← Джавами‘

Джавами‘ · id 7703

دروس للشيخ محمد حسان

محمد حسان

Полный текст (1 901 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

كيفية معرفة المهدي مما مضى من الأحاديث -أيها الإخوة- يتبين لنا أن الأحاديث الثابتة في شأن المهدي قد تواترت تواتراً معنوياً كما ذكرتُ، والسؤال المهم: كيف نعلم ظهور المهدي؟ فإنه قد خرج أناس كثيرون يدعي كل واحد منهم أنه المهدي، فكيف نعلم أن هذا الرجل الذي ادعى لنفسه المهدية، أنه هو المهدي الذي أخبر عنه النبي ﷺ ؟ و الجواب أن هذا السؤال مهم جداً، والنبي ﷺ قد ذكر لنا علامة أكيدة مميزة للمهدي ﵇ دون غيره من الأدعياء الكذابين، فتدبر كلام الصادق الأمين! ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂، أن النبي ﷺ عبث في منامه، أي: تحرك جسمه الشريف وتحركت أطرافه، وفعل شيئاً لم يكن يفعله في نومه، فقلنا: يا رسول الله! صنعت شيئاً في منامك لم تكن تفعله؟ فقال ﵊: (العجب أن ناساً من أمتي يؤمون البيت -أي: البيت الحرام- لرجل من قريش قد لجأ في البيت، حتى إذا كانوا في البيداء -أي: في الصحراء- خسف بهم، فقلنا: يا رسول الله! إن الطريق قد يجمع الناس، قال: نعم، فيهم المستبصر والمجئور -ابن السبيل- يهلكون مهلكاً واحداً، ويصدرون مصادر شتى، يبعثهم الله على نيتهم) ومن العلماء المعاصرين من قارن وصف السفياني في أحاديث كتاب (الفتن) لـ نعيم بن حماد وطابقها على صدام حسين، وليس لدينا دليل على ذلك، إنما هو ضرب من المجازفة، وهذا مذكور في كثير من الكتب التي وقفت عليها، ويبدوا أن هذا السفياني شر في حياته وفي آخر حياته، وهو الذي سيخرج بجيشه لقتال المهدي. يقول النبي ﵊: (يخرج رجل يقال له: السفياني في عمق دمشق، وعامة من يتبعه من كلب -قبيلة معروف تسمى قبيلة كلب- ويخرج رجل من أهل بيتي في الحرم -الذي هو المهدي ﵇ فيسير إليه السفياني بمن معه، حتى إذا صار ببيداء من الأرض خسف بهم، فلا ينجو منهم إلا المخبر عنهم)، وفي رواية: (إلا الشريد) يبقي الله رجلاً ليخبر عن خسف الله للجيش؛ ليشتهر وينتشر خبره وأمره، ولاحظ أن هذه هي العلامة الأكيدة المميزة للمهدي ﵇، فإذا ظهر رجل هنالك في مكة، وأعلن عنه أنه المهدي، وخرج جيش لقتاله، فخسف الله بهذا الجيش الأرض علمنا أن ذلك الرجل هو المهدي. فإذا خسف الله بالجيش الذي سيخرج لقتال المهدي الأرض، فمعنى ذلك: أن كل المسلمين على وجه الأرض في هذه اللحظة سيعلمون أن الرجل الذي ظهر بمكة هو المهدي، وحينئذ يرحل إلى المهدي -إلى مكة- كل مسلم على وجه الأرض ليبايعه، ثم يتقدم المهدي هذه الجحافل المؤمنة الطائعة، ليقود بهم الملاحم الأخيرة.

стр. 737

أهم الملحم والحروب التي يقودها المهدي فما هي أهم الملاحم والحروب التي سيقود فيها المهدي ﵇ كتائب المسلمين في آخر الزمان، وهذا درس من أهم الدروس التي تملأ قلوب المستضعفين من المسلمين الآن بالأمل في أن الإسلام -بموعود الله وبموعود الصادق رسول الله ﷺ سيظهره الله على الدين كله. ما أن يخسف الله بالجيش الذي خرج لملاقاة المهدي الأرض، حتى يعلو ذكر المهدي، وينتشر صيته، ويأتيه المسلمون من كل بقاع الدنيا ليبايعوه؛ ليشد المسلمون الصادقون -الذين يشتاقون إلى الجهاد في سبيل الله تحت خليفة يرفع راية التوحيد والسنة- على يد المهدي ويبايعونه على النصرة وعلى الجهاد؛ لإعلاء كلمة الله ﵎ تحت شعار إحدى الحسنين: إما النصر وإما الشهادة، أسأل الله أن يرزقنا وإياكم الشهادة في سبيله. وبعد خسف الله الأرض بالجيش الذي خرج لقتاله، يجتمع للمهدي بعد هذه العلامة المؤكدة جيش كبير جداً من الموحدين من كل بقاع الأرض، ثم لا يجد هذا الجيش بقيادة المهدي وقتاً للراحة ولا للنوم، وإنما يخوضون كثيراً من الملاحم والحروب والمعارك التي تحمر فيها الحدق، ويرتفع فيها صهيل الخيول، وتسمع فيها قعقعة السيوف والرماح، وتبلغ فيها القلوب الحناجر، ويسقط فيها كثير من القتلى والجرحى، حتى تخوض الخيول في برك من الدماء والأشلاء، وينبغي أن تعرف أن العالم سيقف على قلب رجل واحد لقتال المهدي، وتصور أن العالم كله بعد ظهور المهدي سيقف صفاً واحداً لقتال المهدي! وأبشر فما من معركة سيخوضها المهدي إلا وسينصره الرب العلي. المعركة الأولى: غزو جزيرة العرب. المعركة الثانية: غزو بلاد فارس. المعركة الثالثة: غزو بلاد الروم أي: أوروبا وأمريكا. ومن غزو بلاد الروم: فتح القسطنطينية. المعركة الرابعة: قتال اليهود، والنصر عليهم. المعركة الخامسة: قتال الترك، أي: الصين وروسيا واليابان ومنغوليا إلى آخر هذه الشعوب. لو تصورت بعد هذا العرض السريع للملاحم والمعارك التي سيخوضها المهدي -كما ذكرت- يتبين لك أن العالم كله سيقاتل المهدي ﵇، وتدبر معي كلام الصادق المصدوق في الجملة! وسأفصل بعد ذلك إن شاء الله تعالى: يقول المصطفى ﷺ وهو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، الذي ارتقى يوماً المنبر فوصف لأصحابه ما سيكون إلى قيام الساعة، ومما ذكره ﵊ في الملاحم التي سيقود كتائب المسلمين فيها المهدي ﵇ ما روى مسلم وأحمد وابن ماجة وغيرهم من حديث نافع بن عتبة أن النبي ﷺ قال: (تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله، ثم تغزون فارس فيفتحها الله، ثم تغزون الروم فيفتحها الله، ثم تغزون الدجال فيفتحه الله). إذاً: المعركة الأولى: فتح بلاد العرب، ثم فتح بلاد فارس، ثم فتح بلاد الروم، ألا وهي أوروبا وأمريكا، ثم فتح الدجال. وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع من حديث معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال: (عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية خروج الدجال). وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي تعال فاقتله إلا الغرقد، فإنه من شجر اليهود). وفي الحديث الذي رواه الإمام البخاري والإمام أحمد من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوزاً وكرمان)، وهي بلاد مشهورة يحدها من الغرب بلاد فارس، ومن الشمال خراسان، ومن الجنوب الخليج الفارسي، أو بحر فارس كما كان يُسمى قبل ذلك عند العرب، وهي حالياً بلاد الصين وروسيا واليابان، وقد وصف النبي وجوههم وصفاً عجيباً كأنه يراهم اليوم، فقال: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوزاً وكرمان من الأعاجم، حمر الوجوه، فطس الأنوف، صغار الأعين، كأن وجوههم المجان المطرقة) -أي: كأن وجوههم كالتروس المستديرة التي غطيت بالجلد، انظر إلى وجه الياباني أو وجه الصيني المستدير كأنه الترس المستدير غطي بنوع من الجلد، لو تفرست ودققت النظر في الوجوه لصليت على من لا ينطق عن الهوى ﷺ . وفي رواية مسلم من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون الترك)، ويراد بالترك هنا بلاد الصين وروسيا واليابان ومنغوليا إلى آخر تلك البلاد في تلك المنطقة، (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون الترك، قوماً وجوههم كالمجان المطرقة، يلبسون الشعر ويمشون في الشعر) هذا وصف جديد، وفي رواية أخرى توضح هذه الرواية في البخاري عن أبي هريرة أنه ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلون قوماً نعالهم الشعر) أي: أن النعال التي يمشون فيها من الشعر، ومن ينظر إلى نعال الصينيين والروسيين واليابانيين في هذه المناطق الباردة يعلم يقيناً أنها تصنع من الشعر، وما يسميه البعض: الفرو ومعظم الثياب التي يرتدونها من الشعر -الفرو- فلباسهم الشعر ويمشون في الشعر. يقول ﵊ -بأبي هو وأمي-: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلون قوماً نعالهم الشعر، وحتى تقاتلون الترك صغار الأعين حمر الوجوه، ذلف الأنوف -هو الأنف الصغير الأفطس- كأن وجوههم المجان المطرقة). قف بعد هذا الإجمال على هذا التفصيل:

