Полный текст (1 901 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
حفاوة النبي ﷺ بالشباب
أولاً: مكانة الشباب: أحبتي في الله! إن كان شيوخنا وآباؤنا عقول الأمة التي تخطط وتفكر، فإن شبابنا سواعد الأمة التي تبني وتعمر، ولا يكون أبداً لعقل أن يأتي مجرداً دون أن يمشي على قدمين، ودون أن يقوى بساعدين، فالأمة لا تستغني أبداً عن شبابها، وأمة تستغني عن شبابها أمة خاذلة، وأمة خاسرة مخذولة.
فلا غنى أبداً للشباب عن الشيوخ والآباء، ولا غنى أبداً للشيوخ والآباء عن الشباب، وكان النبي ﷺ شديد الحفاوة بالشباب، فلقد أوحى الله إلى النبي ﷺ وهو في سن الأربعين وهو سن اكتمال الشباب، وكان أبو بكر ﵁ في الثامنة والثلاثين من عمره في ريعان الشباب.
أما عمر بن الخطاب ﵁ فكان في السابعة والعشرين من عمره في ريعان الشباب، وعلي بن أبي طالب ﵁ كان في العاشرة من عمره، والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله والأرقم بن أبي الأرقم وخباب بن الأرت وعبد الله بن الزبير ومصعب بن عمير وسعد بن أبي وقاص وأسيد بن حضير هؤلاء وغير هؤلاء كانوا شباباً في ريعان الشباب، نصروا الدعوة من لحظاتها الأولى، وبذلوا عرقهم، بل وأرواحهم ودماءهم لنصرة هذا الدين.
فأول سفير يتحدث باسم الإسلام خارج أرض الإسلام كان شاباً في ريعان الشباب في العشرينات من عمره، استطاع هذا الشاب بلغة لم ولن تعرف الدبلوماسية المعاصرة لها مثيلاً على الإطلاق استطاع هذا الشاب المبارك بعرضه لقضية الإسلام أن يضيء للإسلام شمعة في أرض مظلمة، واستطاع أن يشق للإسلام نهراً للحياة وسط صخور صلدة قاسية عاتية، إنه جعفر بن أبي طالب حين تحدث بين يدي النجاشي في بلاد الحبشة.
وأول فدائي في الإسلام كان شاباً في الثالثة والعشرين من عمره حين نام في فراش النبي ﷺ وقد قدم روحه رخيصة لنصرة هذا الدين وللذود والذب عن سيد النبيين وإمام المرسلين، إنه الشاب الذي اضطر يوماً لأن يفخر فقال: محمدٌ النبي أخي وصهري وحمزة سيد الشهداء عمي وجعفر الذي يمسي ويضحي يطير مع الملائكة ابن أمي وبنت محمد سكني وزوجي منوط لحمها بدمي ولحمي وسبطا أحمد ولداي منها فأيكم له سهم كسهمي إنه أسد الله الغالب علي بن أبي طالب ﵁.
وأول داعية يتحرك للدعوة خارج أرض الإسلام، بل ويضع النبي ﷺ بين يديه مصير الدعوة بأكمله كان شاباً في ريعان الشباب، إنه زهرة فتيان قريش، إنه لؤلؤة ندواتها، إنه غرة فتيانها، إنه قطب الرحى بين رجالها، إنه أعطر شبابها، إنه مصعب الخير مصعب بن عمير.
وهذا شاب آخر يأمره النبي ﷺ أن يسير لمناطحة الصخور الصماء في بلاد الروم لتأديب القبائل التي اعتدت على حدود الدولة الإسلامية، يوليه النبي قيادة الجيش المسلم، وتحت قيادته أكابر الصحابة كـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم أجمعين، إنه الحب بن الحب أسامة بن زيد ﵁.
كانوا شباباً في ريعان الشباب، عرفوا الغاية التي من أجلها خلقوا، وعرفوا الوظيفة التي من أجلها ابتعثوا، وبذلوا أرواحهم رخيصة لنصرة هذا الدين.
لذا كان النبي ﷺ شديد الحفاوة بالشباب، وشديد الحب للشباب، وشديد العناية بالشباب، فالشباب بلا نزاع هم مستقبل الأمة بإذن الله، الشباب هم أمل الأمة بعد الله ﵎، فالشمس لا تملأ النهار في آخره كما تملأ النهار في وسطه وأوله، تلك هي مرحلة الشباب، ومرحلة الطاقة، ومرحلة الفتوة، ومرحلة العمل، ومرحلة الإرادة، ويجب على هذه الأمة أن تستغل شبابها، وأن توظف شبابها في وقت ذلت فيه الأمة وهانت لمن كتب الله عليهم الذل والذلة من إخوان القردة والخنازير.
стр. 597
أهمية الارتباط بين العلماء والشباب
إنني أدين الله جل وعلا بأن أكبر جرم يرتكب في حق الشباب أن يحال بين الشيوخ والعلماء وبين الشباب، وشبابنا بطبعه يحب التدين، شباب الأمة بطبعه يحب التدين، بل لو انحرف يمنة أو يسرة إذا ذكر بالله بحكمة ورحمة وأدب وتواضع سرعان ما يعود باكياً إلى الله يردد مع السابقين الأولين قولتهم الخالدة: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥].
أقول: إن لم يتعلم شبابنا في المساجد بتلك الطريقة بين الأنوار في وضح النهار وفي الضوء الساطع والواضح، إن لم يتعلم شبابنا في المساجد وهذا النور سيتعلم شبابنا في الظلام، وإن لم يتعلم شبابنا على سطح الأرض في بيوت الله سيتعلم شبابنا تحت الأرض في السراديب، وسيأتي علمهم مظلماً بظلام البيئة التي سيحرصون على التعلم فيها؛ لأنه حيل بينهم وبين الجلوس بين أيدي العلماء، وسيأتي علمهم منحرفاً انحراف السراديب التي سيتلقون فيها العلم بعيداً عن هذا الحق وهذا الوضوح، لا ينبغي أبداً أن نخشى من المساجد، ولا يجوز ألبتة أن نخاف من العلماء، فالعلماء صمام الأمان لهذه الأمة.
ويجب على شبابنا أن يجلس بين العلماء الربانيين ليسمع منهم عن الله وعن رسول الله، وحذار ثم حذار أن يسمع شاب من شبابنا فتوى لعالم من علمائنا الربانيين فلا تصادف الفتوى هوى في قلب هذا الشباب من منطلق حماسه وإخلاصه لدين الله، فينطلق ليحكم على هذا العالم الرباني بأنه صار من علماء السلطان أو صار يبحث عن منصب وزاري أو منصب دنيوي، كلا كلا، فالأمر دين.
فيجب على شبابنا الآن أن يراجع الربانيين من العلماء، ويجب على المشايخ والعلماء ألا يحتقروا الشباب، وألا يزدروا الشباب، وألا يظهر هنا أو هناك على فضائية أو أخرى من ينسب إلى العلم ليتكلم عن شباب الأمة الذي يود أن لو ضحى بدمه لنصرة دين الله ﵎ ليعلم سفلة الأرض أن محمداً ما مات وما خلف بناتاً، بل خلف أطهاراً يودون أن لو ضحوا بأنفسهم لنصرة دين الله.
لا ينبغي أن يظهر رجل من أهل العلم على فضائية هنا أو فضائية هناك ليقول: (هؤلاء العيال!) إلى آخر هذه الألفاظ التي لا تليق بشباب يود -ورب الكعبة- أن لو بذل نفسه لدين الله ﵎.
الأمة لا غنى لها أبداً عن شيوخها وعلمائها ورجالها وشبابها، وآن الأوان في وقت تذل فيه الأمة وتهان، آن الأوان أن تلتحم الأمة وأن يلتحم الشباب مع العلماء، وأن يلتحم العلماء مع الشباب ليعلم العلماء الشباب من قرآن ربهم وسنة نبيهم بفهم سلف الأمة الصالح رضوان الله عليهم.
هذا ورب الكعبة هو طريق النجاة، وهو المخرج مما يسمونه بالتطرف والإرهاب، لا مخرج إلا أن يجلس العلماء مع الشباب، وإلا أن يحترم العلماء والشيوخ الشباب، وأن يحترم في الوقت ذاته الشباب العلماء، وأن يجلس الشباب بين أيدي العلماء ليتعلموا منهم قول الله وقول رسول الله بفهم سلف الأمة عليهم جميعاً رضوان الله.
стр. 598
نتيجة انحراف الشاب عن الدين والعلماء
هذه النعمة -أقصد الشباب- إن ابتعدت عن العلماء وابتعدت عن الدين غرقت في بحور الشهوات، وإن انحرف الشباب عن الفهم الصحيح للدين على مراد الله ومراد رسول الله بفهم الصحابة سقط في شباك الشبهات.
أقول: إن ابتعد شبابنا عن الدين غرق الشباب في بحور الشهوات، وإن انحرف الشباب عن الفهم الصحيح للدين على مراد الله ورسوله بفهم السلف سقط شبابنا في شباك الشبهات، ولا يخفى على أحد أن كثيراً من شباب الأمة الآن غرق في بحور الشهوات، وسقط في شباك الشبهات، لماذا؟ لأن شبابنا ينشأ الآن ويربى في ظل جملة هائلة من المتناقضات والأزمات والمشكلات، ولأنه قد انصرف عن العلماء أو حيل بينه وبين العلماء، فصار يعيش في بحر لجي من الفتن، فتن الشهوات والشبهات.
ظلمات من الفتن بعضها فوق بعض، بل إذا أخرج الشاب يده لم يكد يراها، بل إذا امتدت إليه يد متوضئة طاهرة فاهمة واعية -تفهم الواقع والدين بفهم دقيق ووعي عميق- لتنقذه من هذا الغرق المحقق في بحور الشهوات أو في شباك الشبهات جذبته أيادٍ أخرى كثيرة لكثرة الأعداء المتربصين بشبابنا ممن لا يريدون لهذا الشباب أن يتربى على القرآن والسنة.
مؤامرة تدور على الشباب لتجعله ركاماً من تراب مؤامرة تقول لهم تعالوا إلى الشهوات في ظل الشراب شيوعيون جذر من يهود صليبيون في لؤم الذئاب تفرق شملهم إلا علينا فصرنا كالفريسة للكلاب
стр. 599
الفهم عن الله ورسوله ﷺ
стр. 600
أهمية العلم عن الله وعن رسوله ﷺ
أقول: إن انحرف الشباب عن الدين غرق في بحور الشهوات، وإن انحرف عن الفهم الصحيح للدين سقط في شباك الشبهات، وهذا هو عنصرنا الثاني بإيجاز، الفهم عن الله ورسوله ﷺ .
أيها الشباب! من سلك طريقاً بغير دليل ضل، ومن تمسك بغير الأصول زل، والدليل المنير لنا في كل هذه الظلماء، والأصل العاصم لنا بإذن الله من كل هذه الفتن والأهواء هو العلم بفهم عن الله ورسوله ﷺ ، ترجم الإمام البخاري في كتاب العلم باباً بعنوان: (باب العلم قبل القول والعمل).
يجب عليك ألا تتكلم في دين الله ﵎ إلا بعد أن تتعلم، فضلاً عن أنه يجب عليك ألا تتحرك خطوة واحدة على الطريق لدين الله جل وعلا إلا بعد أن تتعلم.
أخاطبك -ورب الكعبة- بكياني كله: حماسك وحده لا يكفي، وإخلاصك للدين وحده لا يكفي، بل يجب أن يكون حماسنا وإخلاصنا منضبطين بضوابط القرآن والسنة بفهم سلف الأمة؛ حتى لا نضر ونحن نريد النفع، وحتى لا نفسد ونحن نريد الإصلاح، فالأمر دين ندين به ربنا ﵎.
فالفهم عن الله ورسوله، لا تتكلم إلا بعد أن تتعلم، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد:١٩]، قال الحافظ ابن حجر ﵀: أمر الله نبيه ﷺ في هذه الآية بأمرين، فبدأ بالعلم وثنى بالعمل.
قال: وقدم الله العلم على العمل لأن العلم هو المصحح للنية التي يصح بها كل قول وعمل.
ثم يترجم الإمام البخاري ﵀ في كتاب العلم باباً آخر من أفقه أبواب هذا الكتاب، بل ورحم الله من قال: (فقه البخاري في تراجمه)، فترجمة الإمام تحمل فقهاً غزيراً قبل أن تقرأ ما دونه.
يترجم باباً آخر في كتاب العلم بعنوان: (باب الفهم في العلم)، فلا تعجل حتى تفهم الدليل، فالدليل ليس منتهى العلم! الدليل ليس منتهى العلم! تقول: الدليل في البخاري ومسلم -على رأيك-.
وهذا كلام في عيني وفي قلبي، لكن لا تعجل حتى تفهم الأدلة ومراتب الأدلة ومناطات الأدلة؛ حتى تكون على بصيرة بالمجمل والمبين، بالعام والخاص، بالناسخ والمنسوخ، حتى تكون على بصيرة بالمصالح والمفاسد، حتى تكون على بصيرة بواقعك الذي أنت تعيش فيه، ثم بالأدلة الشرعية التي ستنسحب على واقع هذه المسألة التي تود أن تبحثها أو تدرسها.
(باب الفهم في العلم)، ويروي الإمام في هذا الباب حديثاً عن رسول الله ﷺ من حديث معاوية ﵁ أنه ﷺ قال: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)، قال الحافظ ابن حجر: أي يفهمه.
стр. 601
عاقبة سوء الفهم عن الله ورسوله
وأنا أقول: والله العظيم ما ضل من ضل ولن يضل من يضل إلا بسبب سوء الفهم لمراد الله ومراد رسول الله ﷺ ، قال ابن القيم ﵀: سوء الفهم عن الله ورسوله أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام قديماً وحديثاً، وأصل كل خلاف في الأصول والفروع.
ثم قال ابن القيم: وهل أوقع القدرية -النفاة منهم والجبرية- والمرجئة والخوارج والمعتزلة والروافض وسائر طوائف أهل البدع فيما وقعوا فيه إلا سوء الفهم عن الله ورسوله؟! فالخوارج قال النبي ﷺ للصحابة في حقهم: (يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم)، وأرجو أن تتصور أن أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً عليهم رضوان الله يحقر أحدهم صلاته إلى صلاة رجل من الخوارج، كانت جباههم كركب المعز من طول السجود بين يدي الله جل وعلا، ومع ذلك قال النبي في حقهم: (هم كلاب أهل النار) لماذا؟ إنها قضية الفهم.
مر عليهم عبد الله بن خباب بن الأرت -رضوان الله عليه وعلى أبيه- مع امرأته، فسأل الخوارج عبد الله عن علي بن أبي طالب ﵁، وكان الخوارج قد كفروا علياً بدعوى أنه حكم الرجال في كتاب الله، والله جل وعلا يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧].
فانظر كيف يستشهد هؤلاء بالآيات، فلما سألوا عبد الله بن خباب عن علي أثنى عليه بما هو أهله، وأنا أود أن أقول: إننا ندين الله ونتقرب إلى الله مع كل نفس من أنفاس حياتنا بحب علي وحب آل بيت الحبيب النبي ﷺ ، نعم نحب علياً ونحب آل بيت نبينا ﷺ ، وأهل السنة جميعاً يدينون الله بذلك، والقضية لا تحتاج إلى مزايدات على الإطلاق.
فلما أثنى عبد الله على علي قتله الخوارج وذبحوه كما تذبح النعجة، ثم سألوا امرأته عن علي فأثنت عليه بما هو أهله فذبحوها كما تذبح النعجة وبقروا بطنها واستخرجوا جنينها من بين أحشائها، ومر هؤلاء المجرمون وأيديهم ملطخة بدماء عبد الله وامرأته على حائط للنخيل سقطت بعض تمراته خارج أسواره، فانحنى أحدهم ليلتقط تمرة ليأكلها، فقالوا: مه مه.
ماذا تصنع يا رجل؟! كيف تستحل لنفسك تمرة لم يأذن لك صاحبها؟! وأيديهم ملطخة بدماء عبد الله بن خباب وامرأته.
