Полный текст (1 901 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
خيانة على مستوى الأمة
ثالثاً: خيانة على مستوى الأمة: أقول بملء الفم وبأعلى الصوت: ما خان الغربي إلا يوم أن تخلت أمة الأمانة عن الأمانة، وما تولى الرجل الغربي قيادة العالم وقيادة الأمة إلا يوم أن وقعت الأمة في الخيانة؛ فلقد خانت الأمة ربها ورسولها، وأنا أعي كل لفظة أرددها، لقد خانت الأمة ربها ورسولها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧] قال ابن عباس ﵄: (لا تخونوا الله بترك فرائضه، ولا تخونوا الرسول بترك سنته، ولا تخونوا أماناتكم بتضييعها).
وقال ابن عباس في موطن آخر: (الأمانة هي: الفرائض التي افترضها الله على عباده).
وقال أبو العالية: (الأمانة هي: ما أمروا به، وما نهوا عنه).
وقال الحسن: (الأمانة هي: الدين، فالدين كله أمانة).
فهذه الأمانة حمل ثقيل، وقد أشفقت السماوات والأرض والجبال من حملها، وخافت من عواقب التفريط في حمل هذه الأمانة، قال : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢] قال العلامة القرآني الشنقيطي في (أضواء البيان): والعرض والإباء والإشفاق كله حق، وليس على سبيل المجاز، وإنما على الحقيقة؛ فلقد خلق الله للسماوات والأرض والجبال إدراكاً لا يعرف حقيقته إلا الله، أدركت المخلوقات بهذا الإدراك ثقل هذه الأمانة، فأبت وأشفقت من حملها، والأدلة على ذلك في القرآن كثيرة، قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء:٤٤]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج:١٨].
فالأمانة حمل ثقيل، فالدين كله أمانة، وأشفقت هذه المخلوقات من حمل هذه الأمانة، وتقدم الإنسان الضعيف القصير العمر الذي تتحكم فيه الأهواء والشهوات والشبهات لحمل هذه الأمانة، فمن أدى فرائض الله، وأدى سنة رسول الله، وأدى الأمانة التي عنده؛ فهو الأمين الذي عرف قدر الأمانة، ومن فرط فهو الخائن الذي خان الأمانة.
فلا تخونوا الله بترك فرائضه، ولا تخونوا الرسول بترك سنته، ولا تخونوا أماناتكم بتضييعها فيما بينكم، وكم ممن ينتسبون الآن إلى الإسلام قد ضيعوا الفروض من أجل مباراة في إستاد كرة، بل قد تضيع الجمعة، وربما تضيع صلاة الفجر إن كانت المباراة منقولة في آخر الليل، فتضيع الفرائض من أجل هزل!! لقد خانت الأمة ربها فضيعت الفرض إلا من رحم ربك من أفراد، وخانت الأمة رسولها فهجرت السنة، فالأمة تتغنى وترقص لرسول الله في الثاني عشر من كل ربيع في قصائد منسقة منمقة، وفي كلمات رنانة، في الوقت الذي هجرت فيه السنة، ونحت فيه الشريعة، بل ورسول الله ﷺ ينادي على هذه الأمة: هلموا إلينا، هلموا إلى القرآن والسنة، لكن من أفراد الأمة من يرد الآن بلسان الحال، بل بلسان المقال على رسول الله ﷺ ويقول: لم يعد شرعك صالحاً لمدنية القرن الحادي والعشرين، ولم تعد شريعتك صالحة لعصر الإنترنت! وأتوبيس الفضاء دسكفري! وصارت الأمة تنظر إلى السنة والشريعة على أنها لم تعد صالحة.
خانت الأمة ربها ونبيها، وضيعت الأمانة يوم أن وسدت الأمر إلى غير أهله، وهذا هو تفسير نبينا لتضييع الأمانة كما في صحيح البخاري أنه كان ﷺ يحدث الناس يوماً، فجاء أعرابي فقال: (يا رسول الله! متى الساعة؟ فمضى النبي ﷺ في حديثه ولم يجب الأعرابي، فلما قضى النبي حديثه سأل عن الأعرابي وقال: أين السائل عن الساعة آنفاً؟ فقال الأعرابي: ها أنا يا رسول الله! فقال النبي ﷺ : إذا ضُيعت الأمانة فانتظر الساعة، فقال الأعرابي الفقيه: فكيف إضاعتها يا رسول الله؟! قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله) ووالله! لقد وسد الأمر إلى غير أهله، فمن الذي يشكل العقول الآن؟! ومن الذي يدير دفة التوجيه والحكم في الأمة؟ لقد صرنا كما قال الشاعر: وراعي الشاة يحمي الذئب عنها فكيف إذا الرعاة لها الذئاب وفي مستدرك الحاكم ومسند أحمد بسند صحيح من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (سيأتي على الناس سنوات خداعة؛ يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل: ومن الرويبضة يا رسول الله؟! قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة).
لقد صار المثل الأعلى لأولادنا لاعب كرة، أو فناناً من الفنانين، صار المثل الأعلى لكثير من أولادنا هم هؤلاء، وقدم هؤلاء على أنهم المثل، وعلى أنهم القدوات، حتى لا يخرج الولد ليفكر في الجهاد أو ليفكر في العلم، ووسد الأمر إلى غير أهله، فمن الذي تصفق لهم الجماهير المخدوعة؟! ومن الذي تذلل لهم الصعاب، وتيسر لهم الأسباب، وتفتح لهم جميع الأبواب؟! هذا، وكثير منهم يجب أن يقام عليه حد الله ﷻ ، ولكن الأمة الآن قلبت الموازين، ووسدت الأمر إلى غير أهله، ووقعت في الخيانة، قال النبي ﷺ : (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قيل: وكيف إضاعتها يا رسول الله؟! قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله).
إنها خيانة بتضييع الفرائض، وخيانة بالتفريط في السنة، وتغييب الشريعة، وخيانة بتضييع الأمانة وتوسيد الأمر إلى غير أهله، فأمة لا تقدم الأكفاء أمة خائنة، وأمة تؤخر الأكفاء وتقدم صنفاً للمحسوبية أو للعنصرية البغيضة أو للعصيبة الجاهلة؛ أمة خائنة لا تستحق السيادة ولا العزة ولا الكرامة.
стр. 667
أداء السلف للأمانة
أذكر موقف الصديق ﵁ يوم أن عزل أبا عبيدة بن الجراح، وأنتم تعرفون من هو أبو عبيدة؟ إنه أمين هذه الأمة، القائد الفارس البطل المغوار، ومع ذلك رأى الصديق أن الموقف يحتاج إلى خالد بن الوليد؛ فعزل الصديق أبا عبيدة، وولى القيادة في جبهة الشام خالد بن الوليد، وأرسل رسالة إلى أبي عبيدة بن الجراح فقال: (من أبي بكر إلى أبي عبيدة، سلام الله عليك.
وبعد: فإني قد وليت خالد بن الوليد قيادة الجبهة في بلاد الشام، فاسمع له وأطع، ووالله! ما وليته إلا لأني ظننت أن له فطنة في الحرب ليست لك، وأنت عندي خير منه!) هذه هي الأمة، أمة تقدم الأكفاء في الساعة المحددة، وكلنا يعرف قدر أبي عبيدة، لكن الصديق رأى أن رجل الساعة هو خالد، فليتقدم خالد، وتقدم خالد لا ينقص أبداً من قدر أبي عبيدة؛ لأن الموقف يتطلب أن يتقدم خالد بن الوليد، هذا هي الأمانة.
ومن أجل ذلك أذلوا كسرى، وأهانوا قيصر، وأتى هؤلاء بتاج كسرى بن هرمز فوضعوه في حجر فاروق الأمة عمر ﵁ وأرضاه.
إنها أمة قدمت الأكفاء لكل موقع وفي كل وقت، وأخرت من ينبغي أن يؤخر مع عظيم فضله، ومع سبقه في الإسلام ودين الله ﵎، فتأخيره لا يقلل من قدره، ولا يقلل من إيمانه، المهم أن يظل في الصف ليعمل لله جل وعلا، كما قال ﷺ : (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع) والحديث في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة، فهذا رجل لا يريد أن يكون في الصدارة مع القادة، المهم أن يكون في الجند المخلصين ممن يعملون لدين الله ﵎؛ لأنه لا يريد عهراً سياسياً ولا طبلاً ولا زمراً إعلامياً، إنما يريد أن يرضي ربه ﵎ من منطلق قول الله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]، اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل يا أرحم الراحمين! فأمة تقدم الأكفاء هي أمة أمينة، وأمة تؤخر الأكفاء وتقدم صنفاً معيناً لمحسوبية أو لعنصرية بغيضة أو لرشوة أو لهوىً أو لدنيا فهي أمة خائنة، خانت الله ورسوله، وضيعت الأمانة، كما أخبر الصادق الذي لا ينطق عن الهوى.
والله ﵎ يقول: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، ويقول تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، ويقول تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥١ - ٥٢]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء:٦٠ - ٦١].
فأهل النفاق هم الذين يصدون عن الله ورسوله، ويخونون الله ورسوله، وأهل الإيمان هم الذين يمتثلون أمر الله، ويؤدون فرائض الله، ويمتثلون سنة رسول الله، ويؤدون الأمانة فيما بينهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧].
أما الخيانة على مستوى الأفراد فأرجئ الحديث عنها إلى ما بعد جلسة الاستراحة، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 668
خيانة على مستوى الأفراد
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى كل من اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد: وأخيراً: خيانة على مستوى الأفراد، والحديث عن هذا العنصر حديث يؤلم القلب بألم الخيانة، فالكلمة أمانة، وكم من هذه الأمانة من الكتاب والأدباء والمفكرين والعلماء والمسلمين، فبكلمة تنال رضوان الله، وبكلمة تنال سخط الله، وبكلمة تدخل جنة الله، وبكلمة تدخل نار الله، قال ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)، وقال : ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨].
وقد ذكرت من قبل لو أن المسئولين الآن أعلنوا على شاشات التلفاز وفي كل وسائل الإعلام أنه يجب على كل مواطن من رجل وامرأة أن يسرع إلى أقرب قسم شرطة ليركب جهازاً ليسجل عليه كل كلمة من الكلمات، وسيمنح جنيهاً على كل كلمة ذكر وتسبيح وتهليل، وسيعاقب عقوبة يراها المسئولون على كل كلمة ليست طيبة، وانطلق الناس وركبوا هذه الأجهزة، فكيف يكون حالنا؟ والله! لن نتكلم إلا بالتسبيح، ولن نأكل إلا التسبيح، ولن نشرب إلا التسبيح، ولن ننام إلا على التسبيح؛ لأننا سنأخذ على كل كلمة جنيهاً!! ولو قلت لأحد: كيف حالك يا فلان؟! لقال: سبحان الله! ولو قلت: ماذا فعل ولدك في الثانوية؟ لقال: ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ولو قلت: هل قبضت العلاوة؟ لقال: الله أكبر، ولله الحمد!! والله جل وعلا يقول: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]، فهل صدقنا الله؟ وهل صدقنا رسول الله ﷺ ؟! الجواب يؤكده الواقع المر الأليم: فقد يتورع الصائم عن أكل الحلال ولا يتورع عن الفري في أعراض الأحياء والأموات، أي: في الوقوع في الحرام، فالكلمة أمانة، ولو عرف الكتاب والأدباء والمفكرون والعلماء والمتكلمون قدر هذه الأمانة ما رأينا هذا الواقع المر الأليم: فبدعوى الإبداع الفكري سبوا الله ورسوله! وبدعوى الحرية الشخصية أصلوا للرذيلة والتبرج والعري! وبدعوى التخلص من عقدة القديم تمردوا على سلطان الدين بكلمات خائنة! فالكلمة أمانة، والعلم أمانة، فإن اتقى العالم ربه وأدى ما يدين به لله بحكمة بالغة فهو أمين، وإن زور بهذا العلم الفتاوى لذوي السلطان فهو خائن، قال ﷺ : (من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار، ومن تعلم العلم ليجاري به العلماء أو ليماري به السفهاء أو ليصرف به وجوه الناس إليه فهو في النار).
والمجالس أمانة، فقد يجلس المسلم مع أخيه ويخرج بعد ذلك لينقل كل ما دار بينهما في المجلس، من فعل هذا فهو خائن؛ إنما المجالس بالأمانة، فكم من الناس من قد خان هذه الأمانة! وكم من زوج قد خان زوجته! وكم من زوجة قد خانت زوجها! وأقصد: الخيانة العفنة المعروفة بالزنا، وكذلك خيانة الكلمة، فإن النبي ﷺ يقول -كما في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد -: (إن من أشر الناس يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها) لاسيما إذا كان السر متعلقاً بأسرار الفراش، فيجلس على المقهى أو بين زملائه في الوظيفة ليحدث بكل ما دار بينه وبين امرأته في الفراش، أو تجلس المرأة الموظفة لتحدث زميلاتها في العمل بما دار بينها وبين زوجها في الفراش، وهذه خيانة عفنة.
