن السيادة وعن القيادة بتركها لأصل عزها، ونبع شرفها، بتركها للكتاب والسنة، وصار المجتمع الغربي يقود البشرية كلها على حين غفلة من أمة القيادة.
وأخيراً هذا هو الحب أيها المحب، وأكتفي الآن بهذا القدر، لأرجئ الحديث عن هذا العنصر بعد الصلاة إن شاء الله تعالى لمن أراد أن يسعدنا ويشرفنا بالجلوس نظراً لهذه الإطالة.
أسأل الله أن يرد الأمة إليه رداً جميلاً، اللهم رد الأمة إليك رداً جميلاً، اللهم رد الأمة إليك رداً جميلاً! اللهم أنت غياثنا فبك نستغيث، وأنت عياذنا فبك نعوذ، وأنت ملاذنا فبك نلوذ، لا إله لنا سواك فندعوه، ولا رب لنا غيرك فنرجوه، يا منقذ الغرقى، ويا منجي الهلكى، ويا سامع كل نجوى، يا عظيم الإحسان، ويادائم المعروف، اللهم ارفع مقتك وغضبك عن أمة حبيبك محمد، اللهم ارفع مقتك وغضبك عن أمة حبيبك محمد، اللهم ارفع مقتك وغضبك عن أمة حبيبك محمد، اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم احمل المسلمين الحفاة، واكس المسلمين العراة، وأطعم المسلمين الجياع، اللهم احمل المسلمين الحفاة، واكس المسلمين العراة، وأطعم المسلمين الجياع برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم شتت شمل الصرب، اللهم سلط الصرب على الكروات، وسلط الكروات على الصرب، وأخرج المسلمين البوسنيين من بينهم سالمين غانمين برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم إن الكل قد تخلوا عنهم فلا تتخل عنهم بذنوبهم، اللهم كن لهم ناصراً يوم قل الناصر، وكن لهم معيناً يوم انعدم المعين برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم لا تدع لأحد منا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا ثبته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا ولا معنا شقياً ولا محروما، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم ارزقنا الصدق في أقوالنا والإخلاص في أعمالنا، واليقين في عقيدتنا، اللهم لا تدع للشيطان حظاً ولا نصيباً في أفعالنا برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم إنا نسألك أن تجعل مصر واحة للأمن والأمان، اللهم اجعل مصر واحة للأمن والأمان، وسائر بلاد الإسلام، اللهم ارفع عن مصر الغلاء والوباء والبلاء برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم لا تحرم مصر من التوحيد والموحدين، اللهم لا تحرم مصر من التوحيد والموحدين، اللهم ارفع غضبك ومقتك عنا يا أرحم الراحمين.
هذا، وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه، وأقم الصلاة.
стр. 487
الحب الصادق للنبي ﷺ
العنصر الأخير من عناصر هذا اللقاء هذا هو الحب أيها المحب، وأسأل الله أن يرزقنا وإياكم الحب الصادق لرسول الله ﷺ .
قد لا أكون مبالغاً إن قلت: إنني لا أعلم شعباً -والله تعالى أعلم- يحب رسول الله كشعب مصر، لكنني أقول: ينبغي أن يضبط هذا الحب، ففرق كبير بين حب مبني على الابتداع، وحب مبني على الاتباع.
فالحب الصادق هو الحب الذي يبنى على اتباع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، المحب للنبي ﵊ لا يتكلم إلا بمثل كلام النبي، بمعنى: لا تتكلم ولا تفعل إلا إذا علمت أن رسول الله ﷺ قد أمرك أن تقول هذا أو أن تفعل هذا، يعني: يرفع النبي رجله اليمين فتحط رجلك اليمين على أثر رجله، يرفع النبي رجله الشمال فتضع رجلك الشمال مكانها، تمشي وراء خطاه، وإن شاء الله في نهاية الطريق ستجد الحبيب المصطفى ينتظرك على الحوض؛ لتسقى بيده الشريفة شربة هنيئة مريئة لن تظمأ بعدها أبداً؛ حتى تستمتع بالنظر إلى وجه الله في جنة الله مع رسول الله.