стр. 738

فتح المهدي لبلاد العرب المعركة الأولى أو الملحمة الأولى هي: فتح بلاد العرب، وأول جيش سيخرج لقتال المهدي من بلاد العرب، وثبت في بعض الروايات أن الذي سيقود هذا الجيش هو السفياني، يخرج إليه فينصر الله المهدي بمدد غيبي من عنده ، يعني: بأمر قدري بحت لا دخل فيه لبشر، ولا دخل فيه لجيش، فيؤيد الله المهدي في هذه المعركة الأولى والتي ستبين للمسلمين في الأرض أن هذا الرجل هو المهدي حقاً، فيخسف الله الأرض بهذا الجيش الذي خرج لملاقاته، وبعد هذه المعركة يخرج المهدي ﵇، ويبسط سلطانه على كل جزيرة العرب، التي ستفتح أبوابها بعد هذا النصر الغيبي للمهدي ﵇، ويتحقق فوراً بعد هذه الخسف قول النبي ﷺ : (تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله . إذاً: الذي يفتح للمهدي جزيرة العرب هو الله ﵎، دون قتال أو دون نزال بين جيش المهدي وبين هذا الجيش العربي الذي سيخرج لملاقاة المهدي بقيادة السفياني.

стр. 739

فتح المهدي لبلاد فارس المعركة الثانية: (ثم تغزون فارس فيفتحها الله)، وبعد سيطرة المهدي وكتائب التوحيد معه على أرض الجزيرة كلها ستخرج بلاد فارس بحدها وحديدها - من الشيعة الذين لا يرقبون في مؤمن من أهل السنة إلاً ولا ذمة- يخرجون لقتال المهدي ﵇، فيهزمهم المهدي شر هزيمة، ويتحقق قول النبي ﷺ : (ثم تغزون فارس فيفتحها الله)، فيمتد سلطان المهدي من جزيرة العرب ويتجه إلى ناحية الشرق، إلى ناحية بلاد فارس، فيسيطر عليها سيطرة كاملة بموعود الحق ﵎، وبموعود رسول الله ﷺ .

стр. 740

قتال المهدي لبلاد الروم المعركة الثالثة: هي الملحمة الكبرى التي وصف النبي أحداثها وصفاً دقيقاً، كأنه يحارب في هذا الجيش الذي يقود كتائبه المهدي ﵇، هذه الملحمة الكبرى التي سيقودها المهدي بعد السيطرة على بلاد العرب وعلى بلاد فارس هي قتال الروم، هي قتال أوروبا وأمريكا، وتلك هي الملحمة الكبرى، وهي أشد الملاحم وأعظمها على الإطلاق، وهي المعركة التي سماها بعض أهل العلم: معركة هرمجدون، والتي ستأتي بعد فترة الهدنة والمصالحة التي نحن فيها الآن، أي: فترة مصالحة بين المسلمين وبين الروم الآن، وبعدها سيقاتل المسلمون مع الروم -أي: أوروبا وأمريكا- عدواً واحداً، وهذا العدو ربما يكون العدو الشرقي سواء الشيوعي أو الشيعي، وينتصر المسلمون مع الروم في هذه المعركة، وفي طريق العودة يقوم رجل من الروم فيرفع الصليب ويقول: انتصر الصليب، فيغار رجل من أهل الإيمان والإسلام فيقوم إلى هذا الرجل فيدفعه أو يقتله، فحينئذٍ يغدر الروم بالمسلمين، وتقع هذه الملحمة الكبرى التي أخبر عنها الصادق الأمين ﷺ . تدبر ماذا قال النبي ﵊! والحديث في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم في الأعماق أو بدابق) ودابق مدينة بالقرب من مدينة دمشق السورية، أي: مقر قيادة المهدي سيكون بمدينة بالقرب من دمشق، وستكون الملحمة في هذه الأرض في أرض المسلمين، يقول النبي ﵊: (لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم -أي: الأمريكان والأروبيون- في الأعماق أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة بقيادة المهدي من خيار أهل الأرض يومئذٍ، فإذا تصافوا -أي: للقتال- قالت الروم: خلو بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم) وقد تعجبون إن قلت لكم أن الذي سيشارك في فتح القسطنطينية وسيفتح الله على يديه هذه المدينة هم مجموعة كبيرة من أهل الروم ممن أسلموا لله ، فسيسلم الروم في هذه المعارك بأعداد كبيرة جداً، وينضمون إلى كتائب التوحيد بقيادة المهدي ﵇، يقول النبي ﵊: (فإذا تصافوا قالت الروم: خلو بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا؛ والله! لا نخلي بينكم وبين إخواننا) ولقد صاروا إخواناً لنا من المسلمين (فيقاتلونهم) تدبر ماذا يقول المصطفى في وصف دقيق عجيب: (فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبداً)، ينهزم ثلث من جيش المسلمين أي: من الفرَّار أو الكرَّار، والله أعلم بحالهم، يقول النبي في حقهم: (فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبداً، ويقتل ثلثهم) وتدبر ماذا قال النبي ﷺ في حق هذا الثلث الثاني: (هم أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح الثلث -أي: المتبقي- لا يفتنون أبداً، فيفتتحون قسطنطينية، فبينما هم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون -وليس رشاشاتهم- إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم -أي: المسيح الدجال قد خرج- فيخرجون وذلك باطل، فإذا جاءوا الشام خرج -أي: الدجال- فبينما هم يعدون للقتال ويسوون الصفوف إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى ابن مريم، فإذا رآه عدو الله -أي: إذا رأى الدجال عيسى ابن مريم- ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه -أي: لو ترك عيسى ابن مريم الدجالَ- لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حربته) أي: فيري عيسى ابن مريم المسلمين الذين معه دم المسيح الدجال في حربته، أي: على رأس حربته التي قتله بها. والنبي ﵊ يصف هذه المعركة وصفاً دقيقاً آخر، في رواية أخرى في صحيح مسلم عن يسير بن جابر، قال: هاجت ريح حمراء في الكوفة، فجاء رجل ليس له عادة، أي: جاء على غير عادته، فقال: يا عبد الله بن مسعود! جاءت الساعة، جاءت الساعة، قال: فقعد عبد الله بن مسعود وكان متكئاً -انظروا إلى العلماء- فقال ابن مسعود ﵁: (إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث، ولا يفرح بغنيمة، ثم قال بيده هكذا ونحاها نحو الشام، ثم قال: عدو يجمعون لأهل الإسلام، ويجمع لهم أهل الإسلام، قلت: الروم تعني؟ قال: نعم، وتكون عند ذاكم القتال ردة شديدة). وفسرت لفظة النبي التي في الحديث الأول: (ثلث لا يتوب الله عليهم أبداً) بأن هذا الثلث ثلث يرتد، وكلام النبي ﷺ يفسر بعضه بعضاً. وكلام ابن مسعود ﵁ له حكم الرفع؛ لأن هذه الأمور الغيبية لا يتكلم بها صحابي من عند نفسه، ولا يتكلم بكلام مثل هذا إلا وقد سمعه من الصادق المصدوق ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى. يقول: (وتكون عند ذاكم القتال ردة شديدة، فيشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل) وهذه نقطة ثالثة تبين أن الليل سيوقف المعارك، ومن المعلوم أن معارك الطائرات والصواريخ لا يوقفها ليل ولا نهار، (فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فيفيء هؤلاء وهؤلاء -أي: يرجع هؤلاء وهؤلاء- كل غير غالب) أي: أنها حرب سجال ليس فيها غلبة لأحد، (وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فيفيء هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب، وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يمسوا، فيفيء هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب، وتفنى الشرطة) وهذا هو اليوم الثالث، يقول ﵊: (فإذا كان يوم الرابع نهد إليهم أهل الإسلام فيجعل الله الدبرة عليهم -أي: الدائرة على أهل الكفر- فيقتتلون مقتلة لم يُر مثلها) هكذا يقول المصطفى، ولما يقول النبي: (لم ير مثلها) يعني: لم ير مثلها ﷺ ، (حتى إن الطائر ليمر بجنباتهم فما يخلصهم حتى يخر ميتاً، فيتعاد بنو الأب كانوا مائة فلا يجدون بقي منهم إلا الرجل الواحد) ولذلك يقول النبي: (فيقتتلون مقتلة لم يُر مثلها). يقول: (فيتعاد بنو الأب كانوا مائة فلا يجدون بقي منهم إلا الرجل الواحد، فبأي غنيمة يفرح، أو أي ميراث يقاسم، فبينما هم كذلك إذ سمعوا ببأس هو أكبر من ذلك، فجاءهم الصريخ: إن الدجال قد خلفهم في ذراريهم، فيرفضون ما في أيديهم ويقبلون، فيبعثون عشرة فوارس طليعة، إني لأعرف أسماءهم وأسماء آبائهم وألوان خيولهم) بأبي هو وأمي ﷺ ، والحديث في صحيح مسلم في أعلى درجات الصحة، يقول ﵊: (فيبعثون عشرة فوارس طليعة، إني لأعرف أسماءهم وأسماء آبائهم، وألوان خيولهم، هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذٍ أو: من خير فوارس على ظهر الأرض يومئذٍ). فيتبين لنا من خلال هذه الأحاديث التي ذكرتها من صحيح مسلم أن هذه المعركة العنيفة بين المسلمين وبين الروم والتي سميت بالملحمة الكبرى التي لم يُر مثلها -كما قال النبي ﵊ ستدور رحاها في بلاد المسلمين بالقرب من سوريا أو دمشق، يعني: بلاد الشام، بمكان يسمى الأعماق أو دابق، وهذا المكان سيكون فيه مقر قيادة المهدي ﵇. وروى أحمد وأبو داود والحاكم، وصححه الألباني في صحيح الجامع، أن النبي ﷺ قال: (فسطاط المسلمين يوم الملحمة الكبرى) سماها النبي بالملحمة الكبرى، و (فسطاط المسلمين) يعني: مقر قيادة المسلمين (فسطاط المسلمين يوم الملحمة الكبرى بأرض يقال لها: الغوطة، فيها مدينة يقال لها: دمشق) أي: أنه لم يكن على عهد النبي مدينة تُسمى دمشق أبداً، وهذه علامة من علامات النبوة، بل كل ما أذكره هو من علامات النبوة، يقول: (فسطاط المسلمين يوم الملحمة الكبرى بأرض يقال لها: الغوطة، فيها مدينة يقال لها: دمشق، خير منازل المسلمين يومئذٍ)؛ لأنه يكون فيها كتائب المسلمين بقيادة المهدي ﵇، والحديث رواه أحمد وأبو داود والحاكم، وصححه على شرط الشيخين، وأقر الحاكم الذهبي والألباني في صحيح الجامع. إذاً: الروم حينما يجمعون ويأتون المسلمين تحت ثمانين غاية أو تحت ثمانين راية، تحت كل راية اثنا عشر ألفاً كما ذكر المصطفى، يقولون للمسلمين: (خلو بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون للروم: لا، والله! لا نخلي بينكم وبين إخواننا)، وهذا يدل كما ذكرت على أن كثيراً من نصارى أوروبا وأمريكا سيسلمون بعد موقعة هرمجدون، وسيدخلون في دين الله أفواجاً، فيريد الروم أن يبدءوا المعارك مع المسلمين بالانتقام من هؤلاء الذين تركوا معسكرهم وأسلموا لله ، وتبدأ المعركة التي قال النبي في حقها: (فيقتتلون مقتلة عظيمة لم ير مثلها)، وينصر الله في هذه المعركة المهدي ﵇ وكتائب جيش التوحيد.

