Полный текст (1 901 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
حقيقة العبادة
العبادة معناها في اللغة: الذل، يقال: طريق معبد، أي: طريق مذلل قد وطأته الأقدام، ولكن العبادة التي أمرنا بها تتضمن إلى معنى الذل معنى الحب، فمن خضع لله ﵎ بغير حب فليس عابداً لله، ومن ادعى أنه يحب الله دون استسلام لأمره ونهيه فليس عابداً لله، بل العبادة هي: كمال الحب لله مع كمال الذل لله جل وعلا، وهي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة كالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وبر الوالدين، والإحسان إلى الجيران، والإحسان إلى الفقراء والمساكين، ودروس العلم، والدعوة إلى الله، والتوكل على الله، والصبر لحكم الله، والشكر لله، والخوف من الله، والرجاء، والتفويض، والتوكل، والاستغاثة، والاستعانة، والإنابة، والابتسامة، والعمل الصادق، كل هذا من العبادة.
فالعبادة تسع الحياة كلها إن صحت النية، وكان العمل موافقاً لهدي سيد البشرية، ومن أعظم الأدلة النبوية على هذه الرحمة الندية ما رواه مسلم من حديث أبي ذر ﵁: (أن أناساً جاءوا إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله! ذهب أهل الثور بالأجور -أهل الدثور هم أصحاب الأموال-، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم -أي: بما زاد من أموالهم-، فقال النبي ﵊: أوليس الله قد جعل لكم ما تصدقون به؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة -أي: في جماع الرجل امرأته صدقة-، قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته فيكون له فيها أجر؟! قال: أرأيتم لو وضعها في الحرام، أيكون عليه وزر؟ قالوا: بلى، قال: فإن وضعها في الحلال فله فيها أجر).
فالعبادة ليست أمراً على هامش الحياة، بل تسع العبادة الحياة كلها إن صحت النية، وكان العمل موافقاً لهدي سيد البشرية ﷺ ، فلا تفهم العبادة فهماً جزئياً قاصراً، ولا ينبغي أن نصرف العبادة لله تعالى في شهر دون شهر، وفي زمان دون زمان، بل مقتضى العبودية لله تعالى أن يقول الرب ﷻ : أمرت ونهيت، وأن يقول العبد المؤمن: سمعت وأطعت، هذا مقتضى العبودية، وهذا شعار المؤمن في أي أرض وتحت أي سماء وفي أي زمان: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥]، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥١ - ٥٢].
أما شعار المنافقين: فهو السمع والعصيان، هو السمع والأعراض، هو الصد عن دين الله وعن عبادته جل وعلا، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء:٦٠ - ٦١]، فمقتضى الإيمان: أن يسلم المؤمن قلبه وعقله وحياته للمصطفى؛ ليقوده إلى سعادة الدارين بوحي الله المعصوم: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٣ - ٥].
فالمؤمن الصادق ممتثل للأمر، مجتنب للنهي، وقاف عند الحدود في رمضان وفي غير رمضان؛ لأنه يمتثل أمر الله لنبيه: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]، وهذا هو عنصرنا الثالث: لا تفارق العبادة حتى يأتيك اليقين، أي: حتى تلقى الله.
стр. 702
لا تفارق العبادة حتى تلقى الله
المؤمن يعبد الله حتى يلقى الله وهو على عبادة، وقد فسر النبي ﷺ اليقين بالموت كما في صحيح البخاري في قصة موت عثمان بن مظعون ﵁، وعثمان بن مظعون ممن شهد بدراً، والنبي ﷺ يقول: (لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، وهو أول من لقب بالسلف الصالح، وكان من الزهاد العباد، وثبت في رواية في سندها ضعف: (أن عثمان بن مظعون لما مات ذهب إليه المصطفى فقبله بين عينيه، وبكى حتى سالت دموع رسول الله ﷺ على خدي عثمان بن مظعون ﵁، هذا الصحابي الجليل المبارك (لما مات قالت امرأة من الأنصار يقال لها أم العلاء: رحمة الله عليك أبا السائب -تقصد عثمان بن مظعون - شهادتي عليك أن الله أكرمك، فقال لها المصطفى ﷺ : وما يدريك أن الله أكرمه؟ فقالت أم العلاء: سبحان الله! فمن يا رسول الله؟! -أي: فمن هذا الذي سيكرمه الله إن لم يكرم الله عثمان بن مظعون؟! - فقال المصطفى ﷺ : أما هو فقد جاءه اليقين -يعني: الموت- وإني لأجو له الخير، ثم قال المصطفى: والله ما أدري -وأنا رسول الله- ما يفعل بي ولا بكم!).
يا من غرتك عبادتك! ويا من غرتك طاعتك! ويا من ملأ قلبك العجب والكبر! ويا من غرك علمك! هاهو رسول الله أعرف الناس بالله، وأخشى الناس لله، وأتقى الناس لله، الذي غفر له مولاه ما تقدم من ذنبه وما تأخر يقول: (والله ما أدري -وأنا رسول الله- ما يفعل بي ولا بكم)، اللهم ارزقنا حسن الخاتمة يا أرحم الراحمين.
فاليقين هو الموت، فأنت مأمور أيها الموحد لله جل وعلا، وأيتها الموحدة لله جل وعلا؛ نحن مأمورون بأمر الله لنبيه أن نعبد الله ﷻ حتى يأتينا اليقين، حتى يأتينا الموت ونحن على عبادة وطاعة لرب العالمين.
قالت عائشة ﵂ كما في صحيح مسلم: (كان رسول الله ﷺ إذا عمل عملاً أثبته) أي: داوم عليه وحافظ عليه.
وفي الصحيحين من حديث عائشة مرفوعاً: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل).
وفي صحيح مسلم من حديث أبي عمرة سفيان بن عبد الله قال: (يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك؟ فقال له المصطفى ﷺ : قل: آمنت بالله ثم استقم).
استقم أيها الموحد لله استقم على العبادة استقم على الطاعة، لا ينبغي أن يروغ المؤمن روغان الثعالب، إن المؤمن مستقيم ثابت على طاعة الله، حتى ولو زلت قدمه بالمعصية، فإنه سرعان ما يجدد الأوبة والتوبة إلى الله جل وعلا: (قل: آمنت بالله ثم استقم)، وفي رواية الترمذي وأحمد: (قال: حدثني بأمر أعتصم به؟ قال: قل: ربي الله ثم استقم، قال: فما أخوف ما تخاف علي يا رسول الله؟ فأخذ رسول الله ﷺ بلسان نفسه، وقال: أخوف ما أخاف عليك هذا، وأشار المصطفى ﷺ إلى لسانه).
فاستقم على طاعة الله، واعلم بأن الاستقامة على عبادة الله جل وعلا فضلها عظيم في الدنيا قبل الآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٢].
(إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) على منهج الله على العبادة على الطاعة، (تتنزل عليهم الملائكة) متى؟ قال مجاهد وزيد بن أسلم: تتنزل عليهم الملائكة وهم على فراش الموت، في لحظات السكرات والكربات، في لحظات شديدة قاسية، تألم منها نبينا المصطفى نفسه، حتى قالت الصديقة بنت الصديق: والله لا أكره شدة الموت لأحد بعدما رأيت رسول الله.
في هذه اللحظات تتنزل الملائكة على أهل الاستقامة، على أهل العبادة والطاعة بهذه البشارة الكريمة: (أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) من أنتم يا أصحاب هذه البشارة؟ سيأتي
الجواب
( نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا) أي: في الجنة، (مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ) أي: ما تريدون وما تطلبون، (نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) أي: ضيافة وإنعاماً وإكراماً من الله ﷻ .
قال ابن عباس وقتادة وابن أبي حاتم: تتنزل الملائكة على أهل الإيمان والاستقامة عند الخروج من القبور يوم البعث والنشور، في يوم الفضيحة الكبرى، نسأل الله أن يسترنا في الدنيا والآخرة، يوم يقوم الناس جميعاً إلى القبور حفاة عراة غرلاً، فإذا خرج أهل الاستقامة على طاعة الله وعبادة الله من القبور تلقتهم ملائكة العزيز الغفور بهذه البشارة الكريمة: (أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) * (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ) * (نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ).
ولا تعارض في الجمع بين القولين: فالملائكة تتنزل بالبشارة على أهل الاستقامة، على أهل الطاعة إذا ناموا على فراش الموت، وإذا خرجوا من القبور مرة أخرى، ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧].
لا تفارق العبادة حتى تلقى الله جل وعلا، ولو علم الواحد منا أن الموت لا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل لظل في طاعة الله وفي عبادة الله حتى يأتيه هذا الغائب الذي لا علم لأحد بقدومه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:٣٤].
والله لا أعلم يقيناً هو أشبه بالشك من الموت لعدم استعدادنا له.
هل من المسلمين أحد أو من المسلمات إلا والكل يعلم أنه سيموت؟ الموت حق لا مراء فيه ولا شك، ولكن من من المسلمين استعد لهذا اليقين بالطاعة والعبادة؟ لو جاء ملك الموت لأحدنا الآن فهل هو على استعداد بعمله الذي هو عليه للقاء الله؟ كان السلف رضوان الله عليهم إذا جاء أحدهم ملك الموت ربما لا يجد عنده من الطاعة ما يزيد؛ لأنه ممتثل للأمر، مجتنب للنهي، منتظر للقاء الرب ﷻ في أي لحظة من اللحظات! فاعبد الله حتى يأتيك اليقين، حتى يأتيك الموت، وإذا كنت لا تدري متى سيأتيك الموت فاجعل كل أنفاسك طاعة لله، واجعل كل حياتك وحركاتك وسكناتك عبادة لله، وامتثالاً لأمره جل في علاه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣].
ولله در القائل: أيا عبد كم يراك الله عاصياً حريصاً على الدنيا وللموت ناسيا أنسيت لقاء الله واللحد والثرى ويوماً عبوساً تشيب فيه النواصيا لو أن المرء لم يلبس ثياباً من التقى تجرد عرياناً ولو كان كاسيا ولو أن الدنيا تدوم لأهلها لكان رسول الله حياً وباقيا ولكنها تفنى ويفنى نعيمها وتبقى الذنوب والمعاصي كما هي ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:١٩ - ٢٢].
(وجاءت سكرة الموت بالحق) والحق: أنك تموت والله حي لا يموت، (وجاءت سكرة الموت بالحق) والحق: أن ترى عند موتك ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب، (وجاءت سكرة الموت بالحق) والحق: أن يكون قبرك روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران، (ذلك ما كنت منه تحيد) أي: تجري وتهرب وتفر.
تحيد إلى الطبيب إذا جاءك المرض، وتحيد إلى الطعام إذا أحسست بالجوع، وتحيد إلى الشراب إذا أحسست بالظمأ، ولكن ثم ماذا أيها القوي الفتي! أيها الذكي العبقري! يا أيها الوزير! ويا أيها الأمير! ويا أيها الصغير! ويا أيها الفقير؟! كل باك فسيبكى وكل ناع فسينعى وكل مدخور سيفنى وكل مذكور سينسى ليس غير الله يبقى من علا فالله أعلى أيها الغافل! أيها اللاهي! أيها الساهي! يا من تركت القرآن بعد رمضان! يا من تركت الصلاة في جماعة بعد رمضان! يا من تحللت من الأوامر بعد رمضان! يا من تخليت عن الحساب بعد رمضان! يا من ضيعت قيام الليل بعد رمضان! يا من تركت الأذكار! يا من تخليت عن الصدقة في سبيل العزيز الغفار! (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ).
دع عنك ما قد فات في زمن الصبا واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب لم ينسه الملكان حين نسيته بل أثبتاه وأنت لاه تلعب والروح منك وديعة أودعتها ستردها بالرغم منك وتسلب وغرور دنياك التي تسعى لها دار حقيقتها متاع يذهب الليل ف
стр. 703
أليس الله أهلاً لأن يعبد ؟
أليس الله أهلاً لأن يعبد؟! أليس الله أهلاً لأن يوحد؟! أليس الله أهلاً لأن يمجد؟! أليس الله أهلاً لأن يطاع؟! أليس الله أهلاً لأن نستحيي منه؟! أليس الله أهلاً لأن نراقبه؟! أليس الله أهلاً لأن نمتثل أمره ونجتنب نهيه ونقف عند حدوده على الدوام حتى نلقاه؟! هذا هو عنصرنا الرابع: أليس الله أهلاً لأن يعبد؟ أيها الجاحد بعبادة الله! أيها المنحرف عن أوامر الله! أيها البعيد عن طاعة الله! هل أحسن إليك بشر من الخلق وأنكرت إحسانه؟ بل تظل تعترف له طوال حياتك بالإحسان، فمن الذي أحسن إليك وأنت في العدم؟! ومن الذي أحسن إليك الآن؟! ومن الذي سيحسن إليك في الآخرة؟! من صاحب الإحسان؟! من صاحب النعم؟! من صاحب الفضل؟! من صاحب الكرم؟! من صاحب الجود؟! من الذي خلقنا من العدم وصورنا في أحسن صورة؟! من الذي أنزل علينا القرآن؟! من الذي بعث لنا محمداً ﵊؟! من الذي خلقنا موحدين وجعلنا من أمة سيد المرسلين؟! من الذي خلق لنا الكون وأمده بهذه النعم التي لا تعد ولا تحصى؟! من الذي خلقك في أحسن صورة؟! نظرك في نفسك يكفيك دليلاً على أن الذي يستحق أن يعبد على الدوام هو الله، ونظرك في الكون من حولك يكفيك دليلاً على أن الذي يستحق العبادة على الدوام هو الله، فالله أهل لأن يعبد، الله أهل لأن يوحد لذاته ﷻ (إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)، فوالله ما قدرنا الله حق قدره، والله ما قدرنا الله حق قدره، والله ما قدرنا الله حق قدره.
