Полный текст (1 901 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
لا تيأسوا من روح الله
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام: أرى رياحاً عاتية من القنوط واليأس تجتاح نفوس كثير من المسلمين، فإن هذه الهزيمة النفسية وهذا اليأس والقنوط هل تعتقدون أن السبب كله منكم لأمريكا، أم أنه منكم ومن الخالق العظيم، يتصرف فيه كيف شاء؟ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:٢٦].
إخوتي الكرام، إن زعيمة الإرهاب في العالم، وإن العالم الغربي كله إلى جوار قدرة الله وقوته وعظمته ما هم إلا حشرات ستموت وستسقط كما سقطت الحشرات الشيوعية، ستسقط الحشرات الغربية كما سقطت الحشرات الشيوعية المركزية، لموعود الله جل وعلا، ولموعود الصادق الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ .
أيها الإخوة: إذا كان الاستيلاء لأهل الإيمان سنة جارية ثابتة، فإن أخذ الله للظالمين سنة جارية ثابتة، ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢]، ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:٦ - ١٤].
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:١ - ٥] أخذ الله للظالمين سنة ثابتة، وسنة جارية لا تتبدل ولا تتغير.
يا إخوتي الكرام؛ أين فرعون الذي قال: أنا ربكم الأعلى، الذي قال: ما علمت لكم من إله غيري، الذي قال لقومه: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١]، فأجراها الله من فوقه؟! أين هامان؟ أين قارون؟ أين ثمود؟ أين عاد؟ أين الظالمون؟ بل أين التابعون لهم بالغي؟ أين من دوخوا الدنيا بسطوتهم وذكرهم في الورى ظلم وطغيان هل خلد الموت ذا عز لعزته أو هل نجا منه بالسلطان إنسان لا والذي خلق الأكوان من عدم الكل يفنى فلا إنس ولا جان لا تيأسوا من روح الله فإن جيل الله قادم! إن جيل الله قادم! هل تصدقون الله جل وعلا؟ هل تصدقون رسول الله ﷺ ؟ اسمع لربك ونبيك، قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]، وقال جل وعلا: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف:٨ - ٩]، وقال جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١].
ويكفي أن نعلم أنه في نفس الأسبوع ابتلى الله أمريكا بإعصار مكلف لها مئات الملايين من الدولارات، اللهم إنا مغلوبون فانتصر لنا يا رب العالمين! الله جل وعلا يقول: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف:١١٠].
ويذكرنا الصادق الأمين ﷺ فيقول كما في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي من حديث ثوبان: (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها)، وفي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وغيره من حديث حذيفة، قال ﵊: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً، فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرياً، فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة).
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم! يا عبد الله! ورائي يهودي تعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود).
إخوتي الكرام: هل تعلمون أن النبي ﷺ قد حدد أرض المعركة؟ نعم، لقد حدد النبي ﷺ أرض المعركة الفاصلة بين المسلمين واليهود، ففي رواية البزار بسند رجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي، أنه ﷺ قال: (أنتم شرقي الأردن وهم غربيه)، ولم تكن هناك يومئذ دولة تعرف بدولة الأردن، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٣ - ٥].
وفي الحديث الذي رواه أحمد وغيره بسند صحيح من حديث عبد الله بن عمرو قال: (سئل رسول الله يوماً: يا رسول الله! أي المدينتين تفتح أولاً: القسطنطينية أم روما؟ فقال الصادق الذي لا ينطق عن الهوى: القسطنطينية تفتح أولاً)، وأنتم تعلمون أن القسطنطينية قد فتحت على يد البطل الشاب محمد الفاتح بعد البشارة النبوية بثمانية قرون ونصف، ويبقى الشطر الآخر للبشارة النبوية وعد لا يخلف، ألا وهو فتح روما بإذن الله، وبموعود رسول الله ﷺ .
стр. 527
طريق النجاة
ولكن -أحبتي الكرام- هذا الأمل كما أقول ينبغي أن يدفعنا إلى العمل، وهذا هو عنصرنا الأخير من عناصر اللقاء: (طريق النجاة).
طريق النجاة على مستوى الأمة أن ترجع الأمة إلى الله جل وعلا، وإلى رسول الله ﷺ ، والعودة إلى القرآن والسنة ليست نافلة ولا اختياراً، بل إن الأمة أمام شرط الإسلام وحد الإيمان، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
ثم لترفع الأمة راية الجهاد في سبيل الله، فأنا أدين لله أنه لا شرف ولا عز للأمة إلا بالجهاد في سبيل الله، كما قال المصطفى: (إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، وتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم)، ثم لتلتقي وقد آن لها أن توحد الصف، وأن تلتقي على كلمة سواء، فإن العالم الآن لا يحترم إلا الأقوياء.
والعمل على مستوى الأفراد: أن نصحح في قلوبنا من جديد عقيدة الولاء والبراء، وأن نعلم نساءنا وأنفسنا وأبناءنا وبناتنا من نوالي ومن نهادن، من نحب ومن نبغض، فهذه خطوة عملية حتمية على الطريق، ثم تحول الإسلام في حياتك إلى واقع عملي وإلى منهج حياة، وأن تحمل هم الدين في قلبك، وأن تتحرك ولو بكلمة طيبة، لتعبر عما بداخلك لنصرة هذا الدين العظيم.
ثم لتنطلق في خطوة ثالثة حتمية، ألا وهي دعوة الغير إلى دين الله جل وعلا، وإلى سنة رسول الله ﷺ ، ويجب علينا أيضاً -أيها المسلمون في كل مكان، يا من تستمعون إلي الآن! ويا من ستستمعون إلي عبر شريط الكاست- خطوة عملية يستطيعها كل مسلم: أن يعلن المقاطعة لجميع البضائع والمنتجات الأمريكية واليهودية، كلنا يستطيع ذلك في خطوة عملية دقيقة على الطريق، والله ستحدث أثراً، ولكننا -وللأسف- كل واحد منا يقول: ماذا أصنع أنا؟! وما قيمة دوري أنا؟! فيتخلى عن دوره، ويتخلى ذاك عن دوره، فلا يصبح للمسلمين أي دور.
فخذ أنت على الطريق دوراً، وأنا وغيري، وأختي وأختك، وامرأتي وامرأتك، وولدي وولدك، لنعبر عن هذه الغضبة في صدورنا لله ولدين رسول الله ﷺ ، ووالله ثم والله لو بصق المسلمون جميعاً على وجه الأرض بصقة في آن واحد لأغرقوا اليهود، لكن كل مسلم يقول: ما قيمة دوري أنا؟! وماذا أصنع أنا؟! افعل أي شيئاً، عبر عن هذا الدين، تحرك لهذا الدين، احمل هم الدين في قلبك، المهم أن تسأل نفسك ماذا قدمت لدين الله؟! وما الذي يجب عليك أن تبذله لدين الله جل وعلا؟! اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد.
اللهم اشف صدور قوم مؤمنين، اللهم اشف صدور قوم مؤمنين، اللهم اشف صدور قوم مؤمنين، يا ربنا! إنا مظلومون فانتصر، اللهم إنا مظلومون فانتصر، اللهم إنا مظلومون فانتصر، اللهم عليك باليهود والأمريكان، اللهم عليك باليهود والأمريكان، اللهم أرنا فيهم يوماً كيوم عاد وثمود، بقدرتك وعظمتك يا رب العالمين! اللهم إنا ضعفاء وأنت تعلم ضعفنا فقونا، اللهم ارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، واستر عيبنا، وفك أسرنا، وتول أمرنا، واختم بالصالحات أعمالنا، اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ميتاً لنا إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين! اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً، اللهم اجعل مصر واحة للأمن والأمان، وجميع بلاد المسلمين، اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم ارفع عن مصر الغلاء والوباء والبلاء وجميع بلاد المسلمين، اللهم انصر المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين! واشف صدور قوم مؤمنين بنصرة الإسلام وعز الموحدين.
أحبتي الكرام: هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويلقى به في جهنم، ولا أنسى أن أذكر الإخوة بالحق الذي عليهم لله جل وعلا، فلا تنسوا التبرع لهذا البيت المبارك، والله أسأل أن يجعل المال في أيدينا لا في قلوبنا، وأن يتقبل منا ومنكم جميعاً صالح الأعمال.
стр. 528
الطريق إلى القدس
لن تتحرر القدس إلا بعد تحقيق كلمة التوحيد، ثم توحيد الكلمة، والرجوع الكامل إلى دين الله، وتحكيم شريعة الله، وهذا من أعظم أسباب النصر والتمكين، وكذلك بالجهاد الشرعي؛ فإن ما أخذ بالقوة لا يُرد إلا بالقوة.
стр. 529
اهتمام العلماء والدعاة بجراح الأمة وآلامها
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الأخوة الأحباب الكرام الأعزاء! وطبتم جميعاً وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الكريم جلا وعلا الذي جمعنا وإياكم في هذا البيت المبارك على طاعته أن يجمعنا وإياكم في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! أنا أكرر دائماً أنه لا ينبغي أن يكون العلماء والدعاة في وادٍ، وأن تكون الأمة بجراحها وآلامها في وادٍ آخر، ومن هذا المنطلق فإنني أستحي من الله جل وعلا أن أقف بين أيديكم وسط هذه الآلام والجراح دون أن أتكلم عن القدس الجريح؛ لذا فإن عنوان لقائنا هذا هو بعنوان: (الطريق إلى القدس).
وكما تعودنا فسوف ينتظم الحديث معكم تحت هذا العنوان في العناصر التالية: أولاً: مؤامرة حقيرة قديمة حديثة.
ثانياً: كلمة التوحيد قبل توحيد الكلمة.
ثالثاً: نبذ الفرقة، وتوحيد الصف، وتحقيق معنى الأخوة في الله.
رابعاً: التخلص من الوهن.
خامساً: رفع راية الجهاد في سبيل الله.
سادساً: الدعاء، وصدق اللجأ إلى الله جل وعلا.
وأخيراً: المؤمنون الصادقون لا يعرفون لليأس طريقاً.
فأعيروني القلوب والأسماع أيها الأحباب! فإن هذا اللقاء الآن من الأهمية والخطورة بمكان، والله أسأل أن يقر أعيننا بتحرير القدس الشريف؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 530
مؤامرة حقيرة قديمة حديثة
أيها الأخيار الكرام! إن الصراع بين الحق والباطل قديم بقدم الحياة على ظهر الأرض، والأيام دول كما قال الله جل وعلا: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠]، ولا زال هذا الإسلام العظيم منذ أن بزغ فجره واستفاض نوره مستهدفاً من قِبَلِ أعدائه الذين لا يتفقون على شئ قدر اتفاقهم على الكيد للإسلام، واستئصال شأفة المسلمين، ولا زال التحدي قائماً إلى يومنا هذا، بل وأعلن الأعداء بسفور ووضوح عن مؤامرتهم الحقيرة الرهيبة، فقبل أربعين سنة وقف رئيس وزراء إسرائيل (ابن غوريون) في هيئة الأمم بعد أن اعترف العالم كله بالُغدَّة السرطانية الخبيثة التي تسمى بدولة إسرائيل التي أعلن عن قيامها فوق الثرى الطاهر والأرض المباركة، فوق مسرى الحبيب محمد ﷺ ، وقف رئيس وزراء هذه الغدة السرطانية المدمرة ليعلن للعالم كله عقيدة اليهود في فلسطين، وأتمنى أن تعلم الأمة هذه العقيدة؛ لتعلم يقيناً أن اليهود لا يتكلمون في مؤتمرات ولا في مفاوضات إلا من خلال عقيدتهم المبدلة المحرفة المغيرة التي يعتنقونها، ويجلونها، ويحترمونها وهم على الباطل؛ في الوقت الذي تنكّر فيه أهل الحق للحق الذي من أجله خلق الله السموات والأرض!!! قال رئيس وزراء إسرائيل في اللحظات الأولى لميلاد دولة إسرائيل قبل أربعين سنة تقريباً بالحرف الواحد: قد لا يكون لنا في فلسطين حق من منطلق سياسي أو قانوني، ولكن لنا في فلسطين الحق من منطلق وأساس ديني، فهي أرض الميعاد التي وعدنا الله، وأعطانا الله إياها من النيل إلى الفرات، وإنه يجب الآن على كل يهودي أن يهاجر إلى أرض فلسطين، وعلى كل يهودي لا يهاجر اليوم إلى إسرائيل بعد إقامتها أن يعلم أنه مخالف للتوراة، وأنه يكفر كل يوم بالدين اليهودي!! ثم قال: لا معنى لفلسطين بدون القدس، ولا معنى للقدس بدون الهيكل، ولا معنى لقيام دولة إسرائيل بدون فلسطين!! وأقول: اعلموا يقيناً أن هذه عقيدة لا تتبدل ولا تتغير بتغير رؤساء الوزراء، وهذا ما أصله رئيس وزراء إسرائيل (نتنياهو) يوم أن نجح في الانتخابات الأخيرة وقال: لقد صَوَّت اليهود أخيراً للتوراة!! ثم قال بمنتهى الوضوح: لا مجال للحديث في أى مفاوضات عن تقسيم القدس، فإن القدس عاصمة أبدية لإسرائيل!! أيها الأحباب! هذه عقيدة لليهود، فالصراع بيننا وبين اليهود ليس صراع أرض وحدود.
واعلم يقيناً أن اليهود ما تنازلوا عن (أريحا) إلا لأنهم يقرءون في التوراة المحرفة المبدلة قولة تقول: (ملعون من سكنها)، فما تنازلوا عنها إلا من أجل عقيدة يعتنقونها ويعتقدونها، أما القدس فلا.
فمهما طالت المباحثات، ومهما جلسوا على مائدة المفاوضات؛ فلن يتخلى اليهود عن القدس أبداً، فهذه عقيدتهم التي يجلونها ويعتمدونها ويحترمونها، ولا مانع عند اليهود أن يبذلوا لها الدماء والأموال والرءوس، فإن صراعنا مع اليهود ليس صراع أرض وحدود، ولكن صراعنا معهم صراع عقيدة ووجود.
стр. 531
حقيقة اليهود
أتمنى أن تصدِّق الأمة ربها، قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران:١١٨]، وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:١٠٩] فهذا قرآن ربنا يتلى علينا في الليل والنهار، فالصراع -أيها المسلمون- بيننا وبين اليهود ليس صراع أرض وحدود، ولكنه صراع عقيدة ووجود، وهذا كلام ربنا يتلى في الليل والنهار، وهذا كلام نبينا الصادق الذي لا ينطق عن الهوى بأبي هو وأمي ﵌.
أيها الإخوة! أدين الله جل وعلا على منبر رسوله أن للقدس طريقاً واحداً، ولن تصل الأمة إلى القدس إلا من خلاله ولو عاشت آلاف السنين، هذا الطريق وَضَّحَ الله في القرآن معالمه وحدوده، فلو ظلت الأمة ألف سنة بعيدة عن هذا الدرب وعن هذا الطريق فلن تستطيع أبداً أن تصل إلى القدس الشريف، فما هي معالم هذا الطريق؟ وما هي خطواته؟!