стр. 741

وجوب الإيمان بخروج المهدي، وعدم تحكيم العقل في ذلك والذي أود أن أقف عنده الآن أننا ذكرنا كلمات صادقة من الصادق المصدوق ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، أخبر فيها أن كتائب التوحيد ستعلق سيوفها بشجر الزيتون، وأخبر فيها أن عيسى ﵇ سيُري المسلمين دم المسيح الدجال على رأس حربته، وذكر فيها النبي ﷺ أنه يعرف أسماء الفوارس وأسماء آبائهم وألوان خيولهم، وأنا أعلم أن من المسلمين من لا يصدق هذا الكلام ولو كان من عند المصطفى الصادق ﷺ ، وهم من الذين يعبدون العقل من دون الله ، ويقدمون العقل على النقل وإن صح. وأنا لا أريد أن أقلل من شأن العقل، وإنما أقول: إن نور العقل لا يصطدم أبداً مع نور الوحي، بل إن شئت فقل -والكلام لـ ابن تيمية طيب الله ثراه-: إن نور الوحي لا يطمس نور العقل أبداً، بل يباركه ويزكيه ويقويه. لكن لا ينبغي على الإطلاق أن يقدم العقل على صحيح النقل، فإذا صح النقل عن الله وعن رسوله فينبغي أن تسلم له، وأن تعلم يقيناً بأن الله سيهيئ الكون في لحظة يريدها؛ ليقع ما أخبر به نبيه الصادق الذي لا ينطق عن الهوى. وأما كيفية ذلك فليس لمخلوق على وجه الأرض أن يقف على كيفية ذلك، وخذوا كلام أهل الغرب الذين يقولون كلاماً عجيباً في هذا الذي أذكره الآن، فإن من المسلمين -وسامحوني- من يصدق تماماً كلام الغربيين، ووالله! لست مبالغاً إن قلت: إن منهم من يصدق الغرب أكثر من تصديقه لكلام سيد المرسلين، فإذا جاء الكلام من الغرب مدعماً بكلام العلماء وأهل العلم تراه يقول: هذا هو الكلام العلمي الذي يقبله العقل، ومن هؤلاء من كانوا ينكرون حديث الذبابة مع أنه حديث صحيح، ويقولون: كيف تحمل الذبابة الداء في جناح وتحمل الدواء في جناح آخر، كيف ذلك؟! هذا كلام لا يصدقه العقل! بل ومنهم من قال كلاماً شديداً لاذعاً وهو من أهل العلم ممن يشار إليهم بالبنان! فلما صدر هذا البحث العلمي من أكثر من جامعة غربية أوروبية وألمانية وأمريكية وبريطانية، وتبين للعلماء في أواخر القرن العشرين أن الذبابة بالفعل تحمل فيروساً معيناً في أحد جناحيها وفي الجناح الآخر الدواء، الذي يفسد الفيروس في الجناح الأول، فلما أثبت العلم ذلك أذعن الجميع بعد ذلك لقول الصادق الذي لا ينطق عن الهوى. أقول: وعلماء الغرب يتكلمون عن أحداث هائلة قد تفنى فيها الأسلحة الحديثة، وقد ذكرت أن هذه الأسلحة البيولوجية والنووية والصواريخ والطائرات والدبابات إلخ قد تبقى في مكانها كما هي، وبجندي من الجنود التي قال ربنا في حقها: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ [المدثر:٣١] تسلب هذه الأسلحة من خصائصها ومن أعمالها. خرجت أنا وأحد الإخوة في أمريكا لصلاة الفجر، وهو يركب سيارة مرسيدس من أحدث موديل، ولما ركبت إلى جواره، ونزل الضباب الكثيف الذي -والله! - حجب الرؤية داخل السيارة، ولا أقول: خارجها، فعجز الأخ الذي بجواري، وعجزت أنا معه أن نرى شبراً واحداً حتى إلى زجاج السيارة الأمامي، فتوقفت السيارة وتوقفت جميع السيارات، وحينئذٍ قلت للأخ الكريم: سبحان الله! هذا جواب سؤال كنت أبحث عنه، هذه السيارة أحدث موديل، فيها البترول، ويجلس على كرسي القيادة القائد، يجيد القيادة، لا يوجد أي سبب من الأسباب التي تتوقف وتتعطل بها السيارة، ولكن الله أرسل جندياً من جنوده فتعطلت الآلة في مكانها، وهذه أمور عجيبة جداً! أشهد أن الذي علم نبينا هو الله . وهذا بحث علمي -خذوا هذا الخبر أيضاً فهو مفيد؛ لأجل أن تعلموا أن لله جنداً لا يعلمها إلا هو -يقول الخبر: في الوقت الذي نجت فيه مئات الأقمار الصناعية من شهب تسمى بشهب الأسد التي احترقت في الغلاف الجوي للكرة الأرضية، قضى عشرات الآلاف ليلة أمس الأول في العراء، في درجة حرارة تصل إلى عشرين درجة تحت الصفر؛ انتظاراً لرؤية هذا العرض الكوني الفريد للألعاب النارية، في ظاهرة فلكية نادرة، ظهرت أكثر وضوحاً في قارة آسيا، وذكرت وكالات الأنباء أن الظاهرة التي تتكرر كل نحو ثلاثة وثلاثين عاماً شهدها بعض المحظوظين، بينما حالت السحب الكثيفة دون مشاهدة البعض الآخر لها، ولم يزد حجم معظم الشهب والنيازك الصغيرة التي تساقطت على الأرض على حجم حبات الرمل، وبلغت سرعتها مائتين وخمسين ألف كيلو في الساعة، مما أكسبها قوة تدمير هائلة، أثارت مخاوف العلماء من احتمال تعرض الأقمار الصناعية لأضرار جسيمة، غير أن الظاهرة مرت بسلام في النهاية! قال ربنا : ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ [المدثر:٣١] فهل ازددتم -أيها الإخوة- حباً لله؟! وهل ازددتم حباً للصادق رسول الله ﷺ ؟! فهذا كلام النبي ﷺ ، وهذه بعض الأبحاث العلمية التي تؤكد أن الأمر خطير، وليس بالأمر اليسير. وأنا أقول: أنا على يقين جازم بأن الله ﵎ سيهيئ الكون في الوقت الذي يشاؤه، بالكيفية التي يريدها؛ ليحدث في الأرض ما أخبر به نبيه الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، ومتى ذلك؟ وكيف ذلك؟ كل هذا لا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل، إنما هو في علم الرب العلي وحده ﵎؛ لنعلم يقيناً أن الكون كله بيد الله، كما قال : ﴿قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:٢٦].