стр. 488
المحب الصادق يحافظ على الصلاة
هل المحب الصادق يضيع الصلاة؟ أين هو من حديث رسول الله ﷺ : (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) وقال النبي ﵊: (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة).
سبحان الله! أين من يدعون الحب والمؤذن يقول: حي على الصلاة، والناس قاعدون على (المصاطب) أو على (القهاوي) والمحلات والبقالات فاتحة، ألست أنت تحب النبي؟ نعم أنا قلبي ملآن بحب النبي.
إذاً: لماذا لم تقم لتصلي؟ هذا النبي يقول لك: إذا سمعت المؤذن يؤذن فأجب.
كان هناك رجل أعمى اسمه عبد الله ابن أم مكتوم، لكنه يستأذن النبي في صلاة واحدة، وهي صلاة الفجر التي ضيعها المسلمون في هذا الزمان حتى سقطت من الحسابات، ففي هذا الزمن لو سألت مسلماً: كم صلاة عليك؟ لقال أربع!! صلاة الفجر سقطت من زمان، فتش عن المساجد في صلاة الفجر، ابحث عن أي مسجد في صلاة الفجر، أين المسلمون المحبون؟ نائمون، قضى أول الليل مع المسلسل، وثنى بالفلم، كيف سيقوم لصلاة الفجر؟ ألست تحب النبي؟ نعم يا أخي، أحب النبي ﷺ ، لكن ربك رب قلوب، صل على الحبيب المحبوب.
يقول المصطفى ﷺ : (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)، ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل.
وبالمناسبة: هذا ليس حديثاً؛ لأن كثيراً من الخطباء والوعاظ يقولون هذا على أنه حديث للنبي ﷺ ، لا، هذا من قول الحسن البصري رحمه الله تعالى: (ليس الإيمان بالتمني، ولا بالتحلي، ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، فمن قال خيراً وعمل خيراً قبل منه، ومن قال خيراً وعمل شراً لم يقبل منه).
أين المحب من الصلاة؟ لا يصلي، لا يزكي إلا ما رحم ربك، لا يحفظ لسانه، تجد الواحد من هؤلاء حريصاً على حل الأكل، يقول لك: هذا لحم مستورد، هذا البسكوت فيه شحم خنزير، وهذا جميل جداً، وما أحسنه من عمل إن كان لله لكنه في الوقت ذاته لا يتورع عن أكل لحوم الناس في الليل والنهار! يا أخي! أنت لا تأكل اللحوم التي أحلها لك ربنا؛ لأنك تشك في كونها ذبحت على غير طريقة الإسلام، وتحل لنفسك أن تأكل لحوم إخوانك في الليل والنهار! الحب الصادق لرسول الله يتمثل في كلمة واحدة هي: الاتباع، أي: أن تتبع النبي ﷺ ، فتمشي على طريق النبي، وتمتثل أمر النبي، وتجتنب نهي النبي، وتقف عند حدود النبي، صلوا على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
стр. 489
المحب الصادق يقدم حب النبي على نفسه
يقول الحبيب: (والذي نفسي بيده! لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه ووالده وولده والناس أجمعين)، أي: لا يكتمل الإيمان في قلبك إلا إذا كان حبك للنبي يفوق حبك لولدك، ولوالدك، وللناس أجمعين، بل ولنفسك التي بين جنبيك، فسل نفسك الآن، وكل يجيب عن نفسه: هل أنا أحب رسول الله أكثر من حبي لولدي؟ وهل ألبي أمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ أنت الذي تجيب.
هل حب رسول الله في قلبك يفوق حبك لوالدك؟ هل حب رسول الله في قلبك يفوق حبك لنفسك التي بين جنبيك؟ عمر بن الخطاب يقول للنبي: أنا أحبك يا رسول الله، لكن ليس أكثر من نفسي.