فسوء الفهم عن الله ورسوله قضية من أخطر القضايا.
وفي مسند أحمد وسنن ابن ماجة بسند صححه شيخنا الألباني رحمه الله تعالى في صحيح الجامع من حديث جابر بن عبد الله وابن عباس ﵃ وعن جميع أصحاب سيدنا رسول الله قال: (كنا في سفر فأصاب رجلاً منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم، فقال لأصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: لا ما دمت تقدر على الماء)، وأنا أقول: استدلوا بدليل صحيح؛ لأن القاعدة المتفق عليها تقول: (إذا وجد الماء بطل التيمم)، فـ (بطل) -بفتح الباء- معناه: لا يصح لك أن تتيمم وأنت تقدر على الماء، (فاغتسل الرجل فمات)، فهم أخذوا دليلاً عاماً لمناط خاص فقتلوا الرجل، هذه هي المصيبة، أن يفتي من يفتي دون فهم مناطات الدليل التي لابد منها للربط ربطاً صحيحاً بين دلالات النصوص وحركة الواقع، (فاغتسل فمات، فلما أخبر النبي ﷺ قال: قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ إنما شفاء العي السؤال).
كم قتل الجهل أناساً بدون حق؟ وكم يقتل؟ وكم سيقتل الجهل أناساً بدون حق؟ (ألا سألوا إذ لم يعلموا).
يا أخي! القضية ليست هوى، بل هي قضية دين، والقضية ليست عواطف بل هي قضية دين، يجب أن تسأل نفسك: هل ربي يأمرني بذلك أم لا؟ هل نبيي يكلفني بذلك أم لا؟ هل ديني يأمرني بذلك أم لا؟ هذا هو المنطلق الذي يجب أن ننطلق منه، لا ينبغي أن تؤثر فينا خيانة أعدائنا ونقض أعدائنا لعهودهم لنخون نحن أو لننقض العهود، أبداً، فالأمر دين.
جاء في صحيح مسلم من حديث حذيفة بن اليمان ﵁، يقول حذيفة أمين السر النبوي: (ما منعني أن أشهد بدراً مع رسول الله ﷺ أنا وأبي حسيل إلا أننا خرجنا -يعني: للقتال مع النبي ﷺ فأخذنا المشركون -قبض المشركون عليهما- فقالوا: أتريدون محمداً؟ قال حذيفة: فقلت: لا) فالحرب خدعة، والكذب في الحرب جائز بنص حديث أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط في الصحيحين، فقال: (لا، ما خرجنا للقتال مع رسول الله ﷺ .
قال حذيفة: فأخذ المشركون علينا عهد الله وميثاقه أن ننصرف إلى المدينة وألا نقاتل مع رسول الله، فأتينا رسول الله ﷺ فأخبرناه الخبر، فقال: انصرفا، نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم).
هذا محمد ﷺ يا شباب! هذا إسلامنا يا شباب! نعلنها ورؤوسنا تعانق كواكب الجوزاء، نقول: هذا إسلامنا ولا نخجل أبداً، بل نقول بملء الفم: نحن مسلمون ولا نخجل، ومع كل قولة في ديننا ومع كل أمر ونهي نردده ونقول: مسلمون لا نخجل.
ونعلن للدنيا كلها قول ربنا: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]، فليهلك من هلك، ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف:٢٩] الآيات، ونعتز بهذا الدين.
فالفهم الفهم، لقد قال ﷺ في تلك القضية: (قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ إنما شفاء العي -والعي هو الجاهل- السؤال)، فلا تخجل أخي أن تسأل، بل يجب عليك أن تراجع العلماء، ولا ينبغي للعالم أن يتجرأ على الفتوى في المسائل التي لو عرضت -والله- على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر.
أقول -وقد صرحت بذلك في أكثر من لقاء-: هنالك مسائل يتصدر للفتوى فيها الآن عالم أوحد أرى ألا تخرج هذه الفتوى إلا من المجامع الفقهية، لاسيما إذا كانت الفتوى متعلقة بمسألة من المسائل النوازل الكبار.
стр. 602
فقه التغيير
قضية الفهم عن الله ورسوله من أخطر وأهم القضايا، إن غاب الفهم لمراد الله وإن غاب الفهم لمراد رسول الله قد نضر ديننا غاية الضرر، وقد نفسد ونحن نريد الإصلاح، وقد نضر ونحن نريد النفع، إن غاب الفهم ربما نخطئ في قضية كبيرة من أخطر وأهم القضايا ألا وهي قضية تغيير المنكر، وهذا هو عنصرنا الثالث بإيجاز: فقه التغيير.
أخي الحبيب! الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في هذا الدين، وهو من أشرف المهام التي ابتعث الله لها النبيين والمرسلين، بل ولو طوي بساطه وأهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة، واضمحلت الديانة، وفشت الضلالة، وعمت الجهالة، واستشرى الفساد، وخربت البلاد، وهلك العباد، ولن يشعروا بذلك إلا يوم التناد، وقد أمر الله به في كثير من آيات القرآن، وفرضه على أمة النبي ﵊، بل وأجمعت الأمة على وجوبه باتفاق، وجعله الله شرطاً من شروط خيرية أمة النبي المصطفى ﷺ .
قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وقال جل وعلا: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤]، وما أكثر الآيات! فنحن جميعاً الحكام والعلماء وعامة الناس الصالحين وغيرهم، نحن جميعاً نركب سفينة واحدة إن نجت نجا الجميع، وإن غرقت غرق الجميع، غرق الصالحون مع غيرهم، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥]، وفي صحيح البخاري من حديث النعمان بن بشير أنه ﷺ قال: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً حتى لا نؤذي من فوقنا -قال ﷺ : فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعاً).
وفي الصحيحين من حديث أم المؤمنين زينب بنت جحش ﵂: (أن النبي استيقظ من نومه عندها فزعاً)، وفي لفظ: (دخل عليها يوماً فزعاً وهو يقول: لا إله إلا الله! لا إله إلا الله! ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه -وحلق النبي بإصبعيه السبابة والإبهام- فقالت أم المؤمنين زينب ﵂: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث)، وأنا أقسم بالله لقد كثر الخبث، قال: (نعم إذا كثر الخبث).
روى الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه بسند صحيح من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (سيأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة.
قيل: من الرويبضة يا رسول الله؟! قال: الرجل التافه -وفي لفظ: الرجل السفيه- يتكلم في أمر العامة)، صدق المصطفى والله.
وراعي الشاة يحمي الذئب عنها فكيف إذا الرعاة لها الذئاب (وينطق فيها الرويبضة، قيل: ومن الرويبضة يا رسول الله؟! قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة) واقع مرير.
إذاً فنحن جميعاً ركاب سفينة واحدة، ولا يجوز لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يرى المنكرات أمام عينيه وبين يديه ثم يهز كتفيه ويمضي وكأن الأمر لا يعنيه لا من قريب ولا من بعيد، ما دام يأكل ملء بطنه وينام ملء عينه ويضحك ملء فمه، لا، قال ﷺ -كما في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد -: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان).
стр. 603
ضوابط تغيير المنكر باليد والقلب
التغيير باليد له ضوابط حتى لا نضر، ألا تستطيع أن تغير بيدك بكلمة رقيقة جميلة حلوة؟ تستطيع -والله- أن تغير بها، فما عليك إلا أن تبذر بذراً صحيحاً، أعني: بالقرآن والسنة بفهم السلف، ودع النتائج بعد ذلك إلى الله؛ فإن هداية التوفيق ليست بيد ملك مقرب، ولا نبي مرسل، إنما هي بيد الله ﵎ وحده، فما عليك إلا أن تتحرك بين الناس بأدب وحكمة ورحمة وتواضع لتبلغ عن الله وعن رسول الله ﷺ ، ودع النتائج بعد ذلك إليه ﵎، غير بلسانك، ولا عذر لك أمام الله جل وعلا إن لم تغير المنكر بقلبك، قد لا تستطيع أن تغير بيدك، وقد لا تستطيع أن تغير بلسانك، لكن لا عذر لك أمام الله إن لم تغير بقلبك، فإن قلت: كيف أغير بقلبي؟ قلت: لابد لذلك من شرطين: الأول: أن يرى الله من قلبك بغضك لهذا المنكر.
الثاني: أن تزول أنت بنفسك عن المكان الذي ترى فيه المنكر الذي عجزت عن إزالته إن استطعت ذلك.
أما أن تأتي وتجلس -مثلاً- أمام فلم من الأفلام، ويعرض الفلم لقطة من لقطات الرقص الشرقي -مثلاً- وأنت جالس وتتصور أنك منكر لهذا المنكر فلا، فتراه جالساً وهو ينظر، ثم هو يريد أن يقنع نفسه بأنه منكر، فيقول: أستغفر الله، أستغفر الله، استغفار الكاذبين، اللهم! اجعلنا من الصادقين.
فلابد أن يرى الله من قلبك بغضك للمنكر، هذا أمر، وأن تزول أنت عن مكان المنكر الذي عجزت عن إزالته إن استطعت أن تترك هذا المكان، وإلا فقد لا يستطيع أحد إخواننا، فيرى الله من قلبك بغضك لهذا المنكر؛ لأنك قد تكون في (أتوبيس) عام مثلاً، ويعرض فيلماً أنت لا ترضاه، فذهبت إلى السائق بأدب جم وأنت تحمل شريطاً آخر لعالم من العلماء وقلت: يا أخي! نريد أن نرى هذا الشريط فقال: لا، اجلس أيها الإرهابي.
وأنت لا تستطيع النزول، فاجلس وافتح كتاب الله وانشغل به، وأسأل الله أن يجعلني وإياك من الصادقين.
стр. 604
لزوم الموازنة بين المصالح والمفاسد في إنكار المنكر
لكن انتبه -يا أخي الحبيب- فالتغيير باليد له فقه وضوابط، وقلت: الأمر لا تحكمه العواطف، ولا تحكمه الغيرة على الدين بقدر ما تحكمه الضوابط الشرعية، التغيير باليد إن ترتب عليه منكر هو أكبر من المنكر الأصلي الذي تريد تغييره، فلا يجوز لك أبداً أن تقدم عليه لتغيره.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: يجب على من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن يكون فقيهاً فيما يأمر به، فقيهاً فيما ينهى عنه، رفيقاً فيما يأمر به، رفيقاً فيما ينهى عنه.
قال ابن القيم ﵀ -وعض على هذا الكلام بالنواجذ- في كتابه الماتع (إعلام الموقعين): إن النبي ﷺ قد شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر؛ ليحصل من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإن كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر من المنكر فهو أمر بمنكر وسعي في معصية الله ورسوله، ولقد كان النبي يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها.
وقد يرد على هذا الاستدلال أن تلك كانت مرحلة استضعاف، والجواب ما قاله ابن القيم، حيث قال: بل لما فتح الله عليه مكة وصارت مكة دار إسلام، وعزم النبي على هدم البيت الحرام ورده على قواعد إبراهيم لم يفعل النبي ذلك مع قدرته على فعله؛ لأن قريشاً كانت حديثة عهد بكفر وقريبة عهد بإسلام.
هذا هو كلام العلماء، فلابد أن نراجع العلماء.
ولابد من الموازنة بين المصالح والمفاسد، لا تزعم لنفسك -يا أخي- أنك أغير على الدين من غيرك، ولا يجوز لي أن أدعي لنفسي أنني أغير على الدين منك أو من غيرك، من أعطاني هذا الحق؟ ومن أعطاك هذا الحق؟ لابد من الموازنة الدقيقة بين المصالح والمفاسد، وهذا لا يحسنه متهور ولا جبان، المتهور سيضرك بتهوره، والجبان سيضر بخذلانه وسلبيته، لكن ضرر المتهور أخطر، والقضية تحتاج إلى موازنات دقيقة بين المفاسد والمصالح، وخذ مني هذه العبارة، وأرجو الله ألا تنسوها: ليس من الفقه أن نسقط أحكام العز والاستعلاء التي مرت بها الأمة على أوقات الذل والضعف والهوان التي تمر بها الأمة.
فإن قيل: أين الدليل على هذا التأصيل الذي أصلت قلت: الأدلة كثيرة، فكلنا يعلم الشروط الجائرة الظالمة التي قبلها النبي ﷺ في الحديبية، والأيام دول يا شباب، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠]، ليس معنى ذلك أن نخضع وأن نخنع، بل يجب أن نعد العدة، كما قال ربنا: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠].
لكن ليس من الحكمة أبداً أن أقوم العمود الصخري وأنا مصر على أن أحطمه برأسي، سيتحطم رأسي ويبقى العمود صامداً شامخاً كما هو، فلا ينبغي أن نسقط أحكام العز والاستعلاء على الأمة في وقت الضعف والذل والهوان.
وقال النبي ﷺ لـ علي بن أبي طالب في الحديبية -والحديث في الصحيحين-: اكتب -يا علي - بسم الله الرحمن الرحيم.
فيعترض رسول قريش على البسملة، ووالله لو فعل هذا الآن لطاشت عقولنا، ورسول الله بين أظهر الصحابة، يقول سهيل بن عمرو: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب: باسمك اللهم.
فيقول الصحابة: والله لا نكتبها إلا (بسم الله الرحمن الرحيم)، فيقول النبي ﷺ : (اكتب -يا علي - باسمك اللهم).
فهذا هو النبي ﵊، واعلم -يا أخي- أن السيرة ليست قصة فقط؛ لأن كثيراً من الناس يسمع الآن السيرة ويخرج وكأنه قد استمع إلى قصة أبي زيد الهلالي، أو إلى قصة عنترة وينسى أن هذا منهج تربوي كامل.
(اكتب -يا علي - باسمك اللهم)، فيكتب (باسمك الله).
ثم قال: (اكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقال سهيل بن عمرو: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله.
فيقول النبي لـ علي: يا علي! امح (رسول الله)) أي: امسح كلمة (هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله).
فيقوم سيدنا علي ويقول له: لا والله، والله لا أمحوك أبداً.
فقال النبي ﷺ : (أرني يا علي!)، لأن النبي كان لا يقرأ ﵊، فيطلب النبي ﷺ من علي أن يشير له إلى موضع الكلمتين الكريمتين، فيمحو النبي ﷺ بنفسه (رسول الله).
ثم قال: (اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله قريشاً: أن تخلي بيننا وبين البيت لنطوف به.
قال: لا والله لا تدخلونه هذا العام؛ حتى لا تتحدث العرب أنا قد أخذنا ضغثة -يعني: دخلتم رغم أنوفنا-، ولكن اكتب ذلك من العام المقبل.
فقال النبي: اكتب يا علي: وذلك من العام المقبل)، وبدأ سهيل بن عمرو يقول: اكتب يا علي! ثم يقول سهيل بن عمرو: (ونصالحك على أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا.
وكل بند لا يطاق، لكن كان هذا خطيراً جداً، فالمسلمون قالوا: سبحان الله! يرد إلى المشركين وقد جاء مسلماً! إلى آخر القصة المعروفة.
فأنا أرجو من شبابنا أن يكون فاهماً، وأن يكون على بصيرة، وأن يعلم أن الأيام دول، إن مرت الآن الأمة بمرحلة استضعاف فقد مرت الأمة بمرحلة طويلة جداً من التمكين والعز، فلا ينبغي أن نيأس أبداً أو أن نقنط أو أن نستسلم أو أن نصاب بالهزيمة النفسية.
فلئن عرف التاريخ أوساً وخزرجاً فلله أوس قادمون وخزرج وإن كنوز الغيب تخفي طلائع حرة رغم المكائد تخرج
стр. 605
حرمة الدماء
أيها الأحبة! فقه التغيير له ضوابط وشروط، إن غاب هذا الفقه ربما نقع في الكبيرة التي تلي الشرك بالله، ألا وهي قتل النفس التي حرم الله ، وهذا هو عنصرنا الرابع بإيجاز: حرمة الدماء.
