← Джавами‘

Джавами‘ · id 7703

دروس للشيخ محمد حسان

محمد حسان

Полный текст (1 901 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

دعوة للتوبة من الزنا وأخيراً: أوجه هذا النداء لكل من ارتكب هذه الفاحشة، ولكل من ارتكب هذه الكبيرة، أذكره بهذا النداء الندي الرخي، وبهذا النداء العلوي الرباني الذي يسكب الأمل في القلوب سكباً، الذي يرد البسمة إلى الشفاه، ويرد الأمل إلى القلوب، ويرد الدمعة الحزينة الدائبة إلى العيون، اسمع لنداء ربك الذي خلقك، وهو الذي يعلم ضعفك، وهو الذي يعلم عجزك، وهو الذي يعلم فقرك، وهو الذي يعلم أنك قد تضعف وتزل في وقت من الأوقات، وبالرغم من ذلك ينادي عليك من سمائه وعليائه جل وعلا ويقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]. أيها العاصي! أيها المذنب! تب إلى الله جل وعلا، واعلم أن الأصل في الكبائر هو التوبة، وهذا من أروع ما سطره شيخ الإسلام ابن تيمية، قال: إن الأصل في الكبائر هو التوبة ما لم يرفع أمرك إلى ولي الأمر المسلم. أسأل الله أن يرزق الأمة ولي الأمر المسلم الذي يحكم الأمة بكتاب الله وبشريعة رسول الله ﷺ . فإن لم يرفع أمرك إلى ولي الأمر المسلم فما عليك إلا أن تتوب إلى الله ، وأن تلجأ إلى الله، وأن تقلع عن الكبيرة وعن المعصية، وأن تندم على فعلها، وأن تكثر من العمل الصالح والبكاء بين يدي العزيز الجليل جل وعلا، فإن قبل الله جل وعلا منك التوبة سعدت في الدنيا وأسعدك الله بالتوبة الصادقة في الآخرة، فهيا أيها المسلم، وهيا أيتها المسلمة، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم:٨].

стр. 562

أحاديث في سعة رحمة الله تعالى سأذكر بعض الأحاديث التي تذكر بعظيم فضل الله وبسعة فضله . وقبل ذلك أقول: أيها الحبيب الكريم! تب إلى الله ، فأنا أذكر نفسي وإياك، فإن التوبة يؤمر بها العاصي والمؤمن، تب إلى الله سبحانه، واعلم أن الله سيفرح بتوبتك وإن كنت قد ارتكبت جريمة الزنا، عد إلى الله وتب إليه وسيفرح الله بأوبتك، وهو الغني عن العالمين الذي لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية. (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص المِخْيطُ إذا أُدخل البحر). فضل الله عظيم، ورحمة الله واسعة، فلا تقنط من رحمة الله، ولا تيأس من رحمة الله، وتب إلى الله جل وعلا، واعلم أن الله تواب رحيم، واعلم أن الله غفور كريم، يغفر الذنوب ويقبل التوبة عن عباده. وفي الحديث الآخر يقول ﷺ : (لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاةٍ، فانفلتت منه راحلته فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها وقد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك، إذ به يرى راحلته قائمة عند رأسه وعليها الطعام والشراب) رجل انفلتت منه الدابة وعليها الطعام والشراب فيئس واسستسلم للموت، ونام في ظل شجرة ينتظر أمر الله جل وعلا، فبينما هو كذلك إذا به يرى الدابة واقفة عند رأسه وعليها الطعام وعليها الشراب، فسعد سعادة غامرة، وفرح فرحاً منقطع النظير، فأراد أن يعبر عن شكره لله ، فقال: اللهم! أنت عبدي وأنا ربك يقول المصطفى: (أخطأ من شدة الفرح)، هذه الفرحة أنسته نفسه. فالله جل وعلا يفرح بك إن تبت إليه أعظم من فرحة هذا العبد بعودة راحلته إليه مرة أخرى. يا من أذنبت في حق الله بالنهار تب إلى الله، ويا من أذنبت في حق الله بالليل تب إلى الله، فإن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ولا يزال ربك كذلك حتى تطلع الشمس من مغربها، وهذه علامة من علامات القيامة الكبرى، فلا تيأس أبداً ولا تقنط من رحمة ولا من عفو الله جل وعلا، اعترف إلى الله بذنبك، وتب إلى الله وقل: إلهي لا تعذبني فإني مقر بالذي قد كان مني فكم من زلة لي في البرايا وأنت عليَّ ذو فضل ومنِّ يظن الناس بي خيراً وإني لشر الناس إن لم تعف عني تب إلى الله أيها المسلم وتوبي إلى الله أيتها المسلمة، وتوبوا إلى الله جميعاً -أيها المؤمنون- لعلكم تفلحون، وأسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يستر نساءنا وأن يستر بناتنا. واعلم أيها الحريص على الزنا وعلى انتهاك الحرمات والأعراض أن الزنا دين حتماً ستوفيه. يا هاتكاً حرم الرجال وقاطعاً سبل المودة عشت غير مكرم من يزن في قوم بألفي درهم في بيته يزنى بربع الدرهم إن الزنا دين إذا أقرضته كان الوفا من أهل بيتك فاعلم فيا أيها الشاب: تب إلى الله، وتذكر أمك، وتذكر أختك، وتذكر ابنتك، وتذكر زوجتك، فإن رأيت امرأة مسكينة ضعفت فأعنها على طاعة الله، وأنت -أيتها المسلمة- تذكري القرآن، وتذكري السنة، وتذكري النار، وتذكري الجنة، وتذكري هذا الأب المسكين، وتذكري هذا الزوج المسكين، وتذكري هذه الأسرة التي ستضع رؤوسها كلها في الوحل والتراب. أيها المسلمون: إن الزنا جريمة كبيرة، وجريمة بشعة تؤجج نار الأحقاد في القلوب، ومن ثم حذر منها علام الغيوب والحبيب المحبوب، ﵌. أسأل الله جل وعلا أن يسترنا وإياكم في الدنيا والآخرة، وأن يتقبل منا وإياكم جميعاً صالح الأعمال، اللهم! احفظ نساءنا، اللهم! احفظ بناتنا، اللهم! احفظ بناتنا، اللهم! اجعلهن قرة عين لنا في الدنيا والآخرة، اللهم! أصلح شباب المسلمين، اللهم! أصلح شباب المسلمين، اللهم! أصلح شباب المسلمين، اللهم! من كان من شبابنا طائعاً فزده طاعة على طاعته، ومن كان منهم على معصية فخذ بناصيته إليك يارب العالمين، اللهم! أصلح حكام المسلمين ووفقهم للعمل بكتابك وتحكيم شريعة نبيك ﷺ ، اللهم! رد الأمة إليك رداً جميلاً، اللهم! رد الأمة إليك رداً جميلاً، اللهم! عجل بالقائد الرباني الذي يقود الأمة بكتابك وبسنة نبيك أنت ولي ذلك والقادر عليه، اللهم! أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، واشف اللهم! صدور قوم مؤمنين، وانصر المجاهدين في كل مكان يا أرحم الراحمين، اللهم! احمل المسلمين الحفاة، واكسُ المسلمين العراة، وأطعم المسلمين الجياع، اللهم! اجعل مصر واحة للأمن والأمان، اللهم! اجعل مصر سخاء رخاء وسائر بلاد الإسلام، اللهم! ارفع عن مصر الغلاء والوباء والبلاء، اللهم! ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن برحمتك يا أرحم الراحمين. أحبتي في الله! هذا، وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.

стр. 563

حديث الركب اشتداد ظلمة الليل مؤذن باقتراب الفجر، وإن ما نراه من فتن مدلهمة تعصف بالمسلمين، ومن تسلط أعداء الأمة على رقاب المؤمنين فضلاً عن ثرواتهم وخيراتهم لن يطول، فالليل الحالك قد أزف على الرحيل، بل قد بدأت تباشير الفجر بالظهور، وهذه الصحوة الإسلامية التي عمت بقاع الأرض خير شاهد على ذلك. فصبراً أيها المسلمون! فما بين المحنة والمنحة إلا غشاء رقيق وهو الصبر.

стр. 564

تعريف الركب بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة؛ فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الأحبة الكرام! وطبتم جميعاً وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! عنوان موضوعنا هو: حديث الركب. والركب في اللغة: هم أصحاب الإبل في السفر. وحديث أصحاب السفر حديث متنوع الأطراف، متشعب الموضوعات، وإنما كان اختياري لهذا العنوان: (حديث الركب)؛ لأنني أود أن أتحدث في عدة موضوعات، وهذا يشبه حديث الركب في السفر. هذه الموضوعات التي سنتناولها -إن شاء الله تعالى- هي: الموضوع الأول: بشريات من القدس ولبنان. الموضوع الثاني: أحداث الجزائر بين حرمة الدماء وعلامات الاستفهام! الموضوع الثالث: رسالة من طبيب يكتبها بدموع الندم إلى محرر بريد (الأهرام). فأعيروني القلوب والأسماع، والله أسأل أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن نكون كما قال الله : ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٨].

стр. 565

مبشرات من الأحداث الجارية في فلسطين ولبنان أولاً: بشريات من القدس ولبنان: منذ شهر فقط وقفت على هذا المنبر المبارك لأخطب في المسلمين خطبة الجمعة والتي كانت بعنوان: (بل هم الخنازير) كنت أرد فيها على إخوان القردة والخنازير من أبناء يهود، الذين تطاولوا على البشير النذير، فصوروه على هيئة خنزير يطأ بقدميه قرآن الملك القدير! ويومها قلت: إننا نستبشر خيراً بقرب الفتح بعدما تطاول اليهود على رسول الله ﷺ يوم وقفت الأمة مكتوفة الأيدي! وما سمعنا زعيماً من زعمائها في مؤتمر صحفي قام يذب عن عرض المصطفى؛ فقلت: إذاً: والله نستبشر خيراً؛ لأن الذي سيتولى الدفاع عن المصطفى هو الله، وقد كان، فلم يمض إلا شهر واحد وتحقق ما تمناه كل مسلم ومسلمة، ففي الأسبوع الماضي تزلزلت الدولة العبرية اليهودية الصهيونية زلزالاً مزق قلوب رجالاتها ونسائها، بصورة لم تشهدها دولة إسرائيل منذ قيامها على حد تعبير نتنياهو، تزلزلت دولة إسرائيل بحدوث انفجارات مدوية في مدينة القدس التي تطاول فيها اليهود على رسول الله ﷺ ، ووقعت انفجارات على أيدي بعض الفتيات اليهوديات! فسقط ما يزيد على مائتي رجل وامرأة من اليهود ما بين قتيل وجريح. وأنا أقول: إن هذا هو أول انتقام من الله لنبيه، فلو تدبرت الحدث جيداً ما وجدت وراءه أي مسلم؛ إذ إن الفتيات اليهوديات كنَّ قد خططن لعملية انتحارية في القدس، أو بمعنى أدق لعملية تخريبية في القدس، فشاء الملك الذي لا راد لمشيئته أن تتفجر هذه العبوات الناسفة، فيسقط هذا العدد الذي لم يسقط قبله مثله في دولة إسرائيل لا سيما في مدينة القدس، ووالله الذي لا إله غيره! إنني لأعتقد اعتقاداً جازماً بأن هذا إنما هو انتقام من الله للمصطفى ﷺ الذي خذلته الأمة، وما انتصرت له الأمة، وما هذا إلا تضميد لجراح قلوب كثير من الموحدين والموحدات ممن لا يملكون حولاً ولا قوة. نسأل الله أن يضمد جراحنا، وأن يقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، وبتخريب حصون اليهود المجرمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وبعده مباشرة وقعت حادثة أخرى لم يقع مثلها في تاريخ إسرائيل كله! هذه الحادثة تتمثل في قتل أحد عشر رجلاً من صفوة جنود وضباط الجيش الأمريكي من قوات الكومندوز، ومن قوات البحرية الأمريكية بعد إنزال فاشل تعدى خطوط العدو على حد زعم اليهود، أي: في جنوب لبنان، فقتلوا تقتيلاً وجهاً لوجه، وأصيبت إسرائيل بصدمة بالغة ظلوا طيلة ذلك اليوم في حيرة وفي دهشة! إذ لم يحدث مثل هذا من قبل في تاريخ الدولة الإسرائيلية، فقلت: هذا هو الانتقام الثاني من الله لنبيه ﷺ . وإنها بشريات! ولا زالت البشريات مقبلة، بل إنني أستبشر خيراً بقرب الفتح، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية طيب الله ثراه في (الصارم المسلول على شاتم الرسول): حدثني العدول من أهل الفقه والخبرة ممن كانوا يحاصرون بني الأصفر، أي: الروم، يقولون: كان الحصن يستعصي علينا، فيعجز المسلمون المحاصرون عن فتحه، يقولون: حتى إذا ما وقعوا في عرض رسول الله ﷺ استبشرنا خيراً بقرب الفتح مع امتلاء قلوبنا غيظاً مما قالوه في حق رسول الله ﷺ ، فنحن نستبشر خيراً بقرب الفتح -إن شاء الله- بعدما تطاول اليهود المجرمون ووقعوا في عرض النبي ﷺ ، في الوقت الذي خذلت فيه الأمة كلها رسول الله! إلا من رحم ربك من أفراد لا يملكون حولاً ولا طولاً ولا قوة. أسأل الله جل وعلا أن يملأ قلوب وبيوت اليهود ناراً، وأن يملأ قلوبهم نكداً وحزناً وهماً وغماً، كما مزقوا قلوب الموحدين والموحدات، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 566