стр. 532
كلمة التوحيد قبل توحيد الكلمة
مستحيلٌ أن يحرر الأقصى جيل لم يعرف الله، وأتحدى من يقول بغير ذلك، فكيف يحرر الأقصى جيل تحدى الله، وحادَّ شرع الله، وانحرف بعيداً عن منهج الله جل وعلا؟!! فتح بيت المقدس عمر بن الخطاب الذي جاء متذللاً متضرعاً خاشعاً لله، وجاء من المدينة إلى أرض فلسطين وهو يتلو قرآن ربه جل وعلا، أما اليوم فإن الأمة قد نحت قرآن الله، وتحدت شريعة الله جل وعلا، فـ عمر فتح القدس، واستلم المفاتيح؛ لأنه جاء وقد أحنى رأسه ذلاًّ لله، وتواضعاً لله جل وعلا، جاء في ركب متواضع، على ظهر دابة واحدة مع خادمه فقط، جاء وهو يتلو كتاب الله، وهنالك في القدس قابله قائد الجيوش أبو عبيدة ﵁، وكانت الكرة لخادم عمر، فلقد كان عمر يركب على ظهر الدابة مرة وهو يقرأ سورة يس، وينزل من على ظهرها مرة ليركب الخادم وأمير المؤمنين يمشي على قدميه ويقرأ الخادم السورة مرة، ويترك الأمير والخادم الدابة مرة لتستريح، بهذه القلوب تحررت القدس، وبهذه القلوب تحرر الأقصى.
وأمام القدس المبارك وفي الأرض الطاهرة يمر عمر بن الخطاب بدابته على مخاضة -بركة ماء- فينزل الفاروق من على ظهر الدابة، فيلتفت إليه قائد الجند أبو عبيدة أمين الأمة ويقول: (يا أمير المؤمنين! والله! ما أحب أن القوم قد استشرفوك، ولا أحب أن يراك القوم وأنت على هذه الحالة).
فقال فاروق الأمة: (آهٍ يا أبا عبيدة! لو غيرك قالها؛ لقد كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العز في غيره أذلنا الله!!) كلمات نرددها ونسمعها، ولكنها والله! ما صادفت القلوب، ولكنها والله! ما تمكنت من القلوب، لقد كنا أذل قوم، كنا رعاة للإبل والغنم فأعزنا الله، بماذا؟ بالإسلام، فمهما ابتغينا العز في غيره أذلنا الله.
ويوم أن تحرر قلب صلاح الدين انطلق ليحرر الأقصى الكريم، قيل له: يا صلاح الدين! لماذا لم تُر مبتسماً؟ لماذا لا تبتسم؟!! فقال صلاح الدين: (والله! لن أبتسم والقدس في أيدى الصليبيين!!!) إنها القلوب التى عرفت ربها جل وعلا، وجاءت مذعنة منقادة إلى الله، فذلل الله لها الأرض، بل وأنزل الله لها الملائكة، وأنا لا أتصور أبداً أن ينزل الله الملائكة الآن لأمة نحت كتاب الله، وانحرفت في عقيدتها، ولا أتصور أن يقذف الله الرعب في قلوب أعدائها في هذه الأيام.
أيها الأخيار الكرام! كلمة التوحيد قبل توحيد الكلمة أمر مهم.
وقد سعدت القلوب لقرار الجامعة العربية -ومع أننا نعلم أنه كلام نظري، لكنها كلمة طيبة- حيث التقى فيها العرب على لسان رجل واحد، فأفزعت هذه الكلمة العالم كله، وزعزعت مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية، وصارت تتعجب وتقول: كيف تجرأت الجامعة أن تتخذ هذا القرار؟! وهو مجرد قرار اتخذته الجامعة فقط، ومع ذلك فزعت أمريكا، وفزع العالم، فما ظنك لو أن هذه الأمة قد التقت قبل ذلك على كلمة (لا إله إلا الله) قبل أن تتوحد كلمتها، فلن تتوحد كلمتها إلا إذا التقت قلوب أبنائها على كلمة التوحيد، على كلمة (لا إله إلا الله).
стр. 533
تصحيح العقيدة هي الخطوة الأولى لتحرير القدس
الذي ندين الله به يا شباب! أن الخطوة الأولى على طريق تحرير القدس هي تصحيح العقيدة، وتصحيح العبادة، وعودة الأمة إلى الله، وأنا أثق كل الثقة أن الأمة لو لم تمتثل إلا هذا البند، ولو لم تخط إلا هذه الخطوة؛ لالتقينا في الأقصى الكريم بموعود الله وبموعود رسول الله ﷺ ، فالإسلام عقيدة تنبثق منها شريعة تنظم كل شئون الحياة، ولا يقبل الله من قوم عملاً إلا إذا صحت عقيدتهم، وحققوا كلمة التوحيد بشمولها وبكمالها.
فالتوحيد هو: أن تصرف الأمة العبادة كاملة إلى الله.
وكلمة التوحيد تلزم الأمة أن تحكم شريعة الله.
وكلمة التوحيد تلزم الأمة بالموالاة لله ورسوله، فتوالي الأمة الله ورسوله والمؤمنين، وتتبرأ الأمة من الشرك والمشركين.
قال الشاعر: أتحب أعداء الحبيب وتدعي حباً له ما ذاك في الإمكان وكذا تعادي جاهلاً أحبابه أين المحبة يا أخا الشيطان إن المحبة أن توافق من تحـ ـب على محبته بلا نقصان فإذا ادعيت له المحبة مع خلافك ما يحب فأنت ذو بهتان ولو صدقت الله فيما قلته لعاديت من بالله ويحك يكفر وواليت أهل الحق سراً وجهرة ولما تعاديهم وللكفر تنصر فما كل من قد قال ما قلت مسلم ولكن بأشراط هنالك تذكر مباينة الكفار في كل موطن بذا جاءنا النص الصحيح المقرر تصدع بالتوحيد بين ظهورهم وتدعوهم سراً لذاك وتجهر هذا هو الدين الحنيفي والهدى وملة إبراهيم لو كنت تشعر فكلمة التوحيد تستلزم أن ترجع الأمة إلى التوحيد بشموله وكماله، فالتوحيد ليس كلمة فحسب، بل كلمة باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، ففي صحيح مسلم من حديث أبى هريرة أنه ﷺ قال: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم).
قال الحسن: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن الإيمان ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، فمن قال خيراً وعمل خيراً قُبِلَ منه، ومن قال خيراً وعمل شراً لم يقبل منه.
فلابد من تصحيح العقيدة، وتصحيح العبادة، وتحكيم الشريعة، قال ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] هذه هي الخطوة الأولى بلا نزاع على طريق تحرير القدس، فلن يحرر القدس إلا رجل العقيدة الذي عرف قدر الله، وعظمة الله، وعلم يقيناً أنه كله لله، وامتثل عملياً قول الله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣].
فلن يحرر القدس إلا رجل العقيدة الذي استقر في قلبه مفهوم الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، واستقر في قلبه مفهوم البراء من الشرك والمشركين، وراح يحول في قلبه وواقعه ومنهج حياته قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١]
стр. 534
وجوب نبذ الفرقة، وتوحيد الصف، وتحقيق معنى الأخوة
الفرقة شر، والخلاف هزيمة وضعف، قال الله جل وعلا: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦] أي: تضيع قوتكم.
واليهود ما تلاعبوا بالأمة، وضربوا الأمة بالنعال على أم رأسها إلا يوم أن علم اليهود يقيناً أن الأمة مبعثرة متشرذمة؛ إذ كل دولة في الأمة لا همّ لها إلا أن تحفظ حدودها، وإلا أن ترفع قوميتها ووطنيتها، فالأمة قد تمزقت إلى دويلات، بل وتفتت الدويلات هي الأخرى إلى دويلات!!! ودق العدو الفاجر مسماراً قذراً يسمى بمسمار الحدود بين الدول الاسلامية والعربية، فلا تكاد نار الفتنة على حد بين دولتين تهدأ وتخمد إلا ويطرق الأعداء على رأس هذا المسمار بقوة في مكان آخر؛ لتشتعل النار مرة أخرى بين بلدين عربيين مسلمين، فخلافات الأمة ممزقة، والعدو لا يحترم إلا القوي!! أول بروتوكول من بروتوكولات جبناء صهيون يقول: الحق مع القوة.
وقال الإرهابي الكبير مناحيم بيجن: إننا نحارب، إذاً نحن موجودون، فالعالم لا يحترم الضعفاء! وهذا كلام واضح، فالعالم لا يحترم الضعفاء، العالم لا يحترم إلا الأقوياء، هذه هي عقيدة الغرب، ومخدوع من ظن أن الغرب لا يكيل بمكيالين، بل إنه مكيال واحد، إنه مكيال العداء في كل وقت وحين.
قال الشاعر: قالوا لنا الغرب قلت صناعة وسياحة ومظاهر تغرينا لكنه خاو من الإيمان لا يرعى ضعيفاً أو يسر حزينا الغرب مقبرة العدالة كلما قطعت يد أبدى لها السكينا الغرب مقبرة المبادئ لم يزل يرمي بسهم المغريات الدينا الغرب يكفر بالسلام وإنما بسلامه الموهوم يستهوينا الغرب يحمل خنجراً ورصاصة فعلامَ يحمل قومنا الزيتونا كفر وإسلام فأنى يلتقي هذا بذلك أيها اللاهونا فلا أقول يكيل بمكيالين، بل يكيل بمكيال واحد، إنه مكيال العداء للإسلام، فالغرب يعلن كله: أنه بعد سقوط الشيوعية لم يعد لنا عدو إلا الإسلام، ولم يبق لنا في حلبة العداء إلا الإسلام! وهذا كلام معلن وصريح؛ فالعالم لا يحترم الضعفاء.
وبمجرد أن التقت الدول العربية في الجامعة، وأصدرت قراراً واحداً؛ فزع العالم وخاف من قرار كلمة، وصرخت وزيرة الخارجية الأمريكية الخبيثة اليهودية وقالت: كيف تجرأت الجامعة واتخذت هذا القرار؟! فتوحيد الكلمة قوة، فلماذا لا تلتقي الأمة؟!! الأمة تعلم يقيناً أنه لا عز لها ولا كرامة إلا إذا تكلمت بلسان رجل واحد، وعلم الأعداء أنها التقت على قلب رجل واحد.
قال العرب قولة في حرب العاشر من رمضان، فحولت تلك الكلمة موازين المعركة، وذلك يوم أن اتخذ العرب قرار منع البترول، فانقلبت الموازين وتحولت الدفة تماماً.
فالمسلمون يعلمون يقيناً أنهم لو يتفقون على كلمة فسوف يفزع العالم كله.
قال : ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤] فقلوبهم مملوءة بالفزع، فما على الأمة إلا أن توحد الصف، وأن تنبذ الفرقة والخلاف، وأن تحقق معنى الأخوة، كما قال : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠].
فينبغي أن ترفض الأمة هذه النعرات، وأن تسقط هذه الرايات، وأن تعلي راية الإسلام وراية الأخوة، وأن تحقق قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] فهذه الأخوة هي التي ساوت بين سلمان الفارسي، وصهيب الرومي، وأبى ذر الغفاري، وحمزة القرشي، ومعاذ الأنصاري، وبلال الحبشي، إنها أخوة الدين، إنها أخوة العقيدة، فأخي ولو كان في أقصى الشرق والغرب هو من كان على الإسلام، وأخي ابن أمي وأبي لا أعرفه إن كان على غير الإسلام.
أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم فالرابطة التي ربطت الأمة قديماً هي رابطة الإخاء في الله، كما قال ﷺ : (أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله)، ولو عرفنا معنى هذه الأخوة لعلمنا أن لإخواننا في القدس وفى الشرق وفى الغرب حقوقاً علينا، ويجب علينا ألا نتنصل منها، وإلا فإن الأمة كلها آثمة إن تخلت عن هذه الحقوق، وضيعت هذه الواجبات.
قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات:١٠]، وقال النبي ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى).
فلا كرامة للأمة إلا إذا وحَّدَتْ صَفَّهَا، ونزعت هذه الفرقة من قلوبها، وحققت معنى الأخوة الإيمانية؛ فإن رابطة العقيدة هي أعظم رباط، وهي أوثق صلة، وبدونها لا يمكن أبداً أن يحترم العالم كله هذه الأمة التي تبعثرت كتبعثر الغنم في الليلة الشاتية الممطرة.
стр. 535
وجوب العودة الصادقة إلى أخلاق هذا الدين
الأمة الآن بعيدة عن أخلاق محمد بن عبد الله ﷺ ، والقدس لن تُرد بالخطب الرنانة، ولا بالمواعظ البليغة المؤثرة، فنحن نخطب من عشرات السنين!! والزعماء يهتفون من مئات السنين؛ والأمة ذليلة، والقدس مأسور من عشرات السنين.
فلن يعاد القدس بالخطب والمواعظ والمؤتمرات الكلامية فقط، وإنما بعودة الأمة إلى أخلاق دينها من جديد؛ لتحول الأمة هذا الدين في حياتها إلى واقع وإلى منهج حياة.
وكل واحد منا مخاطب الآن بكل كلمة من هذا الكلام؛ فأنت مخاطب بتصحيح العقيدة، وبتصحيح العبادة، وبتحقيق الشريعة، على قدر استطاعتك في نفسك وفي غيرك إن تمكنت، وأن تلتقي الكلمة على لسان رجل واحد لتحكيم شرع الله جل وعلا، فوالله! لو صدقت القاعدة كلها وصارت تهتف بتحكيم شرع الله فلن تستطيع قوة أن تحول بين هذه القاعدة وبين شرع الله جل وعلا، لكن يجب على الأمة أن تهتف وأن تنطق وأن تتكلم وأن تتحرك، فكلنا مخاطب بهذا المنهج، فأنت على ثغر، وستسأل بين يدي الله ماذا فعلت؟ وماذا بذلت؟ وماذا قدمت؟ وإن رأى الله منك أنك قد بذلت على قدر استطاعتك، وعلى قدر ما تملك؛ فقد أعذرت إلى الله جل وعلا، قال سبحانه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وقال سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وقال سبحانه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧]، وقال سبحانه: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥]، فلست مكلفاً ومسئولاً عن النتيجة، وإنما أنت مسئول عن البذل والعمل على قدر استطاعتك، ودع النتائج بعد ذلك إلى الله الذي يعلم السر وأخفى.
فلابد من العودة الصادقة إلى أخلاق هذا الدين، وقد يكون من اليسير أن نقدم منهجاً نظرياً في الأخلاق، وأن نقدم منهجاً نظرياً في التربية، ولكن هذا المنهج سيظل حبراً على ورق ما لم تحوله الأمة في حياتها إلى واقع عملي، وإلى منهج حياة، ولقد نجح المصطفى ﷺ أن يقيم للإسلام دولة من فتات متناثر وفق جاهلية جهلاء، ووسط صحراء تموج بالكفر موجاً؛ يوم أن نجح في أن يطبع آلاف النسخ من المنهج التربوي الإسلامي، ولكنه لم يطبعها بالحبر على صحائف الورق، وإنما طبعها على صحائف القلوب بمداد من النور، فيجب على الأمة بكل أفرادها أن تعود من جديد إلى أخلاق هذا الدين.
стр. 536
وجوب التخلص من الوهن
لابد من التخلص من الوهن الذي أذل الأمة، ووضع رأسها في الطين والتراب، قال النبي ﵊ كما في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود من حديث ثوبان: (يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة على قصعتها، قالوا: أو من قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟! قال: كلا! أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، وليوشكن الله أن ينزع المهابة من قلوب عدوكم، ويقذف في قلوبكم الوهن، قيل: وما الوهن يا رسول الله؟! قال: حب الدنيا وكراهية الموت).
فالوهن الذي أذل الأمة هو حب الدنيا وكراهية الموت.
إن الأمة الآن -إلا من رحم ربك- تعيش لشهواتها الحقيرة، ونزواتها الرخيصة، وكل لا هم له إلا أن يقضي شهواته ونزواته، وأصبح جل الأمة يردد: دع الملك للمالك، ودع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله، بل ومنهم من يقول: دع ما لله لقيصر، إنها سلبية قاتلة، فأحبوا الدنيا وكرهوا الموت، مع أن الموت قادم، ومحال أن يفلت مخلوق من الموت، فمهما طالت بك حياة فأنت راحل إلى الله، كما قال : ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء:٧٧].