والأولاد أمانة، فكم من الآباء من قد خان هذه الأمانة! وكم أم قد ضيعت هذه الأمانة! فترك الوالد أولاده، وظن أن وظيفته أنه ممثل لوزارة المالية فحسب! فإن وجد عنده رمق من الوقت قتله قتلاً بالجلوس أمام التلفاز، مع أنه لو جلس بين أولاده ولو كان صامتاً لا يتكلم ففي جلوسه من عمق التربية ما فيه، فكيف إن تكلم فذكّر بالله ورسوله؟! وكيف إن تكلم فأخذ أولاده إلى بيت من بيوت الله، أو إلى مشهد من هذه المشاهد التي تملأ القلب بالاستعلاء وبالإيمان وبالعزة التي افتقدتها الأمة منذ أمد بعيد؟! وكم من أم خانت الأمانة فضيعت أولادها؛ وذهبت إلى الوظيفة، وهي ليست في حاجة إلى الوظيفة، وخرجت إلى الأسواق لتضيع الوقت، وهي ليست في حاجة إلى هذا، كل همها أن تبحث عن الموضات والموديلات! وضيعت الأولاد، وأصبح الأولاد كما قال الشاعر: فليس اليتيم من انتهى أبواه وخلفاه في همّ الحياة ذليلا إن اليتيم هو الذي ترى له أماً تخلت أو أباً مشغولا والوظيفة أمانة، فكم من الموظفين من قد خان الأمانة بدعوى أن الراتب لا يتلاءم ولا يتواءم مع الجهد الذي يبذله! فيخون الأمانة بأخذ الرشاوى، أو بتضييع العمل مع حاجة العمل إليه، أو بالتعسير على المسلمين وتعطيل مصالحهم.
والدَين أمانة، فكم من الناس من قد أخذ أموالاً ثم تفنن بعد ذلك في أكل هذه الأموال، وفي خيانة هذه الأمانة، والنبي ﷺ يقول: (من أخذ أموال الناس ينوي أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله).
وكم عدد هؤلاء الذين نصبوا على المسلمين فأخذوا أموالهم وهربوا بجوازات سفر مزورة! وقد خانوا الأمانة، وضيعوا حقوق الناس.
وكم عدد هؤلاء الذين نهبوا البنوك بل ونهبوا الدولة، بل ونهبوا الأمة، وخانوا الأمانة، وأكلوا أموال الناس بالباطل! ولو وقفنا مع جزءيات الخيانة على مستوى الأفراد لطال الوقت جداً، وحسبنا قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧].
اللهم اجعلنا من أهل الأمانة، اللهم اجعلنا أهلاً للأمانة، اللهم رد الأمة إلى الأمانة رداً جميلاً، اللهم رد الأمة إلى الأمانة رداً جميلاً.
اللهم لا تدع لأحد منا ذنباًَ إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ميتاً لنا إلا رحمته، ولا عاصياً بيننا إلا هديته، ولا طائعاً إلا زدته وثبته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين! وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
стр. 669
لك الله يا أفغانستان
شعب الأفغان شعب مسلم عريق، قوي الشكيمة، صعب المراس، معروف بمواقفه البطولية، فقد دحر الغزاة الروس عن بلده، وابتلي الآن بالغزاة الأمريكان، الذين أعدوا لهم ما استطاعوا من قوة، ولكنه لم يلن، ولم يستسلم، لأنه شعب أبي عصي، إلا أنه يؤتى من بعض أبنائه الخونة العملاء فمن باعوا ضمائرهم للعدو، نسأل الله أن يطهر أفغانستان من الصليبيين الحاقدين.
стр. 670
التعريف بالأفغان
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة؛ فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، اللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الفضلاء! وأيتها الأخوات الفاضلات! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله الحليم الكريم جل وعلا الذي جمعنا على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة في جنته ودار مقامته، إنه ولي ذلك ومولاه.
أحبتي في الله! أبدأ بهذه الورقة من طويلب من طلابنا -على حد قوله- يذكر أنه يحبني في الله، وأقول: أحبك الله الذي أحببتني فيه، لكنني أعجب من السؤال الذي يقول فيه: كنت منتظراً من فضيلتكم في الخطبة الماضية أن تتكلم عن حق الجهاد، أو أن تجعل ما حدث في أمريكا وأفغانستان هدفاً في الخطبة، ولا أعرف هل حضر أو لا؟! فإن كان ما حضر فأنا لا أعذره، وإن كان حضر فأنا لا أعذره؛ لأنه إن كان حضر فقد نام طوال الخطبة، وإن لم يحضر فما ينبغي له أن يعتب علي دون أن يعلم، ودون أن يفهم، فاسأل من حضر إن كنت ممن لم يحضر، واسمع الخطبة إن كنت ممن حضر، واحذر النوم أثناء الخطبة، وأسأل الله أن يوقظنا جميعاً، إنه ولي ذلك ومولاه.
الأخ يسأل ويقول: من هم الأفغان؟ ومن هو أسامة بن لادن؟ وأين أفغانستان من الخطب؟، وأين الشيشان الآن؟! وأين شباب مصر؟! وهل أسامة بن لادن إرهابي؟! وهل الذين فجروا مبنى التجارة العالمي كانوا إرهابيين؟!
و
الجواب
الأفغان شعب مسلم أبي، قوي الشكيمة، صعب المراس، لا يعرف الذل والمهانة والخضوع والاستسلام بسهولة، ولا يؤتى هذا الشعب إلا من قبل بعض أفراده الخونة، ممن يشتريهم الأعداء بالدولار، وهؤلاء لا يخلو منهم زمان ولا مكان.
إن اجتمع هذا الشعب بطوائفه لمحاربة عدو خارجي، فمهما كانت قوة هذا العدو، فإن هذا الشعب -بفضل الله يضع أنف هذا العدو في التراب، فهذا الشعب الأبي هو الذي مرغ أنف بريطانيا في التراب منذ مائة سنة تقريباً، ولعلكم سمعتم ما قاله المجرم توني بلير في خطابه، وهذا نص عبارته: وها نحن الآن قد عدنا يا ملا محمد عمر!
стр. 671
واجب الداعية
يا أخي! بفضل الله -ونسأل الله أن يرزقنا الصدق- نحن لا نعرف أن ننافق أحداً، ولا نجيد العزف على أوتار النفاق، ونحن لا نريد شيئاً من الدنيا، فقد رزقنا الله من أوسع أبوابه، ونحن لا نريد شيئاً من مخلوق على وجه الأرض حتى ننافق، لكن المسألة أيضاً تحتاج إلى حكمة، وليس معنى الحكمة التمييع، فلم تكن الحكمة تمييعاً للقضايا، ولم تكن الحكمة هي الهروب من الحق، إنما الحكمة هي: قول ما ينبغي، في الوقت الذي ينبغي، على الوجه الذي ينبغي.
هذا تعريفها.
وأركانها: العلم، والحلم، والأناة.
وآفاتها: الجهل، والطيش، والعجلة.
وقد تكلمت عن هذه القضية، وبينت الذي أدين به لله تعالى في هذه المسألة؛ لأن من الخيانة أن يكون الداعية بأطروحاته وموضوعاته في جانب، وأن تكون الأمة بجراحها ومشكلاتها وأزماتها في جانب آخر، وأنا أكرر هذا دوماً، وأسأل الله أن يرزقنا الأمانة، وأن يجعلنا أهلاً لها.
стр. 672
أمريكا وجرائمها في العالم
ما يحدث الآن باختصار: هو تجسيد للإرهاب الأمريكي، فإن أمريكا هي رائدة الإرهاب في الأرض، وأنا أسأل أي منصف على وجه الأرض: ما يحدث الآن على أرض أفغانستان أليس هو الإرهاب بعينه؟! بل إن أمريكا تعلم يقيناً قبل غيرها أنها إلى الآن لم تملك دليلاً واحداً على إدانة أسامة أو على إدانة المسلمين.
والله العظيم لو تملك أمريكا دليلاً واحداً لضجت به في العالم، ودعك من كلام توني بلير الذي يقول: هذه أدلة استخباراتية لا أقدر على إذاعتها، فهذا كلام باطل، وهذا الوقح يظهر من كلامه ما يخفيه صدره من غل وحقد أضعاف أضعاف ما يحمله قلب بوش الإرهابي الأول في العالم، وقد قال: إنها حرب صليبية، ونقول: نعم، هي حرب صليبية، ويأبى الله إلا أن يظهر في زلات ألسنتهم، وفي كلمات أقلامهم ما تكنه صدورهم من حقد على هذا الدين، وما تخفي صدورهم أكبر، فهي حرب صليبية معلنة على الإسلام، أما أن يقول بوش: هي حرب صليبية، ثم يرجع ويلطف ذلك بشتى الطرق فهذا لا يفيد! بل يأتي توني بلير ويقول: ها نحن قد عدنا يا ملا محمد عمر! وهذه هي نفس الكلمات التي قالها اليهود وهم يركلون قبر صلاح الدين؛ فإنهم كانوا يقولون: ها نحن قد عدنا يا صلاح الدين! فالحقد يملأ قلوب هؤلاء، وهم الذين يفسرون معنى الإرهاب كما يريدون! فهل الإرهاب أن يدافع المسلم عن دينه وعن وطنه وعن عرضه، وأن يرد عن أمته ونفسه وأهله شيئاً من الظلم الذي ملأ القلوب والصدور بالمرارة؟! لا يوجد عاقل على وجه الأرض الآن إلا وقلبه يمتلئ بالحقد والغل على أمريكا؛ بسبب الظلم الذي أذاقته أهل الأرض كئوساً! وما يحدث على أرض فلسطين إلى الآن أليس إرهاباً؟! ومليون ونصف من أطفال العراق قتلوا بسبب الحصار أليس إرهاباً؟! والمسلمون الذين قتلوا في العراق، والمسلمون الذين قتلوا في السودان، والمسلمون الذين قتلوا في أفغانستان، حتى من قتل في (هيروشيما) و (نجازاكي) وفي فيتنام أليس إرهاباً؟! بل في فيتنام لوحدها قتلت أمريكا أربعة ملايين فيتنامياً! أمريكا هي التي أبادت شعب الهنود الحمر! أمريكا هي التي استعبدت الزنوج! أمريكا هي التي أسقطت القنبلة الذرية على (هيروشيما) وبعد ثلاثة أيام على (نجازاكي) فقتلت مائة وسبعين ألف مدنياً! أمريكا هي رائدة الإرهاب في الأرض! وقد جلست مع عمدة نيويورك وقلت له: أنتم تعلمون أن تمثال الحرية الذي تضعونه في قلب أمريكا ليصدم عيون الناظرين خير شاهد على أنكم تسحقون الأحرار خارج حدود أرضكم وبلادكم! وذكرت له تاريخاً طويلاً، وقد كانت لي محاضرة عن حقوق الإنسان في الإسلام، حقوق الإنسان بصفة عامة، وليس حقوق المسلم، وبعد ذلك عملت مقارنة بين حقوق الإنسان في الإسلام وحقوق الإنسان في منظمة وحقوق الإنسان لهيئة الرمم، وقلت لهم: أنتم كذابون، تضحكون على العالم، وتقولون: سلام عالمي! ونظام دولي جديد، إلى آخر هذه المنشطات الساخنة الضخمة! وأنتم تعلمون يقيناً أنكم أكذب وأفجر أهل الأرض، وقلت له: هل نسيت أن أمريكا هي التي قتلت مائة وسبعين ألفاً من المدنيين في (هيروشيما)؟! وهل نسيت أن الأمريكان هم الذين أبادوا الهنود الحمر، وهم السكان الأصليون لأمريكا؟! وهل نسيت أنكم استعبدتم الزنوج؟! مع أنكم أصدرتم بعد الثورة الأمريكية قراراً دستورياً يقول بالمساواة بين جميع الناس: الأبيض والأسود، ثم بالقانون الأمريكي لمدة مائة سنة استعبدتم الزنوج! وهل نسيت أن الأمريكان هم الذين قتلوا المسلمين في فيتنام؟! وهم الذين دعموا كل الديكتاتوريات والحكام الديكتاتوريين على الأرض، بدءاً من جنوب أفريقيا إلى الفلبين! وهل نسيت أن الأمريكان هم الذين قتلوا ما يزيد على أربعة ملايين في فيتنام؟! وهل نسيت أن الأمريكان هم الذين قتلوا ما يقرب من مليون ونصف من أطفال العراق؟! وهل نسيت أن الأمريكان هم الذين شردوا من شردوا وقتلوا من قتلوا في لبنان، وفي السودان، وفي أفغانستان؟! فنظر إلي وقال لي: لكن أمريكا تدخلت لنصرة الأقلية المسلمة في ألبانيا وفي البوسنة.