المستقبل للإسلام أيها الشباب! أبشروا، والله إنني ألمح نور الفجر يأتي بعد هذا السواد الحالك، إن أشد ساعات الليل سواداً هي الساعة التي يليها ضوء الفجر، وفجر الإسلام قادم، بل إنني ألمح من خلال فهمي لسنن الله الربانية في الكون أن الله جل وعلا يهيئ الكون كله لأمر أراده، ولأمر وعد به الصادق رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى، فقد روى أحمد وابن حبان والحاكم في المستدرك وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي والمنذري أنه ﷺ قال: (بشر هذه الأمة بالسناء والتمكين والنصر)، فالنصر في نهاية المطاف لأمة النبي ﷺ ولو طال الطريق. فيا شباب! أرجو أن تخرجوا من هذه الهزيمة النفسية المدمرة، وإن كان الواقع أمامنا أليماً ومراً، لكن إياك أن تنهزم نفسياً، وأن تعتقد أنه لا نصرة ولا فجر لهذا الليل الطويل الدامس، بل إن أشد ساعات الليل سواداً هي الساعة التي يليها ضوء الفجر، وأمة الإسلام ما ماتت، وإن كان صحيحاً أنها مرضت، ونامت، وطال ركودها، ولكنها ما ماتت ولن تموت -بإذن الله- كما وعد الله، وكما وعد رسوله ﷺ . قال الشاعر: لئن عرف التاريخ أوساً وخزرجاً فلله أوس قادمون وخزرجُ وإن كنوز الغيب تخفي طلائعاً حرة رغم المكائد تخرجُ إن الصحوة في مشارق الأرض ومغاربها يمدها كل يوم، بل كل ساعة شباب في ريعان الصبا، وفتيات في عمر الورود، وإن الأعداد التي تجتمع في المحاضرات واللقاءات لهي أصدق دليل على عودة شباب ورجال ونساء هذه الأمة إلى الله جل وعلا، فإننا نرى الأمة الآن في جل شبابها قد ولى ظهره لتل أبيب، وواشنطن، وبانكوك، ومدريد، وباريس، وولى وجهه مرة أخرى نحو المسجد الحرام، فلو ذهبت إلى حج بيت الله أو إلى العمرة لوجدت جل من يطوف ببيت الله جل وعلا هم من شباب هذه الأمة، أسأل الله أن يكثر من أمثالهم في الخير، وأن يقر أعيننا جميعاً بنصرة الإسلام وعز الموحدين: صبح تنفس بالضياء وأشرقا والصحوة الكبرى تهز البيرقا وشبيبة الإسلام هذا فيلق في ساحة الأمجاد يتبع فيلقا وقوافل الإيمان تتخذ المدى درباً وتصنع للمحيط الزورقا ما أمر هذي الصحوة الكبرى سوى وعد من الله الجليل تحققا هي نخلة طاب الثرى فنما لها جذع قوي في التراب وأعذقا هي في رياض قلوبنا زيتونة في جذعها غصن الكرامة أورقا فجر تدفق من سيحبس نوره أرني يداً سدت علينا المشرقا يا نهر صحوتنا رأيتك صافياً وعلى الضفاف رأيت أزهار التقى قالوا تطرف جيلنا لما سما قدراً وأعطى للطهارة موثقا ورموه بالإرهاب حين أبى الخنا ومضى على درب الكرامة وارتقى أوكان إرهاباً جهاد نبينا أم كان حقاً بالكتاب مصدقا أتطرف إيماننا بالله في عصر تطرف في الهوى وتزندقا إن التطرف أن نذم محمداً والمقتدين به ونمدح عفلقا إن التطرف أن نرى من قومنا من صانع الكفر اللئيم وأطرقا يا جيل صحوتنا! أعيذك أن أرى في الصف من بعد الإخاء تمزقا لك في كتاب الله فجر صادق فاتبع هداه ودعك ممن فرقا لك في رسولك أسوة فهو الذي بالصدق والخلق الرفيع تخلقا يا جيل صحوتنا ستبقى شامخاً ولسوف تبقى باتباعك أسمقا إن البشريات الكريمة تتوالى، بل وسوف تتوالى، وإنني أعتقد اعتقاداً جازماً بأن القرن القادم إن شاء الله تعالى هو قرن دين محمد بن عبد الله، والله إن الأمة ليست فقيرة الأمة ليست ضعيفة، بل الأمة غنية الأمة قوية برجالها قوية بمالها قوية بأعدادها قوية بمناخها قوية بخيراتها قوية بمنهج ربها وسنة نبيها، ولكن الأمة أصيبت وابتليت بمجموعة من الزعامات حالت بين الأمة وبين عطائها حالت بين الأمة وبين مجدها حالت بين الأمة وبين أن تتبوأ المكانة التي أرادها لها ربها ونبيها ﷺ ، ولكنني أعلم يقيناً أن الخير في الأمة كامن، وأن الخير في الأمة وفير، ولكن أسأل الله أن يمن على الأمة بالقائد الرباني، الذي يفجر هذه الطاقات الكامنة، وهذه القدرات الهائلة، وهذه الطاقات الجبارة؛ لترفع الأمة من جديد راية الجهاد في سبيل الله، بعد أن تصطلح مع الله؛ فتحكم شريعة الله، وتسير على طريق رسول الله، وحينئذ والله! لا تقف أمامها قوة على وجه الأرض، ولمَ لا؟! وقد وعد الله الأمة بالنصر مع بذلها أقصى ما في طاقتها، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال:٦٠]. فإذا رفعت الأمة راية الجهاد في سبيل الله فإن الله سيمكن لها، وسيذل لها أهل الشرق والغرب، كما حقق الله قبل ذلك وعده للنبي محمد ﷺ ، وللصادقين من أمته من بعده، كما في قوله سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ [النور:٥٥] وكما في قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]. وروى الإمام أحمد والحاكم في (المستدرك) وقال الحافظ العراقي ورجاله ثقات، وقال الإمام الهيثمي في (المجمع): ورجاله رجال الصحيح، من حديث حذيفة بن اليمان أنه ﷺ قال (ستكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم يكون ملكاً عاضاً، فيكون فيكم ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعه الله إذا شاء أن يرفعه، ثم يكون ملكاً جبرياً)، والأمة الآن تشهد مرحلة الملك الجبري (ثم يكون ملكاً جبرياً فيكون فيكم ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعه الله إذا شاء أن يرفعه، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة)، أسأل الله أن يعجل بها، وألا يحرمنا من أن نستظل بظلالها الوارفة، فإن لم يقدر لأمثالنا فليقدر لأبنائنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أيها الأحبة الكرام! أحببت بهذا الموضوع الأول المختصر أن أسكب من جديد في قلوب شبابنا الأمل، فإنني أتألم كثيراً لبعض شيوخنا ودعاتنا ممن يشخصون داء الأمة، فيترك بعضهم الموضوع دون أن يجدد الأمل في قلوب أبناء الأمة، فيزداد اليائسون يأساً، ويزداد القانطون قنوطاً، ويزداد المهزومون هزيمة، ولكن شخص الداء، وحدد الدواء، وجدد الأمل في قلوب أبناء هذه الأمة، فإن وعد الله قادم، ووعد الله لا يخلف، قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف:٨ - ٩]، أسأل الله جل وعلا أن يمكن لدينه، وأن يعز الإسلام والمسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 567

علامات استفهام حول أحداث الجزائر الموضوع الثاني: أحداث الجزائر بين حرمة الدماء وعلامات الاستفهام!! تكلمت في خطبة جمعة عن أزمة العقل المسلم، ومما زادني حسرةً وألماً أنني وجدت بعد الجمعة من اعتقد أنني كنت أتكلم عن حادث وفاة سندريلا القرن العشرين، وأنا ما تحدثت عن الحادث أبداً، وإنما وقفت عند الحادث لأستخرج منه الدروس والعظات والعبر، لاسيما وأن الحادث قد أحدث شرخاً رهيباً في صرح عقيدة الولاء والبراء، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن العقل المسلم يعيش حالة أزمة، ويتعامل كثير من المسلمين -الآن ومن قبل- مع الأحداث تعاملاً خطيراً، فتسمع من بعض المسلمين من يتهم المسلمين في الجزائر بهذه المجازر والمذابح المروعة! وهذا الذي يتهم المسلمين في الجزائر بذلك لا يفهم قرآناً ولا يفهم سنة، ولا يقف على سنن الله الربانية في كونه! تدبر معي أيها الحبيب الكريم! أحداث الجزائر التي تخلع القلب الآن! ويجب على المسلم أن يعيش أحوال أمته، وأن يعيش جراح إخوانه، قال ﵊: (مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)، فلا يجوز لمسلم أن يأكل ملء بطنه، وأن ينام ملء عينه، وأن يضحك ملء فمه، وأن ينظر إلى أحوال إخوانه وأخواته هنا وهنالك فيهز كتفيه ويمضي وكأن الأمر لا يعنيه لا من بعيد ولا من قريب! فإن هذا لا يستحق هذه النسبة الإسلامية الشريفة، بل إن الله جعل المؤمنين إخوة، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات:١٠]. والدماء لها حرمة عظيمة عند رب الأرض والسماء، ولقد كرم الله الإنسان، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:٧٠]، فلقد خلق الله الإنسان بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وسخر له ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل، كل هذا من أجل الإنسان، وأنزل عليه شريعةً ضمنت له كل الحقوق، وضمنت له الحياة السعيدة الأبية الكريمة، ومن أعظم وأكبر هذه الحقوق التي ضمنتها الشريعة للإنسان هي: حق الحياة، ولا يجوز أبداً لأحد أن يسلب هذه الحياة ممن وهبها له الله ، إلا في الحدود الشرعية التي أمر الله بها، فلا يجوز أبداً أن تنتهك حرمة الحياة، وأن تسفك دماء المؤمنين والمسلمين إلا بالحق الشرعي الذي قرره الرب العلي، والحبيب النبي ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام:١٥١].

стр. 568

الحالات التي يجوز فيها قتل المسلم قد بين النبي ﷺ هذا الحق، فقد روى البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة). هذه هي الحالات الثلاث التي يجوز أن تسفك فيها الدماء على يد ولي الأمر المسلم أو من ينوب عنه، فالأمر ليس فوضى لكل أحد؛ حتى لا يتحول المجتمع إلى غابة يقتل فيه القوي الضعيف، كلا! الحالة الأولى هي: حالة القتل، قال الله تعالى فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٨ - ١٧٩] إي وربي! إن لكم في القصاص حياة: حياة بحفظ حياة أفراد المجتمع، وحياة بردع كل من سولت له نفسه أن يتعدى على الدماء المسلمة البريئة، ولذا قال سبحانه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٩]. الحالة الثانية: من زنا بعد إحصان، لقوله: (الثيب الزاني). الحالة الثالثة: المرتد، لقوله: (والتارك لدينه المفارق للجماعة)، هذه هي الحالات التي يجوز لولي الأمر المسلم أن يقتل فيها فقط. وأما ما عدا ذلك فإن سفك الدماء وقتل النفس المسلمة أو المؤمنة البريئة جريمة تأتي مباشرة بعد جريمة الشرك بالله، قال تعالى في صفات عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠]. أيها الأحبة الكرام! إن قتل النفس المسلمة المؤمنة البريئة جريمة من أخطر وأكبر الجرائم والكبائر، وأسألك بالله -أخي الكريم- أن تتدبر معي هذه الآية التي في سورة النساء، وهي قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ [النساء:٩٣]، فتدبر فيها لتقف على حرمة الدماء! وفي صحيح البخاري من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً)، وأنا ما خرجت عن موضوع الجزائر، ولكن لابد من هذه المقدمة لأصل إلى الحكم الذي أريد أن أصل إليه في هذه الأحداث المفجعة المؤلمة، فتدبر قول النبي ﵊: (لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً)! وقال عبد الله بن عمر: (إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها: سفك الدم الحرام بغير حله!). وفي الحديث الذي رواه أحمد والنسائي، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع من حديث معاوية ومن حديث أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركاً، أو قتل مؤمناً متعمداً). واسمع هذا الحديث الذي يخلع القلب! هذا الحديث رواه النسائي وصححه الشيخ الألباني من حديث عمرو بن الحمق الخزاعي أن الحبيب النبي ﷺ قال: (من أمَّن رجلاً على دمه فقتله فأنا بريء من القاتل، وإن كان المقتول كافراً)، أتمنى لو أسمع هذا الحديث العالم كله الذي يتهم الإسلام بالتطرف والإرهاب وسفك والدماء! هذا هو دين محمد بن عبد الله، وهذه هي حرمة الدماء في دين المصطفى ﷺ . وفي الحديث الذي رواه أحمد والنسائي وصححه الشيخ الألباني من حديث بريدة أن النبي ﷺ قال: (قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا)؛ ولذلك فإن أول شيء يقضي الله فيه يوم القيامة الدماء. ولا تعارض بين حديث النبي ﷺ : (إن أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة)، وبين قوله: (إن أول ما يقضي الله فيه يوم القيامة الدماء)، لأن الدماء هي حق العباد، والصلاة هي حق خالق العباد، فلا تعارض بين الحديثين؛ ولذلك يقول علي بن أبي طالب كما في الصحيحين: (أنا أول من يجلس بين يدي ربي للخصومة) يقصد المبارزة التي كانت بينه وبين خصمه في غزوة بدر، ففي علي وفي خصمه نزل قول الله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج:١٩]، فأول شيء يقضي الله فيه يوم القيامة في الدماء، ولذلك ورد في الحديث الصحيح الذي رواه النسائي وصححه الشيخ الألباني أنه ﷺ قال: (يؤتى بالقتيل يوم القيامة وأوداجه -أي: عروق أعناقه- تشخب دماً! وهو يمسك بالقاتل ويقول: أي ربِّ! سل هذا فيم قتلني؟!) فيأتي المقتول ويأتي القاتل الذي قتل نفساً، ويأتي القاتل المجرم الذي قتل قرية، والذي قتل مدينة، والذي قتل شعباً، والذي قتل أمة، يأتي يوم القيامة وحوله كل من قتلهم جوعاً، أو عرياً، أو رمياً، أو قتلهم بغير ذلك، يأتي هؤلاء يتعلقون بالقاتل يوم القيامة وهم يقولون للرب ﷻ : يا رب! سل هذا فيم قتلنا؟! فيا أيها المسلم، اعلم حرمة الدماء.

