← Джавами‘

Джавами‘ · id 7703

دروس للشيخ محمد حسان

محمد حسان

Полный текст (1 901 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

لا تيأسوا! فمن سواد الليل ينبثق الفجر وأريد أن أختم اللقاء ببشارة للقلوب، وهذا هو العنصر الأخير، لا تيأسوا فمن سواد الليل ينبثق نور الفجر. أيها الأفاضل! ها نحن نرى الآن على أرض الواقع أن الأمة -ولله الحمد- بدأت تنتقل من مرحلة أزمة الوعي، إلى مرحلة وعي الأزمة، فأنت ترى الآن الولد الصغير من أولادنا يتحدث عن اليهود يتحدث عن الحقد الغربي على الإسلام والمسلمين، أجيالنا المعاصرة ما عرفت قضية القدس، إلا بعد هذه الأحداث، ما عرفت العداء الكامل في الصدور للإسلام إلا في هذه الأيام، فأنت ترى الآن إقبالاً شديداً على الله في كثير من بقاع الأرض، بل في كل أرجاء الأرض، وإذا اشتدت المحن لم يجد الناس - أقصد من أهل الإسلام - طريقاً إلا أن يفروا إلى الله ﵎، وأن يرجعوا إلى الله، وما نراه الآن في الدروس والمحاضرات والجمع، وما نراه من حجاب، وما نراه من إقبال على مطالعة أخبار المسلمين في الشرق والغرب، لمن أعظم الأدلة العملية على أن تباشير صباح جديد بدأت تبزغ في الأفق. أسأل الله أن يحولها إلى فجر صادق إنه ولي ذلك والقادر عليه، فلا تيأسوا ولا تقنطوا فالجولة الأخيرة -كما بينت في اللقاء الماضي- لن تكون ألبتة إلا لدين النبي ﷺ ، برغم أنف الكافرين والمجرمين. أسأل الله جل وعلا أن يشرفنا بالعمل لدينه حتى نلقاه، وأن يثبتنا على المبدأ والعقيدة حتى نلقاه، وأن يقر أعيننا بنصرة دينه، إنه ولي ذلك ومولاه، اللهم اجعلنا رحمة لأوليائك، حرباً على أعدائك، اللهم ارزقنا حبك وحب رسولك، وحب من أحبك، وحب كل عمل يقربنا إلى حبك. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 632

دروس من الأحداث الأمريكية لقد عرت أحداث الحادي عشر من سبتمبر زيف الحضارة الغربية، وكشفت الوجه الحقيقي للحرية الأمريكية المزعومة، بل لقد حركت العالم كله، ليعلم أن قوة الله أعظم من كل قوة، وأن هيبة أمريكا وهيمنتها إنما هي حرب نفسية، وأكاذيب إرجافية، كما أنها أبانت أن شمس الإسلام ستشرق من جديد ولو كره الكافرون.

стр. 633

الله الملك الحق الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الفضلاء الأخيار! وأيتها الأخوات الفاضلات! وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! دروس من الأحداث الأمريكية، هذا هو عنوان لقائنا مع حضراتكم في هذا اليوم الأغر الميمون المبارك، وكعادتي حتى لا ينسحب بساط الوقت سريعاً من تحت أقدامنا، فسوف ينتظم حديثي مع حضراتكم في هذا الموضوع في العناصر التالية: أولاً: الله الملك الحق. ثانياً: هذه حضارتنا وتلك حضارتهم. ثالثاً: الضنك والشقاء ثمرة الإعراض عن الله. رابعاً: الأيام دول. وأخيراً: وستشرق شمس الإسلام من جديد. فأعيروني القلوب والأسماع، والله أسأل أن يقر أعيننا جميعاً بنصرة الإسلام وعز الموحدين، وهزيمة الشرك والمشركين، وخذلان الظالمين والمجرمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أولاً: الله الملك الحق: لقد أثبتت الأحداث الأمريكية الأخيرة أن القوة العظمى التي نجحت بحدها وحديدها، وإعلامها الذي يحرك دفته اليهود، أن تقنع أصحاب القلوب القلقة التي فرغت من الإيمان، وأن تخدع كثيراً من أهل الأرض أنها القوة المتحكمة في الكون، وأنها المدبرة لأمر الكون، وأنها الحارسة لسماء الكون، وأنها الحارسة لأرض الكون لا تساوي شيئاً؛ فقد أراد الله جل وعلا أن يُعلِم القوة العظمى أن الذي يدبر أمر الكون وحده هو الملك الحق. أتاها الله من سمائها، تلك السماء التي ادعت أمريكا أنها قادرة على التحكم فيها، فلا تستطيع ذبابة -فضلاً عن صاروخ أو طائرة- أن يقتحم المكان الجوي فوق وزارة الدفاع (البنتاجون) فشاء الملك الحق أن تُغزا القوة العظمى في الأرض من قبل هذه السماء. تدبر معي قول الله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام:٦٥]، وقوله ﷻ : ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد:١١]، وقوله ﷻ : ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا * وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف:٥٨ - ٥٩]. فما من مؤمن على وجه الأرض إلا وهو يعلم الآن يقيناً لا تزعزعه رياح الشك والريبة أنه ما من ذرة في الكون إلا وهي في قبضة الملك الحق، وما من ورقة تسقط إلا بأمره وعلمه، فلا تخرج دبابة ولا تنطلق طائرة ولا يسقط صاروخ ولا تدك الأرض قنبلة إلا بأمر الملك الحق الذي يدبر الكون كله، قال ﷻ : ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]. ما أود أن أؤصله اليوم ابتداء كأعظم دروس هذه الأحداث: أن نعلم يقيناً أن الله جل وعلا هو الذي يدبر أمر الكون، ولا تستطيع قوة على وجه الأرض مهما أوتيت من القوى، والوسائل العلمية، والتخطيط الهائل لحرب الإرهاب -زعموا- لا تستطيع هذه القوة أن تحول بينها وبين قدر أراده لها الملك الحق. السلاح الأمريكي الذي يخوف به العالم الآن، شاء الله جل وعلا مرة أخرى أن يبين لأهل الأرض أن أمريكا التي استطاعت أن تخدع العالم كله بأنها تملك من السلاح ما تقدر به أن تبيد البشرية؛ وشاء الله جل وعلا أن يتضح لنا في الأيام الماضية أنها ما فعلت شيئاً، فما يزيد على ألفي صاروخ وقنبلة سقطت في الأيام القليلة الماضية على أرض أفغانستان، ولو كانت الأمور تسير بالقوانين الأمريكية، والخطط الاستراتيجية المعدة، ما وجدنا بأفغانستان على الأرض من سبيل، ولكن شاء الله أن يبقيها، وأن يبقي الثلة الطيبة المباركة من طالبان، تلك الثلة التي تعلن الآن أنها تنتظر الجنود الأمريكان لتلقنهم درساً على الأرض كما لقنت الروس والبريطان! أمر عجب! لابد أن تعي القلوب القلقة هذه الدروس، فالذي يدبر الكون هو الله وليست أمريكا بأسلحتها، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة واللفظ لـ مسلم: (جاء حبر من أحبار اليهود إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد! إنا نجد مكتوباً عندنا في التوراة أن الله تعالى يجعل السموات على إصبع)، تدبر أيها الموحد لله! فالسماء كلها على إصبع واحد من أصابع الملك الحق! (إنا نجد مكتوباً عندنا في التوراة أن الله تعالى يجعل السموات على إصبع، والأراضين على إصبع، والماء والثرى على إصبع، والشجر على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، ثم يهزهن ويقول: أنا الملك، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، وقرأ قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]). وفي الصحيحين من حديث ابن عمر واللفظ لـ مسلم أن النبي ﷺ قال: (يطوي الله جل وعلا السموات والأرض بيمينه يوم القيامة ويقول: أنا الملك! أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟)، وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري واللفظ لـ مسلم أن النبي ﷺ قال: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه). عباد الله! لا تنخدعوا بأي قوة على وجه الأرض، فإذا كانت أمريكا هي القوة العظمى، فالله هو القوي الأعظم، الملك الحق الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. الله اسم لصاحبه كل جلال. الله هو اسم لصاحبه كل كمال. الله اسم لصاحبه كل سلطان وجلال. الله هو الاسم الذي ما ذكر في قليل إلا كثره. الله هو الاسم الذي ما ذكر عند خوف إلا أمنه. الله هو الاسم الذي ما ذكر عند كرب إلا كشفه. الله هو الاسم الذي ما ذكر عند هم إلا فرجه. الله هو الاسم الذي ما تعلق به ضعيف إلا قواه. الله هو الاسم الذي ما تعلق به فقير إلا أغناه. الله هو الاسم الذي ما تعلق به ذليل إلا أعزه وآواه. الله هو الاسم الذي تستجاب به الدعوات. الله هو الاسم الذي تستنزل به الرحمات. الله هو الاسم الذي تقال به العثرات. الله هو اسم الذي لو عرفت الأمة قدره وجلاله لنصرها على أعتى القوى في الأرض بأمره وهو رب الأرض والسماوات، ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٦]، فلابد أن تنتزع من القلوب هذه الحال من الخوف والهزيمة النفسية، فلقد أعلنت جرائدنا المبجلة الموقرة وصور إعلامنا الذي نام في العفن نوماً عميقاً، وصور لنا صاروخاً صدرته أمريكا إلى السماء للتجسس، وعلق تحت الخبر بأسلوب مزرٍ: صاروخ أطلقته أمريكا للتجسس، قادر على أن يسجل كل كلمة يتكلم بها أفغاني في أرض أفغانستان! وإلى الآن ما تمكنوا من الوصول إلى أي أحد! إنه الإرجاف، فتعالى الله الملك الحق.

стр. 634

هذه حضارتنا وتلك حضارتهم ثانياً: بإيجاز شديد! هذه حضارتنا وتلك حضارتهم: لقد صرح رئيس الوزراء الإيطالي الجاهل أن الحضارة الغربية يجب أن تتفوق على الحضارة الإسلامية، وأن الحضارة الإسلامية هي حضارة التطرف والإرهاب، وحاول بشتى الطرق أن يجمل وأن يزين اللفظ فما استطاع، وصدق ربي إذ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران:١١٨]. وصرح بوش أنها حرب صليبية ولو زين وجمل ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [آل عمران:١١٨]. وصرح رئيس وزراء بريطانيا بلير وقال: ها نحن قد عدنا يا ملا محمد عمر! وصرح رئيس الوزراء الإيطالي بأن الحضارة الإسلامية حضارة يجب أن تزول، ويجب أن تهزم.

стр. 635

حضارة الغرب الزائفة الهابطة أيها الأحبة: تعالوا بنا نعقد مقارنة سريعة بين حضارتهم وحضارتنا، ولنبدأ بحضارتهم: فحضارتهم هي الحضارة التي سبت رب العزة سباً فضيعاً منكراً، فنسبت عيسى ابن مريم ابناً لله جل وعلا، ففي جانب الاعتقاد: نرى عقيدة متعفنة، ونرى عقيدة لا أصل لها ولا صواب. حضارتهم هي التي دافعت عن الشذوذ الجنسي إلى هذه اللحظة. حضارتهم هي التي تدافع عن مصارعة الثيران. حضارتهم هي الحضارة التي تدافع عن العنصرية اللونية البغيضة وإلى هذه اللحظة. حضارة الغرب هي الحضارة التي أسقطت القنبلة النووية على هيروشيما وناجازاكي. الحضارة الغربية برائدة الإرهاب في الأرض أمريكا هي التي قتلت أربعة ملايين في الفيتنام. الحضارة الغربية هي الحضارة التي استخدمت أطفال المسلمين ولأول مرة في التاريخ كدروع بشرية في البوسنة والهرسك. الحضارة الغربية هي التي قتلت ما يزيد على مليون ونصف طفل من أطفال العراق. الحضارة الغربية هي التي دمرت مصنع الشفاء في السودان. الحضارة الغربية هي التي ما زالت منذ عشر سنوات تدك العراق والمدنيين في العراق دكاً. الحضارة الغربية هي الحضارة الظالمة التي أبادت الهنود الحمر من الأمريكان. الحضارة الغربية هي الحضارة التي استعبدت الزنوج لوقت من الزمان. الحضارة الغربية هي الحضارة التي فعلت بالإنسان على وجه الأرض ما تخجل الوحوش الضارية أن تفعله ببعضها البعض في عالم الغابات. هذه حضارتهم التي مجدت جانجاكروستو. تلك الحضارة التي مجدت العقد الاجتماعي الفاسد الباطل. تلك الحضارة التي مجدت المذهب الميكافيلي الخبيث. تلك الحضارة التي مجدت كل جاهليات الأرض. هذه هي الحضارة الغربية حضارة الإرهاب. الحضارة الغربية التي ما زالت إلى يومنا هذا تقصف العزل والمدنيين في أفغانستان ممن لا ذنب لهم ولا جريرة. الحضارة الغربية التي تكيل بمكيال واحد لا بمكيالين ألا وهو مكيال العداء للإسلام. الحضارة الغربية التي تمد اليهود بأحدث أنواع الأسلحة لتدك هذه الحضارة الغربية الغاشمة الظالمة الفلسطينيين العزل من الشيوخ والنساء والأطفال إلى هذه اللحظة التي أقف فيها على المنبر. الحضارة الغربية هي التي أعلن عضو بارز من أعضائها وهو الإرهابي الكبير بوتن فقال: إنني أحارب عدوي الأول ألا وهو الإسلام، وسأقضي على الإرهابيين في داغستان والشيشان؛ لأحول البقية الباقية منهم إلى النصرانية. إنها الحضارة التي قال عضو بارز من أعضائها: إن العرب صراصير ينبغي أن يبادوا من على وجه الأرض! إنها الحضارة التي قال عضو بارز من أعضائها: فليذهب العرب إلى الجحيم! إنها الحضارة الغربية التي تغذي الإرهاب والتطرف في قلوب الصغار والأطفال منذ الصغر كما تقول الملحمة الشعرية التي تسمى بإكليل الجبل، وهي الملحمة التي يحفظها الطفل الصربي، تقول كلماتها: سلك المسلمون طريق الشيطان. دنسوا الأرض ملؤها رجساً. فلنعد للأرض خصوبتها. ولنطهرها من تلك الأوساخ. ولنبصق على القرآن. ولنقطع رأس كل من يؤمن بدين الكلاب ويتبع محمداً. فليذهب غير مأسوف عليه. هذه هي الحضارة الغربية، في الجانب العقدي، وفي الجانب الأخلاقي، وفي الجانب الإرهابي، فهي الحضارة التي تغذي وتؤصل الإرهاب في الأرض على يد رائدة الإرهاب في الأرض أمريكا، وربيبتها على الأراضي المحتلة (إسرائيل) على حد زعمهم، وأنا لا أحب أن أستعمل هذه اللفظة. اليهود يمارسون الإرهاب في كل لحظة. والأمريكان مارسوا ويمارسون وسيمارسون الإرهاب. والروس يمارسون الإرهاب إلى هذه اللحظة. وعباد البقر في كشمير يمارسون الإرهاب إلى هذه اللحظة. والصربيون أصلوا الإرهاب وزرعوا جذوره في قلب البلقان. فهذه هي الحضارة الإرهابية المتطرفة اللصوصية الأصولية، الحضارة المتعفنة الروح والضمير، وأنا لا أنكر أن هذه الحضارة قد قفزت في الجانب المادي قفزات هائلة، ففجرت الذرة، وانطلقت إلى أجواء الفضاء، وغاصت في أعماق البحار، وحولت العالم إلى قرية صغيرة عن طريق هذا التكنيك العلمي المذهل في عالم الاتصالات والمواصلات، لا أضع رأسي في الرمال كالنعام لأنكر هذا الشق المهم من شقي الحضارة، إذ لابد لأي حضارة من شق مادي علمي وشق ديني أخلاقي، ولقد قفزت الحضارة الغربية في الجانب المادي، وانتكست في الجانب الأخلاقي والديني، ليتبين لنا أن الأصل الأصيل في أي حضارة هو جانبها الديني والأخلاقي، إذ إن الشق المادي لما غاب عنه الجانب الخلقي تحول هو ذاته إلى ضنك وشقاء ومصدر إبادة للجنس البشري كله. لما غاب الدين وغاب الخلق تحول الشق المادي إلى مصدر فزع، فالعالم الآن عالم مجنون، لو نظر العاقل إلى أحواله لضحك ضحكاً يشبه البكاء. تصور طائرة في سماء أفغانستان تسقط القنبلة التي تدمر مساحة من الأرض -كما يقولون- مثل مساحة استاد كرة رياضي، وبعد لحظات تسقط طائرة أخرى كيساً من الدقيق أو من الأرز! إنه قمة الاستخفاف والظلم! تطعم من استباحت دمه؟ تطعم من ذاق طعم الرعب! ماذا يأكل؟ وماذا ينتظر من يد تضربه بالرصاص في قلبه، وتمنحه الطعام من خلف ظهره؟! مات، قتل، ماذا يريد بعد ذلك؟ ماذا يريد من سالت دماؤه؟ ماذا يريد من هدم بيته؟ ماذا يريد من فقد والديه؟ ماذا يريد من فقد أولاده؟ ماذا يريد من فقد وطنه؟ ماذا يريد من يحال بينه وبين أن يمارس دينه بحرية؟ لا يريد شيئاً على الإطلاق، لكنه اللعب، لكنه الاستخفاف بالعقول، عالم يدمر، ثم بعد ذلك ترى الجمعيات الماجنة التي تطالب من الميسورين والأغنياء في العالم أن يساهموا بالتبرعات للاجئين الأفغان، ولإعادة تعمير أفغانستان مرة أخرى بعدما دمرتها الأسلحة الأمريكية! عالم مجنون بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