стр. 742

فتح المهدي ﵇ للقسطنطينية المعركة الرابعة التي سيخوض المهدي غمارها مع كتائب المسلمين والموحدين هي: فتح القسطنطينية، وقد أخبر النبي الصادق ﵌ بأن القسطنطينية ستفتح بقيادة المهدي ﵇، ولكن ستعجبون إذا علمتم أن القسطنطينية لن تفتح بسيف ولا برمح، ولا بخيول، وإنما ستفتح بلفظة: (لا إله إلا الله) و (الله أكبر)، هكذا قال الصادق، روى الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ يسأل أصحابه: (سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر؟) والنبي ﷺ ما رآها، ولكنه يصفها وصفاً كأنه رآها، فيقول لأصحابه: (سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر؟ قالوا: نعم، يا رسول الله! سمعنا بها، فقال ﵊: لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفاً من بني إسحاق، فإذا جاءوها نزلوا فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم، قالوا: لا إله إلا الله، والله أكبر، فيسقط أحد جانبيها الذي في البحر، ثم يقولون في الثانية: لا إله إلا الله، والله أكبر، فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولون الثالثة: لا إله إلا الله، والله أكبر، فيفرج لهم، فيدخلوها فيغنموا، فبينما هم يقتسمون الغنائم إذ جاءهم الصريخ، فقال: إن الدجال قد خرج، فيتركون كل شيء ويرجعون) أي: إلى ملاقاة الدجال، وهكذا تفتح القسطنطينية بلا قتال وبلا سلاح ولا سهام. وهذه هي المعركة الرابعة التي سيخوض المهدي غمارها مع المسلمين.

стр. 743

قتل المهدي ﵇ لليهود المعركة الخامسة: هي قتال اليهود عليهم لعنات الله المتتالية، ومن المعلوم أن النبي ﷺ كما في الصحيحين يقول: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم! يا عبد الله! ورائي يهودي تعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر يهود) ومن المعلوم أن اليهود يكثفون من زراعة شجر الغرقد؛ لأنهم يعلمون يقيناً صدق النبي محمد ﷺ ، كما قال الله : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٤٦]. فاليهود أهل غدر وأهل خيانة وأهل نفاق، ولا عهد لهم ولا ذمة على الإطلاق، وأنا أقول لكل مسلم على وجه الأرض: لقد نقض اليهود العهود مع الأنبياء، بل مع رب الأرض والسماء، فهل سيصدق اليهود في عهودهم مع الحكام والزعماء، فاليهود يعلمون صدق النبي محمد ﷺ ؛ لذلك يكثفون زراعة هذا الشجر اليهودي الأبكم الذي لا ينطق ولا يتكلم، ولكن بقية الحجر والشجر ستضج من نتن اليهود وريحهم الخبيث، فإذا ما اختفى يهودي خلف حجر أو شجر سينطق الله الحجر والشجر، فلا تعجب فأنت في زمن العجائب حينئذٍ! لا تعجب كيف ينطق الحجر! وكيف ينطق الشجر! لقد جاء رجل يهودي إلى النبي ﷺ ليخبره أن ذئباً أخذ غنمة من أغنامه، فلما ذهب ليأخذها منه أقعى الذئب وقال: تأخذ مني رزقاً رزقنيه الله؟! فتعجب اليهودي وقال: ذئب يتكلم؟! قال: أتعجب من ذلك؟! أعجب منه رجل بين النخلتين أو بين الحرتين -أي: محمد- يخبر أنه لا إله إلا الله، فجاء الرجل إلى النبي فأخبره بما قال الذئب، فقال المصطفى: (أنا أصدق ذلك وأبو بكر وعمر) ﵄. إذاً: لا تتعجب كيف ينطق الحجر! وكيف ينطق الشجر! سبحان الله! لم لا تتعجب كيف ينطق التلفاز! وهو جهاز أمامك تضغط على زر فينطق، وتخرج صورة كاملة، فكيف لا تتعجب؟! هذا جماد ومع ذلك ينطق، بل تسمعه وتراه، بل ينقل لك ما الذي يحدث في أقصى الأرض في التو واللحظة! فيومئذٍ ينطق الله الحجر والشجر، ويقول: يا مسلم! ليس يا وطني! (يا مسلم! يا عبد الله، ورائي يهودي تعال فاقتله إلا الغرقد، فإنه من شجر اليهود). وفي رواية: (حتى إن الشجر والحجر ينادي: يا روح الله!) أي: عيسى ﵇. فيدل ذلك على أن كل هذه الأحداث ستكون في زمن العجائب، فنزول عيسى آية عجيبة، وخرج الدجال آية، وخرج يأجوج ومأجوج آية، وكل هذه آيات، فأنت في هذه اللحظات ستكون في لحظات العجائب والآيات الكبرى. قال ﷺ : (حتى إن الشجر والحجر ينادي: يا روح الله! هذا يهودي، فلا يترك أحداً ممن كان يتبع الدجال إلا قتله) أي: إلا قتله عيسى ابن مريم على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

стр. 744

قتال المهدي ﵇ لأهل خوز وكرمان فيخوض المهدي حرباً أخرى ألا وهي حرب خوز وكرمان، فيفتح خوزاً وكرمان، ألا وهي بلاد الصين وروسيا واليابان، كما قال النبي ﵊، وقد وصفهم النبي وصفاً دقيقاً كما ذكرت، وبذلك يخوض المهدي كل هذه الملاحم والمعارك التي سينصره الله فيها كلها؛ ليتحقق وعد الله، وليتحقق وعد رسول الله، بأن الإسلام سيعم أرجاء الأرض. والله العظيم لقد أخبرني أحد الإخوة يوم الجمعة قبل الماضية، فقال لي: والله! يا شيخ محمد! لقد رأينا في الكعبة عجباً عجاباً، فقلت له: ماذا؟ قال: نحن في يوم أحد عشر من شهر أيلول نطوف حول الكعبة، وإذ برجل كبير السن ذي لحية بيضاء، متعلق بأستار الكعبة ويبكي، وارتفع صوته فجأة وكأنما يتحدث بمكبر الصوت، قائلاً: إله الحق أرنا في أمريكا آية، دعوة عجيبة! والله العظيم! الواحد منا لا زال جسمه يرتعش منها إلى الآن، وظل يرددها ويبكي ويصرخ، يقول من حدثني: فكل الناس الذين في صحن الطواف سمعوا الدعوة، والكل بكى وصرخ، وبعد تقريباً ثلاث ساعات تذيع أخبار العالم ما وقع في أمريكا! أنتم تستهينون -يا إخواننا- بدعوة الضعيف الصادق؟! هذا سهم -والله- لا يرد، أنا أعتقد أن ما وقع إنما هو استجابة من الله لدعوة المظلومين المقهورين الصادقين ممن تحترق قلوبهم، ولا يملكون أن يقدموا شيئاً. وفي هذا بيان منالله أنه ليس هناك قوة على وجه الأرض ستقدر أن تهدم الإسلام؛ لأن الإسلام باقٍ وسيبقى، وسيهلك الله كل من يحارب الإسلام، وسيبقي الله الإسلام شامخاً؛ لأن الذي وعد بإبقائه هو الله الحي الباقي الذي لا يموت . وأختم بالكلمة الجميلة هذه، وبهذا الخبر الذي نشرته مجلة (التايم) الأمريكية، تقول: وستشرق شمس الإسلام من جديد، ولكنها في هذه المرة تعكس كل حقائق الجغرافيا، فهي في هذه المرة لا تشرق من الشرق، وإنما تشرق من الغرب، من قلب أوروبا، تلك القارة العجوز التي بدأت المآذن فيها تزاحم أبراج الكنائس في روما ومدريد ولندن وباريس، وصوت الأذان كل يوم خمس مرات خير شاهد على أن الإسلام يكسب كل يوم أرضاً جديدة. هذا خبر في التايم. اليوم المسلمون في قلب أوروبا أكثر من خمسة وخمسين مليون مسلم، وهذا عدد لا يستهان به على الإطلاق، وهم الآن أصبحوا مثل اللقمة التي ليسوا قادرين على أن يبلعوها ولا أن يلفظوها، فوقفت في الزور لا تبلع ولا تمضغ ولا تلفظ. اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، هازم الأحزاب، اللهم اهزم أحزاب الكفر، اللهم زلزل الأرض من تحت أقدامهم، اللهم شتت رميهم، اللهم شتت رميهم، اللهم شتت رميهم، اللهم اقذف الرعب في قلوبهم، اللهم اقذف الرعب في قلوبهم، اللهم احفظ إخواننا في أفغانستان، اللهم احفظ أهلنا في أفغانستان، اللهم اربط على قلوبهم، اللهم اربط على قلوبهم، اللهم اربط على قلوبهم، اللهم احفظهم بحفظك، واكلأهم بعينك، واحرسهم برعايتك، اللهم إنهم ضعاف فقوهم، اللهم إنهم أذلاء فأعزهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم، اللهم إنهم جياع فأطعمهم، اللهم إنهم حفاة فاحملهم، اللهم إن أهل الأرض قد تجمعوا عليهم فكن لهم يا ملك! يا قدير! اللهم ارحم ضعفهم، واجبر كسرهم، واغفر ذنبهم، واستر عيبهم، وفرج كربهم، اللهم اجعل الدائرة على عدوهم، اللهم اجعل الدائرة على عدوهم، اللهم اجعل الدائرة على عدوهم، اللهم اجعل تدبير الأعداء تدميرهم، اللهم اجعل تدبير الأعداء تدميرهم، اللهم اشف صدور قوم مؤمنين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 745