стр. 569

بعض الحقائق في أحداث الجزائر وبعد هذه المقدمة التي طالت أقول: من هو المسلم الذي يجرؤ أن يتهم مسلماً على وجه الأرض أنه قد استحل سفك الدماء؟! ومن هو الذي يتهم الإسلاميين في الجزائر بأنهم يقومون بهذه المجازر والمذابح بعد ظهور هذه الحقائق؟! إن هذا ليس إلا ذراً للرماد في العيون، بل هو طمس للعيون، خذوا هذه الحقائق وتدبروها جيداً لتعلموا الحق: أولاً: ما يسمى بمثلث الموت أو مثلث الرعب في الجزائر! الذي حدثت فيه في غضون شهرين ما يزيد على عشرين مذبحة، يتكون من ثلاث مدن بقراها، هذه المدن والقرى تحيط بالجزائر العاصمة في مسافة لا تزيد على عشرين كيلو فقط، وتدبر هذا جيداً! الجزائر العاصمة تحولت الآن إلى ثكنة عسكرية، والجيش حول العاصمة تحولوا إلى ثكن عسكرية، ففي مدينة واحدة فقط سبع قواعد عسكرية، لتكون بمثابة خط الدفاع الأول ضد الإسلاميين على العاصمة الجزائر! هذه المدن الثلاث التي تسمى بمثلث الرعب فيها قوات الأمن وقوات الجيش بصورة مكثفة، ومع ذلك حدث فيها في غضون الشهرين الماضيين ما يزيد على عشرين مجزرة أو عشرين مذبحة، راح ضحية هذه المجازر والمذابح ما يزيد على ألفي رجل وامرأة وطفل. أقول: المجازر الأخيرة التي حدثت في الجزائر تركزت في ثلاث مدن بقراها هذه المدن تحيط بالجزائر العاصمة في مثلث يسميه الجزائريون الآن بمثلث الرعب أو بمثلث الموت؛ جل من سقط مذبوحاً من الرجال والنساء والأطفال في هذه القرى والمدن هم أهل الإسلاميين!! وتطاول المجرمون وقالوا: إن هذه حرب تصفية بين الإسلاميينوبعضهم البعض! ثانياً: المذبحة الأخيرة التي راح ضحيتها ما يزيد على خمسمائة رجل وطفل وامرأة، في حي يقال له: حي سيدي موسى، هذه المساحة قتل المجرمون فيها الرجال والأطفال والنساء, وبقروا بطون النساء! وقطعوا رقاب ورءوس بعض النسوة والأطفال! وعلقوا الرءوس على أبواب المنازل! ثم اغتصب في هذه المذبحة ما يزيد على مائة فتاة! ثم قتلن بعد ذلك! هل يفعل ذلك مسلم؟! والله الذي لا إله غيره إنه لا يفعل ذلك مسلم على وجه الأرض يحمل ذرة إيمان! والأمر الأخطر من هذا، أين قوات الأمن؟! وأين قوات الجيش التي لا تبعد عن حي سيدي موسى أكثر من عشرين كيلو؟! وأين كانت هذه القوات لمدة خمس ساعات متواصلة يذبح فيها المجرمون ويقتلون؟! والحقيقة عن العلامة الاستفهامية الأخيرة -وهي خطيرة- هي ما نشرته مؤخراً منظمة العفو الدولية، هذا مع تحفظي على مثل هذه المنظمات، لكن أقول: إذا نطق الأعداء فالحق ما شهدت به الأعداء، مع أنهم قد احترفوا الكذب والتضليل والتلبيس، إلا أن منظمة العفو الدولية قد أصدرت أخيراً تقريراً تحت عنوان (الصمت والخوف) هذا التقرير لمنظمة العفو الدولية يتهم المليشيات الجزائرية التي تنتمي إلى الجيش الجزائري، والتي شكلها الجيش عام (١٩٩٢م) للقضاء على الجماعات الإسلامية في داخل الجزائر، وتتكون هذه الميلشيات من جماعتين: الجماعة الأولى: تسمى: (جماعة قوة الدفاع الذاتي) والجماعة الثانية: تسمى: (حراس القرى)! هذه الجماعات وهذه الميلشيات سلحتها الحكومة الجزائرية، وأمدتها بالسلاح؛ لتقليم أظافر الإسلاميين، وفي القرى التي تقام فيها هذه المذابح الآن رفض أهل هذه القرى وأهل هذه المدن هذه المليشيات، وأصبح جل هؤلاء ممن يحبون الإسلاميين، وكانوا ممن صوتوا للإسلاميين في انتخابات الجزائر التي نحي عنها المسلمون قبل ذلك! وهؤلاء رفضوا أن يتسلموا الأسلحة من الحكومة الجزائرية ليساهموا في (قوة الدفاع الذاتي) أو ليساهموا في (قوات حراس القرى)، فتتهم منظمة العفو الدولية هذه الميلشيات بأنهم هم الذين قاموا بهذه المذابح المروعة؛ لتقليم أظافر الإسلاميين، ولمن صوتوا للإسلاميين! وهم لا زالوا إلى الآن يرفضون أن يصوتوا للحكم العسكري داخل الجزائر، ويريدون للحكم الشرعي أن يسود البلاد، فالحكومة تنتقم من هؤلاء على أيدي هذه الميلشيات التي شكلت عام (٩٢م). هذا ما أدين لله به في هذه المأساة المروعة، أما أن يصدق مسلم أن مسلماً صلى لله، يخرج على نساء وأطفال وشيوخ ليذبح وليزني ويغتصب النساء! ويعلق الرقاب على أبواب المنازل! ثم يقال هذا مسلم! فحاشا وكلا، والإعلام الغربي بدأ يغير اللهجة الإخبارية، وبدأ يغير اللهجة الدعوية في الخطاب الدعوي الآن؛ إذ إن الإعلام الغربي يقول: وعادة ما يلام في مثل هذا الإسلاميون! وهذا تغيير لا شك. فالجزائريون الآن يشيرون بعلامات استفهام ضخمة جداً: من وراء هذه الأحداث في الجزائر؟! من الذي يسفك الدماء المسلمة؟! ومن الذي يقتل النساء؟! وأنا أدين لله بأن العدو الأول في الجزائر هم من نحوا الإسلاميين أول مرة. سبحان الله! حبس المسلسل يا إخوة! ووضع بدقة رهيبة محكمة في بلاد غربية تتغنى إلى الآن بالديمقراطية! فيقال لهم: أنتم تعبدون الديمقراطية وتقدسونها، والإخوة المسلمون في الجزائر وصلوا إلى دفة الحكم عن طريق هذه الديمقراطية التي تدعونها وتزعمونها! هذا مع تحفظي على مسألة الديمقراطية، ولي فيها كلام آخر، ولست بصدد الحكم عنها الآن، لكن أقول للغربيين الذين يعبدون الديمقراطية ويقدسونها: وصل الإسلاميون في الجزائر بقانون الأصوات الذي وضعتموه، وصوّت الشعب الجزائري في أغلبه للإسلام وللإسلاميين، فتدخل الغرب الذي يتغنى بالديمقراطية، والذي لا يريد للديمقراطية أبداً أن تسود على غير أرضه، فإن تمثال الحرية في نيويورك يصدم الذاهب إلى أمريكا؛ وإنما يضحكون به على بقية شعوب العالم؛ إذ إن هذه الدولة تضرب العالم وتسوق العالم كله بعصاً غليظة، ولا تريد للإسلام ولا المسلمين أن يسودوا أبداً، ولا أن يحكموا شرع الله أبداً، مع أن شرع الله فيه الأمن والأمان. وأقول: سقط في الجزائر خلال خمس سنوات فقط ما يزيد على مائة وستين ألف مسلم ومسلمة، لصالح حفنة قذرة ممن لا تريد لشرع الله أن يحكم، وممن لا تريد لشرع الله أن يسود، جلسوا على الكراسي وأزهقوا كل هذه الأرواح، يعني: بمعدل خمسين قتيلاً كل يوم في الجزائر من أجل حفنة قذرة ممن لا تريد لشرع الله أن يحكم وأن يسود! ثم بعد ذلك يلقى باللوم على من قدمهم الشعب ليحكموا الناس بشرع الله!! أسأل الله أن يرفع عن إخواننا في الجزائر الهم والكرب والغم، اللهم ارفع الهم عن إخواننا في الجزائر، اللهم فرج كربهم، اللهم سكن آلامهم، اللهم احقن دماءهم، اللهم انتقم من عدوهم في الخارج والداخل، اللهم انتقم من أعداء الجزائر في الخارج والداخل، اللهم احقن دماء المسلمين، اللهم احقن دماء المسلمين، اللهم احقن دماء المسلمين، اللهم أخرجهم من بين أعدائهم سالمين غانمين برحمتك يا أرحم الراحمين! أرجو أن ننظر إلى الأحداث بهذه الرؤية، وأنا أكلف كل من يبلغه كلامي أن يبلغ غيره؛ حتى لا يزل مؤمنٌ في اتهام أخ له يدين لله ويؤمن برسول الله، ويعلم يقيناً حرمة الدماء، كما قال الله وكما قال المصطفى رسول الله صلى الله عليه وآله ومن والاه.

стр. 570

عاقبة الظلم الموضوع الثالث وأختم به: رسالة من طبيب يكتبها بدموع الندم إلى بريد الأهرام: بتاريخ (١٥/ ٨/١٩٩٧م) كتب طبيب إلى بريد الأهرام يقول: أنا -يا سيدي! - طبيب سابق بالمستشفى الجامعي بأكبر مدن الصعيد، وأبلغ من العمر خمسة وستين عاماً، وقد ترددت طويلاً في أن أكتب إليك، ثم استجمعت إرادتي لكي أزيح عن كاهلي ما لا أطيق، فلقد نشأت في أسرة فقيرة بل ومعدمة، وكنت أستذكر دروسي في طفولتي وصباي على لمبة الجاز، وتحت عمود الكهرباء في الشارع، وأعمل في الإجازة الصيفية لتدبير نفقات الدراسة، حتى حصلت على بكالوريوس في الطب، ودرست (الماجستير) وحصلت عليه، وتزوجت، وأصبحت لي أسرة صغيرة، وبيت ملائم، واشتهرت كطبيب في مدينتي، وانهمر الرزق عليَّ، وبدلاً من أن أشعر بأحاسيس الفقراء الذين كنت منهم، وأعلم معاناتهم واحتياجاتهم فقد وجدتني أتحول في عملي تدريجياً إلى جزار أو منشار، ينشر هؤلاء البسطاء ويمتص دمهم بلا رحمة وحنان، ويحنو في نفس الوقت على الأغنياء ويتملقهم! وحين أكتب إليك رسالتي هذه الآن يتراءى لي وجه مريض بائس كان يحتاج لإجراء جراحة خطيرة، وطلبت منه قبل أن يدخل المستشفى الخاص بي أن يدفع مبلغاً معيناً، ولم يكن معه سوى نصف هذا المبلغ فقط، فجعل المريض يبكي ويستعطفني ويرجوني أن أرأف بحاله، وأن أقبل منه ما معه من المال، ولكنني أصررت على موقفي بصرامة، وطلبت منه أن يدبر المبلغ كاملاً خلال اثني عشر ساعة وإلا فلن أجري له الجراحة! فهرولت زوجته لتبيع ذهبها القليل وما عندها من ماشية، ورجعت إليَّ بالمبلغ، وبدأت في تحضير المريض للجراحة، فإذا بالمريض يموت قبل أن أجري له الجراحة بنصف ساعة فقط، فلم أفكر لحظة في أن أرد المبلغ لأهله المفجوعين والمعدمين! وإنما كنت أزعم لهم أن المريض قد مات أثناء الجراحة؛ لأستولي على المبلغ كله باعتباره أنه أجر لهذه الجراحة، حتى ولو كانت الجراحة لم تتم أصلاً! كما تتراءى لي أيضاً صورة مريض آخر لم أسمح له بدخول المستشفى الخاص بي، وتركته يدعو الله عليَّ ويرجو الله لي سوء المآل! أما وجه ذلك الطبيب الشاب -أو الذي كان شاباً وقتها- فإنه لا يتراءى لي، وإنما يطاردني بملامحه، وبآخر ما نطق به من كلمات في آخر لقاء بيني وبينه! فلقد كان هذا الطبيب الشاب يستحق التعيين في المستشفى الجامعي الذي أعمل فيه لتفوقه، لكني حرمت هذا الطبيب وحرمت زملاءه الذين يستحقون التعيين في هذا المستشفى بعد حصولهم على الماجستير بلعبة حقيرة، وعينت بدلاً منهم ابني وابن شقيقي وابنة شقيقتي! وجاءني هذا الطبيب الشاب ليقول لي بأنه سوف يرحل عن المدينة كلها؛ ليعمل بإحدى الدول العربية، لكنه يعلم علم اليقين أن الله لن يضيع حقه هدراً، وأنه لن يتركني بلا عقاب، ثم قال لي: ولسوف يجيء اليوم الذي أعض فيه على بنان الندم على ما فعلت به وبزملائه من ظلم! ثم انصرف هذا الطبيب الشاب وأنا أبتسم وأنظر إليه باستخفاف، مترفعاً عن الرد عليه في الظاهر، ومتعمداً ذلك في الباطن؛ لكي لا يضاعف هذا الطبيب من ثورته ومن حنقه عليَّ حتى لا ألقى ما يحرجني من إهانة أمام المساعدين والممرضات. ومضى الشاب إلى حال سبيله، ونسيت هذا الشاب، ونسيت زملاءه الذين أضعت عليهم فرصة التعيين بالمستشفى سنوات طويلة، ولا أعرف ماذا جرى لهم من خلالها. يقول: ولعلك الآن تتساءل: لماذا أروي لك هذه الواقعة وغيرها من الوقائع التي قد تسيء إلي وإلى أبنائي وأقربائي إذا تعرفوا على شخصيتي من خلال هذه الرسالة؟ وأجيبك على التساؤل: بأنني لم أعد أهتم بأحد من هؤلاء جميعاً بعد أن تركوني وتخلوا عني! أما لماذا تخلوا عني يا سيدي؟! ولماذا انشغلوا بأنفسهم؟ فلأنني قد مرضت -ويا للعجب! - منذ ثلاث سنوات، مرضت بالمرض اللعين الذي تخصصت في علاج المرضى منه! ومنذ ثلاث سنوات وأنا أسافر للعلاج في الخارج كل سنة، واستهلك معظم ما جمعت من مال خلال سنوات عمري الطويلة، ولو واصلت السفر للعلاج على هذا النحو فلن يمضي أكثر من عام وأصبح بعد ذلك على الحديدة بلا مدخرات ولا مال ولا شيء سوى معاشي كطبيب، وذلك بعد أن تخلى عني أولادي! وبعد أن تخلى عني أبناء إخوتي الذين وضعتهم في مراكزهم وثبتهم فيها. إنني أكتب إليك هذه الرسالة لأقول لكل من تسول له نفسه أن يظلم غيره: إن الله يمهل ولا يهمل، وإن عقابه شديد، كما أكتبها لك أملاً ورجاءً ودعاءً إلى الله أن يعفو عني، وأن يشفيني، وأن يغفر لي، وأملاً ورجاءً أيضاً لكل من ظلمتهم خلال رحلة الحياة أن يسامحوني فيما فعلت بهم؛ لكي يسامحني الله ، كما أرجو أن تصل رسالتي هذه عبر بابك إلى أبنائي، لكي يساعدوني ويرعوني في مرضي، وعذراً لأنني لم أكتب لك اسمي؛ لأني لم أستطع ذلك، مع أنني لا أعرف كيف استطعت أن أكتب لك هذه الرسالة! لكني أظن أن الله سيكتب لي بعد اعترافي بكل ما فعلت الشفاء، وسيجعل لي مخرجاً من ضيق ذات اليد، وبارك الله فيك وفي أمثالك، والسلام. وهذه الرسالة لا تحتاج إلى تعليق! أسأل الله أن يشفي هذا الرجل، ونحن لا نعرفه، ولكن الله يعرفه، نسأل الله أن يتقبل منه ندمه وتوبته.