فقد كانوا لا يعرفون المنافقة والمداهنة والتملق، فقال: أنا أحبك لكن ليس أكثر من نفسي، فقال النبي ﷺ : (لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك.
فقال عمر: والذي نفسي بيده لأنت أحب إلي من نفسي يا رسول الله).
انظروا الحب يا إخوة، انظروا عمر يقول: والله أنا أحبك الآن أكثر من نفسي، ويشكل هذا الحديث على بعض الإخوة، ويقولون: عمر قال في الأول أنا أحبك لكن ليس أكثر من نفسي، وبعد ذلك فوراً قال: أنا أحبك أكثر من نفسي، لماذا؟ يقول الإمام الخطابي: حب الإنسان لنفسه طبع، وحب الإنسان لغيره اختيار بتوسط الأسباب -يعني: أنا أحبك وأنت تحبني لأسباب-.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 490
ما للنساء في الجنة
النعيم الذي أعده الله تعالى في الجنة لعباده المؤمنين هو للرجال منهم والنساء على حد سواء، ونساء الدنيا إذا دخلن الجنة فحالهن ومنزلتهن أرفع من الحور العين، وهذا من فضل الله تعالى على النساء الصالحات، ومن كمال عدله سبحانه.
стр. 491
المساواة بين الرجل والنساء
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فمع سؤال خطير هام حساس، هذا السؤال تغزى به بيوت المسلمين، وورد لنا السؤال في الجمعة الماضية أمام الإخوة الجالسين بعد الصلاة، وورد أيضاً من جهات أخرى، ومن بيوت على مستوى رفيع، وهم أصحاب حق في السؤال، وصيغة السؤال التي تغزى به البيوت: الرجل له زوجات في الجنة، وأنت أيتها المرأة المسلمة! ما لك في الجنة؟ وأنا أستأذنكم أن أنزل قليلاً إلى اللغة العامية؛ لأن الدرس خاص بأخواتنا المؤمنات.
أولاً: الإسلام -يا أخت الإسلام- لم يفرق بين المرأة والرجل في التمتع بالنعيم إطلاقاً، فنعيم الجنة للرجال والنساء على حد سواء، ولنأخذ ماذا قدم الإسلام للمرأة، في الدنيا أولاً، وباختصار.
стр. 492
التكريم في العمل
الثالث: التكريم في العمل.
لا فرق بين رجل وامرأة في ثواب الأعمال، بل ربما امرأة مستقيمة طائعة لله تعدل عند الله ملايين الرجال الذين لا يعرفون للدين حرمة، ولا للطاعة صداقة، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧].
стр. 493
المساواة والتكريم في استجابة الدعوة
الرابع: المساواة والتكريم في استجابة الدعوة الصالحة من الرجل والمرأة على حد سواء؛ بل إذا دعت المرأة ربها بقلب حاضر -مثلاً- ودعا رجل ربه بقلب لاه، فإن الله يستجيب لها ولا يستجيب له، لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران:١٩٥]، هذا على مستوى الدنيا، فهذه تسوية كاملة.
стр. 494
التسوية في أصل الخلق
التسوية بين الرجل والمرأة في أصل الخلق، لا فرق إطلاقاً، الإسلام دين عدل، والخالق لهذا الكون واحد، وهو العادل الرحيم، فلا فرق بين الرجل والمرأة في الدنيا في أصل الخلق.
وهذه التسوية في أصل الخلق، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
стр. 495
التسوية والتكريم في العقل والعقيدة
التسوية والتكريم في العقل والعقيدة، تكريم في العقيدة للمرأة في منتهى الحرية والإطلاق، لقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم:١١]، كأنها تريد أن تقول لفرعون: إذا كنت أنت ملكت الدنيا، فإنك لم تملك قلبي، ولم تملك عقلي، ولم تملك عقيدتي، فإن قلبي وعقلي وعقيدتي ملك لله رب العالمين.
следующие страницы →