جاء حبر من أحبار اليهود للمصطفى -والحديث في صحيح مسلم - فقال: (يا محمد! إنا نجد مكتوباً عندنا في التوراة: أن الله تعالى يجعل السماوات على إصبع، والأراضين على إصبع، والماء والثرى على إصبع، والشجر على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، ثم يهزهن ويقول: أنا الملك، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، وقرأ النبي ﷺ قوله جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]).
لله في الآفاق آيات لعل أقلها هو ما إليه هداك ولعل ما في النفس من آياته عجب عجاب لو ترى عيناك الكون مشحون بآيات إذا حاولت تفسيراً لها أعياك قل للطبيب تخطفته يد الردى يا شافي الأمراض من أرداك قل للمريض نجا وعوفي بعدما عجزت فنون الطب من عافاك قل للصحيح يموت لا من علة من بالمنايا يا صحيح دهاك قل للبصير وكان يحذر حفرة فهوى بها من ذا الذي أهواك بل سائل الأعمى خطا وسط الزحام بلا اصطدام من يقود خطاك قل للجنين يعيش معزولاً بلا راع ومرعى ما الذي يرعاك قل للوليد بكى وأجهش بالبكاء لدى الولادة ما الذي أبكاك وإذا ترى الثعبان ينفث سمه فاسأله من ذا بالسموم حشاك واسأله كيف تعيش يا ثعبان أو تحيا وهذا السم يملأ فاك واسأل بطون النحل كيف تقاطرت شهداً وقل للشهد من حلاك بل سائل اللبن المصفى كان بين دم وفرث من ذا الذي صفاك وإذا رأيت النخل مشقوق النوى فاسأله من يا نخل شق نواك وإذا رأيت النار شب لهيبها فاسأل لهيب النار من أوراك وإذا ترى الجبل الأشم مناطحاً قمم السحاب فسله من أرساك وإذا رأيت البدر يسري ناشراً أنواره فاسأله من أسراك لله في الآفاق آيات لعل أقلها هو ما إليه هداك ولعل ما في النفس من آياته عجب عجاب لو ترى عيناك الكون مشحون بآيات إذا حاولت تفسيراً لها أعياك من الذي يستحق أن يعبد؟! الله اسم لصاحبه كل كمال، الله اسم لصاحبه كل جمال، الله اسم لصاحبه كل جمال، الله هو الاسم الذي تستجاب به الدعوات، الله هو الاسم الذي تستنزل به الرحمات، الله هو الاسم الذي تقال به العثرات، الله هو الاسم الذي من أجله قامت الأرض والسماوات، الله هو الاسم الذي من أجله.
أنزل الكتب وأرسل الرسل.
الله اسم ما ذكر في قليل إلا كثره، الله اسم ما ذكر عند خوف إلا أمنه، الله اسم ما ذكر عند كرب إلا كشفه، وما ذكر عند بطش إلا أزاله.
الله هو الذي يستحق أن يعبد وحده، وأن يمتثل لشرعه وحده، وأن يسمع له وحده، وأن يطاع وحده، وأن يراقب وحده، وأن يتوكل عليه وحده، وأن يحلف به وحده، وأن يستغاث به وحده، وأن يلجأ إليه وحده، وأن يفوض إليه وحده، وأن يسأل وحده، أئله مع الله؟! أئله مع الله؟! أئله مع الله؟! ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء:٤٤]، فالذي يستحق أن يعبد وحده هو الله ﷻ ، لا في رمضان فقط، بل على الدوام حتى نلقاه.
أسأل الله أن يختم لنا ولكم برضاه، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 704
العبادة غاية
الحمد لله وحده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! لا بد أن نعلم أن المنهج التعبدي من صيام وقرآن وصلاة وذكر وإنفاق وقيام لليل؛ إنما هو للوصول إلى هذا المنهج العقدي الإيماني.
فالعبادة -أيها الأحبة- غاية من أجلها خلق الله الخلق: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، الهدف من هذه الغاية وهذا المنهج من صلاة وصيام وزكاة وحج؛ أن يرتقي المؤمن بهذا المنهج التعبدي إلى المنهج العقدي الإيماني، فنحن لا نريد أن نتعبد بعيداً عن هذا المنهج الإيماني العقدي؛ لأننا نريد للأمة الآن أن ترتقي بعبادتها هذه إلى المرتبة التي تكون بها أهلاً لنصر الله، فكم من مصل يصلي، وكم من صائم يصوم، وكم من قارئ للقرآن يتلو، وكم من قائم لليل يقوم، لكن لماذا منع الله النصرة عن الأمة؟! لماذا منع الله العزة عن الأمة؟! لماذا لم يمكن الله للأمة في الأرض ولم يستخلفها إلى الآن، مع أننا نرى المصلين والقارئين والمنفقين؟! أقول: أريد أن نرتقي بهذا المنهج التعبدي إلى المنهج العقدي الإيماني الذي نحقق به حقيقة الإيمان لنكون أهلاً للنصرة والعزة والاستخلاف والتمكين، قال الله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]، ولم يقل: نصر المصلين، ولا المتصدقين، فلا بد أن تورثك الصلاة حقيقة الإيمان، لا بد أن يرفعك هذا المنهج التعبدي إلى الإيمان الحق.
فلنرب أنفسنا وأولادنا وبناتنا ونساءنا على هذا المنهج، التعبد من أجل أن نحقق الإيمان: نصوم، ونصلي، ونقرأ القرآن، ونقوم الليل إلى آخر أفراد المنهج التعبدي لنحقق الإيمان، لنكون أهلاً لنصرة الرحمن، لنكون أهلاً للعزة والاستخلاف والتمكين.
أيها المصلي! لا تخرج من المسجد لتضع المنهج التعبدي الذي كنت عليه في بيت الله على عتبة بيت الله، فتكون في العمل والتجارة إنساناً آخر يختلف اختلافاً كلياً عما كنت عليه في المسجد، هذا هو حال كثير من المسلمين الآن، يصلي، ويصوم، ويخرج لأداء العمرة في رمضان، ولربما يسافر للحج، ولكنه قد أغلق الجانب التعبدي على نفسه، فإذا انطلق إلى الحياة الفسيحة الواسعة الرحبة يتفلت من أوامر هذا المنهج التعبدي الذي ألزم به نفسه داخل بيوت الله ﵎: فترى امرأته متبرجة، وترى بناته متبرجات، وتراه يتعامل بالربا، وتراه يأكل الحرام، وتراه يسيء إلى الوالدين، وتراه يسيء إلى مرءوسيه أو إلى موظفيه، وتراه يؤذي جيرانه، وتراه يتورع عن أكل الحلال الطيب وهو صائم ولا يتورع عن أكل لحوم إخوانه وأخواته في الليل والنهار.
لا يمكّن الله لنا ونحن على هذه الحال أبداً، بل لا بد أن نعلم أن هذا المنهج التعبدي بأفراده وجزئياته هو لنحقق الإيمان الحق، فرب ولدك، ورب امرأتك، ورب نفسك بهذا المنهج التعبدي؛ لتصل إلى حقيقة الإيمان، لتحقق الإيمان، فالإيمان ليس كلمة تقال باللسان فحسب، ولكنه: قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان.
ووالله لن نحقق نصرة أو عزة أو استخلافاً أو تمكيناًَ إلا إن حققنا الإيمان؛ لأن الله وعد بكل ذلك لمن حققوا الإيمان: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨]، ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥].
هذا المنهج لا يجوز لك البتة أن تتخلى عنه حتى تلقى الله: الصلاة في جماعة الورد اليومي القرآن قيام الليل قيام الليل هو المدرسة التي أغلقتها الأمة فذلت، وخرجت منها الأمة فهانت.
أقول: كم من المسلمين يتركون قيام الليل، أقول هذا وأنا أعي تمام الوعي أن كثيراً من المسلمين الآن لا يصلون الفجر، أسقطوا فريضة من فرائض الله مع الإصرار، يضبط المسلم ساعة الوقت على وقت العمل ويسقط صلاة الفجر! النبي ﷺ يقول -كما في سنن الترمذي بسند صحيح من حديث بريدة -: (من ترك صلاة واحدة متعمداً فقد برئت منه ذمة الله)، مع سبق الإصرار والترصد يسقط صلاة الفجر.
حافظ على الصلاة في جماعة قراءة القرآن قيام الليل تجديد التوبة المحافظة على الأذكار المحافظة على الأوراد اليومية المداومة على الذكر والاستغفار الحرص على البذل والإنفاق التذكير للنفس الأمارة بالسوء دوماً على أنك عبد لله كما كنت تذكرها وأنت صائم: اللهم إني صائم، اللهم إني صائم، فلتذكرها الآن: اللهم إني عبد لله، اللهم إني عبد لك فأعني، اللهم إني عبد لك فأعني، فكن دوماً على طاعة، وإن زلت قدمك لبشريتك فما عليك إلا أن تجذب ثيابك من بين أشواك المعاصي والذنوب، وأن تطهرها بدموع الأوبة والتوبة والندم، وأنت على يقين مطلق أن الله جل وعلا سيفرح بتوبتك وهو الغني عنك.
هذا هو حال المؤمن دوماً حتى يلقى الله وهو ممتثل لأمره: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩].
اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع الكريم ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ميتاً لنا إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا زدته وثبته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين.
اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً.
اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى.
اللهم إني أسألك ألا تخرجنا اليوم من هذا المكان جميعاً إلا بذنب مغفور، وسعي مشكور، وتجارة لن تبور، برحمتك يا عزيز يا غفور.
اللهم تقبل منا صالح الأعمال، واغفر لنا ذنوبنا، واستر علينا عيوبنا، وكفر عنا سيئاتنا، وتوفنا مع الأبرار.
اللهم إنا نسألك جميعاً أن تذيقنا جميعاً برد عفوك، وحلاوة مغفرتك، ولذة النظر إلى وجهك الكريم.
اللهم كما آمنا بالمصطفى ولم نره فلا تفرق بيننا وبينه حتى تدخلنا مدخله، وأوردنا حوضه الأصفى، واسقنا منه شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبداً يا أرحم الراحمين.
اللهم إني أسألك أن تنصر الإسلام وتعز المسلمين، اللهم انصر إخواننا في فلسطين، وفي الشيشان، وفي الفلبين، وفي كشمير، وفي كل مكان.
اللهم إني أسألك أن تجعل مصر واحة للأمن والأمان وجميع بلاد المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
أحبتي في الله! هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويلقى به في جهنم، ثم أعوذ به أن أذكركم به وأنساه.
ولا أنسى أن أذكر أحبابي وإخواني بإخراج الحق الذي عليهم لله ﵎ لهذا المسجد الطيب المبارك؛ وذلك للدعوة، ولطبع بعض الكتيبات الهادفة النافعة إن شاء الله .
نسأل الله أن يجعل المال في أيدينا لا في قلوبنا، إنه ولي ذلك ومولاه، وأقم الصلاة.
стр. 705
وهذا حق اليقين
كم هي الأمة اليوم بحاجة إلى أن تقوي يقينها بالله، فإن منزلة اليقين من الإيمان كمنزلة الروح من الجسد، وهذه المنزلة هي ميدان التفاضل بين الناس، كل بحسب درجته ومقامه في هذه المنزلة.
وإن من أروع من حقق اليقين أنبياء الله جل وعلا ومن سار على نهجهم من أتباعهم؛ ولذلك مكنهم الله تعالى في الأرض ونصرهم، ووعدهم في الآخرة بجنات النعيم.
стр. 706
منزلة اليقين وعلاماته
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة الأعزاء! وأيتها الأخوات الفاضلات! طبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم -جميعاً- من الجنة منزلاً، وأسأل الله جل وعلا الذي جمعني مع حضراتكم في هذا البيت المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة في جنته، ودار مقامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! لماذا هزمت الأمة؟! لماذا تحكم في الأمة أخس أهل الأرض من اليهود؟! لماذا صارت الأمة ذليلة لمن كتب الله عليه الذل؟! هل لأن الأمة فقيرة؟! هل لأن الأمة قليلة؟! هل لأن الأمة لا تملك العقول التي تفكر وتبدع؟! هل لأن الأمة لا تملك الثروات الطائلة والمناخ الرائع الجيد؟!
الجواب
لا، الأمة ليست فقيرة، وليست قليلة العدد، وليست فقيرة لا تملك العقول والأدمغة المبدعة.
إذاً: ما السر في هزيمة الأمة وتحكم أخس أهل الأرض فيها؟! والجواب: أن أمتنا تحتاج إلى اليقين.
إن الأمة الآن بحاجة إلى أن تجدد ثقتها في الله، وإلى أن تجدد يقينها في الله، وإلى أن تتبرأ من كل حول وطول إلا من حول الله وطوله، وإلى أن تردد بلسانها وقلبها وأعمالها: اللهم إنا نبرأ من الثقة إلا بك، ونبرأ من الأمل إلا فيك، ونبرأ من التسليم إلا لك، ونبرأ من التفويض إلا إليك، ونبرأ من التوكل إلا عليك، ونبرأ من الصبر إلا على بابك، ونبرأ من الذل إلا في طاعتك، ونبرأ من الرهبة إلا منك.
أمتنا تحتاج إلى اليقين، هذا هو موضوعنا في هذا اليوم العظيم، وسوف أركز الحديث في هذا الموضوع الكبير الجليل في العناصر التالية: أولاً: منزلة اليقين وعلاماته.
ثانياً: أوجه اليقين ودرجاته.
ثالثاً: شموس في سماء اليقين.
وأخيراً: أمتنا لا تحتاج إلا إلى اليقين.