فالدماء لها حرمة، وفي مثل هذه المسائل الكبيرة والنوازل الخطيرة راجع الربانيين من العلماء، راجع الربانيين من العلماء قبل أن تخطو على الطريق خطوة خطيرة، فالدماء لها حرمة، والله خلق الإنسان وكرمه غاية التكريم، نفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وأنزل وبعث له النبيين والمرسلين ليدلوه على الحق، وأنزل مع الأنبياء والمرسلين الكتب، ووضع الله له شريعة محكمة تضمن له السعادة في الدنيا والآخرة، تلك الشريعة التي تضمن حقوق الإنسان، وفي مقدمة هذه الحقوق حق الحياة، ولا يجوز ألبتة لأي أحد أن يسلب هذا الحق أو يستبيح حماه؛ لأن الله وحده هو واهب الحياة، وليس من حق أي أحد أن يسلب هذه الحياة إلا خالقها جل وعلا، أو في حدود الشريعة التي شرعها ليسعد بها الخلق في الدنيا والآخرة: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤].
فالقتل كبيرة تأتي بعد الشرك بالله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠].
وتدبر معي هذا الوعيد، وأنا أقسم بالله على أنك لو فتشت في القرآن الكريم كله لن تجد وعيداً كهذا الوعيد في سورة النساء في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣] أي وعيد هذا؟ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣].
وفي صحيح البخاري من حديث ابن عمر أنه ﷺ قال: (لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً)، وكان ابن عمر ﵄ يقول: (إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله).
وفي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم بسند صححه شيخنا الألباني من حديث معاوية ﵁ أنه ﷺ قال: (كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركاً أو قتل مؤمناً متعمداً)، وفي سنن النسائي بسند صحيح من حديث بريدة أنه ﷺ قال: (قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا).
ومن أعجب ما قرأت في هذا الباب ما رواه البخاري في التاريخ الكبير، والنسائي في السنن من حديث عمرو بن الحمق الخزاعي ﵁ -وصححه الشيخ الألباني في المجلد الثاني من صحيح الجامع- أن النبي ﷺ قال: (من أمن -أي: أعطى الأمان- رجلاً على دمه فقتله فأنا بريء من القاتل وإن كان المقتول كافراً)، هذا كلام النبي محمد ﷺ ! الأمر دين، والدماء لها حرمة؛ لذا كانت أول ما يقضى فيه يوم القيامة، والحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال ﷺ : (أول ما يقضى فيه يوم القيامة في الدماء)، ولا تعارض بين هذا وبين حديث أصحاب السنن من حديث أبي هريرة: (أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة)، فالصلاة حق الله، والدماء حق العباد، لا تعارض بين الحديثين، فأول ما يقضى فيه يوم القيامة بين العباد في الدماء، بل في سنن النسائي بسند حسن من حديث ابن عباس أنه ﷺ قال: (يجيء المقتول يوم القيامة تشخب أوداجه دماً -أي: تشخب عروق رقبته دماً- يدفع القاتل ليوقفه بين يدي الله وهو يقول: أي رب! سل هذا -أي: سل هذا القاتل- فيم قتلني؟!).
فالدماء لها حرمة عظيمة، ومن ثم فأنا أبذل هذه النصيحة من قلبي لأحبابي وإخواني.
стр. 606
نصيحة محب
стр. 607
الصبر وعدم العجلة
ثالثاً: الصبر وعدم العجلة.
إياك أن تظن أنك أغير على الفلسطينيين الذين تسفك دماؤهم من الله، احذر أن تظن هذا أبداً، إياك أن تظن أنك أرحم من بالعراقيين الذين تسفك دماؤهم من الله، وإياك أن تظن أن الله لا يراهم ولا يسمعهم، فالله يسمع ويرى، لا تسقط ورقة من نخل أو شجرة في هذه الأرض أو في غيرها من البقاع على وجه الأرض إلا بعلمه، فإياك أن تظن أن صاروخاً أو طائرة أو قاذفة أو قنبلة تسقط في أي بقعة من الأرض دون علمه، وتحت سمعه وبصره ﷻ ، وليس أحد أغير على الدين من الله، وليس أحد أغير وأرحم بالمستضعفين في فلسطين والعراق والشيشان وأفغانستان من الله، فلا تتعجل، كن رجلاً ومت رجلاً، لن يسألك الله: لماذا لم تمكن الأمة في عصرك؟! أبداً.
لكن ستسأل عما قدمت أنت وبذلت لدين الله، أما النتائج فليست إليك، ليس هذا من شأن كل العبيد، إنما هو من شأن العزيز الحميد.
وتعجبني عبارة شيخنا الألباني ﵀: (من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه)، أنت تحب ثمرة المانجو، فلو قطفت ثمرة مانجو قبل أن تنضج فهل تستطيع أن تأكلها؟ أبداً.
فالصبر ولا تعجل: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد:٨].
ولا تظن أن دولة من الدول هي التي تحكم الكون وهي التي تدبر أمر الكون، بل إن الذي يدبر أمر الكون هو الله، فاملأ قلبك ثقة بالله الملك الحق، فلا تظن أن دولة تحكم الكون وتدبر شئونه، بل إن الذي يدبر شئون الكون هو الله الملك الحق: ﴿قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٤]، فاصبر ولا تعجل، وليبذل كل واحد ما يقدر عليه لدين الله بحكمة وبرحمة وبأدب وبتواضع، وبفهم دقيق وبوعي عميق، قال ابن القيم: لا يجوز للعالم أو المفتي أو الحاكم أن يفتي في أي مسألة إلا بعلمين: الأول: فهم الواقع.
الثاني: فهم الواجب في الواقع.
فلابد أن تكون على فهم وبصيرة بواقع الأمة في هذه المرحلة الحرجة من مراحل الضعف والذل والهوان، حتى تكون على بصيرة بربط الأدلة الشرعية بمناطاتها العامة والخاصة، التي تتفق مع هذا الواقع الذي تحياه الأمة الآن.
وأخيراً أقول: المسئولية في تربية الشباب تقع على عاتق الجميع، تقع على عاتق وسائل الإعلام التي لا ترقب في شبابنا إلاً ولا ذمة، وتقع على عاتق المؤسسات الدينية، وتقع على عاتق المؤسسات الرياضية التي ابتعدت كثيراً عن منهج الله ومنهج رسول الله ﷺ .
ومع كل ذلك أقول: إن أخطر بيئة تؤثر على الشباب هي الأسرة، الأسرة التي ضيعت كثيراً من دورها الذي يجب أن تقوم به، أنا أقول: إن استقالة تربوية تدمي القلوب قد وقعت الآن في كثير من البيوت، حين استقال كثير من الآباء والأمهات تربوياً، وخرج الشباب ليبحث عن قوته التربوي في وسائل الإعلام، أو في النوادي، أو عبر الصحبة السيئة، أو في الشوارع، فشعر كثير من شبابنا فعلاً باليتم التربوي الحقيقي.
ليس اليتيم من انتهى أبواه من هم الحياة وخلفاه ذليلاً إن اليتيم هو الذي ترى له أماً تخلت أو أباً مشغولاً فليرجع الوالد إلى أولاده، ولتتق الأم ربها ﵎ في أولادها وأبنائها، فالأسرة هي المحضن التربوي الطاهر الذي يخط أولى الخطوط على قلب وعقل الأولاد داخل البيوت، ولا تيأسوا ولا تقنطوا؛ فإن أشد ساعات الليل سواداً هي الساعة التي يأتي بعدها مباشرة ضوء الفجر.
وفجر الإسلام قادم بموعود الله وبموعود الصادق رسول الله، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧٢ - ١٧٣].
وقال سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف:١١٠]، وقال سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف:٨ - ٩].
وخذ هذه البشرى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]، هل تصدقون الله؟ ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦].
صبح تنفس بالضياء وأشرقا والصحوة الكبرى تهز البيرقا وشبيبة الإسلام هذا فيلق في ساحة الأمجاد يتبع فيلقا وقوافل الإيمان تتخذ المدى درباً وتصنع للمحيط الزورقا وما أمر هذه الصحوة الكبرى سوى وعد من الله الجليل تحققا هي نخلة طاب الثرى فنما لها جذع قوي في التراب وأعذقا هي في رياض قلوبنا زيتونة في جذعها غصن الكرامة أورقا فجر تدفق من سيحبس نوره أرني يداً سدت علينا المشرقا يا نهر صحوتنا رأيتك صافيا وعلى الضفاف رأيت أزهار التقى قالوا تطرف جيلنا لما سمى قدراً وأعطى للطهارة موثقا ورموه بالإرهاب حين أبى الخنا ومضى على درب الكرامة وارتقى أوَ كان إرهاب جهاد نبينا أم كان حقاً بالكتاب مصدقا أتطرف إيماننا بالله في عصر تطرف في الهوى وتزندقا إن التطرف أن نذم محمداً والمقتدين به ونمدح عفلقا إن التطرف أن نرى من قومنا من صانَعَ الكفر اللئيم وأطرقا يا جيل صحوتنا إني أعيذك أن أرى في الصف من بعد الإخاء تمزقا لك في كتاب الله فجر صادق فاتبع هداه ودعك ممن فرقا لك في رسولك أسوة فهو الذي بالصدق والخلق الرفيع تخلقا يا جيل صحوتنا ستبقى شامخا ولسوف تبقى باتباعك أسمقا أسأل الله جل وعلا ألا يخرجنا من الحياة إلا بذنب مغفور، اللهم لا تخرجنا من الحياة إلا بذنب مغفور، وسعي مشكور، وتجارة لن تبور، اللهم استرنا ولا تفضحنا، اللهم أكرمنا ولا تهنا، اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام، اللهم اشف صدور قوم مؤمنين بنصرة التوحيد والموحدين.
اللهم أنج المسلمين المستضعفين في فلسطين، وأنج المسلمين المستضعفين في العراق، وأنج المسلمين المستضعفين في الشيشان، وأنج المسلمين المستضعفين في أفغانستان.
اللهم اجعل بلاد الإسلام أمناً أماناً سخاءً رخاءً وجميع بلاد المسلمين، اللهم لا تحرم هذا البلد الكريم من نعمة الأمن والأمان وجميع بلاد المسلمين، اللهم لا تحرم هذا البلد من نعمة الأمن والأمان وجميع بلاد المسلمين.
اللهم أصلح شبابنا، اللهم أصلح شبابنا، اللهم أصلح شبابنا، اللهم اهدنا واهد شبابنا، اللهم اهدنا واهد شبابنا، اللهم استرنا واستر شبابنا، اللهم احفظنا واحفظ شبابنا، اللهم استر نساءنا وبناتنا، اللهم رب لنا أولادنا، ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً، اللهم اجعلنا للمتقين إماماً.
اللهم لا تفضحنا بخفي ما اطلعت عليه من أسرارنا، ولا بقبيح ما تجرأنا به عليك في خلواتنا، برحمتك يا أرحم الراحمين!
стр. 608
لزوم التوبة واتهام النفس
النصيحة الأولى: التوبة واتهام النفس، فلنتب إلى الله جميعاً، وليتهم كل واحد منا نفسه، وليتهم كل واحد منا نفسه، فعلام العجب؟ وعلام الكبر؟ وعلام الغرور؟ ولم يريد كل واحد منا أن ينفرد برأيه وأن يستقل دون أن نجلس لنعرض هذه الأقوال ولنعرض هذه الأفعال على كتاب الله وعلى سنة رسول الله بفهم السلف حتى لا نختلف؟! ولا ينبغي أن نقول: هم رجال ونحن رجال.
فإن كنت تريد بهذه المقولة أنهم رجال بذلوا أرواحهم لدين الله ونحن رجال لا نقل عنهم، فيجب علينا أن نبذل أرواحنا كذلك لدين الله فكلامك على العين والرأس، أما إن كنت تقصد أنهم رجال ونحن رجال تريد أن تضع رأسك برأس أبي بكر فهذا مرفوض -يا أخي- إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها بنص القرآن والسنة.
فهؤلاء عدلهم الله وزكاهم، وشهد لهم بالخيرية، بل ورضي الله عنهم ورضوا عنه ، وقال النبي ﷺ فيهم: (والذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، فهم خير الناس بشهادة سيد الناس، والأدلة على ذلك كثيرة، فليتهم كل واحد منا نفسه، ولنجدد التوبة والأوبة إلى الله من فتن الشهوات، ثم لنرجع إلى العلم لينقذنا ربنا من فتن الشبهات، فلا مخرج لنا من الشهوات إلا بالتوبة، ولا مخرج لنا من الشبهات إلا بالعلم.
الجهل قبل الموت موت لأهله وأجسامهم قبل القبور قبور وأرواحهم في وحشة من جسومهم وليس لهم قبل النشور نشور قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]، وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨].
قال ابن القيم: إن أول من شهد لله بالوحدانية هو الله، ثم ثنى بملائكته، ثم ثلث بأهل العلم.
وهذه هي العدالة في أعلى درجاتها، فإن الله جل وعلا لا يستشهد بمجروح، فلنرجع إلى العلم، ولنراجع الربانيين من العلماء، وإياك أن تتهم عالماً أو تنتقص من قدره، إن خالفت فتوى العالم ما تحبه أنت وما تهواه فلا تتعجل باتهام هذا العالم أبداً؛ فالأمر دين.
واعلم يا أخي -وفقني الله وإياك لمرضاته، وجعلني الله وإياك ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته- اعلم بأن لحوم العلماء مسمومة، وأن عادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب، فلتراجع العلماء الربانيين؛ لأن الرسول ﷺ أخبر أن الأمة لا تخلو أبداً من العلماء الربانيين القائمين لله بحجة، والحديث في الصحيحين من حديث معاوية ﵁ أنه ﷺ قال: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك).
فلا ينبغي أبداً أن تقول: أين الربانيون من العلماء؟ فوق أي أرض؟ وتحت أي سماء؟ لابد أن ترى من يقوم لله ﵎ بحجة، من يبلغ عن الله وعن رسول الله بفهم الصحابة عليهم جميعاً رضوان الله.
стр. 609
مراعاة أدب الخلاف
ثانياً: مراعاة أدب الخلاف.
الخلاف له أدب وفقه، فلا ينبغي أن يسفه بعضنا بعضاً، وأن يذبح بعضنا بعضاً على شبكات الإنترنت عبر هذه المواقع الكثيرة الخطيرة، وإنما إن اختلفنا فليطرح الخلاف في بوتقة فقه الخلاف.
يا أخي! اطرح أدلتك وأنا أطرح أدلتي، وليظلل أدلتي وأدلتك أدب الخلاف وفقه الخلاف.
قال ابن تيمية ﵀: الاختلاف في مسائل الأحكام أكثر من أن ينضبط، ولو كان كلما اختلف مسلمان في شيء من مسائل الأحكام تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة.
فخالفني وأنا أخالفك في عشرات المسائل وفي مئات المسائل ولا حرج ما دمت تطرح أدلة وأنا أطرح أدلة، لكن الخلاف الواقع بيني وبينك بسبب خلافنا في فهم الدليل، وقد وقع ذلك بين أصحاب النبي الجليل ﷺ ، اختلف الصحابة لاختلافهم في فهم الدليل أو بسبب عدم بلوغ الدليل، وهذا الاختلاف أمر وارد واقع، ولو فتشت في كتب الفقه في مجلداتها الضخمة لوجدت جل مسائلها -من مسائل الخلاف- من مسائل الأحكام، فلنراع فقه الخلاف وأدب الخلاف.
стр. 610
حق المستضعفين في أفغانستان وفلسطين
كانت الأمة قبل الإسلام أمة متناحرة، مقطعة الأجزاء، فوحد صفها رسولنا الكريم ﷺ ، وآخى بين أجناس الناس المختلفة، حتى صاروا كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
ثم عدنا من جديد إلى الوراء فتفرقت الأمة، وأصبحت فرقاً وأحزاباً، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فعلينا واجب ديني عظيم، وهو واجب النصرة لهذا الدين بالنفس والمال بتحقيق الولاء والبراء، وتوحيد الصفوف ولم الشعث، لنستعيد مجدنا الأمثل، والله تعالى ينصر من نصره، ويخذل من تولى عن دينه الحنيف.