стр. 571

أعظم شروط التوبة هو الندم وأقول: قال الإمام ابن القيم ﵀: الندم هو ركن التوبة الأعظم، وأبشرك أيها الطبيب! أن الله ما دام قد وفقك وألهمك إلى أن تذكر فضله عليك، وإلى أن تعترف له بتقصيرك وفقرك وعجزك قبل أن تغرغر فأبشر، لعل الله أن يختم لك بخاتمة الخير، فإن الله يقبل التوبة من عبده ما لم يغرغر. وأود أن أذكر نفسي وإخواني جميعاً بأن كفران النعمة سبب لزوالها، فيا من أنعم الله عليك بنعمة! اعلم بأن الله يمهل ولا يهمل، فاعترف بفضل الله، واعلم بأن الشكر مأمور به، كما قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً﴾ [سبأ:١٣]، والشكر يدور على اللسان والجنان، القلب والأركان، ففي الصحيحين (أن النبي قام حتى تورمت قدماه، فقيل له: أولم يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فقال ﷺ : أفلا أكون عبداً شكوراً؟!). فالشكر يقتضي منا أن نحمد الله باللسان، وأن نشكر الله بالجنان، وأن نشكر الله بالجوارح والأركان. يا من منَّ الله عليه بنعمة العين! إياك أن تستخدمها في معصية الله، يا من منَّ الله عليك بنعمة الصحة! استخدم العافية في طاعة الله . والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 572

ردة ولا أبا بكر لها الصراع بين الحق والباطل مستمر إلى قيام الساعة، والحرب بينهما سجال، وفي زماننا هذا تنوعت ألوان الصراع وتعددت، ومن أعتاها وأشدها: الغزو الفكري، وزعزعة الثوابت؛ فإن أعداءنا قد استفرغوا جهدهم، واستنفروا جميع طاقاتهم لغزو المسلمين فكرياً، وزعزعة ثوابتهم، وقد استخدموا في هذا الغزو أناساً من بني جلدتنا، يتكلمون بألسنتنا، فرسموا الخطط، واعتمدوا التدرج والتستر وراء الشعارات البراقة التي ينفذون من ورائها ما يريدون.

стр. 573

ظلام فكري وكفري دامس بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: (ردة ولا أبا بكر لها) هذا هو عنوان لقائنا مع حضراتكم، وسوف أركز الحديث مع حضراتكم في هذا الموضوع الكبير في العناصر المحددة التالية: أولاً: ظلام فكري وكفري دامس. ثانياً: ما السبيل؟ وأخيراً: لا تيئسوا من روح الله. فأعيروني القلوب والأسماع، والله أسأل أن يقر أعيننا بالتمكين لعقيدة التوحيد والموحدين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أولاً: ظلام فكري وكفري دامس: أيها المسلمون! ما زال الإسلام العظيم منذ أن بزغ فجره، واستفاض نوره إلى يومنا هذا؛ مستهدفاً من قبل أعدائه، أعداء الطهر والفضيلة والشرف، الذين كرهوا هذا الدين العظيم. لكن عقيدة التوحيد بالأمس القريب كان إذا مس جانبها وتطاول عليها قزم أو صنم حقير سمعت هذه العقيدة المشرقة أبا بكر يتوعد، وسمعت الفاروق يزمجر، وسمعت خالد بن الوليد يصرخ، ورأت الصادقين من الرجال الأطهار الأبرار يبذلون من أجل نصرتها الغالي والنفيس، بل والدماء والمهج والأرواح. يوم أن خرجت فتنة الردة بعد موت المصطفى ﷺ قام الصديق المبارك الذي تحولت بين يديه هذه المحنة إلى منحة، يوم أن أعلنها صريحة مدوية: (والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة)، وشرح الله صدر أبي بكر ﵁، وصدر عمر، وصدر الصحابة رضوان الله عليهم لقتال هؤلاء المرتدين الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة. لكننا نشهد اليوم ردة من نوع خبيث جديد، لكن أين الصديق؟! إنها ردة خبيثة ولا أبا بكر لها، إننا نشهد الآن حرباً على هذه العقيدة الطاهرة، لكنها حرب من نوع خبيث جديد، إنها حرب فكرية حرب ثقافية حرب عقدية.

стр. 574

المخطط الإلحادي لزعزعة الثوابت وهدم الدين إن المجرمين يعلمون الآن أن أخطر وسائل محاربة هذه العقيدة هي الحرب الفكرية، فهم يشنون الآن حرباً هوجاء، لا على الفرعيات والجزئيات، بل على الثوابت والأصول والأركان والكليات، لا تظنوا أن كتاباً واحداً -كما أشير في بعض الجرائد والمجلات- هو الذي تطاول على عقيدة التوحيد، وعلى القرآن، وعلى ذات الرحيم الرحمن، كلا، بل هي كتب، بل هو مخطط مدروس خبيث. نعم أيها المسلمون! ليس كتاباً واحداً، ولكنها كتب تمثل منهجاً مدروساً ومخططاً خبيثاً، وأستطيع في نقاط محددة جداً أن أبين لحضراتكم: الخطوات الخبيثة، والمراحل الخطيرة لهذا المنهج المدروس، ولهذا المخطط الخبيث، ولهذه الردة الجديدة.

стр. 575

تمجيد العقل وإعلان الحرب على النص أولاً: بدءوا هذا المخطط الخبيث بإعلان الحرب على النص، مع التمجيد المستمر والمتعمد للعقل؛ حتى جعلوا العقل إلهاً يعبد من دون الله جل وعلا؛ ليسقطوا بالعقلانية المزعومة قدسية النصوص، ولو كانت النصوص ثابتة في القرآن وسنة النبي ﵊، بل أعلنوا ذلك صراحة فقالوا: لابد من إلغاء القاعدة المتفق عليها والتي تقول: (لا اجتهاد مع النص)؛ لأن هذه القاعدة تشكل حجراً على العقل البشري، الذي أبدع في عصر الألفية الثالثة، أو في أواخر القرن المنصرم، لقد أبدع العقل إبداعاً: فجّر الذرة، وغاص في أعماق البحار، وانطلق في أجواء الفضاء، وحول العالم كله إلى قرية صغيرة، عن طريق هذا التكتيك العلمي المذهل في عالم الاتصالات والمواصلات. فهذا العقل لا ينبغي أن يقال له: لا اجتهاد مع النص، بل يجب على هذا العقل المبدع أن يجتهد مع النص ولو كان النص ثابتاً في القرآن، أو في سنة النبي ﵊، فترى عقلاً مريضاً خبيثاً تعرض أمامه النصوص القرآنية والنبوية، فيضع بالقلم الأحمر علامات على هذا النص، ويضع بالقلم الأسود علامات خبيثة على نص آخر، وهكذا!! ويصير دين الله ويصير النص القرآني والنبوي ألعوبة بين عقول مهازيل البشر، فترى من يحكم على نص ثابت في القرآن ويقول: لا ينبغي أن يفهم إلا بالكيفية الفلانية، وذلك من خلال النظرية العلمية الحديثة المعاصرة، وترى عقلاً عفناً آخر ينكر السنة -كما نرى ونسمع كل يوم- ويلغي الأحاديث الصحيحة الثابتة في أصح الكتب بعد القرآن، بدعوى أن هذه الأحاديث تصطدم مع العقل اصطداماً مباشراً، وتصطدم مع العلم الحديث والنظريات العلمية المعاصرة. وأنا أقول: لا ينبغي أن يفهم العلمانيون المجرمون أننا نريد أن نسقط مكانة العقل، كلا، بل إن نور الوحي لا يطمس نور العقل أبداً، بل يبارك نورُ الوحي نورَ العقل، ويزكي الوحي العقل ويحتفي به أيما احتفاء، ويلفت القرآن الأنظار إلى مكانة العقل والتعقل والتدبر في آيات كثيرة: ﴿أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ [يس:٦٨]، ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ﴾ [النساء:٨٢]، ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا﴾ [النمل:٦٩]، آيات وآيات وآيات: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠]، لكن ليس معنى ذلك أن يصبح العقل حاكماً على النص القرآني والنبوي، ائتوني بعقل يتعرف على ذات الله ﷻ ، وعلى أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وعلى أركان ديننا وأصول إسلامنا، دون أن يرجع إلى النقل أي: إلى النص القرآني والنبوي. ورحم الله ابن القيم إذ يقول: لا يستقل العقل دون هداية بالوحي تأصيلاً ولا تفصيلاً كالطرف دون النور ليس بمدرك حتى يراه بكرة وأصيلاً نور النبوة مثل نور الشمس للـ عين البصيرة فاتخذه دليلاً فإذا النبوة لم ينلك ضياؤها فالعقل لا يهديك قط سبيلاً طرق الهدى محدودة إلا على من أم هذا الوحي والتنزيلاً فإذا عدلت عن الطريق تعمداً فاعلم بأنك ما أردت وصولاً يا طالباً درك الهدى بالعقل دو ن النقل لن تلقى لذاك دليلاً صار العقل إلهاً يعبد من دون الله مع التحقير من شأن النص، ولو كان ثابتاً في القرآن وفي سنة النبي محمد ﵊، ثم تجاوزوا المرحلة الأولى من مراحل هذا المخطط الخبيث، ومن مراحل هذا الظلام الفكري والكفري الدامي إلى المرحلة الثانية ألا وهي:

стр. 576

التشكيك في نقلة النصوص التشكيك فيمن نقل إلينا النص، وهم الصحابة رضوان الله عليهم، يضخمون العقل لإلغاء النص، ثم يشككون في حملة النص ونقلة النص، فأعلنوا الحرب الهوجاء على الصحابة الأبرار الأطهار الأخيار. فخرج علينا ساقط وضيع، وشيخ من شيوخ الضلال، ليقول في كتاب من كتبه الخبيثة، ولا حاجة إلى ذكر أسماء هذه الكتب على هذا المنبر الطاهر، حتى لا أروج لهذه الكتب الخبيثة بين هذه الألوف المؤلفة من المسلمين، فليس من الحكمة البتة أن أذكر أسماء هذه الكتب، ولا أسماء هؤلاء الساقطين الذين ألفوها وسطروها؛ لأننا بذلك نرفع من قدرهم، ولا أريد في الوقت ذاته أن أروج لهذه الكتب، وقد لا يطلع أو لم يطلع عليها إلا القلة القليلة. يقول شيخ من هؤلاء الشيوخ الضلال: إن الصحابة كانوا يمثلون مجتمعاً متحللاً مشغولاً بالرذائل والهوس الجنسي، ولم تكن التجاوزات مقصورة على مشاهير الصحابة بل تعدتهم إلى صحابيات معروفات! ثم يقول الخبيث: ولما كان التقاء الذكر بالأنثى والأنثى بالذكر طقساً يومياً من الطقوس الاجتماعية المعتادة في مجتمع يثرب، فقد اضطر محمد رفعاً للحرج أن يبيح لأصحابه أن يمروا في المسجد وهم جنب. ويقول خبيث آخر: لما أرسل علي رضوان الله عليه ابنته أم كلثوم إلى عمر بن الخطاب ﵁ ليخطبها أسرع إليها عمر ليكشف الثوب عن ساقيها ليعاين جودة البضاعة! خبيث مجرم! أتحداه وأتحدى أشكاله وأمثاله أن يتطاولوا على قسيس أو على مسئول أو على حاقد، لكنهم يتطاولون على القمم! على أصحاب النبي الأطهار! وأكتفي لأشفي ما في قلبي وفي قلوب المسلمين بقولة للإمام مالك، إمام دار الهجرة إذ يقول: إذا وجدت الرجل يحمل في قلبه غيظاً على أحد من أصحاب النبي ﷺ فقد أصابه قول الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩]. وقال الحافظ أبو زرعة رحمه الله تعالى: هؤلاء يريدون أن يهدموا الصحابة ليبطلوا القرآن والسنة؛ وذلك أن الله حق، والقرآن حق، والرسول حق، والذي نقل إلينا كل ذلك هم الصحابة، فهؤلاء يريدون أن يهدموا الصحابة ليبطلوا القرآن والسنة. وهأنتم ترون بعد حربهم على الصحابة يعلنون الحرب على العلماء وعلى الدعاة؛ لأنهم يمثلون ميراث الأنبياء، ويحملون ميراث أصحاب النبي ﷺ ، فيسبون العلماء والدعاة علناً، ويسبون الصحابة رضوان الله عليهم علناً دون أدنى خجل أو وجل، والله تعالى يزكي الصحابة ويقول: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١٠٠]. وقال المصطفى ﷺ كما في الصحيحين من حديث أبي سعيد: (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفس محمد بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه). ثم تجاوزوا هذه المرحلة الثانية من مراحل هذا المنهج المدروس والمخطط الخبيث، إلى المرحلة الثالثة ألا وهي:

стр. 577

التشكيك والطعن المباشر في السنة مرحلة التشكيك والطعن في سنة النبي ﷺ ، شككوا في السنة بدعوى أن فيها الضعيف والموضوع، وبدعوى أن السنة تحوي من الأحاديث ما يصطدم اصطداماً مباشراً مع النظريات العلمية المعاصرة الحديثة، فشككوا في السنة، وطعنوا في الأحاديث الثابتة الصحيحة في أصح الكتب بعد كتاب الله، في صحيح البخاري وفي صحيح مسلم، وزعموا أن القرآن وحده يكفي، وهم يريدون بذلك الانتقال إلى المرحلة التي تلي هذه المرحلة، وهي مرحلة إسقاط القرآن؛ لأن القرآن لا يمكن أن يفهم بعيداً عن سنة سيد الرجال ﷺ . ورحم الله الإمام الأوزاعي العَلَم إذ يقول: القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن، قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧]، وقال جل وعلا: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، وقال جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦]، وقال الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥١ - ٥٢]. وقال المصطفى ﷺ كما في الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي بسند صحيح من حديث المقدام بن معد يكرب: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان متكأ على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة المعاهد)، وفي لفظ: (فإنما حرم رسول الله كما حرم الله ، فرسول الله مشرع: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:١] قال ابن عباس: أي: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة. قال القرطبي: أي: لا تقدموا قولاً على قول الله، أو على قول وفعل رسول الله ﷺ ، فإن من قدم قوله أو فعله على قول الله أو على قول وفعل رسول الله ﷺ فإنما قدمه على الله؛ لأن الرسول لا يأمر إلا بما أمر به الله . قال الشنقيطي: ويدخل في الآية الكريمة دخولاً أولياً تشريع ما لم يأذن به الله، فلا حلال إلا ما أحله الله ورسوله، ولا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، ولا دين إلا ما شرعه الله على لسان رسوله ﷺ . ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب:٥٧]. ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦]) قد كفرتم أيها المجرمون! أيها المرتدون! يا من ملأتم أقلامكم بمداد نجس قذر عفن، وأعلنتم الحرب على ثوابت الإسلام، وعلى أركان وأصول الدين. أعلنوا الحرب على السنة، وأنكروا حجية السنة، وطعنوا وشككوا في السنة، ثم انتقلوا إلى الخطوة الرابعة ألا وهي:

стр. 578

الطعن في القرآن مرحلة الطعن في القرآن! نعم في القرآن! وقد قرأتم ذلك في الأسبوع الماضي في كتاب واحد فقط، وقد صرحت وأعلنت ذلك من قبل عدة أشهر على منبر مسجدي، وليس هوكتاباً واحداً، ولكنه مخطط في كل أنحاء العالم الغربي والعربي للنيل من هذا الدين، والطعن في عقيدة التوحيد والموحدين، يصف هذا الكتاب القرآن بأبشع الألفاظ! بلفظ يعف اللسان عن ذكره! والمخطط منظم ودقيق، والكتاب الذي نشر لكاتب سوري خبيث ينسف عقيدة القرآن من أول الفاتحة إلى سورة الناس في عدة أسطر من كتابه الخبيث! ولولا أن الله نقل إلينا كلام الكفار في القرآن، ولا زلنا نقرأ كلمات المشركين في القرآن في حق رب العالمين؛ ما تجرأت أن أنقل مثل هذا الكلام! فأنتم لا زلتم إلى هذه اللحظة تقرءون قول الله تعالى حكاية عن اليهود الملعونين: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤]، ولا زلتم تقرءون قولتهم الخبيثة وهم يصفون الله بالفقر وقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١]، إلى آخر هذه الكلمات، ولولا أن رب العزة قد سطر لنا ذلك في قرآنه، وقد نقل إلينا في قرآنه مثل هذه الكلمات، ما ذكرت مثل هذا. يقول هذا الخبيث في حق القرآن: ما زال الخطاب الديني يتمسك بوجود القرآن في اللوح المحفوظ، اعتماداً على فهم حرفي للنص! وما زال يتمسك بوجود الإله على عرشه وكرسيه وصولجانه ومملكته وبين جنوده من الملائكة! وما زال يتمسك بالحرفية ذاتها بوجود الملائكة والجن والشياطين والسجلات التي تدون فيها أعمال العباد! والأخطر من ذلك إنه ما زال يتمسك بصور الثواب والعقاب كعذاب القبر ونعيمه والمرور على الصراط ومشاهد القيامة والجنة والنار، إلى آخر ذلك من تصورات أسطورية! هل تدبرتم؟! هل سمعتم مثل هذه الكلمات؟! ينسف القرآن كله من الفاتحة إلى الناس. ويقول رائد خبيث من رواد هذا الجيل المضلل: وجود إبراهيم وإسماعيل أمر مشكوك فيه! ولو ذكر في التوراة والإنجيل والقرآن فلسنا ملزمين بتصديق أي من هذه الكتب! كفر صريح واضح، هم يطعنون في القرآن ذاته، بل يطعنون في ذات الله ﷻ ، فإن المرحلة الخامسة من مراحل هذا المخطط الخبيث هي:

стр. 579

الطعن في ذات الله ﷻ مرحلة الطعن في ذات الله ﷻ ، هذا الكتاب الذي قرأتم عنه في الأسبوع الماضي يصف الخبيث رب العزة بالفنان الفاشل! وهذا صنم آخر من سوريا يقول في ديوان خبيث من دواوينه الشعرية، وسأترجم وأبين لحضراتكم أن المخطط مدروس وعلى مستوى الأمة، لا في مصر فحسب، بل على مستوى الأمة، يقول هذا السوري الخبيث: لا أختار الله ولا أختار الشيطان، كلاهما جدار يغلق لي عيني، فهل أبدل الجدار بالجدار؟! سبحان العزيز الغفار! ويقول هذا الصنم الخبيث المجرم: الله في التصور الإسلامي التقليدي: نقطة ثابتة متعالية منفصلة عن الإنسان، لكن التصوف على مذهب الحلاج قد ذوب ثبات الألوهية! وبهذا المعنى يكون قد قتل الله! وأعطى للإنسان طاقاته! ويقول هذا الصنم أيضاً: يا أرضنا! -يخاطب الأرض- يا زوجة الإله والطغاة! ويمعن في كفره فيقول: نمضي ولا نصغي لذلك الإله، فلقد تقنا لرب جديد سواه! تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وهذا حقير آخر من العراق -لتعلموا خطر المخطط- يقول: الله في مدينتي يبيعه اليهود، الله في مدينتي شريد طريد. وهذا صنم آخر من فلسطين يقول لعشيقته: نامي فعين الله نائمة عنا وأسراب الشحارير. وهذا صنم آخر من فلسطين الذبيحة يقول: وآخر ديك صاح قد ذبحناه لم يبق سوى الله، يعدو كغزال أخضر، تطارده كل كلاب الصيف، سنطارده سنصيد له الله! وهذا صنم آخر من اليمن يقول: صار الله رماداً، صمتاً، رعباً، في كف الجلادين، صار الله حقلاً ينبت مسابح وعمائم! لا إله إلا الله، جل جلال ربنا، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] سبحانه أحد في ذاته، أحد في أسمائه، أحد في صفاته، أحد في أفعاله، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] استوى كما أخبر، وعلى الوجه الذي أراد، وبالمعنى الذي قال، استواء منزهاً عن الحلول والانتقال، فلا العرش يحمله، ولا الكرسي يسنده، بل العرش وحملته، والكرسي وعظمته، الكل محمول بقدرته، مقهور بجلال قبضته، لا إله إلا الله، نقر له بكل جلال، نقر له بكل كمال، نقر له بكل جمال، نقر له بكل عظمة، ننزه الله عن النقص، ننزه الله عن كلام الكافرين، ننزه الله عن كلام المجرمين، إن لم يحترق قلبك الآن فمتى سيحترق؟! إن لم يحترق قلبك عن الذات الإلهية فمتى سيحترق؟! إن لم تحترق قلوبنا وربنا يسب علناً فمتى ستحترق قلوبنا؟! أخبروني هل ماتت القلوب ونحن لا ندري؟! الله ﷻ اسم لصاحبه كل جمال، اسم لصاحبه كل جلال، اسم لصاحبه كل كمال، تنزه على النقص وعن الشبيه وعن المثال، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. جاء حبر من أحبار اليهود -والحديث في صحيح مسلم - إلى النبي ﷺ ليقول له: (يا محمد! إنا نجد عندنا مكتوباً في التوراة: أن الله يجعل السموات على إصبع، والأراضين على إصبع، والماء والثرى على إصبع، والشجر على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، ثم يهزهن ويقول: أنا الملك، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه، وقرأ قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]). لو كان الذي يتطاول على الذات الإلهية كافراً ظاهراً لهان الخطب، فهذا منهج الكفار، وهذه عقيدة الفجار، لكن الذي يدمي القلب أن الذي يعلن الحرب الآن على الذات الإلهية هو في عرف العوام من المسلمين! (إنهم رجال من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا) (محمد ومحمود وأحمد وحامد وطه)، رجال من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، وقد رفعوا على الأعناق، ورفعوا فوق الرءوس، وأحيطوا بهالة من الدعاية الكاذبة؛ لتغطي كفرهم وانحرافهم، ولتستر هذه الهالة جهلهم، ولتنفخ الدعاية الكاذبة في هؤلاء المجرمين؛ ليكونوا أمام الناس شيئاً مذكوراً، ليكونوا كالطبل الأجوف، يسمع من بعيد صوته، وهو من الخيرات خال، وهذا في الوقت الذي تشن فيه الحرب على الأطهار على العلماء وعلى الدعاة وعلى شيوخ الحق والسنة والهدى، تشن الحرب عليهم بصورة هوجاء، بصورة مزرية، إنها حرب إسقاط رموز هذه الأمة، لماذا نتحالف مع الشيطان؟ والله ما سب إبليس رب العزة بل قال كما قال الكبير المتعال حكاية عن إبليس الملعون الرجيم: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر:١٦]، وتدبر معي قول رب العالمين حكاية عن إبليس اللعين: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم:٢٢]. ما سب إبليس رب العالمين، كلا ورب الكعبة، فهؤلاء ألعن من إبليس، هؤلاء الأبالسة الذي يتعلم اليوم منهم إبليس اللعين، هم ألعن منه، وأخبث منه، وأخطر منه، فهم يسبون الله علناً، وهم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا: (طه محمد حامد محمود عبد الوهاب) أسماء من ذكرت كلامهم أسماء رجال ينسبون إلى الأمة وإلى الإسلام! والإسلام منهم بريء براءة الذئب من دم ابن يعقوب. يقول الصادق المصدوق ﷺ كما في الحديث الذي رواه أحمد والحاكم بسند صحيح من حديث أبي هريرة: (سيأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل: من الرويبضة؟ قال: السفيه يتكلم في أمر العامة) وفي الحديث الآخر: (هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا)، وفي لفظ مسلم: (رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس).

стр. 580

السبيل والحل لإيقاف المرتدين عند حدهم

стр. 581

إقامة حد الردة على المرتدين والسؤال المر: ما السبيل؟ وهذا هو عنصرنا الثاني. النقطة الأولى: إقامة حد الردة على هؤلاء المرتدين، لكن نسأل الله أن يرزقنا مثل أبي بكر فمن لهذه الردة؟ الأمة الآن في حاجة إلى الصديق وإلى عمر وإلى خالد وإلى سعد وإلى طلحة وإلى عبد الرحمن، الأمة الآن في حاجة إلى الأطهار الأبرار الذين كانوا يبذلون المهج والأرواح والدماء؛ لنصرة عقيدة رب الأرض والسماء. والله الذي لا إله إلا غيره لو طبق حد الردة على مرتد من هؤلاء ما رأيت مثل هذا الهراء، فأنا أدين لله بأن القوانين الوضعية العمياء كانت أخطر أسباب انتشار الردة في هذا الزمان، فالقانون الوضعي يعاقب بأشد العقوبات من وقع في الخيانة العظمى التي هي خيانة الوطن، ونحن لا ننكر أن من خان الوطن يجب أن يقام عليه حد الحرابة، ويرى فيه ولي الأمر المسلم ما يرى، لكن هذا القانون الوضعي الأعمى لا يعاقب من وقع في الخيانة الأعظم -وليست العظمى- ألا وهي خيانة الله ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧]، لا يعاقب القانون الوضعي الأعمى من خان الله ورسوله وارتد عن الإسلام، فيأتي العلمانيون ويقولون: هو حر، وله أن يختار من العقائد ما يريد، يكون مسلماً لمدة يومين ثم يكفر لمدة يومين، كما يريد! ويحتج علينا العلمانيون بقوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦]، نحن لا ننكر آية من آيات رب العالمين، ولا كلمة من كلام سيد النبيين، لكن (لا إكراه في الدين) بعد أن نبين حجة الله ودين الله لغير المسلمين على وجه الأرض، دون أن يحول أحد بيننا وبين دعوة الناس لدين الله، فإن عرضنا الإسلام عرضاً بيناً واضحاً على غير المسلمين، واستمع منا غير المسلمين، وأبوا أن يدخلوا في الإسلام حينئذ نقول: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦]، ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]، لكننا الآن أمام رجل مسلم دخل الإسلام طواعية واختياراً، ثم ارتد عن الإسلام علانية، هذا يزلزل قواعد المجتمع المسلم من أركانها، وهذا إن لم تأخذ الشريعة على يده دبت الفوضى في المسلمين، وتزلزلت القلوب المريضة من المنافقين الذين لا يخلو منهم زمان ولا مكان؛ لذا قال النبي ﵊ كما في الصحيحين: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد ألا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة)، وفي لفظ البخاري من حديث ابن عباس: (قال ﷺ : من بدل دينه فاقتلوه)، فأنت أمام مسلم دخل الإسلام وارتد عنه، فهذا ينبغي أن يستتاب وإلا فعلى ولي الأمر المسلم أن يقيم عليه حد الردة بعد الاستتابة، فيقتله ويخلص المجتمع الإسلامي من شروره الخبيثة.

