Полный текст (1 901 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
المساواة بين الرجل والنساء
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فمع سؤال خطير هام حساس، هذا السؤال تغزى به بيوت المسلمين، وورد لنا السؤال في الجمعة الماضية أمام الإخوة الجالسين بعد الصلاة، وورد أيضاً من جهات أخرى، ومن بيوت على مستوى رفيع، وهم أصحاب حق في السؤال، وصيغة السؤال التي تغزى به البيوت: الرجل له زوجات في الجنة، وأنت أيتها المرأة المسلمة! ما لك في الجنة؟ وأنا أستأذنكم أن أنزل قليلاً إلى اللغة العامية؛ لأن الدرس خاص بأخواتنا المؤمنات.
أولاً: الإسلام -يا أخت الإسلام- لم يفرق بين المرأة والرجل في التمتع بالنعيم إطلاقاً، فنعيم الجنة للرجال والنساء على حد سواء، ولنأخذ ماذا قدم الإسلام للمرأة، في الدنيا أولاً، وباختصار.
стр. 492
التكريم في العمل
الثالث: التكريم في العمل.
لا فرق بين رجل وامرأة في ثواب الأعمال، بل ربما امرأة مستقيمة طائعة لله تعدل عند الله ملايين الرجال الذين لا يعرفون للدين حرمة، ولا للطاعة صداقة، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧].
стр. 493
المساواة والتكريم في استجابة الدعوة
الرابع: المساواة والتكريم في استجابة الدعوة الصالحة من الرجل والمرأة على حد سواء؛ بل إذا دعت المرأة ربها بقلب حاضر -مثلاً- ودعا رجل ربه بقلب لاه، فإن الله يستجيب لها ولا يستجيب له، لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران:١٩٥]، هذا على مستوى الدنيا، فهذه تسوية كاملة.
стр. 494
التسوية في أصل الخلق
التسوية بين الرجل والمرأة في أصل الخلق، لا فرق إطلاقاً، الإسلام دين عدل، والخالق لهذا الكون واحد، وهو العادل الرحيم، فلا فرق بين الرجل والمرأة في الدنيا في أصل الخلق.
وهذه التسوية في أصل الخلق، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
стр. 495
التسوية والتكريم في العقل والعقيدة
التسوية والتكريم في العقل والعقيدة، تكريم في العقيدة للمرأة في منتهى الحرية والإطلاق، لقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم:١١]، كأنها تريد أن تقول لفرعون: إذا كنت أنت ملكت الدنيا، فإنك لم تملك قلبي، ولم تملك عقلي، ولم تملك عقيدتي، فإن قلبي وعقلي وعقيدتي ملك لله رب العالمين.
стр. 496
ما أعد الله في الجنة من النعيم للنساء
يبقى السؤال الذي طرحنه النساء، فإنهن يقلن: نحن عرفنا المساواة في الدين والعقل، والعمل والدعاء، والنفس الواحدة، والأصل والخلق، هذا كله ذكره ربنا في القرآن، لكن ماذا لنا في الجنة؟ فنقول: النعيم في الجنة للرجال والنساء على حد سواء، ولا يوجد أحد يقول: النعيم في الجنة للرجل فقط، ومن قال هذا سنقول له: هات ما عندك من دليل، إن كنت صادقاً؟
стр. 497
هل لنساء الدنيا أزواج في الجنة
سيبقى السؤال الحساس الذي هو ختام اللقاء، إذا كان للزوج في الجنة زوجات، فما للنساء؟ وفي ظاهر هذا السؤال أن الزوجة تتمتع بأقل ما يتمتع به الرجل، لكن إذا أحللناه ونظرنا في المسألة بعمق، نجد أن المرأة أوفر حظاً من الرجل في هذا الجانب.
ونبدأ في الجواب فنقول: أولاً: التعدد للرجل في الدنيا وفي الجنة مباح، لكن أقول لكل امرأة حرة عفيفة: أتقبلين تعدد الأزواج في الدنيا؟ وأن يكون لك زوجان أو ثلاثة؟ فستقول: لا؛ لأني حرة عفيفة، ولا أقبل ذلك أبداً، فأقول لها: إذا كنت لا تقبلين ذلك في الدنيا أتنادين به في جوار الله في الجنة؟! ستقول: لكن المسألة هو يتمتع أكثر مني، أقول لها: لا، هو لا يتمتع أكثر منك فقد جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن أحدكم -يعني: من الرجال- ليعطى قوة مائة رجل في الأكل، والشرب، والجماع، والشهوة)، قد تقول إحداكن: طالما هو يعطى قوة مائة رجل، ونحن ماذا نعطى؟ أقول: لو فكرتم في قوله ﷺ : (ليعطى قوة مائة رجل في الجماع) لعلمتنَّ أن ذلك لصالحكنَّ.
стр. 498
الفرق بين نساء الدنيا وبين الحور العين
تعالي يا أخت الإسلام: لنعرف ما الفرق بينك وبين الحور العين؛ من أجل ألا تغضبي أو تثيري أسئلة حساسة وخطيرة، الله يقول في سروة الواقعة عنكن: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً﴾ [الواقعة:٣٥]، إذاً: أنت في الجنة سينشئك الله إنشاءً آخر، فيبقى أول تكريم للمرأة المسلمة في الجنة إنشاء الله لها.
الثاني: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ [الواقعة:٣٦] يعني: أنت ستكونين بكراً بقدرة الله في الجنة، وكلما أتاك زوجك في الجنة تعودين بكراً، كما كنت مطهرة بقدرة الله.
ولعل إحداكن تقول: هل الحور العين مثلنا في هذا الأمر؟ أقول لها: نعم، كيف؟ قال تعالى: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة:٣٧]، فوصف (عرباً أتراباً) هو الذي سيحل لنا هذا السؤال.
لنعرف أولاً: ما معنى (عرباً)، عُرُب: جمع عروب، يقال: امرأة عروب، وعربة.
يعني: متحببة متذللة لزوجها، مازحة ضاحكة مستبشرة، لها نبرة صوت خلاب، ومزاج جذاب، تقول لزوجها: والله ما في الجنة أجمل منك، ولا أبهى منك، ولا أكمل منك، الحمد لله الذي خلقني لك وخلقك لي، هذا معنى (عرباً).
أما (أتراباً): فجمع ترب، يقال: امرأة ترب، يعني: امرأة متساوية؛ متساوية مع الحور العين في الإنشاء، ومن الذي أنشأ الحور العين؟ ومن الذي سينشئ زوجة الدنيا؟ الله، إذاً: التساوي في الإنشاء.
(فجعلناهن أبكاراً) من الذي سيجعل الحور العين بكراً كلما عاد لها زوجها؟ الله، من الذي سيجعل زوجة الدنيا بكراً كلما أتاها زوجها؟ الله، إذاً: التساوي في البكارة أيضاً، بل حتى متساويات في السن، فالحور العين أعمارهن ثلاث وثلاثون سنة، وأنتِ يا امرأة الدنيا عمرك ثلاث وثلاثون سنة، وبهذا نعلم أنه لا فرق بينكن في الإنشاء، ولا فرق في البكارة، ولا في العمر وإنما أنتن عرباً أتراباً.
وأنتِ تزدادين على الحور العين بأنك سيدة عليها في الجنة، وسيدة القصر، ولماذا أنت سيدة ومفضلة على الحور العين؟ فضلكِ الله بصلاتكِ في الدنيا، وصيامكِ في الدنيا، وحجك في الدنيا، وصبرك في الدنيا، صبرت على مكايد الزوج، صبرت على فراق الأهل، صبرت على موت الولد، صبرت على موت الوالد، صبرت على فراق الأحبة، فيتوجك الله بتاج في الجنة، فيجعلك زعيمة ورئيسة على كل من تحت يدك في الجنة بقدرة الله رب العالمين.
стр. 499
ما ذكر في سورة الواقعة من النعيم للجنسين
وأنصح كل أخت مسلمة أن ترجع إلى سورة الواقعة، من قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ * وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ * وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة:٢٧ - ٣٣]، هذا كله لمن؟ لأصحاب اليمين من الرجال والنساء: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة:٣٤]، الفرش المرفوعة يعني: أسرة مرفوعة، طيب! أصحاب اليمين من الرجال والنساء ماذا يعملون؟ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ * وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ * وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ * وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة:٢٨ - ٣٤]، هذه الفرش تحتاج إلى زوج وزوجة، وإلا فما فائدتها؟! وهنا سؤال ورد من النساء أيضاً، له تعلق بالسؤال السابق وهو: هل هؤلاء الحور العين أجمل منا؟ وأحسن منا؟ وأكثر منا؟ فنقول: أنتن أحسن من الحور العين، وأنا لا أقول كلاماً من عندي، فنحن لا نرضي الأنفس بديننا أبداً، إنما نذكر ما جاء في الكتاب والسنة، فنقول للمرأة الصالحة: أنتِ أحسن من الحور العين، وأنت رئيسة وسيدة على الحور العين.
ولعل امرأة تقول: أنت قلت في الخطبة: إن الحور العين قاصرات الطرف على أزواجهن، فهل يعني هذا أن طرفنا مرفوع؟! أقول لها: لا، القرآن قال بالتساوي، وعدد مواطن قصر الطرف في القرآن أربعة، مواطنان للحور العين، ومواطنان لنساء الدنيا.
﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ [الصافات:٤٨]، في الحور العين، وفي نساء الدنيا يقول: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ [ص:٥٢]، وآية ثانية في الحور العين: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن:٧٢]، وفي نساء الدنيا يقول: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦]، ومن الذي ما طمثهن إنس: الحور العين أم نساء الدنيا؟ نساء الدنيا، أي: أن الله ينشئهن خلقاً آخر، لم يطمثهن في الجنة إنس ولا جان، متجهزات لأزواجهن، فيكنَّ آيات قاصرات الطرف أربع: آيتان لنساء الدنيا، وآيتان للحور العين، أتريدين أن تساوي أكثر من هذا في قصر الطرف؟
стр. 500
قصة طريفة
وسأذكر قصة رجل وزوجته، وفيها جواب عن هذه المسألة، وهي قصة حقيقية.
أحدهم أمه ماتت، وله زميل طيب يعمل دكتوراً، فالدكتور ذهب ليعزي زوجة الأخ الذي أمه ماتت، فقال لها: عظم الله أجرك في أم زوجك، فقالت: يا دكتور! كلنا لها، يعني: كلنا سنموت، ثم قال لها: كنت قد كشفت على صحة زوجك، فوجدت صحته -ما شاء الله- مثل الحديد، فقالت: الحمد لله يا دكتور! كلها لنا!!! فإذى أعطى رب العالمين للرجل في الجنة قوة مائة رجل في الجماع والأكل والشهوة، فيبقى عائد ذلك على من؟ طبعاً على المرأة، وعليه فتكونين قد تساويت مع الحور العين في الخلق والإنشاء والبكارة، والسن وقصر العين، وتفضلين عليهن بأنك سيدة القصر، وتتمتعين برجلك الذي أعطي قوة مائة رجل.
مع العلم أن الجنة ليس فيها غيرة، وليس فيها حقد، وليس فيها حسد؛ لأن الله يقول: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧].
إذاً: الجنة فيها ما فيها من النعيم للنساء، وفيها ما فيها من التكريم للنساء، وسبحان من يرضي الجميع، نسأل الله أن يرضينا جميعاً، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصبحه.
стр. 501
مشاهد من أمريكا
المجتمع الأمريكي مجتمع منحل متفسخ؛ تسوده الفوضى والخوف، وتعلوه الجريمة بمختلف ألوانها، بل لا تكاد تمر دقيقة أو ثانية إلا وتقع فيها جريمة، إما قتل أو سرقة أو اغتصاب أو غير ذلك، فلا يغتر أحد بهذا المجتمع الذي يصوره البعض على أنه قدوة؛ فإن هذا حاله، وما ذاك إلا لبعده عن الإسلام وتعاليمه، ومثل هذا المجتمع يحتاج إلى دعاة إلى الله، يقومون بتقديم الإسلام لينقذه من قسوة المادة والجفاف الروحي.
стр. 502
واقع الأمة الإسلامية
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وطبتم جميعاً أيها الإخوة الكرام! وأيتها الأخوات الفضليات! وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً.