فإذا أمر الله إسرافيل بالنفخ في الصور نفخة الصعق مات كل حي على ظهر الأرض، بل مات حتى أهل السماء، وبقي الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، وكان آخراً كما كان أولاً، فهو الأول بلا ابتداء، وهو الآخر بلا انتهاء، كما قال عن نفسه: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣]، في هذه اللحظات، وفي وسط هذا السكون المهيب، ينطلق صوت جليل قريب يسأل صاحب الصوت ويجيب، فما من سائل ولا مجيب في الوجود يومئذ غيره، فبعد أن يقبض الأرض والسماوات بيمينه يهتف الملك جل وعلا بصوته ويقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يقول سبحانه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦].
قال الشاعر: أين الظالمون وأين التابعون لهم في الغي بل أين فرعون وهامان أين من دوخوا الدنيا بسطوتهم وذكرهم في الورى ظلم وطغيان هل أبقى الموت ذا عز لعزته أو هل نجا منه ذو السلطان إنسان لا والذي خلق الأكوان من عدم الكل يفنى فلا إنس ولا جان الفارق بيننا وبين أصحاب النبي أنهم كانوا يبحثون وسط ميدان البطولة والشرف عن الشهادة، أما نحن الآن فإننا نبحث عن الحياة، ونبحث عن المعيشة، وركنا إلى الوهن والطين، إنه الوهن الذي أصاب الأمة بالذل والهوان، ولا كرامة ولا عزة لهذه الأمة إلا إذا تخلصت من هذا الوهن، إلا إذا تخلصت من حب الدنيا وكراهية الموت، وعلمت يقيناً أن الدنيا مهما طالت فهي قصيرة، ومهما عظمت فهي حقيرة، وأن الليل مهما طال لابد من طلوع الفجر، وأن العمر مهما طال لابد من دخول القبر، والتخلص من الوهن سيلزم الأمة برفع علم الجهاد.
стр. 537
الجهاد في سبيل الله فيه عز الأمة
والله! لا كرامة ولا عز لهذه الأمة إلا إذا رفعت من جديد راية الجهاد في سبيل الله، وإن لم ترفع الأمة راية الجهاد الآن فمتى سترفعها؟ سعدنا كثيراً لما تقدم شيخ الأزهر مجموعة من الشباب، ورفع يديه كما رأينا على صفحات الجرائد والمجلات وهو يقول: حي على الجهاد! فما أحلاها من كلمة! وورب الكعبة! إن من شيوخ الأمة الآن قبل شبابها من يحترق قلبه شوقاً للجهاد في سبيل الله، ولو رفعت الأمة الراية لوجدنا من أبناء هذه الأمة من شيوخها، وشبابها، ورجالها، ونسائها، بل وأطفالها، من يسير على درب أصحاب النبي ﵌، ويريد أن يقدم روحه لله جل وعلا؛ لأنه يعلم يقيناً أنه لا عز لهذه الأمة إلا بالجهاد في سبيل الله، كما قال النبي ﷺ : (إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، وتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم)، فلا عزة للأمة، ولا رفع لهذا الذل عنها إلا إذا رفعت الأمة راية الجهاد في سبيل الله.
فما على الزعماء والرؤساء إلا أن يحققوا بنود هذا المنهج الرباني، وذلك بتصحيح العقيدة والعبادة، وتحكيم الشريعة، والعودة الصادقة إلى منهج الله ودينه، والتخلص من الوهن وحب الشهوات والنزوات الرخيصة، ثم ما عليهم بعد ذلك إلا أن يرفعوا راية الجهاد، وأن يعلنوا الجهاد في سبيل الله؛ وسيروا ملايين الشباب في هذه الأمة من أقصاها إلى أقصاها قد جاءوا جميعاً ويتمنى الواحد منهم أن يسد بجسمه فوهة مدافع أعداء الله؛ لتكون كلمة الله هي العليا.
ونحن نعتقد اعتقاداً جازماً قول الصادق المصدوق لـ معاذ: (ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قال معاذ: بلى، يا رسول الله! قال الصادق المصدوق: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله).
стр. 538
أهمية الدعاء وصدق اللجأ إلى الله
أتحتقرون الدعاء؟ أتستهينون بالدعاء؟ أتستهينون بصدق اللجأ إلى رب الأرض والسماء؟ بين يدي الآن عشرات الآلاف من الشباب، وأنا أسألكم: من منكم يدعو الله في كل سجدة أن يحرر الله الأقصى، وأن يفرج الكرب عن الأمة؟ كل يصدق الله في جوابه، مَنْ منكم يدعو الله في جوف الليل أن يفرج الكرب عن الأمة، وأن يعيد الأمة إلى الدين؟ فالدعاء سهام الليل، وهو أعظم سلاح نحارب به أعداء الله مع الأخذ بالأسباب التي ذكرت، فلست درويشاً أجهل الأسباب والواقع الذي أحياه، وإنما أعتقد اعتقاداً جازماً أن الأمة لو صدقت في اللجأ إلى الله، وقامت في جوف الليل، ولجأت إلى من بيده الأمر كله، وإلى من بيده الكون كله؛ لرأينا والله! العجب العجاب.
فهل نسيتم احتراق الطائرتين ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان يوم أن ضجت القلوب وارتفعت الحناجر بالدعاء إلى علام الغيوب؟ إن الله يعلم ضعفنا، ويعلم أنه ما حبسنا إلا العذر، فقد قال المصطفى لأصحابه وهم في عودتهم من الغزو: (إن لكم إخواناً في المدينة، ما سلكتم شعباً ولا نزلتم وادياً إلا وهم معكم يشاركونكم الأجر، قالوا: كيف ذلك يا رسول الله؟! قال: حبسهم العذر).
فالله يعلم الصادقين الذين حبسهم العذر فقاموا يتضرعون ويتذللون في جوف الليل بين يدي الله سبحانه، فاستجاب الله، واصطدمت الطائرتان اليهوديتان، وقتل ما يزيد عن أربعين جندياً وضابطاً من كبار ضباط الجيش اليهودي.
فمن الذي صنع ذلك؟ إنه الله.
وكذلك فيضان المسيسبي الذي دمر ولاية بكاملها في أمريكا، من الذي أمره؟ وإياكم وأن تسمعوا كلام عباد الطبيعة الذين يقولون بأن هذا من فعل الطبيعة!! إننا نعتقد أن الفيضانات والزلازل وكل هذه الأمور من جند الله العزيز الغفور، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١]، فاصدقوا الله في الدعاء، وقوموا في جوف الليل، وتضرعوا إلى رب الأرض والسماء، وسيحول الله بالدعاء قلوباً، وسيغير الله بالدعاء أحوالاً، فالدعاء سهام الليل.
كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: إنكم لا تنصرون بعتاد وعدد، وإنما تنصرون من السماء، فأنا لا أحمل همّ الإجابة، وإنما أحمل همّ الدعاء.
فمن أُلهِم الدعاء فإن الإجابة معه.
ونحن الآن لا نتضرع، ولا نتذلل، ولا نلجأ إلى الله سبحانه، بل عزفنا عن الدعاء، وتخلينا عن الدعاء، والتذلل لرب الأرض والسماء، ولم ندع الله أن يحول القلوب، وأن يغير الأحوال، وأن يبدل الأمور، وهو القادر وحده، فوالله! ليس لها إلا هو سبحانه.
فقوموا في جوف الليل، وتضرعوا إلى الله سبحانه، فإن الله يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦]، ولكن قد يسألني سائل ويقول: منذ متى ونحن ندعو الله ولم يستجب الله دعاءنا؟!!
و
الجواب
في صحيح مسلم من حديث أبى هريرة أن النبي ﷺ (ذكر الرجل أَشْعَثَ أَغْبَرَ يطيل السفر، يَمُدُّ يديه إلى السماء يقول: يارب! يارب! ومَطْعَمُهُ حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِيَ بَالحرام، فَأَنَّى يُستْجَاَبُ لذلك؟!).
فعودة إلى المنهج الذي ذكرت، ورد في كتاب الزهد للإمام أحمد: أن بني إسرائيل خرجوا يجأرون إلى الله بالدعاء، فأوحى الله إلى نبيهم وقال: خرجتم تجأرون إليّ بالدعاء حين اشتد عليكم غضبي، ورفعتم إلي أكفاً سفكتم بها الدماء، وملأتم بها بيوتكم من الحرام، لن تزدادوا مني إلا بعداً.
إن الدعاء له شروط لكي يُقبل ولكي يُستجاب، وشروطه أن نعود للمنهج الذي ذكرت.
قالوا لـ إبراهيم بن أدهم: يا أبا إسحاق! مالنا ندعو الله فلا يستجيب لنا؟! قال: لأن قلوبكم قد ماتت بعدة أشياء.
قالوا: ما هي؟ قال: عرفتم الله فلم تؤدوا حقوقه!! وزعمتم حب نبيه وتركتم سنته!! وقرأتم القرآن ولم تعملوا به!! وزعمتم أن الشيطان لكم عدو ولم تخالفوه!! وأكلتم نِعَمَ الله ولم تؤدوا شكرها!! وقلتم: إنَ الجنة حق ولم تعملوا لها!! وقلتم: إن النار حق ولم تهربوا منها!! وقلتم: إن الموت حق ولم تستعدوا له!! وانشغلتم بعيوب الناس ونسيتم عيوبكم!! ودفنتم موتاكم ولم تعتبروا بهم!! لقد ماتت القلوب! فكيف يستجيب علام الغيوب الدعاء من قلوب قد ماتت؟ النبي ﷺ يقول: (إن الله تعالى لا يقبل الدعاء من قلب لاهٍ غافل)، فالأصل أن تحيا القلوب، وأن تعود من جديد إلى علام الغيوب.
يا إخوة! أدين الله جل وعلا بين أيديكم أن الأقصى لن يحرر إلا بهذا المنهج ولو عاشت الأمة آلاف السنين، فلابد من تصحيح العقيدة، وتصحيح العبادة، وتحكيم الشريعة، والعودة الجادة إلى أخلاق محمد بن عبد الله ﷺ ، ونبذ الفرقة وتوحيد الصف، وتحقيق معنى الأخوة في الله جل وعلا، والتخلص من الوهن، وبعد ذلك يجب على الأمة أن ترفع راية الجهاد في سبيل الله، وأن تتضرع إلى الله جل وعلا بأن ينصرها، وأن يقذف الرعب في قلوب أعدائها، إن هذا هو الطريق، فلو عاشت الأمة ألف سنة فلن تصل إلى الأقصى ما دامت الأمة بعيدة عن الله، وما دامت الأمة تتحدى شريعة الله، وما دامت الأمة قد انحرفت عن أخلاق رسول الله! وما دامت الأمة تحارب الأطهار من رجالها ونسائها وشبابها، وما دامت الأمة تتحدى شرع العزيز الغفار.
فوالله الذي لا إله غيره! لا كرامة للأمة ولا عزة ولا سيادة ولا بقاء؛ وستظل الأمة تُضرب بالنعال على رأسها؛ ما لم تتب إلى الله، وما لم ترجع إلى الله.
فهيا أيها المسلمون الأخيار! ليكن كل منا على ثغر، فابدأ بنفسك، واعذر نفسك بين يدي الله جل وعلا، واعلم بأنك مسئول عن هذا الدين، فلا ينبغي أن تشهد لهم بلسانك فقط، وإنما بقلبك وأعمالك ودعوتك؛ ليرى الله أن قلبك يحترق لهذا الدين، ولهذه الأمة المسكينة التي ضاعت، قال : ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥].
أسأل الله جل وعلا أن يقر أعيننا وإياكم بنصرة الإسلام وعز الموحدين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 539
الغلبة للإسلام
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! لقد مر الإسلام بأزمات أحلك من هذه الأزمة وانتصر، فلا نيئس ولا نقنط، فإن الأعداء يريدون لنا اليأس من إمكانية التغيير حتى نظل سلبيين في أماكننا، مستسلمين لهذا الواقع المر الأليم.
فيا شباب! لقد انتصر الإسلام على التتار، ولقد انتصر الإسلام على الصليبيين، ولقد انتصر الإسلام على المغول، ولقد حرر الإسلام الأرض من المستعمر البريطاني في مصر والسودان، ولقد حرر الإسلام الأرض من المستعمر الإيطالي في ليبيا وبلاد المغرب، لقد حرر الإسلام الأرض من المستعمر في كل وقت وحين يوم رفع المسلمون راية الإسلام.
ولقد مر الإسلام والمسلمون بأزمات حالكة كما بينت ذلك في موضوع (الهزيمة النفسية)، ومع ذلك انتصر الإسلام، وهلك الكفار، وزال المنافقون والخائنون، وبقي الإسلام شامخاً، وسيبقى الإسلام شامخاً، وسيظل الإسلام شامخاً، ولن تستطيع قوة على ظهر الأرض أن تطفئ نور الله جل وعلا، فلابد أن ننطلق بهذا اليقين وبهذه الثقة بنصرة رب العالمين.
والإسلام كدين وكمنهج لا تستطيع قوة أن تستأصل شأفته من على ظهر الأرض؛ لأنه الدين الخاتم، وقد وعد الله له بالتمكين والنصرة.
стр. 540
أهمية بث الأمل في قلوب الأمة
أتمنى من إخواني الشيوخ والعلماء والدعاة وطلاب العلم أن يركزوا على جزئية بث الأمل في قلوب الأمة، وفي قلوب رجالها وشبابها حتى لا نقنط ولا نيئس ولا نقبع في أماكننا مستسلمين لهذا الواقع المرير، بل ننطلق بعزة واستعلاء وأمل في الله، وثقة في نصرة دين الله جل وعلا.
أيها الداعية! حدد الدواء، واملأ قلوب شباب هذه الأمة أملاً ورجاء في رب الأرض والسماء، وثقة بنصرة دين الله جل وعلا، يقول المصطفى ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون، فيختبئ اليهود وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم! يا عبد الله! ورائي يهودي تعال فاقتله)، وهأنذا أقسم ورب الكعبة! -لا أقول قولاً رجماً بالغيب، ولا أفتات على الله- أقول: إن كل العلامات الصغرى التي أخبر بها الصادق المصدوق قد وقعت على الكمال والتمام، وإن آخر هذه العلامات التي عتم عليها إعلامياً علامة عجيبة خطيرة، أخبر المصطفى الصادق عنها فقال: (لا تقوم الساعة حتى ينحسر نهر الفرات عن جبل من الذهب) فهل سمعتم عن هذا الخبر؟ لقد انحسر نهر الفرات عن جبل الذهب الذي أخبر عنه الصادق المصدوق، وعتم على هذا الخبر تماماً، ولم ينشر إلا في قصاصات صغيرة.
وبكل أسف أقول: إن اليهود يعلمون صدق محمد بن عبد الله حيث قال: (إلا الغرقد فإنه من شجر يهود)، فهذا الشجر هو الوحيد الذي لن ينطق، وهم الآن يقومون بحملة واسعة لزراعة شجر الغرقد، بل يلزمون بعضهم بعضاً بزراعته وبالإكثار منه.
وأقول: إن اليهود يصدقون رسول الله، ويعلمون أن هذا الوعد حق، في الوقت الذي كذب كثير ممن ينتسب إلى الإسلام الصادق المصدوق رسول الله ﷺ .
فكل العلامات قد تحققت، وقد وقعت، ونحن ننتظر اليوم -الذي يعلمه الله- الذي تكون فيه هذه المعركة وهذه الجولة التي أسأل الله أن يشرفني وإياكم بأن نكون من جندها أو أن يكون أبناؤنا من جندها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أيها الأحبة الكرام! الذي أدين الله به أن هذه الخطوات هي الخطوات المتلازمة المتتابعة الصحيحة التي من خلالها تصل الأمة إلى الأقصى وإلى القدس الشريف.