стр. 582

العلم والإيمان حصن حصين من الفتن قد يقول قائل: ما هو واجبنا تجاه هذه الحرب، وماذا نفعل؟ يجب عليك ابتداء -أيها المسلم وأيتها المسلمة- أمام هذه الحرب المسعورة المعلنة على الإسلام بثوابته: أن تحصن نفسك بالإيمان والعلم الشرعي الصحيح، حصن نفسك بالإيمان، فالإيمان الآن كسفينة نوح وسط هذه الأمواج المتلاطمة، إن لم تركب هذه السفينة ستغرق وستهلك، ابحث عن العلماء الربانيين، مهما روجوا في وسائل الإعلام وفرقوا بين العلماء الرسميين والعلماء غير الرسميين، لو كان لا ينبغي لأي أحد أن يتكلم في دين الله إلا إذا حصل على ورقة رسمية فسنحكم الآن بأن الإمام أحمد والشافعي ومالك وأبا حنيفة وابن القيم وابن تيمية، بل والصحابة بأنهم لم يكونوا مؤهلين للدعوة، فالدعوة إلى الله : قال الله قال رسوله بالدليل الصحيح، أنت أخذت تصريحاً واضحاً أن تتحرك لدين الله من شريعة رسول الله، إن كنت فاهماً لأدلة القرآن، وأدلة النبي ﵊، ولست في حاجة إلى أن يقال لك: تحرك أو لا تتحرك، بل يجب عليك أن تحصن نفسك بالإيمان الصحيح وبالعلم الشرعي الصحيح. ثم الخطوة الثالثة: يجب عليك أن تتحرك بهذا العلم الصحيح للأمر بالمعروف بمعروف والنهي عن المنكر بغير منكر، تحرك للدعوة لدين الله ﵎، فكما تحرك أهل الكفر لكفرهم، وأهل الباطل لباطلهم؛ وجب على أهل الحق أن يتحركوا لحقهم، أقسم بالله الذي لا إله غيره! ما انتشر الباطل وأهله، إلا يوم أن تخلى عن الحق أهله. حصن نفسك بالإيمان والعلم الشرعي على قدر استطاعتك، أنت طبيب، أو مهندس، أو مسئول، أو موظف، وأنتِ زوجة في البيت؛ فلنتحرك جميعاً على قدر استطاعتنا، ونعبر عن غيرتنا لله، عبر عن غيرتك لذات الله ولقرآن الله، مر بالمعروف بمعروف، وانه عن المنكر بغير منكر، وبغير انفعال يخرج بك عن ضوابط الشرع. من منا لا يقدر -بعد هذا الهم- أن يكتب مائة رسالة، هذه الألوف المؤلفة التي تحضر معي الآن لو كتب كل فرد فينا عشر رسائل -حتى لا أكون مبالغاً أو شاقاً على الأحباب- وأرسل إلى المسئولين بكلمات مهذبة جميلة، يعبر من خلالها عن غضبه لدينه لعقيدته لقرآن ربه لذات الله ﷻ ، أرسل إلى المسئولين إلى رئيس الجمهورية إلى رئيس الوزراء إلى وزير الأوقاف إلى شيخ الأزهر إلى المفتي إلى وزارة الأوقاف إلى كل المسئولين، وإن كان هنا مسئول يسمعني الآن فأقول له: هذا دينك، هذا قرآنك، هذا ربك ﷻ ، فإن لم تتحرك الآن فمتى ستتحرك؟! ينبغي أن يعي المسئولون أن هذه الأمة لا زالت قلوبها تنبض بتوحيد الله، يجب أن يعلم المسئولون أن هذه الأمة لا زالت تقدم أرواحها ودماءها فداء لدين ربها، وقرآن ربها، ولنبيها ﷺ ، وهي وراء العلماء الربانيين، ووراء الدعاة الصادقين الذين يقولون: قال رب العالمين، قال سيد النبيين، هذا دورك أنت، لا عذر لك -ورب الكعبة- إن لم تفعل، وهذا أضعف الإيمان. إن مثل هذا المشهد الذي يتمثل بكثرة من حضور الناس في المساجد يدل على أن الأمة تعشق الإسلام، وتموت من أجل التوحيد، وتبذل الوقت والمال من أجل أن تستمع إلى الدعاة وإلى العلماء الربانيين، الذين يقولون: قال الله، قال رسوله؛ ولذلك فلابد أن نجيش طاقات الأمة، وقدرات الأمة، وإمكانات الأمة، وقوة الأمة؛ لنري أعداءنا في الخارج والداخل: أن الأمة لا زالت قلوبها تنبض بحب الإسلام، وبحب التوحيد، وبحب القرآن، وبحب النبي محمد ﵊. ومع كل هذا فأقول لكم: إنها زوبعة في فنجان، كل ما سمعتموه، وكل الحرب المعلنة على ثوابت الإسلام، شأنها كشأن ذبابة حقيرة تافهة سقطت على نخلة عملاقة، ولما أرادت الذبابة الحقيرة أن تطير وتنصرف قالت للنخلة العملاقة: تماسكي أيتها النخلة! لأني راحلة عنك، فردت عليها نخلة التمر العملاقة وقالت: انصرفي أيتها الذبابة الحقيرة! فهل شعرت بك حينما سقطت علي لأستعد لك وأنت راحلة عني! أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 583

لا تيئسوا من روح الله الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! لا تيئسوا من روح الله، أين الصليبيون الحاقدون الذين قاموا بالهجمات والغزوات الصليبية الحاقدة على الإسلام؟! وأين التتار؟! وأين القرامطة؟! وأين المرتدون؟! وأين الإنجليز؟! وأين الفرنسيون؟! وأين؟ وأين؟ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]، هل تصدقون رب العالمين؟! هذا كلام ربنا: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣]، وقال جل وعلا: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]، فمهما انتفخ الباطل وانتفش فإنه زاهق، ومهما انزوى الحق وضعف فإنه ظاهر، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف:٨ - ٩]. وقال جل وعلا: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف:١١٠]، وقال جل وعلا: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم:٤٢]، وقال جل وعلا: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴾ [إبراهيم:٤٧]. وقال ﷺ كما في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والطبراني من حديث تميم الداري: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار)، والله إننا نصدق ربنا ونبينا مع شراسة الحرب وضراوتها (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر). أيها المسلمون! إننا على يقين جازم -مع علمنا بالواقع جيداً- أن الجولة المقبلة للإسلام ولدين النبي ﵊، لموعود الله ولموعود رسول الله ﷺ ، فلا أقول هذا من باب الرجم بالغيب، ولا من باب الأحلام الوردية للآلام التي نحملها، ولا من باب ضغط الواقع، فإن من أعظم الأدلة على أرض الواقع: أن النهضة الفكرية الحديثة قد انقلبت إلى ظلام فكري دامس، وأن رواد جيل النهضة يرقصون الآن رقصة الموت، كان رواد جيل النهضة يتصورون أن كتاباتهم ومؤلفاتهم وأقلامهم ستربي وستخرج جيلاً لا يعرف الله! وقد جاء صحفي علماني إلى هذا المسجد، فلما رأى هذا المشهد من جموع المصلين؛ هاله الموقف إذ إنه كان يظن أن الإسلام قد انتهى.

стр. 584

فشل المشروع الإلحادي في زعزعة ثوابت الأمة مشروع النهضة الحديث فشل فشلاً ذريعاً؛ لأنهم رأوا في هذه الصحوة الكريمة شباباً في ريعان الصبا، ورأوا فتيات في عمر الورود، ورأوا كوكبة مباركة تعلن الحرب على مشروع نهضتهم المزور الفاسد، بل وتصدى علماء ودعاة الصحوة إلى هذا المشروع، وبينوا زيفه، وأسقطوا ورقة التوت ونسيج العنكبوت الذي طالما اختفى بها وفيها هؤلاء المثقفون المزعومون، فهم يرقصون الآن رقصة الموت، حينما يرون صحوتكم المباركة الراشدة، حينما يرون هذه الكوكبة الكريمة تعود من جديد إلى الله، وتقول قولة السابقين الصادقين الأولين: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥] حينما رأوا هذا الشباب قد ولى ظهره لواشنطن وبنكوك ومدريد وباريس وتل أبيب، ووجه وجهه من جديد إلى القبلة التي ارتضاها الله للمصطفى ﷺ ، إنهم يرقصون -ورب الكعبة- رقصة الموت؛ فحصنوا أنفسكم بالإيمان والعلم الشرعي، وتحركوا للأمر بالمعروف بمعروف، والنهي عن المنكر بغير منكر، وتحركوا للدعوة إلى هذا الدين الذي من أجله خلق الله السموات والأرض والجنة والنار، تحركوا للحق كما تحرك أهل الكفر وأهل الباطل لكفرهم وباطلهم، ونحن على أمل بموعود الله، وبموعود الصادق رسول الله ﷺ في أن الجولة المقبلة لدين الله ولشرع المصطفى رسول الله ﷺ . اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين. ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، واصرف غضبك ومقتك عنا، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا. اللهم إنا نقر لك -جميعاً- بالعظمة والكمال والجلال، اللهم إنا نقر لك -جميعاً- بالعظمة والكمال والجلال، فلا تؤاخذنا بما فعل السفهاء يا كبير يا متعال! اللهم انصر الإسلام والموحدين، اللهم انصر الإسلام والمسلمين، ومكن للتوحيد والموحدين، وانصر المجاهدين الشيشانين والفلسطينيين والفلبينيين، وفي كل مكان يا أرحم الراحمين! اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم اجعل مصر سخاءً رخاءً وجميع بلاد المسلمين، اللهم اجعل مصر سخاءً رخاءً وجميع بلاد المسلمين، اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع المبارك ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً بيننا إلا هديته، ولا طائعاً إلا زدته وثبته. اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى، وأسألك باسمك الأعظم الذي إن سئلت به أعطيت، وإن دعيت به أجبت؛ كما صبر إخواننا على تأخر الوقت وعلى حر الشمس، أسألك -يا سيدي- أن تقيهم وتقينا معهم حر جهنم، اللهم قنا حر جهنم، اللهم نجنا من حر جنهم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 585

يا ألف مليون مسلم يشن الصليبيون حرباً وحشية على الإسلام وأهله، ومن أعظم ذلك ما قام به الصرب من المذابح الجماعية، والمجازر المروعة، ضد إخواننا في البوسنة والهرسك، وذلك على مرأى ومسمع من العالم، فعلى المسلمين أن يفيقوا من غفلتهم، ويرجعوا إلى ربهم، وينصروا إخوانهم كل بما يستطيعه: بالمال والدعاء ونحو ذلك.

стр. 586

المجازر الصربية وغفلة المسلمين الحمد لله رب العالمين، أحمدك يا ربي! وأستعينك وأستغفرك وأستهديك، لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، جل ثناؤك وعظم جاهك ولا إله غيرك، اللهم إنا نبرأ من الثقة إلا بك، ومن الأمل إلا فيك، ومن التبجيل إلا لك، ومن التفويض إلا إليك، ومن التوكل إلا عليك، ومن الصبر إلا على بلائك، ومن الذل إلا في طاعتك، ومن الرجاء إلا لما في يديك الكريمتين. اللهم تدافع برك، واتصل خيرك، وكمل عطاؤك، وعمت فواضلك، وتمت نوازلك، وبر قسمك، وصدق وعدك، وحق على أعدائك وعيدك ووعدك، ولم تبق لنا حاجة إلا قضيتها يا أرحم الراحمين! اللهم إنا نشكو إليك ضعف قوتنا، وقلة حيلتنا، وهوان المسلمين على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت إلهنا، إلى من تكلنا؟! إلى بعيد يتجهمنا! أم إلى عدو ملكته أمرنا! إن لم يكن بك غضب على المسلمين فلا نبالي. نسألك بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن لا تنزل بنا غضبك، أو يحل علينا سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، إمام المجاهدين وقائد الغر الميامين، وإمام الغر المحجلين، الذي وقف في ساحة الوغى يوم خرست الألسنة وصمتت الأفواه، ونطقت السيوف على منابر الرقاب، وقف الحبيب المصطفى ﷺ يقول بأعلى صوته: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب). اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ * قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ * إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ * بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:١ - ٢٢].

стр. 587

الحقد الصربي في البوسنة والهرسك أيها المسلمون! هل سمعتم بمجزرة إخوانكم في جمهورية البوسنة والهرسك الإسلامية؟! يا من تلذذتم بالفراش! يا من تلذذتم بالطعام! يا من تلذذتم بالشراب! يا من عافستم الأزواج والأولاد! يا من وضعتم بين أيديكم أصناف وألوان الطعام والشراب! هل سمعتم بما حدث لإخواننا وأخواتنا المسلمات في جمهورية إسلامية، في قلب جزيرة البلقان، في يوغوسلافيا، هل سمعتم ما حدث لإخوانكم المسلمين في جمهورية البسنة والهرسك؟! أيها المسلمون في كل مكان! أيها الغافلون النائمون! انتبهوا، استيقظوا، أفيقوا واطردوا النوم والغفلة عن عيونكم، وعن قلوبكم؛ لتعلموا أن الحروب الصليبية ما انتهت ولن تنتهي إلا إذا شاء الله، وإلا إذا عاد المسلمون إلى ربهم جل وعلا، وإلى إسلامهم، إلى مصدر عزهم، وإلى مصدر شرفهم. هل سمعتم ماذا يفعله النصارى في يوغوسلافيا بإخواننا وأخواتنا في جمهورية البوسنة والهرسك المسلمة؟! والله إن العين لتدمع، وإن القلب ليتمزق، وإنا لما يحدث لإخواننا على مرأى ومسمع من الدنيا لمحزونون! أين دعاة حقوق الإنسان؟! أين الذين ينتمون للديمقراطيات؟! أين الذين يرقصون على مسرح حرية الاعتقادات؟! خرست ألسنتهم! وماتت قلوبهم! حلال لهم حرام على الموحدين، حرام على المسلمين! على مرأى ومسمع من الدنيا، يذبح المسلمون ذبح الخراف وهم ينظرون!! فتعالوا بنا لعل الأعين الجامدة أن تدمع، ولعل القلوب الميتة أن تحيا، وأن تستيقظ وأن تقوم من سباتها العميق، وأن تنفض عن كاهلها غبار والوسن والنوم, الذي طال وطالت مدته، تعالوا بنا لنطير على جناح السرعة إلى إخواننا وأخواتنا إلى المسلمة التي صرخت بأعلى صوتها: وا إسلاماه! وا معتصماه! تقول: يا مسلمون هتك عرضي! وبقرت بطني! ووضع قائد المليشيات النصراني الكافر نطفة حية في بطنها! وسخر وضحك بأعلى صوته وهو يقول لها: هأنا أريد أن أرى هل ستنجبين ذكراً أم أنثى؟! على مرأى ومسمع من الدنيا، على مرأى ومسمع من المسلمين السذج! من المسلمين الذين فتحوا بلادهم للنصارى! وفتحوا قلوبهم للنصارى! وفتحوا بيوتهم للنصارى! ويأتي المسلم الغافل ليسألني ويقول لي: يا شيخ! إن لي صاحباً نصرانياً، هل عليّ إثم في زيارته؟! اسمعوا أيها الغافلون! ماذا يصنع النصارى بإخواننا الموحدين، إن أخواتنا المسلمات ينادين ويقلن: واإسلاماه! واإسلاماه! وامعتصماه! ولكن: ما ثم معتصم يغيث من استغاث به وصاح! ذبحوا الصبي وأمه وفتاتها ذات الوشاح وعدوا على الأعراض في انتشاء وانشراح يا ألف مليون وأين همُ إذا دعت الجراح ما ثم معتصم يغيـ ـث من استغاث به وصاح يا الله! قل الظهير، وقل المعين، وانعدمت المروءة، وانعدمت الشهامة، وانعدمت النخوة، وضاع عهد الرجال وأتى عهد النساء، وأقبل عهد الحريم! فلتزلزلي يا أرض! ولتزمجري يا جبال! ولتزمجري يا سماء! مضى عهد الرجال وأتى عهد النساء، وذبح المسلمون تذبيح الفراخ، هتكت أعراض نسائنا، هتكت أعراض أخواتنا، تصرخ عليك المسلمة وتقول: يا مسلم! يا أخي في الله! بقرت بطني، وهتك عرضي، وضاع شرفي ولكن أين الإسلام؟! وأين المسلمون؟! وأين المعتصم؟ إنا لله وإنا إليه راجعون!