стр. 636

رفعة الحضارة الإسلامية أما حضارتنا فنقول بملء الفم وأعلى الصوت: إنها حضارة لا وجه للمقارنة مطلقاً بينها وبين حضارات الأرض؛ لأن حضارات الأرض استمدت أصولها من الأرض، أما حضارة الإسلام فقد استمدت أصولها من السماء، فأصول الحضارة الإسلامية القرآن والسنة. هذه أصول حضارتنا: (القرآن والسنة) القرآن: كلام الله، والسنة: وحي الله لرسول الله ﷺ ، وتستمد الحضارة الإسلامية أصولها من هذين الوحيين، ومن هذين النورين المشرقين، أصلت عقيدة التوحيد، فلا ينبغي أن توجه القلوب ولا أن تصرف العبادة إلا لله الواحد الأحد؛ لتلم شمل وشتات الإنسان، فالإنسان المتوجه لإلهين مختلفين مشتت، أما حضارة الإسلام، فهي الحضارة التي أصلت التوحيد الحضارة التي أصلت حقيقة العبودية لله جل وعلا حضارة الإسلام هي الحضارة التي أرست الخلق: خلق الأمن خلق التسامح خلق الوفاء بالوعود والعهود، ولم تكن مبادئ الحضارة الإسلامية كلمات لا تساوي قيمة الحبر التي كتبت به كما هو الحال في ميثاق حقوق الإنسان في هيئة الأمم. ولم تكن الحضارة الإسلامية تماثلاً يصدم الناظرين في قلب أمريكا ليرمز للحرية وهم يسحقون الأحرار خارج بلادهم وأرضهم. ولم تكن الحضارة الإسلامية كلمات حبيسة الأدراج كما هو الحال في الثورة الفرنسية التي حبست دستورها، أو حبست ما تحويه هذه الثورة من معانٍ جليلة عن مستعمراتها التي استعمرتها سنوات طويلة، ولكن الحضارة الإسلامية تحولت على أرض الواقع إلى منهج حياة، فهاهو المصطفى ﷺ الذي أصّل هذه الأصول يعلنها صريحة، ويقول: (أيها الناس! إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، إن آدم من تراب، لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأبيض على أحمر، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى، وقرأ قول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]). وهاهي امرأة من أشراف بني مخزوم تسرق، ويشفع بعض الصحابة لها عند رسول الله -والحديث في الصحيحين- فيغضب النبي ﷺ غضباً شديداً ويعلنها صريحة مدوية: (وايم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها). هذه هي الحضارة الإسلامية التي ما ذاق اليهود ولا النصارى طعم الأمن إلا في ظلالها، فهاهم اليهود يعرفون طعم الأمن سنوات طويلة حينما وفوا بالعهود لرسول الله ﷺ في المدينة، وهاهم النصارى يذوقون طعم الأمن في ظلال الحكم الإسلامي. جاء عمر بن الخطاب من المدينة إلى بيت المقدس ليحقن دماء النصارى، وهو الخليفة الذي كان قادراً على أن يصدر الأوامر لجيشه المنتصر أن يفتح مدينة بيت المقدس عنوة ولكنه أبى، وأتى من المدينة إلى بيت المقدس ليمشي مسافة تزيد على ألفين وخمسمائة كيلو متراً من المدينة إلى بيت المقدس، لم يركب طائرة خاصة، ولا سيارة مكيفة، بل ولم يأت بموكب رهيب يتكون من آلاف الفرسان وآلاف الرجال والجنود، وإنما جاء في موكب مهيب في تواضعه، جاء يركب دابة واحده مع خادمه فقط، يركب عمر الدابة تارة بمقدار قراءة سورة يس -كما قال المؤرخون- وينزل الفاروق من على ظهر الدابة ليركبها خادمه بمقدار قراءة السورة، ثم يمشي عمر إلى جوار خادمه لتستريح الدابة بمقدار قراءة السورة، ولما وصل إلى مدينة بيت المقدس كانت الكرة في الركوب لخادمه، فأصر الخادم أن يركب أمير المؤمنين وأن يمشي هو فأبى، وأصر الفاروق على أن يركب الخادم -وأنا لا أقول هذا من أجل تضييع الوقت ولا لاستهلاكه، وإنما لأبين لحضراتكم حقيقة القلوب التي فتح الله بها بيت المقدس- ويركب الخادم ويجر الدابة له أمير المؤمنين عمر، ويرى أبو عبيدة قائد الجيش هذا المشهد المهيب، وتعترض الدابة مخاضة ماء -بركة ماء- فيشمر الفاروق عن ساعديه، ويضع نعله تحت أبطيه، ويجر الدابة لخادمه، فيقول أبو عبيدة: مه يا أمير المؤمنين! والله ما أحب أن القوم قد استشرفوك -أي: لا أحب أن يراك القوم وأنت في هذه الحالة- فقال الفاروق الأواب: أوه يا أبا عبيدة! لو قالها غيرك يا أبا عبيدة! لأوجعته، لقد كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله. هذه هي القلوب التي فتح الله لها بيت المقدس. ويستلم عمر مفاتيح المدينة المقدسة، ويعطي النصارى عهداً بالأمان لأموالهم ولأنفسهم ولكنائسهم، وألا تسكن كنائسهم وألا تهدم، ومن أراد منهم أن يخرج فله الأمان، ومن أراد أن يبقى في المدينة المقدسة فلا تؤخذ منه الجزية حتى يحصد حصاده. هذا هو الإسلام وهذه حضارته!! وفي هذه الحضارة الإسلامية يبرز جانباً رائعاً منها أمين سر رسول الله حذيفة بن اليمان، والحديث في صحيح مسلم، يقول حذيفة: ما منعني أن أشهد بدراً مع رسول الله ﷺ إلا أني خرجت أنا وأبي حسيل، فأخذنا المشركون وقالوا: أتريدان محمداً؟ قلنا: لا. بل نريد المدينة، قال حذيفة: فأخذ علينا المشركون عهد الله وميثاقه ألا نقاتل مع رسول الله، وأن ننطلق مباشرة إلى المدينة، قال: فانطلقت إلى النبي ﷺ فأخبرته بما قلت أنا وأبي وبما قاله المشركون -اسمع ماذا قال النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : (انصرفا) -أي: لا تشهدا معنا المعركة- (انصرفا نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم)، هذه حضارتنا إنها حضارة الإسلام!! وهذا أبو عبيدة يرسل كتاباً إلى عمر ليقول له: يا أمير المؤمنين! لقد أعطى جندي في الجيش عهداً بالأمان لأهل بلد من بلاد العراق، فماذا أصنع؟ اسمع ما قال عمر؟ أسرع وأرسل كتاباً إلى أبي عبيدة ليقول بعد حمد الله والثناء عليه: من عمر إلى أبي عبيدة: سلام الله عليك وبعد، فإن الله قد عظم الوفاء ولا تكونون أوفياء حتى تفوا فوفوا لهم بعهدهم، وانصرفوا عنهم، واستعينوا الله عليهم. هذه حضارتنا التي تعظم الوفاء بالوعود والعهود!! حضارتنا التي تعظم الدماء!! حضارتنا التي تعظم الأمن والأمان!! حضارتنا التي لا تقر الإرهاب فوق أي أرض وتحت أي سماء، مهما كان لون الإرهاب ووطنه وجنسه!! حضارتنا التي أخبر نبينا ﷺ أن امرأة دخلت النار في هرة، وأن بغياً من بغايا بني إسرائيل دخلت الجنة في كلب!! حضارتنا حضارة العدل، تحرم الظلم والبغي والعدوان!! حضارتنا التي جلى عظمتها صلاح الدين يوم فتح بيت المقدس وأرسل طبيبه الخاص إلى عدوه اللدود وقائد الجيش الجسور ريتشارد قلب الأسد!! حضارتنا هي التي جلى محمد الفاتح عظمتها يوم فتح كنيسة (آياصوفيا)، وعلم العالم الصليبي الحاقد درساً من أعظم دروس التسامح والوفاء!! ويكفي أن نعلم أن حضارتنا تستمد أصولها وأخلاقها من كلام ربها وكلام نبيها ﷺ . أيها الأخيار! حتى في الجانب المادي، والله الذي لا إله غيره ما قفزت أوروبا هذه القفزة العلمية إلا على أسس حضارتنا الإسلامية العلمية، ففي الوقت الذي أنار المسلمون الأندلس بضوء الكهرباء، كانت فرنسا ما زالت تعيش في الظلام، ولم تصل بعد إلى ضوء المصباح الكهربائي، وفي الوقت الذي رصف وعبد المسلمون طرق الأندلس، كانت إيطاليا وبريطانيا تعيش في الوحل والطين، ولم تعرف بعد الطرق المعبدة. لكنني أسجل أن المسلمين انتكسوا وتخلوا في الجانب المادي عن حضارتهم، وفي نفس الوقت أخذ الأوروبيون أسس وأصول هذه الحضارة، وطوروها وقفزوا قفزات علمية هائلة، إذ إن الحضارة في أي عصر ما هي إلا نتاج علمي وفكري لآلاف الأدمغة والرءوس التي عملت قبل ذلك. فمحال أن تقارن بين حضارة القرن العشرين وحضارة القرن الخامس عشر؛ محال لأن حضارة القرن العشرين ما هي إلا محصلة لنتاج عقلي وعلمي وفكري لآلاف الرءوس والأدمغة التي عملت في كل مجالات الحياة، فجاءت هذه الحضارة فجنت الثمار وطورت، وأنا لا أنكر ذلك.

стр. 637

الضنك والشقاء ثمرة الإعراض عن الله لا وجه للمقارنة بين الحضارة الإسلامية وبين الحضارة الغربية في جانبها العقدي في جانبها الأخلاقي في جانبها الروحي في جانبها الإيماني، فبالرغم من كثرة هذه الطائرات والدبابات والهيئات والمنظمات والأحلاف فهي محرومة من نعمة الأمن والأمان. على الرغم من التخطيط الهائل المبني على أسس علمية ونفسية لمحاربة الجريمة، فهي محرومة من الأمن والأمان. على الرغم من كثرة الوسائل الأمنية الحديثة، ويجتمع الرؤساء والخبراء والمحللون ويحللون ويبحثون وينفضون ولا حلول. ما زال آلاف البشر يبحثون عن الأمن وسط الركام، ما زال آلاف البشر ينتظرون الموت في كل لحظة، ضاقت الدنيا في وجوههم على الرغم من اتساعها، وأظلمت الدنيا في وجوههم على الرغم من كثرة أضوائها، والعالم كله محروم من الرخاء الاقتصادي على الرغم من كثرة الأسواق المشتركة، فما زال آلاف البشر يموتون من الجوع ولا يجدون لقمة الخبز، يموتون في العراء من شدة البرد، فالعالم محروم من راحة الضمير وانشراح الصدر وخلو النفس من المشاكل والأزمات والهموم، وكل هذا بسبب الإعراض عن الله ومنهجه. أخيراً سمعنا عن مرض فتاك جديد ما سمعنا عنه من قبل ألا وهو الجمرة الخبيثة، وتدبر لفظة الجمرة فأصلها من النار، وأنا لا أقول بأن الجمرة أتت من جهنم، لكن تدبر اللفظة: الجمرة الخبيثة، فالرعب يسود أمريكا إلى حد أنهم أغلقوا فيه الكونجرس الأمريكي، فالكل في حالة فزع، ولم لا وربك جل وعلا يقول: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]، وربك جل وعلا يقول في الحديث القدسي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)؟ فمن أجل ما يذيق الأمريكان الرعب للأفغان، يريد الله في هذا الوقت أن يذيق الأمريكي الرعب. إنه العدل! إنه الحق! وصدق المصطفى ﷺ إذ يقول كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وابن ماجة من حديث ابن عمر: (يا معشر المهاجرين! خمس إن ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشت فيهم الأوجاع والأسقام التي لم تكن في أسلافهم). إنها نتيجة عادلة، وثمرة مرة للإعراض عن الله، والظلم لعباد الله وخلق الله في أرض الله! صار المسلم الذي يدافع عن أرضه وعرضه ومقدساته هو الإرهابي الأصولي، اللصوصي المتطرف، الرجعي المتخلف المتأخر إلى آخر هذه التهم المعلبة التي تكال الآن للمسلمين كيلاً. لو حدث أي شيء في الأرض اتهم المسلمون في التو واللحظة قبل أي دليل أو تحقيق أو برهان، حتى اتهم الفلسطيني الذي يدافع عن عرضه ومقدساته بالإرهابي.