الإرهاب اليهودي واقع الأمة اليوم واقع مأساوي، ينزف بالدماء وتطاير الأشلاء، وأكبر المسئولين عن ذلك هم إخوان القردة والخنازير وقتلة الأنبياء، والواقع أكبر شاهد على أن اليهود أئمة الإرهاب العالمي وقادته. فعلى الأمة الإسلامية أن تفيق لتأخذ بثأرها، وتنزع السوط من يد جلادها، وأن تعلم أن الحل لن يأتي عن طريق طاولة المفاوضات أبداً، فإن اليهود هم اليهود (نقضة العهود)، وإن الحل لا يكون إلا بالرجوع إلى الله، وبرفع راية الجهاد في سبيل الله.

стр. 746

واقع ينزف إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الأخيار وأيتها الأخوات الفاضلات، وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً. وأسأل الله جل وعلا الذي جمعني مع حضراتكم في هذا البيت المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة في جنته ودار مقامته؛ إنه ولي ذلك ومولاه. أحبتي في الله! الإرهاب اليهودي. هذا هو عنوان لقائنا مع حضراتكم في هذا اليوم الكريم، وسوف ينتظم حديثي مع حضراتكم في هذا الموضوع الذي يجمع بين الآلام والآمال، وبين الجراح والأفراح في العناصر المحددة الآتية: أولا: واقع ينزف. ثانياً: اليهود هم اليهود. ثالثاً: الكفر ملة واحدة. رابعاً: فما الحل؟ وأخيراً: لا تيأسوا، فمن رحم الظلام يولد الصباح، فأعيروني القلوب والأسماع، والله أسأل أن يقر أعيننا بذل اليهود والأمريكان، ونصرة الإسلام والمسلمين، إنه ولى ذلك والقادر عليه. واقع ينزف! آه يا مسلمون متنا قروناً والمحاق الأعمى يليه محاق أي شيء في عالم الغاب نحن آدميون أم نعاج نساق نحن لحم للوحش والطير منا الجثث الحمر والدم الدفاق وعلى المحصنات تبكي البواكي يا لعرض الإسلام كيف يراق قد هوينا لما هوت وأعدوا وأعدوا من الردى ترياق واقتلعنا الإيمان فاسودت الد نيا علينا واسودت الأعماق وإذا الجذر مات في باطن الأر ض تموت الأغصان والأوراق إنها المحنة والرزية إنها الفتنة إنها مرحلة الاستضعاف!! آه يا مسلمون القدس تباد والعالم كله خسة وخيانة ونفاق القدس من دولة المجد عثما ن أبوها والفاتح العملاق القدس من قلب مكة بالتو حيد يعلو لواؤها الخفاق تركوها وحولها من كـ لاب اليهود طوق من خلفه أطواق قدمته الصلبان لليهود قربا ناً ولليهود كلهم عشاق ولو فعلنا باليهود ما فعلوه لرأينا مثل الذي رآه عراق قد حفظنا للمرة الألف عنكم عالم الغاب ما له ميثاق

стр. 747

صورة سوداء من صور الإرهاب اليهودي في فلسطين واقع ينزف طفل لا يعرف أين ذهب أبوه! ولا أين ذهبت أمه! ولا أين ذهب إخوانه! طفل في الثانية من عمره ينظر إلى السماء التي حولها السلاح الأمريكي في أيدي اليهود إلى نهار مضيء فيتساءل: ما هذه الأنوار في جو السماء في ظلام الليل الدامس؟! ما الذي حول سماء فلسطين المظلمة إلى نهار وأنوار متأججة متوهجة وهو لا يدري أن الصواريخ والطائرات والدبابات والمدافع قد حولت هذا الظلام الدامس الحالك إلى نار مضيئة!! ثم ينظر فيرى أشلاء أمه تتناثر! ويرى أشلاء أبيه تتمزق! ويرى دماء إخوانه تنساح في كل واد! فيخرج الطفل مذعوراً مفزوعاً يخرج إلى الشوارع والطرقات! فيرى جندياً يهودياً يقابله بهذا المدفع الرشاش أو بهذه الدبابة! بل بأرتال من الدبابات والمجنزرات! حتى لم يبق اليهودي على بيت، ولا يبقى رجلاً ولا امرأةً ولا طفلاً يحمل حجراً في يده؛ لأنه ما زال يقدر على حمل الحجر في يده! دكوا مخيم جنين وسووا هذا المخيم بالأرض، وانبعثت رائحة -لا أقول رائحة الجثث- بل رائحة الخيانة خيانة العالم الغربي خيانة العالم العربي خيانة زعماء العالم كله في الداخل والخارج في الشرق والغرب. لا أقول انبعثت روائح جثث إخواننا من الشهداء -أسأل الله أن يتقبلهم عنده في الشهداء- بل انبعثت روائح الخيانة. من أين؟! من تحت الأنقاض! من المقابر الجماعية! ما الذي فعله العالم إلى الآن؟ لم تستطع قوة على وجه الأرض أن تحصر عدد القتلى أو عدد الشهداء؛ لأن اليهود دكوا المخيم دكاً في تسعة أيام متواصلة وسووه بالأرض! ودفنوا الجثث في مقابر جماعية وأهالوا على هذه الجثث الزكية من رجال ونساء وأطفال التراب. ولقد وصل بالأمس مبعوث الرمم المتحدة في الشرق الأوسط، وصرح تصريحات واضحة، وقال: إن ما حدث في مخيم جنين فاق كل التصورات، قال: حتى شممت رائحة الجثث في الشوارع في الطرقات، بل ورأى -على حد تعبيره- مجموعة من الفلسطينيين ما زالوا إلى يومنا هذا يستخرجون الجثث من بين الأنقاض.