أسأل الله جل وعلا أن يعجل بهذا اليوم، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا.
اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.
لا إله لنا سواك فندعوه، لا إله لنا سواك فندعوه، ولا رب لنا غيرك فنرجوه، ولا رب لنا غيرك فنرجوه، يا منقذ الغرقى! يا منقذ الغرقى! ويا منجي الهلكى! ويا سامع كل نجوى! يا عظيم الإحسان! يا عظيم الإحسان! يا عظيم الإحسان! يا دائم المعروف! يا دائم المعروف! يا دائم المعروف! يا قيوم السماوات والأرض! يا قيوم السماوات والأرض! يا مغيث! أغثنا، يا مغيث! أغثنا، اللهم ادفع الكرب عن أمة حبيبك محمد، اللهم ارفع الكرب عن أمة حبيبك محمد.
اللهم إنا نشكو إليك ضعفنا، ونشكو إليك عذرنا، اللهم إنا نشهدك أن العذر قد حبسنا، اللهم إنا نشهدك أن العذر قد حبسنا، اللهم إنا نشهدك أن العذر قد حبسنا، اللهم ارحم صبرنا، اللهم ارحم صبرنا، واستر ضعفنا، واغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وفرج كروبنا، واكشف همومنا.
اللهم رد الأقصى إلينا رداً جميلاً، اللهم رد الأقصى إلينا رداً جميلاً، اللهم رد القدس إلينا رداً جميلاً.
اللهم عليك باليهود، اللهم عليك باليهود، اللهم عليك باليهود، وأتباع اليهود، وأتباع اليهود، وأتباع اليهود، يا من نصرت الحبيب في بدر! يامن نصرت الحبيب في بدر! يامن نصرت المستضعفين يوم الأحزاب! انصرنا على اليهود.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 541
أحداث الواقع تتمخض لظهور الدين وتمكينه
إن كل أحداث الواقع تتمخض وتتبلور لظهور الدين من جديد، إنه العلو الأخير لليهود، وبعده يأتي عباد لله جل وعلا، أسأل الله أن نكون منهم، أو أن يكون أبناؤنا منهم، فكن واسع النظرة، ولا تكن ضيق النظرة، ولا تنظر تحت قدمك، ورب ولدك على ذلك.
نظر الناس إلى معاوية وأمه تحمله، وعجبوا من ذكائه وقالوا: لو شب سيسود قومه، فقالت أمه: ثكلته إن لم يسد إلا قومه.
تمنت له الموت إن لم يسد إلا قومه فقط، بل تمنت أن يسود الدنيا وأن يسود العالم، فلماذا لا تنظر أيها الوالد! لولدك هذه النظرة؟ ولماذا لا تنظرين يا أم! لولدك هذه النظرة؟ ولماذا لا نعد أجيالنا وأبناءنا ليكونوا من عباد الله الربانيين الذين وعدهم الله في قرآنه بالجولة الأخيرة على اليهود، إنه وعد قرآني لا نشك فيه البتة، قال الله سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف:٨ - ٩].
وقال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥].
وقال الله جل وعلا: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٩]، وقال الله جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]، وقال الله جل وعلا: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف:١١٠]، وقال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦].
وقال الصادق المصدوق ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى كما في الحديث الذي رواه الطبراني والحاكم وصححه الألباني من حديث تميم الداري أنه ﷺ قال: (ليبلغن هذا الأمر -أي: هذا الدين- ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر).
وقال ﷺ كما في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد من حديث حذيفة بن اليمان: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً، فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرياً فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها -اسمع للصادق الذي لا ينطق عن الهوى، قال بعد الملك الجبري الذي تحياه الأمة الآن-: ثم تكون خلافة على منهاج النبوة) أسأل الله أن يُعجل بها.
стр. 542
الغفلة
لا يخفى على الناظر في حال الأمة الإسلامية اليوم ما هي فيه من انغماس في الملذات والشهوات، وغفلة عن رب الأرض والسماوات، سادرة في غيها، لاهية لاعبة، معرضة عن أوامر الله مستخفة بشرعه، وقد حذرنا الرسول ﷺ من هذا، وأوعدنا بالعقاب الشديد من الله، فيجب علينا الرجوع والإنابة إلى الله .
стр. 543
الغفلة عن الآخرة والانكباب على الدنيا
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحيَّاكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الكرام الأعزاء! وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا الجمع الكريم المبارك على طاعته أن يجمعنا معكم مع سيد النبيين في الآخرة في جنته ودار كرامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! لقاؤنا مع حضراتكم في هذا اليوم الكريم المبارك، بعنوان: (الغفلة) وسوف ينتظم حديثنا مع حضراتكم تحت هذا العنوان في العناصر التالية: أولاً: التهالك على الدنيا والتغافل عن الآخرة.
ثانياً: الاستخفاف بأوامر الله .
ثالثاً: الغفلة عن الغاية.
وأخيراً: ففروا إلى الله.
فأعيروني القلوب والأسماع، فإن هذا الموضوع بين يدي شهر رمضان من الأهمية بمكان، والله أسأل أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب.
قال الله جل وعلا: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء:١ - ٣].
آيات تهز الغافلين هزاً، فالحساب قد اقترب والناس في غفلة!! وآيات الله تتلى، ولكنهم معرضون لا يأتمرون بأوامر الله ، ولا يقفون عند حدوده جل وعلا.
إنك لو نظرت الآن إلى واقع كثير من المسلمين كاد قلبك أن ينخلع وكأن المسلم لا يعلم عن دين الله شيئاً ولا يعنيه أن يسمع قال الله، قال رسوله، فهو لا يعيش إلا لشهواته ونزواته الرخيصة، وكأنه نسي أنه سيعرض يوماً على الله جل وعلا ليسأل عن كل شيء، مصداقاً لقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].
أيها المسلمون! أليس عجيباً أن يعرض المسلم عن الله؟! أليس عجيباً أن يتغافل المسلم عن لقاء مولاه وأن يقضي جل عمره في معصية الله جل وعلا؟!
стр. 544
النعمة مع الإقامة على المعصية استدراج ونقمة
أيها الغافل! يا من شغلتك هذه الحياة! أنسيت لقاء الله ؟! أيها الأحبة! ها هو شهر رمضان قد أهل علينا بأنفاسه الخاشعة الزكية، ولا زال كثير من المسلمين في غيه وإعراضه وضنكه وشقائه وضلاله، يستمع إلى القرآن وكأن الأمر لا يعنيه يستمع الموعظة لكنها لا تهز قلبه يستمع إلى النهي من الله ومن رسول الله فلا يرعوي في الوقت الذي لو أمره فيه رئيسه في العمل لامتثل أمره ولاجتنب نهيه ولوقف عند الحدود التي رسمها له.
وإن من الناس من يغتر بنعم الله عليه، فيظن أن هذه النعم إنما هي أصل لرضا الله عنه، ويقول: لولا أن الله قد رضي عني ما أنعم علي بهذه النعم! فهو مغتر بنعم الله ونسي هذا المسكين أنه مستدرج.
أيها المسلمون! تدبروا معي هذا، فالابتلاء بالنعيم أقسى من الابتلاء بالضيق والشدة؛ لأن الابتلاء بالنعيم يلهي وينسي ويطغي إلا من رحم ربك جل وعلا، فصاحبه يظن أن الله ما أنعم عليه إلا لأنه قريب من الله ﵎!! كلا، انظر إلى أهل الكفر في الشرق والغرب فقد أنعم الله عليهم، وفتح عليهم أبواب كل شيء، فهل هذا دليل على أن الله قد رضي عن الكفر وأهله؟! لا والله، ولكن النعم استدراج لأهل الكفر المعاصي، وتدبر حديث النبي ﷺ الذي رواه أحمد في مسنده والبيهقي في الشُعب وحسن الحديث الحافظ العراقي وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة من حديث عقبة بن عامر أنه ﷺ قال: (إذا رأيت الله جل وعلا يعطي العبد ما يُحِب وهو مقيم على معصية الله فاعلم بأنه استدراج له من الله ، وقرأ النبي قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٤ - ٤٥]).
(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ)، أي: لما تغافلوا عن الأوامر والنواهي والحدود وكان المفترض أن تكون النتيجة: خسفنا بهم الأرض أنزلنا عليهم الريح، أو أنزلنا عليهم العذاب والخسف والصيحة، ولكن: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٤ - ٤٥].
стр. 545
التحذير من الظلم
إن من الناس الآن من هو مقيم على معصية الله، ولكن الله يستره ويحفظ عليه نعمه، فيظن المسكين أن المعصية هينة حقيرة، ولولا أنها كذلك لعجل الله له العقوبة في الدنيا، بل ربما يفتخر بأنه عصى الله بليل فيصبح ليهتك ستر الله عليه بنهار، ونسي المسكين أن حلم الله عليه استدراج له من الله جل وعلا.
وتدبر معي قول الحبيب المصطفى ﷺ في الصحيحين: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وقرأ النبي ﷺ قول الله جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢]).
أيها المظلوم! إياك أن تظن أن الله قد أهمل الظالم، أو أن الله قد نسي الظالم فتعالى ربنا فلا يظل ربنا ولا ينسى، بل إن الله ليملي لأهل الظلم، والطغيان حتى إذا ما أخذهم فلن يفلتهم ربنا جل وعلا.
أين الطواغيت والظالمون في كل زمان؟! أين قارون؟! أين فرعون؟! أين هامان؟! أين النمرود بن كنعان؟! أين أصحاب الأخدود؟! أين الظالمون وأين التابعون لهم في الغي؟! أين من دوخوا الدنيا بسطوتهم وذكرهم في الورى ظلم وطغيان هل فارق الموت ذا عز لعزته أو هل نجا منه بالسلطان إنسان لا والذي خلق الأكوان من عدم الكل يفنى فلا إنس ولا جان قال ربنا: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
يقول الحبيب المصطفى ﷺ : (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) فمن الناس من يغتر بالنعم، ومن الناس من يغتر بحلم الله وستره عليه، ومن الناس من صرف قلبه وهمه ووقته إلى الدنيا، فأصبحت الدنيا غايته التي من أجلها يعيش ويبذل العرق والجهد والفكر والعقل، لا هم له إلا هذه الحياة، يسمع الأذان فلا يقوم يتعلم التوحيد فلا يتأثر يوعظ بالقرآن والسنة فلا يتحرك قلبه ولا يعيش إلا من أجل هذه الحياة الدنيا.
والله لقد أخبرني إخواني في أمريكا عن رجل ينتسب إلى الإسلام، ولكنه قد فتح محلاً كبيراً يبيع فيه الخمر والخنزير وقد ضيع الصلاة، فلما ذهبت إلى هنالك يوماً أراد مني إخواني أن أذهب لزيارة هذا الرجل لأذكره بالله ، فذهبت إليه، ولما قمت بتذكيره بآيات القرآن وأحاديث النبي ﵊ رد عليّ هذا الغافل اللاهي وقال: يا شيخ! والله ما أتيت إلى هذه البلاد لأصلي أو لأذهب إلى المساجد وإنما أتيت لأجمع مبلغاً من الدولارات وأعدك إن عدت إلى بلدي مرة أخرى فسأفتح مشروعاً وبعد أن أستقر فسأقضي جل عمري في بيت الله ، قلت: والله لا أضمن لك ذلك؛ لأنني ما وقعت لك ولا لنفسي صكاً مع ملك الموت أن يمهلك أو أن يمهلني حتى أرجع إلى بلدي مرة أخرى، فنظر إلي المسكين وقال: أريد أن أصارحك بشيء، قال: أبشرك! -يظنها بشارة- أنني إذا أصبت بحالة من الصداع أخرجت ورقة مائة دولار ووضعتها على رأسي فيذهب الصداع في الحال، قلت: صدق سيد الرجال إذ يقول: (تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار) فقلت له: أنت عبد الدولار أنت عبد لشهواتك أنت عبد لهذه الحياة الدنيا.
إلى متى تعبد الكرسي الذي جلست عليه؟! إلى متى تعبد المال الذي من أجله ضيعت حقوق الله؟! إلى متى تعمل من أجل هذه الحياة الدنيا، وكأنك لن تعرض على الله جل وعلا؟ ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس:٧ - ٨].
(إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا)، أي: هو لا يرجو لقاء الله، بل إذا ذكّر بلقاء الله قال لك: ذكرنا بموضوع آخر وإن ذكرته بالموت قال: نريد أن نشعر بالحياة نريد أن ننعم بالحياة لماذا تريدون أيها المشايخ أن تعقدونا من هذه الحياة الدنيا.
كلا، نحن لا نعقدك بل إننا نحذرك من الركون إليها، ونحذر أنفسنا، والله نسأل أن يختم لنا ولكم بخاتمة الإيمان؛ لأننا نعلم أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فهأنذا الآن أذكرك بالله جل وعلا، ولكن ورب الكعبة لا أضمن ولا تضمن ما هي الخاتمة، ولكننا نستعين بالله ، من باب قول الحافظ ابن كثير: لقد أجرى الله الكريم عادته بكرمه أن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه.
стр. 546
الأعمال بالخواتيم
لقد عاش شيخنا المبارك فضيلة الشيخ عبد الحميد كشك طيب الله ثراه وجمعنا به في جنات النعيم لدعوة الله ولدين الله، ما نافق ظالماً ولا طاغوتاً من طواغيت أهل الأرض، وإنما تمنى رضوان الله جل وعلا، فكانت الخاتمة أن تقبض روحه وهو في الصلاة بين يدي الله جل وعلا.
إنها الخواتيم، وإنما الأعمال بالخواتيم، نسأل الله أن يحسن لنا ولكم الخاتمة.
ووالله لقد أخبرت في المنصورة في الأيام القليلة الماضية: أن رجلاً ما صلى لله جل وعلا، وما عرف الصلاة، ذُكّر بالله فكان يسخر بالمذكرين، نصح فكان يهزأ بالناصحين، أصيب بحالة إغماء ثم بعد ذلك لما أفاق قال: أريد أن أتقيأ فدخل الخلاء أعزكم الله، ووضع وجهه في هذه القاعدة التي يجلس عليها؛ ليخرج ما في جوفه وما في بطنه فغلبه القي ووضع رأسه في هذا الموطن القذر النجس! وظل يقيء حتى خرجت روحه في هذا الموطن النجس القذر ولا حول ولا قوة إلا بالله: (إنما الأعمال بالخواتيم).
فإلى متى تعيش من أجل الدنيا وكأن الدنيا هي الإله الذي من أجله تركع ومن أجله تبذل الوقت والعرق والجهد؟! إلى متى هذه الغفلة؟! ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾ [يونس:٧]، أي: اطمأن بهذه الحياة، فهو يظلم خلق الله، وهو يعتقد أنه مخلد على الكرسي في هذه الدنيا، ونسي أنه سيعرض يوماً على الله جل وعلا ليقف إلى جوار هذا المظلوم ليقتص له ملك الملوك جل وعلا، فأبشر أيها المظلوم! إذا ما علمت أن الذي سيقتص لك من الظالم هو ملك الملوك وجبار السماوات والأرض: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾ [يونس:٧] يذكر بآيات الله فلا يتذكر فهو في غفلة عن القرآن، وغافل عن السنة.
ما مصير هؤلاء؟ مصيرهم بنص القرآن: ﴿أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس:٨] مأواهم النار لا جزاء لهم إلا النار.
стр. 547
الدنيا دار ممر والآخرة دار مقر
أذكر نفسي وإياك أيها الحبيب الكريم! يا من غفلتم عن الآخرة، وتهافتم على الدنيا! أذكر نفسي وإياكم بأن الدنيا إلى زوال، وبأن الدنيا دار ممر، وأن الآخرة هي دار المقر، فخذوا من ممركم لمقركم، ولا تفضحوا أستاركم عند من يعلم أسراركم، قال الله جل وعلا: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا * وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا * وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٥ - ٤٩].