стр. 638

الأيام دول عنصرنا الرابع: الأيام دول: إن كانت الجولة الآن للغرب وأهله، فإن الله ﵎ يقول: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠]. إن للحضارات دورات فلكية كما يقول المفكر الشهير سبلنجر، إن للحضارات دورات فلكية، فهي تبرز هنا لتشرق هنالك. ثم يقول: وإن حضارة أوشكت على الشروق في أروع صورة ألا وهي حضارة الإسلام. نعم. إن الدولة والجولة الآن للغرب، لكن لابد أن نعلم أن لله سنناً ربانية في الكون، لا تتبدل ولا تتغير، ولا تحابي تلك السنن أحداً من الخلق بحال، فإن أخذ الغرب بأسباب القوة انتصروا، وإن تخلى المسلمون عن أسباب القوة هزموا؛ لأن الله لا يحابي أحداً من خلقه، لكن كما جعل الله ﵎ الابتلاء للمستضعفين سنة جارية للتمحيص والتمييز، فإن الله قد جعل أخذ الظالمين سنة ثابتة لا تتبدل ولا تتغير. وأكرر: كما جعل الله الابتلاء والمحن والفتن سنة ربانية للمؤمنين للتمحيص والتمييز؛ ليثبت على الصف من صفت نفسه، وسمت همته، وصدق في عمله وقوله، وليطرد من الصف من حمل الدعوة والدين ليتاجر به في سوق الشهوات والمتاع، كما جعل الله ذلك كذلك؛ فلقد جعل الله أخذ الظالمين سنة جارية ثابتة لا تتبدل ولا تتغير. أين الظالمون وأين التابعون لهم في الغي بل أين فرعون وهامان أين من دوخوا الدنيا بسطوتهم وذكرهم في الورى ظلم وطغيان هل أبقى الموت ذا عز لعزته أو هل نجا منه بالسلطان إنسان لا والذي خلق الأكوان من عدم الكل يفنى فلا إنس ولا جان ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر:٦ - ١٣]. (سوط) إنه العذاب الجزئي، وليس الاستئصال الكلي. ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:١٤]. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:١ - ٥]. فلقد أخذ الله الظالمين في كل زمان ومكان، فلا تغتروا إن أمهل الله ظالماً، فإن الله يمهل ولا يهمل، وما ربك بظلام للعبيد. أيها المظلوم صبراً لا تهن إن عين الله يقضى لا تنام نم قرير العين واهـ نأ خاطراً بين الأنام فعدل الله جل وعلا دائم بين الأنام، ولا يتخلى ربنا عن عدله قط في الدنيا والآخرة، وإن أمهل فلا يهمل، فالذي أخذ فرعون، وأخذ عاد، وأخذ قارون، وأخذ ثمود، ودمر قوم لوط، ودمر قوم صالح؛ هو الحي الباقي الذي لا يموت، ولا تعجزه أمريكا ولا بريطانيا ولا روسيا، لكننا نود أن نكون على مستوى هذا الدين لنكون أهلاً لنصرة رب العالمين. فوالله الذي لا إله غيره لو عادت هذه الأمة لربها، وأخذت بالأسباب قدر ما تستطيع، وعلقت قلوبها بمسبب الأسباب؛ لرأينا العجب العجاب، إذ إن الذي يدبر الأمر كله هو الله . أيها الأفاضل! ومع هذا الظلم الذي نراه، ومع هذه الصورة التي تؤلم كل قلب مسلم غيور، أقول بملء فمي وأعلى صوتي: اعلموا يقيناً بأن الجولة المقبلة وعن قريب بإذن الله ستكون لدين محمد بن عبد الله ﷺ ، فستشرق شمس الإسلام من جديد، وهذا هو عنصرنا الأخير، وأرجئ الحديث عنه في عجالة إلى ما بعد جلسة الاستراحة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 639

ستشرق شمس الإسلام من جديد الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد: أيها الأحبة: وستشرق شمس الإسلام من جديد: أنا لا أقول هذا رجماً بالغيب، ولا أقول ذلك من باب الأحلام الوردية الجاهلة، ولا أقول ذلك من باب السياسة القاصرة، بل ولا من باب ضغط الواقع بجراحه وآلامه، إنما أقول ذلك من منطلق حقائق الوحي الرباني والنبوي قال الرب العلي، وقال الحبيب النبي. تدبروا معي هذه العبارة: (لو حورب دين على وجه الأرض بمثل ما حورب به الإسلام لما بقي لهذا الدين على وجه الأرض من سبيل). من أول لحظة ارتقى فيها المصطفى جبل الصفا، وأعلن هذا الإسلام، ورفع رايته، وإذ بمكة بكل أهلها ترغي وتزبد، وتدق طبول الحرب وتتوعد. أين كل العداء والحرب على الإسلام؟ هلك وبقي الإسلام، وسيبقى شامخاً ليعانق كواكب الجوزاء؛ لأن الذي وعد بإبقائه وإظهاره على الدين كله هو خالق الأرض والسماء، فاملأ قلبك رضاً وطمأنينة، فنحن لا نخشى على الإسلام، ولكن نخشى على المسلمين إن هم تخلو عن الإسلام، فسيضربون بالنعال، وسيشربون كئوس الذلة والمهانة إن هم تخلوا عن أصل عزهم ونبع شرفهم ومعين كرامتهم ووجودهم ألا وهو الإسلام. الإسلام دين الله، لا تملك أمريكا ولا بريطانيا ولا فرنسا ولا إيطاليا ولا روسيا، ولا تملك قوة على وجه الأرض أن تستأصله، أو أن تطمس نوره؛ لأنه نور النور، قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف:٨]، تدبر اللفظ القرآني تدبر الكلمات القرآنية الجميلة ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف:٨]، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف:٩]. وأنا أعترف أنني ما ذقت حلاوتها وما عرفت هذه المعاني الجليلة التي تتضمنها هذه الآية إلا في هذه الأيام القليلة الماضية ورب الكعبة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٦]، صاروخ تزيد قيمته على مليوني دولار يسقط على خيمة قيمتها لا تزيد على عشرة دولارات كما صرح بذلك وزير الدفاع الأمريكي، بل ولقد نجح إخواننا في أفغانستان أن يضعوا أهدافاً وهمية -كما قرأت لطيار أمريكي يقول: نأخذ الخطة والهدف، وأصعد بحمولة الطائرة، وأصعد في السماء فلا أرى الهدف- أو إن شئت فقل -وأنا والله لا أستبعد ذلك ولا أستكثره على رب البرية- إن الله قد يستجيب لدعوة مخلص صادق فينا يقول: اللهم شتت رميهم فيشتت الله رميهم، وأنا لا أستبعد ذلك. لقد صرح جنرال روسي وقال في حربهم مع الشيشانيين: إننا نرى عجباً مع هؤلاء، نخرج عليهم بعد تصويرنا لهم، فإذا انطلقنا وقربنا من هذا الهدف لا نرى شيئاً، فإذا هممنا بالانصراف رأيناهم يخرجون علينا، وهم يحرصون على الموت ولا نعلم من أين خرجوا؟! وعرفت بعد ذلك من خلال الأخبار التي تأتي على شبكة الإنترنت، وتعجبت من هذا الخبر، أن إخواننا يختبئون في مواسير الصرف الصحي، ثم تخرج عليهم مجموعات بعد ذلك بصورة تملأ قلوب الروس بالرعب والفزع؛ لأنهم يحرصون على الموت كحرص الروس على الحياة، فالله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٣٦]، ليس لحرب الإرهاب بل لحرب الإسلام. أي إرهاب؟ إلى الآن لم تقدم أمريكا دليلاً واحداً تدين به المسلمين ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ [الأنفال:٣٦]، هل تذوقت حلاوة اللفظة (ثم تكون عليهم حسرة). ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]، هل تصدقون الله؟ ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦] أي: لتتم هنالك في جهنم حسرتهم الكبرى. قال جل وعلا: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف:١١٠]، فلم يقل: حتى إذا استيئس المؤمنون بل الرسل، ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف:١١٠]، فالنصر من عنده، والله الذي لا إله غيره ما كان النصر أبداً بعتاد ولا عدد ولا عُدد ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٢٦]. أنا أعي ما أقول: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران:١٢٦] ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف:١١٠]. قال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣] اللهم اجعلنا من جندك يا رب العالمين!

стр. 640

تزايد انتشار الإسلام في دول الغرب أيها الأحبة: تدبروا معي هذا الكلام العجيب: النسخ المترجمة للقرآن الكريم باللغة الفرنسية لم تعد نسخة واحدة في السوق بعد هذه الأحداث، وكذا نسخ القرآن المترجم بالإنجليزية في أمريكا، بل لقد اتصل أحد إخواننا بالأمس على أحد إخواننا، وأخبر بأن التجارة الرابحة الرائجة الآن في أوروبا هي تجارة الكتاب الإسلامي، فالكل يتطلع للإسلام، وأنا أقسم الأوروبيين الآن في تطلعهم إلى الإسلام، وهمهم للتعرف عليه إلى فريقين: الفريق الأول: فريق أقبل على القراءة عن الإسلام، والتعرف عليه من خلال حبه للقوة، فالأوروبي مفتون بالقوة، ويعتز بالقوة ويحترم الأقوياء، ففريق من الأوروبيين أقبل ليتعرف على الإسلام من خلال ما دسته في قلبه وعقله وسائل الإعلام الأوروبية من أن الذين قاموا بالتفجيرات الأمريكية هم المسلمون، فأقبل فريق كبير جداً من الأوروبيين يقرءون عن المسلمين وعن الإسلام، وعن تلك القوة الخارقة التي فعلت ما لا يصدقه عقل زعيم في الغرب أو في الشرق، فأقبل فريق منهم بروح الفتنة والافتتان بقوة المسلمين. سبحان ربي العظيم! وصدق النبي إذ يقول: (إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)، والحديث رواه الطبراني بسند حسن. يصرح فاجر بتصريح فيخدم بهذا التصريح هذا الدين!! والفريق الآخر: أقبل على القراءة للتعرف على الإسلام من خلال تصريحات زعماء العالم وذهابهم إلى المساجد والمراكز الإسلامية، فهناك من الأوروبيين -كما رأيت بنفسي أنا- من كان لا يعرف شيئاً على الإطلاق عن دين يسمى الإسلام، فلا يوجد الآن رجل أو امرأة أو صبي إلا وهو يعرف الإسلام، وقد أقام الله بهذه الأحداث الحجة على أهل الأرض، فسبحان ربي العظيم! لو اجتمعت الأمة بكل طاقتها الإعلامية لتعلم أو لتخبر العالم عن سماحة الإسلام ما فعلت مثلما فعل زعماء الغرب، وإن قالت ألسنتهم وكذبت قلوبهم، المهم أنهم قد صرحوا. تصوروا معي ما نشرته مجلة التايم الأمريكية، ومجلة صنداي تلجراف البريطانية، ومجلة لودين الفرنسية، وقد ذكرت هذا، وأكرره لأختم به اللقاء، ولنعلم أن النبوءة النبوية يهيئ الله الكون لها الآن. تقول مجلة التايم الأمريكية -وتدبروا هذه الكلمات، فلقد استعرت عنوان العنصر الأخير منها- وهي مجلة أمريكية مشهورة، تقول بالحرف في شبه ترجمة حرفية: وستشرق شمس الإسلام من جديد -اللهم عجل بإشراقها يا رب- ولكنها في هذه المرة تعكس كل حقائق الجغرافيا؛ لأنها لا تشرق من المشرق وإنما تشرق من الغرب من قلب أوروبا، تلك القارة العجوز التي بدأت المآذن فيها تزاحم أبراج الكنائس، وإن صوت الأذان كل يوم في قلب أوروبا خمس مرات خير شاهد على أن الإسلام يكسب كل يوم أرضاً أوروبية جديدة. جريدة صندي تلجراف تقول: إن انتشار الإسلام في القرن المنصرم وأوائل القرن الحالي ليس له من سبب مباشر، إلا أن سكان العالم من غير المسلمين بدءوا يتطلعون إلى الإسلام، وبدءوا يعلمون يقيناً أن الإسلام هو الدين الوحيد الأسمى الذي يمكن أن يتبع، وهو الدين الوحيد القادر على حل كل مشاكل البشرية. ومجلة لودين الفرنسية تقول في تقرير لعلماء استراتيجيين من العسكريين: مستقبل نظام العالم سيكون دينياً. وهذه حقيقة وسأفرد إن شاء الله تعالى محاضرة كاملة لما يسمونه بمعركة هرمجدون، هذا اليوم الذي اقترب والذي تكلمت عنه كل كتبهم، وهو موجود عندنا أيضاً بمعان أخر، وسأفصل ذلك تفصيلاً، وأذكر كلمات لزعمائهم القدامى والمعاصرين إلى رونالد ريجن فهم يقولون: مستقبل نظام العالم سيكون دينياً، والنظام الإسلامي سيسود على الرغم من ضعفه الحالي؛ لأنه الدين الوحيد الذي يمتلك قوة شمولية هائلة. أولم أقل: وستشرق شمس الإسلام من جديد؟ وعد الله ووعد رسول الله، وما علينا إلا أن نرتقي إلى مستوى هذا الدين.

стр. 641

(ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار) أيها الأحبة: يقول النبي ﷺ كما في صحيح مسلم من حديث ثوبان: (إن الله تعالى زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها). وفي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والطبراني من حديث تميم الداري أن الحبيب النبي ﷺ قال: (ليبلغن هذا الأمر) أي: هذا الدين (ما بلغ الليل والنهار). وأنا أتصور أن شطراً من هذه النبوءة النبوية قد تحقق بالأحداث الأمريكية، وإن كان المراد بأن الدين يبلغ كل بيت كما يبلغ الليل والنهار في كل أرض، فعلى ألسنة بوش، ورئيس وزراء بريطانيا! ورئيس وزراء إيطاليا! لم يبق بيت الآن على وجه الأرض إلا وقد سمع عن الإسلام، وهذا شطر من النبوءة، والشطر الآخر هو أن يتمكن الإسلام، ويدخل البيوت منتصراً فاتحاً، فهذا موعود الله لرسوله ﷺ ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف:٩]، (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر) وقال ﷺ كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: (هل سمعتم بمدينة جانب منها في البحر وجانب منها في البر؟). النبي ﷺ يسأل الصحابة، (هل سمعتم بمدينة جانب منها في البر، وجانب منها في البحر؟ قالوا: نعم يا رسول الله!) إنها القسطنطينية -هذا الجواب من عندي- قال ﵊: (لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفاً من بني إسحاق، فإذا جاءوها لم يقاتلوا بسلاح، ولم يرموا بسهم، وإنما قالوا: لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط جانب المدينة التي في البحر، فإذا جاءوها الثانية لم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم وإنما قالوا: لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط جانبها الآخر -يعني الذي في البر- فإذا جاءوها الثالثة لم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم بل قالوا: لا إله إلا الله والله أكبر، فيفتح لهم -أي ربهم جل وعلا- فيدخلوها). قال الحافظ ابن كثير: وفي الحديث نبوءة نبوية تؤكد أن الروم سيسلمون في آخر الزمان، والروم هم الأوروبيون بلغة العصر. قال الحافظ: فسلالة بني إسحاق هم سلالة العيص بن إسحاق بن إبراهيم، وهؤلاء هم الروم. قال الحافظ: فهذه النبوءة النبوية تؤكد أن كثيراً من الروم -أي: من الأوروبيين- سيسلمون في آخر الزمان، وسيجعل الله فتح القسطنطينية على يد طائفة منهم ممن وحدوا الله وآمنوا برسوله محمد ﷺ .