стр. 748

قلب الحقائق عند اليهود وأعوانهم أيها الأحباب! بالأمس بوش -لعنه الله في الدنيا والآخرة، هذا الظالم السفاح، يقول: شارون رجل سلام! وعلى عرفات أن يبذل ما وعد به من القضاء على الإرهاب! آه! أمر يفجر الدم من الرأس! أي إرهاب يا مسلمون؟! أي إرهاب؟! أصار الدفاع عن العرض إرهاباً؟! أصار الدفاع عن المقدسات إرهاباً؟! أصار الدفاع عن الشيوخ والنساء والأطفال إرهاباً؟! قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر وقتل شعب آمن مسألة فيها نظر لو قتل غربي قام العالم كله، ولو قتل شعب آمن أعزل لا يملك شيئاً فهذا أمر عادي! إنهم إرهابيون!! إن الفلسطينيين هم الإرهابيون! أما شارون السفاح المجرم، مدبر كل هذه المجازر من (صبرا، وشاتيلا، وتل الزعتر، ودير ياسين) إلى آخر هذه المجازر في مخيم جنين فإنه رجل سلام!! إنا لله وإنا إليه راجعون. أصرخ! ولكن في صحراء مقفرة! ويصرخ الأحرار والشرفاء في الشوارع والطرقات! ولكن أين المعتصم؟! عبثاً دعوت وصحت يا أحرار عبثاً لأن قلوبنا أحجار عبثاً لأن عيوننا مملوءة بالوهم تظلم عندها الأنوار عبثاً لأن شئوننا يا قومنا في الغرب يفتل حبلها وتدار ولأننا خشب مسندة فلا ندري ماذا يصنع المنشار أما سقوط الأقصى فحالة مألوفة تجري بها الأقدار هذي شئون القدس ليس لنا بها شأن ولا للمسلمين خيار يا ويحكم يا مسلمون قلوبكم ماتت فليست للخطوب تثار أنكرتم الفعل الشنيع بقولكم شكراً لكم لن ينفع الإنكار شكراً لقادة العرب! شكراً على تنظيم مؤتمراتكم وعلى القرار يصاغ منه قرار وعلى تعاطفكم فتلك مزية فيكم تصاغ لمدحها الأشعار يا ويحكم يا مسلمون نساؤكم يسألن عنكم والدموع غزار هذي تساق إلى سراديب البغا سوقاً وتلك يقودها الجزار لو أن سائحة من الغرب اشتكت في أرضكم لتحرك الإعصار أما الصغار، أي: في فلسطين أما الصغار فلا تسل عن حالهم مرض وجوع قاتل وحصار فاليهود يذبحون رجالهم ونساءهم وما لهم ناصر ودمع عيونهم مدرار يا ويحكم يا مسلمون تنسون أن الضـ عف في وجه العدو مذلة وصغار هذي هي القدس يحرق ثوبها عمداً ويهتك عرضها الأشرار تبكي وأنتم تشربون دموعها وعن الحقائق زاغت الأبصار هذا هو الأقصى يهود جهرة وبجرحه تتحدث الأخبار هذا هو الأقصى يطحنه الأسى وجموعكم يا مسلمون نثار مليارنا لا خير فيه كأنما كتبت وراء الواحد الأصفار ما جرَّأ اليهود إلا صمتنا ولكم يذل بصمته المغوار خابت سياسة أمة غاياتها تحقيق ما يرضى به الكفار واقع ينزف!! ما الذي دهى الأمة؟! ما هذا؟! إلى متى؟! متى سيفيق الحكام والزعماء؟ فوالله الذي لا إله غيره إن المخطط اليهودي لا يقتصر على فلسطين فحسب، بل إن خريطة اليهود مرسومة على (الكنيست)، وقد صرح بهذا بن غوريون في أول يوم اعترفت فيه الدول الغريبة الظالمة بهذه الغدة السرطانية الخبيثة على الثرى الطاهر، قال بن غوريون: قد لا يكون لنا الحق في فلسطين من منظور سياسي أو قانوني، ولكن فلسطين حق لنا من منظور ديني عقدي، فهي أرض الميعاد التي وعدنا الله بها من النيل إلى الفرات. انظروا إلى خريطة وتاريخ اليهود؛ لتعرفوا أن القوم يخططون، ولن يقتصر اليهود على فلسطين، لا ورب الكعبة، بل إن لليهود هدفاً واحداً قد بينه لنا ربنا ﷻ ألا وهو أن يخرج المسلمون من دينهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠].

стр. 749

اليهود هم اليهود عنصرنا الثاني بإيجاز شديد: اليهود هم اليهود، ومكمن الخطر أن الحكام والزعماء والساسة ما زالوا يتفاوضون معهم وهم لا يعرفون شيئاً ألبتة عن طبيعة اليهود. ما زلنا ننتظر شارون رجل السلام اليهود حمائم السلام أمريكا هي الراعي الأوحد لعملية السلام في المنطقة! لابد من التدخل الأوربي! لابد أن نناشد هيئة الأمم ومجلس الأمن! لابد من أن يتدخل بوتن السفاح الروسي الملعون الملحد حتى يتم التوازن في المنطقة إلى آخر هذه الكلمات التي تنم عن جهل فاضح بطبيعة القوم بطبيعة اليهود بطبيعة من نفاوض. لماذا؟ لأن القرآن غُيِّب عن الساحة؛ لأن النبي ﷺ غُيِّب بشريعته عن الساحة، فصار كل واحد يهرف بما لا يعرف! أما لو دخلت الساحة من جديد كلمات ربنا وكلمات الصادق نبينا؛ لعلم المفاوض مع من يتفاوض ولعلم الساسة مع من يتحدثون، وعلى مائدة من يجلسون. اليهود لا يعرفون سلاماً، ولن يعرفوا سلاماً قط حتى ولو منحوا الفلسطينيين أو الأمة هدنة، فإنها هدنة للتجديد هدنة للتخطيط هدنة للإعداد فاليهود لا يعرفون ولن يعرفوا السلام قط. هل تصدقون الله؟! هل تصدق الأمة رسول الله ﷺ ؟! اليهود ما ثبتوا على عهد قط، وهذا كلام ربنا إن كنا لا زلنا نصدق ربنا! وليس بقول زعيم ولا عالم!! يقول ربنا ﷻ : ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ﴾ [الأنفال:٥٦]. هذا قرآن يا مسلمون! وددت لو أسمعت زعماء الأمة هذا، ربما كانوا لا يسمعون القرآن، ولا يقرأ أحد منهم كلام الرحمن: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ﴾ [الأنفال:٥٦]، قال تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا﴾ هذا العهد منهم هم ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:١٠٠] فاستحقوا اللعن من الله، واستحقوا أن يبتليهم الله بقسوة قلوبهم، قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة:١٣] فاليهود لا يعرفون عهداً ولا ميثاقاً ولا وفاءً! كيف يفي اليهود بالعهود؟! اليهود لا يعرفون سلاماً، وهذا دأب القوم وطبيعتهم، ولا ينبئك عن اليهود مثل خبير، قال جل وعلا: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] هذه عقيدة لابد أن تتأصل في قلب كل رجل وامرأة، وكل شاب وطفل من أطفالنا.

стр. 750

الكفر ملة واحدة أيها الأحبة! إنني أتعجب غاية العجب ممن ينتظرون من أمريكا أن تنصر القضية، أو أن ينصر الغرب القضية، فالكفر ملة واحدة وهذا هو عنصرنا الثالث. فلابد من تكرار هذه المادة العقدية، ولابد من تأصيلها الآن في القلوب: لا ينصر الشرك إيماناً، ولا ينصر الكفر توحيداً قط: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١]. قال ﷻ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران:١١٨]. وقال الله ﷻ : ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، قال الله ﷻ : ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧]، وقال الله جل في علاه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة:١]. هل تريد الأمة أدلة أكثر من ذلك؟! متى نصر الكفر إيماناً؟! حال أمتنا حال عجيبة وهي لعمر الله بائسة كئيبة يجتاحها الطوفان طوفان المؤامرة الرهيبة ويخطط المتآمرون كي يغرقوها في المصيبة وسيحفرون لها قبوراً ضمن خطتهم رحيبة قالوا: السلام قلت يعود الأهل للأرض السليبة وسيلبس الأقصى غداً أثواباً قشيبة فإذا سلامهم هو التنـ ـازل عن القدس الحبيبة فبئس سلامهم إذاً وبئـ ـست هذه الخطط المريبة وأقول وأكرر: قالوا لنا: ما الغرب قلت صناعة وسياحة ومظاهر تغرينا لكنه خاو من الإيمان لا يرعى ضعيفاً أو يسر حزينا الغرب مقبرة المبادئ لم يزل يرمي بسهم المغريات لدنيا الغرب مقبرة العدالة كلما رفعت يد أبدى لها السكينا الغرب يكفر بالسلام وإنما بسلامه الموهوم يستهوينا الغرب يحمل خنجراً ورصاصة فعلام يحمل قومنا الزيتونا كفر وإسلام فأنى يلتقي هذا بذلك أيها اللاهونا أنا لا ألوم الغرب في تخطيطه ولكن ألوم المسلم المفتونا وألوم أمتنا التي رحلت على درب الخضوع ترافق التنينا وألوم فينا نخوة لم تنتفض إلا لتضربنا على أيدينا يا مجلس الأمن! بل يا مجلس الخوف! يا مجلس الأمن المخيف إلى متى تبقى لتجار الحروب رهينا وإلى متى ترضى بسلب حقوقنا منا وتطلبنا ولا تعطينا لعبت بك الدول الكبار فصرت في ميدانهن اللاعب الميمونا يا مجلساً غدا في جسم عالمنا مرضاً خفياً يشبه الطاعونا شكراً لقد أبرزت وجه حضارة غربية لبس القناع سنينا شكراً لقد نبهت غافل قومنا وجعلت شك الواهمين يقينا يا مجلس الأمن انتظر إسلامنا سيريك ميزان الهدى ويرينا إني أراك على نهاية ناهية ستصير تحت ركامها مدفونا إن كنت في شك فسل فرعون عن غرق وسل عن خسفه قارونا ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:٦ - ١٤]. أيها المظلوم صبراً لا تهن إن عين الله يقظى لا تنام. نم قرير العين واهنأ خاطراً إن عدل الله دائم بين الأنام ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٧]. ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم:٤٢] ونحن ورب الكعبة نؤمن بهذا إلى حد عين اليقين، بل حق اليقين: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴾ [إبراهيم:٤٧] فالغرب لن ينصر لنا قضية أبداً. كررنا هذا، وأكرره وسأكرره مراراً وتكراراً: الغرب لن ينصر لنا قضية؛ لأن الكفر ملة واحدة.

стр. 751

ما هو الحل أيها الأحباب! السؤال الآن: ما الحل؟ والحل على مستويين: مستوى الأمة -مستوى الساسة والحكام- ومستوى الأفراد.