أحبائي يا ملء الفؤاد تحيةً تجوز إليكم كل سد وعائق لقد شدني شوق إليكم مكلل بالحب والتقدير والدعاء المشفق وأرقني بالمظلمات عليكم تكالب أعداء سعوا بالبوائق أردتم رضا الرحمن قلباً وقالباً وما أرادوا إلا حقير المآزق فسدد الله على درب الحق خطاكم وجنبكم فيه خفي المزالق طبتم جميعاً أيها الإخوة والأخوات وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلا كما جمعنا وإياكم في هذا الجمع المهيب الكريم المبارك على طاعته، أن يجمعنا وإياكم في الآخرة مع سيد النبيين في جنته ودار كرامته؛ إنه ولي ذلك القادر عليه.
أحبتي في الله! لقد سألني الإخوة الفضلاء أن أعلق على رحلتي الأخيرة إلى أمريكا في العشر الأواخر من رمضان، وإني لفاعل إن شاء الله جل وعلا، فأعيروني القلوب الأسماع؛ فإن هذا اللقاء من الأهمية بمكان، وقبل أن أشرع في التعليق بإيجاز شديد على هذه المشاهد الكريمة في هذا البلد الكافر، بل في قلعة الكفر على ظهر هذه الأرض، أود أن أقدم اليوم بمقدمة سريعة لابد منها.
أيها الأحبة! إنني أعلم علم اليقين أن الواقع المر الأليم الذي تعيش فيه أمتنا في هذه الأيام كان سبباً رئيسياً لأن تعصف رياح القنوط واليأس بكثير من قلوب شبابنا المتحمس، فبمقارنة سريعة أيها الأطهار! لحال الأمة في الواقع المعاصر، ولمكانة الأمة في القرآن الكريم، نرى أن البون شاسع، وأن الفرق كبير بين أمة زكاها الله في القرآن بقوله جل وعلا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] , وبين واقع أمة بات كثير من أفرادها اليوم يأمر بالمنكر، وينهى عن المعروف، ويكفر بالله جل وعلا! حتى قال قائلهم: إن تطبيق الشريعة الإسلامية في مصر ردة حضارية بكل المقاييس!! وقال آخر: إننا نحتفل الليلة بمولد السيد البدوي المهاب الذي إن دعي في البر والبحر أجاب!! وقال ثالث: إن مصر ستظل فرعونية ولو وقف الإسلام حجر عثرة في طريق فرعونيتنا لنحينا الإسلام جانباً؛ لتطل مصر فرعونية!! وقال رابع: هبوني عيداً يجعل العرب أمة وسيروا بجثماني على دين برهم سلام على كفر يوحد بيننا وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم وقال خامس: آمنت بالبعث رباً لا شريك له وبالعروبة ديناً ما له ثاني
стр. 503
سبب سقوط الأمة الإسلامية من القمة إلى الحضيض
فيوم أن أمرت الأمة -إلا من رحم ربك- بالمنكر، ونهت عن المعروف، وتركت لواء الإيمان بالله جل وعلا سقطت من هذه القمة، وانحطت إلى هذه المكانة من الخزي والذل والهوان والعار، ولا رفعة لها إلا إذا حققت الخيرية من جديد؛ فآمنت بالله؛ وأمرت بالمعروف، ونهت عن المنكر.
ونرى أن الله قد زكى الأمة في القرآن بالوسطية، والوسط كما في رواية البخاري هو العدل، كما قال الحبيب.
ولكن الأمة أيها الأحباب الكرام! قد حادت عن المنهج الوسط، وراحت تدور في فلك الشرق الملحد تارة، وتدور في فلك الغرب الكافر تارة أخرى، وتركت منهج الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وذهبت تجوب في بوتقة المغضوب عليهم والضالين من اليهود والنصارى! وزكى الله الأمة في القرآن أيضاً بالوحدة، فقال جل وعلا: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢].
ولكننا نرى الأمة الآن قد تمزقت إلى أجزاء، بل وتفتت الأجزاء هي الأخرى إلى أجزاء، وهذا يوم أن زال ظل الخلافة عن هذه الأمة، ودق الاستعمار اللعين هذا المسمار الخبيث، ألا وهو مسمار الحدود بين البلاد الإسلامية، فراحت البلاد تتناحر وتتطاحن من حين لآخر على هذه الحدود التي وضعها المستعمر اللعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ومما يزيد الأسى والألم في قلوب الشباب والأخوات أنهم -وهم ينظرون حتى إلى الأمة من منظور مادي علمي بحت- يرون الأمة في مؤخرة الركب المادي والحضاري ببعيد، بل وإذا نظروا إلى الأمة وجدوا أن أمماً كثيرة غارقة في الكفر وأوحال الشرك والضلال، لكن هذه الأمم سادت، يرون هذه الأمم قد قادت، ويرون هذه الأمم قد قدمت للبشرية اليوم تقدماً علمياً رائعاً؛ فحولت العالم كله إلى قرية صغيرة عن طريق هذا التقدم المذهل في عالم الاتصالات والمواصلات، ويرون الأمة الموحدة تأتي وراء الركب ببعيد، حتى في ظل هذه النظرة العلمية المادية البحتة.
وهنا كثير من الإخوة وكثير من الأحباب سيسأل: ما الذي جرى؟ وما الذي حدث؟ وما الذي غير الأمة إلى هذه الحالة المزرية؟ وما الذي بدل عزتها إلى ذل؟ وما الذي بدل علمها إلى جهل؟ وما الذي بدل قوتها إلى ضعف؟ وما الذي حدث لأمة دستورها القرآن، ونبيها محمد ﵊، وربها وإلهها هو الرحيم الرحمن جل وعلا؟ إننا نرى الأمة الآن تتسول على موائد الفكر المادي والعلمي الحضاري والإنساني من منظور المادة، ونراها تتسول على موائد هذا الفكر العلمي والإنساني وهي التي كانت بالأمس القريب منارة تهدي الحيارى والتائهين الذين أحرقهم حر الهاجرة القاتل، وأرهقهم طول المشي في التيه والظلام، والآن نرى الأمة تتأرجح في سيرها، بل ولا تعرف طريقها الذي يجب عليها أن تسير فيه، كل هذا بعد أن كانت الأمة بالأمس القريب هي الدليل الخريت في الدروب المتشابكة وفي الصحراء المهلكة التي لا يهتدي للسير فيها إلا الأدلاء المجربون.
فما الذي جرى أيها الأحبة؟! والجواب في آية واحدة محكمة من كتاب الله جل وعلا، هي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، ورب الكعبة لقد غيرت الأمة وبدلت، في جانب العقيدة غيرت، وفي جانب التشريع بدلت، وفي جانب الأخلاق انحرفت، وفي جانب السلوك المعاملات ضلت، وهذا في الجملة، إلا من رحم ربك من بين أفرادها، نسأل الله أن يجعلنا ممن رحم.
فهذه النتيجة التي تحياها أمتنا يا شباب الإسلام! وهي نتيجة عادلة؛ لأن الأمة قد تنحت عن أصل عزها ورفع شرفها.
إذاً: إن رأيت المسلمين هنا أو هنالك تكال لهم الضربات، وتسفك دماؤهم، وتمزق أشلاؤهم، وتنتهك أعراضهم، وتسلب مقدساتهم؛ فعليك أن تزداد يقيناً بكلام ربك وكلام نبيك ﵌، فلن ينصر الله جل وعلا إلا من نصر دينه، ولن يعز الله جل وعلا إلا من أعز شريعته، ولن يستخلف الله جل وعلا في الأرض إلا من وحده وأخلص العبادة له، وإن شئت أن تعلم ذلك فاسمع لقول ربك جل وعلا: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧] , واسمع لقول ربك جل وعلا: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور:٥٥] الآية، واسمع لقول ربك جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨].
إذاً: أيها الأحبة الكرام! هذا الواقع الذي تعيشه الأمة إنما هو نتيجة عادلة لبعد الأمة عن منهج ربها وشريعة نبيها ﵌، ولكن أيها الأطهار! أود أن نفرق جميعاً بين الإسلام وبين المسلمين؛ فإن الإسلام دين الله، ودين الله باقٍ خالد، والمسلم الذي ذاق طعم الإيمان وذاق مع هذا الإيمان حلاوة الوعد بنصر الله، يعلم يقيناً لا شك فيه البتة أن الباطل مهما انتفخ وانتفش في فترة من الفترات فإنه غير غالب، وأن الحق مهما انزوى وضعف في فترة من الفترات فإنه غير مغلوب، فالمؤمن الصادق يعلم علم اليقين هذه الحقيقة الكونية الثابتة التي قررها الله بذاته وأكدها بنفسه جل وعلا في قوله في سبحانه: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء:٨١].
стр. 504
أحداث من تاريخ الأمة المشرق
أيها الموحد! أعرني قلبك وسمعك، وانتبه معي! واقرأ معي التاريخ قراءة سريعة جداً، فمن كان يظن أيها الأحباب أن تقوم للإسلام قائمة يوم أن كان الحبيب المصطفى وحده في مكة يدعو لدين الله؟! فقد أوذي ﷺ ، وألقي التراب على رأسه، وألقيت النجاسة على ظهره، وطرد من بلده ومن بيته، وهاجر أصحابه تارة إلى الحبشة، وتارة إلى المدينة، وبعد سنوات لا تساوي في حساب الزمن شيئاً على الإطلاق جاء الحبيب إلى مكة مع عشرة آلاف موحد لله جل وعلا؛ ليحطم الأصنام حول الكعبة، وفي مكة زادها الله تشريفاً يأمر الحبيب بلالاً ﵁ أن يرتقي على ظهر الكعبة ليعلن أنشودة التوحيد العذبة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله؛ إنه وعد الله جل وعلا.
ومن كان يظن أن تقوم للإسلام قائمة يوم أن ظهرت فتنة المرتدين بوجهها الكاذب بعد موت المصطفى ﷺ ، وظهر مدعو النبوة المهرجون الكاذبون؟! ويومها قيض الله للإسلام وللمسلمين ابن الإسلام البار الصديق ﵁، فقام الصديق فجيش الجيوش، وأخمد نار الفتنة في مهدها، وأطفأ هذه النيران المشتعلة التي كادت أن تلتهم الأخضر واليابس، وخرج الإسلام من هذه الفتنة كأعظم وأقوى ما يكون.
ومن كان يظن أن تقوم للإسلام قائمة بعد الحروب الصليبية الطويلة المدمرة، التي دنس فيها المسجد الأقصى على يد الصليبيين في المرة الأولى؟! وها هو اليوم يدنس على أيدي اليهود في المرة الثانية، وأسأل الله جل وعلا أن يقيض للأمة صلاح الدين كما قيض للأمة ولمقدساته أول مرة صلاح الدين؛ فقد قيض الله صلاح الدين بعد سنوات طويلة تزيد على قرن من الزمان، فطهر المسجد الأقصى، وحرر الأرض، وأعاد للإسلام وللمسلمين عزتهم في موقعة حطين الحاسمة، نسأل الله أن يعز الإسلام، وأن ينصر المسلمين.
ومن كان يظن أيها الشباب! أن تقوم للإسلام قائمة يوم أن جاء التتار والمغول بهجماتهم الشرسة، فسفكوا الدماء، ومزقوا الأشلاء، وامتلأت الشوارع بالقتلى؟! وقع هذا بدون مبالغة، حتى جسد الإمام ابن الأثير ﵀ هذه الفجيعة وتلك المأساة تجسيداً بليغاً في كلمات موجزة فقال: لقد أعرضت عدة سنين عن ذكر هذه الحادثة، فأنا أقدم رجلاً وأؤخر الأخرى، فمن ذا الذي يسهل عليه أن يكتب بيديه نعي الإسلام والمسلمين؟ فيا ليت أمي لم تلدني! ويا ليتني مت قبلها وكنت نسياً منسياً! حتى قيض الله للإسلام البطل الشاب قطز، فحرر الأرض، وأعاد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزتهم في الموقعة الحاسمة التي تسمى (بعين جالوت) ومن كان يظن أن يرغم إخواننا الأفغان أنف الدب الروسي الغبي الوقح، وهم الذين يقلون عدداً وعتاداً وعدة؟! ولكن يوم أن تخلى إخواننا الأفغان عن شروط النصر كانت الفتنة.