стр. 642

وصايا وأختم هذا اللقاء ببعض الوصايا فأقول: أولاً: يحرم على أي مسلم أن يوالي أعداء الله في حربهم على المسلمين المستضعفين في أفغانستان. ثانياً: يجب على كل مسلم أن يوالي الله ورسوله والمؤمنين وأن يتبرأ من الشرك والمشركين، وأن يحول الإسلام في حياته وبيته ومتجره ومصنعه إلى واقع عملي ومنهج حياة. إن لم تستطع أن تجاهد بنفسك وهو الواقع، فعليك أن تجاهد بمالك تجاهد بكلمتك تجاهد بدعائك تجاهد بتربيتك لأولادك وامرأتك وبناتك تربية ترضي بها ربك ﵎. ثالثاً: يجب علينا ألا نغفل عن الدعاء، ولا تحتقروا ما أقول، فإن الدعاء من سهام الليل، وقد كان الفاروق عمر ﵁ يقول: (أنا لا أحمل هم الإجابة وإنما أحمل هم الدعاء، فمن ألهم الدعاء فإن الإجابة معه)، فتضرعوا إلى الله، واستغيثوا بالله، وقوموا بالليل بين يدي الله جل وعلا، واطرحوا القلوب بين يديه بذل وانكسار، وتضرعوا إليه فهو العزيز الغفار. اللهم إنا نسألك باسمك الأعظم الذي إذا سئلت به أعطيت، وإذا دعيت به أجبت، أن تنصر الإسلام والمسلمين. اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين! اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين! اللهم أعلي بفضلك كلمة الحق والدين. اللهم انصر إخواننا في أفغانستان، اللهم احفظهم بحفظك، واكلأهم بعنايتك ورعايتك! اللهم إنهم حفاة فاحملهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم، اللهم إنهم جياع فأطعمهم، اللهم إن أهل الأرض قد تكالبوا عليهم فلا تتخل عنهم. اللهم كن لهم ناصراً يوم قل الناصر، اللهم كن لهم ناصراً يوم قل الناصر، اللهم كن لهم معيناً يوم قل المعين. اللهم شتت رمي أعدائهم، اللهم شتت رمي أعدائهم، اللهم زلزل الأرض من تحت أقدامهم، اللهم اقذف الرعب في قلوبهم، اللهم اقذف الرعب في قلوبهم. اللهم عليك باليهود المجرمين، اللهم شتت رمي اليهود المجرمين، اللهم شتت شملهم، وشتت رميهم، ومزق صفهم، اللهم احفظ أهلنا في فلسطين، اللهم احفظ أهلنا في فلسطين، وفي الشيشان، وفي العراق، وفي كشمير، وفي كل مكان! اللهم اشف صدور قوم مؤمنين بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم اشف صدور قوم مؤمنين بنصرة الإسلام وعز الموحدين. اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا! اللهم هذه أمة حبيبك محمد، اللهم ارفع الهم والغم عنها، اللهم أزل همها واكشف غمها، وردها إليك رداً جميلاً! اللهم اجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، واستر عيبنا، وفك أسرنا، وتولى أمرنا، واكشف همنا، وأزل غمنا، واختم بالصالحات أعمالنا. يا غياث المستغيثين! يا غياث المستغيثين! يا غياث المستغيثين! يا مجيب المضطرين! يا مجيب المضطرين! يا كاشف الهم عن المهمومين، فرج كرب أمة سيد المرسلين، فرج كرب أمة سيد المرسلين، فرج كرب أمة سيد المرسلين! اللهم إنه لا إله لنا سواك فندعوه، ولا رب لنا غيرك فنرجوه، لا إله لنا سواك فندعوه، ولا رب لنا غيرك فنرجوه، يا من عليه يتوكل المتوكلون! يا من إليه يلجأ الخائفون! يا من إليه يلجأ الخائفون! يا من بعظيم فضله تبسط الأيدي ويسأل السائلون! يا من بعظيم فضله تبسط الأيدي ويسأل السائلون! يا ودود! يا ودود! يا ودود! يا ودود! يا ودود! يا ودود! يا ذا العرش المجيد! يا ذا العرش المجيد! يا فعال لما يريد! يا من ملأ نوره أركان عرشه! يا من ملأ نوره أركان عرشه! يا ألله! يا ألله! يا ألله! يا ألله! اللهم إنا نستغيث بك فأغثنا، اللهم إنا نستنصر بك فانصرنا، اللهم إنا نستعين بك فأعنا، اللهم إنا نستجير بك فأجرنا، اللهم إنا نستجير بك فأجرنا! اللهم احقن دماء المسلمين، اللهم احقن دماء المسلمين، اللهم احقن دماء المسلمين، اللهم احفظ شيوخ المسلمين، وأطفال المسلمين، ونساء المسلمين! اللهم إنهم ضعاف فقوهم، اللهم إنهم أذلة فأعزهم، اللهم إنهم أذلة فأعزهم. يا رب ارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واستجب دعاءنا، اللهم استجب دعاءنا، اللهم استجب دعاءنا! إلهي وسيدي ومولاي لا تخيب فيك رجاءنا، لا تخيب فيك رجاءنا! اللهم اجعل مصر واحة للأمن والأمان وجميع بلاد المسلمين، ولا تجعل لأحد منا في هذا الجمع ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا زدته وثبته برحمتك يا أرحم الراحمين!

стр. 643

صرخات من القدس الجريح إن ما يحدث للمسلمين على أرض فلسطين لأمر مهول تتفطر له الأكباد أسى، وتبكي له العيون دماً، والأدهى من ذلك ما نراه بالمسلمين من الصمت والخنوع والذل، وكأن الأمر لا يعنيهم، وكأنهم لا يسمعون الصرخات ولا الآهات، وكل هذا بسبب انحراف المسلمين عن منهج الله تعالى ودينه، وارتكابهم للذنوب والمعاصي، التي هي سبب الذل والتسلط من قبل أعداء الله تعالى.

стр. 644

صور مؤلمة مفجعة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده لله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته. وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاًَ أيها الإخوة الفضلاء الأعزاء! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله الحليم الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى، في جنته ودار مقامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 645

وحشية في هتك الأعراض أحبتي في الله! والله إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا لما حل بأمتنا لمحزونون ففي كل بلد على الإسلام دائرةٌ يَنْهدُّ من هولها رضوى وثهلانُ ذبحٌ وصَلْبٌ وتقتيل بإخوتنا كما أَعدَّت لتُشفِي الحقدَ نيرانُ يستصرخون ذوي الإيمان عاطفة فلم يغثهم بيوم الروع أعْوُانُ هل هذه غَيرةٌ أم هذه ضعة للكفر ذكرٌ وللإسلامِ نسيانُ برك الدماء، وأكوام الأشلاء تجسد الفجيعة، وتحكي المأساة في كل بقاع الدنيا، في كل مكان ذُبِّح أبناؤنا تذبيح الخراف، بل لقد وضع الطفل على النيران ليشوى جسده أمام والده المسكين، وبعدما انتهى المجرمون من شي ولده وطفله أمام والده، قطعوا الطفل قطعاً صغيرة، وأجبروا والده تحت التهديد والتعذيب والوعيد أن يأكل من لحم ولده، ومن فلذة كبده، ومن ثمرة فؤاده، ثم بعد ذلك أطلقوا عليه النيران فقتلوه!! أختك أختك التي انتهك عرضها وضاع شرفها وها هي الآن يا ابن الإسلام تصرخ علينا وترجونا رجاءها الأخير أتدرون ما هو رجاؤها الأخير؟!! إن أختك التي انتهك عرضها وضاع شرفها تصرخ عليك الآن وتقول: أن اقتلوني واقتلوا العار بين أحشائي اقتلوا ولدي من السفاح والزنا!! هذا هو رجاؤها الأخير!! وذلك بعدما صرخت طويلاً طويلاً حتى انقطع صوتها وضاع أنينها وراح صوتها بعدما صرخت طيلة هذه الأشهر الماضية وهي تقول: وا إسلاماه وا إسلاماه وا معتصماه وامعتصماه، ولكن أين المعتصم؟ ما ثم معتصم يغيث من استغاث به وصاح ذبحوا الصبي وأمه وفتاتها ذات الوشاح وعدوا على الأعراض في انتشاء وانشراح يا ألف مليون وأيـ ـن هم إذا دعت الجراح ما ثم معتصم يغيث من استغاث به وصاح برك الدماء، وأكوام الأشلاء تجسد الفجيعة، وتحكي المأساة في كل مكان: في البوسنة، في الصومال، في كشمير، في الهند، في الفلبين، في بورما، في تركستان، في أفغانستان، في طاجكستان، في الجزائر، وأخيراً في فلسطين برك الدماء، وأكوام الأشلاء، ولا زال المشاهدون من كل بقاع الدنيا قابعين في مقاعدهم يشاهدون هذه المسرحية الهزلية المحرقة، منهم من يبارك هذه التصفية، وهذه الإبادة، ومنهم من جلس يمسح عينيه بمنديل حريري! ولكنه مع هذا ما زال مصراً على أن يقبع في مقعده ليشاهد آخر فصول هذه المسرحية الهزلية المحرقة!!

стр. 646

قتل الأطفال في أحضان آبائهم طاردتني هذه الصور المؤلمة التي تحرق فؤاد كل مسلم حي، هذا إن كنا لا زلنا نحمل في الصدور أفئدة، إن كنا لا زلنا نحمل في الصدور قلوباً ما كفنت ولا حول ولا قوة إلا بالله! طاردتني كما طاردت كل مسلم صادق هذه الصورة المؤلمة التي تحرق القلب، صورة هذا الطفل المسكين الذي لا ذنب له ولا جريرة إلا أنه ولد فوق الثرى الطاهر، والأرض المباركة، فوق مسرى الحبيب محمد ﷺ ، وقام اليهود المجرمون الأنذال الذين لا يعرفون رحمة ولا شفقة، حتى بعدما احتمى الطفل في أبيه وراح يرفع يديه خائفاً من هؤلاء المجرمين، وراح الوالد المسكين يرفع يده مسلماً مستسلماً، ولكن هيهات هيهات هيهات. هيهات أن يعرف اليهود الرحمة؛ اللهم إلا إذا دخل الجمل في سَمَّ الخياط. فأطلقوا الرصاص على رأس هذا الطفل المسكين فأردوه قتيلاً، وإن شئت فقل: لقد قتلوا أباه وإن لم يمته الرصاص، تصور أن يموت ولدك بين يديك بهذه الصورة التي تحرق الأفئدة، والله لقد نظرت إلى أطفالي بالأمس القريب نظرت إليهم وتخيلت أن قاذفة من قاذفات العدو اليهودي قد سقطت على بيتي على أهلي وأولادي فتمزقت أشلاء أطفالي أمام عيني وبين يدي، والله عبثاً حاولت النوم فأنى للقلوب التي تعرف حقيقة الإيمان فأنى للقلوب التي ذاقت حلاوة الولاء والبراء أن تعرف طعم النوم، وأن تعرف طعم الراحة، والله لولا أن المصطفى في المصائب ذاق ما ذقناه لكانت المصيبة والمأساة! وصورة الطائرات والدبابات والصواريخ والمدفعية تدك بيوت الفلسطينيين العزل، الذين لا يملكون إلا إيماناً بالله ثم الحجارة ثم الحجارة ثم الحجارة!!

стр. 647

هدم البيوت على ساكنيها وطاردتني صورة امرأة عجوز يتساقط بيتها فوق رأسها، وهي تنظر إلى سقف البيت يتحطم ولا تملك أن تفعل شيئاً على الإطلاق. وطاردتني صورة الأقصى الجريح وهو يئن ويستجير، وهو يصرخ في المسلمين: وا إسلاماه وا إسلاماه وا إسلاماه لكن من يجيب؟!! من يجيب؟!! القدس يصرخ انتابتني حالة نفسية عجيبة، حالة نفسية مؤلمة، لكن من يجيب؟ كنت أصرخ، ولكن الصرخة في صحراء مقفرة في صحراء مهلكة: عبثاً دعوت وصحت يا أحرار عبثاً لأن قلوبنا أحجار عبثاً لأن عيوننا مملوءة بالوهم تظلم عندها الأنوار عبثاً لأن شئوننا يا قومنا في الغرب يفتل حبلها وتدار ولأننا خشب مسندة فلا ندري ماذا يصنع المنشار أما سقوط الأقصى فحالة مألوفة تجري بها الأقدار هذي شئون القدس ليس لنا بها شأن وما للمسلمين خيار يا ويحكم يا مسلمون قلوبكم ماتت فليست بالخطوب تثار أنكرتم الفعل الشنيع بقولكم شكراً لكم لن ينفع الإنكار شكراً على تنظيم مؤتمراتكم وعلى القرار يصاغ منه قرار وعلى تعاطفكم فتلك مزية فيكم تصاغ لمدحها الأشعار يا ويحكم يا مسلمون نساؤكم يسألن عنكم والدموع غزار هذي تساق إلى سراديب الهوى سوقاً وتلك يقودها الجزار لو أن سائحة من الغرب اشتكت في أرضكم لتحرك الإعصار أما الصغار فلا تسل عن حالهم مرض وخوف قاتل وحصار واليهود يذبحون ويقتلون ومالهم ناصر ودمع عيونهم مدرار يا ويحكم تنسون أن الضعف في وجه العدو مذلة وصغار هذي هي القدس يحرق ثوبها عمداً ويهتك عرضها الأشرار تبكي وأنتم تشربون دموعها وعن الحقائق زاغت الأبصار هذا هو الأقصى يُهَوَّد جهرة وبجرحه تتحدث الأخبار هذا هو الأقصى يطحنه الأسى وجموعكم يا مسلمون عار ملياركم لا خير فيه كأنما كتبت وراء الواحد الأصفار ما جَرَّأَ اليهودُ إلا صمتكم ولَكَمْ يَذِلُ بصمته المغوار خابت سياسة أمة غاياتها تحقيق ما يرضى به الكفار يا قدس أرسل دمع العين مدرارا عميق حزن وصب النَزف أنهارا يا قدس تاه الأهل والأحباب وعثت بأرض الأنبياء كلاب قدساه أرض النور دنسها الدجى والحق ضاع وتاهت الأنساب قادت قرود الإفك قافلة الهدى وسجى بوجه النائمين ذباب ليكود برآسة شارون قاد عصابة يعلو بها القدس مكر محدق وحراب طعنوا بها الشرفاء طعن مذلة فثوى بقدس المعجزات خراب والقبة العظمى تسيل دماؤها والقدس يبكي واشتكى المحراب وبدا اليهود بأرضنا وكأنهم أصحاب أرض ما لها أصحاب ضاعت فلسطين الجريحة واعتلى أقصى المساجد بالسواد ثياب قدساه أين الفاتحون أين عمر بن الخطاب؟!! أين أبو عبيدة ابن الجراح؟!! أين صلاح الدين؟!! أين محمود نور الدين؟!! أين قطز؟!! قدساه أين الفاتحون وعزهم أين الجهاد الحق والألباب ماذا أصاب المسلمين فهل ترى يجدي لديهم بالخطوب عتاب

стр. 648

اليهود نقضة العهود وحقيقة الغرب اليهود هم اليهود كررنا ذلك حتى بحت الأصوات، لكن الأمة لا تريد أبداً أن تصدق رب الأرض والسماوات، متى وَفَّى اليهود بعهد على طوال التاريخ؟!! قلت: لقد نقض اليهود العهود مع الأنبياء، ومع رب الأرض والسماء، وأسأل بمرارة: هل ينقض اليهود العهود مع الأنبياء، ورب الأرض والسماء، ثم يفي اليوم اليهود بالعهود للحكام والزعماء؟!! لقد ماتت عملية السلام، قلنا ذلك مراراً قبل ذلك فلم يصدقنا أحد. فحال أمتنا حال عجيبة وهي لعمر الله بائسة كئيبة يجتاحها الطوفان طوفان المؤامرة الرهيبة ويخطط المتآمرون كي يغرقوها في المصيبة وسيحفرون لها قبوراً ضمن خططهم الرهيبة قالوا السلام السلام السلام قلت: يعود الأهل للأرض السليبة وسيلبس الأقصى غداً أثواباً قشيبة فإذا سلامهم هو التنازل عن القدس الحبيبة فبئس سلامهم إذاً وبئست هذه الخطط المريبة فالمسجد الأقصى في الدماء له ضريبة قال ربنا الذي خلق اليهود، وهو وحده الذي يعلم من خلق: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، قال جل وعلا: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:١٠٠]، وقال جل وعلا: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:١٣]، أي: على خيانة بعد خيانة. هذا كلام ربنا جل وعلا، ولا أريد أن أقف مع آيات القرآن، فالآيات كثيرة، قال ﷻ : ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٦٠]. وقال جل وعلا: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩]، ها هو القرآن يُقرأ ويتلى في الليل والنهار، لكن من يصدق كلام العزيز الغفار؟! ومن يصدق كلام النبي المختار ﷺ ؟!