стр. 588

الحقد الصربي تاريخي وقديم وتبدأ القصة على هذه الأرض الإسلامية في جمهورية البوسنة والهرسك المسلمة من عام ألف وثمانمائة وأربعة وأربعين من ميلاد المسيح -على نبينا وعليه الصلاة والسلام- يوم أن أعلن الصرب النصارى الكفرة الفجرة برنامجهم القومي. وكان من بين بنود هذا البرنامج هذا القرار الذي يقول: بتهجير جميع المسلمين من جمهورية البوسنة والهرسك الإسلامية وغيرها، أو إدخالهم في النصرانية، أو في الديانة الأرذوذكسية النصرانية، ولما أصر المسلمون على دينهم وعلى توحيدهم وعلى إسلامهم وعلى دين نبيهم محمد ﷺ بدأ العداء، وأراد الصرب أن يعلنوا جمهوريتهم الصربية الكبرى، وبدأت المجازر من ذلك العام. وبدءوا بتدمير وإحراق قرية عن كاملها، على رءوس أطفالها وشيوخها، ورجالها ونسائها! وأتوا على جسر يمتد على نهر كبير وضربوا هذا الجسر فسقط عدد كبير من المسلمين في هذا النهر، ولما امتلأت الشوارع بالجثث المسلمة من المسلمين والمسلمات ألقوا بها في هذا النهر، ولما عجز النهر عن أن يلتقط هذه الجثث، ولفظ بها فطفت الجثث على سطح النهر والماء؛ ذهب الصرب النصارى ليبقروا بطون المسلمين والمسلمات حتى تهوي هذه الجثث في قاع هذا النهر! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! وتمتد هذه الحرب الصليبية التي ما انتهت ولن تنتهي إلا إذا عاد المسلمون إلى الله، وعاد المسلمون إلى مصدر عزهم وشرفهم وكرامتهم، الذي قال عنه فاروق هذه الأمة عمر: كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله.

стр. 589

مجازر على مرأى ومسمع من العالم وتمتد هذه المجزرة يا عباد الله! ففي الأسبوعين الماضيين حدثت مجزرة جماعية كبرى للمسلمين والمسلمات في جمهورية البوسنة والهرسك، على مرأى ومسمع ممن يتغنون بحقوق الإنسان وحقوق حرية الاعتقادات وغيرها! ما الذي حدث؟! وما الذي جرى؟! والنصارى في كل مكان يباركون هذه المجازر وهذه الدماء التي سفكت رخيصة لا قيمة لها، والمسلمون يفتحون بلادهم للنصارى ويفتحون قلوبهم للنصارى، ويفتحون أعمالهم للنصارى، والنصارى في كل بلاد المسلمين يأكلون ويشربون ويتنعمون! وتمت المجزرة بتوجه قائد الملشيات الصربية النصرانية الفاجر الكافر إلى قرية من قرى جمهورية البوسنة والهرسك، وأطلق عليها نيران مدفعيته الثقيلة فأبادها على رءوس أطفالها ورجالها ونسائها! وراح الجنود يمثلون بجثث المسلمين والمسلمات، ويسكبون على هذه الجثث الطاهرة زجاجات الخمر التي كانت بأيديهم، ويرسمون بالسكاكين الصلبان على أجسادهم الطاهرة! لماذا؟ لأن عقيدة الذبح عند النصارى الصرب يتعلمونها في المدارس وفي الكنائس، بل ويؤيد ذلك البرلمان الصربي! فقد أصدر البرلمان الصربي قراراً بأن ذبح المسلمين وذبح المسلمات إنما هو قربان إلى الله جل وعلا! لماذا؟ لأنهم يريدون أن يعلنوا للصرب النصارى الفجرة بأن المسلمين هم نسل العثمانيين الذين استولوا وسيطروا على شبه جزيرة البلقان خمسة قرون متوالية، فقد فتح الإسلام هذه البلاد واستمر الإسلام فيها خمسة قرون.

стр. 590

العدالة والمجد للفتوح الإسلامية يوم أن غاب المسلمون عن هويتهم وغاب المسلمون عن وعيهم، وراح المسلمون يلهثون وراء الشهوات ووراء النزوات، ونسوا الهدف الذي من أجله أوجدهم رب الأرض والسماوات، أذلهم الله جل وعلا، فراح الصرب يعلنون أن المسلمين في جمهورية البوسنة والهرسك وغيرها من نسل الأتراك العثمانيين، ولابد من الانتقام منهم رداً لاعتبار الذين قتلهم العثمانيون بزعمهم. وقد ضرب المسلمون أروع الأمثلة، التي مثلوا بها الإسلام في هذه البلدان، هل نسيتم يوم أن فتح الإسلام مدينة سمرقند، وأرسل حاكم سمرقند رسالة إلى قاضي قضاة المسلمين، يقول له فيها: إن فتحكم الإسلامي لمدينة سمرقند فتح باطل، وبيَّن له الأسباب ما هي؟ إنكم فتحتم بلادنا عنوة قبل أن تدعونا إلى الإسلام، وقبل أن تفرضوا علينا الجزية، ولما وصلت الرسالة إلى قاضي قضاة المسلمين أرسل أمراً فورياً عاجلاً إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵁ وأرضاه، يأمره فيه أن يصدر الأوامر إلى جيش المسلمين في سمرقند بسحب الجيش فوراً؛ لأن الفتح لسمرقند فتح باطل لا يرضاه الله، ولم يشرعه رسول الله ﷺ . أتدرون ماذا جرى؟! استجاب أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز على الفور، وأرسل رسالة إلى قائد الجيوش الإسلامية في بلاد سمرقند بالانسحاب فوراً، ولما وصلت الرسالة إلى قائد الجيوش وإذا به يصدر الأوامر إلى الجيش الإسلامي بالانسحاب فوراً من سمرقند! فلما رأى أهل سمرقند ذلك الموقف العظيم، وذلك المشهد المهيب الرهيب، خرج أهل سمرقند عن بكرة أبيهم بين يدي قائد الجيش الإسلامي وهم يعلنون على قلب رجل واحد ويقولون: نشهد أن لا إله إلا الله ونشهد أن محمداً رسول الله. ذلكم هو الإسلام الذي جاء به رسولنا ﷺ ، قال تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٥٦] وقد ضرب الإسلام أروع الأمثلة لحماية هؤلاء تحت مظلته، وتحت رايته، وتحت رعايته، وتحت إمرته، وتحت قيادة جنوده الأبرار الأطهار، الذين رباهم نبينا المختار ﷺ .

стр. 591

تقرب الصرب إلى الله بذبح المسلمين فالصرب يريدون أن يعلنوا لأبنائهم بأن التقرب إلى الله لا يكون إلا بذبح المسلمين وذبح المسلمات! فراحوا في الأسبوعين الماضيين يحدوهم الأمل وأعلنوا عن جمهورية الصرب المستقلة الكبرى، وبدءوا بالتضييق على المسلمين حتى يتركوا جمهوريتهم الإسلامية، فهاجر عدد كبير كاد أن يصل إلى نصف مليون! واسمعوا إلى هذه الفتوى الأخيرة التي أصدرها قساوسة الكنائس، هذه الفتوى الخطيرة التي أصدرها القساوسة النصارى الصرب في يوغوسلافيا تقول: إن أعراض المسلمات حلال لكل من يدين بالنصرانية! فانتهكوا أعراض المسلمات، واعتدوا على شرفهن، وقطعوا أبدانهن، وأرسلوا بمجموعة من النساء اللاتي انتهك شرفهن وضاع عرضهن، وقطعت أجسامهن، أرسلوا بمجموعة منهن إلى أماكن تجمع المسلمين لإحراق قلوبهم! ولكن هذا لمن كان في صدره قلب، ولمن كان في رأسه أذن، ولمن كان في وجهه عين: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥]، لا تنفع الغافلين، ولا تنفع المغفلين، ولا تنفع النائمين، ما الذي جرى؟! وما الذي حدث؟! وما الذي فعله المسلمون أمام هذه المذبحة، وأمام هذه المجزرة التي كانت على مرأى ومسمع من الدنيا؟!

стр. 592

الملحمة الصربية الحاقدة أتدرون أنهم يعلمون أبناءهم في المدارس هذه الملحمة الشعرية الكبرى! اسمعوا يا عباد الله! اسمعوا يا مسلمون! في كل مكان، اسمعوا إلى بنود هذه الملحمة الكبرى التي يتربى عليها أولاد الصرب النصارى في المدارس والجامعات والمعاهد والكنائس على أيدي القساوسة، وعلى أيدي المدرسين، اسمعوا إلى هذه الملحمة الشعرية الكبرى التي تقول: سلك المسلمون طريق الشيطان، دنسوا الأرض ملئوها رجساً، فلتعد للأرض خصوبتها، ولنطهرها من رجس الأوثان، ولنطهرها من تلك الأوساخ، ولنبصق على القرآن، وليطير رأس كل مؤمن يؤمن بدين الكلاب، ويتبع محمداً، فليذهب غير مأسوف عليه! هذه ملحمتهم، وهذه عقيدتهم، وهذا دينهم، وهذا قولهم، وهذا قرآنهم! أسمعتم يا عباد الله؟! أسمعتم أيها المسلمون؟! يا من تلذذتم بالفراش! وتلذذتم بالطعام! وتلذذتم بالشراب! أماتت نخوتكم؟! أمات إسلامكم؟! أمات دينكم؟! أماتت عزتكم؟! فليتخيل كل واحد منا أن هذه الأخت التي انتهك عرضها وضاع شرفها أنها أمك، أنها أختك، أنها زوجتك، أنها ابنتك، ماذا أنت صانع؟! هل فكرت في هذا؟! أفيقوا يا مسلمون! يا من فتحتم أماكن أعمالكم وشركاتكم للنصارى، ولكل طوائف الكفر من كل فج عميق، جاءوا إلى بلادنا، أكلوا خيراتنا، وأكلوا أرزاقنا، وعاشوا بيننا، ودخلوا بيوتنا، وهم هناك يذبحون أبناءنا، ويذبحون نساءنا، ويذبحون إخواننا. فما ثم معتصم يغيث من استغاث به وصاح ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ * قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:١ - ٨]. أسأل الله جل وعلا أن يرد المسلمين إلى الإسلام رداً جميلا، وأن يعيد المسلمين إلى حظيرة الإسلام، وأن يعيد إليهم عزتهم وكرامتهم، ومجدهم، وأن يذل الشرك والمشركين، والكفرة والملحدين، إنه ولي ذلك ومولاه. اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد! اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد! اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد! وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 593

وجوب دعم المسلمين في البوسنة والهرسك الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي المتقين، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، إمام المجاهدين وقائد الغر الميامين. اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: أيها الأحبة! إن إخوانكم في جمهورية البوسنة والهرسك أعلنوا أنهم لا يريدون منكم الدواء ولا يريدون منكم الغذاء، ولكنهم يريدون منكم المال الذي يشترون به السلاح؛ ليذودوا عن شرفهم، وليحموا أعراض أخواتهم، فهل من مدكر؟! هل من مجيب؟! هل من مستجيب؟! من سيجمع اليوم الريال والألف؛ ليرسل به إلى الإخوة الذين تكفلوا بإرسال الأموال إلى إخوانكم هناك، وإلى أخواتكم هناك، هل من مستجيب؟ هل من مدكر؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف:١٠ - ١١]. اللهم إنا نضرع إليك، يا أحد يا فرد يا صمد! يا منقذ الغرقى! ويا منجي الهلكى! ويا سامع كل نجوى! يا عظيم الإحسان! ويا دائم المعروف! لا إله لنا سواك فندعوه، ولا رب لنا غيرك فنرجوه، لا إله لنا سواك فندعوه، ولا رب لنا غيرك فنرجوه. يا سامع الدعوات! ويا سامع الأصوات! ويا عالم الخفيات! ويا عالماً بما هو آت! اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم إنا نشكو إليك ضعف قوتنا، وقلة حيلتنا، وهواننا على الناس، يا أرحم الراحمين! أنت رب المستضعفين، وأنت إلهنا، إلى من تكلنا؟! إلى بعيد يتجهمنا! أم إلى عدو ملكته أمرنا! إن لم يكن بك غضب علينا فلا نبالي. نسألك بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن لا تنزل بنا غضبك، أو يحل علينا سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك. اللهم احم أعراض أخواتنا المسلمات، اللهم احم أعراض أخواتنا المسلمات، اللهم احم أعراض أخواتنا المسلمات، اللهم احم أعراض أخواتنا المسلمات. اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، اللهم اربط على قلوبهم يا رحيم يا رحمن. اللهم انصر المجاهدين في البوسنة والهرسك، اللهم انصر المجاهدين في السودان، اللهم انصر المجاهدين في الفلبين، اللهم انصر المجاهدين في الصومال، اللهم انصر المجاهدين في إرتيريا، اللهم انصر المجاهدين في كل مكان. اللهم أقر أعيننا بدولة الإسلام، اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام. اللهم قيض لأمة الإسلام أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل به أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، أنت ولي ذلك ومولاه. اللهم أذل الشرك والمشركين، والكفرة والملحدين، أنت ولي ذلك والقادر عليه يا رب العالمين! اللهم رد المسلمين إلى الإسلام رداً جميلاً، اللهم خذ بأيديهم إليك، اللهم خذ بأيديهم إليك، اللهم عجل بالقائد الرباني الذي يحكم المسلمين بكتابك، وسنة نبيك، أنت ولي ذلك والقادر عليه. هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء. وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه. وصل اللهم وسلم وزد وبارك على نبينا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 594

إلى الشباب للشباب مكانة عظيمة ومنزلة عالية، فهم فجر الإسلام وعمدة النصر، ولذا كان النبي ﷺ شديد الاحتفاء بالشباب لصبرهم وجلدهم في الثبات على الدين، ولابد للشباب من وصايا، ومنها: لزوم القرب والارتباط بالعلماء، وتوسيع الفهم عن الله ورسوله، وفقه الواقع، وكيفية تغيير المنكر وضوابطه، ومحاسبة النفس أشد من محاسبة الشريك الشحيح لشريكه.