стр. 548
تذكر الموت والعرض على الله
تذكر أيها المسلم! تذكر وقوفك يوم العرض عرياناً: أين المال؟! أين المنصب؟! أين الجاه؟! ذهب إلى غير رجعة: مثل وقوفك يوم العرض عُريانا مستوحشاً قلق الأحشاء حيرانا والنار تلهبُ من غيظ ومن حنقٍ على العصاة ورب العرش غضبانا اقرأ كتابك يا عبد على مهلٍ فهل ترى فيه حرفاً غير ما كانا لما قرأت ولم تنكر قراءته وأقررت إقرار من عرف الأشياء عرفانا نادى الجليل خذوه يا ملائكتي وامضوا بعبدٍ عصى للنار عطشانا المشركون غدا في النار يلتهبوا والمؤمنون بدار الخلد سكانا تذكر: ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾ [الكهف:٤٩] مما في هذا الكتاب: ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩] كم من معصية يا مسكين قد كنت نسيتها ذكرك الله إياها! وكم من مصيبة قد كنت أخفيتها أظهرها الله لك وأبداها! فيا حسرة قلبك وقتها على ما فرطت في دنياك من طاعة مولاك!! يا حسرة قلبك وقتها على ما كنت فيه من غفلة في هذه الحياة الدنيا؟! أخي الحبيب! تدبر قول الصادق المصدوق الذي يقول في الصحيحين من حديث عمرو بن عوف الأنصاري: (والله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بُسطَت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم).
قال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:١ - ٢] أي: شغلتكم الدنيا شغلتكم الشهوات حتى زرتم المقابر انتبهتم عاينتم الحقائق التي أنكرتموها في هذه الحياة، إما بلسان الحال أو بلسان المقال.
وانظر إلى هذا التعبير القرآني اللطيف في كلمة (زرتم) فكأن الميت في قبره ما هو إلا زائر وحتماً ستنقضي مدة الزيارة وإن طالت ليرى نفسه بعد هذه الزيارة قد وقف بين يدي الله جل وعلا ليسأل عن كل شيء قدمه في هذه الحياة.
стр. 549
التحذير من الركون إلى الدنيا
جاء في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: (إن الدنيا خضرة حلوة، وإن الله قد استخلفكم فيها لينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء).
أذكر نفسي وإياك أيها الحبيب الكريم! بعدم الركون إلى الدنيا والاطمئنان إليها؛ لأن الله قد حذر من ذلك.
أيها الغافلون! أيها اللاهون! بل أيها الطائعون المؤمنون! قال لنا ربنا جل وعلا: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد:٢٠].
وأود من باب التفصيل العلمي لهذه المسألة أن نعلم أن الذم الوارد في القرآن والسنة في حق الدنيا لا يرجع إلى زمانها ومكانها وما أودعها الله من خيرات ونعم.
إن الذم الوارد في الكتاب والسنة في حق الدنيا لا يرجع إلى زمان الدنيا الذي هو الليل والنهار فلقد جعل الله الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً.
ولا يرجع الذم إلى مكان الدنيا الذي هو الأرض فلقد جعل الله الأرض مهداً لبني آدم ليتاجروا على ظهرها وليغرسوا فيها الأعمال التي تقربهم إلى الجنة.
والذم الوارد في الدنيا لا يرجع إلى ما أودع الله في الدنيا من خيرات ونعم، فهذه نعم الله على خلقه وعلى عباده، والله يقول: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:٣٢].
إذاً: فلنعلم أن الذم الوارد في حق الدنيا في القرآن والسنة إنما هو متعلق بكل ما يرتكب فيها ولا يرضي الرب جل وعلا.
الذم للمعاصي للكفر الذي يرتكب في هذه الحياة، قال علي بن أبي طالب: (الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غنى لمن فهم تزود منها، فهي مهبط وحي الله، ومصلى أنبياء الله، ومتجر أولياء الله، ربحوا فيها الرحمة واكتسبوا فيها الجنة).
انظر إلى الفهم الدقيق لحقيقة هذه الحياة؛ لأننا لا نريد أن يفهم مسلم هذا الكلام فهماً خاطئاً فيهدر هذه الحياة ويهدر الوظائف والأعمال، كلا.
وإنما أقول لك: إن استطعت أن تجمع ملايين الجنيهات فافعل بشرطين: أن تجمع من الحلال، وألا تنسى حق الكبير المتعال.
عمّر الكون عمر الدنيا، لكن إياك أن تركن إلى الدنيا وأن تطمئن إليها وأن تنشغل بها عن الآخرة.
يقول لي رجل من رجال الأعمال ذكرته بالله ، يقول لي: إن الدنيا قد شغلتنا وأخذتنا تماماً، ثم قال لي: والله يا شيخ! أنا لا أرى أولادي -مع أنني لست على سفر- إلا بعد فترات طويلة؛ لأنني أرجع إلى البيت وهم نائمون ويخرج الأولاد إلى المدارس وأنا نائم، فأنا لا أرى أولادي، قلت له: وكيف حالك مع الصلاة؟ قال: والله أشغل فيمر علي الأسبوع لا أصلي صلاة واحدة لله جل وعلا، ثم ذكرته بالله فقال: دعنا نجري في هذه الحياة الدنيا؛ لأننا بعد الموت سننام طويلاً، قلت له: لا والله، بل أنت الآن في نوم طويل، وأنت الآن في سبات عميق، وإنما إن استيقظت الآن للعمل للآخرة فستستريح هنالك بين يدي الله جل وعلا، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس:٧ - ٨].
أيها الحبيب الكريم! أذكر نفسي وإياك بحقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة، فالدنيا -كما نقول دوماً- وإن طالت فهي قصيرة، وإن عظمت فهي حقيرة؛ لأن الليل مهما طال فلابد بعده من طلوع الفجر، ولأن العمر مهما طال لابد بعده من دخول القبر.
стр. 550
خطورة الاستخفاف بأوامر الله
أيها الأحبة! وهنا أنقل لكم وهذه صورة من أبشع صور الغفلة، تأمر فتقول: قال الله، أو تنهى فتقول: نهى الله عن كذا، ونهى رسول الله عن كذا، فلا مجيب.
أرى رجلاً يلبس خاتماً من الذهب فأقول له: لقد نهى رسول الله ﷺ عن لبس خاتم الذهب للرجال! فيرد علي ويقول: نعم أنا أعلم ذلك! أي استخفاف هذا؟! تقول له: الله حرم كذا، فيقول: نعم أعلم ذلك، الله نهى عن كذا، فيقول: أعلم.
يعلم ولا يطبق ولو قال: سل الله لي أن يهديني، وأن يردني إلى الحق لدعونا الله له، ولكان ذلك أدعى للقبول، أما أن تقول: أنا أعلم! بكبر وبصوت مرتفع وكأن الأمر لا يعنيك! وأنا أتحداك أن تقول لرئيسك في العمل إن نهاك عن شيء: لا، وإن أمرك بشيء أتحداك أن تقول له: لا.
بل ووالله ربما يأمرك بشيء مخالف وتمتثل أحياناً، فالله يأمر وينهى والرسول يأمر وينهى، ولكن أين السمع والطاعة؟! يا من زعمت أنك ممن أحسنوا الظن بالله، أين العمل أين السمع أين الامتثال للأمر أين الاجتناب للنهي أين الوقوف عند الحدود؟ لماذا هذا الاستخفاف بأوامر الله تعالى؟ بل تجد الرجل يرمي الشريعة الربانية المحكمة بالجمود والقصور والتخلف والرجعية، والله يخاطب نبيه المصطفى ويقول: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية:١٨].
إن امتثلت أمر الله في شرعه فأنت المؤمن الذي سمع وأطاع، وإن سمعت وأعرضت فهذا هو دأب المنافقين -أسأل الله أن يحفظنا وإياكم من النفاق- قال جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء:٦٠ - ٦١].
إن الذي يعرض ويصد عن سبيل الله هو المنافق بنص القرآن وإن أظهر للناس بلسانه وبيانه غير ذلك، فالله هو الذي يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير.
وأود أن أنبه: أن من يختزل الدين والشريعة كلها في الحدود إنسان لا يحترم عقله ولا يحترم شخصه، وأرجو من كل منصف أن لا يختزل دين الله في الحدود؛ لأننا إذا ما ذكرنا بالشريعة رد علينا: تريدون أن تقطعوا الأيدي؟! تريدون أن ترجموا الناس؟! تريدون كذا وكذا؟! أقول: إن اختزال الشريعة أو الدين في الحدود أمر لا يقول به منصف يحترم علقه ونفسه، فما الحدود إلا باب من أبواب المعاملات، وما المعاملات إلا باب من أبواب الشريعة، بل إن إقامة الحدود في دين الله وفي شريعة الله لها ضوابط وشروط، وليس الأمر هكذا على إطلاقه وعواهنه، وهذا أمر مؤصل في كتب الفقه لأئمتنا وعلمائنا.
إن الاستخفاف بأوامر الله ينافي الرضا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً ورسولاً، قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:١ - ٢].
قال الإمام ابن القيم: إذا كان مجرد رفع الصوت على النبي ﷺ يحبط العمل، فكيف بمن قدم العقل على قول وفعل النبي ﷺ .
وأنا أقول: كيف لو عاش ابن القيم في زماننا ورأى من لا يقدم قوله وعقله وفكره على قول وفعل النبي ﷺ فحسب، بل يتهم شريعة النبي ﷺ بالجمود والقصور والرجعية، وعدم قدرتها على مسايرة هذه المدنية؟! ماذا يقول؟! إن رفع الصوت فقط على النبي ﷺ يحبط العمل، فكيف وقد اتهمت شريعته الربانية المحكمة؟! إن الاستخفاف بأوامر الله من أبشع صور الغفلة في هذه الأيام وفي هذا الزمان، وهذه الغفلة التي تتمثل في هذا الاستخفاف تتنافى ابتداءً مع أصل الإيمان: مع الرضا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ ﵌ نبياً ورسولاً.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور:٥١] هذا شعار أهل الإيمان، أن يقولوا: (سمعنا وأطعنا)، أما شعار المستخفين بأوامر الرحيم الرحمن: (سمعنا وعصينا أعلم أن هذا حلال وأعلم أن هذا حرام)، لكنه لا يفعل ولا ينتهي فالاستخفاف من أبشع صور الغفلة ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 551
خطورة الغفلة عن الغاية
أيها الأحباب! إن الغاية التي من أجلها خلقنا هي عبادة الله وحده، والناس غافلون عنها الآن إلا من رحم ربك.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
هذه هي الغاية التي من أجلها خلقت، ما خلقك الله إلا لطاعته وعبادته، وإن أنعم الله عليك بالزوجة وبالأولاد وبالمنصب والأموال، فيجب أن تسخر هذا من أجل الغاية التي من أجلها خلقت، فلو عشت لهذه الغاية فاستعمل كل الوسائل للوصول إلى هذه الغاية، لكن إن ضيعت الغاية وعشت بلا غاية فسيضيع عمرك في غير طاعة، وكم من الناس الآن ينتسبون إلى الإسلام ولا يعيشون لهذه الغاية، بل لا يعرفون شيئاً عن هذه الغاية! ألم تسمعوا قول هذا المتسكع التائه الضائع الذي يقول: جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت وسأمضي في طريقي شئت هذا أم أبيت كيف جئت؟! كيف أبصرت طريقي؟! لست أردي ويقطع الطريق كالسائمة كالبهيمة لا يعرف لحياته معنى ولا لوجوده غاية، جهل الغاية وضل طريقها، فهو يتسكع كالبهيمة، ولقد قال الله في هذا الصنف الغافل عن الغاية: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩].
فيها أيها المسلم! ويا أيتها المسلمة! لابد أن نضع الغاية نصب أعيننا فإننا نعيش من أجل هذه الغاية من أجل طاعة الله وعبادته وحده، ومن أجل الآخرة، فلنسخر كل وسيلة من وسائل هذه الحياة الدنيا من أجل هذه الغاية، فإن كنت صاحب منصب إن عشت للغاية فستفكر كيف تسخر منصبك وكرسيك لطاعة الله، وكيف يقودك هذا الكرسي إلى رضوان الله وجنة الله.
أما إن غفلت عن الغاية وجلست على الكرسي فلن تتورع عن ظلم العباد، ولن تتورع عن أكل أموال الناس بالباطل، ولن تتورع عن نهب المال العام الذي أصبح الآن سمة من سمات هذا العصر الذي فسد فيه من كلفوا بالرعاية، ورحم الله من قال: وراعي الشاة يحمي الذئب عنها فكيف إذا الراعاة لها الذئاب ضل عن الغاية وما فكر فيها، وظن أن هذه الحياة أبدية سرمدية، فقال لنفسه: أدركي الوقت قبل فوات الأوان، أنفقت كذا وكذا في الدعاية الانتخابية، أدركي الوقت لتحصلي هذا المبلغ وأضعاف أضعافه.
يقول: وجلست على هذا الكرسي وأنا لا أضمن كم سأمكث عليه، فهيا لأقتنص هذه الفرصة وأغنم ولو من الحرام! أيها الأحباب! ما قال هذا إلا لأنه لا يفكر في الغاية، وظن هذا المسكين أنه سيأخذ هذا إلى قبره، ونسي قول المصطفى ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) وقال المصطفى ﷺ : (يتبع الميت ثلاثة: ماله وولده وعمله، فيرجع اثنان: يرجع المال والأهل، ويبقى العمل) فلن ينفعك بين يدي الله إلا العمل الصالح فلا تغفل عن هذه الغاية، ولا تغفل عن طاعة الله.
ويوم أن عرف أصحاب النبي ﷺ هذه الغاية وعاشوا من أجلها، سادوا في الدنيا والآخرة، يقول ربعي بن عامر لقائد الجيوش الكسروية رستم، ليعلمه الغاية التي من أجلها وجدوا ولها خلقوا: (إننا قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة).
فلتعش أخي لهذه الغاية ولا تغفل عنها لأنك لو عشت لغاية لحددت الهدف وحددت الطريق، ولو غفلت عن الغاية ستنطلق في الطريق جاثماً على وجهك لا تدري إلى أين تذهب وإلى أين ترجع، فاعمل للغاية تفز وتسعد.
أسأل الله أن يقينا ويقيكم حر جهنم، وأن يكتب لنا هذا الوقت في ميزان حسناتنا يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 552
ففروا إلى الله
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! فروا إلى الله.
ها هو شهر رمضان قد أهل علينا بأنفاسه الخاشعة الزكية، وأحببت أن أذكر بهذه الفرصة نفسي وأحبابي وإخواني وأخواتي بالفرار إلى الله قبل رمضان.
فالفرار نوعان: فرار السعداء وفرار الأشقياء: أما فرار السعداء فهو الفرار إلى الله، وأما فرار الأشقياء فهو الفرار من الله، ومع ذلك فلا ملجأ ولا ملاذ من الله إلا إليه.
أين يذهبون؟! أين يفرون من الله ؟! أخي! بادر بالفرار إلى الله بادر بالتوبة إلى الله ، واعلم: (بأن الله يبسط يديه بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يديه بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها)، والحديث رواه مسلم من حديث أبي موسى.
سينتهي زمن التوبة يوم أن تطلع الشمس من مغربها، فإن عاد الكافر إلى الله في ذلك اليوم فلا يقبل الله منه الإيمان، وإن عاد العاصي فلا يقبل الله منه التوبة.