стр. 752

الحل على مستوى الزعماء أولاً: على مستوى الزعماء: أول خطوة تجب عليهم: أن يرجعوا إلى الله، وأن يعلنوا توحيدهم لله، وأن يحكموا في البلاد والعباد شرعه، وأن يمتثلوا أمره، وأن يجتنبوا نهيه، وأن يقفوا عند حدوده، وأن يرددوا مع شعوبهم المسلمة قولة السابقين الأولين الصادقين: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥]، ونحن بهذا أمام حد الإيمان وشرط الإسلام، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]. فأنا لا أفهم أبداً من آية قرآنية أو سنة ربانية كونية أو كلمات نبوية، لا أفهم ألبتة أن رب البرية ﷻ ينصر أناساً قد خذلوا دينه وغيروا شريعته في الجملة. لابد أن يرجعوا إلى الله ابتداءً، وأن يحكموا في البلاد والعباد آيات الله ومنهج الصادق رسول الله ﷺ ، حينئذٍ تكون الأمة مهيأة للخطوة التالية التي لا كرامة للأمة الآن إلا بها ألا وهي أن ترفع راية الجهاد في سبيل الله. إنني أعي ما أقول! ماذا لو اتخذت الأمة عبر قادتها قرارات سياسية ودبلوماسية فإن لم تجد فنحن لا نحب الحرب ولا نحب سفك الدماء إطلاقاً، لكن لابد من أن تروى شجرة الدعوة بدماء الأطهار الأبرار؛ لتظل هذه الشجرة مثمرة. هذا أمر كوني قدري قضاه الله ﵎ وقدره على أهل التوحيد؛ ليفوزوا بإحدى الحسنين: إما النصر، وإما الشهادة. ولن تكون الأمة مهيأة لرفع راية الجهاد لإعلاء كلمة الله، إلا إذا عدنا إليه واعتصمنا به ولجأنا إليه وحده، وجددنا الثقة فيه وحده، ورجوناه وحده، وقطعنا كل العلائق والروابط وارتبطت قلوبنا بالله وحده. لماذا لا تتخذ الأمة قرارات سياسية أو دبلوماسية كطرد سفراء أو سحب سفراء وإن كنت أعلم أن هذا لا يغير من الواقع شيئاً، لكن فلتخط الأمة على الطريق خطوات؟! ولماذا لا تستخدم الأمة سلاح المقاطعة للسلع التي تستغني عنها الدول والشعوب؟ هناك كثير من السلع الاستهلاكية لا نحتاج إليها، أو لن نموت بدونها، أما السلع الرئيسية التي تحتاج إليها الشعوب والأمم فلا حرج في ذلك ولا بأس، لكن هذا يدفع الأمة الآن دفعاً إلى أن تبدع، والأمة لا تفتقر إلى العقول والأدمغة المبدعة، لكنها الهزيمة النفسية التي منيت بها أمة سيد البشرية ولا حول ولا قوة إلا بالله! ولماذا لا تستثمر الأمة ما رزقها الله ﵎ به من طاقات كالبترول في محاربة أعداء الله؟! استهزئ بقرار العراق بقطع البترول عن أوروبا وأمريكا لمدة شهر! سخر بهذا القرار واستهزئ به، فماذا لو كان هذا القرار سارياً على مستوى الأمة؟! إذاً: لتغير الحال، فإن استخدمت الأمة كل هذه الخيارات السلمية ولم تجد شيئاً مع السفاح شارون -وأنا أعلم أنها لن تجدي شيئاً، لكن هذا من باب الطرح- فحينئذ لا خيار أمام الأمة إلا أن تفتح الباب لملايين الرجال والشباب ممن تتحرق قلوبهم شوقاً للشهادة في سبيل الله. أيها الأحباب! لماذا لا يمكن العلماء اليوم والدعاة من تجييش طاقة الأمة لإحياء روح الجهاد في سبيل الله؟! فليمت مليون! إلى أين يذهبون إن صحت النوايا إلى الفردوس الأعلى. يا إخوة! تصوروا أن رجلاً قد أذنب ما قدر الله له أن يذنب -فنحن نؤمن بأن الخير والشر مخلوقان لله- ومع أول قطرة دم تنبعث من جسده الطاهر في ساحة الجهاد يغفر الله له كل ذنوبه! أي مكسب هذا في عالم المكسب والخسران؟ إما عظماء فوق الأرض بكرامة وإما عظام تحت الأرض، ونسأل الله الشهادة. أقسم بالله أن نساءنا سيسبقنا وأن أطفالنا سيسبقوننا إلى هذه الساحة؛ لنعلم كلاب الأرض من اليهود مهما كانت مجنزراتهم وأسلحتهم درساً لا ينسوه أبداً. ورب الكعبة سُيعلم شباب محمد ﷺ كلاب الأرض من اليهود أن محمداً مات وما خلف بنات، بل خلّف رجالاً تحترق قلوبهم شوقاً للشهادة في سبيل الله. فليفتح الباب، فليمت مليون مليونان عشرة ملايين الناس يريدون الشهادة. أيها الأحبة! لو مكن العلماء الآن من وسائل الإعلام لجيشوا -والله- ملايين الشباب في الأمة ممن يتشوقون للجهاد في سبيل الله ضد كلاب الأرض من اليهود، ثم لو حكم الزعماء شرع الله فلا خوف من هذا الشباب؛ لأنه سيرجع ليسمع ويطيع هكذا علمنا نبينا، فشبابنا لا يبحث عن الزعامات، ولا يبحث عن القيادات، إنما يريد فقط أن يحكم بقال الله قال رسول الله، ولو حكمنا عبد حبشي مجدوع الأنف سنسمع له ونطيع، وسنكون سهاماً في كنانته يحركنا حيث شاء ما دام أنه يحركنا إلى مرضاة من يقول للشيء: كن فيكون.