стр. 649

اليهود قوم بهت اليهود قومُ بُهتٍ وقومُ خيانةٍ متخصصون في نقض العهود، والله الذي لا إله غيره لن تأتي في إسرائيل وزارة تحترم عهوداً أُبرمت في أوسلو، أو مدريد، أو تل أبيب، أو كامب ديفيد الأولى، لن تكون هناك وزارة أو حزب عمل أو حزب ليكود يحترم عهداً أو ميثاقاً، فهذه هي جبلة اليهود وطبيعتهم منذ أول لحظة هاجر فيها المصطفى إلى المدينة، وقام عبد الله بن سلام حبر اليهود الكبير، فنظر إلى وجه النبي فعرف أنه ليس بوجه كذاب، فشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وقال للمصطفى: يا رسول الله! إن اليهود قوم بهت، -أي: أهل ظلم ينكرون الحقائق- فاكتم عنهم خبر إسلامي وسلهم عني، فجمع النبي بطون اليهود، وقال لهم: (ما تقولون في عبد الله بن سلام؟! قالوا: سيدنا وابن سيدنا! وحبرنا وابن حبرنا! فقام عبد الله بن سلام إلى جوار رسول السلام ﷺ ، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فرد اليهود الكلاب المجرمون على لسان وقلب رجل واحد في حق عبد الله بن سلام قالوا: هو سفيهنا وابن سفيهنا وجاهلنا وابن جاهلنا!!). هذه طبيعة اليهود منذ اللحظات الأولى لم تتغير ولن تتغير، فمتى يفيق النائمون؟! متى يفيق النائمون؟! متى يفيق النائمون؟! ليعلم الكل علم اليقين أن أمريكا ليست شريكاً نزيهاً في عملية السلام، كلا وألف كلا، فالكفر ملة واحدة، الكفر ملة واحدة، الكفر ملة واحدة، لا يمكن أبداً أن تنصر أمريكا قضية من قضايا الأمة، لا يمكن أبداً لهيئة الأمم أن تنصر قضية من قضايا الأمة، لا يمكن أبداً أن يتدخل حلف الناتو لينصر الأقلية المستضعفة من العزل المدنيين في فلسطين، من أجل سواد عيون الأمة، ولا تُخْدَعوا بتدخل حلف الناتو في كوسوفا؛ لأنهم ما تدخلوا إلا لمصالحهم الاقتصادية والعسكرية والاستراتيجية.

стр. 650

الكفر ملة واحدة لا ينبغي أن يجهل الآن مسلم أو مسلمة على وجه الأرض أن الكفر لا ينصر توحيداً الكفر لا ينصر إسلاماً الكفر ملة واحدة، إنهم يشاهدون على شاشات التلفاز كل ليلة ما يحدث لإخواننا وأخواتنا وأطفالنا في فلسطين، لكن: أين النظام العالمي أما له أثر ألم تنعق به الأبواق أين السلام العالمي لقد بدا كذب السلام وزاغت الأحداق يا مجلس الخوف الذي في ظله كُسر الأمان وضيع الميثاق أو ما يحركك الذي يجري لنا أو ما يثيرك جرحنا الدفاق وحشية يقف الخيال أمامها متضائلاً وتمجها الأذواق هذا هو الغرب يا من خُدِعتم بالغرب طيلة السنين الماضية. هذا هو الغرب أيها المرجفون يا من تعزفون على وتر التقديس والتمجيد للغرب في كل المناسبات!! قالوا لنا ما الغرب قلت صناعة وسياحة ومظاهر تغرينا لكنه خاوٍ من الإيمان لا يرعى ضعيفاً أو يسر حزينا الغرب مقبرة المبادئ لم يزل يرمي بسهم المغريات الدينا الغرب مقبرة العدالة كلما رُفعت يد أبدى لها السكينا الغرب يكفر بالسلام وإنما بسلامه الموهوم يستوهينا الغرب يحمل خنجراً ورصاصة فعلام يحمل قومنا الزيتونا كفرٌ وإسلامٌ فأنى يلتقي هذا بذلك أيها اللاهونا أنا لا ألوم الغرب في تخطيطه لكن ألوم المسلم المفتونا وألوم أمتنا التي رحلت على درب الخضوع ترافق التنينا وألوم فينا نخوة لم تنتفض إلا لتضربنا على أيدينا يا مجلس الأمن! يا مجلس الخوف! شكراً شكراً لقد أبديت وجه حضارة غربية لبس القناع سنينا شكراً لقد نبهت غافل قومنا وجعلت شك الواهمين يقينا يا مجلس الأمن انتظر إسلامنا سيريك ميزان الهدى ويرينا إن كنت في شك فسل فرعون عن غرقٍ وسل عن خسفه قارونا

стр. 651

متى يفيق النائمون ؟! متى يفيق النائمون؟! فشهداؤنا بين المقابر يهمسون والله إنا قادمون والله إنا عائدون والله إنا راجعون شهداؤنا خرجوا من الأكفان وانتصبوا صفوفاً ثم راحوا يصرخون عار عليكم أيها المستسلمون وطن يباع! وأمة تنساق قطعاناً وأنتم نائمون! شهداؤنا قاموا وزاروا المسجد الأقصى وطافوا في رحاب القدس واقتحموا السجون في كل شبر من ثرى الوطن المكبل ينبتون!! في كل ركن من ربوع الأمة الثكلى أراهم يخرجون شهداؤنا وسط المجازر يهتفون الله أكبر إنا عائدون شهداؤنا يتقدمون أصواتهم تعلو على أسوار فلسطين الحزينة في الشوارع في المفارق يهدرون إني أراهم في الظلام يحاربون!! إني أراهم في الظلام يحاربون!! رغم انكسار الضوء في الوطن المكبل بالمهانة والمجون شهداؤنا وسط المجازر يهتفون والله إنا عائدون والله إنا عائدون والله إنا عائدون! أكفاننا ستضيء يوماً في رحاب القدس سوف تعود تقتحم الحصون شهداؤنا في كل شبر يصرخون يا أيها المتنطعون كيف ارتضيتم أن ينام الذئب في وسط القطيع وتأمنون؟! وطنٌ بعرض الكون يعرض في المزاد وطغمة الجرذان في الوطن الجريح يتاجرون أحياؤنا الموتى على الشاشات في صخب النهاية يسكرون من أجهض الوطن العريق وكبل الأحلام في كل العيون يا أيها المتشرذمون والله إنا قادمون شهداؤنا في كل شبر في البلاد يزمجرون جاءوا صفوفاً يسألون يا أيها الأحياء ماذا تفعلون في كل يوم كالقطيع على المذابح تصلبون تتسربون على جناح الليل كالفئران سراً للذئاب تهرولون وأمام أمريكا تقام صلاتكم فتسبحون وتطوف أعينكم بها وفوق ربوعها الخضراء يبكي الساجدون صور على الشاشات جرذان يصافح بعضها والناس من ألم الفجيعة يضحكون تباع أوطان وتسقط أمة ورءوسكم تحت النعال وتركنون تسلم القدس العريقة للذئاب ويسكر المتآمرون القدس تسألكم أليس لها حق عليكم أين فر الرافضون أين غاب البائعون أين راح الهاربون الصامتون الغافلون الكاذبون صمتوا جميعاً والرصاص الآن يخترق العيون وإذا سألت سمعتهم يتصايحون هذا الزمان زمانهم في كل شيء في الورى يتحكمون لا تسرعوا في موكب البيع الرخيص فإنكم في كل شيء خاسرون لن يترك الطوفان شيئاً كلكم في اليم يوماً غارقون تجرون خلف الموت والنخاس يجري خلفكم وغداً بأسواق النخاسة تعرضون لن يرحم التاريخ يوماً من يفرط أو يخون! لن يرحم التاريخ يوماً من يفرط أو يخون! لن يرحم التاريخ يوماً من يفرط أو يخون! كُهاننا يترنحون فوق الكراسي هائمون في نشوة السلطان والطغيان راحوا يسكرون وشعوبنا ارتاحت ونامت في غيابات السجون نام الجميع وكلهم يتثاءبون فمتى يفيق النائمون متى يفيق النائمون متى يفيق النائمون متى سترجع الأمة إلى ربها وإلى نبيها ﷺ ؛ لتحقق المنهج منهج الله في الأرض؛ لتكون أهلاً لنصرة الله؟! فالأمة تملك مقومات النصر، نعم. الأمة تمتلك الآن مقومات النصر.

стр. 652

انحراف الأمة سبب في ذلها وهنا يثور السؤال المرير: ما الذي أوصل الأمة إلى هذه الحالة المزرية من ذل، وضعف، وهوان، وتشرذم، وتشتت؟! تقسمت الأمة إلى أجزاء، بل وتفتتت الأجزاء هي الأخرى إلى أجزاء! ما الذي أوصل أمة القرآن إلى هذه الحالة المزرية التي نراها عليها الآن؟!! وانتبه أيها الحبيب! لتتعرف على الجواب في كلمات قليلة حاسمة قاطعة من قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]. ورب الكعبة لقد غيرت الأمة وبدلت، وحرفت وابتعدت الأمة كثيراً عن المنهج الرباني الذي جاء به الحبيب المصطفى ﷺ . يا شباب الصحوة! هذه سنة ربانية ثابتة ينبغي أن تستقر في القلوب قبل الأذهان والعقول.

стр. 653

انحراف الأمة في جانب العقيدة إن الأمة قد انحرفت كثيراً عن المنهج الرباني في جانب العقيدة في جانب العبادة في جانب التشريع في جانب الاتباع في جانب الأخلاق والمعاملات والسلوك. ابتعدت الأمة كثيراً كثيراً إلا من رحم ربك عن المنهج الرباني الذي جاء به رسول الله. نرى العقيدة الآن تذبح شر ذبحة على أيدي الكثيرين من أبناء الأمة إلا من رحم ربك، والله جل وعلا يقول: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢]. استمعنا بأم آذاننا على شاشات الشيطان الأكبر الموسوم بالتلفاز من يقول لرسول الله ﷺ : يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حدوث الحادث العمم وإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم نرى العقيدة الآن تذبح شر ذبحة!

стр. 654

انحراف الأمة في جانب العبادة وفي جانب العبادة: نرى كثيراً من صور العبادة الظاهرة والباطنة قد صرفت لغير الله جل وعلا، ذبح لغير الله! وسأل الناس غير الله! واستعان كثير من الناس بغير الله! وفوض كثير من الناس الأمور لغير الله! بل ووثقت القلوب ببعض قوى الأرض وببعض دول الأرض أكثر من ثقتها بخالق السماوات والأرض جل وعلا، والله يأمر نبيه ويقول: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣].

стр. 655

انحراف الأمة في جانب التشريع أما في جانب التشريع فابك دماً بدل الدمع، والله لقد وقع ما لم يكن يخطر ألتبة لمخلوق مسلم على بال! ضيعت الأمة شريعة الكبير المتعال حرفت الأمة شرع ربها واستبدلت الأمة بالعبير بعراً وبالثريا ثرى وبالرحيق المختوم حريقاً محرقاً مدمراً. أبت الأمة إلا أن تناقض قول ربها جل وعلا إذ يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧]، فأبى كثير من أبناء الأمة إلا أن يقول: إن الحكم إلا للمجالس الشعبية، وللمجالس النيابية، وللبيوت البيضاء والسوداء والحمراء، والله جل وعلا يقول: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠]. غيرت الأمة شريعة ربها، يقرأ المسلم الآن في قرآن ربه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦]، ويلتزم بهذا الأمر الإلهي، ويضيع في نفس السورة قول ربه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]. يلتزم بقول الله في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣]، ويضيع في نفس السورة قول ربه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة:١٧٨]. انفصام نكد، ضيعت الأمة إلا من رحم ربك شريعة ربها!!

стр. 656

انحراف الأمة في جانب الاتباع واستبدلت الأمة بالعبير بعراً، وبالثريا ثرى، وبالرحيق المختوم حريقاً محرقاً مدمراً. وفى جانب الاتباع تغنت الأمة بحبها لرسول الله، وخرجت طائفة من الأمة تسخر بسنته وتهزأ بأوامره فاللحية عفن! والنقاب خيمة! والخنزير الذي حرمه القرآن كان خنْزيراً هزيلاً في أرض الجزيرة أما خنازير اليوم فإنها تربى تحت العناية الطبية، وتحت الرعاية الصحية، فما الداعي لتحريمها؟ والخمر الذي حرمه القرآن كان قديماً، أما خمر اليوم فما الداعي لتحريمها وهي التي تسمى بالمشروبات الروحية!! وهكذا ادعت الأمة حب نبيها واتباع نبيها وسخرت من شريعته واستهزأت بسنته ولا حول ولا قوة إلا بالله!

стр. 657

انحراف الأمة في جانب الأخلاق والمعاملات أما في جانب الأخلاق والمعاملات والسلوك فحدث ولا حرج، كثر الغش، وقل الصدق، وانتشر الخداع، وقُدِّمَ الفارغون الخائنون، وأُخِّرَ الصادقون، وصدق في الأمة قول الصادق المصدوق كما في الحديث الذي رواه ابن ماجة في سننه وهو حديث صحيح: (سيأتي على الناس سنوات خداعة يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل: وما الرويبضة يا رسول الله؟! قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة). غيرت الأمة أيها الأحباب! والله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، ولكن أنا لا أريد أن أسكب القنوط واليأس في قلوبكم، ولكنني أريد أن أشخص الداء ولو كان مراً بطعم الحنظل، لنحدد الدواء الناجع لهذا الداء. أيها الأحبة الكرام! لن أطيل عليكم أكثر من ذلك، فإني أرى كثيراً من الأحبة تحت الشمس المحرقة في خارج المسجد، أسأل الله أن يأجرنا وإياكم على هذه اللحظات، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 658

موعود الله للمؤمنين في القرآن والسنة الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! إننا نستبشر خيراً ولكن بشرط، وما هو هذا الشرط؟! أن تعلن الأمة الآن الجهاد في سبيل الله، وسَيُهْزَم اليهود، لا أقول ذلك رجماً بالغيب، ولا من ضغط الواقع المرير، ولا من باب الأحلام الوردية الجاهلة، ولا من باب الجهل بالواقع الذي تعيشه أمتنا ونحياه الآن بكل مآسيه، كلا، وإنما أقول ذلك من منطلق الحقائق الربانية والنبوية، فهو كلام ربنا، وكلام نبينا الصادق الذي لا ينطق عن الهوى. تدبروا معي هذه الآية التي قرأتموها وسمعتموها جميعاً، لكن قل من انتبه إليها، ووقف معها ليتدبرها، ألا وهي قول الله في سورة آل عمران في حق اليهود: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران:١١١]، فهل تصدقون الله رب العالمين؟! وقال سبحانه: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤] وقلوبهم شتى هذا كلام الخالق الذي يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف:١٦٧]، وقال جل وعلا: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء:١٠٤].