هذا الذي وقع ورب الكعبة لا يزيدينا إلا يقيناً في الله، ولا يزيدنا إلا تصديقاً لكلام الحبيب رسول الله، فيوم أن تجردت القلوب ورفعت الراية لتكون كلمة الله هي العليا كان النصر بحول الله جل وعلا، ويوم أن دب حب الدنيا في القلوب كانت هذه النتيجة التي نعلمها جميعاً، ولا ينبغي لنا أن ندفن رءوسنا في الرمال كالنعام، وأن نغض الطرف عن هذا الواقع، بل إنني أود أن أقول لكل شاب: إن هذا الواقع لا يزيدك إلا يقيناً في الله، ولا يزيدك إلا تصديقاً لرسول الله ﵌.
ولكن من كان يظن أن يرغم إخواننا أنف الدب الروسي الوقح على أرض أفغانستان؟! ولكن للأسف الشديد يركز العلمانيون والضعفاء على الصورة المزرية، وعلى الهزائم دائماً وأبداً، مع أنه ينبغي أن نركز ولو قليلاً من الضوء على حجم الانتصارات التي لو قورنت بحجم ضعف المسلمين، وحجم قوة أعدائهم لكانت انتصاراً لا ينبغي أبداً أن يغض العاملون الطرف عنه، ولكن للأسف الشديد لا نركز إلا على الأخطاء، ولا تركز المجاهير المكبرة إلا على الزلات والسقطات، فإن زل شاب هنا أو هنالك ألصقت التهمة كلها بالإسلام ودين الله! بل وأصبح الدين اليوم مثاراً للخلاف، مع أن الدين هو الأصل الذي ينبغي أن يرد إليه كل خلاف، مع أن الدين هو الحصن الذي ينبغي أن يتحصن به كل عالم، لا أن ينصب أحد من نفسه مدافعاً للرب عن هذا الدين؛ فإن الدين عزيز، وإن الإسلام عزيز، وإن السنة غالبة، وإن رسول الله هو رسول الله حقاً وصدقاً، لا يحتاج هذا الدين إلى من يدفع عنه، أو إلى من ينصب نفسه مدافعاً ليدفع عنه، بل إن الدين هو الحصن الذي ينبغي أن يتحصن به كل خائف، وأن يلوذ إليه كل مضطرب؛ فإن الدين هو الأمن والأمان الذي يجب أن يأتمنه وأن يتحصن به كل داعية، وكل عالم، وكل مسلم ومسلمة.
أيها الأحبة! حجم الانتصار في أفغانستان حجم كبير.
ومن كان يظن أيها الأحباب! أن يصمد المسلمون في الشيشان في هذه البوتقة الصغيرة التي تقل عدداً وعدة وعتاداً وقوة عن هذا الجيش الروسي الجرار؟! ومن كان يظن أن تدوم الحرب إلى يومنا هذا؟! سمعت لقاءً على تلفاز أمريكا مذيع في الـ ( CNN) يجري حواراً مع جوهار دوداييف رئيس دولة الشيشان ثبته الله وإخوانه، ويقول له: يوم أن قتل ولدك في أرض المعركة هل حزنت على قتله؟ أتدرون ماذا قال هذا الرجل؟ والله لقد قال كلاماً لا نسمعه إلا من العلماء المجاهدين كأمثال عبد الله بن المبارك وكأمثال شيخ الإسلام ابن تيمية، قال هذا الرجل: لا وقت للأحزان حتى نحرر الشيشان من الروس، وأن نرفع عليها من جديد راية الإسلام! هل كان أحد يصدق أو يظن أو يتوقع أن يسمع هذا الكلام في أرض دنست طيلة سبعين عاماً بالحكم الإلحادي الكافر المشرك على يدي الدب الروسي الغبي الوقح؟! لا ورب الكعبة! فلقد كان أحدهم إذا أراد أن يقرأ صفحة من كتاب الله اختفى عن العيون والأنظار ودخل تحت السراديب ليطالع صفحة من كتاب الله.
ومن كان يظن أن تستمر الحرب في البوسنة إلى يومنا هذا؟! لقد أجمع المحللون والعسكريون ووكالات الأنباء والصحفيون على أن الحرب لن تستمر في الشيشان إلا أياماً معدودة، وأجمعوا على أن الحرب لن تستمر في البوسنة مع الصربيين الكفرة إلا أسابيع معدودة.
وها نحن نرى -ولله الحمد- أن الحرب في البوسنة تحولت إلى ملحمة إسلامية رائعة، فلقد كنا نعلم أن المرأة البوسنية كانت تتزوج بالأمس القريب بالنصراني بدون أي قيود أو ضوابط أو شروط، ووالله ما عاد البوسنيون إلى إسلامهم إلا بعد هذه الحرب، فقد ردتهم هذه الحرب لهويتهم، وارتفعت من جديد كلمة الإسلام، وعلا صوت النبي عليه الصلاة السلام.
وأقسم يقيناً لو علم الصرب أن هذه الحرب سترد البوسنيين إلى دينهم ما أعلنوها على البوسنيين يوماً واحداً بعد أن ذابوا في بوتقة هذا الغرب الكافر، ولكنه أمر الله يا عباد الله! إنها الساعات التي تسبق -إن شاء الله تعالى- ضوء الفجر؛ فإن أشد ساعات الليل سوادً هي الساعة التي يليها ضوء الفجر، وفجر الإسلام قادم ورب الكعبة! وأقول لكم: إننا لا نخشى على الإسلام، بل نخشى على المسلمين إن تخلوا عن الإسلام، فإن تخلى المسلمون عن الإسلام ذلوا، ووضعت النعال على رءوسهم، وانتهكت مقدساتهم، وسفكت دماؤهم، وانتهكت أعراض نسائهم، وهذا واقع لا ينبغي أن ننكره، فوالله ما نرى هذا الذي نراه الآن إلا لأن الأمة قد تخلت عن الإسلام، وهذه حقيقة ينبغي أن تستقر في القلوب والعقول.
ولكن أقول: إن الإسلام دين الفطرة، ودين الكون كله، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً﴾ [آل عمران:٨٣] , ولو كفرت الإنس والجن، فالإسلام دين الله ودين الله قاهر.
стр. 505
من المبشرات بالخير الصحوة الموجودة اليوم
وأعرني قلبك وسمعك أيها الحبيب! فإني أود في ظل هذه الرياح القاسية من رياح القنوط والشكوك التي تهب على قلوب كثير من أحبابنا وإخواننا أن أبشر، وأن أطمئن، لا من باب الأحلام الوردية لتسكين الآلام وتضميد الجراح، لا ورب الكعبة، بل هذا هو ما نراه بأعيننا.
انظروا إلى هذا المشهد الذي يرغم أنوف المجرمين، ويرغم أنوف الحاقدين، إنه وعد الله، ألله أكبر! شباب في ريعان الصبا، وفتيات في عمر الورود، تأتي الفتاة من هنا ومن هناك وقد غطت جسدها كله، ويأتي الشاب وقد زين وجهه بلحية كريمة مباركة اقتداءً بحبيبه رسول الله ﷺ ، وقد حمل روحه على كفه، وهو يعلم علم اليقين ما سوف يتعرض له من الأذى، وما سوف يتعرض له من البلاء، ولكنه الدين الذي استقر في القلوب يا عباد الله! إنه وعد الله ورب الكعبة! كما قال الشاعر: صبح تنفس بالضياء وأشرق والصحوة الكبرى تهز البيرقا وشبيبة الإسلام هذا فيلق في ساحة الأمجاد يتبع فيلقا وقوافل الإيمان تتخذ المدى درباًوتصنع للمحيط الزورقا وما أمر هذه الصحوة الكبرى سوى وعد من الله الجليل تحققا هي نخلة طاب الثرى فنما لها جذع قوي في التراب وأغذقا هي في رياض قلوبنا زيتونة في جذعها غصن الكرامة أورقا فجر تدفق من سيحبس نوره أرني يداً سدت علينا المشرقا يا نهر صفوتنا رأيتك صافياً وعلى الضفاف رأيت أزهار التقى قالوا تطرف ديننا لما سما قدراً وأعطى للطهارة موثقا ورموه بالإرهاب لما أبى الخنا ومضى على درب الكرامة وارتقى أو كان إرهاباً جهاد نبينا أم كان حقاً بالكتاب مصدقا أتطرف إيماننا بالله في عصر تطرف بالهوى وتزندقا إن التطرف أن نذم محمداً والمقتدين ونمدح عفلقا إن التطرف أن نرى من قومنا من صانع الكفر اللئيم وأطرقا إن التطرف أن نبادل كافراً حباً ونمنحه الولاء محققا إن التطرف وصمه في وجه من حول البوسنة رماداً محرقا شتان بين النهر يعذب ماؤه والبحر بالملح الأجاج تمزقا يا جيل صحوتنا لك في كتاب الله فجر صادقا فاتبع هداه ودعك ممن فرقا لك في رسولك أسوة فهو الذي بالصدق والخلق الرفيع تخلقا يا دين صحوتنا ستبقى شامخاً ولسوف تبقى باتباعك أسمقا
стр. 506
صور من أجل الإسلام والمسلمين في أمريكا
إنه وعد الله يا إخواني! ويا أحبابي! وأبشركم إن في أمريكا في العشر الأواخر من رمضان كان يصلي معي في (بروكلين) في نيويورك في مكان واحد من هذه الولاية الكبيرة مايزيد على خمسة آلاف موحد لله جل وعلا، يصلون التراويح والقيام في مسجد واحد، والله لقد أعلن الإخوة عن الصلاة في مسجد مصعب بن عمير، ويوم أن حان وقت العصر قال الإخوة: سيضيق المكان بالمصلين، فراحوا إلى قاعة أخرى كبيرة مستأجرة، ونقلوا صلاة التراويح فيها، ورأينا الجموع الموحدة التي جاءت وقد ملت المعصية، جاءت تصرخ وتنادي وتبحث عن غذاء الروح، وقف هؤلاء جميعاً، وفي ليلة القدر رأيت العدد قد زاد عن ذلك بكثير.
وفي أمريكا أيها الأحبة! لا أكون مبالغاً إن قلت: ما من يوم يمر الآن إلا ويدخل الإسلام رجل جديد، وقد أنطقت بعضهم الشهادة بلساني في العشر الأواخر، وهؤلاء يا إخواني -ورب الكعبة- إنهم يريدون شيئاً يسعد أرواحهم، برغم ما وصلوا إليه في جانب المادة! وفي جانب العلم! وهذا شيء لا ننكره.
لكنهم والله تنظر إليهم فترى أحدهم يجري كالمطارد، ويضحك كالمجنون، ويئن من الألم، يريد شيئاً يسعد روحه يريد شيئاً يسعد نفسيته يريد شيئاً يسعد وجدانه! الفطرة الطيبة تصرخ في أعماقهم، ولكن أين الدعاة؟! صلينا المغرب والعشاء في إحدى المطارات وفي مدينة يانابلس قال أحدنا: كنا نصلي لله جل وعلا؟ فقال أحدهم: تصلون لمن؟ قلنا: لله.
قال: ومن الله؟ ومن أنتم؟ ومن أي البلاد جئتم؟ فقلنا: نحن مسلمون نحن موحدون نحن محمديون.
فقال: لا نعرفكم.
والله يا إخوان إن منهم من لا يعرفون عن الإسلام إلا قليلاً، وإذا عرفوا شيئاً عن الإسلام لا يعرفون إلا الصورة المظلمة، ولا يعرفون عن الإسلام إلا القتل، ولا يعرفون عن الإسلام إلا السفك، ولا يعرفون عن الإسلام إلا الإرهاب، وجزى الله العلمانيين الذين يدندنون في الليل والنهار ليشوهوا صورة الإسلام وصورة الملتزمين الطاهرين والطاهرات شراً، فوالله لو عرفوا الإسلام على حقيقته لوحدوا الله جل وعلا، ولدخلوا في دين الله أفواجاً.
اقترب أحدهم منا وقال: ماذا كنتم تفعلون؟ قلنا: كنا نصلي.
فقال: لمن؟ قلنا: لله.
قال: ومن الله؟ فأجابه أحد الإخوة.
فقال: من أنتم؟ قلنا: مسلمون.
قال: ومن أي البلاد؟ فلنا: من هنا، ومن هنالك.
ولكن لفت نظره سجودنا، فقال: وماذا كنتم تصنعون حينما وضعتم الوجوه على التراب وعلى الأرض؟ فقال هذا الأخ: كنا نصلي لله، وهذا ركن من أركان صلاتنا يسمى السجود، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد بين يديه جل وعلا، أتدرون ماذا قال يا إخواني؟! والله لقد نظر هذا الرجل وقال: إنه في بعض الأوقات تعصف بي حالات نفسيه وقلق، وأحس باضطراب شديد وألم فضيع، ولا أحس براحة لهذه الحالة إلا إذا قمت ووضعت وجهي على الأرض كما رأيتكم تفعلون! إنها فطرة التوحيد ورب الكعبة! قال : ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠].