فقلت له: هذا كذب، بل أمريكا ما تدخلت لنصرة المسلمين في البوسنة، وإنما تدخلت لحماية مصالحها، وأمريكا تدخلت الآن بذريعة القبض على أسامة أو قتل أسامة، وهو البطل الذي أسأل الله أن يحفظه بحفظه وإخوانه جميعاً، فإنهم هم الذين ردوا شيئاً من الكرامة المسلوبة لهذه الأمة، فأقول: ما تذرعت أمريكا بقتل أسامة الإرهابي الدولي العالمي -كما يقولون- إلا ليكون لها قدم في منطقة بحر قزوين! وهناك مبشرات من الشيشان، ووالله! ما تركنا قضية إلا طرقناها وتكلمنا فيها، ووالله! ما تركنا قضية للأمة إلا وتحدثنا عنها، وسبق أن قلت: إن أمريكا وروسيا الآن وبعد انخفاط مخزون النفط في منطقة الخليج تبحثان عن أعلى نسبة احتياطي للنفط في العالم، وهذا موجود في منطقة بحر قزوين، فروسيا تريد أن تسيطر على المنطقة، وأمريكا تريد أن تبقي لها رجلاً في المنطقة؛ من أجل أن تسيطر على مقدرات العالم كله، والآن القواعد العسكرية الأمريكية تحيط بالعالم الإسلامي والعربي من كل مكان، والأمة تدفع الجزية كاملة غير منقوصة!! والشاهد أن الرجل لما قلت له: أنتم قمتم بهذا من أجل مصالحكم، قام وسلم عليّ، وشد علي يدي! وقال لي: هل المسلمون يعرفون هذا الكلام الذي تقوله؟ فقلت: هذه هي الكارثة.
فقال: لماذا؟ وكأنه استغرب من الجواب، وكأنه كان متصوراً أني سأقول له: إن المسلمين لا يعلمون شيئاً! فقلت له: هذه هي الكارثة، وهي أنكم ما زلتم تعتقدون أنكم تتعاملون مع أغبياء لا يعرفون خططكم، ولا يعرفون مصائبكم وتاريخكم الأسود! بل كل هذا يعرفه الآن أي مسلم، ويعرف مصدر الإرهاب على وجه الأرض، يعرفون ذلك عند أن يدك شعب الأفغان بالصواريخ وبالطائرات، وقد جاءت أمريكا بخيلائها وخيلها ورجلها وسلاحها لتحاد الله ، وترمي هذا الشعب الفقير الذي لا يجد لقمة العيش؛ بذريعة القبض على أسامة وتدمير جيش القاعدة! ويدعون أن طالبان هم الذين يأوون الإرهابيين إلى آخر هذا الكلام الإعلامي الخبيث الذي يدندن حوله إعلام اليهود، ويتلقفه إعلامنا العربي المهزوز؛ ليردد نفس الكلمات تماماً، ولا تجد دولة مسلمة عربية ترفض، بل إن منهم من يشارك ويقول: نحن مع الضربة العسكرية ضد الإرهاب! ولو صدقوا لقالوا: نحن مع الضربة العسكرية ضد الإسلام! ومع ذلك أخونا عبد السلام ضعيف الرجل القوي الإيمان، سفير الأفغان في باكستان يعلن أن طالبان لن تسلم أسامة، بل إنها قد أطلقت له العنان في أن يفعل ما يشاء، ويقول: إن عندنا اثنين مليون يتمنون الشهادة في سبيل الله، ولكن الإرجاف شغال، فترى بعض الجرائد تقول: طالبان تختنق! وهذا إرجاف، فإن أعداء الله يدكون عليهم دكاً متواصلاً بالصواريخ والطيران والبواخر والسفن الحربية وبكل السبل، وما زالوا يثقون بالله، وأرجو أن نثق وأن نعلم يقيناً أن أمريكا لا تدبر أمر الكون، بل إن الذي يدبر أمر الكون هو الملك .
стр. 673
على الأمة أن تجدد يقينها بالله
الأمة الآن بسبب ضعف يقينها وضعف إيمانها لم تعد تؤمن إلا بالماديات وبالحسيات، فتراهم يأتون بصورة على الصفحة الأولى من بعض الجرائد وفيها صاروخ أطلقته أمريكا، ويقولون: هذا الصاروخ يسجل الكلام الذي يقوله مجاهدو طالبان! وأين كانوا قبل ذلك؟! هل كان بوش يخبئه تحت السرير؟! ولكن هذا عمل المرجفين الذين يريدون أن تزداد هذه الأمة هزيمة على هزيمتها.
والله العظيم لقد سمعت بأذني من رجل مثقف يقول: يا شيخ! أمريكا عندها صاروخ لو وضعت على يدك بريزة فضة يأتي عليها الصاروخ فيحرقها ولا يمس يدك!! وهذا بصراحة استخفاف بالعقول، واستخفاف بالقلوب، وإرجاف خطير جداً.
فنريد يا إخواننا أن نثق بالله .
والذي أريد أن أخرج به من هذه الأزمة والأحداث: أن نجدد الثقة واليقين بالله ، وأن تعلم الأمة يقيناً أن الله ﵎ هو الذي يدبر أمر الكون وحده، فلا تقع ورقة من شجرة على الأرض إلا بأمره وبعلمه، فإذا كانت الورقة لا تقع إلا بعلمه فكيف ستقع القنبلة بدون علمه وبدون تقديره؟! بل كل شيء بقدر، وليس أحد أغير على الحق وأهله من الله، وليس أحد أرحم بالمستضعفين في أفغانستان وفلسطين من الله، لكن الله لا يعجل بعجلة أحد؛ فللكون سنن لابد منها، كسنة التدافع، وسنة الابتلاء، وسنة أخذ الله للظالمين، قال : ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ [البقرة:٢٥١]، وقال : ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠]، وقال : ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ [النساء:١٠٤] وقال جل وعلا: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠]! فيا سبحان الله! لا يوجد أمريكي في أكثر الأحيان إلا وهو يعيش حالة من الرعب، ومن سافر إلى أمريكا يعرف ذلك.
وقد دخلت مركز التجارة العالمي قبل الأحداث، والله العظيم! إن الإنسان يتعجب من ذلك البناء وعظمته! فتصعد إلى الدور المائة وتسعة عن طريق مصعد مثل الكافتيريا في أقل من دقيقتين تقريباً! وكذلك مبنى البنتاجون -الذي هو وزارة الدفاع- مساحته أفقية ممتدة، ويأخذ مساحة ضخمة جداً، وفيه غرف لا يعلم عنها شيئاً كثير ممن يعملون في البنتاجون؛ وذلك لكثرة الغرف وكبر المساحة، والمكان الذي ضُرب فيه هو المخ والرأس المحرك! وهذا شيء غريب جداً! وضرب الكمبيوتر الرئيسي! ولذلك أمريكا تاهت بعد هذه الحادثة، وبقيت ثلاث ساعات لم يعلق فيها أي رئيس ولا أي وزير ولا أي مسئول، إلا مذيع في (السي إن إن)، أما الرئيس والنائب والوزراء فكلهم تبعثروا، أسأل الله أن يبعثرهم.
أقسم بالله إنها آية من الآيات تجعل الإنسان لا يثق إلا بربه، ومع ذلك فالأمة لا زالت قلوبها مملوءة بالضعف والإرجاف، والخور والذلة والمهانة، والخوف والرعب.
فيا إخواننا! ألم تفيقوا بعد؟! أما تصطلحون؟! أما تركعون لله وحده؟! وفي قناة الجزيرة ظهر مذيع نصراني حقود مع أخ من إخواننا الطيبين ممن لا يجيد الحوار، ولا يجيد الكلام، والناس هؤلاء لابد لهم من محاورين في غاية اللباقة، لكن سبحان الله! لو كنت مكانه ربما لم أستطع أن أتكلم، وليس عندي ربع يقين الأخ الذي كان يتكلم، ووالله! إنه أبكاني، فإن هذا المذيع تكلم وقال: أنتم -يا طالبان- ماذا عملتم أمام هذه القوة والترسانة العسكرية الضخمة؟! فابتسم الأخ ابتسامة جميلة وقال له: معنا الله!! والله إن هذا المذيع المجرم اسود وجهه! فإن المعية عظيمة وكبيرة، ولك أن تتصور السبع السماوات وعظمتها، فإن الله يقول: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر:٥٧]، فالعقل البشري الذي فجر الذرة، وصنع الترسانة التي نسمع عنها لا يُعد شيئاً أمام خلق السماء وخلق الأرض، فإن ملك الملوك يحمل السماوات السبع على إصبع! فأريد أن تتدبر هذا الكلام حتى ترجع بيقين، هذا الكلام يقوله حبر من أحبار اليهود، والحديث في صحيح مسلم وفيه: (جاء حبر يقول: يا محمد! إنا نجد مكتوباً عندنا في التوراة: أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والماء والثرى على إصبع، والشجر على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، ثم يهزهن ويقول: أنا الملك) الله أكبر! السماوات على إصبع من أصابع الملك ﷻ ، فلا تعطل ولا تكيف، فكل ما دار ببالك فالله بخلاف ذلك، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
هذا هو الذي أريد أن أخرج به، فأنا لا أريد أن أكون وكالة أنباء أذيع لك منها أخباراً أنت تعرفها أكثر مني، إنما أريد أن أدخل في قلبك اليقين، ونرجو أن تتعلم الأمة هذا الدرس، ونرجو أن تجدد الأمة يقينها في ربها، وتعلم يقيناً أنه لا تستطيع قوة على وجه الأرض أن تقتلع الإسلام من الأرض؛ لأن الذي وعد بنصرة الإسلام هو الله.
стр. 674
الأحداث التي تمر بالأمة بشير خير
أنا متصور بفهمي للقرآن وللسنة وللسنن أن الأحداث التي تمر بها أمتنا الآن ستكون من أعظم الأحداث التي ستربي الأمة، وأرى فيها خيراً كثيراً، فإن جميع أهل الأرض الآن قد قامت عليهم حجة الله بالسماع عن الإسلام من زعماء العالم! فمن الذي كان يسمع من أهل الأرض أن الإسلام دين السماحة، وأن الإسلام دين الرحمة، وأن الإسلام لا يقر الإرهاب، ولا التطرف؟! فمن الذي كان يستطيع من الدعاة أن يسمع العالم كله هذا الكلام؟! لكن بوش وتوني بلير ورئيس وزراء إيطاليا أظهروا الصورة المشرقة للإسلام من حيث لا يشعرون! ولهذا لا تجد نسخة من القرآن المترجم باللغة الفرنسية في الأسواق! ولا تجد نسخة من القرآن المترجم باللغة الإنجليزية في أمريكا؛ لأن جميع النسخ قد نفدت، فالغرب كله يتلهف للقراءة عن الإسلام! وانتظر النتائج من الملك ، فهو الذي يدبر أمر الكون.
فأريد أن أقول: إن ما يجري الآن أرجو الله أن يجعله بداية المفاصلة، وقد تكلمت عن المفاصلة! وتكلمت عن إقامة الفرقان كثيراً، ولا أملّ من التكرار، وبعض الإخوة يقولون: الشيخ يكرر كثيراً، فأقول: أنا أكرر -يا أخي! - لأن الله كرر في القرآن بعض القصص عدة مرات، وأنت كم تكرر الفاتحة في اليوم؟! فأنا لا أحب للإخوة الدعاة والمشايخ أن يستحوا من التكرار، بل كرر مرة واثنتين وثلاثاً وعشراً وعشرين.
فكم ذكرت إقامة الفرقان! وأنا أرى الآن أن الأمة تحتاج إلى أن تتمايز إلى فسطاطين؛ لأن الأمة الإسلامية تعيش بين التبعية والريادة، فلابد أن تتمايز الأمة إلى فسطاطين: فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه، فلابد من التمايز؛ لأن الغبش الذي نحن فيه لن ينصر ديناً، ولن ينصر قضية.
وأود أن أقول: إن الله ﵎ هو الذي يدبر أمر الكون، ولا يحدث شيء في الكون إلا بعلمه وأمره، وهذه الأحداث أرى فيها خيراً كبيراً وكثيراً وعظيماً للإسلام وللمسلمين، وأرى أن يبذل الإنسان المسلم الآن كل ما يملك، فإن كنت تستطيع أن تجاهد بنفسك فافعل، وإذا حيل بينك وبين الجهاد بنفسك فجاهد بمالك، وجاهد بلسانك.