فأعيروني القلوب والأسماع، والله أسأل أن يرزقنا اليقين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 707
منزلة اليقين
أيها الأفاضل! لا قيمة لأي دعوة، ولا قيمة لأي عمل مالم تتشرب قلوبنا حلاوة اليقين، فما هو اليقين وما هي علاماته؟ اليقين هو: العلم وزوال الشك، قال ابن القيم: ومنزلة اليقين من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد، وبه تفاضل العالمون، وإليه شمر العاملون، وفيه تنافس المتنافسون، وإذا تزوج الصبر باليقين ولد بينهما الإمامة في الدين، كما قال رب العالمين: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤].
وخص الله أهل اليقين بالانتباه في الآيات والبراهين، قال رب العالمين: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات:٢٠].
وخص الله أهل اليقين بالهدى والفلاح، قال جل في علاه: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:١ - ٥].
بل وبين ربنا أن أهل النار ما كانوا من أهل اليقين، قال رب العالمين: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية:٣٢].
стр. 708
علامات اليقين
فما هي علامات اليقين؟ النظر إلى الله في كل شيء، والرجوع إلى الله في كل أمر، والاستعانة بالله في كل حال.
أيها الفضلاء! إن اليقين ليس كلمة يرددها عالم أو داعية، إن اليقين دين كامل ومنهج حياة شامل، فما قيمة الدعوة إن لم تكن على يقين مطلق بالثقة في وعد الله، ووعد الصادق رسول الله ﷺ ؟! اليقين له علامات، علاماته: النظر إلى الله في كل شيء، بأن تراقب الله في سرك وعلنك: (احفظ الله يحفظ، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف).
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧]، النظر إلى الله في كل شيء، والرجوع إلى الله في كل أمر، فأنظر: هل قولي هذا يرضي الله؟! هل نظري هذا يرضي الله؟! هل مدخلي ومخرجي يرضي الله؟! هل سكوني وسكوتي يرضي الله؟! وهكذا يرجع المؤمن صاحب اليقين إلى الله في كل شيء، ويستعين بالله في كل حال، إذ لا حول ولا قوة إلا بالله الكبير المتعال.
стр. 709
أوجه اليقين ودرجاته
فما هي أوجه اليقين ودرجاته؟ أما أوجه اليقين ودرجاته فقد نقل ابن القيم ﵀ عن أبي بكر الوراق ﵀ قال: اليقين على ثلاثة أوجه: يقين خبر.
ويقين دلالة.
ويقين مشاهدة.
стр. 710
يقين الخبر
يقين خبر: وهو سكون القلب إلى الخبر ووثوقه به، فكيف يكون السكون؟! وكيف تكون الثقة لخبر عن الله وعن الصادق رسول الله؟! هل ارتقت الأمة إلى درجة يقين الخبر؟! هل تصدق الأمة الآن بأخبار ربها ونبيها؟! والجواب بملء الفم وأعلى الصوت: لا، إلا من رحم ربك من أفراد الأمة، انظر إلى واقع الأمة لتعلم علم اليقين أن الأمة الآن -إلا من رحم ربك من أفراد، وأسأل الله أن نكون من هذه القلة الموقنة- تثق في بعض دول الأرض أكثر من ثقتها في رب السماء والأرض! ما زالت الأمة إلى هذه اللحظة تعتقد أن حل قضيتها عند الشرق الملحد أو الغرب الكافر.
جربت الأمة الشرق فذلت، وجربت الأمة الغرب فهانت، وإلى هذه اللحظة ما جربت أن تلجأ إلى ملك الملوك، وأن تثق فيه وحده، وأن تمتنع به وحده، وأن تحتمي به وحده، وأن تلجأ إليه وحده، وهي على يقين مطلق بالثقة في أخباره سبحانه وفي أخبار رسوله ﷺ ! فيقين الخبر هو سكون القلب ووثوقه بالخبر، فكيف يكون اليقين؟! وكيف تكون الثقة إذا كان الخبر عن الله جل وعلا وعن رسوله ﷺ ؟! قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢]، وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧]، وقال في حق حبيبه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:١ - ٤].
وقال تعالى في حق حبيبه: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣]، هل تعلم أن هذه الآية نزلت في شأن الكفار؟! فلقد انفرد الأخنس بن شريق بـ أبي الحكم في الشام بعد غزوة بدر، وقال الأخنس لـ أبي جهل: يا أبا الحكم لا يسمعنا أحد، أسألك بالله أمحمد صادق أم كاذب؟ فقال أبو جهل: ويحك يا أخنس، والله إن محمداً لصادق، والله إن محمداً لصادق، فنزل قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات:٣٥ - ٣٦]، بأبي هو وأمي ﷺ .
فيقين الخبر أن تثق في خبر الله، وفي خبر رسول الله صلى الله عليه وآله ومن والاه.
стр. 711
يقين الدلالة
أما يقين الدلائل: فمع أن الخبر من عند الله، ومع أن الخبر من عند الصادق رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى، فإن الله تعالى يقيم الأدلة على صدق أخباره وصدق أخبار رسوله، انظر معي إلى يقين الدلالة، تجد أن الله جل وعلا هو الذي يخبر: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢]، ورسول الله هو الذي يحدث، ومن أصدق من رسول الله في دنيا البشر، ومع ذلك يقيم الله الأدلة والبراهين على صدق خبره، وعلى صدق خبر رسوله ﷺ .
قال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ [النمل:٦٠]، انظروا إلى هذه الأدلة التي تراها العين، وتحسها الجوارح؛ لتخلص الآية الكريمة إلى هذا السؤال المنتقل من توحيد الربوبية إلى توحيد الألوهية: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:٦١ - ٦٢] إلى آخر هذه الآيات الكريمة، فالله يقيم الأدلة والبراهين على أنه لا يستحق أن يوحد إلا الله، وعلى أنه لا يستحق أن يعبد في الكون إلا الله.
﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٧٥ - ٧٩].
لله في الآفاق آيات لعل أقلها هو ما إليه هداك ولعل ما في النفس من آياته عجب عجاب لو ترى عيناك الكون مشحون بأسرار إذا حاولت تفسيراً لها أعياك قل للطبيب تخطفته يد الردى يا شافي الأمراض من أرداك قل للمريض نجا وعوفي بعدما عجزت فنون الطب من عافاك قل للصحيح يموت لا من علة من بالمنايا يا صحيح دهاك قل للبصير وكان يحذر حفرة فهو بها من ذا الذي أهواك بل سائل الأعمى خطى وسط الزحام بلا اصطدام من يقود خطاك وسل الجنين يعيش معزولاً بلا راع ومرعى ما الذي يرعاك وسل الوليد بكى وأجهش بالبكا لدى الولادة ما الذي أبكاك وإذا ترى الثعبان ينفث سمه فاسأله من ذا بالسموم حشاك واسأله كيف تعيش يا ثعبان أو تحيا وهذا السم يملأ فاك وسل بطون النحل كيف تقاطرت شهداً وقل للشهد من حلاك بل سائل اللبن المصفى كان بين دم وفرث ما الذي صفاك وإذا رأيت البدر يسري ناشراً أنواره فاسأله من أسراك وإذا رأيت النخل مشقوق النوى فاسأله من يا نخل شق نواك وإذا رأيت النار شب لهيبها فاسأل لهيب النار من أوراك وإذا ترى الجبل الأشم مناطحاً قمم السحاب فسله من أرساك ﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٠]، ﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٠]، ﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٠].
سل الواحة الخضراء والماء جارياً وهذي الصحاري والجبال الرواسيا سل الروض مزداناً سل الزهر والندى سل الليل والإصباح والطير شاديا سل هذه الأنسام والأرض والسما وسل كل شيء تسمع التوحيد لله ساريا ولو جن هذا الليل وامتد سرمداً فمن غير ربي يرجع الصبح ثانيا ﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٠]، وقال جل في علاه: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ * سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ * وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٣٣ - ٤٠].
أيها المسلمون! ﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٠]، والأدلة كثيرة، هذا يقين الدلالة، فمع أن الذي يخبر هو الله إلا أنه يقيم الأدلة والبراهين على صدق خبره وعلى صدق خبر رسوله الذي ما عرفت البشرية أصدق منه، قال عبد الله بن عمرو والحديث في مسند أحمد بسند صحيح: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: إن رسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا، قال عبد الله بن عمرو: فأمسكت عن الكتابة -أي: امتنعت عن الكتابة- وذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال له الصادق: (اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا الحق)، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].
ودائماً أضرب هذا المثال ولا أمل من تكراره وطرحه، ألا وهو حديث سيد الخلق في الصحيح: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله، ثم ليطرحه أو لينزعه، فإنه يحمل -أي: الذباب- في أحد جناحيه الداء وفي الآخر الدواء)، وقد قيل: إن هذا الحديث يصطدم مع العقل! وأنه لا يتفق مع حضارة العقل! ورد على رسول الله خبره وهو الصادق! وقد كان من الواجب عليك فقط أن تسأل: هل هذا الحديث صحيح؟ فإن تبين لك بالأدلة التي وضعها جهابذة علم الحديث أن الحديث ثابت عن الصادق، فكان من الواجب بعد ذلك أن تسلم به ولو لم يدرك عقلك معنى كلام رسول الله؛ لأنني أرى الآن ثورة وهجمة شرسة في كل وسائل الإعلام على ثوابت الدين، وصار الدين الآن ألعوبة، فكل واحد يتكلم في أي جانب من جوانب الشرع، في الوقت الذي يشاء وبالقدر الذي يشاء، ويمضي آمناً مطمئناً وكأنه لم يفعل شيئاً على الإطلاق! ولا يدري أن كثيراً من ضعاف العلم وضعاف الإيمان قد تشككوا واهتزت عقيدة التوحيد في قلوبهم.
فخرج علينا عالم من جامعة هام بألمانيا يسمى بريفلز وقد وصل إلى هذا العالم حديث رسول الله ﷺ السابق وأجرى دراسة علمية، فوجد أن الذبابة تحمل نوعاً من أنواع الجراثيم على جناح من جناحيها، وهو الجناح الذي تسقط عليه، ووجد أن الذبابة تفرز نوعاً من أنواع الجراثيم التي تسبب أمراضاً خطيرة كحمى التيفود والدوسنتاريا وغير ذلك.
فلما أتم البحث العلمي وجد أن الذبابة في نفس الوقت تحمل على الجناح الآخر ومنطقة البطن نوعاً من أنواع الفطريات سماها هذا العالم أميوزموسكي، وهذا الفطر أيها الأفاضل! كفيل بقتل هذه الجراثيم التي تفرزها الذبابة من جناحها الأول، بل قال: إن جراماً واحداً من فطر أميوزموسكي، يحمي ألفين لتراً من اللبن من الجراثيم! ولكن العجب العجاب أنه وصل إلى أن الذبابة لا تفرز هذا الفطر المضاد للجراثيم إلا إذا غمست الذبابة كلها في السائل! وصدق المصطفى ﷺ ، أولما جاءنا الوحي من عند رسول الله كذبناه فلما جاءنا من ألمانيا صدقناه! هل هذا يرضي الله؟! لما جاءنا الوحي من عند سيدنا رسول الله كذبناه أو أنكرناه أو تشككنا فيه ورددناه، فلما جاء إثبات صدق رسول الله من ألمانيا قبلناه؟!
стр. 712
يقين المشاهدة
﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر:٧]، الله جل وعلا يخبر ويقدم الأدلة على صدق خبره وخبر رسوله؛ لينتقل بعد ذلك القلب من يقين الخبر ويقين الدلالة إلى يقين المشاهدة، هذا هو الذي تحتاج إليه الأمة الآن.
يقين المشاهدة هو: أن يتعايش المسلم مع كل أخبار الله وكل أخبار رسول الله وكأنه يشاهدها بعينه، فإذا أخبر الله جل وعلا بأن الجنة للمتقين، وبأن النار للغاوين وللمشركين، فينبغي للمسلم بعد ذلك أن يتعايش مع هذه الأخبار وكأنه يشاهدها مشاهدة العين، لذلك قال أحد الصالحين: لقد رأيت الجنة والنار، قالوا: كيف ذلك يا رجل؟! قال: رأيت الجنة والنار بعين رسول الله، ورؤيتي لهما بعين رسول الله أصدق عندي من رؤيتي لهما بعيني؛ لأن بصري قد يزيغ وقد يطغى، أما بصر النبي ﷺ فقد قال فيه الرب العلي: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧].
يقين المشاهدة: إذا أخبرنا ربنا تعاملنا مع الخبر وكأننا نشاهده.
стр. 713
شموس في سماء اليقين
стр. 714
سيدنا نوح ﵇
لتتذوق معي حلاوة اليقين، وتتصور نوحاً وهو يصنع الفلك فوق الرمال! ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود:٣٨]، وكان ذلك بأمر من الله جل وعلا: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود:٣٧]، يصنع الفلك، ولكن أين الماء؟! ليس هذا من شأنك، كن على يقين في خبر الله.
ولما جد الجد تضرع إلى الله بهذا الدعاء: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر:١٠]، اللهم إنا مغلوبون فانتصر.
ثم انظر إلى ثمرة اليقين: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ﴾ [القمر:١١]، ولم يقل ربنا: ففتحنا من أبواب السماء، بل: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر:١١ - ١٢]، ولم يقل ربنا: وفجرنا من الأرض عيوناً، بل: ﴿وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ﴾ [القمر:١٢]، أي: ماء السماء مع ماء الأرض، ﴿عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر:١٢ - ١٤].
стр. 715
سيدنا إبراهيم ﵇
وهذا نبي الله إبراهيم يلقى في النار، وينزل الله إليه جبريل وهو في النار ويقول له جبريل: يا إبراهيم ألك حاجة؟ فيرد إبراهيم بقولة خالدة: حسبنا الله ونعم الوكيل، وهذا هو الثابت الصحيح كما في صحيح البخاري عن النبي ﷺ : (حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها أصحاب محمد ﷺ حين قيل لهم: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤]).