وبعض الإخوة أخبروني عن شاب صغير، دخل عليهم بعد صلاة الفجر، وهو لا يجاوز الخامسة والعشرين من عمره، وأشار إليهم وأول كلمة قالها: أريد أن أكون محمدياً، أريد أن أكون مسلماً، فقالوا: من أنت؟ فقال: لا تسألوني، وبعد يوم ويوم وفي اليوم التالي اقترب منه واحد من إخواننا من مصر وقال: يا أخي! ما حكايتك؟ وما قصتك؟ فقال: أنا شاب نصراني من أصل أسباني، نشأت منذ نعومة أظفاري وأنا أحب المسيح ﵇، وقلبي متعلق به، ولكنني نظرت إلى أحوال النصارى في أمريكا فوجدتهم أبعد ما يكون من تعاليم المسيح ﵇، ففتشت عن الدين الحق فوجدت هذه التعاليم في دين الإسلام، وفي الليلة التي دخلت عليكم فيها جاءني المسيح في الرؤيا وأشار إلي بسبابته وقال لي: كن محمدياً.
فخرجت من بيتي أبحث عن مسجد حتى دلني الله عليكم، فدخل عليهم أيها الأحبة ودلوه على الإسلام، فأسلم لله جل وعلا، وأذن المؤذن لصلاة العشاء، وقام هذا الأخ الحبيب ليدخل مع إخوانه ليركع ويسجد لله رب العالمين، فانتهى الإخوة من صلاتهم ولازال أخونا ساجداً لله، وبعد أن انتهى الإخوة من الصلاة اقترب منه أحدهم فحركه فوجده قد قبض وفاضت روحه إلى الله جل وعلا!! والله ما من يوم يمر إلا ويدخل الإسلام في أمريكا مسلم جديد، أو مسلمة جديدة، وقد التقيت بمسلمة أمريكية فقلت لها: ما شعورك؟ فقالت: والله يا أخي إني أريد الآن أن أصرخ بأعلى صوتي لتستمع إلي كل امرأة في أمريكا: إنني قد وجدت ديناً يحفظ للمرأة كرامتها!! فاسمعوا أيها العلمانيون الكاذبون! يا من تدعون كل يوم إلى الحرية على مصراعيها! يا من تزعمون أن المرأة في الإسلام أمة! اسمعوا لمرأة دخلت الإسلام وذاقت طعم الإيمان، تقول: والله إني أود أن تستمع إلي كل امرأة بأنني وجدت ديناً يحفظ للمرأة كرامتها! إنه دين الله؛ فإن المرأة عندنا أيها العلمانيون لؤلؤة مصونة، وجوهرة ثمينة، وهل لرجل عاقل أن يلقي جوهرة ثمينة للأعين لتعبث بها؟ وللأيدي لتسرقها؟ لا والله! بل إننا ما حافظنا عليها إلا لأنها لؤلؤتنا المكنونة، ودرتنا المصونة، وأمنا، وأختنا، وبنتنا، وخالتنا، وعمتنا، فإذا لم نحافظ عليها وهي كذلك فعلى من نحافظ؟ وأبشركم أيها الأحبة الكرام! بأنه في شهر يناير في عام (٩٤م) احتفلت وزارة الدفاع الأمريكية في البنتاجون احتفالاً رسمياً حضره عدد كبير من وفود العالم الإسلامي، وعدد كبير من وكالات الأنباء والصحفيين، أتدرون لماذا أقيم هذا الاحتفال؟ أقيم هذا الاحتفال لاختيار وتنصيب أول مسلم ليؤم المسلمين في الصلاة في الجيش الأمريكي، هذا الأخ برتبة نقيب يسمى عبد الرشيد محمد، وهو في قمة الفهم، وفي قمة الوعي، قال كلمة ما سمعتها من عالم، قال: إن الغرب يتهمنا بأننا أصوليون؟ قلت: نعم.
قال: يا أخي! مشكلتنا أننا لسنا بأصوليين، ليتنا كنا من الأصوليين، وليتنا عدنا إلى أصولنا، وليتنا أخذنا بأصول ديننا، لكنهم يتهموننا بذلك ولسنا والله كذلك، بل إنني أسأل الله أن يكون المسلمون من الأصوليين، وممن يعودون إلى أصلهم وإلى نبع شرفهم ونعيم كرامتهم ووجودهم.
стр. 507
عدد المساجد في أمريكا، وحال المجتمعات العربية والإسلامية فيها
زاد عدد المساجد في أمريكا إلى ما يقرب من ألف وخمسمائة مسجد في حي واحد يسكن فيه أكثر من سبعين ألف مسلم، مشيت في هذا الحي وأحسست أنني في شبرا؛ فالمطاعم يكتب عليها باللغة العربية، وتشم رائحة الفلافل، وتشم رائحة أطعمتنا، وأنا أود من كل أخ يسافر إلى مثل هذه البلاد أن يتمسك بمظهره، وأن يعلن هويته، فإن اليهود هنالك يتعصبون لزيهم وهويتهم، فإذا مشيت بزيك هذا هنا أو هنالك يمر عليك كل أحد ويلقي عليك: السلام عليكم السلام عليكم، فيلقي عليك السلام لزيك ولمظهرك ولهويتك التي يجب عليك أن تعلنها وأنت في غاية العزة والرفعة والكرامة.
أيها الأحبة الكرام! في أمريكا في هذا الحي وحده يقطن ما يزيد على سبعين ألف مسلم، بل لقد قدر لنا لقاء مع رئيس مكافحة الجرائم الأمريكية فقال قولة عجيبة جداً، وقف الرجل يتكلم فقال: إنني أتمنى أن تتحول كل أحياء أمريكا إلى مثل هذا الحي المسلم! فتعجبنا، وضجت القاعة ساعتها بالتكبير، لماذا؟ قال: لأن هذا الحي هو الحي الوحيد في أمريكا الذي تصل فيه نسبة الجريمة إلى الصفر، فلا سرقة، ولا خمر، ولا اغتصاب.
стр. 508
واقع المجتمع الأمريكي
وقد قرأت إحصائية في الأيام الأخيرة في رمضان تشير إلى أنه في كل ست دقائق تغتصب امرأة في أمريكا، فقلت: سبحان الله! الزنا مباح، ولكن هذا شيء جديد، وسألت طبيباً سورياً عن سبب ذلك، فأجابني إجابة دقيقة فقال: يا أخي! لم تعد المرأة تكفي الرجل؛ لأنه نشأ منذ نعومة أظفاره فوجد المرأة أمام عينيه وبين يديه يأخذ منها في كل وقت كل ما شاء وكل ما يريد، فذهب الرجل يبحث عن شيء ليأخذه عنوة ليحس برجوليته وشخصيته، فترك هذا وذهب إلى هذا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وزاد عدد الشواذ في تلك البلاد على عشرين مليوناً، ونسأل الله أن يزيدوا، بل وزاد عددهم في الجيش الأمريكي الآن إلى ستة مليون شاذ، وهذه كلها -إن شاء الله جل وعلا- مبشرات، وليس معنى ذلك أنني أقول إن أمريكا ستسقط غداً؛ لأن هذا كلام يخالف الواقع، بل ويخالف السنن الكونية الربانية الثابتة.
стр. 509
ضرورة النموذج العملي في الدعوة إلى الإسلام
أيها المسلمون! أعلنها بأعلى صوتي: لن نعيد الإسلام للبشرية بالخطب الرنانة، ولن نعيد الإسلام للدنيا بالمواعظ المؤثرة، لا ورب الكعبة! وإنما نعيد الإسلام للبشرية كلها بأن نقدم نموذجاً عملياً لهؤلاء، ونقول لهم: هذا هو الإسلام، وهذا هو دين محمد ﵊.
وقد ذكرت في خطبة لي عن أمريكا أننا التقينا بأخت أمريكية تسمى كليرا محمد تلكم الأخت التي أنشأت وحدها خمسين مدرسة إسلامية في أمريكا، وفي فرجينيا أنشأت جامعة لتخرج فيها المعلمين الذين يدرسون في مثل هذه المدارس والكليات.
أيها الأحبة الكرام! تلك بشائر مؤتمرات هنا وهنالك، ووفود وأعداد كبيرة، ونرى الناس يقبلون على دين الله ؛ فإن هذا الشعب يصرخ يريد غذاءً للفطرة، ويريد دواءً للروح، والروح الآن تصرخ: أعطوا البدن كل ما يشتهيه، وأعطوا البدن كل ما يريد، فصرخت الروح أريد غذائي أريد دوائي، أريد علاجي؛ لأن الروح يا إخواني! لا توزن بالجرام، ولا تقاس بالترمومتر، ولا تخضع لبوتقة في معمل تجارب، وإنما هذه الروح لا يعلم حقيقتها إلا الله وغذاؤها ودواؤها في منهج الله، قال : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦]، وأكتفي بهذا القدر، وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل منا جميعاً صالح الأعمال، وأن يكتب لنا الخطوات في موازين أعمالنا وصحائف حسناتنا يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 510
واجبنا ودورنا نحو الإسلام
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد بارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! والسؤال الذي يطرح نفسه بشدة هو: ما واجبنا؟ وما دورنا؟ وأنا لا أملّ من تكرار هذا أبداً، فيجب علينا أن نعلم يقيناً أننا لن نعيد الإسلام بالخطب والمواعظ فحسب، وإنما نريد أن نرى النموذج الإسلامي الفريد.
يقول أحدهم: لقد دخلت في الإسلام، وأردت أن أرى الإسلام بين أهله وأصحابه من المسلمين، فأتيت لحج بيت الله الحرام، ورأيت الصورة مقلوبة تماماً، يقول: فحمدت الله الذي عرفني بالإسلام قبل أن يعرفني بالمسلمين!! الواقع أليم أيها الأحبة! لا ينبغي أن ننكره، فإن تشخيص الداء هي الخطوة الأولى لتحديد الدواء، ولا يمكن لطبيب أن يصرف لك دواءً إلا إذا شخص داءك، فتشخيص الداء خطوة أولى على الطريق الصحيح لتحديد الدواء، فإن واقع الأمة لا ينكر، فيجب علينا أيها الأحبة! أن يسأل كل واحد منا نفسه: مالذي قدمه لدين الله؟ وما الذي قدمه لدين رسول الله ﷺ ؟ فكلنا مسئول عن هذا الدين، وهؤلاء من الذي سيقيم عليهم الحجة؟ بل إن شئت فقل: من الذي سيقيم الحجة على المسلمين الغثاء أولاً؛ ليحول المسلمون الإسلام في حياتهم إلى منهج حياة، ثم لينطلق المسلمون بهذه الأمانة العظيمة، وبهذا العبء الثقيل بحمل الدعوة إلى الله ليقيموا حجة الله على هذه الأمم والشعوب؟ ورب الكعبة! إننا مسئولون بين يدي الله، فإن وقف هؤلاء يوم القيامة وقالوا: ما سمعنا عن الإسلام، فماذا سيكون جوابنا أيها المسلمون؟ فلابد أن نقيم الحجة على خلق الله، إننا أمة مأمورة بحفظ الأمانة، قال ﷺ : (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا وكان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنه تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)، والحديث في صحيح مسلم من حديث ابن مسعود.
فلابد أن نحمل هذه الأمانه، فوالله لا فكاك لنا من عذاب الله إلا إن حملنا هذه الأمانة العظيمة، -أمانة الدعوة- وتحركنا بها بين المسلمين ابتداءً؛ ليحول المسلمون الإسلام في حياتهم إلى واقع يسمع ويرى، ثم ليتحرك المسلمون بعد ذلك إلى هذه الأمم الكافرة؛ ليقيموا حجة الله عليهم، قال : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء:١٥].