стр. 675
أهمية الجهاد بالكلمة
أرى أن الجهاد بالكلمة في هذا الزمان من أخطر أنواع الجهاد وأعظمها؛ لأن الإعلام هو الذي يحرك العالم، فتكلم وانزع الإرجاف من قلوب المرضى، واملأ القلوب يقيناً، واملأ القلوب ثقة بالله، فمن منا جمع زوجته وأولاده وقعد معهم بالليل وبكى بينهم! ورفع أكف الضراعة بينهم؛ ليرفعوا خلفه أكف الضراعة، ودعوا الله أن ينصر المسلمين في أفغانستان وفي فلسطين؟! أكثرنا لم يعمل ذلك، وإنما نحن (شطار) في الكلام، وأساتذة غيبة، وأساتذة نميمة، وكأننا ليس لنا عمل إلا ذلك، إلا من رحم ربي، وهؤلاء -والله العظيم- قلة، وأما الأكثر فلا تراهم مشغولين بعبادة، ولا بطاعة، ولا بعلم، ولا بدعوة، وإنما هم في غيبة ونميمة طوال النهار، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فلو كنت تحمل هماً في قلبك فوالله العظيم! إن قلبك ليكاد أن يحترق، ولن تجلس مع زوجة ولا مع ولد إلا وأنت تذكِّر بهذه القضية، فإذا كنت معهم على الطعام فقل لهم: انظروا كيف نأكل في أمن وفي أمان! وتصوروا -يا أولاد- لو سقط في هذا الوقت صاروخ على بيتنا فحطمه! وتناثرت أشلاؤنا وسالت دماؤنا! إن هذا المشهد يحدث كثيراً في فلسطين وفي غيرها! فعلم الطفل هذا الكلام، وعلمه الولاء والبراء، واغرس فيه بغض اليهود والكفار والمشركين، فمن منا قام بالليل يبكي ويتضرع إلى الله؟! وقد تكلمنا عن الجهاد، ولكن الكلام عن الجهاد سهل، وقلة قليلة هي التي تصدق مع الله، فقم وصل وادع، ولا تستهن بالدعاء.
стр. 676
عظم شأن الدعاء
والله العظيم! لقد أخبرني أحد الإخوة في يوم الجمعة وقال لي: والله! يا شيخ محمد! لقد رأينا في الكعبة عجباً عجاباً! قال: كنا نطوف يوم الثلاثاء يوم أحد عشر حول الكعبة، وإذا برجل كبير السن، ذي لحية بيضاء، متعلق بأستار الكعبة وبكى، وارتفع صوته، وكأنما يتحدث بمكبر صوت! وصرخ وهو يقول: إله الحق! أرنا في أمريكا آية! إنها دعوة عجيبة! والله العظيم! إن الواحد ما زال يرتعش منها إلى الآن، وظل يرددها وبكى وصرخ، يقول: كل الناس في صحن الطواف سمعوا الدعوة، فالكل بكى وصرخ، وبعد ثلاث ساعات تقريباً تذيع الأخبار ما وقع في أمريكا! فلا تستهينوا بدعوة الضعيف الصادق؛ فإنها والله! سهم لا يُرد.
وأنا أعتقد أن ما وقع إنما هو استجابة من الله لدعوة المظلومين المقهورين الصادقين، ممن تحترق قلوبهم ولا يملكون أن يقدموا شيئاً، والله يعلم السر وأخفى، والنبي ﷺ قال: (من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه)، ومنزلة الشهادة منزلة عظيمة، فنريد أن نصدق.
стр. 677
أنواع الجهاد
الجهاد أنواع: جهاد بالمال، وجهاد بالكلمة، وجهاد بالتربية على عقيدة الولاء والبراء، وجهاد بغرس اليقين في قلوب الأفراد، فإذا كنت موظفاً أو طبيباً أو أستاذ جامعة فلديك فرصة، فاغرس اليقين، وجدد العقيدة والإيمان في قلوب أفراد الأمة، فما أحوج الأمة في هذا الظرف إلى أن تجدد يقينها وإيمانها وثقتها بربها ﵎!
стр. 678
المستقبل للإسلام
لا توجد قوة على وجه الأرض تستطيع أن تقضي على الإسلام؛ لأن الإسلام باق وسيبقى، وسيهلك الله كل من يحارب الإسلام، وسيبقي الله الإسلام شامخاً؛ لأن الذي وعد بإبقائه هو الله الحي الباقي الذي لا يموت .
وأختم المحاضرة بهذه الكلمات الجميلة، وهو خبر نشرته مجلة (التايم) الأمريكية: يقول -وهذه ترجمة حرفية-: وستشرق شمس الإسلام من جديد ولكنها في هذه المرة تعكس كل حقائق الجغرافيا، فهي في هذه المرة لا تشرق من الشرق، وإنما تشرق من الغرب من قلب أوروبا! تلك القارة العجوز التي بدأت المآذن فيها تزاحم أبراج الكنائس! في روما، ومدريد، ولندن، وباريس، وصوت الأذان كل يوم خمس مرات خير شاهد على أن الإسلام يكسب كل يوم أرضاً جديدة! وأقول: المسلمون اليوم في قلب أوروبا أكثر من خمسة وخمسين مليون مسلماً، وهذا عدد لا يستهان به على الإطلاق، وقد أصبحوا مثل اللقمة التي لا يستطاع بلعها ولا مضغها! وهذا تقدير إلهي.
اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، هازم الأحزاب، اللهم اهزم أحزاب الكفر، اللهم زلزل الأرض من تحت أقدامهم، اللهم شتت رميهم، اللهم شتت رميهم، اللهم شتت رميهم.
اللهم اقذف الرعب في قلوبهم، اللهم اقذف الرعب في قلوبهم، اللهم اقذف الرعب في قلوبهم.
اللهم احفظ إخواننا في أفغانستان، اللهم احفظ أهلنا في أفغانستان.
اللهم اربط على قلوبهم، اللهم اربط على قلوبهم، اللهم اربط على قلوبهم.
اللهم احفظهم بحفظك، واكلأهم بعينك، واحرسهم برعايتك.
اللهم إنهم ضعاف فقوهم، اللهم إنهم أذلاء فأعزهم، اللهم إنهم أذلاء فأعزهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم، اللهم إنهم جياع فأطعمهم، اللهم إنهم حفاة فاحملهم، اللهم إن أهل الأرض قد تجمعوا عليهم فكن لهم يا ملك! يا قدير! اللهم ارحم ضعفهم، واجبر كسرهم، واغفر ذنبهم، واستر عيبهم، وفرج كربهم.
اللهم اجعل الدائرة على عدوهم، اللهم اجعل الدائرة على عدوهم، اللهم اجعل الدائرة على عدوهم.
اللهم اجعل تدبير الأعداء تدميرهم، اللهم اجعل تدبير الأعداء تدميرهم.
اللهم احفظ أهلنا في فلسطين، اللهم احفظ أهلنا في فلسطين، اللهم عليك باليهود والأمريكان، اللهم عليك باليهود والبريطان، اللهم عليك بالروس والأمريكان، اللهم عليك بأعوانهم من أهل الكفر والنفاق يا قوي يا عزيز! اللهم ارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وتول أمرنا.
اللهم تول أمرنا، اللهم تول أمرنا، لا إله لنا سواك فندعوه، ولا رب لنا غيرك فنرجوه، يا منقذ الغرقى! يا منجي الهلكى! يا سامع كل نجوى! يا منقذ الغرقى! يا منقذ الغرقى! يا منجي الهلكى! يا منجي الهلكى! يا سامع كل نجوى! يا عظيم الإحسان! يا عظيم الإحسان! يا دائم المعروف! يا دائم المعروف! يا غياث المستغيثين! يا غياث المستغيثين! يا غياث المستغيثين! يا ودود يا ودود! يا ذا العرش المجيد! يا فعال لما يريد! يا من ملأ نوره أركان عرشه! أغث أمة حبيبك محمد، اللهم أغث أمة حبيبك محمد، اللهم فرج كربها، واكشف همها، وأزل غمها، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اشف صدور قوم مؤمنين، اللهم اشف صدور قوم مؤمنين، اللهم اشف صدور قوم مؤمنين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين! وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 679
من أحكام الصيام
الصيام عبادة عظيمة، يجب على العباد العناية والاهتمام بها، ومن رام ذلك فإن عليه أن يتفقه في أحكامها، فيعلم أركانها وواجباتها ومستحباتها، ويعمل بها ويحرص على أدائها، ويعلم أيضاً مبطلاتها ومحرماتها ومكروهاتها، وبذلك يكون قد أدى هذه العبادة كما أمره الله تعالى، ويرجى له الأجر بغير حساب كما وعد الله بذلك.
стр. 680
معنى الصيام وحكمه مشروعيته
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أحبتي في الله، وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال، وأن يجمعني وإياكم في الدنيا دائماً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد الدعاة، وإمام النبيين في جنته، ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أيها الأحبة! موضوعنا لهذا اليوم بإذن الله تعالى بعنوان: (من أحكام الصيام)، وسوف ينتظم حديثي في العناصر التالية: أولاً: معنى الصيام وحكمة مشروعيته.
ثانياً: أركان الصيام.
ثالثاً: مبطلات الصيام.
رابعاً: رخص الصيام وآدابه.
وأخيراً: أخطاءٌ في الصيام.
فأعيروني القلوب والأسماع، فإن هذا اللقاء يحتاجه كل مسلم ومسلمة.
стр. 681
تعريف الصيام لغة وشرعاً
أولاً: معنى الصيام وحكمة مشروعيته.
الصيام لغةً: هو الإمساك والكفُ عن الشيء، كما قال الله تعالى حكاية عن مريم ﵍: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم:٢٦] أي: إمساكاً عن الكلام.
والصيام شرعاً: الإمساك عن جميع المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع النية.
стр. 682
حِكَمُ مشروعية الصيام
حكم مشروعية الصيام كثيرة ولله الحمد والمنة، فما من عبادة شرعها الله لعباده إلا لحكمة بالغة، عَلِمَها من علمها، وجَهِلَها من جهلها، وليس جهلُنا للحكمة في عبادة من العبادات دليلاً على أنه لا وجود لها، بل هو دليلٌ على عجزنا نحن عن إدراك حكمة الله القائل: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥].
ومِنْ ثَمَّ فإن من أعظم حكم الصيام على الإطلاق كما أخبر مُشرِّع الصيام جل وعلا: أنه سبب لتقوى الله ، قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] فالصيام سبب لحصول التقوى، وهذه حكمة بالغة من حكمه العظيمة؛ ليتقي الصائم ربه جل وعلا.
والتقوى: هي وصية الله للأولين والآخرين من الخلق، وهي كما عرفها عبد الله بن مسعود ﵁: أن يطاع الله فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر.
وهي كما عرفها طلق بن حبيب بقوله: هي أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخاف عقاب الله.
ورحم الله من ترجم هذه المعاني الجليلة فقال: خل الذنوب صغيرها وكبيرها فهو التقى واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى فالتقوى من أعظم ما يترتب على الصيام: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).
والصيام يهيئ النفوس ويربيها على تقوى الله ؛ لأن أمر الصيام موكول ابتداءً وانتهاءً إلى نفس الصائم وضميره، إذ لا رقيب على الصائم إلا الله، ومن هنا يربي الصوم ملكة المراقبة في قلب الصائم لله جل وعلا، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
ومن حكم الصيام البالغة أن الصوم يربي النفس، ويكسر شهواتها، ويحد من كبريائها، فتخضع للحق وتلين للخلق.
ومن حكم الصيام أيضاً: تذكير الأغنياء الذين يرفلون في نعم الله جل وعلا أن لهم إخواناً لا يتضورون جوعاً في نهار رمضان فحسب، بل إنهم يتضورون جوعاً في كل يوم على مدار العام، بل ومنهم من يموت من شدة الجوع والعطش! ومن ثم يتحرك أصحاب القلوب الحية، والنفوس الأبية، للبذل والإنفاق والعطاء.
أما فوائد الصيام الصحية فحدث عنها ولا حرج، ولعله لا يجهلها مسلم ولا مسلمة ولله الحمد والمنة، فما أعظم حكمة الله وأبلغها! وصدق الله جل وعلا إذ يقول: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤].
стр. 683
أركان الصيام
ثانياً: أركان الصيام.
стр. 684
الإمساك عن جميع المفطرات
الركن الثانى: الإمساك عن جميع المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِن الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] والمراد بالخيط الأبيض والأسود: سواد الليل وبياض النهار، لما ورد في الصحيحين من حديث عدي بن حاتم أنه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة:١٨٧] الآية قال عدي: (عمدت إلى عقال أسود، وإلى عقال أبيض، وجعلتهما تحت وسادتي، وجعلت أنظر إليهما في الليل فلا يستبين لي شيء، فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بذلك، فضحك النبي ﵊ وقال: إن وسادك إذاً لعريض، إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار).
فالركن الثاني: أن تمسك عن الطعام والشراب، وعن جميع المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
الركن الثالث: هو الصائم نفسه، بشرط أن يكون مسلماً عاقلاً بالغاً قادراً على الصيام.
стр. 685
النية
أول ركن من أركان الصيام هو: النية، والنية عمل من أعمال القلوب لا تصح عبادة على الإطلاق إلا بها، قال الله سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة:٥].