стр. 659

دورنا تجاه إخواننا المسلمين أما أنت والدي الفاضل! وأنت أخي الحبيب! وأنت أختي الفاضلة! قد يسألني الجمع بين يدي الآن: فماذا نصنع نحن؟ وما دورنا؟ أقول: لو خرجتم اليوم بهذه العقيدة، بعقيدة الولاء والبراء بعقيدة الحب لله ولرسوله ثم بتحويل هذه العقيدة والحب لرسول الله في حياتكم إلى واقع عملي، وإلى منهج حياة، وتبرأتم من اليهود، ومن الشرك والمشركين، وعلَّمتم نساءكم وبناتكم وأولادكم هذه العقيدة، وأُشْرِبَ الجيلُ هذه العقيدة، فإن هذه خطوة عملية على الطريق. والله لن يسألنا عن النتائج بل أمرنا أن نبذل أقصى ما في طوقنا، وهذا هو الآن ما في مقدورنا نحن الضعفاء، ولندع النتائج بعد ذلك إلى الله. ثانياً: ليستعد الآن كل رجل منكم للمرحلة المقبلة والله إن المرحلة القادمة لخطيرة، وقد ينادى عليك بين عشية وضحاها إذا ما تعرض الجميع لحرج أمام اليهود قد ينادى عليك بين عشية وضحاها لمن تابع سنن الله الربانية في الكون قد ينادى عليك بالخروج للجهاد في سبيل الله، فإن المرحلة هذه قادمة والله قادمة! ولابد أن تستعد لابد أن تعد قلبك وأن تعد نفسك وأن تعد نساءك وأن تعد بناتك وأن تعد أولادك لمثل هذا اليوم. وسل الله بصدق أن يبلغك الشهادة، قال ﷺ : (من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء ولو مات على فراشه). ما تريدون بعد ذلك؟ لكن المصيبة التي تحطم القلوب أن المسلم لا يحمل في قلبه هماً للدين! ولا هماً لإيذاء سيد النبيين، فكيف يتحرك هذا بعد ذلك للجهاد؟! لابد أن تحترق القلوب ابتداءً، لابد أن يعلم الله وأن يرى الله منا أنه ما حبسنا عن رسول الله إلا العذر. اللهم بلغ عنا رسولك أنه ما حبسنا إلا العذر؛ ليرى الله من قلوبنا أنه ما حبسنا إلا العذر. وأبشركم بهذه البشارة بشارة تكسب الأمل في القلوب الجريحة، والحديث رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود وغيرهم، أنه ﷺ قال: (إن بالمدينة أقواماً ما قطعتم وادياً، ولا سرتم مسيراً، ولا أنفقتم من نفقة إلا كانوا معكم، شاركوكم الأجر، قالوا: كيف ذلك يا رسول الله وهم بالمدينة؟! قال المصطفى: حبسهم العذر)، اللهم بلغ عنا رسولك أنه ما حبسنا إلا العذر. وقد بوب الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الجهاد باباً رقراقاً يسكب الأمل في القلوب، وعنون له بهذا العنوان، قال البخاري: باب من حبسه العذر عن الغزو. يا راحلين إلى البيت العتيق لقد سرتم جسوماً وسرنا نحن أرواحا إنا أقمنا على عذر نكابده ومن أقام على عذر كمن راحا أسأل الله جل وعلا أن يقر أعيننا وإياكم بنصرة الإسلام وعز الموحدين. اللهم انتقم لنبيك يا رب العالمين اللهم انتقم لنبيك يا رب العالمين اللهم اثأر لنبيك يا رب العالمين اللهم إن الأمة قد خذلت نبيك فاثأر لنبيك اللهم إن الأمة قد خذلت نبيك فاثأر لنبيك اللهم بلغ عنا رسولك عذرنا اللهم بلغ عنا رسولك عذرنا اللهم بلغ عنا رسولك عذرنا اللهم اكتب النصر للمستضعفين، يا من هزمت الأحزاب وحدك اهزم اليهود المغتصبين!! يا من هزمت الأحزاب وحدك اهزم اليهود المغتصبين!! اللهم رد الأمة إليك رداً جميلاً اللهم احم مصر من الفتن ما ظهر وما بطن برحمتك يا رب العالمين! وجميع بلاد المسلمين. اللهم اكفنا شر الظالمين اللهم اكفنا شر المجرمين اللهم اكفنا شر الحاقدين

стр. 660

إفساد اليهود المذكور في القرآن وها هم اليهود يأتون ألفافاً من كل بقاع الأرض؛ ليتحقق وعد الله في آية الإسراء الأولى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء:٤ - ٧]. تدبروا معي الآيات! لنقف مع هذه البشارة العظيمة، فالحق وإن انزوى كأنه مغلوب فإنه ظاهر، والباطل وإن انتفش كأنه غالب فإنه زاهق: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٨]. تدبر معي قول رب العالمين: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٤]، إذا جاء وقت المرة الأولى لتدمير ما شيد اليهود: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا﴾ [الإسراء:٥]،أي: بعث الله على اليهود عباداً له ليسوموا اليهود سوء العذاب. اختلف المفسرون في كتب التفسير، فقد قرأت ما يزيد على عشرين تفسيراً في هذه الآيات، فوجدت أن جُل المفسرين قد فسروا هذه الآيات بأن الذي سُلط على اليهود هم البابليون أو الرومان أو بختنصر، أو نبوخذ نصر، فتدبرت الآيات مراراً وتكراراً ووقفت مع بعض أهل العلم من المحققين الذين قالوا: بأن الله ﵎ يقول: (بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا)، فالعبودية إذا نُسبت لله لا تكون أبداً إلا للموحدين. قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان:٦٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر:٤٢]، وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١]، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن:١٩]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة:٢٣]. إذاً: العبودية إن نُسبت لله تعالى وكانت خالصة له فهي من المؤمنين الصادقين، والبابليون وثنيون، والرومانيون وثنيون، وبختنصر وثني ليس بمسلم، فكيف يقال بأن هؤلاء تنطبق عليهم الآية؟! كلا كلا إذاً: من هم عباد الله الذين سلطهم الله على اليهود أول مرة؟ إنهم أصحاب المصطفى، نعم، إنهم أصحاب المصطفى، فهم الذين طردوا اليهود من بني النضير من بني قينقاع من خيبر من بني قريظة وأخرجوهم من المدينة. ثم الصحابة هم الذين دخلوا المسجد أول مرة بقيادة أبي عبيدة بن الجراح ﵁، يوم نزل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من المدينة ليتسلم مفاتيح بيت المقدس بيده، وليكتب لليهود ولأهل بيت المقدس العهدة العمرية المعروفة، ليكتب لأهل بيت المقدس من أهل إيليا العهدة العمرية المشهورة، وقد تحدثت عنها بالتفصيل قبل ذلك. إذاً: أصحاب النبي هم عباد الله الذين دخلوا المسجد أول مرة، ولذلك تدبر معي قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الإسراء:٥ - ٦] أي: على هؤلاء العباد الذين انتصروا عليكم. وها نحن نرى الكرة قد أعيدت لليهود علينا، أي: على أبناء أصحاب النبي من الموحدين والمؤمنين: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ﴾ [الإسراء:٦] أي: أمد الله اليهود بأموال، (وَبَنِينَ) وها نحن نرى أبناء اليهود من كل بقاع الأرض يجتمعون: ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾، والنفير هو نفير الحرب، وهأنتم ترون اليهود يمتلكون إلى الآن مائتي قنبلة نووية، وتمد اليهود أمريكا بالسلاح ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾. ثم قال لهم ربهم سبحانه: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ﴾ أي: المرة الثانية والأخيرة ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أي: ليسوء وجوهكم عباد الله من الموحدين والمؤمنين، ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، اللهم عجل بهذه المرة يا أرحم الراحمين! ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾. وها هو نبينا الصادق الذي لا ينطق عن الهوى -كما في مسند أحمد وغيره بسند صحيح- (أنه وضع يوماً يده على رأس أبي الحوالة الأزدي ﵁، ثم قال النبي لـ أبي حوالة: يا أبا حوالة! إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة فقد دنت الزلازل والبلايا، والأمور العظام، والساعة يومئذ أقرب إلى الناس من يدي هذه من رأسك). وفى الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون). والله لا عزة للأمة ولا كرامة للأمة بعد ما فعل اليهود ما فعلوا، إلا أن ترفع الأمة راية الجهاد في سبيل الله، فليرفعها زعيم واحد من زعماء العرب، وسينضوي تحت راية الجهاد في سبيل الله بقيادته ملايين الشباب من على وجه الأرض، ممن تحترق قلوبهم وتتشوق للشهادة في سبيل الله. يا إخوة! كونوا على يقين جازم بأن الأمة لا ينقصها شيء من عدد وعدة وعتاد وقوة، ولكن الأمة مهزومة من نفسيتها ومن داخلها، تحتاج إلى أن يرفع قائد واحد راية الجهاد في سبيل الله، ووالله حينئذٍ ليتمن الله وعده. الله جل وعلا ما أمر الأمة إلا أن تعد قدر استطاعتها: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠]، إذا كان هذا الإعداد هو أقصى ما تملكه الأمة فما عليها بعد ذلك إلا أن تضحي بعشرات الآلاف من شبابها، ممن يتشوقون الآن للشهادة في سبيل الله، وأن ترفع راية الجهاد، فلا عز لها ولا كرامة إلا بالجهاد، وهذا هو كلام ربنا، وكلام الصادق نبينا، قال ﵊ كما في مسند أحمد وسنن أبي داود -والحديث صححه الشيخ الألباني - من حديث ابن عمر، أنه ﷺ قال: (إذا تبايعتم بالعينة ورضيتم بالزرع، وتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم).

стр. 661

لا تخونوا الله والرسول للأمانة شأن عظيم، وقد أخبر الله أن السماوات والأرض والجبال أبين أن يحملنها، وحملها الإنسان لظلمه وجهله، فيجب على كل مسلم أداء الأمانة، واجتناب الخيانة، والخيانة أنواع، وأشدها تحريماً وإثماً خيانة الله ورسوله؛ وذلك بترك أوامرهما، وانتهاك نواهيهما.

стр. 662

تفسير قوله تعالى: (يا أيهاالذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول) بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة؛ فكشف الله به الغمة. فاللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الأخيار! وأيتها الأخوات الفاضلات! وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله الحليم الكريم جل وعلا الذي جمعني مع حضراتكم في هذا الجمع المهيب المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار مقامته؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! (لا تخونوا الله والرسول) هذا هو عنوان لقاءنا في هذا اليوم المبارك، وسوف أركز الحديث في هذا الموضوع في العناصر التالية: أولاً: في رحاب آية. ثانياً: خيانة على المستوى العالمي. ثالثاً: خيانة على مستوى الأمة. رابعاً: خيانة على مستوى الأفراد. فأعيروني القلوب والأسماع؛ فإن هذا الموضوع الآن من الأهمية بمكان، وأرجئ الحديث في الطريق إلى القدس إلى محاضرة أخرى إن شاء الله تعالى، أسأل الله أن ييسر ويذلل هذا الطريق.

стр. 663

سبب نزول قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله) أولاً: في رحاب آية: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧]. ذكر المفسرون أن هذه الآية الكريمة من سورة الأنفال نزلت في حق أبي لبابة بن عبد المنذر، وهو صحابي جليل ﵁، بعثه النبي ﷺ إلى يهود بني قريظة لما نقضوا العهد مع رسول الله ﷺ في أحرج الأوقات، فلقد حاصر الأحزاب من المشركين المدينة من كل جانب، وكان بين رسول الله وبين اليهود عهد، فترك داخل المدينة مع اليهود النساء والأطفال والأموال، ولكن اليهود متخصصون في نقض العهود كما ذكرنا ذلك مراراً، فلقد نقض اليهود العهد مع الله جل وعلا، ومع جميع الأنبياء والمرسلين، وأسأل بمرارة وأقول: أفينقض اليهود العهود مع الأنبياء والمرسلين بل ومع رب العالمين ثم بعد ذلك يفي اليهود بالعهود للزعماء والحكام؟! لقد نقض اليهود العهد في أحرج الأوقات، حتى بلغت القلوب الحناجر، فالمشركون يحاصرون المدينة من كل جانب، ونقض اليهود داخل المدينة العهد؛ فشكلوا تحدياً داخلياً خطيراً مروعاً، حتى قال المنافقون يومها قولتهم الخبيثة: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٢]. بل لقد قام النبي ﷺ يتضرع إلى الله جل وعلا -كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن أبي أوفى - ويقول: (اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم) واستجاب الله لدعاء نبيه ﷺ ، فأرسل جندياً من عنده، قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١]، فأرسل الله الريح فكفأت قدور الأحزاب، واختلعت خيامهم، وقذف الله الرعب في قلوبهم، وتبعثروا في أرض الصحراء كتبعثر الفئران، وهزم الله الأحزاب وحده، ونصر عبده، وأعز جنده ﷻ ، ومنَّ الله على النبي والمؤمنين بهذا النصر الذلول، ودخل النبي بيت عائشة ووضع سلاحه، وخلع لباس الحرب؛ وإذ به يرى جبريل ﵇ ما زال يلبس لباس الحرب، ويقول للرسول ﷺ : (أوقد وضعت سلاحك يا رسول الله؟! فإن الملائكة لم تضع أسلحتها بعد، فقم بمن معك إلى يهود بني قريظة، فإني سائر أمامك؛ لأقذف الرعب في قلوبهم، ولأزلزل حصونهم)، والحديث في الصحيحين من حديث عائشة، فخرج النبي ﷺ ، فأمر منادياً أن ينادي في أصحابه: (من كان طائعاً مطيعاً فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة)، فخرج الأطهار الأبرار، وخرج أمامهم النبي المختار، وكان جبريل قد انطلق بمجموعة من الكتائب الملائكية؛ ليقذف الرعب في قلوب يهود بني قريظة، وليزلزل بهم حصونهم. وهنالك حاصر المسلمون يهود بني قريظة خمساً وعشرين ليلة على الراجح من أقوال المحققين من أهل العلم، حتى نزل اليهود على حكم سعد بن معاذ، لكنهم سألوا النبي ﷺ أن يرسل إليهم أبا لبابة بن عبد المنذر؛ ليستشيروه في هذا الأمر، ولماذا أبو لبابة؟ لأنه كان حليفاً لليهود، وكان ماله وعياله عندهم، فأرسل النبي ﷺ أبا لبابة إلى يهود بني قريظة، فاستشاروه -فتدبروا معي أيها الأفاضل! - فأشار عليهم أبو لبابة إشارة بيده دون أن ينطق، أشار بيده إلى حلقه، يعني: إنه الذبح، فإن نزلتم على حكم سعد بن معاذ فسيقتل رجالكم، وتسبى الذرية، وتقسم الأموال، وقد صرحت رواية الإمام أحمد بسند حسنه العلامة أحمد شاكر رحمه الله تعالى بأن أبا لبابة قد قال بالفعل: إنه الذبح، يعني: ستذبحون، فتصوروا وتدبروا ماذا فعل أبو لبابة، أشار إلى حلقه فقط أو قال: إنه الذبح. قال أبو لبابة: (فوالله! ما تحركت قدماي إلا وقد علمت أني قد خنت الله ورسوله) فعاد إلى مسجد رسول الله ﷺ ، وانظروا إلى هذه الضمائر التي رباها القرآن، انظروا إلى هذه القلوب والمشاعر التي ربها النبي ﵊، أشار أو قال كلمة فعلم أنه قد وقع في الخيانة، فعاد إلى المسجد النبوي وربط نفسه في سارية، أي: في عمود من أعمدة المسجد، وأقسم بالله ألا يأكل طعاماً أو شراباً حتى يموت أو يتوب الله عليه، ومكث في هذا الموطن تسعة أيام لا يذوق طعاماً حتى أشرف على الهلاك والموت بالفعل إلى أن أنزل الله توبته على النبي ﷺ ، وأنزل عليه قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧]، فلم يخرجه بهذا الذنب من الإيمان، ولا من صفوف المسلمين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال:٢٧]. وجاء بعض الصحابة وهم يتهللون فرحاً إلى أبي لبابة بن عبد المنذر في المسجد النبوي، وأرادوا أن يفكوا قيده فأبى وقال: (والله! لا يفك قيدي إلا رسول الله بنفسه!) فجاءه النبي ﷺ ففك قيده بيده، وقرأ عليه الآية، وبشره بتوبة الله عليه، فقال أبو لبابة: (يا رسول الله! إني كنت قد نذرت لله أن أخرج من كل مالي إن تاب الله عليّ) فقال له النبي ﷺ : (يجزيك الثلث) أي: تصدق بالثلث فحسب، هذا هو سبب من أسباب نزول هذه الآية. وقد ذكر بعض المفسرين أن الآية نزلت في حق حاطب بن أبي بلتعة، وقصة حاطب بغير سبب النزول ثابتة في الصحيحين، فلقد أمر النبي الصحابة أن يكتموا خبر خروجه إلى مكة فاتحاً؛ حتى يفتح مكة على غرة دون أن تسفك دماء في بلد الله الحرام، ولكن حاطب بن أبي بلتعة في لحظة ضعف أراد أن تكون له مكانة عند المشركين في مكة، فكتب كتاباً، ووضعه في شعر امرأة، وانطلقت المرأة بهذا الكتاب لتخبر المشركين في مكة بغزو رسول الله ﷺ لهم. ولكن الله أطلع نبيه على خبر هذا الكتاب، فأرسل النبي علياً ﵁ مع نفر من أصحابه، فأحضر هذا الكتاب من شعر هذه المرأة، ودفعه إلى النبي ﷺ ، فطلب النبي ﷺ حاطب بن أبي بلتعة، فاعترف حاطب وأقر بذنبه، فقال عمر بن الخطاب ﵁: (دعني أضرب عنقه يا رسول الله! فلقد خان الله ورسوله والمؤمنين) فماذا قال من هو بالمؤمنين رءوف رحيم؟ ماذا قال الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، الذي يعلم طبائع البشر، ويعلم أن الإنسان مهما علا كعبه ومهما بلغت منه الطاعة، فمن الجائز جداً أن يزل في أي لحظة من اللحظات، في لحظة ضعف بشري لا ينفك عنها إنسان إلا إن كان نبياً أو رسولاً معصوماً من الله جل وعلا. قال النبي لـ عمر بن الخطاب ﵁: (لا -يا عمر - إنه ممن شهد بدراً، ولعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) وفي رواية في الصحيح: (لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: أعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة). أيها الأخيار! نجاه سابق عمله وصدق عطائه للإسلام من هذه التهمة النكراء، من أن يكون خائناً لله ولرسله وللمؤمنين، ولابد أن ينتبه شباب الصحوة لهذا الدرس. قال الإمام القرطبي في كتابه (الجامع لأحكام القرآن الكريم): الناس صنفان: صنف قد اشتهر بين الناس بالصلاح والدين، فهذا إن زل وجب على أهل الإيمان أن يصبروا عليه. والصنف الآخر صنف يجاهر بمعصيته وذنوبه، فهذا لا غيبة له، يجب على أهل الفضل -إن نصحوه وذكروه وما زال مصراً على معصيته- أن يبكتوه بما فيه؛ كي يحذر الناس شره وفسقه. أما أهل الصلاح فإن زل أحدهم أو إن أخطأ أحدهم فواجب على أهل الإيمان أن يستروا عليه، وألا يكونوا للشيطان عوناً على أخيهم إن زلت قدمه في بؤرة من بؤر المعاصي أو حفرة من حفر الذنوب في لحظة ضعف بشري لا ينفك عنها إلا نبي أو رسول معصوم من قبل الله جل وعلا. وقال الحافظ ابن كثير: والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالآية عامة في التحذير من الوقوع في خيانة الله ورسوله والمؤمنين في كل زمان ومكان. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال:٢٧]، هذا نداء لمن حقق الإيمان، والإيمان ليس كلمة ترددها الألسنة دخاناً يطير في الهواء فحسب، ولكن الإيمان قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان.