стр. 511
مسئولية جميع المسلمين عن الدعوة إلى الله
أيها الأزهر! أيتها الأوقاف! أيها المسئولون! يا من عشتم للعروش والفروش والكروش! ستسألون عن هؤلاء بين يدي الله جل وعلا، أيها الدعاة أيها المسلمون جميعاً تحركوا، فإن عجزت أيها الأخ عن أن تتحرك لدين الله بلسانك وبدعوتك، فخصص جزءاً من مالك لدين الله، ولدعوة الله، ولحضور محاضرة إيمانية لداعية إلى الله جل وعلا ليتفرغ للدعوة إلى دين الله ، خصص راتباً لمحفظ للقرآن الكريم خصص راتباً لمرأة مسلمة تجيد التلاوة لتحفظ الأخوات، ولتعلم البنات العقيدة والقرآن، فإن لم يكن بلسانك فبمالك وبسلوكك وبأخلاقك.
نريد أن نشهد الإسلام الآن شهادة سلوكية، وأنا أكرر هذا الكلام عن عمد، نريد أن نشهد الإسلام شهادة سلوكية واقعية عملية.
نريد لك أيها الحبيب ألا تنظر إلى جهد الأمة كلها إلا من خلال نظرك إلى جهدك، فالكل ينظر إلى عيب غيره وينسى عيب نفسه، مع أن الله قد حذرنا من ذلك فقال: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥]، ففتش في نفسك، وفتش في عيبك أيها الحبيب! وهيا من الآن تحرك لدين الله، واستغل منصبك استغل كرسيك، واعلم أن كرسيك زائل، فالله الله أن يحول الكرسي بينك وبين الله، والله الله أن يحول الكرسي بينك وبين الجنة، واعلم بأن الكراسي لو دامت لغيرنا ما وصلت إلينا.
فيا أيها الحبيب! فكر في منصبك وعلى كرسيك الذي جلست عليه كيف تبدع لهذا الدين؟ وكيف تقدم وقتك وهمك وفكرك وزجتك وولدك لهذا الدين، لتلقى النبي ﷺ وقد امتثلت أمره، كما في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله علسه وسلم قال: (بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار).
أيها الموحدون! نريد أن نعد من الآن الكوادر الإسلامية المتخصصة التي تكون قادرة على تدبير شئون الحياة كلها من منظور الإسلام، ومن منطلق قال الله وقال رسوله ﷺ ، فافهموا الإسلام فهماً دقيقاً بشموله وكماله، وحولوه في حياتكم إبتداءً إلى واقع، وتحرك بعد ذلك للغرب، وإياك أن تحتقر دورك، فلا تحقرن وظيفتك، واغرس ولا تقل: لمن أغرس؟ ومتى تثمر؟ ومن يأكل؟ روى أحمد في المسند والبخاري من حديث أنس أنه ﷺ قال: (إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فاستطاع أن يغرسها فليغرسها) فلا تقل: القيامة ستقوم، ومتى أغرس؟ ومتى تثمر؟ ومن يأكل؟ هذا ليس لك، فما عليك أيها الحبيب! إلا أن تغرس، وما عليك إلا أن تتحرك لدين الله، ونريد كل مسلم أن يقول لربه جل وعلا: يارب! لقد أعذرت إليك وبذلت كل ما في وسعي لدينك، فالله ما أمرك بأكثر من هذا، قال جل وعلا: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦].
وأخيراً أسأل الله جل وعلا أن يقر أعيننا جميعاً بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين.
اللهم اشف صدور قوم مؤمنين، اللهم اشف صدور قوم مؤمنين، اللهم اشف صدور قوم مؤمنين.
اللهم أنت غياثنا فبك نغوث، وأنت ملاذنا فبك نلوذ، وأنت عياذنا فبك نعوذ، يا ذا المن! ولا يمن عليه، ويا من يجير! ولا يجار عليه، يا ذا المن! ولا يمن عليه، ويا من يجير! ولا يجار عليه، يا من إليه يلجأ الخائفون! يا من إليه يلجأ الخائفون! يا من إليه يلجأ الخائفون! يا من عليه يتوكل المتوكلون! يا من إليه تبسط الأيدي ويرجوه المذنبون! يا من إليه تبسط الأيدي ويرجوه المذنبون! اللهم لا تعاملنا بذنوبنا، اللهم لا تعاملنا بذنوبنا، اللهم إنا نعترف لك بعجزنا، ونقر لك بضعفنا، ونقر لك بجرمنا، فاللهم لا تتخل عنا بذنوبنا، اللهم لا تتخل عنا بذنوبنا، اللهم لا تتخل عنا بذنوبنا.
اللهم ارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، واستر عيبنا، وآمن روعاتنا، وفرج كربنا، واكشف همنا، وأزل غمنا، اللهم تقبل دعاءنا برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم احمل المسلمين الحفاة، واكس المسلمين العراة، وأطعم المسلمين الجياع.
اللهم اربط على قلوب المجاهدين في كل مكان، اللهم اربط على قلوب المجاهدين في كل مكان، اللهم إنا نشكو إليك خيانة الخائنين، اللهم إنا نشكو إليك خيانة الخائنين، اللهم إنا نشكو إليك خيانة الخائنين، اللهم إنا نشكو إليك مكر المنافقين، اللهم إنا نشكو إليك كيد العلمانيين، اللهم رد كيدهم في نحورهم يا رب العالمين، اللهم اشف صدور قوم مؤمنين، وأقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز المسلمين.
اللهم فك أسر المأسورين، وسجن المسجونين، واربط على قلوبنا وإياهم يا رب العالمين! اللهم اجعل مصر واحة للأمن والأمان، اللهم اجعل مصر سخاءً رخاءً وسائر بلاد الإسلام، اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن، واجعلها سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين! أحبتي في الله: صلوا وسلموا على حبيبنا رسول الله؛ فلقد أمرنا الله جل وعلا بذلك في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] , اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان؛ والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة، ويلقى به في جهنم، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 512
الإرهاب الغربي
إن الصور المخزية والمجازر الوحشية التي ترتكب ضد المسلمين اليوم لتدمع لها العيون، وتتفطر لها الأكباد، وتنهد لها الجبال! والأدهى والأمر أن يبرر الإرهاب الغربي كل ما ارتكبه من مجازر، ويلقي ثوب الفضيحة والرذيلة على المسلمين، ويلبسهم لباس التطرف والإرهاب والبربرية، ولو قرءوا التاريخ ونظروا في حياة المسلمين لوجدوا أن دين الإسلام هو دين السماحة والأمن والأمان، وأن الإسلام بريء من كل ما رموه واتهموه به.
стр. 513
صور مخزية من إرهاب الغرب
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء، وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء، وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله جل وعلا الذي جمعني مع حضراتكم في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار مقامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله: الإرهاب الغربي، هذا هو عنوان لقائنا مع حضراتكم في هذا اليوم الكريم المبارك، وكعادتنا حتى لا ينسحب بساط الوقت سريعاً من تحت أقدامنا فسوف ينتظم حديثنا مع حضراتكم تحت هذا العنوان في العناصر التالية: أولاً: صور مخزية من إرهاب الغرب.
ثانياً: صور مشرقة للتسامح الإسلامي.
ثالثاً: لا تيئسوا من روح الله.
رابعاً: طريق النجاة.
فأعيروني القلوب والأسماع، فإن هذا الموضوع الآن من الأهمية بمكان، فإنني أدين لله جل وعلا بأن هذا ينبغي أن يكون أهم الموضوعات، فإن العلماء والدعاة موضوعاتهم اليوم في واد، وأمتهم بجراحها وآلامها في واد آخر، والله أسأل أن يجعلنا من الصادقين في القول والعمل، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أولاً: صور مخزية من إرهاب الغرب.
стр. 514
تشويه الإعلام الغربي لصورة الإسلام وإلصاق تهمة الإرهاب بالمسلمين
أحبتي الكرام: إن الصراع بين الحق والباطل قديم بقدم الحياة على ظهر الأرض، والأيام دول كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠]، ولا شك أن الدولة الآن للغرب الذي كسب الجولة الأخيرة وهزم الأمة المسلمة عسكرياً واقتصادياً وأمنياً ونفسياً، وذلك بعد أن تخلت الأمة عن أسباب النصر، بانحرافها عن منهج ربها ونبيها ﷺ ، مصداقاً لقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] وذهب الغرب المنتصر -أيها الأحبة الكرام- يسوم الأمة المهزومة سوء العذاب، ويمارس عليها كل أشكال الإرهاب الفكري والنفسي والعلمي والعسكري.
ففي الوقت الذي يمارس فيه الإعلام الغربي عامة والأمريكي خاصة لوناً قذراً من ألوان الإرهاب الفكري، بوسم الإسلام والمسلمين بالإرهاب والتطرف والوحشية، والبربرية والجمود والرجعية، والتخلف والتأخر إلى آخر هذه التهم المعلبة الجاهزة التي لم تعد تنطلي إلى على السفلة والرعاع؛ أقول: في الوقت الذي يمارس فيه الإعلام الغربي هذا اللون القذر من ألوان الإرهاب الفكري، شاء الله جل وعلا أن تسقط ورقة السوء، وأن تتمزق خيوط العنكبوت التي طالما وارى بها النظام الغربي والأمريكي عوراته الغليظة، سقطت ورقة التوت، وتمزقت خيوط العنكبوت يوم أن قرر داعر البيت الأبيض بل كلنتون -الذي شاء الله أن يفضحه على رءوس الأشهاد ليغطي على أنباء فضيحته في أنحاء الدنيا- ضرب السودان وأفغانستان، لماذا؟ بحجة محاربة الإرهاب، إنا لله وإنا إليه راجعون، والذي فعلته زعيمة العالم في الإرهاب أمريكا ليس من الإرهاب في شيء، فـ: قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر وقتل شعب آمن مسألة فيها نظر ويقطع الإرسال الإعلامي العالمي ليخرج علينا إرهابي البيت الأبيض، ليزف إلى العالم الغربي والعربي والإسلامي المهزوم نبأ الغارات الجوية على السودان وأفغانستان، بنفس الطريقة التي خرج بها على العالم من قبله سلفه جورج بوش ليزف للعالم نبأ فتح العراق، وبنفس الطريقة التي خرج بها سلفهما ريجن ليزف للعالم نبأ الغارات الجوية على ليبيا.
مسلسل متكرر، مسلسل متصل والضحايا من الموحدين لله جل وعلا، من المسلمين الذين أصبحت دماؤهم أرخص دماء على وجه الأرض ولا حول ولا قوة إلا بالله! يضرب السودان ذلكم البلد الإسلامي الوديع الآمن، وجريمته أنه قال لشرع الله: على العين والرأس سمعنا وأطعنا، جريمة السودان أنه أعلن تطبيق شرع الله، جريمة السودان أنه رفض الهيمنة الأمريكية، ورفض أن يذوب في السياسة الغربية الأمريكية وقال لشرع الله: سمعاً وطاعة، وقال للنظام الشرقي الملحد وللقانون الغربي الكافر: لا لا، وردد مع المؤمنين الأولين: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير.
يفرض الحصار الاقتصادي على السودان، بل وحاول الغرب وعلى رأسه أمريكا أن يدخل مصر والسودان في صراع دموي قاتل لصالح العالم الغربي والأمريكي، ولكن الله سلم، وتعاملت مصر -وأسأل الله أن يحفظها بحفظه- مع الكيد الغربي الشيطاني بغاية الحكمة والذكاء.
ويضرب أفغانستان ذلكم البلد الإسلامي الشامخ الذي مرغ أنف الدب الروسي الغبي في التراب والطين، يوم أن رفع أبناؤه راية الجهاد في سبيل الله، فلما تخلوا عن راية الجهاد في سبيل الله وقع ما نعلمه فيما بينهم، وهذه سنة ربانية لا تتبدل ولا تتغير، ليعلم الجميع أن الله لن ينصر إلا من نصر دينه، فإن نصبت نفسك وحرصت على كرسي زائل ومنصب فانٍ وكل الله الجميع إلى بعضهم البعض، فلولا أن أهل أفغانستان رفعوا راية الجهاد في سبيل الله جل وعلا لما وضعوا أنف الدب الروسي الغبي الوقح في الوحل والطين والتراب.
стр. 515
من هو الإرهابي الحقيقي
تضرب السودان وأفغانستان بحجة محاربة الإرهاب، وما جعلته زعيمة الإرهاب من ذبح للسودان وأفغانستان بالصواريخ والطائرات ليس من الإرهاب في شيء ما دام هذا السفك بأيد أمريكية، وما دام الحصار يفرض على العراق وعلى ليبيا وعلى الصومال بأيد أمريكية، فما دام القول والفعل من نصف العالم الآن الذي يخون بيده الخبيثة الطويلة الآثمة كل مسلم هنا وهنالك على مرأى ومسمع من العالم الغربي، وعلى مرأى ومسمع من العالم الإسلامي المهزوم، ما دام هذا الصنيع على يد الأمريكان فلا يعد من الإرهاب في شيء، ولا ينبغي لرجل عاقل أن يصف هذا القول والفعل بالإرهاب والتطرف.