وقال المصطفى ﷺ كما في الصحيحين من حديث عمر: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى).
ويرى جمهور الفقهاء وجوب تبييت النية من الليل لصيام الفريضة، بمعنى: أنه يجب على الصائم أن يبيت النية ويعقدها من الليل لصيام الفريضة.
واستدل جمهور الفقهاء على ذلك بالحديث الذي رواه أصحاب السنن بسند صحيح من حديث حفصة ﵂ أنه ﵌ قال: (من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له)، وهذا الحكم خاص بصيام الفريضة -أي: بصيام شهر رمضان، والنذر والقضاء ونحو ذلك- أما صيام النافلة فتجزئ فيه النية بليل أو بنهار ما دام الصائم لم يأكل شيئاً، والدليل على ذلك ما رواه الإمام مسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: دخل عليّ النبي ﷺ ذات يوم فقال: (هل عندكم شيء -أي: من الطعام؟ - فقلنا: لا.
فقال ﵊: فإني صائم) فصيام النافلة يجوز أن تعقد النية له من الليل ومن النهار، بشرط ألا تكون قد طعمت شيئاً.
أما صيام الفريضة فيجب عليك أن تعقد النية من الليل قبل الفجر.
وهنا سؤال ألا وهو: هل تكفي نية واحدة لصيام الشهر كله؟
الجواب
اختلف العلماء في ذلك على قولين: الأول للمالكية: حيث قالوا: إن نية واحدة في أول الشهر تكفي لصيام الشهر كله.
القول الثاني: وهو قول جمهور الفقهاء -وهو الراجح والله تعالى أعلم- أنه يجب على الصائم أن يبيت النية لكل يوم على حدة.
ولا يشترط في النية أن يتلفظ الصائم بها، ولو نسي التلفظ فلا يقال: إن صيامه غير صحيح؛ لأن النية محلها القلب كما قال الحبيب: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، فضلاً عن أن سحور الصائم نية، والحمد لله على تيسيره وامتنانه.
стр. 686
مبطلات الصيام
ثالثاً: مبطلات الصيام.
وهذه لمحات موجزة سريعة، وأبدأ بأشدها وأكبرها إثماً.
стр. 687
الحيض والنفاس
خامساً: من مبطلات الصيام الحيضُ والنفاس للنساء، فإذا رأت المرأة دم الحيض أو دم النفاس في نهار رمضان في أول اليوم أو في آخره حتى ولو قبل أذان المغرب بلحظات بطل صومها وفسد، ووجب عليها أن تفطر، ويجب عليها بعد ذلك القضاء بعد الطهر، والدليل على ذلك ما رواه الإمام مسلم من حديث عائشة ﵂ أنها سئلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟! فقالت عائشة: (كان يصيبنا ذلك، فكنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة).
فالحائض والنفساء إذا رأت دم الحيض أو دم النفاس -حتى ولو قبل الغروب بلحظات- وجب عليها أن تترك الصيام، وأن تفطر، وتقضي الأيام بعد الطهر، ولا حرج عليها ولا إثم؛ لأن حيضتها ليست بيدها كما أخبر النبي ﵊.
هذه هي أشهر مبطلات الصوم، والله تعالى أعلم.
стр. 688
الأكل والشرب عمداً
المبطل الثالث من مبطلات الصيام: الأكل والشرب عمداً، فمن أكل أو شرب متعمداً في نهار رمضان بطل صومه، وعليه الإثم، ووجب عليه القضاء دون الكفارة، أما من أكل أو شرب ناسياً فليتم صومه، وصيامه صحيح، لما ورد في الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه).
стр. 689
القيء عمداً
المبطل الرابع من مبطلات الصوم: القيء عمداً، وهو أن يضع الإنسان أصبعه في فمه ليخرج ما في بطنه، فإن تقيء الصائم عمداً بطل صومه، ووجب عليه القضاء، أما إن ذرعه القيء -أي: غلبه القيء- بغير رغبة منه ولا اختيار فليتم صومه، وصيامه صحيح، لما رواه أبو داود والترمذي وصحح الحديث الحاكم في المستدرك، وصححه أيضاً شيخ الإسلام ابن تيمية في حقيقة الصيام، وهو أنه ﵌ قال: (من استقاء عامداً فليقض، ومن ذرعه القيء -أي: ومن غلبه القيء- فلا قضاء عليه).
стр. 690
إنزال المني بشهوة
المبطل الثاني من مبطلات الصيام: إنزال المني بشهوة، أي: بغير جماع، فمن أنزل منيه بشهوة بدون جماع، عن طريق التقبيل أو المباشرة أو الملامسة أو الاستمناء باليد فهو آثم، وعليه القضاء دون الكفارة.
وبالمناسبة أود أن أقول: إن بعض الناس ربما يتحرجون من ذكر هذه الأحكام، وأنا أقول: عجباً! هل هناك على ظهر الأرض من هو أشد حياءً من رسول الله ﵌؟ كلا، لقد كان النبي ﷺ أشد حياءً من العذراء في خدرها، وهو المبين لنا هذه الأحكام، والموضح لنا هذه الأحكام، فواجب على كل مسلم ومسلمة أن يتعلم أحكام دينه ليعبد الله جل وعلا عبادة صحيحة راشدة، قالت عائشة ﵂: (رحم الله نساء الأنصار، لم يمنعهن حياؤهن من أن يتفقهن في الدين).
أقول: إذا أنزل الرجل منيه بشهوة من غير جماع بطل صومه، ووجب عليه القضاء دون الكفارة، إذ لم تثبت الكفارة إلا في الجماع، ومن قال بغير ذلك فلا دليل معه، والله تعالى أعلم.
ودعوني أشير إلى بعض النقاط السريعة المتعلقة بهذا المبطل الثاني، وهو إنزال المني بشهوة، فكثيراً ما أسأل من الشباب، إذا نام الشاب في نهار رمضان واحتلم فما حكم صومه؟ أقول: إن صيامه صحيح، فليغتسل وليتم صومه ولا شيء عليه؛ لأن الاحتلام بغير إرادة منه ولا اختيار.
أيضاً: ما حكم من جامع زوجته في الليل ولم يغتسل حتى أذن الفجر؟ أقول: إن صيامه صحيح، فليغتسل وليقم ليصلي صلاة الفجر، ولو أذن عليه الفجر وهو جنب من أهله فلا إثم عليه ولا حرج، لما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﵊ يدركه الفجر وهو جنب من جماع أهله، ثم يغتسل ويصوم).
ونقطة ثالثة: ما حكم من قبل زوجته أو باشرها ولم ينزل؟ نقول: إن صيامه صحيح، ولكن يخشى عليه أن يقع فيما وراء ذلك، فإن قبل الرجل أهله أو باشر زوجته بدون إنزال فصيامه صحيح؛ لما ورد في الصحيحين من حديث عائشة وأم سلمة ﵄ أن النبي ﵌ (كان يقبل ويباشر وهو صائم، إلا أنه كان أملككم لإربه).
стр. 691
الجماع في نهار رمضان
أول مبطلات الصيام: الجماع، فإن جامع الصائم زوجته في نهار رمضان بطل صومه، ووجب عليه القضاء والكفارة المغلظة، وهي: عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، وإن أفطر يوماً بين الشهرين وجب عليه أن يواصل وأن يستأنف الصيام من جديد مرة أخرى لتحصل له المتابعة، أما إن مر عليه في وسط الشهرين عذر شرعي، أو عذر حسي فلا حرج عليه أن يفطر، ثم يواصل الصيام، ولا يستأنف الصيام من جديد.
فإن مر عليه عذر شرعي كأيام العيدين -مثلاً- فحينئذ يجوز له أن يفطر وأن يواصل الصيام مرة أخرى، ولا يستأنف الصيام من جديد، وإن مر عليه عذر حسي كالمرض جاز له أن يفطر ثم يواصل الصيام مرة أخرى، ولا يستأنف الصيام من جديد.
واختلف العلماء في حكم الكفارة هل هي على الترتيب أم على التخيير؟ والراجح أن الكفارة على الترتيب، وهذا قول جمهور أهل العلم، واستدلوا على ذلك بما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ قال: (بينما نحن جلوس عند النبي ﵌ إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت! -وفي لفظ عن عائشة في الصحيح: قال: يارسول الله احترقت! - فقال النبي ﵊: مالك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم! فقال النبي ﵊: فهل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا.
قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا.
قال: فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟ قال: لا.
يقول أبو هريرة: فمكث النبي ﷺ ، وبينما نحن كذلك إذ أتي النبي ﷺ بعرق -أي: بمكتل فيه تمر- فقال النبي ﵊: أين السائل؟ -وفي لفظ عائشة: أين المحترق آنفاً؟ فقال: أنا يا رسول الله! فقال النبي ﵊: خذ هذا التمر وتصدق به.
فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله؟! فوالله ما بين لابتيها -أي: المدينة- أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي ﵊ حتى بدت نواجذه، وفي لفظ البخاري: حتى بدت أنيابه، ثم قال ﵊: خذ هذا فأطعمه أهلك).
والدليل من هذا الحديث: الترتيب في الكفارة، فجمهور الفقهاء يقولون: إن الكفارة على الترتيب لا على التخيير.
واختلف العلماء في حكم المرأة التي أكرهها زوجها على الجماع في نهار رمضان، والراجح -بدون تفريعات أقوال أهل العلم- أن المرأة التي يكرهها زوجها على الجماع في نهار رمضان يجب عليها القضاء فقط دون الكفارة؛ إذ لم يثبت دليل صحيح يلزمها بالكفارة في حالة الإكراه.
стр. 692
رخص الصيام وآدابه
رابعاً: رخص الصيام وآدابه.
هناك رخص عديدة امتن الله جل وعلا بها على العباد؛ رفعاً للحرج ودفعاً للمشقة، منها: ١ - أنه يجوز للصائم المريض أن يفطر في نهار رمضان، وكذا للمسافر الذي يشق عليه الصوم لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:١٨٥].
٢ - ومن الرخص أيضاً: أنه يجوز للصائم استخدام السواك في كل وقت: قبل الزوال وبعد الزوال، هذا هو القول الراجح والصحيح من أقوال أهل العلم، أما قول بعض أهل العلم بعدم جواز استخدام السواك للصائم بعد الزوال فلا دليل عليه، أما حديث علي المرفوع إلى النبي ﷺ أنه قال: (إذا صمتم فاستاكوا بالغداة، ولا تستاكوا بالعشي) رواه البيهقي والدارقطني، فهو حديث ضعيف جداً لا يحتج به.
فالسواك مشروع للصائم في كل وقت من نهار رمضان.
أما احتجاج بعضهم بقول النبي ﷺ : (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) فمن المعلوم لكل أحد أن رائحة الخلوف إنما تنبع من الجوف والبطن لا من الفم، فالسواك جائز للصائم في كل وقت من نهار رمضان، لاسيما في الأوقات الستة التي ورد النص بذكرها وتحديدها، وهي: عند الصلاة، والوضوء، وعند الاستيقاظ من النوم، ودخول المنزل، وعند قراءة القرآن، وعند تغير رائحة الفم.
هذه هي المواضع الستة التي ورد النص الصحيح أنه ﷺ كان يستاك فيها.
٣ - ومن رخص الصيام: أنه يجوز للصائم أن يغتسل بالماء البارد؛ ليذهب عن نفسه حدة الحر أو حدة العطش؛ لما ورد في الحديث الصحيح الذي رواه مالك وأبو داود أنه ﷺ (كان يصب الماء على رأسه وهو صائم من الحر أو من العطش).
٤ - ومن رخص الصيام أيضاً: أنه يجوز للصائم -إن احتاج- أن يضع دواء كالقطرة -مثلاً- في أذنه أو في عينه في نهار رمضان، فلا حرج عليه على الإطلاق، حتى ولو وجد طعم القطرة في حلقه؛ لأن هذا الدواء ليس بأكل ولا بشرب، ولا في معنى الأكل والشرب.
٥ - ومن رخص الصيام أيضاً: أنه يجوز للصائم الذي أصيب بمرض الربو أن يستخدم البخاخ في حالة أزمة تنفسه، وليتم صومه ولا حرج عليه ولا إثم؛ لأن هذا البخاخ ليس بطعام ولا شراب، ولا في معنى الطعام والشراب.
الحمد لله على تيسيره وفضله وامتنانه: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨].
стр. 693
آداب الصيام
أما عن آداب الصيام فنذكرها بإيجاز شديد: ١ - السحور؛ لما ورد في الصحيحين أنه ﵊ قال: (تسحروا فإن في السحور بركة)، ومن المستحب تأخير السحور لما ورد في الصحيحين من حديث أنس عن زيد بن ثابت ﵁ قال: (تسحرنا مع رسول الله ﷺ ثم قمنا إلى الصلاة -أي: إلى صلاة الفجر- فقال أنس بن مالك لـ زيد بن ثابت: كم كان بين الأذان والسحور؟ فقال زيد: قدر خمسين آية) أي: بين السحور وبين الأذان، فالمستحب أن يؤخر الصائم السحور.