стр. 716
سيدنا موسى ﵇
وهذا نبي الله موسى، يرى فرعون وجنده وراءه والبحر أمامه، والمستضعفون من الموحدين الذين معه تزلزلت قلوبهم حينما رأوا البحر أمام أعينهم وفرعون بجنوده من خلفهم، ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١]، فقال موسى صاحب اليقين: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢].
стр. 717
سيدنا محمد ﷺ
وهذا صاحب أعلى يقين عرفته الأرض، حبيبنا محمد ﷺ الذي ما ترك سبباً من الأسباب إلا وأخذ به يوم الهجرة، ومع ذلك تأصلت كل هذه الأسباب في لحظة، فالتف المشركون حول الغار بين غمضة عين وانتباهتها، وهنا يقول الصديق رضوان الله عليه صاحب أعلى ذروة سنام الصديقية في الأمة يقول للنبي: يا رسول الله! لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، وهنا يعلم النبي ﷺ الصديق والأمة من بعده درساً من أغلى دروس اليقين ويقول: (يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟! لا تحزن إن الله معنا).
فليخرج أبو جهل، وليخرج المشركون عن بكرة أبيهم؛ ليقلبوا الحجارة، بل ولينقبوا بين حبات الرمال عن النبي وصاحبه، فورب الكعبة لن يصلوا إليهما أبداً، لماذا؟ لقول الحبيب: (إن الله معنا).
بك أستجير ومن يجير سواكاً فأجر ضعيفاً يحتمي بحماكا إني ضعيف أستعين على قوي ذنبي ومعصيتي ببعض قواكا أذنبت يا ربي وقادتني ذنو ب ما لها من غافر إلا كا دنياي غرتني وعفوك شدني ما حيلتي في هذه أو ذاكا لو أن قلبي شك لم يك مؤمناً بكريم عفوك ما غوى وعصاكا رباه هأنذا خلصت من الهوى واستقبل القلب الخلي هواك رباه هأنذا خلصت من الهوى رباه قلب تائب ناجاكا أترده وترد صادق توبتي حاشاك ترفض تائباً حاشاكا فليرض عني الناس أو فليسخطوا فلم أعد أسعى لغير رضاكا (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟! لا تحزن إن الله معنا)؛ فمن كان الله معه لم يحزن؟! ومن كان الله معه فممن يخاف؟! ممن يخاف ومعه القوي الذي لا يقهر، ممن يخاف ومعه العزيز الذي لا يغلب، ممن يخاف ومعه القيوم الذي لا ينام، ممن يخاف ومعه الحي الذي لا يموت، ممن يخاف ومعه القوي الذي لا يقوى عليه شيء؟! ولا يقدر على إعلان الحرب عليه أي أحد، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١].
(لا تحزن إن الله معنا): ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ [التوبة:٤٠]، اللهم أنزل علينا السكينة حتى تذوق قلوبنا حلاوة اليقين فيك، وبرد الثقة بك، ولذة التوكل عليك، برحمتك يا أرحم الراحمين!
стр. 718
سحرة فرعون
(لا تحزن إن الله معنا) قد يقول قائل: هداك الله أيها الشيخ! أنسيت أنك تتحدث عن صفوة الخلق من الأنبياء والرسل، وهؤلاء هم أولى الناس بتحقيق اليقين؟! تعال معي لندخل بستاناً من أحلى بساتين اليقين في دنيا البشر العاديين، بعيداً عن دنيا الأنبياء والمرسلين، نعم.
لقد رأينا في دنيا الناس يقيناً لا يخضع ولا يخنع ولا يتزعزع ولا يتضعضع، رأينا يقيناً قد حول أصحابه ونقلهم من حمأة الطين إلى أعلى عليين، رأينا يقيناً قد رفع أصحابه إلى أفق وضيء فوق كل خيال، إنه يقين سحرة فرعون! لقد حشر الناس جميعاً في يوم مضح مشرق، حشر الناس ضحى بالأوامر العالية من فرعون، وأقبل موسى وأخوه هارون في خوف ظاهر حينما جلس فرعون في أبهته، ونزل السحرة إلى ميدان النزال بعز واستعلاء، وأعلنوها: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء:٤٤]، وتسرب الخوف إلى قلب موسى، وجاء الأمر من الله العلي الأعلى: ﴿قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى﴾ [طه:٦٨].
ويلقي السحرة عصيهم وحبالهم وهم يعلمون السحر، فخيل إلى الناس من سحرهم أنها تسعى، وهي في الحقيقة لا تسعى، فلما ألقى موسى عصاه وتحولت بالفعل إلى ثعبان ضخم، وابتلع كل هذه العصي والحبال خر سحرة فرعون سجداً للكبير المتعال! فلما رأى فرعون هذا المشهد الذي يهز الجبال قال قولته الخبيثة الغبية: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [طه:٧١]، وكأنه كان من الواجب عليهم أن يقتلعوا نبتة اليقين وهي تترعرع في قلوبهم! ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ [طه:٧١]، وكان جوابهم كما قص الله قصتهم: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢]، فانظر إلى هذا اليقين! إن حال القلب قبل أن تشرق عليه أنوار اليقين كالحجرة المظلمة الدامسة، فإذا دخلت هذه الحجرة وتحسست في الظلام الدامس مفتاح النور، وضغطت عليه بأصبع من أصابعك ضغطة رقيقة خفيفة حول نور المصباح الظلام الدامس إلى نور مشرق، كذلك حال القلب إذا لامسته أنوار الهداية من الله ﷻ ، تحول أنوار الهداية واليقين ظلام القلب إلى نور مشرق.
стр. 719
سيدنا أبو بكر ﵁
وهؤلاء هم أصحاب الحبيب محمد ﷺ ، جددوا اليقين أيضاً في دنيا الناس.
ومن الجفاء ورب الكعبة ألا أبدأ بـ الصديق أبي بكر صاحب أعلى يقين في الأمة بعد نبينا، كان شعاره دائماً هو اليقين: (أوما سمعت يا أبا بكر؟! يزعم صاحبك أنه أسري به من مكة إلى المسجد الأقصى إلى السماوات العلى وعاد إلى بيته في نفس الليلة؟!) فيرد صحاب اليقين الثابت ويقول: (أوقد قال ذلك؟! فقالوا: نعم.
قال: إن كان قال ذلك فقد صدق!) يقين مطلق!! ويوم مات المصطفى صاح عمر الفاروق الملهم: والله لأعلون بسيفي هذا من زعم أن رسول الله قد مات، فرسول الله ما مات، بل ذهب للقاء ربه كما ذهب موسى بن عمران، وليرجعن فليقطعن أرجل وأيدي المنافقين الذين يزعمون أنه قد مات، تصور أن هذا الكلام من عمر! وعثمان، وعلي، وجمع من الصحابة طاشت عقولهم، ولم تحملهم أقدامهم! وجاء الصديق بيقين ثابت فدخل غرفة عائشة وتيقن أن الخبر قد وقع، وأن حبيبه قد مات، فكشف الغطاء عن وجهه، وقبل الحبيب بين عينيه، وقال -كما في رواية حسنها الألباني في مختصر الشمائل- منادياً على حبيبه: وآخليلاه وآحبيباه وآنبياه! أما الموتة التي كتبها الله عليك فقد ذقتها فلا ألم عليك بعد اليوم، وخرج الصديق فقال: على رسلك يا عمر! فالتف الناس حول أبي بكر، فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس! من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤] لله دره، صاحب أعلى ذروة سنام الصديقية في هذه الأمة، إنه أبو بكر ﵁ وأرضاه.
أيها المسلمون! هل رأيتم يقيناً كيقين رجل يأمر النبي ﷺ يوماً بالصدقة، فيأتي عمر بنصف ماله! ويأتي الصديق بكل ماله! لا يقدر عليها إلا أبو بكر، فيقول النبي لـ عمر: (ما أبقيت لأهلك؟ فيقول: أبقيت لهم مثله، ويقول النبي للصديق: ما أبقيت لأهلك يا أبا بكر؟ فيقول له: أبقيت لهم الله ورسوله!).
стр. 720
سيدنا خبيب بن عدي ﵁
وهذا خبيب بن عدي يصلب على خشبة في مكة، ويلتف المشركون من حوله ويشرعون السهام والرماح؛ لتنقض على هذا الجسد فتمزقه بجنون ووحشية؛ ويقترب أبو سفيان من خبيب بن عدي -وحديثه في صحيح البخاري في كتاب المغازي- ويقول أبو سفيان: يا خبيب! أيسرك أن يكون محمد في موطنك الذي أنت فيه الآن، وأنت في أهلك معافى؟! قال: والله ما يسرني أن يكون رسول الله في موطنه الذي هو فيه الآن تصيبه شوكة تؤذيه وأنا في أهلي معافى! فقال أبو سفيان قولته الخالدة: والله ما رأيت أحداً يحب أحداً كما رأيت أصحاب محمد يحبون محمداً! فطلب خبيب من أبي سفيان أن يصلي لله ركعتين، فأذن له في ذلك، فصلى ركعتين خفيفتين والتفت إلى المشركين وقال: والله لولا أني أخشى أن تقولوا: إنني جزع من الموت لأطلت الصلاة، ثم تضرع إلى الله وقال: اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً، وأنشد أبياته الخالدة الجميلة ومنها قوله: إلى الله أشكو غربتي بعد كربتي وما أرصد الأحزاب لي ذل مصرعي ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي وما بي خوف الموت إني لميت وإن إلى ربي إيابي ومرجعي اللهم ارزقنا اليقين، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.
стр. 721
أمتنا لا تحتاج إلا إلى اليقين
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وعلى كل من اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
وبعد: وأخيراً أيها الأحبة الكرام! فإن أمتنا لا تحتاج إلا إلى اليقين، فأمتنا تملك العدد والعدة والعمق الاستراتيجي المذهل، والأموال والثروات الطائلة، وتملك العقول المفكرة، والأدمغة المبدعة، لكن الأمة لا ينقصها إلا اليقين، لا تحتاج الأمة الآن إلا إلى اليقين في الله سبحانه.
لو امتلكت اليقين لرأيت العجب العجاب! ولو تعاملت مع ربك باليقين في خبره وخبر رسوله ﷺ لعشت ورب الكعبة الحياة الطيبة التي أخبر عنها ربنا جل وعلا، ولقلت بيقين: إن كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه فوالله إنهم لفي عيش طيب.
ما أحلى العيش في بستان اليقين، ما أحلى أن تتعامل مع ربك ثم مع الخلق من الكفار والمسلمين بلغة اليقين، الأمة الآن تحتاج بحق إلى اليقين، وها نحن قد رأينا -وشاء الله أن نرى على أرض فلسطين- أطفالاً يعلمون الأمة في الشرق والغرب، بل ويعلمون العالم طعم اليقين وحلاوة اليقين، لقد رأيت بعيني في الأرض المباركة في حرب فلسطين أماً مسلمة تحمل على ذراعها الأيسر طفلها الرضيع وتنحني على الأرض لتلتقط الحجارة فتدفعها إلى ولدها وهو في السابعة من العمر، وأمام الصبي دبابة يهودية أمريكية لا تبتعد عنه إلا عشرة أمتار ليقذف الدبابة بالحجر! آه يا مسلمون متنا قروناً والمحاق الأعمى يليه محاق أي شيء في عالم الغد نحن آدميون أم نعاج نساق نحن لحم للوحش والصيد منا الجثث الحمر والدم الدفاق وعلى المحصنات تبكي البواكي يا لعرض الإسلام كيف يراق قد هوينا لما هوت وأعدوا وأعدوا من الردى ترياق واقتلعنا الإيمان فاسودت الدنـ ـيا علينا واسودت الأعماق وإذا الجذر مات في باطن الأر ض تموت الأغصان والأوراق ما حرك هذه الأم إلا اليقين، ما حرك هذا الطفل المبارك على الأرض المقدسة إلا اليقين، وما أمسكوا بهذا اليقين إلا يوم أن قطعوا كل العلاقة بأهل الأرض، نعم.
قطعوا اليقين في أهل الأرض، علموا يقيناً أن الشرق والغرب بل والعالم الإسلامي لن ينصرهم، فبيقين علقوا قلوبهم بالملك الحق.
فرأينا هذه الآيات والصور التي نراها كل يوم على أرض فلسطين، نرى أطفالاً يروون شجرة العز والكرامة بالدماء الطاهرة الزكية! إنه اليقين، نرى رجالاً، ونساءً، وأطفالاً، وبنات في عمر الزهور والورود يواجهون أعتى الأسلحة على وجه الأرض، ولم لا؟! إنها أسلحة صنعت في أمريكا، والكفر ملة واحدة، تلك الأسلحة الأمريكية التي تقتل الإسلام والمسلمين في فلسطين في أفغانستان في الشيشان في العراق في السودان في الصومال، في كل مكان، ونرى هؤلاء الأطفال والشيوخ والنساء يجسدون لنا اليقين في زمن تعطش لليقين، لنعلم أن القلب إن تجرد لله، ذهل عن أسباب الأرض، وتلعق برب السماء والأرض، رأينا العجب العجاب! لا تستكثروا! ففي مصر وعلى أرضها وترابها تجسد اليقين أيضاً، نعم.