стр. 611
أمة الجسد الواحد
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة والأخوات، وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة وإمام النبيين في جنته ودار مقامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أيها الأحبة! حقوق يجب أن تعرف، سلسلة منهجية تحدد الدواء من القرآن والسنة لهذا الداء العضال الذي استشرى في جسد الأمة، ألا وهو داء الانفصام النكد بين المنهج المنير، والواقع المؤلم المرير، فأنا لا أعرف زماناً قد انحرفت فيه الأمة عن كتاب ربها وسنة نبيها، وضيعت فيه حقوق الإسلام؛ كهذا الزمان، فأردت أن أُذَكِّرَ أمتي ونفسي من جديد بهذه الحقوق الكبيرة التي ضاعت عسى أن تسمع الأمة مرة أخرى عن الله ورسوله، وأن تردد مع السابقين الصادقين الأولين قولتهم الخالدة: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥].
ونحن اليوم بحول الله ومدده على موعد مع اللقاء السابع والعشرين من لقاءات هذه السلسلة الكريمة، وحديثنا اليوم عن حق جليل كبير ألا وهو: حق المستضعفين في أفغانستان وفلسطين، فأعيروني القلوب والأسماع جيداً، والله أسأل أن يرزقنا الصدق في القول والعمل، وأن يقر أعيننا بنصرة المستضعفين من المسلمين في كل بقاع الأرض، وأن يشفي صدور قوم مؤمنين بهزيمة ساحقة لأعداء رب العالمين وأعداء المسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وحتى لا ينسحب بساط الوقت سريعاً من تحت أقدامنا؛ لأن الحديث طويل بطول آلامه، مؤلم بكثرة دمائه، ممزق للقلوب الحية بكثرة الأشلاء المتبعثرة الممزقة، فأرجو أن أركز الحديث في العناصر المحددة التالية: أولاً: أمة الجسد الواحد.
ثانياً: أمة غثاءٌُُ.
ثالثاً: أين واجب النصرة؟ رابعاً: أيها المظلوم صبراً لا تهن.
وأخيراً: مِنْ رَحِمِ الليل يولد ضوء الصباح.
فأعيروني القلوب والأسماع جيداً، والله أسأل أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وألاَّ يستخرج منا إلا ما يرضيه سبحانه إنه ولي ذلك ومولاه.
стр. 612
الأخوة الإسلامية
أولاً: أمة الجسد الواحد: كان العرب أمة ممزقة قبل الإسلام لا وزن لهم ولا قيمة، لو تصفحت التاريخ وقرأت عن حروب العرب؛ لوقفت على قيمة هذا الدين العظيم الذي حَوَّلَهُمْ من غثاء وقبائل متناحرة، ومن أمم متمزقة متصارعة، إلى أمة واحدة؛ لذا امتن الله عليهم بهذه النعمة العظيمة الكبيرة فقال : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران:١٠٣].
كانوا متفرقين، وكانوا على شفا حفرة تُوْدِيْ بهم إلى نار الدنيا والآخرة، بشركهم بالله جل وعلا وتَصَارُعِهِمْ وتحاربهم، فجاء النبي ﷺ فدعاهم إلى التوحيد، فاستنقذهم من شرك العصبية والوثنية إلى أنوار الأُلْفَةِ والتوحيد لرب البرية ﷻ ، فأذلوا كسرى، وأهانوا قيصر، وأقاموا للإسلام دولة من فتات متناثر، وسط صحراء تموج بالكفر موجاً، فإذا دولة الإسلام بناء شامخ لا يطاوله بناء، وذلك في فترة لا تساوي في حساب الزمن شيئاً على الإطلاق، يوم آخى رسول الله ﷺ بينهم، ووحدت العقيدة صفوفهم، وجمعتهم على لسان وقلب رجل واحد.
فجاء المصطفى فآخى بين سلمان الفارسي وحمزة القرشي، وصهيب الرومي ومعاذ الأنصاري وبلال الحبشي، وعلى اختلاف ألوانهم وأوطانهم وأجناسهم انصهروا في بوتقة واحدة، جمعتهم آصرة العقيدة، جمعتهم الأخوة الإيمانية التي لا نظير لها في كل الشرائع الوضعية على وجه الأرض؛ لأنها أُخُوَّة تعلو على إخوة النسب والعِرْقِ واللون والوطن، إنها الأُخُوِّةُ في الله.
استطاع النبي ﷺ أن يجعل من المؤمنين جميعاً دوحة واحدة متشابكة الأغصان، متلاصقة الأوراق، انصهروا في بوتقة المحبة في الله، فرأيت منهم العجب العجاب، ولو لم نكن على يقين بأن ما سنذكر بعضه الآن جاء عن الصادق الذي لا ينطق عن الهوى لقلنا إنه من نسج الخيال؛ لأنه لا يمكن بحال أن يقع في دنيا الناس، اللهم إلا إذا كان المربي لهؤلاء الناس هو المصطفى محمد.
стр. 613
نموذج فريد للأخوة الإيمانية
تدبر معي هذه النماذج ولن أطيل فيها، تدبر معي في هذا النموذج العظيم الأول: في الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: (آخى رسول الله ﷺ بيني وبين سعد بن الربيع الأنصاري)، يوم أن هاجروا من مكة إلى المدينة اختار النبي سعد بن الربيع أخاً في الإسلام لـ عبد الرحمن بن عوف المهاجر من مكة، تدبر ماذا قال الأنصاري لأخيه، قال سعد بن الربيع: يا عبد الرحمن! إني أَكْثَرُ الأنصار مالاً، وسأقسم مالي بيني وبينك نصفين، ولي زوجتان فانظر أعجبهما إليك لأطلقها، حتى إذا انقضت عدتها تزوجتها).
والله إن الحلق ليجف، وإن القلب ليرتعد فرحاً وخجلاً، وإن الكلمات كلها لتتوارى خجلاً وحياءً أمام هذه الأُخُوَّةِ.
لولا أن الحديث في الصحيحين لظننت أنه من نسج الخيال أن يقول رجل عربي له شهامة، وعنده من الرجولة ما نعلم جميعاً، يقول لأخيه: (عندي امرأتان فانظر أعجبهما إليك؛ لأطلقها، حتى إذا انقضت عدتها تزوجتها)، فيرد عليه العفيف الشريف عبد الرحمن بن عوف ويقول: (بارك الله لك في أهلك ومالك، ولكن دلني على السوق، فدله على سوق بني قينقاع، فذهب فباع واشترى وربح.
وجاء إلى النبي ﷺ وعليه أثر صُفْرَةٍ، فقال له النبي: (مَهْيَمْ؟ -يعني: ماذا صنعت يا عبد الرحمن؟ - قال: تزوجت امرأة من الأنصار يا رسول الله، قال النبي: وماذا سقت لها من مهر؟ فقال: سقت لها مقدار نواة من ذهب، فقال له المصطفى: أو لم ولو بشاة).
وإن سألني سائل وقال: أين من يعطي الآن عطاء سعد بن الربيع؟ ف
الجواب
وأين من يتعفف عفة عبد الرحمن بن عوف؟ فلقد وجد سعد يوم وجد عبد الرحمن، وضاع سعد يوم ضاع عبد الرحمن.
جاء رجل فقير إلى أحد الأغنياء الأثرياء ليسأله الصدقة بإلحاح، فلما امتنع الغني قال له الفقير: أين الذين ينفقون لله سرّاً وعلانية؟ فقال له الغني: ذهبوا مع من لا يسألون الناس إلحافاً.
إنه مجتمع فريد فيه سعد وفيه عبد الرحمن، فيه من يبذل وفيه من يتعفف، والمربي لـ سعد ولـ عبد الرحمن هو الإسلام، بقيادة المصطفى الذي رباه الله على عينه ليربي به الدنيا، بأبي هو وأمي ونفسي وروحي
стр. 614
موقف العزة من أمة الجسد الواحد
موقف من مواقف الأمة ذات الجسد الواحد، وانظر إلى هذا الموقف الذي يتألق عزة، واسمحوا لي أن أكرره، فإن المسلم الآن يتطلع إلى موقف من عزة ولو في الماضي؛ ليضمد به الجراح، إنه موقف ربعي، ذكرت الموقف كثيراً لكننا في أَمَسِّ الحاجة إلى ذكره الآن؛ لنقف على أمة الجسد الواحد، وبما كانت تمتلكه من عزة ومكانة وكرامة.
ربعي بن عامر جندي متواضع في الجيش المسلم، يرسل به قائد القادسية سعد بن أبي وقاص إلى قائد الجيوش الكسروية الجرارة رستم، ويدخل ربعي بثيابه المتواضعة، ويقف بين يدي رستم دون وقوف مع جزئيات الموقف والحدث، ليقول له رستم: من أنتم؟ فيقول ربعي الذي عرف الغاية، وفهم الوظيفة التي من أجلها ابتعث: نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جَوْرِ الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، فمن قبل منا قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن حال بيننا وبين دعوة الناس لدين الله قاتلناه حتى نفضي إلى موعود الله.
قال رستم: وما موعود الله؟ قال ربعي: الجنة لمن مات منا، والنصر لمن بقي من إخواننا.
قال رستم: سمعت مقالتك، فهل لكم أن تؤجلونا لننظر في أمرنا، ولتنظروا في أمركم؟ قال ربعي: لقد أمرنا نبينا ﷺ ألاَّ نؤخر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث ليال فانظر في أمرك وأمرهم، واختر لنفسك ولهم واحدة من ثلاث.
يا لها من عزة وكرامة!.
قال رستم: ما هي؟ قال ربعي: الأولى: الإسلام ونرجع عنك -هذه هي الغاية أن تسلموا لله جل وعلا.
قال رستم: وما الثانية؟ قال: الجزية، وإن احتجت إلى نصرتنا نصرناك.
الجزية التي ما زالت الأمة تدفع فاتورتها الآن كاملة غير منقوصة، ومن أغرب ما قرأت في اليومين الماضيين أن تقريراً أمنيّاً وضعه التقرير الأمريكي عرض على (بوش)، هذا التقرير الأمني يطالب العرب والمسلمين بتسديد نفقات الحرب الأمريكية على أفغانستان، هل تعلمون تكلفة اليوم الواحد؟ تتكلف أمريكا في حربها في أفغانستان في اليوم الواحد ما يزيد على مائة مليون دولار، وليدفع العرب وليحيا العرب، وليبارك الله في بترول العرب، وفي أموال العرب، فليدفع العرب أذلاء، ينفق في اليوم مائة مليون دولار، فالصاروخ تزيد قيمته على مليوني دولار، والقنبلة الانشطارية التي تسقط الآن على أرض أفغانستان تزيد تكلفتها على نصف مليون دولار، ويطالب التقرير الأمني (بوش) أن يكلف العرب بتسديد هذه الفاتورة، بدعوى أنها حرب ضد الإرهاب، والعالم العربي كله بحاجة إلى القضاء على الإرهاب، حسبنا الله ونعم الوكيل!! كل الكلمات ورب الكعبة أراها تنسحب من بين يدي، بأي لغة أعلق؟! وبأي كلام أدلل على مثل هذا الكلام الخطير؟! فالجزية اليوم تدفعها الأمة، وربعي يقول لـ رستم: الجزية، وإن احتجت إلى نصرتنا نصرناك.
قال رستم: وما الثالثة؟ قال ربعي: القتال، ولن نبدأك بقتال فيما بين اليوم وبين اليوم الثالث إلا إن بدأتنا أنت.
فقال له رستم: عرفتك، أسيدهم أنت؟ أي: هل أنت القائد؟ قال: لا، ولكن المسلمين كالجسد الواحد، يسعى بذمتهم أدناهم على أعلاهم.
هذه أمة الجسد الواحد التي حققت قول المربي والمعلم ﷺ الذي في الصحيحين من حديث النعمان: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).
هذه أمة الجسد الواحد التي حققت قول النبي ﷺ الذي في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وشبك النبي ﷺ بين أصابعه).
هذه أمة الجسد الواحد التي استحقت أن تُخَاطَبَ من الله جل وعلا بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠].
استحقت هذه الأمة أن تُخَاطَبَ من الله جل وعلا بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣].
استحقت هذه الأمة أن تُخَاطَبَ من الله بقوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢]، ولو كان المراد بالآية هم الأنبياء، فالخطاب لأمة سيد الأنبياء، وإمام الأصفياء محمد ﷺ .
ظلت هذه الأمة عزيزة تَرْفُلُ في ثوب العز والكرامة حتى جيء بتاج كسرى ليوضع في حجر عمر بن الخطاب وهو في مدينة رسول الله، نعم يؤتى بتاج كسرى ليوضع بين يدي الفاروق! وقيصر تفتَّتَتْ إمبراطوريته، وكسرى يمزق ملكه، وتنتشر وتعلو راية الإسلام على ثلثي الكرة الأرضية في فترة لا تساوي في حساب الزمن شيئاً على الإطلاق، ارتفعت راية الإسلام في قلب الصين في قلب فرنسا في إيطاليا في أقصى الحدود المغربية، ارتفعت راية التوحيد في قلب أوروبا على أيدي هؤلاء الأبطال الفاتحين الذين عرفوا الغاية التي من أجلها خلقوا، والوظيفة التي من أجلها ابتعثوا.
ثم راحت الأمة تتخلى شيئاً فشيئاً عن ثوب عزها بانحرافها عن أصل عزها، عن قرآن ربها وسنة نبيها ﷺ ، راحت الأمة تبتعد يوماً بعد يوم، حتى وقع ما لم يكن يخطر أَلبَتَّةَ لأحد على بال، حين تركت الأمة شريعة الكبير المُتعَاَلِ، وحكمت الأمة قوانين أخبث الرجال في السياسة في الاقتصاد في الإعلام في التعليم في كل مناحي الحياة.
ابحث عن شريعة الله وشريعة رسول الله في الأمة لقد ضاعت! بل رأينا من أبناء الأمة من يعلنها صريحة بلا خجل أو وجل: إن الشريعة الإسلامية لم تعد صالحة لمدنية القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين، بل يجب على الأمة إن أرادت التقدم والانطلاق أن تحاكي الغرب، وأن تُحَكِّمَ قوانينه ولو اصطدمت مع شريعة الله ورسوله! فاستبدلت الأمة بالعبير بعراً، وبالثريا ثرى، وبالرحيق المختوم حريقاً، وظنت الأمة أنها قد ركبت قوارب النجاة فغرقت وأغرقت وهلكت، وضلت وأضلت، وصارت الأمة الآن ذليلة لأذل أهل الأرض؛ لمن كتب الله عليهم الذُّلَّ والذِّلَّةَ من إخوان القردة والخنازير، وللصليبيين الحاقدين، وَلعِبُادِ البقر، حتى للملحدين في روسيا.
وهذا هو عنصرنا الثاني: أمة غثاء:
стр. 615
أمة غثاء
قال النبي الصادق الذي لا ينطق عن الهوى كما في مسند أحمد وسنن أبي داود بسند صحيح من حديث ثوبان أن النبي صلى عليه وسلم قال: (يوشك)، ولفظة يوشك للقريب، توحي بالقرب (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأَكَلَةُ إلى قصعتها).
لقد صرح بوش أنه سيعلن الحرب ضد الإرهاب، وضمت القائمة ستين دولة، وهذا هو عدد الدول العربية والإسلامية على وجه الأرض، (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أومن قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟! قال: لا.
أنتم يومئذ كثير، ولكن غثاء كغثاء السيل) انظر إلى هذا الزِّبَدِ الذي يقذف به السيل لا وزن له ولا قيمة، يؤرجحه التَّيَّارُ حيثما شاء وأراد، (ولكنكم غثاء كغثاء السيل، وليوشكن الله أن ينزع المهابة من قلوب عدوكم، ويقذف في قلوبكم الوهن، قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت) صدق المصطفى الذي لا ينطق عن الهوى، صارت الأمة غثاءً من النفايات البشرية، تعيش على ضفاف مجرى الحياة الإنسانية كدول، أستغفُر الله، بل كدويلات متناثرة متصارعة متحاربة، تفصل بينها حدود جغرافية مصطنعة، ونعرات قومية جاهلية مقيتة، وترفرف على سمائها رايات القومية والعروبة والوطنية، وتحكم الأمة قوانين الغرب العلمانية، وتدور بالأمة الدوامات السياسية، فلا تملك الأمة نفسها عن الدوران، بل ولا تختار لنفسها حتى المكان الذي تحب أن تدور فيه.