والسحور يحصل بكثير الطعام وقليله، بل ولو بجرعة ماء.
٢ - تعجيل الفطر لقول النبي ﵊ كما في الصحيحين من حديث سهل بن سعد: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر).
ومن السنة أن يكون إفطار الصائم على رطب، فإن لم يجد فعلى التمر، فإن لم يجد فعلى الماء.
٣ - الدعاء، فإن كثيراً من الناس قد ينسى هذه السنة الطيبة، فإن للصائم دعوة لا ترد، فمن السنة أن يدعو الصائم عند إفطاره، ومن أصح ما ثبت عن النبي ﷺ في دعائه ما رواه أبو داود بسند حسن من حديث ابن عمر ﵄ أنه ﷺ (كان إذا أفطر يدعو الله ويقول: ذهب الظمأ وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله تعالى).
٤ - ومن آداب الصيام الواجبة لا المستحبة: ترك الغيبة والنميمة وقول الزور، فإذا صامت بطنك عن الطعام والشراب، وصام فرجك عن الشهوة؛ فلتصم جوارحك عن معصية الله ﵎، وهذه هي الحكمة -أصلاً- من مشروعية الصيام، لا أن يدع الإنسان طعامه وشرابه فقط، بل ليتربى الإنسان على كل فضيلة، وعلى كل خلق، فالغيبة والنميمة وقول الزور أعمال محرمة في كل وقت، وتزداد حرمتها في رمضان.
أما قول بعض أهل العلم: إن الغيبة والنميمة تفطران الصائم، واستدلالهم على ذلك بحديث رواه الإمام أحمد في ذكر المرأتين اللتين أفطرتا لأنهما أكلتا لحوم الناس، فإن الحديث ضعيف، ولا دليل على أن الغيبة والنميمة تفطر الصوم، ولكن تزداد حرمتها في رمضان.
هذه بعض آداب الصيام المستحبة والواجبة.
أسأل الله ﵎ أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله، وأولئك هم أولو الألباب، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 694
أخطاء في الصيام
стр. 695
جعل رمضان فرصة للنوم والخمول والكسل
وأخيراً: من أخطاء بعض الصائمين أنهم يحولون شهر رمضان إلى فرصة للنوم والخمول والكسل، فترى كثيراً منهم يقضي النهار كله أو معظمه نائماً، ويضيع صلاة الجماعة والعياذ بالله، ليس هذا هو المقصود من الصيام، بل إذا ذكرت أحدهم ربما يحتج عليك بدليل شرعي، فيقول لك: (نوم الصائم عبادة)، وهو حديث ضعيف لا يحتج به، ثم إنك لم تؤمر بالصيام لتنام، مع أنه لا حرج عليك أن تنام قسطاً وافياً يريح بدنك، ويعينك على أن تصوم وتقوم، أما أن تقضي النهار كله نائماً فلا.
هذه بعض أخطاء الصائمين، وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل منا وإياكم صيامنا وقيامنا إنه ولي ذلك والقادر عليه.
اللهم لا تجعلنا ممن صام وقام ولم يرضك، يا أرحم الراحمين! اللهم لا تجعلنا ممن صام وقام ولم يرضك، يا أرحم الراحمين! اللهم إنا وقفنا ببابك سائلين، ولمعروفك طالبين، فلا تردنا خائبين، برحمتك، يا أرحم الراحمين! اللهم إنا قد وفدنا إليك، ووقفنا بين يديك، فلا تجعلنا أخيب وفد وفد إليك، يا رب العالمين! اللهم اقبل منا الصيام والقيام والقرآن، برحمتك يا رب العالمين! اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
اللهم لا تدع لأحد منا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا ثبته، ولا حاجة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأعل بفضلك كلمة الحق والدين، واقبلنا وتقبل منا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، اللهم وفق حكام المسلمين لكل ما تحبه وترضاه، وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة التي تؤزهم إلى الخير أزاً يارب العالمين! هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 696
سوء الخلق في التعامل مع الناس
أيضاً من الأخطاء التي يقع فيها بعض أحبابنا الصائمين: أننا نرى من الصائمين من يخرج عن حدود اللياقة، فتراه في نهار رمضان فظاً غليظاً سيء الخلق، سيء التعامل مع الآخرين من الموظفين أو من الجمهور، فإذا كان مسئولاً وقيل له: لماذا تتصرف هكذا؟! يقول: إني صائم! سبحان الله العظيم! وهل الصوم يحضك على الفظاظة؟! وهل الصوم يأمرك بالقسوة والغلظة؟! وهل الصوم يعلمك سوء التعامل مع الآخرين؟! كلا.
إن الصيام مدرسة عظيمة للتربية على كل فضيلة، وعلى كل خلق، ويجب أن تكون دائماً وأبداً ذاكراً لأمر وحديث رسول الله ﵌: (والصيام جنة) أي: وقاية تقي الإنسان من كل شيء، من عذاب الله جل وعلا، بل ومن كل رذيلة في الدنيا: (الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم) متفق عليه، تذكر أنك صائم، ولا تحتج بالصيام على هذه الأفعال والأقوال النابية، وعلى هذه الأصوات العالية، وعلى هذه القسوة والفظاظة والغلظة، بل يجب أن يكون العكس، فإن الصيام يربي على الخلق والأدب، وعلى التواضع واللين والرحمة، وعلى كل فضيلة من فضائل الأخلاق.
стр. 697
الإسراف والتبذير في المأكل والمشرب
ثالثا: من الأخطاء التي يقع فيها بعض الصائمين، وهذا أمر ملفت للأنظار ومحزن في الوقت ذاته: الإسراف والتبذير في المآكل والمشارب، فما عليك إلا أن تنظر إلى سفرة لتجد عليها أصنافاً عديدة من ألوان الطعام والشراب، سبحان الله! هذا الأمر يخالف حكمة مشروعية الصيام أصلاً، ويزداد الإثم والذنب حين الانتهاء من الطعام بأكل القليل جداً، ثم تملأ سلة المهملات بما تبقى من الطعام والشراب، في الوقت الذي يموت فيه الآلاف من شدة الجوع والعطش ولا حول ولا قوة إلا بالله! ورحم الله من قال: إنكم تأكلون الأرطال، وتشربون الأفضال، وتنامون الليل ولو طال، وتدعون أنكم أبطال!! هيهات هيهات! نأكل ملء بطوننا، ونشرب ملء بطوننا، ونضحك ملء أفواهنا، وننام ملء جفوننا، وندعي أنه إن لم ندخل الجنة نحن فمن يدخلها؟! ما أقل حياء من طمع في جنة الله ولم يعمل بطاعة الله!! إن سلف الأمة رضوان الله عليهم كانوا يصومون النهار، ويقومون الليل، وتورمت أقدامهم من القيام بين يدي الله جل وعلا، وبالرغم من ذلك كانوا يبكون ويرتعدون كعصفور مبلل بماء المطر خوفاً من لقاء الله جل وعلا.
ها هو فاروق الأمة عمر رضوان الله عليه يدخل عليه ابن عباس -كما في صحيح البخاري - وهو على فراش الموت، فيجد فاروق الأمة يبكي خوفاً ووجلاً، ويقول: (والله إني لأرجو أن أخرج من الدنيا كفافاً لا لي ولا علي) فاروق الأمة يقول هذا! فينبغي ألا نسرف في المأكل والمشرب، وأقصد من هذا الاعتدال، فأنا لا أحرم طيبات ما أحل الله لعباده، بل أقصد بهذه الفقرة الاعتدال، فإننا أمة وسط، يجب علينا أن نكون وسطاً في كل شيء، والرسول ﷺ ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، فيجب علينا أن نكون معتدلين، وأن نكون وسطاً في المآكل والمشارب، استلذ بطيبات الله ﵎، وبما أحل الله لك، لكن من غير سرف ولا تبذير، فإن الإسراف حرام.
стр. 698
الجد في أول الشهر والتكاسل في آخره
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وصحبه وسلم.
أخيراً: أخطاء في الصيام.
لا ريب أن الصائمين من أفضل عباد الله، ولكنْ هناك بعضُ الأخطاء يقع فيها بعضُ الصائمين نذكر بها: منها: أن بعض الصائمين يقبل على العبادة في أول الشهر إقبالاً طيباً، فيحرص على الصلوات في جماعة، ويحرص على صلاة الفجر، ويحرص على قراءة القرآن، ويحرص على الاستغفار، ويحرص على أن يكون وديعاً رقيقاً لطيفاً، فإذا ما انقضت الأيام الأول من الشهر تكاسل -والعياذ بالله- عن هذه العبادات، وعن هذه الأعمال والطاعات، وعن هذا الخير كله.
تذكر أيها الصائم الحبيب قول النبي ﵊ في الصحيحين من حديث عائشة: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل)، فإن كنت ممن مَنَّ الله عليك بعبادة من العبادات في أول الشهر، فإياك أن تضيع هذه العبادة؛ لأن النبي ﵊ يقول كما في صحيح البخاري: (إنما الأعمال بالخواتيم)، إن مَنَّ الله عليك في أول الشهر بالحرص على صلاة الفجر في جماعة، وأداء الصلوات كلها مع الجماعة، وقراءة القرآن والذكر والاستغفار، والصدقة والبذل والجود والعطاء، فلا تبخل ولا تتوانى ولا تتكاسل، واعلم أن الأعمال بالخواتيم، أسأل الله جل وعلا أن يرزقني وإياكم حسن الخاتمة.
стр. 699
واعبد ربك حتى يأتيك اليقين
كثير من المسلمين يقبلون على العبادة في رمضان، فإذا ولى رمضان تولوا عن العبادة، وكأن رب رمضان غير رب شوال!! والعبادة هي الغاية من الخلق، فيجب على المسلم أن يلزمها حتى يلقى ربه.
стр. 700
انتهى رمضان وبقي الرحيم الرحمن
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الفضلاء، وأيتها الأخوات الفاضلات، وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار مقامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] هذا هو عنوان لقائنا مع حضراتكم في أول لقاء لنا بعد رمضان.
وسأرتب الحديث مع حضراتكم بإذن الله تعالى في هذا الموضوع المهم في العناصر التالية: أولاً: انتهى رمضان وبقي الرحيم الرحمن.
ثانياً: حقيقة العبادة.
ثالثاً: لا تفارق العبادة حتى تلقى الله.
وأخيراً: أليس الله أهلاً لأن يعبد؟ فأعيروني القلوب والأسماع جيداً، والله أسأل أن يتقبل منا ومنكم جميعاً صالح الأعمال، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٨].
أولاً: انتهى رمضان وبقي الرحيم الرحمن.
أحبتي الكرام! لقد انتهى شهر رمضان، ربح فيه من ربح، وخسر فيه من خسر، وقبل فيه من قبل، وطرد فيه من طرد، فيا ترى من المقبول لنهنئه؟! ومن المطرود لنعزيه؟! نسأل الله أن يجعلنا جميعاً من المقبولين.
انتهى هذا الشهر بأنفاسه الخاشعة الزاكية، لكن الذي يؤلم القلب أننا نرى إعراضاً وفتوراً عن كثير من الطاعات بعد انقضاء رمضان، فإن كثيراً من المسلمين لا ينطلقون للعبادة إلا في رمضان، ومع أول فجر من شهر شوال ترى كثيراً منهم قد تفلت من عبادة الكبير المتعال وكأنه يعبد رمضان لا يعبد رب رمضان! وأود دوماً في مثل هذا اللقاء الأول بعد رمضان أن أذكر بأن قضية العبادة لله تبارك تعالى ليست قضية هامشية ولا موسمية، ولكنها القضية الأولى التي من أجلها خلق الله السماوات والأرض والجنة والنار، وأرسل من أجلها الرسل، وأنزل لأجلها الكتب، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨]، لا شك أن الله قد اختص رمضان بكثير من رحماته وبركاته، فأنت ترى الناس في رمضان يقبلون على الطاعة بأريحية عجيبة وسهولة كبيرة؛ وذلك بفضل الله ابتداء، ولبركة الاجتماع في الطاعة انتهاء.
فيا عين جودي بالدموع وودعي شهر الصيام تشوقاً وحناناً قد كان شهراً طيباً ومباركاً ومبشراً بالعفو من مولانا شهر يستجيب الله فيه لمن دعا ودليلنا قد جاءنا قرآنا شهر به الرحمن يفتح جنة للصائمين ويغلق النيرانا مرت لياليه الجميلة مسرعة كفيض يحمل رحمة وحنانا لله يا شهر التقى لا تنسنا واذكر لربك خوفنا ورجانا أيها الإخوة! أنا لا أنكر أن الله قد اختص رمضان بكثير من رحماته وبركاته، لكن الذي يؤلم القلب أن كثيراً من المسلمين يتخلى عن كثير من الثوابت الإيمانية بعد رمضان، فإن انتهى رمضان فقد بقي الرحيم الرحمن ﷻ ، وقد فرض العبادة على الموحدين في رمضان وفي غير رمضان، ومن ثم اخترت هذا العنوان: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] فما هي العبادة؟ وما حقيقة العبادة؟ هذا هو عنصرنا الثاني بإيجاز بعد هذه المقدمة المختصرة.