تدبر معي هذا الحديث لتعلم أهمية التوبة ووجوبها، فقد ورد في صحيح مسلم من حديث أبي ذر ﵁: (أن النبي ﷺ رأى الشمس تغرب يوماً فقال لأصحابه: أتدرون أين تذهب هذه؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال المصطفى: إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة لله جل وعلا، فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي وارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعة من مطلعها -أي: من المشرق- ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة لله جل وعلا، فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي، وارجعي من حيث جئتِ).
يقول المصطفى ﷺ : (فلا تزال كذلك لا يستنكر الناس منها شيئاً)، أي: تشرق من المشرق كل صباح وتغرب في المغرب، ولا يستنكر الناس منها شيئاً.
قال المصطفى: (حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك، قال: أتدرون متى ذلك؟! قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذاك يوم لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً) فإذا طلعت الشمس من المغرب أغلق باب التوبة.
فيا عبد الله! الباب مفتوح لك الآن على مصراعيه فبادر بالتوبة، قبل أن يأتي يوم يغلق فيه باب التوبة، فلا يقبل الله الإيمان من كافر ولا يقبل الله التوبة من مذنب عاصٍ.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (ثلاثة إذا خرجن لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدابة) فإذا طلعت الشمس من المغرب أغلق الله باب التوبة، فهيا عد إلى الله أيها اللاهي!! أيها العاصي!! بل أيها المؤمن: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١].
أيها الحبيب! دع عنك ما قد فات في زمن الصبا واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب لم ينسه الملكان حين نسيته بل أثبتاه وأنت لاهٍ تلعب والروح منك وديعة أودعتها ستردها بالرغم منك وتسلب وغرور دنياك التي تسعى لها دار حقيقتها متاع يذهب الليل فاعلم والنهار كلاهما أنفاسنا فيها تعد وتحسب قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
أسأل الله أن يغفر لنا ذنوبنا، اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم ارزقنا جميعاً قبل الموت توبة، وعند الموت شهادة، وبعد الموت جنة ونعيماً ورضواناً.
اللهم إنا قد أقبلنا إليك وطرحنا قلوبنا بذل وانكسار بين يديك، فاللهم لا تردنا اليوم خائبين يا أرحم الراحمين! اللهم ردنا اليوم جميعاً بذنب مغفور وسعي مشكور وتجارة لن تبور.
اللهم إنا نقر لك الآن بين يدي رمضان بذنوبنا وأخطائنا، فاللهم ارحم ضعفنا، اللهم ارحم ضعفنا، اللهم ارحم ضعفنا، اللهم اجبر كسرنا، اللهم اغفر ذنوبنا، اللهم استر عيوبنا، اللهم آمن روعاتنا، اللهم فك أسرنا، اللهم تول أمرنا، اللهم تول أمرنا وفك أسرنا، اللهم اختم بالباقيات الصالحات أعمالنا، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، وبلغنا مما يرضيك آمالنا، اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.
اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها يا مولانا! أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها.
اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا! اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع الكريم ذنباً إلا غفرته ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ميتاً إلا رحمته ولا عاصياً بيننا إلا هديته.
اللهم لا تدع عاصياً بيننا إلا هديته، اللهم لا تدع عاصياً بيننا إلا هديته، اللهم لا تدع سائلاً بيننا طامعاً إلا زدته وثبته، اللهم لا تدع سائلاً بيننا طامعاً إلا زدته وثبته! اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا، إلهنا لا إله لنا سواك فندعوه، ولا رب لنا غيرك فنرجوه، لا إله لنا سواك فندعوه ولا رب لنا غيرك فنرجوه، لا إله لنا سواك فندعوه ولا رب لنا غيرك فنرجوه، يا منقذ الغرقى! يا منقذ الغرقى! ويا منجي الهلكى! ويا سامع كل نجوى، ويا عظيم الإحسان! يا دائم المعروف، يا دائم المعروف أنقذنا من الهلاك والحسرة! وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 553
جرائم بشعة
من الجرائم البشعة المنتشرة في أوساط كثير من الفساق الغافلين: جريمة الزنا، وهي جريمة من أخطر الجرائم التي تهلك الأفراد والمجتمع والأمة، فآثارها خطيرة، وأضرارها كبيرة، ومفاسدها عديدة، ولذا اتفقت الشرائع السماوية على تحريمها.
стр. 554
جرائم زنا وقتل تدق أجراس الخطر
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
نسأل الله أن يحيي الوجوه الطيبة المشرقة، ويزكى الأنفس، ويشرح الصدور، وأسأل الله جل وعلا الذي جمعنا وأحبتنا في هذه الدنيا على طاعته أن يجمعنا وإياهم في الآخرة مع سيد الدعاة وإمام النبيين في جنته ودار كرامته؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتى في الله! جرائم بشعة تدق أجراس الخطر في آذان المسلمين جميعاً، وتقرع الآذان بشدة وقوة، وهى تقول: أفيقوا أيها المسلمون؛ فإن ما تعيشون فيه من ضنك وشقاء إنما هو نتيجة حتمية عادلة لانحرافكم عن منهج ربكم، وبتنحيتكم لشريعة نبيكم صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
تلك الجرائم التي صدمت آذاننا وأفزعت قلوبنا في الأيام القليلة الماضية هي جرائم زنا، يعقبها جرائم القتل، فهذا الذي دخل على أخته فوجدها بين أحضان مدرسها الخصوصي، فأخذته الغيرة فقتل أخته، وقتل المدرس معها.
وهذه المرأة الفاجرة التي دخل عليها أبوها فرآها تمارس الفاحشة مع شاب آخر، فما كان من هذه البنت ومن هذا الشقي إلا أن انقضا على هذا الوالد المسكين الذي صدم قلبه وكاد بصره أن يخطف يوم أن رأى فلذة كبده وثمرة فؤاده تمارس الفاحشة، وقد وصل إلى أذنه هذا الخبر من قبل، فانقضت عليه هذه البنت مع عشيقها فقتلاه ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ما هذا الذي نسمع؟! وما هذا الذي يجري؟! وما هذا الذي يحدث يا عباد الله؟! إن الإسلام دين الفطرة، إن الإسلام لا يحارب دوافع الفطرة أبداً ولا يستقذرها، وإنما ينظمها ويطهرها ويرقيها إلى أسمى المشاعر التي تليق بالإنسان كإنسان.
ولا يجوز للداعية الواعي أن تكون خطبته في واد وأن يكون مجتمعه بما يعج من منكرات في واد آخر، وإنما يجب على الدعاة الصادقين وعلى العلماء الربانيين أن يسلطوا أضواء القرآن، وأن يسلطوا شعاع السنة على جرائم مجتمعاتهم؛ ليبينوا لأبناء هذه الأمة سبب الداء، وليشخصوا لهم الداء وليصرفوا لهم الدواء، والداء والدواء في آية واحدة من كتاب الله، اسمع لربك جل وعلا وهو يقول: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٦].
ولن تكون هذه الجرائم التي نشرتها جرائدنا الغراء في الأسبوع الماضي هي الأخيرة، كلا، بل ورب الكعبة سوف نسمع أبشع من هذا ما دام الناس يتلقون تربيتهم وتعاليمهم عن العلمانيين والساقطين والراقصين والتافهين، وقد تركوا تعاليم رب العالمين، ونَحّو شريعة سيد المرسلين ﵌، لن تكون هذه الجرائم آخر المسلسل، وإنما هي لبنة في بناء عفن، وهي حلقة في مسلسل آسن، وهي حلقة في سلسلة طويلة لم تنته ولن تنتهي حتى يعود الناس من جديد إلى قرآن ربهم وسنة نبيهم ﷺ .
أيها المسلمون! الإسلام دين الفطرة، الإسلام دين الله الذي خلق الرجل والمرأة على السواء، وهو الذي يعلم ما يصلح المجتمع، وما يسعد الفرد وما يسعد الجماعة: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤].
стр. 555
الإسلام يأخذ على يد المفسد
الإسلام يحرص على أن يهيئ المناخ الصالح لكى يتنفس الفرد المسلم في جو اجتماعي طاهر نظيف، ثم يعاقب الإسلام بعد ذلك -وبمنتهى الصرامة والشدة- كل فرد ترك هذا الجو النظيف الطاهر النقي وراح ليتمرغ في وحل الجريمة الآثم طائعاً مختاراً غير مضطر، لا يرخي الإسلام العنان لكل أحد لينطلق ليعيث في الأرض فساداً، فينتهك الحرمات، ويتعدى على أعراض النساء المؤمنات، ويروع البيوت الآمنة المطمئنة، لا يرخي الإسلام العنان للفرد ليفعل هذا كله، وإنما إذا لم تجدِ في الفرد التربية ولم تؤثر فيه الموعظة ولم يلتفت الفرد إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله وإلى كرامة أبناء المجتمع الذي يعيش بينهم، إذا لم يراع المسلم أو الفرد كل هذا، وانطلق لينتهك العرض والحرمة فإن الإسلام يأخذ على يديه بمنتهى الصرامة والشدة؛ لتعيش الجماعة كلها آمنة هادئة مطمئنة، وهذه هي الرحمة في أسمى معانيها.
أرأيتم لو أن إنساناً من الناس أصيب بمرض السرطان - أعاذنا الله منه وإياكم- في طرف من أطرافه، وقرر الأطباء المتخصصون أنه لابد من بتر هذا الطرف حتى لا يسري المرض في جميع أجزاء الجسم، هل يأتي عاقل ويقول: لا؛ إنها وحشية، إنها بربرية، إنها غلظة وقسوة، لا تقطعوا هذا الطرف؟ لا والله، وإنما سيأتي أقرب الناس إلى المريض، وسيأتي أحب الناس إليه وينصحه ويشجعه على قطع ذلك الطرف، ويقول له: أسأل الله لك التوفيق، وأسأل الله لك الثبات مع أنه يعلم أنه ذاهب إلى غرفة العمليات ليقطع طرفاً عزيزاً لديه وحبيباً عنده، لكنه يعلم أن بتر هذا الطرف سيضمن الحياة -بإذن الله جل وعلا- لبقية الأطراف، إنها الرحمة بعينها.
كذا -الفرد أيها الأحبة! - إذا لم تؤثر فيه تربية ولم تؤثر فيه موعظة ولم يراع حرمة مجتمع يعيش فيه وانطلق ليعيث في الأرض فساداً بانتهاك الحرمات والأعراض فإن الإسلام يأخذ على يديه بمنتهى الشدة والصرامة؛ ليزول الفرد العفن السرطاني، ولتبقى الجماعة كلها هادئة آمنة مطمئنة، ومن ثم جعل الإسلام أبشع جريمة على ظهر هذه الأرض بعد الشرك بالله وقتل النفس الزنا، فقال سبحانه في سياق صفات عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان:٦٨] فجاء به بعد الشرك والقتل مباشرة ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧١].
نعم -أيها الأحبة الكرام! - إن المرأة -والعياذ بالله- إذا زنت وضعت رأس زوجها، بل ورؤوس أهلها في الوحل والطين والتراب، فإذا خافت المرأة الفضيحة والعار وكانت متزوجة أو كانت بكراً قتلت ولدها من الزنا فوقعت في كبيرتين: كبيرة الزنا وكبيرة القتل والعياذ بالله.
وإذا كانت المرأة متزوجة وخانت زوجها الذي انطلق بعيداً ليأتيها بالطعام والشراب ولينفق عليها من المال الحلال الطيب فقد خانت هذا الزوج المسكين، وحملت من الزنا وأبقت على ولدها من الزنا، ونسبت هذا الولد لزوجها المسكين المخدوع، وأدخلت هذه المرأة الخائنة على بيتها ولداً أجنبياً عنهم، فعاش بينهم وهو أجنبي عنهم، وخلا ببناتهم ولا يحق له ذلك، بل وورث أموالهم بعد موت المورث وليس له حق في ذلك، وهكذا -ولا حول ولا قوة إلا بالله- تهدم البيوت، وتدفن الفضيلة، وتنهار المجتمعات.
وإذا زنى الرجل اختلطت الأنساب، وتأججت نار الأحقاد في القلوب، وانطلق هذا الذي زني بأهله أو ببنته أو بزوجته أو بأمه وقد نكس رأسه في الوحل والطين والتراب، هذا إن ترك الزاني يمشي أمام عينيه وبين يديه ولم يفكر في قتله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
إنه الانحراف عن دين الله، إنه الانحراف عن منهج الله، إنه التحدي لشريعة الله جل وعلا، ووالله ستدور الأمة في هذه المتاهات العفنة الآسنة ما دامت الأمة قد تحدت شريعة الله، وما دامت الأمة قد نَحَّت شريعة رسول الله ﷺ ، والله جل وعلا يقول: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٩]، ولكن العلمانيين القذرين يقولون: ولكم في القصاص وحشية وبربرية، دعوكم من هذه القوانين الجامدة، إن هذه الحدود إنما أنزلت لأناس كانوا يعيشون في أرض الجزيرة كانوا يتَّسمون بالغلظة والقسوة والفظاظة، وكانوا يركبون الناقة والحمار، ولكننا الآن نعيش عصر الحضارة وعصر المدنية وعصر التطور، عصر الصاروخ والقنبلة النووية، فدعوكم من هذه القوانين البربرية الوحشية، وتعالوا بنا لنقنن لأنفسنا من دون الله.
يقول الله جل وعلا: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف:٤٠]، ويأبى العلمانيون إلا أن يقولوا: إن الحكم إلا لمجلس الشعب، الله جل وعلا يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف:٤٠] ويأبى العلمانيون إلا أن يقولوا: إن الحكم إلا للبيت الأبيض، أو للبيت الأحمر أو للبيت الأسود فوقعت الأمة في الضنك والشقاء، ولن تخرج من هذا البلاء وهذا المستنقع الآسن إلا إذا نفضت عن كاهلها غبار هذه القوانين الوضعية الفاجرة الكافرة وعادت من جديد إلى كتاب ربها وسنة الحبيب نبيها ﵌.
أيها المسلمون! أيها الآباء! أيتها الأمهات! أيها الشباب! أيتها البنات! والله الذي لا إله غيره ما شرع الإسلام ما شرع إلا لتبقى المرأة المسلمة درة مصونة ولؤلؤة مكنونة لا يمسها إلا زوجها، ولا تنظر إليها عين زانية، حفظ الإسلام كرامتها، وأمرها بالحجاب، وأمر الرجل بغض البصر، وأمر الرجال والنساء بتخفيف مئونة الزواج، ووضع من الضمانات الوقائية ما يضمن به أن يعيش الرجل والمرأة في ظل مجتمع نظيف طاهر نقي، ثم بعد ذلك يعاقب من ترك هذه الضمانات الوقائية العظيمة وذهب ليتمرغ في أوحال المعصية طائعاً مختاراً غير مضطر.
стр. 556
أحاديث تحذر من جريمة الزنا
أيها الأحبة الكرام! تدبروا معي هذه الأحاديث التي بين المصطفى فيها جريمة الزنا وخطر الزنا وبشاعة الزنا، فقال ﷺ -والحديث في الصحيحين- من حديث أبي هريرة ﵁: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) قال عكرمة: قلت لـ ابن عباس: كيف ينزع منه الإيمان؟ فقال ابن عباس: هكذا -وشبك ابن عباس بين أصابعه-.
ثم قال: فإن زنى أو شرب الخمر نزع منه الإيمان هكذا، فإن تاب وعاد إلى الله عاد إليه الإيمان هكذا مرة أخرى.