والله الذي لا إله غيره لا أجامل بها مخلوقاً على وجه الأرض، هذه الأرض أيضاً أرض جسدت اليقين، كنت أقرأ بالأمس كتاباً عن ملحمة السويس للشيخ المبارك حافظ سلامة سلمه الله وحفظه، وقرأت العجب العجاب، حينما علمت أنه في يوم الثاني والعشرين من أكتوبر عام ثمانية وسبعين لما دخلت القوات اليهودية إلى مدينة السويس من خلال الثغرة المشئومة المعروفة، ووصلت إلى قلب شركة السويس لتصنيع البترول والتقطت لها الصور إلى جوار مستودعات البترول، ونشرت وكالات الأنباء العالمية هذه الصور المزرية، ووصل اليهود إلى قلب السويس، وخاطبوا المسئولين في المحافظة أن يسلموا المدينة وأن يرفعوا الأعلام البيضاء، وبالفعل رفعت الأعلام البيضاء، فقال هذا الرجل المجاهد البطل مع قلة من الجنود والضباط البواسل من جيشنا ومن المسلمين العاديين قالوا: لا، لن نسلم المدينة، وسوف نجاهد اليهود إلى آخر قطرة من دمائنا.
وسبحان ربي العظيم! هؤلاء البواسل بمجموعة من الأسلحة العادية كبدوا اليهود خسائر فادحة، حتى صرحت وكالات الأنباء بعد ثلاثة أيام فقط أن اليهود قد خسروا المعركة على أيدي رجال المقاومة الشعبية في مدينة السويس! على أيدي أهل مصر الأوفياء، ويقسم لي بالله الشيخ المبارك حفظه الله ويقول: والله لقد نفذ الماء، وتعرضنا للموت عطشاً، وقمنا في مجموعة كبيرة من الضباط والأفراد العاديين نتضرع إلى الله ونصلي صلاة الاستسقاء؛ ليرزقنا الله ماءً فكدنا أن نهلك من العطش، فيقسم بالله قائلاً: والله الذي لا إله غيره رأينا بدون مقدمات سفينة لا تزود السفن في قناة السويس إلا بالماء! رأينا صندداً من الماء قد كسر الرباط الذي له في المركب، وبدل أن يتجه مع التيار جاء هذا المركب عكس التيار، ووقف أمام هؤلاء الأطهار، فلما نزلنا فيه وجدناه سفينة مخصصة لتزويد السفن في القناة بالمياه! لا تستكثروا شيئاً على الله، فوالله لو صدقنا مع الله لرأينا العجب العجاب، فالأمة الآن ما تحتاج إلا إلى اليقين.
ولتلجأ إلى الله وسترى العجب العجاب، وستعلم يقيناً أنه لا تقدر قوة على وجه الأرض مهما كان عددها وعدتها وسلاحها أن تقف في وجه اليقين وأهله.
اللهم ارزقنا اليقين، اللهم ارزقنا اليقين، اللهم إني أسألك أن ترزق الأمة حلاوة اليقين بك، والثقة فيك والتوكل عليك، اللهم اشف صدور قوم مؤمنين بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم انصر المسلمين في فلسطين، وانصر المسلمين في أفغانستان، وانصر المسلمين في الشيشان، وانصر المسلمين في العراق، وانصر المسلمين في السودان، واحفظ المسلمين في العراق، واحفظ المسلمين في السودان، واحفظ المسلمين في كشمير، واحفظ المسلمين في الفلبين، اللهم احفظ المسلمين في كل مكان.
اللهم إني أسألك أن تجعل مصر واحة للأمن والأمان، يا رب! أسبغ على مصر ثوب الأمن والأمان، اللهم اجعل مصر سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، اللهم ارفع الغلاء والوباء، يا رب! استر نساءنا واحفظ بناتنا، اللهم استر نساءنا، واحفظ بناتنا، ورب أولادنا.
ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، واجعلنا للمتقين إماماً، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، اللهم اشف مرضانا ومرضى المسلمين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 722
يا مسلم بأي عيد تفرح
لقد شرع لنا نبينا محمد ﷺ عيدين نفرح بهما، ويهنئ بعضنا بعضاً، ويدعو بعضنا لبعض بقبول العمل الصالح، وبحلول الخير والبركة من الله.
وشتان بين زمان مضى يفرح المؤمنون فيه بعيد الله وبنصره لهم على الأعداء، وبين زمان مريض متبعثر، أذلاء أهله، يفرحون بالأعياد، ويكثرون من الإسراف، ويرتكبون فيها ما حرم الله، وفي الوقت نفسه يشاهدون إخواناً لهم من المسلمين: تسفك دماؤهم، وتنتهك أعراضهم، وتسلب أرضهم، فأي فرح هذا؟! وأي عيد هذا؟!
стр. 723
العيد فرح وآلام
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الأطهار الأخيار الكرام، حيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل مني وإياكم صالح الأعمال، وأن يجمعني في الدنيا وإياكم دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد الدعاة وإمام النبيين في جنته ومستقر رحمته.
واسمحوا لي أن أخص في هذا اليوم العظيم الكريم المبارك صانعة الأجيال ومربية الرجال، التي تربعت طيلة القرون الماضية على عرش حيائها، تهز المهد بيمينها، وتزلزل عروش الكفر بشمالها، اسمحوا لي أن أخصها بالتحية اليوم في عهد غربة الإسلام الثانية.
يا درة حفظت بالأمس غالية واليوم يبغونها للهو واللعب يا حرة قد أرادوا جعلها أمة غريبة العقل غريبة النسب هل يستوي من رسول الله قائده دوماً وآخر هاديه أبو لهب وأين من كانت الزهراء أسوتها ممن تقفت خطى حمالة الحطب فلا تبالي يا أختاه!! فلا تبالي بما يلقون من شبه وعندك الشرع إن تدعيه يستجب سليه من أنا من أهلي لمن نسبي للغرب أم أنا للإسلام والعرب لمن ولائي لمن حبي لمن عملي لله أم لدعاة الإثم والكذب وما مكاني في دنيا تموج بنا في موضع الرأس أم في موضع الذنب هما سبيلان يا أختاه ما لهما من ثالث فاكسبي خيراً أو اكتسبي فدين ربك والقرآن منهجه نور من الله لم يحجب ولم يغب فاستمسكي بعرى الإيمان واعتزي وصابري واصبري لله واحتسبي حياكم الله جميعاً أيها الأحباب الكرام! وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً.
اليوم عيد فحق لنا أن نفرح، ولقلوبنا أن تسعد؛ ولكن بأي عيد نفرح؟ وبأي قلب نسعد؟ وفي كل دار على الإسلام دائرة ينهد من هولها رضوى وثهلان ذبح وصلب وتقتيل بإخوتنا كما أعدت لتشفي الحقد نيران يستصرخون ذوي الإيمان إخوتهم فلم يغثهم بيوم الروع أعوان هل هذه غيرة أم هذه ضعة للكفر ذكر وللإسلام نسيان بأي عيد نفرح؟ وبأي قلب نسعد؟ يا من تحمل بين أضلعك قلباً حياً ينبض بذكر الله ينبض بحب الله ينبض بحب رسول الله ينبض بحب الإسلام بأي قلب تسعد وطفلك وولدك في البوسنة قد شوي على النيران أمام أمه وعلى مرأى ومسمع من أبيه، وبعد ما انتهى الصرب من شيه قطعوه إرباً إرباً، وأجبروا والده المسكين تحت التهديد والتعذيب أن يأكل من لحم ولده أن يأكل من فلذة كبده أن يأكل من ثمرة فؤاده، ثم بعد ذلك أطلقوا عليه النيران فقتلوه؟! بأي عيد تفرح وبأي قلب تسعد أيها المؤمن وأخوك المسلم قد شرد أهله، وهدم بيته، وسفك دمه، ومزقت أشلاؤه؟ وبأي قلب تسعد يا من تحمل بين أضلعك قلباً حياً ينبض بالحياة ينبض بحب الله ينبض بحب رسول الله، وأختك في البوسنة قد انتهك عرضها، وضاع شرفها، وها هي الآن تصرخ وترجوكم رجاءها الأخير؟ أتدرون ما هو رجاؤها؟ رجاؤها يا أولاد الإسلام! ويا شباب الإسلام! أن اقتلوني، واقتلوا العار الذي أحمله بين أحشائي، اقتلوا ولدي الذي حملته من السفاح والزنا، هذا هو رجاؤها الأخير منك يا ابن الإسلام.
يا من تلذذتم بالفراش! يا من تلذذتم بالطعام! يا من أكلتم ملء بطونكم! ونمتم ملء عيونكم، وضحكتم ملء أفواهكم، هذا هو رجاء أختكم الأخير، تنادي عليكم وتقول: اقتلوني واقتلوا العار بين أحشائي اقتلوا ولدي من الزنا! اقتلوا ولدي من السفاح! هذا هو رجاؤها الأخير منكم يا أحفاد محمد! يا أحفاد صلاح الدين! يا أحفاد خالد بن الوليد! هذا هو رجاؤها الأخير بعد ما صرخت علينا طويلاً، حتى انقطع صوتها وهي تنادي وتقول: وا إسلاماه!! وا إسلاماه!! وا معتصماه!! ولكن أين المعتصم؟ ما ثم معتصم يغيث مـ ـن استغاث به وصاح ذبحوا الصبي وأمه وفتاتها ذات الوشاح وعدوا على الأعراض في انتشاء وانشراح يا ألف مليون وأين هم إذا دعت الجراح ما ثم معتصم يغيث مـ ـن استغاث به وصاح بأي عيد تفرح؟ وبأي قلب تسعد أيها المسلم وبرك الدماء، وأكوام الأشلاء تجسد الفجيعة وتحكي المأساة في كل مكان في البوسنة والصومال، في الهند وكشمير، في بورما في تركستان في طاجكستان في أفغانستان في الفلبين في الجزائر في الصومال وأخيراً في اليمن؟ وما زال المشاهدون من جميع أنحاء العالم قابعين في مقاعدهم يشاهدون فصول هذه المسرحية الهزلية المحرقة.
ما زال الجميع قابعاً في مقعده يرى آخر فصول هذه المسرحية، منهم من يبارك هذه التصفية، ومنهم من يبارك هذه الإبادة الوحشية ومنهم من جلس يمسح عينيه بمنديل حريري ولكنه ما زال قابعاً في مقعده؛ لأنه قد أصر على أن يصاحب آخر فصول هذه المسرحية الهزلية: آه يا مسلمون متم قروناً والمحاق الأعمى يليه محاق أي شيء في عالم الغاب نحن آدميون أم نعاج تساق يا قطيعاً من ألف مليون رأس يجري عليها السباق نحن لحم للوحش والطير منا الجثث الحمر والدم الدفاق وعلى المحصنات تبكي البواكي يا لعرض الإسلام كيف يراق قد هوينا لما هوت (وأعدوا) (وأعدوا) من الردى ترياق واقتلعنا الإيمان فاسودت الدنيا علينا واسودت الأعماق وإذا الجذر مات في باطن الأر ض تموت الأغصان والأوراق ما الذي جرى؟! ما الذي حدث؟! ما الذي جرى لأمة دستورها القرآن؟! ما الذي جرى لأمة قائدها محمد ﵊؟ ما الذي غيرها؟ ما الذي بدلها؟! ذلت بعد عزة، وجهلت بعد علم، وضعفت بعد قوة، وأصبحت في ذيل قافلة الإنسانية بعد أن كانت في الأمس القريب تقود القافلة بجدارة واقتدار.
أصبحت أمة القرآن تتسول على موائد الفكر الإنساني بعد أن كانت منارة تهدي الحيارى والتائهين الذين أحرقهم لفح الهاجرة القاتل، وأرهقهم طول المشي في التيه والظلم، وأصبحت أمة القرآن تتأرجح في سيرها لا تعرف طريقها التي يجب عليها أن تسير فيه، وهي التي كانت بالأمس القريب الدليل الحاذق الأرب الذي يسير في الصحراء المتشابكة، وفي الدروب المهلكة التي لا يجيد أن يسير فيها إلا المجربون.
أهذه هي الأمة التي قال الله عنها في القرآن: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]؟ أهذه هي الأمة التي وصفها الله بالوسطية، فقال جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]؟ أهذه هي الأمة التي وصفها الله في القرآن بالوحدة فقال جل وعلا: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢]؟ والجواب بحق وصدق: إن البون شاسع، وإن الفرق كبير بين الأمة التي زكاها الله في القرآن هذه التزكية وبين الأمة التي نراها الآن في واقعنا المعاصر.
يا أبناء الأمة! إننا نرى الآن أمة قد عطلت جميع طاقاتها العقلية، والعلمية، والعددية، والاقتصادية، بل والروحية.
أصبحت أمة القرآن في الوحل والطين، وتركت ذروة سنام الإسلام، ورضيت بالزرع، وتبعت أذناب البقر؛ فأذلها الله لمن كتب عليهم الذلة من إخوان القردة والخنازير من أبناء يهود.
لماذا أذل الله الأمة؟ لأن الأمة -أيها الأحباب- تخلت عن أصل عزها، ونبع شرفها، ومصدر كرامتها وبقائها ووجودها، فأصابها الله بهذا الذل وهذا الهوان، وهذا الضعف وهذه الفرقة، وهذا الشتات؛ لأنها تخلت عن أصل عزها، ونبع شرفها، ومعين كرامتها وبقائها ووجودها.
стр. 724
بداية الصحوة ودور الشباب في التغيير
أيها الأحبة! هنا تساءل خطير وهام، يصرخ به كل شباب الأمة في كل بقاع الدنيا: ما الذي غير الأمة إلى هذا الحال؟ ما الذي حول الأمة إلى هذه الحالة المزرية من هذا الضعف والذل والهوان والعار؟ والجواب في كلمات حاسمة قاطعة، من قول ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] ورب الكعبة لقد غيرت الأمة وبدلت -أيها الأحباب- وحرفت منهج ربها في جانب العقيدة في جانب العبادة في جانب الأخلاق في جانب التشريع في جانب الاتباع في جانب المعاملات والسلوك.
غيرت الأمة كثيراً كثيراً، وابتعدت عن كتاب ربها وعن سنة نبيها ﵌، حتى وصلت إلى هذه الحال المزرية التي نراها عليها الآن.