ذلت بعد عزة، وجهلت بعد علم، وضعفت بعد قوة، وأصبحت في ذيل القافلة البشرية بعدما كانت بالأمس القريب تقود القافلة كلها بجدارة واقتدار، وأصبحت تتسول على موائد الفكر البشري بعد أن كانت بالأمس القريب منارة تهدي الحيارى والتائهين ممن أحرقهم لَفْحُ الهاجرة القاتل، وأرهقهم طول المشي في التيه والظلام.
بل وأصبحت الأمة تتأرجح في سيرها، وضلت طريقها بعد أن كانت الأمة بالأمس القريب الدليل الحاذق الأرب في الدروب المتشابكة، بل في الصحراء المهلكة التي لا يهتدي للسير فيها إلا الأَجِلِّاءُ المجربون.
أهذه أمة دستورها القرآن وقائدها محمد ﵊؟!! أهذه هي الأمة التي خوطبت من الله سبحانه بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران:١١٠]؟!! أهذه هي الأمة التي خوطبت من الله بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]؟!! أهذه هي الأمة التي خوطبت من الله بقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]؟!! إن خيرية الأمة ليست عصبية ولا عنصرية ولكنها خيرية هداية وإيمان، والتزام بشرع الله، كما ذكر سبب خيريتها فقال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، فبات في الأمة الآن من يشرك بالله، انظر إلى الملايين المملينة في الأمة التي لا تعرف شيئاً عن شرع ربها: ضيعت الصلاة، ضيعت الزكاة، ضيعت الحج مع القدرة، تسأل غير الله، تستغيث بغير الله، تستعين بغير الله، تثق بأمريكا وببعض دول الأرض أكثر من ثقتها بالله، إلى آخر هذا الوباء والبلاء، بات في الأمة الآن من يشرك بالله، وبات في الأمة الآن من يأمر بالمنكر، وينهى عن المعروف!
стр. 616
المسلمون في فلسطين
أنا لا أغالي ولا أريد أن ألهب العواطف بكلمات فارغة، وإنما أتحدث عن واقع يعلمه كل مسلم، وتعلمه كل مسلمة، هذا واقع الأمة، ابتعدت الأمة عن ربها فذلت، ابتعدت الأمة عن رسول الله فهانت، تعرت الأمة من ثوب الإسلام فانكشفت كل سوءاتها وعوراتها، فطمع فيها اليهود أنجس أهل الأرض وهم يفعلون بها الآن في فلسطين ما يندى له جبين التاريخ، بل ما يحترق له قلب كل مسلم غيور.
يصرح زعيم السلطة ويقول: إنه يثق في شارون، وإن شارون صديق حميم حريص على السلام.
قمة الذل، قمة الاستجداء، شارون السفاح المسرف، الذي لُطِّخَتْ يداه بدماء المسلمين المستضعفين في فلسطين يوم أن كان ضابطاً صغيراً في الجيش اليهودي، وإلى هذه اللحظة لا يزال حريصاً على السلام!! وصديق حميم!! تُهَدَّمُ البيوت، وتسفك الدماء، وتمزق الأشلاء، وينتهك عرض الإسلام وعرض المقدسات، والأمة تسمع وترى، والمسلمة في فلسطين تقول: واإسلاماه، وامعتصماه، لكن أين المعتصم؟ ما ثَمَّ معتصم يغيث، أين زعماء العرب؟! أين حكام المسلمين؟! أين الجيوش المسلمة لتنقذ هذه المسلمة التي تنادي باسم المعتصم؟! ما ثم معتصم يغيث من استغاث به وصاح ذبحوا الصبي وأمه وفتاتها ذات الوشاح وعدوا على الأعراض في انتشاء وانشراح يا ألف مليون وأين همو إذا دعت الجراح؟ ما ثم معتصم يغيث من استغاث به وصاح آه يا مسلمون متنا قروناً والمحاق الأعمى يليه محاق أي شيء في عالم الغاب نحن آدميون أم نعاج نساق نحن لحم للوحش والطير منا الجثث الحمر والدم الدفاق وعلى المحصنات تبكي البواكي يا لعرض الإسلام كيف يراق قد هوينا لما هوت وأعدوا وأعدوا من الردى ترياق واقتلعنا الإيمان فاسودت الدنيا علينا واسودت الأعماق وإذا الجذر مات في باطن الأرض تموت الأغصان والأوراق تنادي على المسلمين في بقاع الأرض مسلمة في فلسطين، ومسلمة في أفغانستان، ومسلمة في الشيشان، ومسلمة في كشمير، ومسلمة في طاجكستان، ومسلمة في الفلبين، ومسلمة في الصومال، ومسلمة في العراق، ومسلمة في السودان، ومسلمة في الجزائر، وتقول: أنا لا أريد طعامكم وشرابكم فدمي هنا يا مسلمون يراق عرضي يدنس أين شيمتكم؟ أما فيكم أبي قلبه خفاق؟ أختاه أمتنا التي تدعينها صارت على درب الخضوع تساق أودت بها قومية مشئومة يرتادها نحو الضياع رفاق إن كنت تنتظرينها فسينتهي نفق وتأتي بعده أنفاق مدي إلى الرحمن كف تضرع فلسوف يرفع شأنك الخلاق إنه الذل، إنه الهوان، وددت أن لو أسمعت زعماء العرب وحكام المسلمين مثل هذا، فأنا أعلم أنكم لا تملكون من الأمر شيئاً إلا النزر اليسير، وددت أن لو أسمعت الأمة كلها مثل هذه الكلمات التي تذيب الصخور والحجارة، ولكن القلوب صارت أقسى من الصخور، وأشد من الحجارة.
стр. 617
واجب النصرة
أين واجب هؤلاء؟ هذا هو عنصرنا الثالث: واجب النصرة: النصرة بالنفس لمن استطاع، والنصرة بالمال لمن لم يقدر على نصرة هؤلاء المستضعفين بنفسه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف:١٠ - ١١].
النصرة بالكلمة، فالسياسة الآن تديرها الكلمة، تديرها وسائل الإعلام اليهودية التي تتحكم في الإدارة الأمريكية، بل وفي الإدارة الأوروبية.
هذه الجريدة الوقحة تعلن الحرب الآن على مصر ورئيسها، وعلى السعودية وملكها، هذه الجريدة التي تسمى واشنطن يوست، ارجعوا إليها لتعرفوا مجلس إدارتها، لتعرفوا محرريها، لتعرفوا من ينفق عليها، فالجريدة كلها يهودية صرفة، رئيس مجلس الإدارة يهودي، مجلس الإدارة يهودي، المحررون يهود، فالشركة كلها مملوكة لأسرة يهودية.
حتى لا نستكثر على هذه الجريدة وغيرها من وسائل الإعلام الأمريكية والغربية هذه الحرب القذرة التي تشن الآن على مصر والسعودية؛ لأنهم يعلمون يقيناً وزن مصر، ومكانة مصر، ولا يريدون أبداً لمصر أن تتدخل لا من قريب ولا من بعيد في مثل هذه الفتنة الطاحنة.
ولكن سنؤكل ورب الكعبة جميعاً يوم أكل الثور الأبيض، فالنصرة بالنفس، وبالمال، وبالكلمة، وبتحقيق الولاء والبراء، وبإقامة الفرقان الإسلامي للخروج من حالة الغبش التي تحياها الأمة، وبإعداد بيتك إعداداً يليق بخطورة المرحلة المقبلة والتي لابد منها، ثم الدعاء، وأنا أعي قدر كلمة الدعاء.
ولا أستهين بهذا السهم الذي إن خرج من قوس مشدودة، وصادف القوس ساعداً قويًّة، لو أصاب السهم الهدف بإذن الرب العلي، فنحن نريد الآن قلوباً تحترق، ودعوات صادقة تخرج من هذه القلوب إلى عَنَانِ السماء، ونحن مظلومون؛ ليرفعها من حَرَّمَ الظلم على نفسه فوق الغمام، وليقول لها: (وعزتي وجلالي لأنصرنكِ ولو بعد حين).
فوالله وإن تخلى العالم الغربي والعالم الإسلامي عن أولئك المستضعفين في فلسطين وأفغانستان وفي كل مكان؛ فإن رب العزة ﷻ لا يمكن أبداً أن يتخلى عنهم، كيف وربك حكم عدل؟ ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]، وكيف وربك قد حرم الظلم على نفسه، فقال: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)، وهذا هو عنصرنا الرابع من عناصر اللقاء.
стр. 618
أيها المظلوم صبراً لا تهن
أيها المظلوم صبراً لا تهن، إن عين الله لا تنام، ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]، ولكن الله قد أودع الكون سنناً ربانية ثابتة لا تتبدل ولا تتغير، ولا تحابي تلك السنن أحداً من الخلق مهما ادعى لنفسه من مقومات المحاباة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ [البقرة:٢٥١]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠].
стр. 619
نصرة الله لأبطال الانتفاضة
أنا أقسم بالله! إن ما نراه الآن على أرض فلسطين وعلى أرض أفغانستان لهو النُّصْرَةُ الحقيقية لأولئك المستضعفين من رب العالمين، فلسطين الانتفاضة مضى عليها عام أو يزيد، اسأل الآن أي يهودي على أرض فلسطين: هل يشعر بالأمن؟ هل يشعر بالاستقرار؟ سل جنرالات اليهود الكبار.
يصرح أحد جنرالاتهم ويقول: صرت أخشى كل شيء في الشارع، صرت أخشى صندوق القمامة، صرت أخشى الدراجة التي تمر إلى جواري أن تنفجر في وجهي في أي لحظة، ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران:١٤٠].
ثم انظر إلى سلاح أولئك، وإلى ترسانة هؤلاء، انظر إلى سلاح اليهود، وسلاح المستضعفين الفلسطينيين، لا وجه للمقارنة، صار الحجر في أيدي الطفل المسلم يتلألأ ويتوهج كأنه قنبلة! أذكر ورب الكعبة كلما رأت عيني هذا المشهد الرقراق مشهد طفل يجري وراء جندي يهودي يجري أمامه وهو مدجج بالسلاح، يجري وراءه بالحجر، أتذكر قول ربي لنبيه: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧].
لماذا يجري اليهودي؟ لأنه جبان! ويقدم الطفل الفلسطيني الذي عَلَّمَ الدنيا كلها أن محمداً ما مات، وما خلف محمد بنات، بل خلف أطفالاً ورجالاً أبطالاً علموا الأمة كلها كيف يكون الذود عن الكرامة والعرض والمقدسات، علموا الحكام والزعماء حقيقة الشرف والبطولة وعظمة الفداء! إنه النصر، ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ﴾ [الحج:٤٠]، أقسم برب الكعبة إنه النصر.
مضى عام والأطفال الأبطال ما لانت لهم شكيمة، فما سلَّموا، ولا استسلموا، بل يركض الآخرون بِذُلًّ وعار للاستسلام ولتوقيع الذل والمهانة، لكن هؤلاء يأبون الذل، ويأبون التسليم، ويأبون إلا الكرامة، ويقفون في الصف، ويتصدون لهذه الترسانة الرهيبة اليهودية -أو إن شئت فقل: لهذه الترسانة الأمريكية- بكل عز وكرامة.
إنه النصر، صار كل وزير يهودي يخشى على نفسه، فتشوا في بيته، فتشوا في حديقته، يخشى من أي شيء، ماذا تريدون بعد ذلك؟
стр. 620
نصرة الله للمجاهدين والأفغان
وإذا انتقلت إلى أفغانستان أقول بِمِلْءِ فمي: في الأسبوع الرابع على التوالي للحملة الأمريكية على أفغانستان يصرح البنتاجون بأن الحملة قد حققت (١٠%) من أهدافها، وأنا أقول: لم تحقق الحملة ولا واحداً في المائة من أهدافها، وما زال كل من يبحثون عنهم موجودين بفضل الله، وما زال الأُسوْدُ في كهوفهم ينتظرون الجيش الأمريكي الذي لا يجيد إلا الرمي من فوق والهرب، ينتظرون الجيش لينزل على الأرض كما صرح الملا محمد عمر ويقول: نتشوق إلى لقاء الجيش الأمريكي على الأرض؛ لنلقنهم درساً أقسى من الدرس الذي لقناه للروس بإذن الله.
ما سقط على أفغانستان من صواريخ وقنابل كان كفيلاً -لو أن الأمور تسير وفق القوانين المادية كما يحدث العلمانيون- بمحو أفغانستان من على خريطة العالم ووجه الأرض، لكن أفغانستان ما زالت قائمة، ولكن الأبطال ما زالوا قائمين ينتظرون.
بل وقد أصيبت المعنويات الأمريكية في الداخل والخارج بنكسة شديدة، وبدأت بعض الأصوات في قلب أمريكا تنادي وتقول: ما الذي حققته الحملة العسكرية على أفغانستان؟! إلى هذه اللحظة لم تحقق أي شيء، وقرأت في اليومين الماضيين تقريراً خطيراً رفع إلى الرئيس الأمريكي يقول: إن التكلفة اليومية للحرب على أفغانستان تزيد على مائة مليون دولار، ويقول التقرير: ولا تستطع أمريكا أن تستمر هكذا أكثر من ستة أشهر وإلا ستسقط أمريكا اقتصادياً! تقرير أمني في منتهى الخطورة؛ ولذلك هم يريدون أن يحملوا العرب الفاتورة كما ذكرت.
هزيمة اقتصادية بالفعل، سياسية يقيناً، عسكرية حتماً، سقطت هيبة القوة العظمى سياسياً، عسكرياً، اقتصادياً، لكن قد يسأل رجل ويقول: فلماذا لم تنته بالكلية؟ أقول: حتى لا نحاسب الأمم، وحتى لا نحكم على أعمار الأمم بحكمنا على أعمار الأفراد أقول: لو أصيب شيخ بفيروس، وأصيب شاب قوي بنفس الفيروس، فإن تحمل الشيخ لا يمكن بحال أن يكون كتحمل الشاب، وأمريكا في مرحلة الشباب، وفي مرحلة الفتوة، فهي قوية بلا شك، فلا أريد أن أنقض كلامي لأدفن رأسي في الرمل كالنعام، فعندهم قوة عسكرية رهيبة، وقوة اقتصادية، وقوة سياسية تسوق العالم كله بعصاً غليظة، لكن الفيروس قد أصابها في مقتل، والله ﵎ يقول: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج:١٢]، لكنها سنن.
فلو تخلى أهل الأرض عن أولئك المستضعفين فإن الله معهم، ويا لها من معية كريمة عرف إخواننا هنالك قدرها ورب الكعبة، لقد رأيت إعلامياً يحاور رجلاً بسيطاً من أولئك الطالبانيين ويقول له: لقد جيشت أمريكا الجيوش، فماذا أعددتم؟ بأي شيء استعددتم لصد هذه الترسانة الرهيبة؟ فابتسم الأخ ابتسامة لطيفة جميلة وقال له: معنا الله! يا لها من معية جهلت الأمة قدرها وجلالها! نعم معهم من يدبر أمر الكون، تطلق أمريكا الصواريخ للتجسس، فتأتي جل الصور التي التقطتها أحدث وسائل التقنية مشوهة مشوشة! قرأت بنفسي لطيار أمريكي يقول: أصعد بطائرتي وقد حملت بالأسلحة، وأصعد بالهدف الذي أخذت، فحينما أصل إلى مكان الهدف لا أرى شيئاً! قد يكون ذلك فعل ربي وما ذلك عليه بعزيز.