وروى ذلك أبو داود والحاكم مرفوعاً، قاله الحافظ ابن حجر في الفتح من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: (إذا زنى الرجل أو شرب الخمر نزع الإيمان منه كما ينزع الإنسان القميص من رأسه، فإن تاب إلى الله وعاد إلى الله عاد إليه الإيمان وقبل الله منه التوبة)، وهذا هو المحك الحقيقي بين أهل السنة وفرق الضلال الأخرى التي كفرت مرتكب الكبيرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وفي صحيح مسلم وسنن النسائي من حديث أبي هريرة أيضاً أنه ﷺ قال: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم، ولا يزكيهم، ولا يكلمهم يوم القيامة ولهم عذاب أليم قالوا: من هم يا رسول الله؟! قال: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر) أي: فقير متعال مستكبر، وشيخ قلت عنده الشهوة، وضعفت عنده الرغبة لهذا الأمر، وعلى الرغم من ذلك ذهب ليتمرغ في أوحال هذه الفاحشة، والملك الكذاب ليس في حاجة إلى أن يكذب، فهو يستطيع أن يأمر هذا أن يفعل كذا، ويستطيع أن يأمر ذاك أن يفعل كذا، فما الذي يعوزه إلى الكذب؟ وعائل فقير، وبالرغم من ذلك يتعالى على الناس ويتكبر على خلق الله جل وعلا، قال: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر)، وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود أنه ﷺ قال: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا بإحدى ثلاث): -يعني: لا يجوز أن يقتل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا إذا كان واحداً من ثلاثة: (الثيب الزاني)، والثيب هو المحصن، والمحصن هو الذي وطئ في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل (والنفس بالنفس)، فالقاتل عمداً يقتل من قبل ولي الأمر المسلم، (والتارك لدينه المفارق للجماعة) المرتد، ووالله لو أن شرع الله يقام اليوم في أرض الله لقتل الكثير من هذه الأصناف، فلقد كثرت هذه الأصناف الثلاثة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وفي الصحيحين أيضاً في الحديث الطويل أن النبي ﵌ أخبر أن جبريل وميكائيل ﵉ جاءاه في يوم من الأيام، فقال النبي ﵊ في الرؤيا: (فانطلقنا فأتينا على مثل التنور -والتنور: هو الفرن توقد تحته النار- وفيه رجال ونساء عراة، أعلاه ضيق وأسفله واسع تلتهب فيه النار، إذا ارتفعت النار ارتفعوا معها، وإذا أخمدت النار رجعوا معها، فلما رأى النبي ﷺ هذا المشهد البشع قال: يا جبريل! من هؤلاء؟ فقال جبريل: هؤلاء هم الزناة والزواني، وهذا عذابهم إلى يوم القيامة).
ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين.
رجل دعته امرأة -أي: للزنا وليفعل بها الفاحشة- فتذكر الله جل وعلا، وتذكر الجنة والنار، وتذكر زوجته، وتذكر ابنته، فقال: إني أخاف الله رب العالمين.
هذا من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
أيها الأحبة الكرام! ترك الزنا سبب من أسباب تفريج الكرب والهم والغم، كما في الصحيحين في قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار، فقد خرج ثلاثة نفر، فدخلوا غاراً، فسقطت صخرة من الجبل فسدت عليهم باب الغار، فقالوا: لا ملجأ لنا إلا أن نلجأ إلى الله بصالح أعمالنا.
فقال أحدهم: اللهم إنك تعلم أنه كانت لي ابنة عم، وكانت أحب الناس إليَّ، فراودتها عن نفسها فأبت -أي: طلبت منها الفاحشة فأبت-، حتى ألمت بها سنة من السنين -أي: وقعت في شدة وضيق- فجاءتني تطلب مني المال فأعطيتها مائة وعشرين ديناراً على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت، فلما جلست منها كما يجلس الرجل من زوجته قالت لي: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه.
فتذكر هذا الرجل وتدبر، وارتعد قلبه، وأرخى عليها ثيابها.
قال: وقامت وهي أحب الناس إلى قلبي، ثم توجه إلى الله جل وعلا وقال: اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه.
فانفرجت الصخرة بأمر الله جل وعلا؟ إن ترك الزنا من أعظم أسباب تفريج الكربات في الدنيا، بل وفي الآخرة، وقد شدد القرآن غاية التشديد في جريمة الزنا، فقال الله جل وعلا: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢]، ويزيد القرآن في تبشيع وتفظيع هذه الجريمة، فيقول الله جل وعلا: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٣].
стр. 557
حد الزاني البكر والمحصن وأقوال العلماء في ذلك
أيها الحبيب! للعلماء في حد الزاني تفصيل ونزاع، وهذا شرع الله جل وعلا الذي يعرض عنه أهل العلمنة.
الزاني إما أن يكون بكراً أو محصناً، والبكر هو الشاب الذي لم يتزوج، والمحصن هو الرجل الذي وطئ في نكاح شرعي صحيح وهو حر عاقل بالغ، فإن كان الزاني بكراً فحده عند الله -جل وعلا- أن يجلد مائة جلدة وأن يغرب عاماً عن بلده، أي: ينفى عاماً عن بلده.
وهذا هو رأي الجمهور، وخالف في ذلك الإمام أبو حنيفة، فقال: يجلد فقط، ويبقى التغريب للإمام، فإن شاء الإمام -أي: وليَّ الأمر المسلم- غرب وإن شاء لم يغرب.
ولكن الراجح هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، واستدل الجمهور على ذلك برواية في الصحيحين من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني قالا: كنا عند النبي ﷺ يوماً، فجاءه رجل فقال: يا رسول الله! اقض بيننا بكتاب الله فقام خصمه وقال: يا رسول الله! اقض بيننا بكتاب الله وائذن لي -أي: وائذن لي أن أبين حجتي ابتداءً فأذن له المصطفى فقال الرجل: إن ابني هذا كان عسيفاً عند هذا -يعني: كان أجيراً عند هذا- فرأى امرأته فزنى بها، فافتديت ولدي بمائة شاة وخادم -أي: دفعت لهذا الرجل مائة شاة وخادماً لأفتدي ولدي-، ثم سألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم.
فقال المصطفى: (والذي نفسي بيده! لأقضين بينكما بكتاب الله ، المائة شاة والخادم رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام.
ثم قال: يا أنيس -صحابي من الصحابة- اغد إلى امرأة هذا -أي: انطلق في الصباح إلى امرأة هذا الرجل- فإن اعترفت بالزنا فارجمها.
فغدا أنيس إلى هذه المرأة فاعترفت بالزنا فرجمها).
فالشاهد من هذا الحديث أن النبي ﷺ حكم على هذا الشاب الذي لم يتزوج وقد ارتكب جريمة الزنا بالجلد وبالتغريب، فالبكر حده أن يجلد مائة جلدة وأن يغرب، أي: أن ينفى عاماً كاملاً.
أما المحصن الذي وطئ في نكاح شرعي صحيح فحده أن يرجم حتى الموت، هذا حكم الله ، وهذا شرع الله ، ووالله لو علمنا فضل الشرع ما حِدْنا عنه ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٩].
وفي الصحيحين أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب الناس يوماً، فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس! إن الله قد بعث محمداً ﷺ ، وأنزل عليه القرآن، وكان مما أنزل الله عليه فيه آية الرجم، فعقلناها ووعيناها وعملنا بها، فرجمنا ورجم رسول الله ﷺ ، وإني أخشى أن يطول بالناس زمان أن يقول قائل: إنا لا نجد آية الرجم في كتاب الله جل وعلا.
فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله سبحانه.
وفي لفظ الإمام مالك قال عمر: (ووالله لولا أني أخشى أن يقول الناس زاد عمر بن الخطاب في كتاب الله لكتبتها في المصحف بيدي: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة)، قال مالك: الشيخ والشيخة: الثيب والثيبة.
أي: المحصن والمحصنة.
ويعلق الإمام الشنقيطي ﵀ على هذا الحديث ويقول: وآية الرجم نسخت تلاوتها، وبقي حكمها لم ينسخ، فهي آية منسوخة التلاوة باقية الحكم.
فهذا حد الزاني المحصن الثيب الذي تزوج زواجاً شرعياً صحيحاً وهو حر عاقل بالغ فترك هذا اللحم الطيب، وذهب ليأكل ذاك اللحم النيء الخبيث.
قال الإمام أحمد: إن الزاني المحصن يجلد ويرجمه، وخالف جمهور أهل العلم، كما خالف أبو حنيفة جمهور أهل العلم كذلك، خالف الإمام أحمد الجمهور فقال: الزاني المحصن يجلد ويرجمه، واستدل على ذلك بحديث في الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت، ولكن الراجح أن حديث عبادة كان في أول الأمر ثم نسخ، وبقي حكم الرجم فقط للزاني المحصن، واستدل جمهور أهل العلم على ذلك بأن النبي ﷺ رجم الزاني المحصن فقط ولم يجلده قبل الرجم، ففي الحديث الذي رواه مسلم من حديث بريدة أن ماعز بن مالك ﵁ جاء إلى المصطفى ﷺ وقال: يا رسول الله! طهرني.
وانتبه لهذا الحديث، فقد جاء ماعز بنفسه، لم يأت به بوليس الآداب، ولم يأت به جندي من الشرطة، وإنما جاء يسعى على قدميه إلى الحبيب المصطفى ﷺ ويقول: يا رسول الله! طهرني، سبحان الله! لم يرك أحد يا ماعز، فما الذي جاء بك يا ماعز؟ انطلق واهرب يا ماعز! لا؛ فإن هربت اليوم في الدنيا، وإن هربت من رسول الله في الدنيا فلن أستطيع أن أهرب من ملك الملوك وجبار السماوات والأرض.
هذا هو الحد الفاصل بين أن نربي أبناءنا على مراقبة القانون الوضعي الأعمى وبين مراقبة الحي الذي لا ينام: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سُبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه).
стр. 558
مراقبة الله
نريد أن نربي القلوب على مراقبة علام الغيوب، أراد أحد الأساتذة الكرام أن يربي طلابه على مراقبة الله جل وعلا تربية عملية على أرض الواقع، فدفع لكل تلميذ من تلامذته دجاجة أو طائراً، وقال: ليذهب كل تلميذ وليذبح هذا الطائر في مكان لا يراه فيه أحد.
فذهب كل تلميذ بطائره في مكان يغيب فيه عن أعين الناس، ثم ذبح كل طالب طائره وعاد به إلى أستاذه، ونظر الأستاذ فوجد تلميذاً نجيباً قد جاء بطائره ولم يذبحه، فقال له: لماذا لم تذبح طائرك؟ فقال: يا أستاذي! لقد طلبت منا أن نبحث عن مكان لا يرانا فيه أحد، وما من مكان ذهبت إليه إلا ورأيت أن الله يراني، فأين أذبحه؟! إنها مراقبة الله.
إذا خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل عليَّ رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما يخفى عليه يغيب قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧] معهم أينما كانوا بسمعه، معهم أينما كانوا ببصره، معهم أينما كانوا بعلمه، ولا تقل: معهم أينما كانوا بذاته.
فلا تحيز ذات الله، ولا تجعل ذات الله في أماكن الأوحال والنجاسات والقاذورات.
وقال تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى * قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٣ - ٤٦]، أي: إني معكما بسمعي وبصري فلا تخافا، ومن كان الله معه فمن يكيده؟ ومن يقف ضده؟ فمعه الحارس الذي لا ينام، ومعه الهادي الذي لا يضل، ومعه الفئة التي لا تقهر، ومعه القوة التي لا تهزم، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر:٣٦].
أمسك أعرابي امرأة في الصحراء وأراد أن يفعل بها الفاحشة، فأرادت هذه المرأة الورعة أن تعلمه درساً من دروس المراقبة، فقالت له: اذهب وانظر هل نام الناس جميعاً في الخيام؟ فانطلق سعيداً بمعصية سيعقبها الندم، وسيعقبها الغضب، انطلق سعيداً ليفتش وليبحث، ثم عاد إليها قائلاً: اطمئني نام الناس جميعاً، ولا يرانا إلا الكواكب فقالت المرأة المعلمة: وأين مكوكبها؟! أين الله الذي لا يغفل ولا ينام؟! أين الحي القيوم الذي لا تأخذه سِنَةٌ ولا نوم؟!
стр. 559
قصة ماعز بن مالك
جاء ماعز بن مالك بنفسه على قدميه إلى الحبيب المصطفى ليقول: يا رسول الله! طهرني.
والعلمانيون يقولون: انظروا إلى الإسلام المتعطش للدماء، انظروا إلى الإسلام المتعطش لإقامة الحدود، انظروا إلى الوحشية، انظروا إلى البربرية! كما يتغنى بذلك أهل العلمنة أذناب الشرق الملحد والغرب الكافر، لقد جاء الرجل بنفسه وهو يقول: يا رسول الله! طهرني، والحبيب المصطفى يقول: (ويحك ارجع استغفر الله وتب إليه)، لم يقم النبي عليه الحد، لم يقل النبي: امسكوه قبل أن يهرب.
كلا كلا، الإسلام دين الرحمة، الإسلام أخبرنا أن الله أدخل بغية زانية الجنة؛ لأنها رحمت كلباً فسقته الماء، ويخبرنا الإسلام أن امرأة دخلت النار لأنها حبست هرة ومنعت عنها الطعام والماء، الإسلام دين الرحمة والشفقة حتى في الكلاب وفي القطط وفي الطيور وسائر الحيوانات، الإسلام ما كان ولن يكون ديناً متعطشاً للدماء كما يتغنى بذلك أهل الشرق وأهل الغرب لا والله، بل اسألوا الإسلام عن الأمان، اسألوا الإسلام عن الأمن، اسألوا الإسلام عن الرحمة، اسألوا الإسلام عن الشفقة، اسألوا الإسلام عن العفو، اسألوا الإسلام عن الكرم، بل اسألوا اليهود والنصارى الذين عاشوا في كنف الإسلام سنوات طوال، اسألوهم عن رحمة الإسلام، وعن عظمة الإسلام، وعن شفقة الإسلام؛ لتعلموا علم اليقين أن النبي ﵊ ما بعث بهذا الدين إلا كما قال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).
قال له النبي: (ويحك! ارجع استغفر الله وتب إليه)، فرجع ماعز غير بعيد، ثم جاء مرة ثانية وقال: يا رسول الله! طهرني.
قلبه يعتصر، هو لا يخالف رسول الله، وإنما يريد أن يطهر نفسه بين يدي الله جل وعلا الذي سمعه ورآه، قلوب حية تغلي من شدة الخوف من الله جل وعلا، فقال له النبي للمرة الثانية: (ويحك ارجع استغفر الله وتب إليه)، فرجع ماعز بن مالك غير بعيد، ثم جاء إلى المصطفى للمرة الثالثة وقال: يا رسول الله! طهرني.
فقال المصطفى: (ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه)، فرجع ماعز غير بعيد، ثم جاء في المرة الرابعة فقال: يا رسول الله! طهرني.
قال: (ممّ أطهرك يا ماعز؟ قال: من الزنا.
فسأل النبي أصحابه: أبه جنون؟ قالوا: لا يا رسول الله، ليس مجنوناً.
قال: أو شرب الخمر فلعبت الخمر برأسه؟ فقام أحد الصحابة فاستنكهه -أي: شم رائحة فمه- فقال: لا يا رسول الله، لم يشرب خمراً.
فأمر النبي ﷺ به فرجم، وبعد يومين أو ثلاثة عاد المصطفى إلى المجلس وقال: استغفروا لأخيكم ماعز بن مالك، فقال الصحابة: غفر الله لـ ماعز بن مالك فقال المصطفى: والذي نفسي بيده لقد تاب توبة لو قسمت على أمة لوسعتهم).
стр. 560
قصة الغامدية
جاءت الغامدية فقالت: يا رسول الله! طهرني.