ولكن لا أريد أن أسكب القنوط واليأس في قلوبكم، وإنما أريد أن أشخص الداء حتى وإن كان مراً بطعم الحنظل؛ لنستطيع بعد ذلك أن نحدد الدواء النافع لأمراض هذه الأمة التي استشرت.
أقول: بالرغم من كل هذا شاء الله جل وعلا وهو الحليم الكريم اللطيف الخبير شاء الله في هذه الأيام التي تجمعت فيها الأحزاب وكل جاهليات الأرض مرة أخرى، للقضاء على الإسلام واستئصال شأفة المسلمين، شاء الله جل وعلا أن يبزغ في الأفق نور يشرق، وأمل يتجدد، أضحى حقيقة كبيرة لا تنكر، بل وأفزعت هذه الحقيقة المشرقة العالم بأسره، وكيف لا وهي أكبر حدث إنساني في السنوات الأخيرة من القرن العشرين؟! ها نحن نرى يا شباب الإسلام! صحوة عالمية مباركة لا في مصر وحدها، ولا في البلاد الإسلامية وحدها، بل في جميع بقاع الدنيا، في جميع أنحاء العالم.
رأينا هذه الصحوة في قلب قلعة الكفر أمريكا.
رأينا هذه الصحوة في كندا وفي أقصى الدنيا.
رأينا هذه الصحوة في فرنسا، وها نحن نرى بحمد الله جل وعلا كوكبة كريمة وثلة مباركة عظيمة من شباب في ريعان الصبا، وفتيان في عمر الورود، تلكم الكوكبة التي بدأت تتنزل بحمد الله في كل بقاع الدنيا كتنزل حبات الندى على الزهرة الظمأى، والأرض العطشى، أو كنسمات ربيع باردة عطرتها وطيبتها أنفاس الزهور، تلكم الكوكبة التي جاءت بعد بدر والقادسية واليرموك وحطين، جاءت في كهولة من الزمن لتعيد الإسلام غضاً طرياً، ولتمضي على تاريخ الدعوة الطويل الضارب في شعاب الزمان، من لدن نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
جاءت لتمضي على ذات الطريق مستقيمة الخطى، ثابتة الأقدام، تجتاز الصخور والأشواك والحجارة، تجول هنا وتتمزق هنا ولكن الركب الكريم في طريقه لا ينحني ولا ينثني ولا يحيد؛ لأنه على ثقة مطلقة بنهاية الطريق، وبأن المستقبل لهذا الدين رغم كيد الكائدين.
أيها الأحباب! أقول بقلب يملؤه اليقين، وبلغة يحدوها الأمل: بدأت الأمة تصحو من جديد، وليس معنى ذلك أن الأمة بجميع أفرادها صحت.
أيها الأحباب! إن كان شيوخنا وعلماؤنا هم عقول الأمة التي تفكر فإن شبابنا وأبناءنا هم سواعد الأمة التي تبني وتعمر، ولا يمكن على الإطلاق لعقل أن يأتي مجرداً دون أن يمشي على قدميه، ودون أن يتقوى بساعديه.
أقول: إن البداية الصحيحة أننا نرى كثيراً من شباب الأمة وفتيات الأمة قد عادوا إلى الله جل وعلا، فسمعنا آهات التائبين العائدين إلى الله جل وعلا تردد: آيبون تائبون عابدون، لربنا حامدون.
ها نحن نرى ونسمع الأصوات قد ارتفعت مرة أخرى، نسمع أصوات أبناء الطائفة المنصورة التي لا يخلو منها زمان ولا مكان بموعود حديث رسول الله، كما في حديث في صحيح مسلم من حديث معاوية أنه ﷺ قال: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس) نسمع الآن أصوات الشباب لا في مصر وحدها بل في جميع أنحاء الدنيا، هذا الشباب الذي بدأ يصرخ ويقول: أين الحل أين طريق الخلاص؟ والجواب يا شباب الصحوة في كلمات قليلة حاسمة، طريق الخلاص أن تعود الأمة من جديد إلى ربها إلى الإسلام بكماله وشموله بفروعه وأصوله، فهو مصدر عزنا الذي قال عنه فاروق الأمة عمر: (لقد كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله).
هذه هو طريق الخلاص الذي يجب أن يكون محفوراً في القلوب والعقول إلى درجة اليقين -وأعداء الأمة يعلمون هذا- الطريق، فلا بد أن نعلم أن طريق الخلاص هو أن تعود الأمة بكليتها إلى الإسلام بكماله وشموله، بفروعه وأصوله، وأن تحول الأمة من جديد هذا الإسلام إلى منهج حياة كما حوله الرعيل الأول إلى منهج حياة، فحولهم الله بذلك من رعاة للغنم إلى سادة وقادة لجميع الأمم.
стр. 725
طرق إصلاح الأمة
أيها الأحباب الكرام! هذا هو الطريق، ولكن المشكلة الحقيقية الآن التي تعترض المصلحين الصادقين الذين يفكرون في حال الأمة، ويفكرون في العلاج -وانتبهوا معي جيداً لهذا العنصر المهم- ويشخصون الداء، ويصرفون الدواء.
إن المشكلة هي: كيف نعيد بناء الأمة من هذا الفتات المتناثر؟! والحق أن ما هدم في سنوات لا يمكن على الإطلاق أن يبنى في أيام، وإن هذا العمل يحتاج إلى جهد كبير وصبر جميل وتجرد في جميع مراحل هذا البناء وأود أن يعلم الجميع بصفة عامة والدعاة وأهل التربية بصفة خاصة أنه لا يمكن على الإطلاق أن نربي الأمة دفعة واحدة، كما أنه لا يمكن على الإطلاق أن نربي كل فرد من أفراد الأمة بصورة مباشرة؛ لأن أعظم مرب عرفته الدنيا لم يفعل ذلك.
إذاً: ماذا فعل الحبيب المصطفى ﷺ الذي بنى أمة من فتات متناثر، وأقام للإسلام دولة أذلت الأكاسرة، وأهانت القياصرة، وغيرت مجرى التاريخ في فترة لا تساوي في حساب الزمن شيئاً؟! أقول: لقد ربى رسول الله ﷺ القاعدة القوية الصادقة الأمينة، ثم انطلقت هذه القاعدة لتربي بقية الأمة، فكانت القدوة الصالحة، وانطلقت لتحول المنهج الرباني إلى واقع عملي يتحرك في دنيا الناس.
أيها الأحباب! كيف يمكننا أن نزيل غربة الإسلام الثانية؟ أستطيع -حتى لا أطيل أكثر من ذلك- أن أضع بين أيدي حضراتكم في عجالة سريعة بعض بنود المنهج العملي ليعي كل فرد منا دوره، وليعلم كل واحد منا مسئوليته.
أقول: أيها الحبيب! أستطيع أن أضع بين أيدي حضراتكم بعض بنود المنهج العملي الذي أراه من وجهة نظري القاصرة صالحاً للارتقاء بالأمة إلى مكانتها مرة أخرى:
стр. 726
بناء صرح الأخلاق الإسلامية
ثالثاً: من بنود هذا المنهج العملي الذي أراه من وجهة نظري القاصرة صالحاً للارتقاء بالأمة إلى مكانتها مرة أخرى: السعي الجاد لبناء صرح الأخلاق الإسلامية.
قد يقول بعض الأحبة الآن: إنك تناقض نفسك، بقولك: نريد الآن العلم، والتكنولوجيا، ونريد الرقي، ونريد الخبرة، ونريد رءوس المال.
وأنا أقر هذا ولا أنكره على الإطلاق، ولكنني أقول: إن كل هذه المقومات بدون بناء أخلاقي لن تفيدنا، بل ستحول بيننا وبين العلم الدنيوي والأخروي.
فيا أيها الموحد! ضم العالم كله إلى صدرك، وأسمعه خفقات قلبك الذي وحد الله جل وعلا هيا ضم العالم كله إلى صدرك وأسمعه خفقات قلبك الذي وحد الله جل وعلا وامتلأ بمعرفته.
هيا قم أيها الموحد! واسق الدنيا كأس الفطرة، لتروى بعد ظمأ، ولتحيا بعد موت، ولتهدى بعد ضلال.
قم أيها الموحد! قم يا حفيد صلاح الدين! تحرك بهذا الدين بدعوة الله، فإن أهل الباطل تحركوا على جميع المستويات لباطلهم، وما زال أهل الحق متفرقين.
يا أبناء الصحوة: كونوا على قدر هذه المسئولية، كونوا على قدر هذه المؤامرات الموتورة التي تكاد للأمة في الليل والنهار.
ألم تفكروا إلى الآن في حسم هذه المؤامرات؟! فلتتوحد الصفوف، ولتلتق القلوب، لا أقول تلتقي الجماعات في جماعة واحدة، فربما يكون هذا من ضرب الخيال، ولكن فلتلتق القلوب، وليحب بعضنا بعضاً، وليعذر بعضنا بعضاً، وليلتق الجميع على الحق، وإذا وجدت أخاك على خطأ فاقترب منه بحكمة ورحمة وقل له: يا حبيبي في الله! هذا خطأ.
إنك في حاجة إلى جهد أخيك، وأخوك في حاجة إلى جهدك! أيها الحبيب! فلتكن الرحمة شعارنا، ولتكن الحكمة منهجنا، ولتكن العدالة سبيلنا، فهيا لنتحرك لتلتقي القلوب على منهج الحق، فإننا الآن في أمس الحاجة إلى كل جهد مخلص صادق يبذل لدين الله جل وعلا.
أيها الشباب! أيها الأحباب! تحركوا بدين الله، تحركوا بدعوة الله! أخاطبك أيها المسلم، وأخاطبك أيتها المسلمة.
فإن الدعوة إلى الله مسئولية الجميع، وسنُسأل عنها بين يدي الله، وفي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمرو أنه ﷺ قال: (بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)
стр. 727
نبذ الفرقة وتوحيد الصف
أولاً: من بنود هذا المنهج: نبذ الفرقة وتوحيد الصف -وضعوا هذه في قلوبكم يا أبناء الصحوة- فإن الفرقة والشتات سبب لذهاب الريح وتوهين القوة، قال الله جل وعلا: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦]، وقال الله جل وعلا: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥].
ونحن إذ ننادي بالوحدة فإننا لا نريدها وحدة على غير أصول ثابتة، كلا، فنحن لا نريدها وحدة تجمع شتاتاً متناثراً، وأفكاراً متناقضة على غير حق واتباع وهدى، كلا، فإن هذا الكلام لا يقول به عاقل على الإطلاق، وإنما ننادي بالوحدة التي ترتكز على أصلين لا ثالث لهما، ألا وهما: الأصل الأول: الانتماء للإسلام دون سواه، فلننبذ كل العصبيات والقوميات والنعرات، وليكن ولاؤنا للإسلام فقط، وليكن نسبنا هو الإسلام، ولنردد مع سلمان قولته الجميلة: أبي الإسلام لا أب لي سواه إن افتخروا بقيس أو تميم أما الأصل الثاني لهذه الوحدة فهو: توحيد مصدر الهداية والتشريع، ومصدر الهداية والتشريع هو القرآن والسنة، بفهم سلف الأمة، وحينئذٍ فقط توحد العقيدة وتصفى، وتوحد الشريعة وتنقى.
стр. 728
إعداد الكوادر الإسلامية المتخصصة
ثانياً: من بنود المنهج العملي: إعداد الكوادر الإسلامية المتخصصة وهذه المسئولية تلقى على عواتق وأكتاف الشباب فهم عماد الأمة! أيها الآباء الكرام! يا من حملكم الله أمانة المسئولية وأمانة التربية! أقول: إننا الآن في أمس الحاجة إلى إعداد الكوادر الإسلامية المتخصصة في كل مجالات الحياة: في علم الذرة، في علم الطب، في علم الهندسة، في علم الفلك، في علم الجيولوجيا، في علم الكيمياء، في علم الصناعة، في علم الزراعة، في علم التجارة، في كل مجالات الحياة، نريد الكوادر الإسلامية المتخصصة التي تنطلق من فهم دقيق، ووعي عميق للإسلام بكماله وشموله لتسير جميع شئون الحياة من منظور إسلامي، من قال الله قال رسوله، ولا يمكن على الإطلاق أن نسير شئون الحياة مرة أخرى إلا على أيدي هذه الكوادر الإسلامية المتخصصة التي تنطلق وهي تفهم الإسلام، ولتشهد للإسلام شهادة عملية بعدما شهدت له من قبل شهادة قولية.
стр. 729
المستقبل لهذا الدين
وأخيراً: أقول بقلب يملؤه اليقين، وبلغة يحدوها الأمل: إن المستقبل لهذا الدين رغم كيد الكائدين، ولا نقول ذلك من باب الأحلام الوردية، ولا من باب تسكين الآلام أو تضميد الجراح، ولكنه القرآن الكريم، وكلام النبي الصادق الأمين، يقول الله جل وعلا: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف:٨]، ويقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]، ويقول الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣].
أيها الأحباب! اعلموا بأن المستقبل لهذا الدين، وبأن الإسلام قادم كقدوم الليل والنهار، وبأن هذا الوعد هو وعد الله جل وعلا، ووعد الله لا يخلف، فاسألوا الله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى وتضرعوا إليه في هذه اللحظات -عسى أن يتقبل الله دعوة صادق فينا- أن ينصر الإسلام والمسلمين.
اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم وأعل بفضلك كلمة الحق والدين! اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم احمل المسلمين الحفاة، واكس المسلمين العراة، وأطعم المسلمين الجياع.