ثم بعد ذلك علمت أن إخواننا يضعون أهدافاً وهمية على الأرض؛ ليضربها الأمريكان، يضعون قاعدة كرتونية للدبابات، قاعدة للطيران، قاعدة للمدافع، وهي مصنعة من الكرتون، ويصعد هذا الطيار ويسقط عليها حمولة تزيد قيمتها على خمسة ملايين دولار؛ ليحرقوا مجموعة من الكرتون لا تصل قيمتها إلى دولار، وصدق العزيز الغفار: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦].
لا أريد أن أطيل أكثر من ذلك؛ فلقد مضى الوقت سريعاً، أسأل الله جل وعلا أن يقر أعيننا بنصرة هؤلاء المستضعفين في فلسطين وفي أفغانستان وفي الشيشان وفي كل مكان.
وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 621
من رحم الليل ينبثق نور الصبح
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فأخيراً أيها الأحبة، ومن رحم الليل يولد نور الصبح، لابد أن يشرق ضوء الفجر، وإن أشد ساعات الليل سواداً هي الساعة التي يأتي بعدها ضوء الفجر مباشرة، ولقد اشتد الظلام واستحكمت حلقاته، اشتد الظلم واشتد الكرب، وكلما اشتد الظلام استبشرنا بنور الصبح وبإشراقة الفجر بموعود الله ﷻ .
تدبر معي هذا الخبر، وفكر فيه جيداً، فلقد ذكرت في أول هذه الأزمة أنني ألمح فيها خيراً كبيراً، وهأنذا أؤكد لحضراتكم الآن ما ذكرت، فحينما ذكرت ذلك لم أذكره من باب الأحلام الوردية، ولا من باب السياسة الجاهلة القاصرة، ولا حتى من باب التنبؤ بالغيب، ولكن من خلال فهمي لقرآن الله وسنة الحبيب رسول الله؛ قلت: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١]، خذ الخبر: رفع تقرير في غاية الخطورة للبيت الأبيض يقول: بأنه من تاريخ (١١ سبتمبر) وهو يوم الأحداث إلى تاريخ (١٢ أكتوبر) أسلم في أمريكا ثلاثة آلاف من الأمريكان! هل تصدق مثل هذا الرقم في شهر؟! ألم أقل: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١]؟ قد ينظر بعضنا إلى الأمور نظرة ضيقة؛ فيقع في الإحباط واليأس، لكن لو نظرت إلى الحدث نظرة شمولية واسعة من خلال فهمك لآيات الله والسنن الربانية التي أودعها الله كونه، للمحت من وراء كل حدث خيراً عظيماً، وإن غاب عنك فإن الحكمة ما غابت عن الحكيم الخبير.
لو تجمعت الأمة بكل ما تملك من طاقة إعلامية ودعوية لتبلغ الإسلام في الأرض كما شاء الله وقدر في مثل هذا الحدث ما استطاعت، زعماء الغرب: بوش، رئيس وزراء إيطاليا، حتى بوتن في روسيا؛ الكل تحدث عن الإسلام، وعن سماحة الإسلام، وعن أخلاق الإسلام، فسمع الكثيرون من الغربيين ولأول مرة كلمة الإسلام، وشيئاً من الصورة الحقيقية للإسلام، فدخل هذا العدد الضخم بكل المقاييس الإسلام في شهر واحد، لماذا؟ لأن الجهات الأمنية في أمريكا أمرت الجهات والمراكز الإسلامية والمساجد أن تتحرك؛ لتظهر الصورة المشرقة الحقيقية للإسلام، فتحركت كل الجمعيات التي قيدها اليهود قبل ذلك؛ تحركت بأمر من الجهات الأمنية أو إن شئت فقل: بتقدير من خالق البشرية ﷻ ، فكانت النتيجة أن يسلم ما يزيد على ثلاثة آلاف رجل وامرأة من الأمريكان أنفسهم.
стр. 622
حق الموالاة والمعاداة
الحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان، وقد دلت نصوص الكتاب والسنة وأفعال سلف الأمة النيرة المشرقة على وجوب تحقيق مبدأ الولاء والبراء كما أمر الله تعالى، ولن يتحقق الولاء والبراء إلا إذا تحقق الإيمان في قلوب الناس، وتحققت الأخوة الإيمانية بين المسلمين، ونُبِذَ الخلاف، واستقام الناس على الحق.
وها هي تباشير الفجر قد لاحت في الأفق، مبشرة بنور العز والتمكين لهذه الأمة، المترتب على صدق الأخوة، ووحدة الصفوف.
стр. 623
الموالاة والمعاداة لغة وشرعاً
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الأخيار! وأيتها الأخوات الفاضلات! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم -جميعاً- من الجنة منزلاً، وأسأل الله جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة في جنته ودار مقامته، إنه ولي ذلك ومولاه.
أحبتي في الله! حقوق يجب أن تعرف: سلسلة منهجية كريمة، تحدد الدواء من القرآن والسنة، لهذا الداء العضال الذي استشرى في جسد الأمة، ألا وهو داء الانفصام النكد بين المنهج المنير والواقع المرير، فأنا لا أعرف زماناً قد انحرفت فيه الأمة عن منهج ربها ونبيها ﷺ في حقوق الدين كهذا الزمن! فأردت أن أذكر نفسي وأمتي بهذه الحقوق الكبيرة التي ضاعت، عسى أن تسمع الأمة مرة أخرى عن الله وعن رسوله ﷺ ، وأن تردد مع السابقين الصادقين الأولين قولتهم الخالدة، ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير﴾ [البقرة:٢٨٥]، ونحن اليوم بحول الله ومدده على موعد مع اللقاء الثامن والعشرين من لقاءات هذه السلسلة الكريمة، مع حق جليل عظيم كبير، ألا وهو حق الموالاة والمعاداة، فأعيروني القلوب والأسماع، وسوف ينتظم حديثي مع حضراتكم في هذا الموضوع الكبير الجليل في العناصر التالية: أولاً: تفصيل لغوي وشرعي مهم.
ثانياً: أدلة القرآن والسنة.
ثالثاً: صور مشرقة في دنيا الواقع.
رابعاً: لا تيأسوا، فمن سواد الليل ينبثق نور الفجر.
أيها الأفاضل! أكرر القول بأن الداعية الأمين -أسأل الله أن نكون أهلاً لهذه الأمانة - هو الذي لا يكون بأطروحاته في جانب، في الوقت الذي يترك فيه أمته بجراحاتها وأزماتها ومشكلاتها في جانب آخر، ولكنه يشخص الداء؛ ليستل جرثومته بيد بيضاء نقية، ليحدد لهذا الداء الدواء من كتاب رب البرية، وكلام سيد البشرية ﷺ ، ولا يغيب على أحد أن الأمة الآن تعيش واقعاً مريراً، وتزداد المأساة حينما ترى كثيراً ممن ينتسبون إلى الإسلام لا يعرفون شيئاً ألبتة عن هذا الأصل العقدي الكبير، عن الموالاة لله ولرسوله وللمؤمنين، والمعاداة والبغض للشرك والمشركين والكفر والكافرين، مع أن هذا الأصل لا يصح لمسلم على وجه الأرض دين إلا به، وذلك يوقفك على حجم المؤامرة الخطيرة التي أعلنت على عقيدة التوحيد! فلقد حاول أعداؤنا بكل سبيل أن يفرغوا العقيدة من مضمونها الحي، ومحتواها الحقيقي؛ لتصير العقيدة مجرد قشرة هشة خاوية، لا تستطيع الثبوت أمام هذه الفتن الهوجاء والأعاصير المدمرة، فصار المسلم -إلا من رحم ربك- يردد بلسانه كلمة التوحيد، وهو لا يعرف لها معنى، ولا يقف لها على مقتضٍ، ولا يحقق لها في دنيا الواقع مضموناً بين الناس.
كانت العقيدة بالأمس القريب إذا مس جنابها سمعت الصديق يتوعد، والفاروق عمر يزمجر، وخالد بن الوليد يهدد، ورأيت الصحابة الصادقين يبذلون من أجل حمايتها الغالي والنفيس، أما اليوم فإن العقيدة في الأمة تذبح شر ذبحة.
وأنا أدين لربي جل وعلا بأن الخطوة العملية الأولى على طريق النصر والعزة والكرامة، هي: أن تصحح الأمة عقيدتها، وأن تجدد الأمة إيمانها وتوحيدها لربها ﷻ ، فإن الإسلام عقيدة وينبثق من هذه العقيدة شريعة، وتنظم هذه الشريعة كل شئون الحياة، ولا يقبل الله من قوم شريعتهم إلا إذا صحت عقيدتهم، ويؤلمني أن أذكركم بما قاله قديماً اللورد كرومر في مصر أثناء الاحتلال الإنجليزي لهذه الديار المباركة، يقول في كلمات صريحة: لابد من المحافظة على المظاهر الزائفة للإسلام، حتى يظل المسلمون في اطمئناً خادع إلى أن إسلامهم ما زال بخير، فلا يهبون لنجدة عقيدتهم التي نقتلعها من جذورها.
وهذا كلام واضح، فالعقيدة هي الأصل، فإذا غيب هذا الأصل العقدي الكبير ضاعت الموالاة لله ولرسوله وللمؤمنين، وضاعت المعاداة للشرك والمشركين.
فما هي الموالاة؟ وما هي المعاداة؟ وهذا هو العنصر الأول: تأصيل لغوي وشرعي مهم.
الموالاة: لغة: كلمة مشتقة من الولاء، والولاء هو: الدنو والقرب والنصرة والمودة والمحبة، فالموالاة ضد المعاداة، فالولي ضد العدو، والعدو ضد الولي، فإذا كان النصر والود والقرب والحب لله ولرسوله وللمؤمنين، فهذه هي الموالاة الواجبة شرعاًً على كل مسلم ومسلمة، أما إن كان الود، والنصر، والقرب، والمحبة، للشرك والمشركين، والكفر والكافرين، والغرب والغربيين، فهذه هي الموالاة المحرمة شرعاً بإجماع الأمة بتضافر الأدلة من القرآن والسنة، وإجماع علماء الأمة، وهذه موالاة ردة وكفر بالله ورسوله.
стр. 624
أقسام الناس بالنسبة للدين
الناس ينقسمون الآن إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: قسم ناصر لله ولرسوله ولدينه -اللهم اجعلنا منهم بمنك وكرمك- قسم يعيش لربه، هو يأكل ويشرب ويستمتع بالحلال، لكنه يحمل هم الآخرة، يعيش من أجل الدين، الدعوة إلى الله هي همه في الليل والنهار، هي شغله في النوم واليقظة، هي فكره في السر والعلن يخطط لها ويفكر يحمل هم دينه ودعوته ينصر دين الله بكل ما يسره الله له من سبيل، فهو في وظيفته يدعو لدين الله، وهو في الشارع يدعو لدين الله، وهو في مصنعه وعيادته ومدرسته يجدد في الأرض بين الناس دين الله، وهو في بيته يذكر أسرته وأولاده ونساءه وبناته بدين الله، رجل ينصر دين الله ويعيش لله، ومن أجل الله ﵎، هؤلاء هم القلة المباركة عند الله قال تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠]، وقال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣]، وقال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص:٢٤]، هؤلاء هم أولياء الله، هم أهل الجنة، وهم أهل الغربة الذين زكاهم نبيهم ﷺ بقوله كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: (بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء).
القسم الثاني: القسم المقابل، هو القسم الذي كفر بالله، وجحد ربه ﵎، لا يعرف ربه، ولا يعرف نبيه، بل يعيش كالأنعام -معذرة! - بل إن الأنعام عند الله أفضل من هؤلاء بنص القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد:١٢]، هؤلاء بتقدير الحكيم العليم الخبير: هم الكثرة، وهذا أمر ثابت قدراً، ودل على وقوعه الشرع أيضاً، قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦]، وقال تعالى: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الإسراء:٨٩].
القسم الثالث: صنف بين هذين الصنفين، صنف يعيش من أجل شهواته الرخيصة، ونزواته الحقيرة، فهو منتسب إلى الإسلام ببطاقة شخصية رسمية: أحمد محمد عبد الله عبد الرحمن إلخ، لكنه لم يحقق انتماءه لهذا الدين، يعيش من أجل شهواته الرخيصة، ونزواته الحقيرة، لا ينصر ديناً، وهو في الوقت ذاته لا ينصر شركاً ولا كفراً، لكنه سلبي، يقول: وما دوري أنا؟! وماذا أصنع أنا؟! دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله! بل ومن هذا الصنف المريض من يقول: دع ما لله لـ بوش.
لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي ولو ناراً نفخت بها أضاءت ولكن أنت تنفخ في رمادِ عش عصرك، انشغل بأولادك ووظيفتك، ودعك من الدين وانفض يديك من نصرة الإسلام! صنف خاذل لدين الله، وإن كان في ذات الوقت لا ينصر كفراً ولا أعداء الله، لكنه سلبي، وهذا الصنف على خطر عظيم، ويخشى على أفراده أن يختم لهم بسوء الخاتمة، فمن عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه، قال الحافظ ابن كثير: لقد أجرى الله الكريم عادته بكرمه: أن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه، فمن عاش لشهواته ونزواته الحقيرة الرخيصة، عاش ليأكل ملء بطنه، عاش ليضحك ملء فمه، عاش لينام ملء عينيه، لا يحمل هم دين، ولا يحمل هم دعوة، عاش من أجل أسرته، عاش من أجل أولاده، عاش من أجل شهواته، سيموت فقيراً ورب الكعبة! وسيحشر حقيراً صغيرا، ً قال ﷺ كما في سنن الترمذي بسند صحيح من حديث أنس: (من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه، جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له).
فكن رجلاً، وكن صاحب همة عالية، وسلم الراية لولدك وأنت رجل، وسلم العقيدة الصحيحة لولدك وأنت قائم بين يدي الله ﷻ ، قال الله لحبيبه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:٢١]، فقام الحبيب ولم يذق طعم الراحة حتى لقي الله، يا من خذلت دين الله! أتحب أعداء الحبيب وتدعي حباً له ما ذاك بالإمكان وكذا تعادي جاهداً أحبابه أين المحبة يا أخا الشيطانِ شرط المحبة أن توافق من تحـ ـب على محبته بلا نقصانِ فإن أدعيت له المحبة مع خلافك ما يحب فأنت ذو بطلانِ وقال آخر: نعم لو صدقت الله فيما زعمته لعاديت من بالله وحيك يكفر وواليت أهل الحق سراً وجهرة ولما تعاديهم وللكفر تنصر فما كل من قد قال ما قلت مسلم ولكن بأشراط هناك تذكر مباينة الكفار في كل موطن بذا جاءنا النص الصحيح المقرر وتصدع بالتوحيد بين ظهورهم وتدعوهم سراً لذاك وتجهر هذا هو الدين الحنيفي والهدى وملة إبراهيم لو كنت تشعر
стр. 625
أدلة القرآن والسنة في مسألة الموالاة
ولخطر هذه القضية، تضافرت أدلة القرآن والسنة النبوية على بيانها، وهذا هو عنصرنا الثاني: أدلة القرآن والسنة.