أما إن تكلم مسلم كلمة يذب بها عن دين الله، ويبين بها الإرهاب الغربي فهو الذي يوصف بالإرهاب، كما يسم الإرهاب الغربي المسلمين في كل مكان بالتطرف والأصولية والإرهاب والوحشية، والبربرية والجمود، والرجعية والتأخر إلى آخر هذه التهم المعلبة، يقتل عشرات الآلاف من الأفغان، وفي كل عام يقتل ما يزيد على خمسين ألف طفل من العراق، لماذا؟ لأن النظام الغربي وعلى رأسه أمريكا يفرض حصاراً اقتصادياً على العراق وعلى ليبيا وعلى السودان وعلى الصومال! لماذا لا يقال بأن هذا هو الإرهاب الحقيقي؟ لماذا لا يقال بأن هذا هو التطرف الحقيقي؟ أين مجلس الأمن الذي يتبجح كل يوم بوجود تطبيق القرارات على العراق، مع أنه هو الذي أصدر ما يزيد على خمسين قراراً في حق إسرائيل، ومع ذلك لم يطالب مجلس الأمن مطالبة عملية واقعية أن تطبق إسرائيل قراراً واحداً من هذه القرارات؟! وسنرى أن الإرهاب اليهودي الآن قد استطال في أرض فلسطين وفي جنوب لبنان وفي هضبة الجولان، فأين أمريكا من هذا الإرهاب اليهودي؟ أين مجلس الأمن؟ وأين أمريكا التي تقول: إننا سنحارب الإرهاب في كل مكان؟! لماذا لا تكف إرهابها عن العالم العربي والإسلامي؟ وأين مجلس الأمن؟ وأين المنظمة العالمية لحقوق الإنسان؟ أين النظام العالمي؟ أما له أثر، ألم تنعق به الأبواق! أين السلام العالمي؟ لقد بدا كذب السلام وزاغت الأحداق يا مجلس الأمن المخيف إلى متى؟! يا مجلس الأمن المخيف الذي في ظله قد ضيع الميثاق يا مجلس الأمن المخيف أوما يحركك الذي يجري لنا أوما يثيرك جرحنا الدفاق وحشية يقف الخيال أمامها متضائلاً وتمجها الأذواق يا مسلمون: أنادي كل علمانيي العرب في الأمة كلها أن يقفوا الآن على حقيقة الإرهاب، وأن يقفوا على حقيقة التطرف، وأن يعلموا من هم الإرهابيون الحقيقيون، وأن يعرفوا لله حقيقة الغرب، هذا هو الغرب الذي لا يكيل بمكيالين كما يريد العلمانيون أن يقنعوا أمثالنا، فالغرب لا يكيل إلا بمكيال واحد، إنه مكيال العداء للإسلام، ولمحمد ﵊، هذه حقيقة يجب أن تستقر في قلوبنا، وفي قلوب أبنائنا وبناتنا ونسائنا، الغرب لا يكيل إلا بمكيال واحد، إنه مكيال العداء للإسلام قالوا لنا ما الغرب قلت صناعة وسياحة ومظاهر تغرينا لكنه خاوٍ من الإيمان لا ير عى ضعيفاً أو يسر حزينا الغرب مقبرة المبادئ لم يزل يرمي بسهم المغريات الدينا الغرب مقبرة العدالة كلما رفعت يد أبدى لها السكينا الغرب يكفر بالسلام وإنما بسلامه الموهوم يستهوينا الغرب يحمل خنجراً ورصاصة فعلام يحمل قومنا الزيتونا كفر وإسلام فأنى يلتقي هذا بذلك أيها اللاهونا أنا لا ألوم الكفر في تخطيطه ولكن ألوم المسلم المسجونا وألوم أمتنا التي رحلت على درب الخضوع ترافق التنينا وألوم فينا نخوة لم تنطفئ إلا لتضربنا على أيدينا يا مجلس الأمن المخيف إلى متى تبقى لتجار الحروب رهينا وإلى متى ترضى بسلب حقوقنا منا وتطلبنا ولا تعطينا لعبت بك الدول الكبار فصرت في ميدانهن اللاعب الميمونا يا مجلساً غدا في زي عالمنا مرضاً خفياً يشبه الطاعونا شكراً -لمجلس الأمن- لقد أبرزت وجه حضارة غربية لبس القناع سنينا شكراً لقد نبهت غافل قومنا وجعلت شك الواهمين يقينا يا مجلس الأمن انتظر إسلامنا سيريك ميزان الهدى ويرينا إني أراك على شفير نهاية ستصير تحت ركامها مدفونا إن كنت في شك فسل فرعون عن غرق وسل عن خسفه قارونا
стр. 516
إرهاب تباشره أمريكا
أين المنظمات العالمية من الإرهاب الأمريكي ومن الإرهاب الغربي الذي يمارس بكل وحشية وعنجهية واستعلاء، في الوقت الذي يفرض فيه الإعلام الغربي غطاءً من خيوط العنكبوت على أن المسلمين هم أهل الإرهاب وهم أصل التطرف، وهم زعماء التطرف والإرهاب في العالم؟! يا مسلمون! أدركوا من الذي أباد هيروشيما ونجازاكي بالقنابل النووية.
هل هم المسلمون أم أمريكا؟! من الذي أباد شعب الهنود الحمر: المسلمون أم أمريكا؟! من الذي فرض الحصار الاقتصادي وقتل عشرات الآلاف من أنصار المسلمين في العراق وليبيا: المسلمون أم أمريكا؟! من الذي ضرب السودان وضرب مصنع الدواء الذي يخرج هذا الدواء للفقراء والجياع: المسلمون أم أمريكا؟! من الذي حاصر السودان من أجل السيطرة على منابع النيل لتصل مياه النيل إلى إسرائيل: المسلمون أم أمريكا؟ فلنفق، يجب أن يفيق كل مسلم، ولتعلم أمريكا أن المسلمين أصبحوا الآن يعلمون كل شيء، ويعرفون كل شيء، لقد انتقل جل المسلمين من مرحلة أزمة الوعي إلى مرحلة وعي الأزمة.
أيها المسلمون! لا بد أن نتساءل إذا كانت أمريكا تعلن حرب الإرهاب في أنحاء العالم فلماذا لم تحارب أمريكا إرهاب اليهود في في الأرض المقدسة؟! لماذا لم تحارب أمريكا رائدة العالم الغربي الإرهاب اليهودي في فلسطين وفي لبنان وفي الجولان؟ إن نتنياهو يضرب بكل الأعراف والقوانين والمواثيق الدولية عرض الحائط، حتى المبادرة الأمريكية الأخيرة للسلام رفضها، ولم يحترم قانوناً ولا ميثاقاً، ولا نظاماً عالمياً ولا دولياً، وراح ليؤكد بناء المستوطنات اليهودية في الجولان، وفي الخليج، وفي القدس، يريد أن يغير هوية المدينة المقدسة بأي سبيل، ويعربد في المنطقة كلها كيف شاء، أين رائدة الحضارة الغربية من الإرهاب والتطرف اليهودي؟ وأين هي من عربدة نتنياهو؟ ولله در القائل: عربد كما شئت يا هذا النتنياهو ما عاد في البيت مرب فتخشاه ما ضر لو تحتسي في الصبح قهوتنا على الأريكة في كبر عهدناه ما ضر لو تسرق الأنفاس من رئتي وتستبي حلماً في الليل أحياه ما ضر لو توأد الأشعار إن صرخت وتكنس البحر لو يفضي بمثواه لا تخش من سيفنا فالسيف قد صدئت أنصاله فانزوى والغمد واراه ما عاد كالأمس مزهواً بصنعته فآثر الخلد والتذكار سلواه أما الجواد الذي قد كنت تحسبه متن السباق إذا المضمار ناداه فقد تخلى عن الميدان منهزماً فعاد منسحباً والعجز أعياه وأمتي لا تخف منها فقد هرمت والشيب في رأسها قد خط مجراه حليبها لم يعد يروي لنا ظمئاً فضرعها جف مذ ماتت خلاياه عربد كما شئت يا هذا النتنياهو فأمتي تعشق الشجب وتهواه إن عم خطب بها فالكل ألسنة للشجب يا صاحبي والكل أفواه يا أمة عجزها قد صار قائدها وضعفها لم يعد في الدرب إلا هو يا أمة في خليط العمر نائمة تلوك ماض لها في القبر مثواه هانت على نفسها فاستعدمت وونت وسلمت كنزها للص يرعاه آسادها روضت في الأسر طائعة فأسدها دون أسد الأرض أشياه يا قدس هذا زمان الليل فاصطبري فالصبح من رحم الظلماء مسراه يا قدس لا تقلقي فالحق منتصر وصاحب الحق ليس يرده الله ما دام في القلب دين قد حفظناه وفي اليمين كتاب ما تركناه
стр. 517
الإرهاب الصربي
أين رائدة العالم الغربي من الإرهاب اليهودي، من التطرف اليهودي في الأرض المقدسة في الجولان في جنوب لبنان، ثم أين رائدة العالم الغربي أمريكا التي ستحارب الإرهاب في كل أنحاء العالم؟ أين هي من الإرهاب الصربي من التطرف الصربي؟ إن الصرب منذ سنوات يبيدون المسلمين في البوسنة وكوسوفو إبادة جماعية، نرى تطهيراً عرقياً واسع النطاق، ونرى ذبحاً للمسلمين كذبح الخراف، أين أمريكا؟ أين مجلس الأمن؟ أين هيئة الأمم؟ أين المنظمة العالمية لحقوق الإنسان من التطهير العرقي والإبادة الجماعية في البوسنة وكوسوفو إلى يومنا هذا؟ كوسوفو تباد والعالم كله خسة وخيانة ونفاق كوسوفو من دولة المجد عثمان أبوها والفاتح العملاق كوسوفو من قلب مكة بالتوحيد يعلو لواؤها الخفاق تركوها وحولها من كلاب الصرب طوق من خلفه أطواق قدمتها الصلبان للصرب قرباناً وللصرب كلهم عشاق ووالله لو فعلنا بالصرب ما فعلوه لرأينا مثل الذي رآه العراق أين رائدة الحضارة الغربية التي ستحارب الإرهاب في كل مكان في العالم، ولكنها لا تحارب إلا الإسلام والمسلمين ونحن نعلم ذلك مهما فرض الإعلام الغربي غطاءً هشاً من خيوط العنكبوت على الممارسات الإرهابية المتطرفة للعالم الغربي وعلى رأسه أمريكا.
الصرب يذبحون المسلمين ذبح الخراف، وينطلقون ليحولوا ملحمتهم الشعرية التي تسمى بإكليل الجبل، إلى واقع عملي، تقول الملحمة الصربية: (سلك المسلمون طريق الشيطان، دنسوا الأرض ملئوها رجساً، فلنعد للأرض خصوبتها، ولنطهرها من تلك الأوساخ، ولنبصق على القرآن، ولنقطع رأس كل من يؤمن بدين الكلاب ويتبع محمداً، فليذهب غير مأسوف عليه)، هذه الملحمة الصربية القذرة التي انطلق الصرب ليحولوا كلماتها الخبيثة إلى واقع عملي، فأين رائدة الحضارة الغربية من هذا الإرهاب الفكري والعسكري والاقتصادي والنفسي الذي يمارس على المسلمين في البوسنة في كوسوفو في العراق في ليبيا في السودان في أفغانستان في الصومال في كشمير على أيدي عباد البقر.
ففي كل بلد على الإسلام دائرة ينهد من هولها رضوى وثهلان ذبح وصلب وتقتيل بإخوتنا كما أعدت لتشفي الحقد نيران يستصرخون ذوي الإيمان عاطفة فلم يغثهم بيوم الروع أعوان فهل هذه غيرة أم هذه ضيعة للكفر ذكر وللإسلام نسيان
стр. 518
لماذا لا تحارب أمريكا التطرف اليهودي
وإذا سألتموني: لماذا لم تحارب أمريكا التطرف اليهودي والإرهاب الصربي في كل أنحاء العالم؟ سأجيب على حضراتكم بكلمات قليلة وأقول: لأن الكفر ملة واحدة، وبكل أسف لقد بين لنا ربنا في قرآننا الذي يتلى على مسامعنا في الليل والنهار، بين لنا عقيدة القوم، تدبر قول الله جل وعلا: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]؛ لكننا -بكل أسف- منا من لا يصدق ربنا جل وعلا، إن صدق بلسانه فإن قلبه يكذب وإن واقعه ينكر.
وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١]، وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران:١١٨]، وقال جل وعلا: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ﴾ [البقرة:١٠٩]، وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة:١].
آيات كثيرة يبين الله فيها خطر عقيدة الكفر، وأن عقيدة الكفر واحدة، وأن ملة الكفر واحدة في كل زمان وكل مكان.
стр. 519
صور مشرقة للتسامح الإسلامي
وفي مقابل هذه الصور المخزية للإرهاب الغربي أؤكد لرائدة الحضارة الغربية أمريكا وللعالم الغربي -وتمنيت من كل قلبي أن لو أسمعت العالم الغربي كله هذه الكلمات- أن الإسلام دين الأمن، دين التسامح، دين لا يقر الإرهاب مهما كان لونه ومهما كان زمانه، ومهما كان مكانه ومهما كان جنسه، لا يقر الإسلام إرهاباً ولا تطرفاً على الإطلاق من أي جنس كان، وفي أي زمان كان، وفي أي مكان كان، بل أنا أؤكد للغرب وللمسلمين وللعلمانيين العرب بصفة خاصة أن اليهود والنصارى ما ذاقوا نعمة الأمن والأمان والاستقرار إلا في كنف دين محمد بن عبد الله إلا في ظلال الإسلام، ولا زالت صفحات التاريخ مفتوحة بين أيدينا.
فلنرجع إلى التاريخ لنقرؤه، ولنرى أن الإسلام العظيم قد جعل الناس جميعاً في كل أنحاء الأرض سواء لا اختلاف ولا تمايز بينهم إلا بالتقوى والعمل الصالح، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣]، وهذا هو عنصرنا الثاني: (صور مشرقة للتسامح الإسلامي).
اسمع إلى خطبة الحبيب النبي ﷺ ، كما في الحديث الذي رواه أحمد والبيهقي بسند صحيح من حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: (خطبنا رسول الله في وسط أيام التشريق خطبة الوداع، وكان من بين ما قاله المصطفى: أيها الناس! ألا إن ربكم واحد، ألا إن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]).
هل طبق الإسلام هذه المناهج العظيمة، أم أن الإسلام قد جعلها مناهج نظرية باهتة باردة؟ لا، اقرءوا التاريخ لتروا أن الإسلام قد حول هذه المبادئ السامية إلى واقع يتألق سمواً وروعة وعظمة وجلالاً.
стр. 520
أمان عمر بن الخطاب لأهل إيليا
هذا فاروق الأمة عمر بن الخطاب الذي خرج من المدينة ليتسلم مفاتيح بيت المقدس، وجاء عمر بن الخطاب في موكب مهيب لكنه يتكون من رجلين اثنين، من عمر وخادمه، على ظهر دابة واحدة، يركب فاروق الأمة تارة، وينزل ليركب خادمه تارة أخرى، وينزل الخادم لتمشي الدابة وحدها تارة ثالثة.
وما أن وصل عمر إلى بيت المقدس إلا وكانت النوبة لخادمه، فأصر الخادم أن ينزل ليركب أمير المؤمنين، فرفض عمر وركب الخادم، وانطلق عمر بن الخطاب ليجر الدابة لخادمه وهو أمير المؤمنين، فلما أقبل أبو عبيدة بن الجراح قائد الجيوش في القدس في بلاد فلسطين ورأى عمر بن الخطاب يفعل ذلك قال: يا أمير المؤمنين! والله ما أحب أن القوم قد استكرهوك، لا أحب أن يراك القوم وأنت بهذه الحالة، وأنت في طريقك لاستلام مفاتيح بيت المقدس، فالتفت فاروق الأمة القوي إلى أبي عبيدة فقال: (أوه يا أبا عبيدة لو يقولها غيرك! يا أبا عبيدة! لقد كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله).
ويقف عمر بن الخطاب أمام بيت المقدس على أرض فلسطين ليكتب لهم الأمان الذي يسمى في التاريخ بالعهدة العمرية، ماذا قال عمر؟ قال: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين أهل إيليا -أي: أهل بيت المقدس- من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم، فكنائسهم لا تسكن ولا تهدم، ومن أراد من أهل إيليا أن يخرج فعليه الأمان حتى يبلغ مأمنه، على ما في هذا العهد أقر عمر، فعليه ذمة الله ورسوله والخلفاء والمؤمنين).
ووقع على هذا العهد العمري: خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وأبو عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان، في العام الخامس عشر من هجرة النبي ﷺ ، أعطى عمر للنصارى أماناً على أموالهم وأنفسهم وكنائسهم.
стр. 521
صلاح الدين يرسل طبيبه لمعالجة عدوه
ولو رأينا وقرأنا ما فعله صلاح الدين الأيوبي يوم أن انتصر على الصليبيين في موقعة حطين، عاملهم معاملة سيظل التاريخ يقف أمامها وقفة إعجاب وإجلال وإكبار، كما صرح كتابهم هم من الشرق والغرب، لقد مرض ريتشارد قلب الأسد الذي كان قائداً قوياً عنيداً لـ صلاح الدين، فلما مرض أرسل له صلاح الدين الأيوبي طبيبه الخاص بدواء من عنده، هل في تاريخ الحضارات مثل ذلك؟
стр. 522
محمد الفاتح يعطي الأمان للنصارى
ولما فتح البطل الشاب محمد الفاتح القسطنطينية ودخل كنيسة آياصوفيا العملاقة، ماذا فعل محمد الفاتح بالنصارى؟ أعطاهم الأمن والأمان، وعاشوا في كنف محمد الفاتح في ظلال الإسلام، وفي غاية الاستقرار.
стр. 523
عمر بن الخطاب يقتص للقبطي من محمد بن عمرو بن العاص
وكلكم يعلم قصة اليهودي الذي سرق درع علي، وكلكم يعلم قصة القبطي الذي سابق محمد بن عمرو بن العاص.
قبطي من أرض مصر يسابق محمد بن عمرو بن العاص فيسبقه القبطي، فيضرب ابن والي مصر القبطي الضعيف، وهو يقول له: خذها وأنا ابن الأكرمين، ويتلقى القبطي الضربة من سوط محمد بن عمرو بن العاص، وينطلق على الفور إلى الأسد القابع في مدينة المصطفى، إلى عمر بن الخطاب ﵁ ليدخل عليه المسجد النبوي وهو يقول: هذا مقام العائذ بك يا أمير المؤمنين! فيقول له عمر: من أنت؟ فيقول: أنا قبطي من أهل مصر.
ما الذي جاء بك من مصر إلى المدينة؟ قال: سابقت محمد بن عمرو بن العاص فسبقته، فضربني بالسوط وهو يقول: خذها وأنا ابن الأكرمين، فقال له عمر: اجلس هنا، وأرسل مع البريد رسالة عاجلة كتب فيها: (من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى والي مصر عمرو بن العاص، إن انتهيت من قراءة رسالتي فاركب إلي مع ولدك محمد).
فيركب عمرو بن العاص مع ولده محمد ليدخل على عمر ﵁، فيقول عمر: أين القبطي؟ فيقول: هأنا يا أمير المؤمنين، فيقول: أقبل، خذ السوط واضرب ابن الأكرمين، قبطي يضرب ابن عمرو بن العاص! فيضربه، فيقول عمر: أدر السوط أو الدرة على صلعة عمرو بن العاص، فوالله ما ضربك ولده إلا بسلطان أبيه، فقال القبطي: لا يا أمير المؤمنين قد ضربت من ضربني، فقال عمر: والله لو ضربت عمرو ما حلنا بينك وبين ذلك، ثم التفت عمر إلى عمرو وقال قولته الخالدة: (يا عمرو! متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً).
هل في حضارات الدنيا مثل هذا؟! هذا هو تسامح الإسلام العظيم.
стр. 524
قصة عمر بن عبد العزيز مع أهل سمرقند
وأنا أعجب يوم أن فتح المسلمون سمرقند في عهد عمر بن عبد العزيز، وأرسل أهل سمرقند رسالة إلى عمر ﵁، وقالوا بأن الفتح الإسلامي لسمرقند فتح باطل؛ لأن الجيوش دخلت سمرقند عنوة، ولم تدعها إلى الإسلام، ولم تفرض عليها الجزية.
فما كان من عمر بن عبد العزيز إلا أن يرسل إلى قاضي قضاة المسلمين ليحقق في هذا الأمر، ويرسل القاضي إلى عمر ﵁ بأن الفتح الإسلامي لسمرقند فتح باطل، فيصدر عمر الأوامر إلى قائد الجيوش المسلمة في سمرقند بالانسحاب فوراً، ثم يدعو أهل سمرقند إلى الإسلام فإن أبوا فليفرضوا عليهم الجزية، فإن أبوا فالقتال! فلما خرج الجيش عن بكرة أبيه، خرج أهل سمرقند بين يدي الجيش الفاتح العظيم المنتصر على نفسه، وهم يقولون: نشهد أن لا إله إلا الله ونشهد أن محمداً رسول الله.
هذه أخلاق الإسلام، وهذه أخلاق جنوده.
стр. 525
تعامل أبي عبيدة مع أهل حمص ودمشق
ولما فتح الجيش الإسلامي حمص والعراق والشام، وعلم القادة بقيادة أبي عبيدة أن هرقل قد جمع لهم جيشاً جراراً، خرج القادة يخاطبون أهل دمشق وأهل حمص وقالوا لهم: لقد سمعنا أن هرقل قد جمع لنا جموعاً، وإننا لا نستطيع أن نحميكم وأن ندافع عنكم، وهذه جزيتكم التي دفعتموها لنا في مقابل حمايتكم.
فلما رأى الناس ذلك من أهل حمص ومن أهل دمشق طارت عقولهم وخرجوا بين يدي الجيش المسلم يقولون: والله لعدلكم أحب إلينا من جور الروم وظلمهم، مع أنهم على دين واحد.
إن الإسلام دين الأمن، دين التسامح، دين الأمان، وما ذاق اليهود والنصارى نعمة الأمن والاستقرار إلا في كنف الإسلام، وفي ظلال دين محمد ﵊.
إخوتي الكرام: وأخيراً (لا تيأسوا من روح الله)؛ وأوفر الحديث عن هذا العنصر والذي يليه بعجالة إلى ما بعد جلسة الاستراحة، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 526
لا تيأسوا من روح الله
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام: أرى رياحاً عاتية من القنوط واليأس تجتاح نفوس كثير من المسلمين، فإن هذه الهزيمة النفسية وهذا اليأس والقنوط هل تعتقدون أن السبب كله منكم لأمريكا، أم أنه منكم ومن الخالق العظيم، يتصرف فيه كيف شاء؟ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:٢٦].
إخوتي الكرام، إن زعيمة الإرهاب في العالم، وإن العالم الغربي كله إلى جوار قدرة الله وقوته وعظمته ما هم إلا حشرات ستموت وستسقط كما سقطت الحشرات الشيوعية، ستسقط الحشرات الغربية كما سقطت الحشرات الشيوعية المركزية، لموعود الله جل وعلا، ولموعود الصادق الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ .
أيها الإخوة: إذا كان الاستيلاء لأهل الإيمان سنة جارية ثابتة، فإن أخذ الله للظالمين سنة جارية ثابتة، ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢]، ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:٦ - ١٤].
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:١ - ٥] أخذ الله للظالمين سنة ثابتة، وسنة جارية لا تتبدل ولا تتغير.
يا إخوتي الكرام؛ أين فرعون الذي قال: أنا ربكم الأعلى، الذي قال: ما علمت لكم من إله غيري، الذي قال لقومه: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١]، فأجراها الله من فوقه؟! أين هامان؟ أين قارون؟ أين ثمود؟ أين عاد؟ أين الظالمون؟ بل أين التابعون لهم بالغي؟ أين من دوخوا الدنيا بسطوتهم وذكرهم في الورى ظلم وطغيان هل خلد الموت ذا عز لعزته أو هل نجا منه بالسلطان إنسان لا والذي خلق الأكوان من عدم الكل يفنى فلا إنس ولا جان لا تيأسوا من روح الله فإن جيل الله قادم! إن جيل الله قادم! هل تصدقون الله جل وعلا؟ هل تصدقون رسول الله ﷺ ؟ اسمع لربك ونبيك، قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]، وقال جل وعلا: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف:٨ - ٩]، وقال جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١].