اللهم فك سجن المسجونين، وأسرى المأسورين، واربط على قلوبنا وقلوبهم يا أرحم الرحمين! اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع المبارك ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا سددته، ولا حاجة فيها لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين! اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل اللهم فينا شقياً ولا محروماً! اللهم اجعل مصر واحة للأمن والأمان، اللهم اجعل مصر واحة للأمن والأمان، اللهم اجعل مصر سخاء رخاء وسائر بلاد المسلمين! اللهم اجعل مصر سخاء رخاءً وسائر بلاد المسلمين، اللهم ارفع عن مصرنا الغلاء والوباء والفتن والبلاء برحمتك يا أرحم الرحمين! أيها الأحبة في الله! كل عام وأنتم بعافية وصحة وخير، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 730
اقترب ظهور المهدي
العلامة الوسطى التي تقع بين علامات الساعة الصغرى وعلامات الساعة الكبرى هي: ظهور المهدي ﵇، الذي جاء في الأحاديث الصحاح ذكره ووصفه وصفاً دقيقاً، وجاء فيها ما يحصل في الأرض -في زمنه- من تغير وتحول.
بل جاء فيها ملاحمه التي سيخوضها مع المسلمين الموحدين ضد أعداء الدين، حتى يعم هذا الدين أرجاء الأرض.
فيجب الإيمان بهذه العلامة، وعدم تحكيم العقل في ذلك.
стр. 731
ظهور المهدي من علامات الساعة الوسطى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الفضلاء! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله الكريم جل وعلا الذي جمعنا مع حضراتكم في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار مقامته؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! حديثنا -بإذن الله تعالى ومدده وتوفيقه- عن العلامة الوسطى، أو عن حلقة الوصل -إن صح التعبير- بين العلامات الصغرى والعلامات الكبرى للساعة، هذه العلامة الوسطى هي: ظهور المهدي ﵇، وهذا درس من أهم الدروس التي تملأ قلوب المستضعفين من المسلمين الآن بالأمل في أن الإسلام -بموعود الله وبموعود الصادق رسول الله ﷺ سيظهره الله على الدين كله، فتدبروا معي هذه المحاضرة، فإنها من الأهمية بمكان، والله أسأل أن يقر أعيننا وإياكم بنصرة المسلمين وعز الإسلام.
стр. 732
حال الأرض في زمن المهدي
والأرض تنتظر المهدي في وقت سيقدره الله الرب العلي، إذ لا يعلم وقت ظهور المهدي ملك مقرب ولا نبي مرسل، فهو من الأمور الغيبية التي اختص الله بعلمها.
يخرج المهدي في آخر الزمان يؤيد الله به الدين، ويملك سبع سنين، فيملأ الأرض عدلاً كما ملأت الأرض جوراً وظلماً، وتنعم الأمة في عهده نعمة لم تنعم بها قط، وتخرج الأرض في عهده نباتها، وتمطر السماء قطرها، ويكون المال بغير عدد، نسأل الله أن يعجل بخلافته.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: في زمان المهدي تكون الثمار كثيرة، والزروع غزيرة، والمال وافر، والسلطان قاهر، والدين قائم، والعدو راغم، والخير في أيامه دائم.
стр. 733
صفة المهدي
وصف النبي ﷺ المهدي وصفاً دقيقاً كما وصف عيسى ابن مريم ﵇، وكما وصف الدجال عليه لعنات الله المتتالية.
وصف النبي المهدي بأنه أجلى الجبهة، أي: واسع الجبهة، يقل الشعر عند جانبي الجبهة.
وأخبر ﵊ بأنه أقنى الأنف، والأقنى: هو الأنف الذي له أرنبة دقيقة، وله حدة أو دقة في الوسط، وهذا وصف يبين جمال الخلقة وحسن الصورة والمنظر.
يصلحه الله في ليلة واحدة، وقد وقف أهل العلم عند قول النبي ﷺ : (يصلحه الله)، فقالوا: يصلحه الله في ليلة واحدة أي: يطهره الله من كل ذنب وخبث، وهناك قول ثانٍ وهو: إن المعنى: يهيئه الله ويعده للخلافة في أيام الفتن والملاحم الأخيرة التي ستكون بين يدي الساعة.
ويؤيده الله بنصره وعونه؛ إذ إن ظهور المهدي ﵇ ليس أمر كسبياً منه، يعني: لا ينبغي لأحد أن يقول: بأني سأجتهد بالطاعة والعبادة لأكون المهدي، لا؛ لأن ظهور المهدي ليس أمراً كسبياً، كما أن النبوة ليست أمراً كسبياً؛ وإنما ظهور المهدي أمر قدري في الوقت الذي يشاءه وفي الشخص الذي يريده الرب العلي.
стр. 734
ترجمة المهدي
كثير من المسلمين لا يعرفون شيئاً عن المهدي، فمن هو المهدي؟ وما هي صفته؟ وما هي العلامة المؤكدة والمميزة لظهوره، لا سيما وقد رأينا كثيراً من الكذابين قد ادعى أنه المهدي؟ فهل ذكر النبي ﷺ علامة مميزة مؤكدة للمهدي الذي سيخرج في آخر الزمان، والذي سيكون بين يدي العلامات الكبرى؟ ثم ما هي الحروب والملاحم والفتن التي سيقود فيها المهدي جيوش المسلمين في الأيام الأخيرة بين يدي الساعة؟ كل هذه الأسئلة سنجيب عنها الليلة بحول الله وطوله ومدده.
أيها الأحبة الكرام! رجل من المسلمين من آل بيت النبي ﷺ ، من ولد الحسن بن علي ابن فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، واسم المهدي كاسم النبي، واسم أبيه كاسم أبي النبي، فهو محمد أو أحمد بن عبد الله الحسني العلوي الفاطمي رضوان الله عليه.
стр. 735
ذكر بعض الأحاديث الواردة في المهدي
والأحاديث الواردة بشأن المهدي ﵇ بلغت حد التواتر، والمتواتر عند جمهور العلماء يفيد العلم القطعي، ومن ثَمَّ فالعلم به واجب، والإيمان به فرض عين على كل مسلم ومسلمة، ومن هذه الأحاديث الثابتة عن النبي الصادق في شأن المهدي: ما رواه الحاكم في المستدرك وصححه على شرط الشيخين، وأقره الذهبي والألباني من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: (يخرج في آخر أمتي المهدي، يسقيه الله الغيث، وتخرج الأرض نباتها، ويعطي المال صحاحاً، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة، يعيش سبعاً أو ثمانياً -يعني: حججاً).
وروى أبو يعلى عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أبشركم بالمهدي، يبعث المهدي على اختلاف من الناس وزلزال، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت الأرض جوراً وظلماً، ويرضى عنه -أي: عن المهدي - ساكن السماء وساكن الأرض، يقسم المال صحاحاً، فقال له رجل: ما صحاحاً؟ قال: بالسوية بين الناس).
وروى أبو داود في سننه وصححه الألباني في صحيح الجامع من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تذهبوا أو لا تنقضي الدنيا حتى يملك العربَ رجلٌ من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي).
стр. 736
كيفية معرفة المهدي
مما مضى من الأحاديث -أيها الإخوة- يتبين لنا أن الأحاديث الثابتة في شأن المهدي قد تواترت تواتراً معنوياً كما ذكرتُ، والسؤال المهم: كيف نعلم ظهور المهدي؟ فإنه قد خرج أناس كثيرون يدعي كل واحد منهم أنه المهدي، فكيف نعلم أن هذا الرجل الذي ادعى لنفسه المهدية، أنه هو المهدي الذي أخبر عنه النبي ﷺ ؟
و
الجواب
أن هذا السؤال مهم جداً، والنبي ﷺ قد ذكر لنا علامة أكيدة مميزة للمهدي ﵇ دون غيره من الأدعياء الكذابين، فتدبر كلام الصادق الأمين! ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂، أن النبي ﷺ عبث في منامه، أي: تحرك جسمه الشريف وتحركت أطرافه، وفعل شيئاً لم يكن يفعله في نومه، فقلنا: يا رسول الله! صنعت شيئاً في منامك لم تكن تفعله؟ فقال ﵊: (العجب أن ناساً من أمتي يؤمون البيت -أي: البيت الحرام- لرجل من قريش قد لجأ في البيت، حتى إذا كانوا في البيداء -أي: في الصحراء- خسف بهم، فقلنا: يا رسول الله! إن الطريق قد يجمع الناس، قال: نعم، فيهم المستبصر والمجئور -ابن السبيل- يهلكون مهلكاً واحداً، ويصدرون مصادر شتى، يبعثهم الله على نيتهم) ومن العلماء المعاصرين من قارن وصف السفياني في أحاديث كتاب (الفتن) لـ نعيم بن حماد وطابقها على صدام حسين، وليس لدينا دليل على ذلك، إنما هو ضرب من المجازفة، وهذا مذكور في كثير من الكتب التي وقفت عليها، ويبدوا أن هذا السفياني شر في حياته وفي آخر حياته، وهو الذي سيخرج بجيشه لقتال المهدي.
يقول النبي ﵊: (يخرج رجل يقال له: السفياني في عمق دمشق، وعامة من يتبعه من كلب -قبيلة معروف تسمى قبيلة كلب- ويخرج رجل من أهل بيتي في الحرم -الذي هو المهدي ﵇ فيسير إليه السفياني بمن معه، حتى إذا صار ببيداء من الأرض خسف بهم، فلا ينجو منهم إلا المخبر عنهم)، وفي رواية: (إلا الشريد) يبقي الله رجلاً ليخبر عن خسف الله للجيش؛ ليشتهر وينتشر خبره وأمره، ولاحظ أن هذه هي العلامة الأكيدة المميزة للمهدي ﵇، فإذا ظهر رجل هنالك في مكة، وأعلن عنه أنه المهدي، وخرج جيش لقتاله، فخسف الله بهذا الجيش الأرض علمنا أن ذلك الرجل هو المهدي.
فإذا خسف الله بالجيش الذي سيخرج لقتال المهدي الأرض، فمعنى ذلك: أن كل المسلمين على وجه الأرض في هذه اللحظة سيعلمون أن الرجل الذي ظهر بمكة هو المهدي، وحينئذ يرحل إلى المهدي -إلى مكة- كل مسلم على وجه الأرض ليبايعه، ثم يتقدم المهدي هذه الجحافل المؤمنة الطائعة، ليقود بهم الملاحم الأخيرة.
стр. 737
أهم الملحم والحروب التي يقودها المهدي
فما هي أهم الملاحم والحروب التي سيقود فيها المهدي ﵇ كتائب المسلمين في آخر الزمان، وهذا درس من أهم الدروس التي تملأ قلوب المستضعفين من المسلمين الآن بالأمل في أن الإسلام -بموعود الله وبموعود الصادق رسول الله ﷺ سيظهره الله على الدين كله.
ما أن يخسف الله بالجيش الذي خرج لملاقاة المهدي الأرض، حتى يعلو ذكر المهدي، وينتشر صيته، ويأتيه المسلمون من كل بقاع الدنيا ليبايعوه؛ ليشد المسلمون الصادقون -الذين يشتاقون إلى الجهاد في سبيل الله تحت خليفة يرفع راية التوحيد والسنة- على يد المهدي ويبايعونه على النصرة وعلى الجهاد؛ لإعلاء كلمة الله ﵎ تحت شعار إحدى الحسنين: إما النصر وإما الشهادة، أسأل الله أن يرزقنا وإياكم الشهادة في سبيله.
وبعد خسف الله الأرض بالجيش الذي خرج لقتاله، يجتمع للمهدي بعد هذه العلامة المؤكدة جيش كبير جداً من الموحدين من كل بقاع الأرض، ثم لا يجد هذا الجيش بقيادة المهدي وقتاً للراحة ولا للنوم، وإنما يخوضون كثيراً من الملاحم والحروب والمعارك التي تحمر فيها الحدق، ويرتفع فيها صهيل الخيول، وتسمع فيها قعقعة السيوف والرماح، وتبلغ فيها القلوب الحناجر، ويسقط فيها كثير من القتلى والجرحى، حتى تخوض الخيول في برك من الدماء والأشلاء، وينبغي أن تعرف أن العالم سيقف على قلب رجل واحد لقتال المهدي، وتصور أن العالم كله بعد ظهور المهدي سيقف صفاً واحداً لقتال المهدي! وأبشر فما من معركة سيخوضها المهدي إلا وسينصره الرب العلي.
المعركة الأولى: غزو جزيرة العرب.
المعركة الثانية: غزو بلاد فارس.
المعركة الثالثة: غزو بلاد الروم أي: أوروبا وأمريكا.
ومن غزو بلاد الروم: فتح القسطنطينية.
المعركة الرابعة: قتال اليهود، والنصر عليهم.
المعركة الخامسة: قتال الترك، أي: الصين وروسيا واليابان ومنغوليا إلى آخر هذه الشعوب.
لو تصورت بعد هذا العرض السريع للملاحم والمعارك التي سيخوضها المهدي -كما ذكرت- يتبين لك أن العالم كله سيقاتل المهدي ﵇، وتدبر معي كلام الصادق المصدوق في الجملة! وسأفصل بعد ذلك إن شاء الله تعالى: يقول المصطفى ﷺ وهو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، الذي ارتقى يوماً المنبر فوصف لأصحابه ما سيكون إلى قيام الساعة، ومما ذكره ﵊ في الملاحم التي سيقود كتائب المسلمين فيها المهدي ﵇ ما روى مسلم وأحمد وابن ماجة وغيرهم من حديث نافع بن عتبة أن النبي ﷺ قال: (تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله، ثم تغزون فارس فيفتحها الله، ثم تغزون الروم فيفتحها الله، ثم تغزون الدجال فيفتحه الله).
إذاً: المعركة الأولى: فتح بلاد العرب، ثم فتح بلاد فارس، ثم فتح بلاد الروم، ألا وهي أوروبا وأمريكا، ثم فتح الدجال.
وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع من حديث معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال: (عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية خروج الدجال).
وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي تعال فاقتله إلا الغرقد، فإنه من شجر اليهود).
وفي الحديث الذي رواه الإمام البخاري والإمام أحمد من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوزاً وكرمان)، وهي بلاد مشهورة يحدها من الغرب بلاد فارس، ومن الشمال خراسان، ومن الجنوب الخليج الفارسي، أو بحر فارس كما كان يُسمى قبل ذلك عند العرب، وهي حالياً بلاد الصين وروسيا واليابان، وقد وصف النبي وجوههم وصفاً عجيباً كأنه يراهم اليوم، فقال: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوزاً وكرمان من الأعاجم، حمر الوجوه، فطس الأنوف، صغار الأعين، كأن وجوههم المجان المطرقة) -أي: كأن وجوههم كالتروس المستديرة التي غطيت بالجلد، انظر إلى وجه الياباني أو وجه الصيني المستدير كأنه الترس المستدير غطي بنوع من الجلد، لو تفرست ودققت النظر في الوجوه لصليت على من لا ينطق عن الهوى ﷺ .
وفي رواية مسلم من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون الترك)، ويراد بالترك هنا بلاد الصين وروسيا واليابان ومنغوليا إلى آخر تلك البلاد في تلك المنطقة، (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون الترك، قوماً وجوههم كالمجان المطرقة، يلبسون الشعر ويمشون في الشعر) هذا وصف جديد، وفي رواية أخرى توضح هذه الرواية في البخاري عن أبي هريرة أنه ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلون قوماً نعالهم الشعر) أي: أن النعال التي يمشون فيها من الشعر، ومن ينظر إلى نعال الصينيين والروسيين واليابانيين في هذه المناطق الباردة يعلم يقيناً أنها تصنع من الشعر، وما يسميه البعض: الفرو ومعظم الثياب التي يرتدونها من الشعر -الفرو- فلباسهم الشعر ويمشون في الشعر.
يقول ﵊ -بأبي هو وأمي-: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلون قوماً نعالهم الشعر، وحتى تقاتلون الترك صغار الأعين حمر الوجوه، ذلف الأنوف -هو الأنف الصغير الأفطس- كأن وجوههم المجان المطرقة).
قف بعد هذا الإجمال على هذا التفصيل:
стр. 738
فتح المهدي لبلاد العرب
المعركة الأولى أو الملحمة الأولى هي: فتح بلاد العرب، وأول جيش سيخرج لقتال المهدي من بلاد العرب، وثبت في بعض الروايات أن الذي سيقود هذا الجيش هو السفياني، يخرج إليه فينصر الله المهدي بمدد غيبي من عنده ، يعني: بأمر قدري بحت لا دخل فيه لبشر، ولا دخل فيه لجيش، فيؤيد الله المهدي في هذه المعركة الأولى والتي ستبين للمسلمين في الأرض أن هذا الرجل هو المهدي حقاً، فيخسف الله الأرض بهذا الجيش الذي خرج لملاقاته، وبعد هذه المعركة يخرج المهدي ﵇، ويبسط سلطانه على كل جزيرة العرب، التي ستفتح أبوابها بعد هذا النصر الغيبي للمهدي ﵇، ويتحقق فوراً بعد هذه الخسف قول النبي ﷺ : (تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله .
إذاً: الذي يفتح للمهدي جزيرة العرب هو الله ﵎، دون قتال أو دون نزال بين جيش المهدي وبين هذا الجيش العربي الذي سيخرج لملاقاة المهدي بقيادة السفياني.
стр. 739
فتح المهدي لبلاد فارس
المعركة الثانية: (ثم تغزون فارس فيفتحها الله)، وبعد سيطرة المهدي وكتائب التوحيد معه على أرض الجزيرة كلها ستخرج بلاد فارس بحدها وحديدها - من الشيعة الذين لا يرقبون في مؤمن من أهل السنة إلاً ولا ذمة- يخرجون لقتال المهدي ﵇، فيهزمهم المهدي شر هزيمة، ويتحقق قول النبي ﷺ : (ثم تغزون فارس فيفتحها الله)، فيمتد سلطان المهدي من جزيرة العرب ويتجه إلى ناحية الشرق، إلى ناحية بلاد فارس، فيسيطر عليها سيطرة كاملة بموعود الحق ﵎، وبموعود رسول الله ﷺ .
стр. 740
قتال المهدي لبلاد الروم
المعركة الثالثة: هي الملحمة الكبرى التي وصف النبي أحداثها وصفاً دقيقاً، كأنه يحارب في هذا الجيش الذي يقود كتائبه المهدي ﵇، هذه الملحمة الكبرى التي سيقودها المهدي بعد السيطرة على بلاد العرب وعلى بلاد فارس هي قتال الروم، هي قتال أوروبا وأمريكا، وتلك هي الملحمة الكبرى، وهي أشد الملاحم وأعظمها على الإطلاق، وهي المعركة التي سماها بعض أهل العلم: معركة هرمجدون، والتي ستأتي بعد فترة الهدنة والمصالحة التي نحن فيها الآن، أي: فترة مصالحة بين المسلمين وبين الروم الآن، وبعدها سيقاتل المسلمون مع الروم -أي: أوروبا وأمريكا- عدواً واحداً، وهذا العدو ربما يكون العدو الشرقي سواء الشيوعي أو الشيعي، وينتصر المسلمون مع الروم في هذه المعركة، وفي طريق العودة يقوم رجل من الروم فيرفع الصليب ويقول: انتصر الصليب، فيغار رجل من أهل الإيمان والإسلام فيقوم إلى هذا الرجل فيدفعه أو يقتله، فحينئذٍ يغدر الروم بالمسلمين، وتقع هذه الملحمة الكبرى التي أخبر عنها الصادق الأمين ﷺ .
تدبر ماذا قال النبي ﵊! والحديث في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم في الأعماق أو بدابق) ودابق مدينة بالقرب من مدينة دمشق السورية، أي: مقر قيادة المهدي سيكون بمدينة بالقرب من دمشق، وستكون الملحمة في هذه الأرض في أرض المسلمين، يقول النبي ﵊: (لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم -أي: الأمريكان والأروبيون- في الأعماق أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة بقيادة المهدي من خيار أهل الأرض يومئذٍ، فإذا تصافوا -أي: للقتال- قالت الروم: خلو بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم) وقد تعجبون إن قلت لكم أن الذي سيشارك في فتح القسطنطينية وسيفتح الله على يديه هذه المدينة هم مجموعة كبيرة من أهل الروم ممن أسلموا لله ، فسيسلم الروم في هذه المعارك بأعداد كبيرة جداً، وينضمون إلى كتائب التوحيد بقيادة المهدي ﵇، يقول النبي ﵊: (فإذا تصافوا قالت الروم: خلو بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا؛ والله! لا نخلي بينكم وبين إخواننا) ولقد صاروا إخواناً لنا من المسلمين (فيقاتلونهم) تدبر ماذا يقول المصطفى في وصف دقيق عجيب: (فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبداً)، ينهزم ثلث من جيش المسلمين أي: من الفرَّار أو الكرَّار، والله أعلم بحالهم، يقول النبي في حقهم: (فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبداً، ويقتل ثلثهم) وتدبر ماذا قال النبي ﷺ في حق هذا الثلث الثاني: (هم أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح الثلث -أي: المتبقي- لا يفتنون أبداً، فيفتتحون قسطنطينية، فبينما هم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون -وليس رشاشاتهم- إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم -أي: المسيح الدجال قد خرج- فيخرجون وذلك باطل، فإذا جاءوا الشام خرج -أي: الدجال- فبينما هم يعدون للقتال ويسوون الصفوف إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى ابن مريم، فإذا رآه عدو الله -أي: إذا رأى الدجال عيسى ابن مريم- ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه -أي: لو ترك عيسى ابن مريم الدجالَ- لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حربته) أي: فيري عيسى ابن مريم المسلمين الذين معه دم المسيح الدجال في حربته، أي: على رأس حربته التي قتله بها.
والنبي ﵊ يصف هذه المعركة وصفاً دقيقاً آخر، في رواية أخرى في صحيح مسلم عن يسير بن جابر، قال: هاجت ريح حمراء في الكوفة، فجاء رجل ليس له عادة، أي: جاء على غير عادته، فقال: يا عبد الله بن مسعود! جاءت الساعة، جاءت الساعة، قال: فقعد عبد الله بن مسعود وكان متكئاً -انظروا إلى العلماء- فقال ابن مسعود ﵁: (إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث، ولا يفرح بغنيمة، ثم قال بيده هكذا ونحاها نحو الشام، ثم قال: عدو يجمعون لأهل الإسلام، ويجمع لهم أهل الإسلام، قلت: الروم تعني؟ قال: نعم، وتكون عند ذاكم القتال ردة شديدة).
وفسرت لفظة النبي التي في الحديث الأول: (ثلث لا يتوب الله عليهم أبداً) بأن هذا الثلث ثلث يرتد، وكلام النبي ﷺ يفسر بعضه بعضاً.
وكلام ابن مسعود ﵁ له حكم الرفع؛ لأن هذه الأمور الغيبية لا يتكلم بها صحابي من عند نفسه، ولا يتكلم بكلام مثل هذا إلا وقد سمعه من الصادق المصدوق ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى.
يقول: (وتكون عند ذاكم القتال ردة شديدة، فيشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل) وهذه نقطة ثالثة تبين أن الليل سيوقف المعارك، ومن المعلوم أن معارك الطائرات والصواريخ لا يوقفها ليل ولا نهار، (فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فيفيء هؤلاء وهؤلاء -أي: يرجع هؤلاء وهؤلاء- كل غير غالب) أي: أنها حرب سجال ليس فيها غلبة لأحد، (وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فيفيء هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب، وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يمسوا، فيفيء هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب، وتفنى الشرطة) وهذا هو اليوم الثالث، يقول ﵊: (فإذا كان يوم الرابع نهد إليهم أهل الإسلام فيجعل الله الدبرة عليهم -أي: الدائرة على أهل الكفر- فيقتتلون مقتلة لم يُر مثلها) هكذا يقول المصطفى، ولما يقول النبي: (لم ير مثلها) يعني: لم ير مثلها ﷺ ، (حتى إن الطائر ليمر بجنباتهم فما يخلصهم حتى يخر ميتاً، فيتعاد بنو الأب كانوا مائة فلا يجدون بقي منهم إلا الرجل الواحد) ولذلك يقول النبي: (فيقتتلون مقتلة لم يُر مثلها).
يقول: (فيتعاد بنو الأب كانوا مائة فلا يجدون بقي منهم إلا الرجل الواحد، فبأي غنيمة يفرح، أو أي ميراث يقاسم، فبينما هم كذلك إذ سمعوا ببأس هو أكبر من ذلك، فجاءهم الصريخ: إن الدجال قد خلفهم في ذراريهم، فيرفضون ما في أيديهم ويقبلون، فيبعثون عشرة فوارس طليعة، إني لأعرف أسماءهم وأسماء آبائهم وألوان خيولهم) بأبي هو وأمي ﷺ ، والحديث في صحيح مسلم في أعلى درجات الصحة، يقول ﵊: (فيبعثون عشرة فوارس طليعة، إني لأعرف أسماءهم وأسماء آبائهم، وألوان خيولهم، هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذٍ أو: من خير فوارس على ظهر الأرض يومئذٍ).
فيتبين لنا من خلال هذه الأحاديث التي ذكرتها من صحيح مسلم أن هذه المعركة العنيفة بين المسلمين وبين الروم والتي سميت بالملحمة الكبرى التي لم يُر مثلها -كما قال النبي ﵊ ستدور رحاها في بلاد المسلمين بالقرب من سوريا أو دمشق، يعني: بلاد الشام، بمكان يسمى الأعماق أو دابق، وهذا المكان سيكون فيه مقر قيادة المهدي ﵇.
وروى أحمد وأبو داود والحاكم، وصححه الألباني في صحيح الجامع، أن النبي ﷺ قال: (فسطاط المسلمين يوم الملحمة الكبرى) سماها النبي بالملحمة الكبرى، و (فسطاط المسلمين) يعني: مقر قيادة المسلمين (فسطاط المسلمين يوم الملحمة الكبرى بأرض يقال لها: الغوطة، فيها مدينة يقال لها: دمشق) أي: أنه لم يكن على عهد النبي مدينة تُسمى دمشق أبداً، وهذه علامة من علامات النبوة، بل كل ما أذكره هو من علامات النبوة، يقول: (فسطاط المسلمين يوم الملحمة الكبرى بأرض يقال لها: الغوطة، فيها مدينة يقال لها: دمشق، خير منازل المسلمين يومئذٍ)؛ لأنه يكون فيها كتائب المسلمين بقيادة المهدي ﵇، والحديث رواه أحمد وأبو داود والحاكم، وصححه على شرط الشيخين، وأقر الحاكم الذهبي والألباني في صحيح الجامع.
إذاً: الروم حينما يجمعون ويأتون المسلمين تحت ثمانين غاية أو تحت ثمانين راية، تحت كل راية اثنا عشر ألفاً كما ذكر المصطفى، يقولون للمسلمين: (خلو بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون للروم: لا، والله! لا نخلي بينكم وبين إخواننا)، وهذا يدل كما ذكرت على أن كثيراً من نصارى أوروبا وأمريكا سيسلمون بعد موقعة هرمجدون، وسيدخلون في دين الله أفواجاً، فيريد الروم أن يبدءوا المعارك مع المسلمين بالانتقام من هؤلاء الذين تركوا معسكرهم وأسلموا لله ، وتبدأ المعركة التي قال النبي في حقها: (فيقتتلون مقتلة عظيمة لم ير مثلها)، وينصر الله في هذه المعركة المهدي ﵇ وكتائب جيش التوحيد.
следующие страницы →