تدبروا معي قول رب الأرض والسماوات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة:٥١]، نداء لمن آمن بالله ووحده: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١]، هذا كلام ربك! قال حذيفة بن اليمان أمين السر النبوي: فليحذر أحدكم أن يكون يهودياً أو نصرانياً وهو لا يدري! لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١] قال شيخ المفسرين الطبري في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١] قال: أي: من تولى الكافرين، من اليهود والنصارى، ونصرهم على المؤمنين، فهو من أهل دينهم وملتهم، وقال الإمام القرطبي في كتابه (الجامع لأحكام القرآن الكريم) في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١] أي: من تولاهم ونصرهم على المسلمين فحكمه حكمهم في الكفر والجزاء.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة:٥١]، وها أنتم قد رأيتم بأم أعينكم الولاية بين الكفر تتجدد الآن على أرض فلسطين، فالكفر ملة واحدة، ولقد بح الصوت في تفصيل هذه الحقائق، ضحكوا علينا في أول إعلان الحرب على الإسلام في أفغانستان، بأنه ستقام دولة فلسطينية في أرض فلسطين! وهذه خدعة، وهذا ضحك على أصحاب اللحى، لكنهم إن حققوا ما أرادوا، سيقلبون علينا ظهر المجن، إنهم يستخفون بالأمة، ويتلاعبون بزعمائها وأفرادها بلا استثناء، وها نحن نرى أن المسلمين في فلسطين هم الإرهابيون! فمنظمة حماس منظمة إرهابية! ومنظمة الجهاد الإسلامي منظمة إرهابية! أما شارون فهو حمامة من حمائم السلام!! أما اليهود فهم حمائم السلام! أما بوش فهو الذي يحمل السلام لكل من في الأرض!! وهو منبع الشر في الأرض، وهؤلاء هم أصل الشر في الأرض، فالكفر ملة واحدة، متى ستعي الأمة هذه الحقيقة؟! متى ستصدق الأمة ربها؟ متى ستصدق الأمة نبيها؟! والله إن القلب ليتفطر، والله إن الكلمات لتتوارى خجلاً وحياءً، وقد قلنا هذا ألف مرة! لكن نصرخ في صحراء مقفرة، من يسمع هذه الأمة عن الله؟! وعن الصادق محمد ﷺ ؟! متى ستصدق الأمة أن الكفر ملة واحدة؟! وأن الكفر لا يمكن أن ينصر توحيداً، وأن الشرك محال أن ينصر إيماناً، اللهم إلا إذا دخل الجمل في سم الخياط! اللهم إلا إذا استخرجنا من النار المشتعلة المتأججة، الماء العذب الزلال! ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١].
وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى﴾ [البقرة:١٢٠]، إذاً: فلا تنتظروا هذه اللحظة، ولو جلسوا على مائدة المفاوضات كل يوم، فاليهود لا يعرفون وفاء لعهد، ولا وفاء لوعد، إن قلوبهم تغلي على الإسلام وأهله، وأنا لا أنطلق لتأصيل هذا الكلام من مؤامرة عدائية على حسب تعبير العلمانيين، وإنما هذه حقائق قرآنية ونبوية، فلا يحدثك عن القوم مثل خبير: (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى﴾ [البقرة:١٢٠] إلا بشرط واحد ﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران:١١٨]، يريدون لكم العنت، يريدون لكم المشقة، ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [آل عمران:١١٨]، فالآن تهديد صريح للعراق بأنها دولة تأوي الإرهاب، والصومال -الذي لا يجد أهله لقمة الخبز- دولة تأوي الإرهاب! وصارت كلمة الإرهاب كلمة ممزوجة، يعلن الحرب بسببها على الإسلام في كل بقاع الأرض حتى في الفلبين، وهم أصل الإرهاب في الأرض: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران:١١٨]، هل ضاعت عقولنا إلى هذا الحد؟! هل غيبت عقول الأمة إلى هذا الحد؟! الله سبحانه يظهر لنا ما في صدور القوم، ماذا نريد بعد ذلك؟! يقول تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾ [النساء:١٣٨] بشارة للمنافقين، إنه التوبيخ والتبكيت، كما في قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٩]، فالله سبحانه يقول: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء:١٣٨] من المنافقون؟ بنص القرآن: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١٣٨ - ١٣٩]، اسمع لقول ربك: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ [النساء:١٣٩]، سبحان الله! والله أشعر بأن هذه الكلمات لنا ولواقعنا وزماننا، ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ [النساء:١٣٩]، بل العزة لله جميعاً، إن العزة لله سبحانه ولرسول الله ﷺ ، وللمؤمنين الصادقين، أتبتغي الأمة العزة عند الكفر؟! أتبتغي الأمة العزة في الغرب؟! هاهي شربت كئوس الذل أشكالاً وألواناً! هاهي صفعت بل ضربت بالنعال! فمتى سترجع الأمة إلى الكبير المتعال، وإلى دين سيد الرجال ﷺ ؛ لتذوق من جديد طعم العزة وحلاوة الكرامة؟!! قالها عمر: (لقد كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله).
لقد ابتغت الأمة العزة في الشرق الملحد تارة فأذلها الله، وابتغت العزة في الغرب الكافر تارة فأذلها الله، وابتغت العزة في الوسط الأوربي تارة فأذلها وأخزاها الله، ولن تذوق معنى العز وحلاوة الكرامة إلا إذا عادت إلى دين الله لتنصره بكل غال ونفيس.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة:١]، أمر عجب!! تعلمون عداوتهم لله، وتعلمون عداوتهم لرسول الله، وتعلمون عداوتهم للدين والمسلمين، ومع ذلك تسرون إليهم بالمودة بالمحبة! تنصرون مناهجهم، وتنصرون أفكارهم، وتنصرونهم بالقول وباللسان وبالجرائد والمجلات والفضائيات والإعلام!! عزف على وتر التقديس والتمجيد لمناهج هؤلاء المجرمين! وإن انبرأ رجل ليتحدث: تراه -ورب الكعبة- يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، يا أخي! أنا أشعر وأنا أتحرك للدعوة في ظل هذه الظروف بضغط شديد على كل من يريد أن يجسد الحقيقة حتى ولو بصورة مهذبة! والله يبين لنا صدور القوم ونفسياتهم في آيات كثيرة لا يتسع الوقت لذكرها، فهذا فيه الكفاية.
ويقول الصادق الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ كما في الحديث الذي رواه الطبراني والحاكم من حديث ابن عباس ﵄ بسند حسنه الألباني ﵀، قال ﷺ : (أوثق عرى الإيمان: الموالاة في الله والمعاداة في الله، والحب في الله والبغض في الله)، فأصل الموالاة الحب، وأصل المعاداة البغض، (أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله والمعاداة في الله، والحب في الله والبغض في الله)، وفي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وغيره من حديث أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: (من أحب لله وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل الإيمان)، وفي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وغيره: (أن جريراً ﵁ ذهب إلى النبي ﷺ فقال: ابسط يدك يا رسول الله! لأبايعك، واشترط علي فأنت أعلم، فقال النبي ﷺ : أبايعك على أن تعبد الله لا شريك له، وتقيم الصلاة، وتوتي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين) انظروا إلى الولاء والبراء: (وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين).
стр. 626
صور مشرقة في دنيا الواقع
ولو نظرت إلى حياة النبي ﷺ لوجدت تطبيقاً عملياً رائعاً لهذا الأصل العقدي الكبير، وهذا هو عنصرنا الثالث من عناصر اللقاء: صور مشرقة في دنيا الواقع.
أيها الأفاضل! إن من أعظم صور الموالاة والمعاداة، ومن أنصع صور الحب في الله والبغض في الله، ما سطره الأنصار الأبرار الأطهار الأخيار، الذين فتحوا القلوب والأعين للمهاجرين، قبل أن يفتحوا البيوت والدور، وزكاهم الله ﵎ بقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩].
أيها الأفاضل! لقد فتح الأنصار القلوب فحل فيها المهاجرون، بل لقد قاسم الأنصاري المهاجر كل شيء، أو شاركه في كل شيء، وتنازل له عن أي شيء، ومن أجمل ما ثبت في هذا ما رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الرحمن بن عوف قال: (آخى رسول الله ﷺ بيني وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فقال سعد الأنصاري: لـ عبد الرحمن المهاجري يا عبد الرحمن! أنا أكثر الأنصار مالاً، فسأقسم مالي بيني وبينك نصفين، ولي أمرأتان (زوجتان) فانظر أعجبهما إليك لأطلقها، حتى إذا انقضت عدتها تزوجتها! فقال عبد الرحمن بن عوف العفيف: بارك الله في أهلك وأموالك، ولكن دلني على السوق).
والسؤال المرير: أين من يعطي الآن عطاء سعد؟!
و
الجواب
وأين من يتعفف عفة عبد الرحمن بن عوف؟! فلقد مضى سعد مع عبد الرحمن، ووجد سعد يوم كان هنالك عبد الرحمن، فهذه صورة من أنصع صور الولاء، ومن أحلى صور الحب في الله، والبغض في الله.
وها هو المغيرة بن شعبة، يأتي عروة بن مسعود وهو عم المغيرة ليفاوض النبي ﷺ في الحديبية، فوقف المغيرة بن شعبة ليظلل على رأس النبي ﷺ وهو جالس من الحر، وهو آخذ بالسيف ينظر إلى عروة، وعروة بن مسعود يكلم ويفاوض النبي ﷺ ، ويمد يده أحياناً ليداعب شعرات من لحية الحبيب المصطفى ﷺ ، وهذا جرياً على عادة العرب في التودد والتخرص، عروة يمد يديه؛ ليأخذ شعرة من شعرات النبي برفق وود، فضربه المغيرة بنصل السيف ضربة على ظهر يده -وهو عمه- وهو يقول: أخر يدك عن لحية رسول الله قبل أن لا تصل إليك يدك، أي حب وأي ولاء هذا؟! وهذا عبد الله بن عبد الله بن أُبي بن سلول، عبد الله إمام في التوحيد، وأبوه رأس النفاق، ولله في خلقه شئون! والحديث رواه ابن جرير بسند صحيح، فلما سمع النبي ﷺ رأس النفاق عبد الله بن سلول يقول: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، يقصد أنه سيخرج رسول الله ﷺ ذليلاً من المدينة، فقال عبد الله: صدق أبي يا رسول الله فأنت الأعز وهو الأذل، والله ما عرفت المدينة رجلاً أبر بأبيه مني، ولكنه بعد ما قال ما قال فلتسمعن ما تقر به عينك يا رسول الله! وأخذ عبد الله السيف وانطلق إلى الطريق، ووقف في طريق أبيه، فلما أقبل رأس النفاق ابن سلول ليدخل بيته اعترضه ولده عبد الله فقال له أبوه: ماذا تفعل يا بني؟! فقال له ولده: والله لا يؤويك ظلها -يعني: المدينة- ولن تبيت الليلة في دارك إلا بإذن من الله ورسوله؛ لتعلم من الأعز ومن الأذل! فصرخ رأس النفاق يا أهل الخزرج! ابني يمنعني داري! فانطلق رجل من الصحابة إلى الرحمة المهداة، والنعمة المسجاة، وصاحب الخلق الفياض بالأدب والجود والكرم، فأخبره بما كان من عبد الله، فقال النبي ﷺ لهذا الرجل: اذهب إلى عبد الله وقل له: يقول لك رسول الله: خله ومسكنه، يعني: دعه يدخل داره، فلما جاء الرجل بالأمر من قبل الحبيب، التفت الولد إلى والده وقال: فلتدخل الآن لتعلم من الأعز ومن الأذل! ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة:٢٢]، هذه هي الموالاة في أنصع صورها، وهذه هي المعاداة في أقوى وأوضح معانيها على وجه الأرض، بهذه العقيدة، وبهذه القلوب، استطاع حبيب القلوب أن يقيم للإسلام دولة أذلت الأكاسرة، وأهانت القياصرة، وغيرت مجرى التاريخ في فترة لا تساوي في حساب الزمن شيئاً على الإطلاق.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 627
كيفية تحقيق الموالاة والمعاداة
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! السؤال المهم: كيف نحقق الموالاة والمعاداة؟ والجواب في نقاط محدده، وهذا هو عنصرنا الرابع من عناصر هذا اللقاء:
стр. 628
تحقيق الإيمان
أولاً: تحقيق الإيمان، فلا يمكن أبداً أن توالي الله ورسوله والمؤمنين، وأن تعادي الشرك والمشركين، دون أن تحقق الإيمان، وهذا هو الواقع، إذ لا يجيد الموالاة والمعاداة إلا المؤمن، ولذلك فإن الله إنما نادى المؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة:٥١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران:١١٨]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة:١]، وهذا الخطاب للمؤمنين، فلا بد أن نحقق الإيمان، والإيمان ليس كلمة تقال باللسان فحسب، ولكن الإيمان: قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي والذنوب والزلات، هذا الإيمان هو الذي حول سحرة فرعون إلى أولياء، فمن لحظة أعلنوا فيها: فـ ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء:٤٤]، فلما ذاقت قلوبهم حلاوة الإيمان، سجدوا لرب موسى وهارون، وقالوا لفرعون بعزة واستعلاء: لا ضير، كلمة واحدة تجسد حلاوة الإيمان في القلوب، (لا ضير) يعني: افعل ما شئت، ذبح صلب قتل، افعل ما شئت، فلن نفرط في هذا الإيمان الذي سكن قلوبنا.
стр. 629
تحقيق الأخوة الإيمانية
ثانياً: تحقيق الأخوة الإيمانية، إذا حولنا الأخوة بيننا إلى واقع، فإننا بذلك نجسد الموالاة والمعاداة، فبالعقيدة وبالإيمان وبالأخوة بين المسلمين، بأخوة الجسد الواحد، نحقق الموالاة والمعاداة، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] فإن وجدت أخوة بغير إيمان، فاعلم بأنها إلى زوال، وبأنها التقاط مصالح، وتبادل منافع، فإن زالت المصلحة زالت الأخوة الزائفة، وإن زالت المنفعة انفصمت الأخوة المزيفة، وإن وجد إيمان بلا أخوة فاعلم أيضاً بأنه إيمان ناقص، إيمان يحتاج إلى تصحيح وإلى تجديد، إذ إن الأخوة الحقة ثمرة حلوة من ثمرات الإيمان الحق الصادق بالله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠].
стр. 630
نبذ الخلاف
ثالثاً: نبذ الخلاف: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦]، فالأمة في أمس الحاجة الآن إلى أن تلتقي على كلمة سواء، ولو اتخذت الأمة في هذه الظروف الحرجة قرارات اقتصادية سياسية دبلوماسية -على حد تعبيرهم- والله ستغير مجرى التاريخ في هذه الأيام العصبية، الأمة غنية بالثروات بالمناخ بالعقول والأدمغة بالطاقات بالعمق الاستراتيجي في قلب الأرض، لكنها مهزومة نفسياً، ومشتتة، ومشرذمة، حتى على مستوى العمل الإسلامي، ترى التشرذم والتهارش والنزاع والشقاق والخلاف، وربما لا يلقي الأخ السلام على أخيه؛ لأنه لا ينتمي إلى جماعته، وإنا لله وإنا إليه راجعون!
стр. 631
لا تيأسوا! فمن سواد الليل ينبثق الفجر
وأريد أن أختم اللقاء ببشارة للقلوب، وهذا هو العنصر الأخير، لا تيأسوا فمن سواد الليل ينبثق نور الفجر.
أيها الأفاضل! ها نحن نرى الآن على أرض الواقع أن الأمة -ولله الحمد- بدأت تنتقل من مرحلة أزمة الوعي، إلى مرحلة وعي الأزمة، فأنت ترى الآن الولد الصغير من أولادنا يتحدث عن اليهود يتحدث عن الحقد الغربي على الإسلام والمسلمين، أجيالنا المعاصرة ما عرفت قضية القدس، إلا بعد هذه الأحداث، ما عرفت العداء الكامل في الصدور للإسلام إلا في هذه الأيام، فأنت ترى الآن إقبالاً شديداً على الله في كثير من بقاع الأرض، بل في كل أرجاء الأرض، وإذا اشتدت المحن لم يجد الناس - أقصد من أهل الإسلام - طريقاً إلا أن يفروا إلى الله ﵎، وأن يرجعوا إلى الله، وما نراه الآن في الدروس والمحاضرات والجمع، وما نراه من حجاب، وما نراه من إقبال على مطالعة أخبار المسلمين في الشرق والغرب، لمن أعظم الأدلة العملية على أن تباشير صباح جديد بدأت تبزغ في الأفق.
أسأل الله أن يحولها إلى فجر صادق إنه ولي ذلك والقادر عليه، فلا تيأسوا ولا تقنطوا فالجولة الأخيرة -كما بينت في اللقاء الماضي- لن تكون ألبتة إلا لدين النبي ﷺ ، برغم أنف الكافرين والمجرمين.