ويكفي أن نعلم أنه في نفس الأسبوع ابتلى الله أمريكا بإعصار مكلف لها مئات الملايين من الدولارات، اللهم إنا مغلوبون فانتصر لنا يا رب العالمين! الله جل وعلا يقول: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف:١١٠].
ويذكرنا الصادق الأمين ﷺ فيقول كما في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي من حديث ثوبان: (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها)، وفي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وغيره من حديث حذيفة، قال ﵊: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً، فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرياً، فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة).
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم! يا عبد الله! ورائي يهودي تعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود).
إخوتي الكرام: هل تعلمون أن النبي ﷺ قد حدد أرض المعركة؟ نعم، لقد حدد النبي ﷺ أرض المعركة الفاصلة بين المسلمين واليهود، ففي رواية البزار بسند رجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي، أنه ﷺ قال: (أنتم شرقي الأردن وهم غربيه)، ولم تكن هناك يومئذ دولة تعرف بدولة الأردن، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٣ - ٥].
وفي الحديث الذي رواه أحمد وغيره بسند صحيح من حديث عبد الله بن عمرو قال: (سئل رسول الله يوماً: يا رسول الله! أي المدينتين تفتح أولاً: القسطنطينية أم روما؟ فقال الصادق الذي لا ينطق عن الهوى: القسطنطينية تفتح أولاً)، وأنتم تعلمون أن القسطنطينية قد فتحت على يد البطل الشاب محمد الفاتح بعد البشارة النبوية بثمانية قرون ونصف، ويبقى الشطر الآخر للبشارة النبوية وعد لا يخلف، ألا وهو فتح روما بإذن الله، وبموعود رسول الله ﷺ .
стр. 527
طريق النجاة
ولكن -أحبتي الكرام- هذا الأمل كما أقول ينبغي أن يدفعنا إلى العمل، وهذا هو عنصرنا الأخير من عناصر اللقاء: (طريق النجاة).
طريق النجاة على مستوى الأمة أن ترجع الأمة إلى الله جل وعلا، وإلى رسول الله ﷺ ، والعودة إلى القرآن والسنة ليست نافلة ولا اختياراً، بل إن الأمة أمام شرط الإسلام وحد الإيمان، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
ثم لترفع الأمة راية الجهاد في سبيل الله، فأنا أدين لله أنه لا شرف ولا عز للأمة إلا بالجهاد في سبيل الله، كما قال المصطفى: (إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، وتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم)، ثم لتلتقي وقد آن لها أن توحد الصف، وأن تلتقي على كلمة سواء، فإن العالم الآن لا يحترم إلا الأقوياء.
والعمل على مستوى الأفراد: أن نصحح في قلوبنا من جديد عقيدة الولاء والبراء، وأن نعلم نساءنا وأنفسنا وأبناءنا وبناتنا من نوالي ومن نهادن، من نحب ومن نبغض، فهذه خطوة عملية حتمية على الطريق، ثم تحول الإسلام في حياتك إلى واقع عملي وإلى منهج حياة، وأن تحمل هم الدين في قلبك، وأن تتحرك ولو بكلمة طيبة، لتعبر عما بداخلك لنصرة هذا الدين العظيم.
ثم لتنطلق في خطوة ثالثة حتمية، ألا وهي دعوة الغير إلى دين الله جل وعلا، وإلى سنة رسول الله ﷺ ، ويجب علينا أيضاً -أيها المسلمون في كل مكان، يا من تستمعون إلي الآن! ويا من ستستمعون إلي عبر شريط الكاست- خطوة عملية يستطيعها كل مسلم: أن يعلن المقاطعة لجميع البضائع والمنتجات الأمريكية واليهودية، كلنا يستطيع ذلك في خطوة عملية دقيقة على الطريق، والله ستحدث أثراً، ولكننا -وللأسف- كل واحد منا يقول: ماذا أصنع أنا؟! وما قيمة دوري أنا؟! فيتخلى عن دوره، ويتخلى ذاك عن دوره، فلا يصبح للمسلمين أي دور.
فخذ أنت على الطريق دوراً، وأنا وغيري، وأختي وأختك، وامرأتي وامرأتك، وولدي وولدك، لنعبر عن هذه الغضبة في صدورنا لله ولدين رسول الله ﷺ ، ووالله ثم والله لو بصق المسلمون جميعاً على وجه الأرض بصقة في آن واحد لأغرقوا اليهود، لكن كل مسلم يقول: ما قيمة دوري أنا؟! وماذا أصنع أنا؟! افعل أي شيئاً، عبر عن هذا الدين، تحرك لهذا الدين، احمل هم الدين في قلبك، المهم أن تسأل نفسك ماذا قدمت لدين الله؟! وما الذي يجب عليك أن تبذله لدين الله جل وعلا؟! اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد.
اللهم اشف صدور قوم مؤمنين، اللهم اشف صدور قوم مؤمنين، اللهم اشف صدور قوم مؤمنين، يا ربنا! إنا مظلومون فانتصر، اللهم إنا مظلومون فانتصر، اللهم إنا مظلومون فانتصر، اللهم عليك باليهود والأمريكان، اللهم عليك باليهود والأمريكان، اللهم أرنا فيهم يوماً كيوم عاد وثمود، بقدرتك وعظمتك يا رب العالمين! اللهم إنا ضعفاء وأنت تعلم ضعفنا فقونا، اللهم ارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، واستر عيبنا، وفك أسرنا، وتول أمرنا، واختم بالصالحات أعمالنا، اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ميتاً لنا إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين! اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً، اللهم اجعل مصر واحة للأمن والأمان، وجميع بلاد المسلمين، اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم ارفع عن مصر الغلاء والوباء والبلاء وجميع بلاد المسلمين، اللهم انصر المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين! واشف صدور قوم مؤمنين بنصرة الإسلام وعز الموحدين.
أحبتي الكرام: هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويلقى به في جهنم، ولا أنسى أن أذكر الإخوة بالحق الذي عليهم لله جل وعلا، فلا تنسوا التبرع لهذا البيت المبارك، والله أسأل أن يجعل المال في أيدينا لا في قلوبنا، وأن يتقبل منا ومنكم جميعاً صالح الأعمال.
стр. 528
الطريق إلى القدس
لن تتحرر القدس إلا بعد تحقيق كلمة التوحيد، ثم توحيد الكلمة، والرجوع الكامل إلى دين الله، وتحكيم شريعة الله، وهذا من أعظم أسباب النصر والتمكين، وكذلك بالجهاد الشرعي؛ فإن ما أخذ بالقوة لا يُرد إلا بالقوة.
стр. 529
اهتمام العلماء والدعاة بجراح الأمة وآلامها
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الأخوة الأحباب الكرام الأعزاء! وطبتم جميعاً وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الكريم جلا وعلا الذي جمعنا وإياكم في هذا البيت المبارك على طاعته أن يجمعنا وإياكم في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! أنا أكرر دائماً أنه لا ينبغي أن يكون العلماء والدعاة في وادٍ، وأن تكون الأمة بجراحها وآلامها في وادٍ آخر، ومن هذا المنطلق فإنني أستحي من الله جل وعلا أن أقف بين أيديكم وسط هذه الآلام والجراح دون أن أتكلم عن القدس الجريح؛ لذا فإن عنوان لقائنا هذا هو بعنوان: (الطريق إلى القدس).
وكما تعودنا فسوف ينتظم الحديث معكم تحت هذا العنوان في العناصر التالية: أولاً: مؤامرة حقيرة قديمة حديثة.
ثانياً: كلمة التوحيد قبل توحيد الكلمة.
ثالثاً: نبذ الفرقة، وتوحيد الصف، وتحقيق معنى الأخوة في الله.
رابعاً: التخلص من الوهن.
خامساً: رفع راية الجهاد في سبيل الله.
سادساً: الدعاء، وصدق اللجأ إلى الله جل وعلا.
وأخيراً: المؤمنون الصادقون لا يعرفون لليأس طريقاً.
فأعيروني القلوب والأسماع أيها الأحباب! فإن هذا اللقاء الآن من الأهمية والخطورة بمكان، والله أسأل أن يقر أعيننا بتحرير القدس الشريف؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 530
مؤامرة حقيرة قديمة حديثة
أيها الأخيار الكرام! إن الصراع بين الحق والباطل قديم بقدم الحياة على ظهر الأرض، والأيام دول كما قال الله جل وعلا: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠]، ولا زال هذا الإسلام العظيم منذ أن بزغ فجره واستفاض نوره مستهدفاً من قِبَلِ أعدائه الذين لا يتفقون على شئ قدر اتفاقهم على الكيد للإسلام، واستئصال شأفة المسلمين، ولا زال التحدي قائماً إلى يومنا هذا، بل وأعلن الأعداء بسفور ووضوح عن مؤامرتهم الحقيرة الرهيبة، فقبل أربعين سنة وقف رئيس وزراء إسرائيل (ابن غوريون) في هيئة الأمم بعد أن اعترف العالم كله بالُغدَّة السرطانية الخبيثة التي تسمى بدولة إسرائيل التي أعلن عن قيامها فوق الثرى الطاهر والأرض المباركة، فوق مسرى الحبيب محمد ﷺ ، وقف رئيس وزراء هذه الغدة السرطانية المدمرة ليعلن للعالم كله عقيدة اليهود في فلسطين، وأتمنى أن تعلم الأمة هذه العقيدة؛ لتعلم يقيناً أن اليهود لا يتكلمون في مؤتمرات ولا في مفاوضات إلا من خلال عقيدتهم المبدلة المحرفة المغيرة التي يعتنقونها، ويجلونها، ويحترمونها وهم على الباطل؛ في الوقت الذي تنكّر فيه أهل الحق للحق الذي من أجله خلق الله السموات والأرض!!! قال رئيس وزراء إسرائيل في اللحظات الأولى لميلاد دولة إسرائيل قبل أربعين سنة تقريباً بالحرف الواحد: قد لا يكون لنا في فلسطين حق من منطلق سياسي أو قانوني، ولكن لنا في فلسطين الحق من منطلق وأساس ديني، فهي أرض الميعاد التي وعدنا الله، وأعطانا الله إياها من النيل إلى الفرات، وإنه يجب الآن على كل يهودي أن يهاجر إلى أرض فلسطين، وعلى كل يهودي لا يهاجر اليوم إلى إسرائيل بعد إقامتها أن يعلم أنه مخالف للتوراة، وأنه يكفر كل يوم بالدين اليهودي!! ثم قال: لا معنى لفلسطين بدون القدس، ولا معنى للقدس بدون الهيكل، ولا معنى لقيام دولة إسرائيل بدون فلسطين!! وأقول: اعلموا يقيناً أن هذه عقيدة لا تتبدل ولا تتغير بتغير رؤساء الوزراء، وهذا ما أصله رئيس وزراء إسرائيل (نتنياهو) يوم أن نجح في الانتخابات الأخيرة وقال: لقد صَوَّت اليهود أخيراً للتوراة!! ثم قال بمنتهى الوضوح: لا مجال للحديث في أى مفاوضات عن تقسيم القدس، فإن القدس عاصمة أبدية لإسرائيل!! أيها الأحباب! هذه عقيدة لليهود، فالصراع بيننا وبين اليهود ليس صراع أرض وحدود.
واعلم يقيناً أن اليهود ما تنازلوا عن (أريحا) إلا لأنهم يقرءون في التوراة المحرفة المبدلة قولة تقول: (ملعون من سكنها)، فما تنازلوا عنها إلا من أجل عقيدة يعتنقونها ويعتقدونها، أما القدس فلا.
فمهما طالت المباحثات، ومهما جلسوا على مائدة المفاوضات؛ فلن يتخلى اليهود عن القدس أبداً، فهذه عقيدتهم التي يجلونها ويعتمدونها ويحترمونها، ولا مانع عند اليهود أن يبذلوا لها الدماء والأموال والرءوس، فإن صراعنا مع اليهود ليس صراع أرض وحدود، ولكن صراعنا معهم صراع عقيدة ووجود.
следующие страницы →