стр. 664

خيانة على المستوى العالمي قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧]، أستطع أن أقسم الخيانة إلى ثلاثة أقسام: الأول: خيانة على المستوى العالمي. الثاني: خيانة على مستوى الأمة. الثالث: خيانة على مستوى الأفراد. وهذا هو عنصرنا الثاني من عناصر اللقاء بإيجاز. أما الخيانة على المستوى العالمي فإنها الخيانة التي فاح عفنها ونتنها في كل البقاع والأصقاع، إنها خيانة عالمية، خيانة يخطط لها في البيت الأبيض، وفي البيت الأحمر في الكرملن، مروراً بمنظمة هيئة الأمم المتحدة، ومروراً بحلف الأطلسي، ومروراً بالنظام والاتحاد الأوروبي، كل هذه الهيئات وكل هذه المنظمات وكل هذه الأحلاف الدولية تؤصل الآن للخيانة تأصيلاً، إنها خيانة أزكمت الأنوف بعفنها ونتنها، فأي قانون وأي عرف وأي جيل يقر هذه الخيانة العفنة التي تجري الآن منذ أشهر وسنوات على أرض فلسطين؟! وأي عرف وأي ميثاق يقر هذه الخيانة العفنة النتنة التي تمارس على خشبة المسرح العالمي؟ لقد جلس النظام الغربي على مقاعد هذا المسرح العالمي ليصفق بقوة وحرارة وجدارة للجندي اليهودي الجبان الغشوم الظالم، وقف النظام الغربي الخائن كله ليصفق لهؤلاء المجرمين، بل ليمنحهم السلاح لا من وراء ستار، بل على مرأى ومسمع من العالم كله، فبسلاح أمريكي خائن يقتل المسلمون في فلسطين، وبسلاح أمريكي خائن يقتل المسلمون في العراق، وبسلاح أمريكي خائن ضرب جنوب السودان، وضربت أفغانستان، وفي كل موقع من المواقع الآن، لا من وراء ستار، بل على مرأى ومسمع من العالم الإسلامي الهزيل المريض، وعلى مرأى ومسمع من العالم الغربي الخائن الذي تفوح منه الخيانة بعفنها ونتنها. إن البشرية الآن تشهد من صنوف الخيانة وألوان الوحشية والبربرية والهمجية ما تخجل الوحوش الضارية أن تفعله ببعضها البعض في عالم الغابات، واسمحوا لي أن أكرر هذه الكلمات: أقول: والله! إن البشرية الآن تشهد في ظل قيادة الرجل الغربي الخائن من صنوف الوحشية والبربرية والخيانة ما تخجل الوحوش الضارية أن تفعلها ببعضها البعض في عالم الغابات. آه يا مسلمون متنا قروناً والمحاق الأعمى يليه محاق أي شيء في عالم الغاب نحن آدميون أم نعاج نساق نحن لحم للوحش والطير منا الجثث الحمر والدم الدفاق وعلى المحصنات تبكي البواكي يا لعرض الإسلام كيف يراق قد هوينا لما هوت وأعدوا وأعدوا من الردى ترياق واقتلعنا الإيمان فاسودت الد نيا علينا واسودت الأعماق وإذا الجذر مات في باطن الأر ض تموت الأغصان والأوراق آه يا مسلمون القدس تباد والعالم كله خسة وخيانة ونفاق القدس من دولة المجد عثما ن أبوها والفاتح العملاق القدس من قلب مكة بالتوحيـ د يعلو لواؤها الخفاق تركوها وحولها من كلاب الـ يهود طوق من خلفه أطواق قدمتها الصلبان لليهود قربا ناً ولليهود كلهم عشاق ووالله لو فعلنا باليهود ما فعلو هـ لرأينا مثل الذي رآه العراق إنها الخيانة التي يفوح عفنها ونتنها على المستوى العالمي، فزعماء العالم من الطواغيت المجرمين الكلاب يرون كل يوم دماء المسلمين تسفك، ولحومهم تمزق، وبيوتهم على رءوسهم تدمر، وصار الحس متبلداً، وصار الزعيم من هؤلاء يخرج في مؤتمر صحفي بارداً كبرود الثلج ليقول: يجب على الفلسطينيين أن يوقفوا العمليات الإرهابية ليوقف اليهود ضرباتهم للفلسطينيين! بكل خيانة، وبكل جرأة وتبجح صارت الكلمات -ورب الكعبة- لا تجد لها سبيلاً إلى الحناجر. ووالله! ثم والله! لولا أن الله أخذ على أهل العلم الميثاق أن يتكلموا ويبينوا ما تكلمت كلمة، ولا بينت شيئاً؛ لأن زمن التنظير قد مضى، وزمن الكلام قد انتهى؛ فقد صرخت الطائرة في كبد السماء، وصرخ الرشاش في يد اليهودي الخائن، وتكلم الرصاص، فلماذا تنتظر الأمة؟! وأي شيء تنتظر هذه الأمة؟! إنه عالم لا يعرف إلا الخيانة، وعالم لا يقر إلا لغة الحرب ولغة الرصاص، فما هو الذي تنتظره الأمة بعد كل ذلك؟ وزعماء العالم في أمريكا، وفي بريطانيا، وفي روسيا، وفي فرنسا، وفي كل العالم؛ يرى هذه الخيانة كل يوم ويقرها، ويقر الخيانة التي تمارس كل ساعة -بل كل دقيقة- على خشبة المسرح العالمي، ثم بعد ذلك يتغنى هؤلاء المجرمون الخونة بالنظام العالمي الجديد، بأكذوبة السلام العالمي، فأين النظام العالمي الذي يتكلمون عنه؟!

стр. 665

وقفة مع نظرة الغرب إلى المسلمين ونظرتهم إلى الحيوانات والله! إن القلب ليتفطر، والله! إن القلب ليتمزق، أين النظام العالمي؟! لقد رأيت بعيني أمريكية كذابة كسائر الأمريكان الكذابين، رأيتها بعيني في ولاية (نيويورك) في وقت شديد البرد، بل يكاد البرد أن يجمد الدماء داخل العروق، رأيت هذه الأمريكية تمسك قطة وتبكي، فقلت للأخ الذي يقود السيارة: قف وسل هذه المرأة لماذا خرجت في هذا الجو؟ وكنا قد خرجنا من المركز الإسلامي بعد صلاة الفجر، فسألها لماذا خرجت في هذا الجو؟ ولماذا تمسك القطة هكذا وتبكي؟ فأخبرته بأن قطتها مريضة، وأنها في طريقها لتجري لها جراحة عاجلة، قلت: كم ستتكلف هذه الجراحة؟ فقالت: ستكلف ما يقرب من ألفي دولار!! فقلت: أيها الكذابون المجرمون! تبكي المرأة منهم أو الرجل بكاء الكذابين وبكاء الأفاعي لقطة أو لكلب، وأنتم ترون دماء إخواننا وأخواتنا تسفك، وترون أشلاء أطفالنا تمزق، بل رأيتم بأعينكم على شاشات إعلامكم الخائن الصربي ينتزع الطفل من أحشاء المسلمة في البوسنة، ورأيتم الأمريكي يعذب المسلمة الصومالية، ويجرها على التراب! ثم يبكي أحدكم لكلب أو لقطة، صار الدم الإسلامي أرخص دم على وجه الأرض!! وهذا كما قال الشاعر: ففي كل بلد على الإسلام دائرة ينهد من هولها رضوى وتهلان ذبح وصلب وتقتيل بإخوتنا كما أعدت لتشفي الحقد نيران يستصرخون ذوي الإيمان عاطفة فلم يغثهم بيوم الروع أعوان فهل هذه غيرة أم هذه طعة للكفر ذكر وللإسلام نسيان أين النظام العالمي أما له أثر ألم تنعق به الأبواق أين السلام العالمي لقد بدا كذب السلام وزاغت الأحداق يا مجلس الخوف الذي في ظله كسر الأمان وضيع الميثاق أوما يحركك الذي يجري لنا أوما يثيرك جرحنا الدفاق وحشية يقف الخيال أمامها متضائلاً وتمجها الأذواق إنها خيانة على المستوى العالمي.

стр. 666

خيانة على مستوى الأمة ثالثاً: خيانة على مستوى الأمة: أقول بملء الفم وبأعلى الصوت: ما خان الغربي إلا يوم أن تخلت أمة الأمانة عن الأمانة، وما تولى الرجل الغربي قيادة العالم وقيادة الأمة إلا يوم أن وقعت الأمة في الخيانة؛ فلقد خانت الأمة ربها ورسولها، وأنا أعي كل لفظة أرددها، لقد خانت الأمة ربها ورسولها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧] قال ابن عباس ﵄: (لا تخونوا الله بترك فرائضه، ولا تخونوا الرسول بترك سنته، ولا تخونوا أماناتكم بتضييعها). وقال ابن عباس في موطن آخر: (الأمانة هي: الفرائض التي افترضها الله على عباده). وقال أبو العالية: (الأمانة هي: ما أمروا به، وما نهوا عنه). وقال الحسن: (الأمانة هي: الدين، فالدين كله أمانة). فهذه الأمانة حمل ثقيل، وقد أشفقت السماوات والأرض والجبال من حملها، وخافت من عواقب التفريط في حمل هذه الأمانة، قال : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢] قال العلامة القرآني الشنقيطي في (أضواء البيان): والعرض والإباء والإشفاق كله حق، وليس على سبيل المجاز، وإنما على الحقيقة؛ فلقد خلق الله للسماوات والأرض والجبال إدراكاً لا يعرف حقيقته إلا الله، أدركت المخلوقات بهذا الإدراك ثقل هذه الأمانة، فأبت وأشفقت من حملها، والأدلة على ذلك في القرآن كثيرة، قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء:٤٤]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج:١٨]. فالأمانة حمل ثقيل، فالدين كله أمانة، وأشفقت هذه المخلوقات من حمل هذه الأمانة، وتقدم الإنسان الضعيف القصير العمر الذي تتحكم فيه الأهواء والشهوات والشبهات لحمل هذه الأمانة، فمن أدى فرائض الله، وأدى سنة رسول الله، وأدى الأمانة التي عنده؛ فهو الأمين الذي عرف قدر الأمانة، ومن فرط فهو الخائن الذي خان الأمانة. فلا تخونوا الله بترك فرائضه، ولا تخونوا الرسول بترك سنته، ولا تخونوا أماناتكم بتضييعها فيما بينكم، وكم ممن ينتسبون الآن إلى الإسلام قد ضيعوا الفروض من أجل مباراة في إستاد كرة، بل قد تضيع الجمعة، وربما تضيع صلاة الفجر إن كانت المباراة منقولة في آخر الليل، فتضيع الفرائض من أجل هزل!! لقد خانت الأمة ربها فضيعت الفرض إلا من رحم ربك من أفراد، وخانت الأمة رسولها فهجرت السنة، فالأمة تتغنى وترقص لرسول الله في الثاني عشر من كل ربيع في قصائد منسقة منمقة، وفي كلمات رنانة، في الوقت الذي هجرت فيه السنة، ونحت فيه الشريعة، بل ورسول الله ﷺ ينادي على هذه الأمة: هلموا إلينا، هلموا إلى القرآن والسنة، لكن من أفراد الأمة من يرد الآن بلسان الحال، بل بلسان المقال على رسول الله ﷺ ويقول: لم يعد شرعك صالحاً لمدنية القرن الحادي والعشرين، ولم تعد شريعتك صالحة لعصر الإنترنت! وأتوبيس الفضاء دسكفري! وصارت الأمة تنظر إلى السنة والشريعة على أنها لم تعد صالحة. خانت الأمة ربها ونبيها، وضيعت الأمانة يوم أن وسدت الأمر إلى غير أهله، وهذا هو تفسير نبينا لتضييع الأمانة كما في صحيح البخاري أنه كان ﷺ يحدث الناس يوماً، فجاء أعرابي فقال: (يا رسول الله! متى الساعة؟ فمضى النبي ﷺ في حديثه ولم يجب الأعرابي، فلما قضى النبي حديثه سأل عن الأعرابي وقال: أين السائل عن الساعة آنفاً؟ فقال الأعرابي: ها أنا يا رسول الله! فقال النبي ﷺ : إذا ضُيعت الأمانة فانتظر الساعة، فقال الأعرابي الفقيه: فكيف إضاعتها يا رسول الله؟! قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله) ووالله! لقد وسد الأمر إلى غير أهله، فمن الذي يشكل العقول الآن؟! ومن الذي يدير دفة التوجيه والحكم في الأمة؟ لقد صرنا كما قال الشاعر: وراعي الشاة يحمي الذئب عنها فكيف إذا الرعاة لها الذئاب وفي مستدرك الحاكم ومسند أحمد بسند صحيح من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (سيأتي على الناس سنوات خداعة؛ يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل: ومن الرويبضة يا رسول الله؟! قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة). لقد صار المثل الأعلى لأولادنا لاعب كرة، أو فناناً من الفنانين، صار المثل الأعلى لكثير من أولادنا هم هؤلاء، وقدم هؤلاء على أنهم المثل، وعلى أنهم القدوات، حتى لا يخرج الولد ليفكر في الجهاد أو ليفكر في العلم، ووسد الأمر إلى غير أهله، فمن الذي تصفق لهم الجماهير المخدوعة؟! ومن الذي تذلل لهم الصعاب، وتيسر لهم الأسباب، وتفتح لهم جميع الأبواب؟! هذا، وكثير منهم يجب أن يقام عليه حد الله ﷻ ، ولكن الأمة الآن قلبت الموازين، ووسدت الأمر إلى غير أهله، ووقعت في الخيانة، قال النبي ﷺ : (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قيل: وكيف إضاعتها يا رسول الله؟! قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله). إنها خيانة بتضييع الفرائض، وخيانة بالتفريط في السنة، وتغييب الشريعة، وخيانة بتضييع الأمانة وتوسيد الأمر إلى غير أهله، فأمة لا تقدم الأكفاء أمة خائنة، وأمة تؤخر الأكفاء وتقدم صنفاً للمحسوبية أو للعنصرية البغيضة أو للعصيبة الجاهلة؛ أمة خائنة لا تستحق السيادة ولا العزة ولا الكرامة.