стр. 595

مكانة الشباب الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي نبينا محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الفضلاء! وأيتها الأخوات الفاضلات! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة في جنته، ودار مقامته؛ إنه هو ولي ذلك ومولاه. أحبتي في الله! رسالة إلى الشباب. هذا هو عنوان محاضرتنا مع حضراتكم في هذه الليلة المباركة، وكعادتي حتى لا ينسحب بساط الوقت سريعاً من تحت أقدامنا، فسوف ينتظم حديثي مع حضراتكم في هذا الموضوع الجليل الكبير في العناصر التالية: أولاً: مكانة الشباب. ثانياً: الفهم عن الله ورسوله. ثالثاً: فقه التغيير. رابعاً: حرمة الدماء. وأخيراً: نصيحة محب.

стр. 596

حفاوة النبي ﷺ بالشباب أولاً: مكانة الشباب: أحبتي في الله! إن كان شيوخنا وآباؤنا عقول الأمة التي تخطط وتفكر، فإن شبابنا سواعد الأمة التي تبني وتعمر، ولا يكون أبداً لعقل أن يأتي مجرداً دون أن يمشي على قدمين، ودون أن يقوى بساعدين، فالأمة لا تستغني أبداً عن شبابها، وأمة تستغني عن شبابها أمة خاذلة، وأمة خاسرة مخذولة. فلا غنى أبداً للشباب عن الشيوخ والآباء، ولا غنى أبداً للشيوخ والآباء عن الشباب، وكان النبي ﷺ شديد الحفاوة بالشباب، فلقد أوحى الله إلى النبي ﷺ وهو في سن الأربعين وهو سن اكتمال الشباب، وكان أبو بكر ﵁ في الثامنة والثلاثين من عمره في ريعان الشباب. أما عمر بن الخطاب ﵁ فكان في السابعة والعشرين من عمره في ريعان الشباب، وعلي بن أبي طالب ﵁ كان في العاشرة من عمره، والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله والأرقم بن أبي الأرقم وخباب بن الأرت وعبد الله بن الزبير ومصعب بن عمير وسعد بن أبي وقاص وأسيد بن حضير هؤلاء وغير هؤلاء كانوا شباباً في ريعان الشباب، نصروا الدعوة من لحظاتها الأولى، وبذلوا عرقهم، بل وأرواحهم ودماءهم لنصرة هذا الدين. فأول سفير يتحدث باسم الإسلام خارج أرض الإسلام كان شاباً في ريعان الشباب في العشرينات من عمره، استطاع هذا الشاب بلغة لم ولن تعرف الدبلوماسية المعاصرة لها مثيلاً على الإطلاق استطاع هذا الشاب المبارك بعرضه لقضية الإسلام أن يضيء للإسلام شمعة في أرض مظلمة، واستطاع أن يشق للإسلام نهراً للحياة وسط صخور صلدة قاسية عاتية، إنه جعفر بن أبي طالب حين تحدث بين يدي النجاشي في بلاد الحبشة. وأول فدائي في الإسلام كان شاباً في الثالثة والعشرين من عمره حين نام في فراش النبي ﷺ وقد قدم روحه رخيصة لنصرة هذا الدين وللذود والذب عن سيد النبيين وإمام المرسلين، إنه الشاب الذي اضطر يوماً لأن يفخر فقال: محمدٌ النبي أخي وصهري وحمزة سيد الشهداء عمي وجعفر الذي يمسي ويضحي يطير مع الملائكة ابن أمي وبنت محمد سكني وزوجي منوط لحمها بدمي ولحمي وسبطا أحمد ولداي منها فأيكم له سهم كسهمي إنه أسد الله الغالب علي بن أبي طالب ﵁. وأول داعية يتحرك للدعوة خارج أرض الإسلام، بل ويضع النبي ﷺ بين يديه مصير الدعوة بأكمله كان شاباً في ريعان الشباب، إنه زهرة فتيان قريش، إنه لؤلؤة ندواتها، إنه غرة فتيانها، إنه قطب الرحى بين رجالها، إنه أعطر شبابها، إنه مصعب الخير مصعب بن عمير. وهذا شاب آخر يأمره النبي ﷺ أن يسير لمناطحة الصخور الصماء في بلاد الروم لتأديب القبائل التي اعتدت على حدود الدولة الإسلامية، يوليه النبي قيادة الجيش المسلم، وتحت قيادته أكابر الصحابة كـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم أجمعين، إنه الحب بن الحب أسامة بن زيد ﵁. كانوا شباباً في ريعان الشباب، عرفوا الغاية التي من أجلها خلقوا، وعرفوا الوظيفة التي من أجلها ابتعثوا، وبذلوا أرواحهم رخيصة لنصرة هذا الدين. لذا كان النبي ﷺ شديد الحفاوة بالشباب، وشديد الحب للشباب، وشديد العناية بالشباب، فالشباب بلا نزاع هم مستقبل الأمة بإذن الله، الشباب هم أمل الأمة بعد الله ﵎، فالشمس لا تملأ النهار في آخره كما تملأ النهار في وسطه وأوله، تلك هي مرحلة الشباب، ومرحلة الطاقة، ومرحلة الفتوة، ومرحلة العمل، ومرحلة الإرادة، ويجب على هذه الأمة أن تستغل شبابها، وأن توظف شبابها في وقت ذلت فيه الأمة وهانت لمن كتب الله عليهم الذل والذلة من إخوان القردة والخنازير.

стр. 597

أهمية الارتباط بين العلماء والشباب إنني أدين الله جل وعلا بأن أكبر جرم يرتكب في حق الشباب أن يحال بين الشيوخ والعلماء وبين الشباب، وشبابنا بطبعه يحب التدين، شباب الأمة بطبعه يحب التدين، بل لو انحرف يمنة أو يسرة إذا ذكر بالله بحكمة ورحمة وأدب وتواضع سرعان ما يعود باكياً إلى الله يردد مع السابقين الأولين قولتهم الخالدة: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥]. أقول: إن لم يتعلم شبابنا في المساجد بتلك الطريقة بين الأنوار في وضح النهار وفي الضوء الساطع والواضح، إن لم يتعلم شبابنا في المساجد وهذا النور سيتعلم شبابنا في الظلام، وإن لم يتعلم شبابنا على سطح الأرض في بيوت الله سيتعلم شبابنا تحت الأرض في السراديب، وسيأتي علمهم مظلماً بظلام البيئة التي سيحرصون على التعلم فيها؛ لأنه حيل بينهم وبين الجلوس بين أيدي العلماء، وسيأتي علمهم منحرفاً انحراف السراديب التي سيتلقون فيها العلم بعيداً عن هذا الحق وهذا الوضوح، لا ينبغي أبداً أن نخشى من المساجد، ولا يجوز ألبتة أن نخاف من العلماء، فالعلماء صمام الأمان لهذه الأمة. ويجب على شبابنا أن يجلس بين العلماء الربانيين ليسمع منهم عن الله وعن رسول الله، وحذار ثم حذار أن يسمع شاب من شبابنا فتوى لعالم من علمائنا الربانيين فلا تصادف الفتوى هوى في قلب هذا الشباب من منطلق حماسه وإخلاصه لدين الله، فينطلق ليحكم على هذا العالم الرباني بأنه صار من علماء السلطان أو صار يبحث عن منصب وزاري أو منصب دنيوي، كلا كلا، فالأمر دين. فيجب على شبابنا الآن أن يراجع الربانيين من العلماء، ويجب على المشايخ والعلماء ألا يحتقروا الشباب، وألا يزدروا الشباب، وألا يظهر هنا أو هناك على فضائية أو أخرى من ينسب إلى العلم ليتكلم عن شباب الأمة الذي يود أن لو ضحى بدمه لنصرة دين الله ﵎ ليعلم سفلة الأرض أن محمداً ما مات وما خلف بناتاً، بل خلف أطهاراً يودون أن لو ضحوا بأنفسهم لنصرة دين الله. لا ينبغي أن يظهر رجل من أهل العلم على فضائية هنا أو فضائية هناك ليقول: (هؤلاء العيال!) إلى آخر هذه الألفاظ التي لا تليق بشباب يود -ورب الكعبة- أن لو بذل نفسه لدين الله ﵎. الأمة لا غنى لها أبداً عن شيوخها وعلمائها ورجالها وشبابها، وآن الأوان في وقت تذل فيه الأمة وتهان، آن الأوان أن تلتحم الأمة وأن يلتحم الشباب مع العلماء، وأن يلتحم العلماء مع الشباب ليعلم العلماء الشباب من قرآن ربهم وسنة نبيهم بفهم سلف الأمة الصالح رضوان الله عليهم. هذا ورب الكعبة هو طريق النجاة، وهو المخرج مما يسمونه بالتطرف والإرهاب، لا مخرج إلا أن يجلس العلماء مع الشباب، وإلا أن يحترم العلماء والشيوخ الشباب، وأن يحترم في الوقت ذاته الشباب العلماء، وأن يجلس الشباب بين أيدي العلماء ليتعلموا منهم قول الله وقول رسول الله بفهم سلف الأمة عليهم جميعاً رضوان الله.

стр. 598

نتيجة انحراف الشاب عن الدين والعلماء هذه النعمة -أقصد الشباب- إن ابتعدت عن العلماء وابتعدت عن الدين غرقت في بحور الشهوات، وإن انحرف الشباب عن الفهم الصحيح للدين على مراد الله ومراد رسول الله بفهم الصحابة سقط في شباك الشبهات. أقول: إن ابتعد شبابنا عن الدين غرق الشباب في بحور الشهوات، وإن انحرف الشباب عن الفهم الصحيح للدين على مراد الله ورسوله بفهم السلف سقط شبابنا في شباك الشبهات، ولا يخفى على أحد أن كثيراً من شباب الأمة الآن غرق في بحور الشهوات، وسقط في شباك الشبهات، لماذا؟ لأن شبابنا ينشأ الآن ويربى في ظل جملة هائلة من المتناقضات والأزمات والمشكلات، ولأنه قد انصرف عن العلماء أو حيل بينه وبين العلماء، فصار يعيش في بحر لجي من الفتن، فتن الشهوات والشبهات. ظلمات من الفتن بعضها فوق بعض، بل إذا أخرج الشاب يده لم يكد يراها، بل إذا امتدت إليه يد متوضئة طاهرة فاهمة واعية -تفهم الواقع والدين بفهم دقيق ووعي عميق- لتنقذه من هذا الغرق المحقق في بحور الشهوات أو في شباك الشبهات جذبته أيادٍ أخرى كثيرة لكثرة الأعداء المتربصين بشبابنا ممن لا يريدون لهذا الشباب أن يتربى على القرآن والسنة. مؤامرة تدور على الشباب لتجعله ركاماً من تراب مؤامرة تقول لهم تعالوا إلى الشهوات في ظل الشراب شيوعيون جذر من يهود صليبيون في لؤم الذئاب تفرق شملهم إلا علينا فصرنا كالفريسة للكلاب

стр. 599

الفهم عن الله ورسوله ﷺ

стр. 600

أهمية العلم عن الله وعن رسوله ﷺ أقول: إن انحرف الشباب عن الدين غرق في بحور الشهوات، وإن انحرف عن الفهم الصحيح للدين سقط في شباك الشبهات، وهذا هو عنصرنا الثاني بإيجاز، الفهم عن الله ورسوله ﷺ . أيها الشباب! من سلك طريقاً بغير دليل ضل، ومن تمسك بغير الأصول زل، والدليل المنير لنا في كل هذه الظلماء، والأصل العاصم لنا بإذن الله من كل هذه الفتن والأهواء هو العلم بفهم عن الله ورسوله ﷺ ، ترجم الإمام البخاري في كتاب العلم باباً بعنوان: (باب العلم قبل القول والعمل). يجب عليك ألا تتكلم في دين الله ﵎ إلا بعد أن تتعلم، فضلاً عن أنه يجب عليك ألا تتحرك خطوة واحدة على الطريق لدين الله جل وعلا إلا بعد أن تتعلم. أخاطبك -ورب الكعبة- بكياني كله: حماسك وحده لا يكفي، وإخلاصك للدين وحده لا يكفي، بل يجب أن يكون حماسنا وإخلاصنا منضبطين بضوابط القرآن والسنة بفهم سلف الأمة؛ حتى لا نضر ونحن نريد النفع، وحتى لا نفسد ونحن نريد الإصلاح، فالأمر دين ندين به ربنا ﵎. فالفهم عن الله ورسوله، لا تتكلم إلا بعد أن تتعلم، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد:١٩]، قال الحافظ ابن حجر ﵀: أمر الله نبيه ﷺ في هذه الآية بأمرين، فبدأ بالعلم وثنى بالعمل. قال: وقدم الله العلم على العمل لأن العلم هو المصحح للنية التي يصح بها كل قول وعمل. ثم يترجم الإمام البخاري ﵀ في كتاب العلم باباً آخر من أفقه أبواب هذا الكتاب، بل ورحم الله من قال: (فقه البخاري في تراجمه)، فترجمة الإمام تحمل فقهاً غزيراً قبل أن تقرأ ما دونه. يترجم باباً آخر في كتاب العلم بعنوان: (باب الفهم في العلم)، فلا تعجل حتى تفهم الدليل، فالدليل ليس منتهى العلم! الدليل ليس منتهى العلم! تقول: الدليل في البخاري ومسلم -على رأيك-. وهذا كلام في عيني وفي قلبي، لكن لا تعجل حتى تفهم الأدلة ومراتب الأدلة ومناطات الأدلة؛ حتى تكون على بصيرة بالمجمل والمبين، بالعام والخاص، بالناسخ والمنسوخ، حتى تكون على بصيرة بالمصالح والمفاسد، حتى تكون على بصيرة بواقعك الذي أنت تعيش فيه، ثم بالأدلة الشرعية التي ستنسحب على واقع هذه المسألة التي تود أن تبحثها أو تدرسها. (باب الفهم في العلم)، ويروي الإمام في هذا الباب حديثاً عن رسول الله ﷺ من حديث معاوية ﵁ أنه ﷺ قال: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)، قال الحافظ ابن حجر: أي يفهمه.
следующие страницы →