стр. 701
حقيقة العبادة
العبادة معناها في اللغة: الذل، يقال: طريق معبد، أي: طريق مذلل قد وطأته الأقدام، ولكن العبادة التي أمرنا بها تتضمن إلى معنى الذل معنى الحب، فمن خضع لله ﵎ بغير حب فليس عابداً لله، ومن ادعى أنه يحب الله دون استسلام لأمره ونهيه فليس عابداً لله، بل العبادة هي: كمال الحب لله مع كمال الذل لله جل وعلا، وهي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة كالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وبر الوالدين، والإحسان إلى الجيران، والإحسان إلى الفقراء والمساكين، ودروس العلم، والدعوة إلى الله، والتوكل على الله، والصبر لحكم الله، والشكر لله، والخوف من الله، والرجاء، والتفويض، والتوكل، والاستغاثة، والاستعانة، والإنابة، والابتسامة، والعمل الصادق، كل هذا من العبادة.
فالعبادة تسع الحياة كلها إن صحت النية، وكان العمل موافقاً لهدي سيد البشرية، ومن أعظم الأدلة النبوية على هذه الرحمة الندية ما رواه مسلم من حديث أبي ذر ﵁: (أن أناساً جاءوا إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله! ذهب أهل الثور بالأجور -أهل الدثور هم أصحاب الأموال-، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم -أي: بما زاد من أموالهم-، فقال النبي ﵊: أوليس الله قد جعل لكم ما تصدقون به؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة -أي: في جماع الرجل امرأته صدقة-، قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته فيكون له فيها أجر؟! قال: أرأيتم لو وضعها في الحرام، أيكون عليه وزر؟ قالوا: بلى، قال: فإن وضعها في الحلال فله فيها أجر).
فالعبادة ليست أمراً على هامش الحياة، بل تسع العبادة الحياة كلها إن صحت النية، وكان العمل موافقاً لهدي سيد البشرية ﷺ ، فلا تفهم العبادة فهماً جزئياً قاصراً، ولا ينبغي أن نصرف العبادة لله تعالى في شهر دون شهر، وفي زمان دون زمان، بل مقتضى العبودية لله تعالى أن يقول الرب ﷻ : أمرت ونهيت، وأن يقول العبد المؤمن: سمعت وأطعت، هذا مقتضى العبودية، وهذا شعار المؤمن في أي أرض وتحت أي سماء وفي أي زمان: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥]، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥١ - ٥٢].
أما شعار المنافقين: فهو السمع والعصيان، هو السمع والأعراض، هو الصد عن دين الله وعن عبادته جل وعلا، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء:٦٠ - ٦١]، فمقتضى الإيمان: أن يسلم المؤمن قلبه وعقله وحياته للمصطفى؛ ليقوده إلى سعادة الدارين بوحي الله المعصوم: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٣ - ٥].
فالمؤمن الصادق ممتثل للأمر، مجتنب للنهي، وقاف عند الحدود في رمضان وفي غير رمضان؛ لأنه يمتثل أمر الله لنبيه: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]، وهذا هو عنصرنا الثالث: لا تفارق العبادة حتى يأتيك اليقين، أي: حتى تلقى الله.
стр. 702
لا تفارق العبادة حتى تلقى الله
المؤمن يعبد الله حتى يلقى الله وهو على عبادة، وقد فسر النبي ﷺ اليقين بالموت كما في صحيح البخاري في قصة موت عثمان بن مظعون ﵁، وعثمان بن مظعون ممن شهد بدراً، والنبي ﷺ يقول: (لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، وهو أول من لقب بالسلف الصالح، وكان من الزهاد العباد، وثبت في رواية في سندها ضعف: (أن عثمان بن مظعون لما مات ذهب إليه المصطفى فقبله بين عينيه، وبكى حتى سالت دموع رسول الله ﷺ على خدي عثمان بن مظعون ﵁، هذا الصحابي الجليل المبارك (لما مات قالت امرأة من الأنصار يقال لها أم العلاء: رحمة الله عليك أبا السائب -تقصد عثمان بن مظعون - شهادتي عليك أن الله أكرمك، فقال لها المصطفى ﷺ : وما يدريك أن الله أكرمه؟ فقالت أم العلاء: سبحان الله! فمن يا رسول الله؟! -أي: فمن هذا الذي سيكرمه الله إن لم يكرم الله عثمان بن مظعون؟! - فقال المصطفى ﷺ : أما هو فقد جاءه اليقين -يعني: الموت- وإني لأجو له الخير، ثم قال المصطفى: والله ما أدري -وأنا رسول الله- ما يفعل بي ولا بكم!).
يا من غرتك عبادتك! ويا من غرتك طاعتك! ويا من ملأ قلبك العجب والكبر! ويا من غرك علمك! هاهو رسول الله أعرف الناس بالله، وأخشى الناس لله، وأتقى الناس لله، الذي غفر له مولاه ما تقدم من ذنبه وما تأخر يقول: (والله ما أدري -وأنا رسول الله- ما يفعل بي ولا بكم)، اللهم ارزقنا حسن الخاتمة يا أرحم الراحمين.
فاليقين هو الموت، فأنت مأمور أيها الموحد لله جل وعلا، وأيتها الموحدة لله جل وعلا؛ نحن مأمورون بأمر الله لنبيه أن نعبد الله ﷻ حتى يأتينا اليقين، حتى يأتينا الموت ونحن على عبادة وطاعة لرب العالمين.
قالت عائشة ﵂ كما في صحيح مسلم: (كان رسول الله ﷺ إذا عمل عملاً أثبته) أي: داوم عليه وحافظ عليه.
وفي الصحيحين من حديث عائشة مرفوعاً: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل).
وفي صحيح مسلم من حديث أبي عمرة سفيان بن عبد الله قال: (يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك؟ فقال له المصطفى ﷺ : قل: آمنت بالله ثم استقم).
استقم أيها الموحد لله استقم على العبادة استقم على الطاعة، لا ينبغي أن يروغ المؤمن روغان الثعالب، إن المؤمن مستقيم ثابت على طاعة الله، حتى ولو زلت قدمه بالمعصية، فإنه سرعان ما يجدد الأوبة والتوبة إلى الله جل وعلا: (قل: آمنت بالله ثم استقم)، وفي رواية الترمذي وأحمد: (قال: حدثني بأمر أعتصم به؟ قال: قل: ربي الله ثم استقم، قال: فما أخوف ما تخاف علي يا رسول الله؟ فأخذ رسول الله ﷺ بلسان نفسه، وقال: أخوف ما أخاف عليك هذا، وأشار المصطفى ﷺ إلى لسانه).
فاستقم على طاعة الله، واعلم بأن الاستقامة على عبادة الله جل وعلا فضلها عظيم في الدنيا قبل الآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٢].
(إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) على منهج الله على العبادة على الطاعة، (تتنزل عليهم الملائكة) متى؟ قال مجاهد وزيد بن أسلم: تتنزل عليهم الملائكة وهم على فراش الموت، في لحظات السكرات والكربات، في لحظات شديدة قاسية، تألم منها نبينا المصطفى نفسه، حتى قالت الصديقة بنت الصديق: والله لا أكره شدة الموت لأحد بعدما رأيت رسول الله.
في هذه اللحظات تتنزل الملائكة على أهل الاستقامة، على أهل العبادة والطاعة بهذه البشارة الكريمة: (أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) من أنتم يا أصحاب هذه البشارة؟ سيأتي
الجواب
( نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا) أي: في الجنة، (مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ) أي: ما تريدون وما تطلبون، (نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) أي: ضيافة وإنعاماً وإكراماً من الله ﷻ .
قال ابن عباس وقتادة وابن أبي حاتم: تتنزل الملائكة على أهل الإيمان والاستقامة عند الخروج من القبور يوم البعث والنشور، في يوم الفضيحة الكبرى، نسأل الله أن يسترنا في الدنيا والآخرة، يوم يقوم الناس جميعاً إلى القبور حفاة عراة غرلاً، فإذا خرج أهل الاستقامة على طاعة الله وعبادة الله من القبور تلقتهم ملائكة العزيز الغفور بهذه البشارة الكريمة: (أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) * (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ) * (نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ).
ولا تعارض في الجمع بين القولين: فالملائكة تتنزل بالبشارة على أهل الاستقامة، على أهل الطاعة إذا ناموا على فراش الموت، وإذا خرجوا من القبور مرة أخرى، ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧].
لا تفارق العبادة حتى تلقى الله جل وعلا، ولو علم الواحد منا أن الموت لا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل لظل في طاعة الله وفي عبادة الله حتى يأتيه هذا الغائب الذي لا علم لأحد بقدومه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:٣٤].
والله لا أعلم يقيناً هو أشبه بالشك من الموت لعدم استعدادنا له.
هل من المسلمين أحد أو من المسلمات إلا والكل يعلم أنه سيموت؟ الموت حق لا مراء فيه ولا شك، ولكن من من المسلمين استعد لهذا اليقين بالطاعة والعبادة؟ لو جاء ملك الموت لأحدنا الآن فهل هو على استعداد بعمله الذي هو عليه للقاء الله؟ كان السلف رضوان الله عليهم إذا جاء أحدهم ملك الموت ربما لا يجد عنده من الطاعة ما يزيد؛ لأنه ممتثل للأمر، مجتنب للنهي، منتظر للقاء الرب ﷻ في أي لحظة من اللحظات! فاعبد الله حتى يأتيك اليقين، حتى يأتيك الموت، وإذا كنت لا تدري متى سيأتيك الموت فاجعل كل أنفاسك طاعة لله، واجعل كل حياتك وحركاتك وسكناتك عبادة لله، وامتثالاً لأمره جل في علاه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣].
ولله در القائل: أيا عبد كم يراك الله عاصياً حريصاً على الدنيا وللموت ناسيا أنسيت لقاء الله واللحد والثرى ويوماً عبوساً تشيب فيه النواصيا لو أن المرء لم يلبس ثياباً من التقى تجرد عرياناً ولو كان كاسيا ولو أن الدنيا تدوم لأهلها لكان رسول الله حياً وباقيا ولكنها تفنى ويفنى نعيمها وتبقى الذنوب والمعاصي كما هي ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:١٩ - ٢٢].
(وجاءت سكرة الموت بالحق) والحق: أنك تموت والله حي لا يموت، (وجاءت سكرة الموت بالحق) والحق: أن ترى عند موتك ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب، (وجاءت سكرة الموت بالحق) والحق: أن يكون قبرك روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران، (ذلك ما كنت منه تحيد) أي: تجري وتهرب وتفر.
تحيد إلى الطبيب إذا جاءك المرض، وتحيد إلى الطعام إذا أحسست بالجوع، وتحيد إلى الشراب إذا أحسست بالظمأ، ولكن ثم ماذا أيها القوي الفتي! أيها الذكي العبقري! يا أيها الوزير! ويا أيها الأمير! ويا أيها الصغير! ويا أيها الفقير؟! كل باك فسيبكى وكل ناع فسينعى وكل مدخور سيفنى وكل مذكور سينسى ليس غير الله يبقى من علا فالله أعلى أيها الغافل! أيها اللاهي! أيها الساهي! يا من تركت القرآن بعد رمضان! يا من تركت الصلاة في جماعة بعد رمضان! يا من تحللت من الأوامر بعد رمضان! يا من تخليت عن الحساب بعد رمضان! يا من ضيعت قيام الليل بعد رمضان! يا من تركت الأذكار! يا من تخليت عن الصدقة في سبيل العزيز الغفار! (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ).