فقال لها المصطفى ﵊: (ويحك ارجعي استغفري الله وتوبي إليه)، فقالت المرأة: أتريد أن تردني كما رددت ماعز بن مالك؟ يا إلهي! هل المرأة تقول هذا؟! يقول لها المصطفى ﵊: (ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه) فترد المرأة على رسول الله قائلة: أتريد أن تردني كما رددت ماعز بن مالك، إن في بطني حملاً من الزنا فماذا قال الحبيب: أرجم؟ أقتل؟ لا، وإنما قال: (اذهبي حتى تضعين هذا الولد)، فهذا الولد ما جريرته؟ فانطلقت المرأة حتى وضعت ولدها، وجاءت تلفه في خرقة إلى النبي ﷺ ، وهي تقول: يا رسول الله! طهرني.
جاءت بعد ثمانية أشهر أو أكثر أو أقل، جاءت بعد هذه الشهور الطويلة وما نسيت وما هربت، وما خافت أن تأتي إلى النبي ﷺ ، وإنما جاءت بعد أشهر طويلة تقول: يا رسول الله! طهرني.
فهل أمر النبي برجمها؟ كلا.
سبحان الله! إذاً ماذا فعل؟ قال: (انطلقي وارضعيه سنتين كاملتين حتى تفطميه)، فانطلقت المرأة برضيعها -وهذه في رواية صحيحة في صحيح مسلم- وأرضعته حولين كاملين، وعادت المرأة بعد فطام الولد وهو يحمل كسرة خبز بيده، فقالت: يا رسول الله! هذا ولدي قد فطمته، وها هو يأكل الخبز فطهرني.
بعد سنتين! بل إن شئت فقل: بعد ثلاث سنوات ولم تنس المرأة أن تأتي إلى النبي ﷺ ليقيم عليها حد الله جل وعلا، فيأمر النبي ﷺ بها أن ترجم، فيحفر لها وتوضع في الحفرة وترجم، وكان من بين الراجمين خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه، فرجمها خالد بحجر فانفضخ الدم منها على وجهه، فسبها خالد بن الوليد، فسمع النبي سب خالد لها، فقال: (مهلاً يا خالد! أي: لا تسب هذه المرأة.
ثم قال الحبيب: والله لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر الله له)، وانظر إلى هذه المنقبة: فقد أمر النبي بها فغسلت وكفنت وصلى عليها المصطفى ودفنها، ويا لها من كرامة أن يدعو لها رسول الله ﷺ ، وأن يصلي عليها نهر الرحمة وينبوع الحنان بأبي هو وأمي ﵊.
هذا -أيها الأحبة- هو حد الزاني إن كان بكراً وإن كان محصناً.
стр. 561
دعوة للتوبة من الزنا
وأخيراً: أوجه هذا النداء لكل من ارتكب هذه الفاحشة، ولكل من ارتكب هذه الكبيرة، أذكره بهذا النداء الندي الرخي، وبهذا النداء العلوي الرباني الذي يسكب الأمل في القلوب سكباً، الذي يرد البسمة إلى الشفاه، ويرد الأمل إلى القلوب، ويرد الدمعة الحزينة الدائبة إلى العيون، اسمع لنداء ربك الذي خلقك، وهو الذي يعلم ضعفك، وهو الذي يعلم عجزك، وهو الذي يعلم فقرك، وهو الذي يعلم أنك قد تضعف وتزل في وقت من الأوقات، وبالرغم من ذلك ينادي عليك من سمائه وعليائه جل وعلا ويقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
أيها العاصي! أيها المذنب! تب إلى الله جل وعلا، واعلم أن الأصل في الكبائر هو التوبة، وهذا من أروع ما سطره شيخ الإسلام ابن تيمية، قال: إن الأصل في الكبائر هو التوبة ما لم يرفع أمرك إلى ولي الأمر المسلم.
أسأل الله أن يرزق الأمة ولي الأمر المسلم الذي يحكم الأمة بكتاب الله وبشريعة رسول الله ﷺ .
فإن لم يرفع أمرك إلى ولي الأمر المسلم فما عليك إلا أن تتوب إلى الله ، وأن تلجأ إلى الله، وأن تقلع عن الكبيرة وعن المعصية، وأن تندم على فعلها، وأن تكثر من العمل الصالح والبكاء بين يدي العزيز الجليل جل وعلا، فإن قبل الله جل وعلا منك التوبة سعدت في الدنيا وأسعدك الله بالتوبة الصادقة في الآخرة، فهيا أيها المسلم، وهيا أيتها المسلمة، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم:٨].
стр. 562
أحاديث في سعة رحمة الله تعالى
سأذكر بعض الأحاديث التي تذكر بعظيم فضل الله وبسعة فضله .
وقبل ذلك أقول: أيها الحبيب الكريم! تب إلى الله ، فأنا أذكر نفسي وإياك، فإن التوبة يؤمر بها العاصي والمؤمن، تب إلى الله سبحانه، واعلم أن الله سيفرح بتوبتك وإن كنت قد ارتكبت جريمة الزنا، عد إلى الله وتب إليه وسيفرح الله بأوبتك، وهو الغني عن العالمين الذي لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية.
(يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص المِخْيطُ إذا أُدخل البحر).
فضل الله عظيم، ورحمة الله واسعة، فلا تقنط من رحمة الله، ولا تيأس من رحمة الله، وتب إلى الله جل وعلا، واعلم أن الله تواب رحيم، واعلم أن الله غفور كريم، يغفر الذنوب ويقبل التوبة عن عباده.
وفي الحديث الآخر يقول ﷺ : (لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاةٍ، فانفلتت منه راحلته فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها وقد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك، إذ به يرى راحلته قائمة عند رأسه وعليها الطعام والشراب) رجل انفلتت منه الدابة وعليها الطعام والشراب فيئس واسستسلم للموت، ونام في ظل شجرة ينتظر أمر الله جل وعلا، فبينما هو كذلك إذا به يرى الدابة واقفة عند رأسه وعليها الطعام وعليها الشراب، فسعد سعادة غامرة، وفرح فرحاً منقطع النظير، فأراد أن يعبر عن شكره لله ، فقال: اللهم! أنت عبدي وأنا ربك يقول المصطفى: (أخطأ من شدة الفرح)، هذه الفرحة أنسته نفسه.
فالله جل وعلا يفرح بك إن تبت إليه أعظم من فرحة هذا العبد بعودة راحلته إليه مرة أخرى.
يا من أذنبت في حق الله بالنهار تب إلى الله، ويا من أذنبت في حق الله بالليل تب إلى الله، فإن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ولا يزال ربك كذلك حتى تطلع الشمس من مغربها، وهذه علامة من علامات القيامة الكبرى، فلا تيأس أبداً ولا تقنط من رحمة ولا من عفو الله جل وعلا، اعترف إلى الله بذنبك، وتب إلى الله وقل: إلهي لا تعذبني فإني مقر بالذي قد كان مني فكم من زلة لي في البرايا وأنت عليَّ ذو فضل ومنِّ يظن الناس بي خيراً وإني لشر الناس إن لم تعف عني تب إلى الله أيها المسلم وتوبي إلى الله أيتها المسلمة، وتوبوا إلى الله جميعاً -أيها المؤمنون- لعلكم تفلحون، وأسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يستر نساءنا وأن يستر بناتنا.
واعلم أيها الحريص على الزنا وعلى انتهاك الحرمات والأعراض أن الزنا دين حتماً ستوفيه.
يا هاتكاً حرم الرجال وقاطعاً سبل المودة عشت غير مكرم من يزن في قوم بألفي درهم في بيته يزنى بربع الدرهم إن الزنا دين إذا أقرضته كان الوفا من أهل بيتك فاعلم فيا أيها الشاب: تب إلى الله، وتذكر أمك، وتذكر أختك، وتذكر ابنتك، وتذكر زوجتك، فإن رأيت امرأة مسكينة ضعفت فأعنها على طاعة الله، وأنت -أيتها المسلمة- تذكري القرآن، وتذكري السنة، وتذكري النار، وتذكري الجنة، وتذكري هذا الأب المسكين، وتذكري هذا الزوج المسكين، وتذكري هذه الأسرة التي ستضع رؤوسها كلها في الوحل والتراب.
أيها المسلمون: إن الزنا جريمة كبيرة، وجريمة بشعة تؤجج نار الأحقاد في القلوب، ومن ثم حذر منها علام الغيوب والحبيب المحبوب، ﵌.
أسأل الله جل وعلا أن يسترنا وإياكم في الدنيا والآخرة، وأن يتقبل منا وإياكم جميعاً صالح الأعمال، اللهم! احفظ نساءنا، اللهم! احفظ بناتنا، اللهم! احفظ بناتنا، اللهم! اجعلهن قرة عين لنا في الدنيا والآخرة، اللهم! أصلح شباب المسلمين، اللهم! أصلح شباب المسلمين، اللهم! أصلح شباب المسلمين، اللهم! من كان من شبابنا طائعاً فزده طاعة على طاعته، ومن كان منهم على معصية فخذ بناصيته إليك يارب العالمين، اللهم! أصلح حكام المسلمين ووفقهم للعمل بكتابك وتحكيم شريعة نبيك ﷺ ، اللهم! رد الأمة إليك رداً جميلاً، اللهم! رد الأمة إليك رداً جميلاً، اللهم! عجل بالقائد الرباني الذي يقود الأمة بكتابك وبسنة نبيك أنت ولي ذلك والقادر عليه، اللهم! أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، واشف اللهم! صدور قوم مؤمنين، وانصر المجاهدين في كل مكان يا أرحم الراحمين، اللهم! احمل المسلمين الحفاة، واكسُ المسلمين العراة، وأطعم المسلمين الجياع، اللهم! اجعل مصر واحة للأمن والأمان، اللهم! اجعل مصر سخاء رخاء وسائر بلاد الإسلام، اللهم! ارفع عن مصر الغلاء والوباء والبلاء، اللهم! ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن برحمتك يا أرحم الراحمين.
أحبتي في الله! هذا، وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
стр. 563
حديث الركب
اشتداد ظلمة الليل مؤذن باقتراب الفجر، وإن ما نراه من فتن مدلهمة تعصف بالمسلمين، ومن تسلط أعداء الأمة على رقاب المؤمنين فضلاً عن ثرواتهم وخيراتهم لن يطول، فالليل الحالك قد أزف على الرحيل، بل قد بدأت تباشير الفجر بالظهور، وهذه الصحوة الإسلامية التي عمت بقاع الأرض خير شاهد على ذلك.
فصبراً أيها المسلمون! فما بين المحنة والمنحة إلا غشاء رقيق وهو الصبر.
стр. 564
تعريف الركب
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة؛ فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الأحبة الكرام! وطبتم جميعاً وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! عنوان موضوعنا هو: حديث الركب.
والركب في اللغة: هم أصحاب الإبل في السفر.
وحديث أصحاب السفر حديث متنوع الأطراف، متشعب الموضوعات، وإنما كان اختياري لهذا العنوان: (حديث الركب)؛ لأنني أود أن أتحدث في عدة موضوعات، وهذا يشبه حديث الركب في السفر.
هذه الموضوعات التي سنتناولها -إن شاء الله تعالى- هي: الموضوع الأول: بشريات من القدس ولبنان.
الموضوع الثاني: أحداث الجزائر بين حرمة الدماء وعلامات الاستفهام! الموضوع الثالث: رسالة من طبيب يكتبها بدموع الندم إلى محرر بريد (الأهرام).
فأعيروني القلوب والأسماع، والله أسأل أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن نكون كما قال الله : ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٨].
стр. 565
مبشرات من الأحداث الجارية في فلسطين ولبنان
أولاً: بشريات من القدس ولبنان: منذ شهر فقط وقفت على هذا المنبر المبارك لأخطب في المسلمين خطبة الجمعة والتي كانت بعنوان: (بل هم الخنازير) كنت أرد فيها على إخوان القردة والخنازير من أبناء يهود، الذين تطاولوا على البشير النذير، فصوروه على هيئة خنزير يطأ بقدميه قرآن الملك القدير! ويومها قلت: إننا نستبشر خيراً بقرب الفتح بعدما تطاول اليهود على رسول الله ﷺ يوم وقفت الأمة مكتوفة الأيدي! وما سمعنا زعيماً من زعمائها في مؤتمر صحفي قام يذب عن عرض المصطفى؛ فقلت: إذاً: والله نستبشر خيراً؛ لأن الذي سيتولى الدفاع عن المصطفى هو الله، وقد كان، فلم يمض إلا شهر واحد وتحقق ما تمناه كل مسلم ومسلمة، ففي الأسبوع الماضي تزلزلت الدولة العبرية اليهودية الصهيونية زلزالاً مزق قلوب رجالاتها ونسائها، بصورة لم تشهدها دولة إسرائيل منذ قيامها على حد تعبير نتنياهو، تزلزلت دولة إسرائيل بحدوث انفجارات مدوية في مدينة القدس التي تطاول فيها اليهود على رسول الله ﷺ ، ووقعت انفجارات على أيدي بعض الفتيات اليهوديات! فسقط ما يزيد على مائتي رجل وامرأة من اليهود ما بين قتيل وجريح.
وأنا أقول: إن هذا هو أول انتقام من الله لنبيه، فلو تدبرت الحدث جيداً ما وجدت وراءه أي مسلم؛ إذ إن الفتيات اليهوديات كنَّ قد خططن لعملية انتحارية في القدس، أو بمعنى أدق لعملية تخريبية في القدس، فشاء الملك الذي لا راد لمشيئته أن تتفجر هذه العبوات الناسفة، فيسقط هذا العدد الذي لم يسقط قبله مثله في دولة إسرائيل لا سيما في مدينة القدس، ووالله الذي لا إله غيره! إنني لأعتقد اعتقاداً جازماً بأن هذا إنما هو انتقام من الله للمصطفى ﷺ الذي خذلته الأمة، وما انتصرت له الأمة، وما هذا إلا تضميد لجراح قلوب كثير من الموحدين والموحدات ممن لا يملكون حولاً ولا قوة.
نسأل الله أن يضمد جراحنا، وأن يقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، وبتخريب حصون اليهود المجرمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وبعده مباشرة وقعت حادثة أخرى لم يقع مثلها في تاريخ إسرائيل كله! هذه الحادثة تتمثل في قتل أحد عشر رجلاً من صفوة جنود وضباط الجيش الأمريكي من قوات الكومندوز، ومن قوات البحرية الأمريكية بعد إنزال فاشل تعدى خطوط العدو على حد زعم اليهود، أي: في جنوب لبنان، فقتلوا تقتيلاً وجهاً لوجه، وأصيبت إسرائيل بصدمة بالغة ظلوا طيلة ذلك اليوم في حيرة وفي دهشة! إذ لم يحدث مثل هذا من قبل في تاريخ الدولة الإسرائيلية، فقلت: هذا هو الانتقام الثاني من الله لنبيه ﷺ .
وإنها بشريات! ولا زالت البشريات مقبلة، بل إنني أستبشر خيراً بقرب الفتح، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية طيب الله ثراه في (الصارم المسلول على شاتم الرسول): حدثني العدول من أهل الفقه والخبرة ممن كانوا يحاصرون بني الأصفر، أي: الروم، يقولون: كان الحصن يستعصي علينا، فيعجز المسلمون المحاصرون عن فتحه، يقولون: حتى إذا ما وقعوا في عرض رسول الله ﷺ استبشرنا خيراً بقرب الفتح مع امتلاء قلوبنا غيظاً مما قالوه في حق رسول الله ﷺ ، فنحن نستبشر خيراً بقرب الفتح -إن شاء الله- بعدما تطاول اليهود المجرمون ووقعوا في عرض النبي ﷺ ، في الوقت الذي خذلت فيه الأمة كلها رسول الله! إلا من رحم ربك من أفراد لا يملكون حولاً ولا طولاً ولا قوة.
أسأل الله جل وعلا أن يملأ قلوب وبيوت اليهود ناراً، وأن يملأ قلوبهم نكداً وحزناً وهماً وغماً، كما مزقوا قلوب الموحدين والموحدات، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
следующие страницы →