أسأل الله جل وعلا أن يشرفنا بالعمل لدينه حتى نلقاه، وأن يثبتنا على المبدأ والعقيدة حتى نلقاه، وأن يقر أعيننا بنصرة دينه، إنه ولي ذلك ومولاه، اللهم اجعلنا رحمة لأوليائك، حرباً على أعدائك، اللهم ارزقنا حبك وحب رسولك، وحب من أحبك، وحب كل عمل يقربنا إلى حبك.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 632
دروس من الأحداث الأمريكية
لقد عرت أحداث الحادي عشر من سبتمبر زيف الحضارة الغربية، وكشفت الوجه الحقيقي للحرية الأمريكية المزعومة، بل لقد حركت العالم كله، ليعلم أن قوة الله أعظم من كل قوة، وأن هيبة أمريكا وهيمنتها إنما هي حرب نفسية، وأكاذيب إرجافية، كما أنها أبانت أن شمس الإسلام ستشرق من جديد ولو كره الكافرون.
стр. 633
الله الملك الحق
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الفضلاء الأخيار! وأيتها الأخوات الفاضلات! وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! دروس من الأحداث الأمريكية، هذا هو عنوان لقائنا مع حضراتكم في هذا اليوم الأغر الميمون المبارك، وكعادتي حتى لا ينسحب بساط الوقت سريعاً من تحت أقدامنا، فسوف ينتظم حديثي مع حضراتكم في هذا الموضوع في العناصر التالية: أولاً: الله الملك الحق.
ثانياً: هذه حضارتنا وتلك حضارتهم.
ثالثاً: الضنك والشقاء ثمرة الإعراض عن الله.
رابعاً: الأيام دول.
وأخيراً: وستشرق شمس الإسلام من جديد.
فأعيروني القلوب والأسماع، والله أسأل أن يقر أعيننا جميعاً بنصرة الإسلام وعز الموحدين، وهزيمة الشرك والمشركين، وخذلان الظالمين والمجرمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أولاً: الله الملك الحق: لقد أثبتت الأحداث الأمريكية الأخيرة أن القوة العظمى التي نجحت بحدها وحديدها، وإعلامها الذي يحرك دفته اليهود، أن تقنع أصحاب القلوب القلقة التي فرغت من الإيمان، وأن تخدع كثيراً من أهل الأرض أنها القوة المتحكمة في الكون، وأنها المدبرة لأمر الكون، وأنها الحارسة لسماء الكون، وأنها الحارسة لأرض الكون لا تساوي شيئاً؛ فقد أراد الله جل وعلا أن يُعلِم القوة العظمى أن الذي يدبر أمر الكون وحده هو الملك الحق.
أتاها الله من سمائها، تلك السماء التي ادعت أمريكا أنها قادرة على التحكم فيها، فلا تستطيع ذبابة -فضلاً عن صاروخ أو طائرة- أن يقتحم المكان الجوي فوق وزارة الدفاع (البنتاجون) فشاء الملك الحق أن تُغزا القوة العظمى في الأرض من قبل هذه السماء.
تدبر معي قول الله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام:٦٥]، وقوله ﷻ : ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد:١١]، وقوله ﷻ : ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا * وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف:٥٨ - ٥٩].
فما من مؤمن على وجه الأرض إلا وهو يعلم الآن يقيناً لا تزعزعه رياح الشك والريبة أنه ما من ذرة في الكون إلا وهي في قبضة الملك الحق، وما من ورقة تسقط إلا بأمره وعلمه، فلا تخرج دبابة ولا تنطلق طائرة ولا يسقط صاروخ ولا تدك الأرض قنبلة إلا بأمر الملك الحق الذي يدبر الكون كله، قال ﷻ : ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩].
ما أود أن أؤصله اليوم ابتداء كأعظم دروس هذه الأحداث: أن نعلم يقيناً أن الله جل وعلا هو الذي يدبر أمر الكون، ولا تستطيع قوة على وجه الأرض مهما أوتيت من القوى، والوسائل العلمية، والتخطيط الهائل لحرب الإرهاب -زعموا- لا تستطيع هذه القوة أن تحول بينها وبين قدر أراده لها الملك الحق.
السلاح الأمريكي الذي يخوف به العالم الآن، شاء الله جل وعلا مرة أخرى أن يبين لأهل الأرض أن أمريكا التي استطاعت أن تخدع العالم كله بأنها تملك من السلاح ما تقدر به أن تبيد البشرية؛ وشاء الله جل وعلا أن يتضح لنا في الأيام الماضية أنها ما فعلت شيئاً، فما يزيد على ألفي صاروخ وقنبلة سقطت في الأيام القليلة الماضية على أرض أفغانستان، ولو كانت الأمور تسير بالقوانين الأمريكية، والخطط الاستراتيجية المعدة، ما وجدنا بأفغانستان على الأرض من سبيل، ولكن شاء الله أن يبقيها، وأن يبقي الثلة الطيبة المباركة من طالبان، تلك الثلة التي تعلن الآن أنها تنتظر الجنود الأمريكان لتلقنهم درساً على الأرض كما لقنت الروس والبريطان! أمر عجب! لابد أن تعي القلوب القلقة هذه الدروس، فالذي يدبر الكون هو الله وليست أمريكا بأسلحتها، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة واللفظ لـ مسلم: (جاء حبر من أحبار اليهود إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد! إنا نجد مكتوباً عندنا في التوراة أن الله تعالى يجعل السموات على إصبع)، تدبر أيها الموحد لله! فالسماء كلها على إصبع واحد من أصابع الملك الحق! (إنا نجد مكتوباً عندنا في التوراة أن الله تعالى يجعل السموات على إصبع، والأراضين على إصبع، والماء والثرى على إصبع، والشجر على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، ثم يهزهن ويقول: أنا الملك، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، وقرأ قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]).
وفي الصحيحين من حديث ابن عمر واللفظ لـ مسلم أن النبي ﷺ قال: (يطوي الله جل وعلا السموات والأرض بيمينه يوم القيامة ويقول: أنا الملك! أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟)، وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري واللفظ لـ مسلم أن النبي ﷺ قال: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه).
عباد الله! لا تنخدعوا بأي قوة على وجه الأرض، فإذا كانت أمريكا هي القوة العظمى، فالله هو القوي الأعظم، الملك الحق الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
الله اسم لصاحبه كل جلال.
الله هو اسم لصاحبه كل كمال.
الله اسم لصاحبه كل سلطان وجلال.
الله هو الاسم الذي ما ذكر في قليل إلا كثره.
الله هو الاسم الذي ما ذكر عند خوف إلا أمنه.
الله هو الاسم الذي ما ذكر عند كرب إلا كشفه.
الله هو الاسم الذي ما ذكر عند هم إلا فرجه.
الله هو الاسم الذي ما تعلق به ضعيف إلا قواه.
الله هو الاسم الذي ما تعلق به فقير إلا أغناه.
الله هو الاسم الذي ما تعلق به ذليل إلا أعزه وآواه.
الله هو الاسم الذي تستجاب به الدعوات.
الله هو الاسم الذي تستنزل به الرحمات.
الله هو الاسم الذي تقال به العثرات.
الله هو اسم الذي لو عرفت الأمة قدره وجلاله لنصرها على أعتى القوى في الأرض بأمره وهو رب الأرض والسماوات، ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٦]، فلابد أن تنتزع من القلوب هذه الحال من الخوف والهزيمة النفسية، فلقد أعلنت جرائدنا المبجلة الموقرة وصور إعلامنا الذي نام في العفن نوماً عميقاً، وصور لنا صاروخاً صدرته أمريكا إلى السماء للتجسس، وعلق تحت الخبر بأسلوب مزرٍ: صاروخ أطلقته أمريكا للتجسس، قادر على أن يسجل كل كلمة يتكلم بها أفغاني في أرض أفغانستان! وإلى الآن ما تمكنوا من الوصول إلى أي أحد! إنه الإرجاف، فتعالى الله الملك الحق.
стр. 634
هذه حضارتنا وتلك حضارتهم
ثانياً: بإيجاز شديد! هذه حضارتنا وتلك حضارتهم: لقد صرح رئيس الوزراء الإيطالي الجاهل أن الحضارة الغربية يجب أن تتفوق على الحضارة الإسلامية، وأن الحضارة الإسلامية هي حضارة التطرف والإرهاب، وحاول بشتى الطرق أن يجمل وأن يزين اللفظ فما استطاع، وصدق ربي إذ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران:١١٨].
وصرح بوش أنها حرب صليبية ولو زين وجمل ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [آل عمران:١١٨].
وصرح رئيس وزراء بريطانيا بلير وقال: ها نحن قد عدنا يا ملا محمد عمر! وصرح رئيس الوزراء الإيطالي بأن الحضارة الإسلامية حضارة يجب أن تزول، ويجب أن تهزم.
стр. 635
حضارة الغرب الزائفة الهابطة
أيها الأحبة: تعالوا بنا نعقد مقارنة سريعة بين حضارتهم وحضارتنا، ولنبدأ بحضارتهم: فحضارتهم هي الحضارة التي سبت رب العزة سباً فضيعاً منكراً، فنسبت عيسى ابن مريم ابناً لله جل وعلا، ففي جانب الاعتقاد: نرى عقيدة متعفنة، ونرى عقيدة لا أصل لها ولا صواب.
حضارتهم هي التي دافعت عن الشذوذ الجنسي إلى هذه اللحظة.
حضارتهم هي التي تدافع عن مصارعة الثيران.
حضارتهم هي الحضارة التي تدافع عن العنصرية اللونية البغيضة وإلى هذه اللحظة.
حضارة الغرب هي الحضارة التي أسقطت القنبلة النووية على هيروشيما وناجازاكي.
الحضارة الغربية برائدة الإرهاب في الأرض أمريكا هي التي قتلت أربعة ملايين في الفيتنام.
الحضارة الغربية هي الحضارة التي استخدمت أطفال المسلمين ولأول مرة في التاريخ كدروع بشرية في البوسنة والهرسك.
الحضارة الغربية هي التي قتلت ما يزيد على مليون ونصف طفل من أطفال العراق.
الحضارة الغربية هي التي دمرت مصنع الشفاء في السودان.
الحضارة الغربية هي التي ما زالت منذ عشر سنوات تدك العراق والمدنيين في العراق دكاً.
الحضارة الغربية هي الحضارة الظالمة التي أبادت الهنود الحمر من الأمريكان.
الحضارة الغربية هي الحضارة التي استعبدت الزنوج لوقت من الزمان.
الحضارة الغربية هي الحضارة التي فعلت بالإنسان على وجه الأرض ما تخجل الوحوش الضارية أن تفعله ببعضها البعض في عالم الغابات.
هذه حضارتهم التي مجدت جانجاكروستو.
تلك الحضارة التي مجدت العقد الاجتماعي الفاسد الباطل.
تلك الحضارة التي مجدت المذهب الميكافيلي الخبيث.
تلك الحضارة التي مجدت كل جاهليات الأرض.
هذه هي الحضارة الغربية حضارة الإرهاب.
الحضارة الغربية التي ما زالت إلى يومنا هذا تقصف العزل والمدنيين في أفغانستان ممن لا ذنب لهم ولا جريرة.
الحضارة الغربية التي تكيل بمكيال واحد لا بمكيالين ألا وهو مكيال العداء للإسلام.
الحضارة الغربية التي تمد اليهود بأحدث أنواع الأسلحة لتدك هذه الحضارة الغربية الغاشمة الظالمة الفلسطينيين العزل من الشيوخ والنساء والأطفال إلى هذه اللحظة التي أقف فيها على المنبر.
الحضارة الغربية هي التي أعلن عضو بارز من أعضائها وهو الإرهابي الكبير بوتن فقال: إنني أحارب عدوي الأول ألا وهو الإسلام، وسأقضي على الإرهابيين في داغستان والشيشان؛ لأحول البقية الباقية منهم إلى النصرانية.
إنها الحضارة التي قال عضو بارز من أعضائها: إن العرب صراصير ينبغي أن يبادوا من على وجه الأرض! إنها الحضارة التي قال عضو بارز من أعضائها: فليذهب العرب إلى الجحيم! إنها الحضارة الغربية التي تغذي الإرهاب والتطرف في قلوب الصغار والأطفال منذ الصغر كما تقول الملحمة الشعرية التي تسمى بإكليل الجبل، وهي الملحمة التي يحفظها الطفل الصربي، تقول كلماتها: سلك المسلمون طريق الشيطان.
دنسوا الأرض ملؤها رجساً.
فلنعد للأرض خصوبتها.
ولنطهرها من تلك الأوساخ.
ولنبصق على القرآن.
ولنقطع رأس كل من يؤمن بدين الكلاب ويتبع محمداً.
فليذهب غير مأسوف عليه.
هذه هي الحضارة الغربية، في الجانب العقدي، وفي الجانب الأخلاقي، وفي الجانب الإرهابي، فهي الحضارة التي تغذي وتؤصل الإرهاب في الأرض على يد رائدة الإرهاب في الأرض أمريكا، وربيبتها على الأراضي المحتلة (إسرائيل) على حد زعمهم، وأنا لا أحب أن أستعمل هذه اللفظة.
اليهود يمارسون الإرهاب في كل لحظة.
والأمريكان مارسوا ويمارسون وسيمارسون الإرهاب.
والروس يمارسون الإرهاب إلى هذه اللحظة.
وعباد البقر في كشمير يمارسون الإرهاب إلى هذه اللحظة.
والصربيون أصلوا الإرهاب وزرعوا جذوره في قلب البلقان.
فهذه هي الحضارة الإرهابية المتطرفة اللصوصية الأصولية، الحضارة المتعفنة الروح والضمير، وأنا لا أنكر أن هذه الحضارة قد قفزت في الجانب المادي قفزات هائلة، ففجرت الذرة، وانطلقت إلى أجواء الفضاء، وغاصت في أعماق البحار، وحولت العالم إلى قرية صغيرة عن طريق هذا التكنيك العلمي المذهل في عالم الاتصالات والمواصلات، لا أضع رأسي في الرمال كالنعام لأنكر هذا الشق المهم من شقي الحضارة، إذ لابد لأي حضارة من شق مادي علمي وشق ديني أخلاقي، ولقد قفزت الحضارة الغربية في الجانب المادي، وانتكست في الجانب الأخلاقي والديني، ليتبين لنا أن الأصل الأصيل في أي حضارة هو جانبها الديني والأخلاقي، إذ إن الشق المادي لما غاب عنه الجانب الخلقي تحول هو ذاته إلى ضنك وشقاء ومصدر إبادة للجنس البشري كله.
لما غاب الدين وغاب الخلق تحول الشق المادي إلى مصدر فزع، فالعالم الآن عالم مجنون، لو نظر العاقل إلى أحواله لضحك ضحكاً يشبه البكاء.
تصور طائرة في سماء أفغانستان تسقط القنبلة التي تدمر مساحة من الأرض -كما يقولون- مثل مساحة استاد كرة رياضي، وبعد لحظات تسقط طائرة أخرى كيساً من الدقيق أو من الأرز! إنه قمة الاستخفاف والظلم! تطعم من استباحت دمه؟ تطعم من ذاق طعم الرعب! ماذا يأكل؟ وماذا ينتظر من يد تضربه بالرصاص في قلبه، وتمنحه الطعام من خلف ظهره؟! مات، قتل، ماذا يريد بعد ذلك؟ ماذا يريد من سالت دماؤه؟ ماذا يريد من هدم بيته؟ ماذا يريد من فقد والديه؟ ماذا يريد من فقد أولاده؟ ماذا يريد من فقد وطنه؟ ماذا يريد من يحال بينه وبين أن يمارس دينه بحرية؟ لا يريد شيئاً على الإطلاق، لكنه اللعب، لكنه الاستخفاف بالعقول، عالم يدمر، ثم بعد ذلك ترى الجمعيات الماجنة التي تطالب من الميسورين والأغنياء في العالم أن يساهموا بالتبرعات للاجئين الأفغان، ولإعادة تعمير أفغانستان مرة أخرى بعدما دمرتها الأسلحة الأمريكية! عالم مجنون بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
следующие страницы →