دع عنك ما قد فات في زمن الصبا واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب لم ينسه الملكان حين نسيته بل أثبتاه وأنت لاه تلعب والروح منك وديعة أودعتها ستردها بالرغم منك وتسلب وغرور دنياك التي تسعى لها دار حقيقتها متاع يذهب الليل ف
стр. 703
أليس الله أهلاً لأن يعبد ؟
أليس الله أهلاً لأن يعبد؟! أليس الله أهلاً لأن يوحد؟! أليس الله أهلاً لأن يمجد؟! أليس الله أهلاً لأن يطاع؟! أليس الله أهلاً لأن نستحيي منه؟! أليس الله أهلاً لأن نراقبه؟! أليس الله أهلاً لأن نمتثل أمره ونجتنب نهيه ونقف عند حدوده على الدوام حتى نلقاه؟! هذا هو عنصرنا الرابع: أليس الله أهلاً لأن يعبد؟ أيها الجاحد بعبادة الله! أيها المنحرف عن أوامر الله! أيها البعيد عن طاعة الله! هل أحسن إليك بشر من الخلق وأنكرت إحسانه؟ بل تظل تعترف له طوال حياتك بالإحسان، فمن الذي أحسن إليك وأنت في العدم؟! ومن الذي أحسن إليك الآن؟! ومن الذي سيحسن إليك في الآخرة؟! من صاحب الإحسان؟! من صاحب النعم؟! من صاحب الفضل؟! من صاحب الكرم؟! من صاحب الجود؟! من الذي خلقنا من العدم وصورنا في أحسن صورة؟! من الذي أنزل علينا القرآن؟! من الذي بعث لنا محمداً ﵊؟! من الذي خلقنا موحدين وجعلنا من أمة سيد المرسلين؟! من الذي خلق لنا الكون وأمده بهذه النعم التي لا تعد ولا تحصى؟! من الذي خلقك في أحسن صورة؟! نظرك في نفسك يكفيك دليلاً على أن الذي يستحق أن يعبد على الدوام هو الله، ونظرك في الكون من حولك يكفيك دليلاً على أن الذي يستحق العبادة على الدوام هو الله، فالله أهل لأن يعبد، الله أهل لأن يوحد لذاته ﷻ (إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)، فوالله ما قدرنا الله حق قدره، والله ما قدرنا الله حق قدره، والله ما قدرنا الله حق قدره.
جاء حبر من أحبار اليهود للمصطفى -والحديث في صحيح مسلم - فقال: (يا محمد! إنا نجد مكتوباً عندنا في التوراة: أن الله تعالى يجعل السماوات على إصبع، والأراضين على إصبع، والماء والثرى على إصبع، والشجر على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، ثم يهزهن ويقول: أنا الملك، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، وقرأ النبي ﷺ قوله جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]).
لله في الآفاق آيات لعل أقلها هو ما إليه هداك ولعل ما في النفس من آياته عجب عجاب لو ترى عيناك الكون مشحون بآيات إذا حاولت تفسيراً لها أعياك قل للطبيب تخطفته يد الردى يا شافي الأمراض من أرداك قل للمريض نجا وعوفي بعدما عجزت فنون الطب من عافاك قل للصحيح يموت لا من علة من بالمنايا يا صحيح دهاك قل للبصير وكان يحذر حفرة فهوى بها من ذا الذي أهواك بل سائل الأعمى خطا وسط الزحام بلا اصطدام من يقود خطاك قل للجنين يعيش معزولاً بلا راع ومرعى ما الذي يرعاك قل للوليد بكى وأجهش بالبكاء لدى الولادة ما الذي أبكاك وإذا ترى الثعبان ينفث سمه فاسأله من ذا بالسموم حشاك واسأله كيف تعيش يا ثعبان أو تحيا وهذا السم يملأ فاك واسأل بطون النحل كيف تقاطرت شهداً وقل للشهد من حلاك بل سائل اللبن المصفى كان بين دم وفرث من ذا الذي صفاك وإذا رأيت النخل مشقوق النوى فاسأله من يا نخل شق نواك وإذا رأيت النار شب لهيبها فاسأل لهيب النار من أوراك وإذا ترى الجبل الأشم مناطحاً قمم السحاب فسله من أرساك وإذا رأيت البدر يسري ناشراً أنواره فاسأله من أسراك لله في الآفاق آيات لعل أقلها هو ما إليه هداك ولعل ما في النفس من آياته عجب عجاب لو ترى عيناك الكون مشحون بآيات إذا حاولت تفسيراً لها أعياك من الذي يستحق أن يعبد؟! الله اسم لصاحبه كل كمال، الله اسم لصاحبه كل جمال، الله اسم لصاحبه كل جمال، الله هو الاسم الذي تستجاب به الدعوات، الله هو الاسم الذي تستنزل به الرحمات، الله هو الاسم الذي تقال به العثرات، الله هو الاسم الذي من أجله قامت الأرض والسماوات، الله هو الاسم الذي من أجله.
أنزل الكتب وأرسل الرسل.
الله اسم ما ذكر في قليل إلا كثره، الله اسم ما ذكر عند خوف إلا أمنه، الله اسم ما ذكر عند كرب إلا كشفه، وما ذكر عند بطش إلا أزاله.
الله هو الذي يستحق أن يعبد وحده، وأن يمتثل لشرعه وحده، وأن يسمع له وحده، وأن يطاع وحده، وأن يراقب وحده، وأن يتوكل عليه وحده، وأن يحلف به وحده، وأن يستغاث به وحده، وأن يلجأ إليه وحده، وأن يفوض إليه وحده، وأن يسأل وحده، أئله مع الله؟! أئله مع الله؟! أئله مع الله؟! ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء:٤٤]، فالذي يستحق أن يعبد وحده هو الله ﷻ ، لا في رمضان فقط، بل على الدوام حتى نلقاه.
أسأل الله أن يختم لنا ولكم برضاه، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 704
العبادة غاية
الحمد لله وحده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! لا بد أن نعلم أن المنهج التعبدي من صيام وقرآن وصلاة وذكر وإنفاق وقيام لليل؛ إنما هو للوصول إلى هذا المنهج العقدي الإيماني.
فالعبادة -أيها الأحبة- غاية من أجلها خلق الله الخلق: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، الهدف من هذه الغاية وهذا المنهج من صلاة وصيام وزكاة وحج؛ أن يرتقي المؤمن بهذا المنهج التعبدي إلى المنهج العقدي الإيماني، فنحن لا نريد أن نتعبد بعيداً عن هذا المنهج الإيماني العقدي؛ لأننا نريد للأمة الآن أن ترتقي بعبادتها هذه إلى المرتبة التي تكون بها أهلاً لنصر الله، فكم من مصل يصلي، وكم من صائم يصوم، وكم من قارئ للقرآن يتلو، وكم من قائم لليل يقوم، لكن لماذا منع الله النصرة عن الأمة؟! لماذا منع الله العزة عن الأمة؟! لماذا لم يمكن الله للأمة في الأرض ولم يستخلفها إلى الآن، مع أننا نرى المصلين والقارئين والمنفقين؟! أقول: أريد أن نرتقي بهذا المنهج التعبدي إلى المنهج العقدي الإيماني الذي نحقق به حقيقة الإيمان لنكون أهلاً للنصرة والعزة والاستخلاف والتمكين، قال الله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]، ولم يقل: نصر المصلين، ولا المتصدقين، فلا بد أن تورثك الصلاة حقيقة الإيمان، لا بد أن يرفعك هذا المنهج التعبدي إلى الإيمان الحق.
فلنرب أنفسنا وأولادنا وبناتنا ونساءنا على هذا المنهج، التعبد من أجل أن نحقق الإيمان: نصوم، ونصلي، ونقرأ القرآن، ونقوم الليل إلى آخر أفراد المنهج التعبدي لنحقق الإيمان، لنكون أهلاً لنصرة الرحمن، لنكون أهلاً للعزة والاستخلاف والتمكين.
أيها المصلي! لا تخرج من المسجد لتضع المنهج التعبدي الذي كنت عليه في بيت الله على عتبة بيت الله، فتكون في العمل والتجارة إنساناً آخر يختلف اختلافاً كلياً عما كنت عليه في المسجد، هذا هو حال كثير من المسلمين الآن، يصلي، ويصوم، ويخرج لأداء العمرة في رمضان، ولربما يسافر للحج، ولكنه قد أغلق الجانب التعبدي على نفسه، فإذا انطلق إلى الحياة الفسيحة الواسعة الرحبة يتفلت من أوامر هذا المنهج التعبدي الذي ألزم به نفسه داخل بيوت الله ﵎: فترى امرأته متبرجة، وترى بناته متبرجات، وتراه يتعامل بالربا، وتراه يأكل الحرام، وتراه يسيء إلى الوالدين، وتراه يسيء إلى مرءوسيه أو إلى موظفيه، وتراه يؤذي جيرانه، وتراه يتورع عن أكل الحلال الطيب وهو صائم ولا يتورع عن أكل لحوم إخوانه وأخواته في الليل والنهار.
لا يمكّن الله لنا ونحن على هذه الحال أبداً، بل لا بد أن نعلم أن هذا المنهج التعبدي بأفراده وجزئياته هو لنحقق الإيمان الحق، فرب ولدك، ورب امرأتك، ورب نفسك بهذا المنهج التعبدي؛ لتصل إلى حقيقة الإيمان، لتحقق الإيمان، فالإيمان ليس كلمة تقال باللسان فحسب، ولكنه: قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان.
ووالله لن نحقق نصرة أو عزة أو استخلافاً أو تمكيناًَ إلا إن حققنا الإيمان؛ لأن الله وعد بكل ذلك لمن حققوا الإيمان: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨]، ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥].
هذا المنهج لا يجوز لك البتة أن تتخلى عنه حتى تلقى الله: الصلاة في جماعة الورد اليومي القرآن قيام الليل قيام الليل هو المدرسة التي أغلقتها الأمة فذلت، وخرجت منها الأمة فهانت.
أقول: كم من المسلمين يتركون قيام الليل، أقول هذا وأنا أعي تمام الوعي أن كثيراً من المسلمين الآن لا يصلون الفجر، أسقطوا فريضة من فرائض الله مع الإصرار، يضبط المسلم ساعة الوقت على وقت العمل ويسقط صلاة الفجر! النبي ﷺ يقول -كما في سنن الترمذي بسند صحيح من حديث بريدة -: (من ترك صلاة واحدة متعمداً فقد برئت منه ذمة الله)، مع سبق الإصرار والترصد يسقط صلاة الفجر.
حافظ على الصلاة في جماعة قراءة القرآن قيام الليل تجديد التوبة المحافظة على الأذكار المحافظة على الأوراد اليومية المداومة على الذكر والاستغفار الحرص على البذل والإنفاق التذكير للنفس الأمارة بالسوء دوماً على أنك عبد لله كما كنت تذكرها وأنت صائم: اللهم إني صائم، اللهم إني صائم، فلتذكرها الآن: اللهم إني عبد لله، اللهم إني عبد لك فأعني، اللهم إني عبد لك فأعني، فكن دوماً على طاعة، وإن زلت قدمك لبشريتك فما عليك إلا أن تجذب ثيابك من بين أشواك المعاصي والذنوب، وأن تطهرها بدموع الأوبة والتوبة والندم، وأنت على يقين مطلق أن الله جل وعلا سيفرح بتوبتك وهو الغني عنك.
هذا هو حال المؤمن دوماً حتى يلقى الله وهو ممتثل لأمره: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩].
اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع الكريم ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ميتاً لنا إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا زدته وثبته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين.
اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً.
اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى.
اللهم إني أسألك ألا تخرجنا اليوم من هذا المكان جميعاً إلا بذنب مغفور، وسعي مشكور، وتجارة لن تبور، برحمتك يا عزيز يا غفور.
اللهم تقبل منا صالح الأعمال، واغفر لنا ذنوبنا، واستر علينا عيوبنا، وكفر عنا سيئاتنا، وتوفنا مع الأبرار.
اللهم إنا نسألك جميعاً أن تذيقنا جميعاً برد عفوك، وحلاوة مغفرتك، ولذة النظر إلى وجهك الكريم.
اللهم كما آمنا بالمصطفى ولم نره فلا تفرق بيننا وبينه حتى تدخلنا مدخله، وأوردنا حوضه الأصفى، واسقنا منه شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبداً يا أرحم الراحمين.
اللهم إني أسألك أن تنصر الإسلام وتعز المسلمين، اللهم انصر إخواننا في فلسطين، وفي الشيشان، وفي الفلبين، وفي كشمير، وفي كل مكان.
اللهم إني أسألك أن تجعل مصر واحة للأمن والأمان وجميع بلاد المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
أحبتي في الله! هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويلقى به في جهنم، ثم أعوذ به أن أذكركم به وأنساه.
ولا أنسى أن أذكر أحبابي وإخواني بإخراج الحق الذي عليهم لله ﵎ لهذا المسجد الطيب المبارك؛ وذلك للدعوة، ولطبع بعض الكتيبات الهادفة النافعة إن شاء الله .
نسأل الله أن يجعل المال في أيدينا لا في قلوبنا، إنه ولي ذلك ومولاه، وأقم الصلاة.
стр. 705
وهذا حق اليقين
كم هي الأمة اليوم بحاجة إلى أن تقوي يقينها بالله، فإن منزلة اليقين من الإيمان كمنزلة الروح من الجسد، وهذه المنزلة هي ميدان التفاضل بين الناس، كل بحسب درجته ومقامه في هذه المنزلة.
وإن من أروع من حقق اليقين أنبياء الله جل وعلا ومن سار على نهجهم من أتباعهم؛ ولذلك مكنهم الله تعالى في الأرض ونصرهم، ووعدهم في الآخرة بجنات النعيم.
следующие страницы →