стр. 667

أداء السلف للأمانة أذكر موقف الصديق ﵁ يوم أن عزل أبا عبيدة بن الجراح، وأنتم تعرفون من هو أبو عبيدة؟ إنه أمين هذه الأمة، القائد الفارس البطل المغوار، ومع ذلك رأى الصديق أن الموقف يحتاج إلى خالد بن الوليد؛ فعزل الصديق أبا عبيدة، وولى القيادة في جبهة الشام خالد بن الوليد، وأرسل رسالة إلى أبي عبيدة بن الجراح فقال: (من أبي بكر إلى أبي عبيدة، سلام الله عليك. وبعد: فإني قد وليت خالد بن الوليد قيادة الجبهة في بلاد الشام، فاسمع له وأطع، ووالله! ما وليته إلا لأني ظننت أن له فطنة في الحرب ليست لك، وأنت عندي خير منه!) هذه هي الأمة، أمة تقدم الأكفاء في الساعة المحددة، وكلنا يعرف قدر أبي عبيدة، لكن الصديق رأى أن رجل الساعة هو خالد، فليتقدم خالد، وتقدم خالد لا ينقص أبداً من قدر أبي عبيدة؛ لأن الموقف يتطلب أن يتقدم خالد بن الوليد، هذا هي الأمانة. ومن أجل ذلك أذلوا كسرى، وأهانوا قيصر، وأتى هؤلاء بتاج كسرى بن هرمز فوضعوه في حجر فاروق الأمة عمر ﵁ وأرضاه. إنها أمة قدمت الأكفاء لكل موقع وفي كل وقت، وأخرت من ينبغي أن يؤخر مع عظيم فضله، ومع سبقه في الإسلام ودين الله ﵎، فتأخيره لا يقلل من قدره، ولا يقلل من إيمانه، المهم أن يظل في الصف ليعمل لله جل وعلا، كما قال ﷺ : (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع) والحديث في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة، فهذا رجل لا يريد أن يكون في الصدارة مع القادة، المهم أن يكون في الجند المخلصين ممن يعملون لدين الله ﵎؛ لأنه لا يريد عهراً سياسياً ولا طبلاً ولا زمراً إعلامياً، إنما يريد أن يرضي ربه ﵎ من منطلق قول الله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]، اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل يا أرحم الراحمين! فأمة تقدم الأكفاء هي أمة أمينة، وأمة تؤخر الأكفاء وتقدم صنفاً معيناً لمحسوبية أو لعنصرية بغيضة أو لرشوة أو لهوىً أو لدنيا فهي أمة خائنة، خانت الله ورسوله، وضيعت الأمانة، كما أخبر الصادق الذي لا ينطق عن الهوى. والله ﵎ يقول: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، ويقول تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، ويقول تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥١ - ٥٢]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء:٦٠ - ٦١]. فأهل النفاق هم الذين يصدون عن الله ورسوله، ويخونون الله ورسوله، وأهل الإيمان هم الذين يمتثلون أمر الله، ويؤدون فرائض الله، ويمتثلون سنة رسول الله، ويؤدون الأمانة فيما بينهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧]. أما الخيانة على مستوى الأفراد فأرجئ الحديث عنها إلى ما بعد جلسة الاستراحة، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 668

خيانة على مستوى الأفراد الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى كل من اهتدى بهديه إلى يوم الدين. أما بعد: وأخيراً: خيانة على مستوى الأفراد، والحديث عن هذا العنصر حديث يؤلم القلب بألم الخيانة، فالكلمة أمانة، وكم من هذه الأمانة من الكتاب والأدباء والمفكرين والعلماء والمسلمين، فبكلمة تنال رضوان الله، وبكلمة تنال سخط الله، وبكلمة تدخل جنة الله، وبكلمة تدخل نار الله، قال ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)، وقال : ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]. وقد ذكرت من قبل لو أن المسئولين الآن أعلنوا على شاشات التلفاز وفي كل وسائل الإعلام أنه يجب على كل مواطن من رجل وامرأة أن يسرع إلى أقرب قسم شرطة ليركب جهازاً ليسجل عليه كل كلمة من الكلمات، وسيمنح جنيهاً على كل كلمة ذكر وتسبيح وتهليل، وسيعاقب عقوبة يراها المسئولون على كل كلمة ليست طيبة، وانطلق الناس وركبوا هذه الأجهزة، فكيف يكون حالنا؟ والله! لن نتكلم إلا بالتسبيح، ولن نأكل إلا التسبيح، ولن نشرب إلا التسبيح، ولن ننام إلا على التسبيح؛ لأننا سنأخذ على كل كلمة جنيهاً!! ولو قلت لأحد: كيف حالك يا فلان؟! لقال: سبحان الله! ولو قلت: ماذا فعل ولدك في الثانوية؟ لقال: ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولو قلت: هل قبضت العلاوة؟ لقال: الله أكبر، ولله الحمد!! والله جل وعلا يقول: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]، فهل صدقنا الله؟ وهل صدقنا رسول الله ﷺ ؟! الجواب يؤكده الواقع المر الأليم: فقد يتورع الصائم عن أكل الحلال ولا يتورع عن الفري في أعراض الأحياء والأموات، أي: في الوقوع في الحرام، فالكلمة أمانة، ولو عرف الكتاب والأدباء والمفكرون والعلماء والمتكلمون قدر هذه الأمانة ما رأينا هذا الواقع المر الأليم: فبدعوى الإبداع الفكري سبوا الله ورسوله! وبدعوى الحرية الشخصية أصلوا للرذيلة والتبرج والعري! وبدعوى التخلص من عقدة القديم تمردوا على سلطان الدين بكلمات خائنة! فالكلمة أمانة، والعلم أمانة، فإن اتقى العالم ربه وأدى ما يدين به لله بحكمة بالغة فهو أمين، وإن زور بهذا العلم الفتاوى لذوي السلطان فهو خائن، قال ﷺ : (من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار، ومن تعلم العلم ليجاري به العلماء أو ليماري به السفهاء أو ليصرف به وجوه الناس إليه فهو في النار). والمجالس أمانة، فقد يجلس المسلم مع أخيه ويخرج بعد ذلك لينقل كل ما دار بينهما في المجلس، من فعل هذا فهو خائن؛ إنما المجالس بالأمانة، فكم من الناس من قد خان هذه الأمانة! وكم من زوج قد خان زوجته! وكم من زوجة قد خانت زوجها! وأقصد: الخيانة العفنة المعروفة بالزنا، وكذلك خيانة الكلمة، فإن النبي ﷺ يقول -كما في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد -: (إن من أشر الناس يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها) لاسيما إذا كان السر متعلقاً بأسرار الفراش، فيجلس على المقهى أو بين زملائه في الوظيفة ليحدث بكل ما دار بينه وبين امرأته في الفراش، أو تجلس المرأة الموظفة لتحدث زميلاتها في العمل بما دار بينها وبين زوجها في الفراش، وهذه خيانة عفنة. والأولاد أمانة، فكم من الآباء من قد خان هذه الأمانة! وكم أم قد ضيعت هذه الأمانة! فترك الوالد أولاده، وظن أن وظيفته أنه ممثل لوزارة المالية فحسب! فإن وجد عنده رمق من الوقت قتله قتلاً بالجلوس أمام التلفاز، مع أنه لو جلس بين أولاده ولو كان صامتاً لا يتكلم ففي جلوسه من عمق التربية ما فيه، فكيف إن تكلم فذكّر بالله ورسوله؟! وكيف إن تكلم فأخذ أولاده إلى بيت من بيوت الله، أو إلى مشهد من هذه المشاهد التي تملأ القلب بالاستعلاء وبالإيمان وبالعزة التي افتقدتها الأمة منذ أمد بعيد؟! وكم من أم خانت الأمانة فضيعت أولادها؛ وذهبت إلى الوظيفة، وهي ليست في حاجة إلى الوظيفة، وخرجت إلى الأسواق لتضيع الوقت، وهي ليست في حاجة إلى هذا، كل همها أن تبحث عن الموضات والموديلات! وضيعت الأولاد، وأصبح الأولاد كما قال الشاعر: فليس اليتيم من انتهى أبواه وخلفاه في همّ الحياة ذليلا إن اليتيم هو الذي ترى له أماً تخلت أو أباً مشغولا والوظيفة أمانة، فكم من الموظفين من قد خان الأمانة بدعوى أن الراتب لا يتلاءم ولا يتواءم مع الجهد الذي يبذله! فيخون الأمانة بأخذ الرشاوى، أو بتضييع العمل مع حاجة العمل إليه، أو بالتعسير على المسلمين وتعطيل مصالحهم. والدَين أمانة، فكم من الناس من قد أخذ أموالاً ثم تفنن بعد ذلك في أكل هذه الأموال، وفي خيانة هذه الأمانة، والنبي ﷺ يقول: (من أخذ أموال الناس ينوي أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله). وكم عدد هؤلاء الذين نصبوا على المسلمين فأخذوا أموالهم وهربوا بجوازات سفر مزورة! وقد خانوا الأمانة، وضيعوا حقوق الناس. وكم عدد هؤلاء الذين نهبوا البنوك بل ونهبوا الدولة، بل ونهبوا الأمة، وخانوا الأمانة، وأكلوا أموال الناس بالباطل! ولو وقفنا مع جزءيات الخيانة على مستوى الأفراد لطال الوقت جداً، وحسبنا قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧]. اللهم اجعلنا من أهل الأمانة، اللهم اجعلنا أهلاً للأمانة، اللهم رد الأمة إلى الأمانة رداً جميلاً، اللهم رد الأمة إلى الأمانة رداً جميلاً. اللهم لا تدع لأحد منا ذنباًَ إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ميتاً لنا إلا رحمته، ولا عاصياً بيننا إلا هديته، ولا طائعاً إلا زدته وثبته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين! وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

стр. 669

لك الله يا أفغانستان شعب الأفغان شعب مسلم عريق، قوي الشكيمة، صعب المراس، معروف بمواقفه البطولية، فقد دحر الغزاة الروس عن بلده، وابتلي الآن بالغزاة الأمريكان، الذين أعدوا لهم ما استطاعوا من قوة، ولكنه لم يلن، ولم يستسلم، لأنه شعب أبي عصي، إلا أنه يؤتى من بعض أبنائه الخونة العملاء فمن باعوا ضمائرهم للعدو، نسأل الله أن يطهر أفغانستان من الصليبيين الحاقدين.

стр. 670

التعريف بالأفغان بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة؛ فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، اللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الفضلاء! وأيتها الأخوات الفاضلات! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله الحليم الكريم جل وعلا الذي جمعنا على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة في جنته ودار مقامته، إنه ولي ذلك ومولاه. أحبتي في الله! أبدأ بهذه الورقة من طويلب من طلابنا -على حد قوله- يذكر أنه يحبني في الله، وأقول: أحبك الله الذي أحببتني فيه، لكنني أعجب من السؤال الذي يقول فيه: كنت منتظراً من فضيلتكم في الخطبة الماضية أن تتكلم عن حق الجهاد، أو أن تجعل ما حدث في أمريكا وأفغانستان هدفاً في الخطبة، ولا أعرف هل حضر أو لا؟! فإن كان ما حضر فأنا لا أعذره، وإن كان حضر فأنا لا أعذره؛ لأنه إن كان حضر فقد نام طوال الخطبة، وإن لم يحضر فما ينبغي له أن يعتب علي دون أن يعلم، ودون أن يفهم، فاسأل من حضر إن كنت ممن لم يحضر، واسمع الخطبة إن كنت ممن حضر، واحذر النوم أثناء الخطبة، وأسأل الله أن يوقظنا جميعاً، إنه ولي ذلك ومولاه. الأخ يسأل ويقول: من هم الأفغان؟ ومن هو أسامة بن لادن؟ وأين أفغانستان من الخطب؟، وأين الشيشان الآن؟! وأين شباب مصر؟! وهل أسامة بن لادن إرهابي؟! وهل الذين فجروا مبنى التجارة العالمي كانوا إرهابيين؟! و الجواب الأفغان شعب مسلم أبي، قوي الشكيمة، صعب المراس، لا يعرف الذل والمهانة والخضوع والاستسلام بسهولة، ولا يؤتى هذا الشعب إلا من قبل بعض أفراده الخونة، ممن يشتريهم الأعداء بالدولار، وهؤلاء لا يخلو منهم زمان ولا مكان. إن اجتمع هذا الشعب بطوائفه لمحاربة عدو خارجي، فمهما كانت قوة هذا العدو، فإن هذا الشعب -بفضل الله يضع أنف هذا العدو في التراب، فهذا الشعب الأبي هو الذي مرغ أنف بريطانيا في التراب منذ مائة سنة تقريباً، ولعلكم سمعتم ما قاله المجرم توني بلير في خطابه، وهذا نص عبارته: وها نحن الآن قد عدنا يا ملا محمد عمر!
следующие страницы →