стр. 753

الحل على مستوى الأفراد أما على مستوى الأفراد فأنا أنكر غاية الإنكار على أي شاب مسلم يخرج في مظاهرة ليحطم سيارة أو محلاً! لماذا نحطم بلادنا وأرضنا؟! لماذا تحطم سيارة أخيك وهو يسير في أمن وأمان؟! لماذا نعتدي على محلات إخوتنا من المطحونين أصلاً؟! لماذا؟ نريد فطنة يا إخوة! نريد تعقلاً نريد فهماً نريد وعياً نريد حضارة إسلامية في التفكير والسلوك. ما قيمة هذه المظاهرات التي تخرب وتدمر؟ أنا لا أمنعك من التظاهر، بل يجب عليك أن تعبر عن غضبك، وأن تعبر عن احتراقك بأسلوب حضاري، وأنا لا أستعير هذه اللفظة من هؤلاء المجرمين لا، بل إن الإسلام هو أول من أسس الحضارة، وما سرقت أوروبا الحضارة إلا من الأندلس، وما سرقت فرنسا الإضاءة الكهربائية إلا من المسلمين. يوم رصفت شوارع الأندلس كانت فرنسا تعيش في الوحل والطين، ويوم أضيئت شوارع الأندلس كانت فرنسا رائدة الحضارة في هذا الزمان، وإنجلترا التي كانت لا تغيب عن مملكتها الشمس تعيشان في الظلام الدامس. فالإسلام هو الذي أسس الحضارة، فنحن نريد أن نعبر عن غضبنا وعن ألمنا بأسلوب حضاري، ونبتعد كل البعد عما يغضب الله جل وعلا، وعما يفسد علينا أرضنا وبلادنا. أنا لا أجامل بذلك مخلوقاً، إنما هذا ما أدين به لربي ﵎. ثم فرق كبير بين أن تعبر عن غضبك في مثل هذه المسيرات السلمية بالضوابط الشرعية: من عدم اختلاط، وعدم تعطيل وإفساد. فرق كبير بين أن تعبر من خلال هذا وبين أن تعتقد أن النصرة للدين في مثل هذه المسيرات. فرق كبير بين هذا وذاك، بل أخشى الآن -ورب الكعبة- أن تفرغ طاقات الأمة في مثل هذه المظاهرات الحماسية، أخشى أن تفرغ الطاقات في مثل هذه المظاهرات، فقد يخرج الرجل ويحطم بالحجارة ويرجع وهو معتقد أنه فتح القدس، وأدى كل ما عليه لله جل وعلا! أكرر القول حتى لا يردد القول أحد طلابنا بخطأ: فرق بين أن تعبر عن غضبك وأملك بقلبك في هذه المسيرات السلمية وبين أن تعتقد أن هذا هو السبيل للنصر، فالطريق النصر تصحيح العقيدة تصحيح العبادة تحكيم الشريعة تصحيح ما فسد واعوج من الأخلاق تهيئة جيل النصر بالتربية على القرآن والسنة وكل هذا التأصيل يأتي بعده حتماً: رفع راية الجهاد في سبيل الله. هذا ما أدين الله به وسيسألني شاب من طلابنا: هل ستنتظر الأمة -أيها الشيخ- لتربى على العقيدة والعبادة؟! و الجواب فرق بين جهاد الطلب وجهاد الدفع. أما جهاد الطلب: فهو فرض كفاية، إن قام به بعض المسلمين سقط الإثم عن بقية المسلمين، هذا هو الذي يحتاج إلى التربية المتواصلة من إعداد عقدي من إعداد تعبدي من تحكيم لشرع الرب العلي من تهيئة لجيل النصر. أما جهاد الدفع، ومعناه: أن يداهم العدو أرضاً من أراضي المسلمين، فعند ذاك صار الجهاد فرض عين على كل مسلم ومسلمة في هذه الديار التي داهمها العدو، كل بحسب قدرته واستطاعته، ويحرم على المسلم القادر على الجهاد أن يجلس في بيت من بيوت الله ليطلب العلم الشرعي. أيها الأحبة! في جهاد الدفع يجب عليك أن تدفع العدو الصائل، ويحرم عليك أن تتقاعس عن الجهاد لأي سبب إن كنت قادراً على أن تشارك في حدود قدراتك واستطاعتك وإمكانيتك. فأرجو من شبابنا أن يؤصلوا هذه المسائل الشائكة الدقيقة؛ لأن الحماس وحده لا يكفي، ولأن الإخلاص وحده لا يكفي، بل لابد أن يكون الحماس والإخلاص منضبطين بضوابط الشرع، حتى نرضي ربنا ﷻ ، وحتى نكون بحق من أنصار نبينا ﷺ ، وهذا واقع مرير نحياه- وهذا تأصيل يبتعد كل البعد عن التنظير الباهت الفارغ البارد، لكنني أتحدث عن واقع نعرفه جمعياً. إن لم تستطع أن تجاهد مع إخوانك بنفسك فبمالك، فلو تبرعنا الآن بمائه جنيه ونحن نعلم يقيناً أنه لن يصل من المائة جنيه إلا عشرة جنيهات فلنبذل المائة الجنيه لتصل العشرة جنيهات، فإخواننا هنالك في حاجة إلى جنيه لا إلى عشرة جنيهات، وأنا أتحدث من خلال الواقع الذي نعرفه. أخي في الله! جاهد بمالك فإن لم تستطع فبدعائك، لا تحتقر الدعاء ولا تستهن به، فأنا أقسم بالله أن القطار الأمريكي ما خرجت عجلاته عن القضبان بالأمس، وقتل فيه من قتل، وجرح فيه من جرح إلا استجابة من الملك لدعوة مطحون مظلوم لا يقدر على شيء. وأن هذه الطيارة السياحية التي ضربت هذا البرج العالي في إيطاليا، والله ما أراها إلا استجابة من الله العلي الأعلى لدعوة صادقة من مسلم يحترق قلبه وهو لا يقدر أن يقدم شيئاً إلا الدعاء مسلم اطلع الله عليه في جوف الليل يتململ كتململ العصفور المبلل بماء المطر بين يديه أن يرفع الغمة عن الأمة. فلا تحتقر الدعاء -أخي- ولا تستهن به، فإننا الآن قد خذلنا إخواننا حتى في الدعاء، وأسألكم بالله من منكم دعا يوم الخميس الماضي في كل سجدات صلواته لإخوانه في فلسطين؟! أقسم بالله لو قدمنا الآن استمارة استبيان في الجمع الحاشد من الصفوة لرأينا قلة هي التي دعت لإخوانها في فلسطين في كل سجدة من سجدات الصبح، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء. والله لن نرى إلا قلة، فاسمحوا لي أن أقول: أمة بخلت بالدعاء فهل تجود بالأموال والدماء؟! إن هذا التأصيل يأتي بعيداً عن التنظير البارد أمة بخلت بالدعاء فهل تجود بالمال والدماء؟! أيها الأحباب! ثم يأتي الجهاد بالكلمة بالمحاضرات بالدروس في الشوارع في الطرقات في الوظائف في المكاتب في المجلات تستطيع أن تتصل على مسئول من المسئولين فافعل، إن كنت تقدر على أن تعبر بمقال في جريدة فافعل، إن كنت تملك أن تعبر برسم (كاريكاتوري) معبر فافعل، إن كنت لا تستطيع أن تتحدث عن هذه القضية إلا أمام امرأتك وأولادك فافعل، إن كنت تقدر أن تتحدث في هذه القضية مع زملاء العمل فافعل، المهم أن تشغل القضية مجالسنا وقلوبنا وعقولنا، وأن نجاهد بالكلمة، فالكلمة من أعظم صور الجهاد في سبيل الله، ولن يسألنا الله ﵎ عن شيء عجزنا عن فعله، والله يعلم الصادق من الكاذب. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: يسقط الواجب بالعذر عنه. أسأل الله أن يحيي قلوبنا، وأن يقر أعيننا بنصرة إخواننا. أسأل الله أن يقينا حر جهنم، وأسأل الله أن يجعلنا من أهل الفردوس الأعلى؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه، وأسأل الله أن يتقبل من الجميع. وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 754

لا تيأسوا فمن رحم الظلام يولد الصبح الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم! صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، وبعد: فأخيراً: أيها الأحبة! لا تيأسوا، فمن رحم الظلام يولد الصباح، فقد صرح جنرالات اليهود أن الفلسطينيين سطروا ملحمة من أروع ملاحم البطولة والفداء في مخيم جنين. قرأت لضباط في الجيش الصهيوني يقولون: لقد تحولت شوارع جنين إلى ألغام محرقة! هل تتصور ماذا فعل إخواننا مخيم جنين؟! مكان لا تزيد مساحته عن أربعة كيلو مترات مربعة فقط -ولا يزيد اتساع الشارع في كل شوارع مخيمات جنين عن مترين فقط- فخخ إخواننا أعمدة الكهرباء فيه ووضعوا العبوات الناسفة عليها، وعلى أغطية الصرف الصحي، وفخخوا بعض البيوت، وعجز الجيش اليهودي بأرتاله وصواريخه وطائراته لمدة ثلاثة أيام متواصلة أن يقتحم المخيم أمام هذا الصمود الباسل لإخواننا على أرض فلسطين، فما كان من المجرم رئيس الأركان شاءول موفاز إلا أن قاد العملية بنفسه، فبدأت الجرافات تهدم البيوت ليفتحوا طريقاً للدبابات في هذه الشوارع التي لا يزيد اتساعها عن مترين، ففتحوا مجموعة من الشوارع يزيد اتساع الشارع على٢٠ متراً. تصور معي حجم الهدم للبيوت ليجعلوا الشارع بهذا الاتساع! وهدموا البيوت وصمد الأبطال إلى آخر طلقة في بنادقهم الآلية التي لا يزيد مداها عن مائتي متر، أمام الطائرات (الإف ١٦) أمريكية الصنع أمام طائرات الأباتشي الأمريكية أمام الرشاشات التي تعمل بالليزر. صمد هؤلاء الذين يعلمون يقيناً أن الغرب والشرق والعرب لن ينصروا لهم قضية، فاستعانوا برب البرية. سمعت أماً قد تجاوزت السبعين من عمرها ترفع رأسها ويديها إلى السماء وهي تقول: النصر منك يا رب! قلت: من هنا يأتي النصر إن شاء الله حينما تقطع كل العلائق الدنيوية، وتتعلق القلوب بمن يدبر أمر الكون، سيأتي النصر إن شاء الله، وما يحدث الآن على أرض فلسطين -ورب الكعبة- نصر وإن جرت الدماء وإن تطايرت الأشلاء!! نعم، لابد أن تروى شجرة الدعوة بالدماء؛ ليذهب الشهداء إلى جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وليبقى من قدر الله له أن يبقى في عزة وكرامة، وهذا وعد الله ﵎، وهذه سنة ربانية لا تتبدل ولا تتغير. صمد إخواننا في جنين إلى أن نفدت آخر رصاصة من بنادقهم الآلية، وسطروا ملحمة من أروع ملاحم البطولة الأم الفلسطينية الطفل الفلسطيني الشاب الفلسطيني الذي لم يبلغ العشرين من عمره، يعلم العالم كله الآن حقيقة التضحية وعظمة الفداء وشرف البطولة، فإن الله الذي جعل الأقصى والقدس سكناً للأنبياء لن يديم القدس أبداً سكناً لقتلة الأنبياء، قال تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ﴾ اسمع! ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران:١١١]. هذه الآية في اليهود: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران:١١١]، بل ستنزل الخلافة على الأرض المقدسة كما قال الصادق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى في الحديث الذي رواه أحمد والحاكم بسند صححه الحاكم والذهبي والألباني: (أن النبى ﷺ وضع يوماً يده على رأس ابن حوالة الأزدي، وقال: يا ابن حوالة! إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة فقد دنت الزلازل والبلايا والأمور العظام، والساعة يومئذ أقرب إلى الناس من يدي هذه من رأسك) فستنزل الخلافة الأرض المقدسة بموعود الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، لكن الله لا يعجل بعجلة أحد، ومع ذلك فليس أحد أرحم بالمستضعفين من رب العالمين. وفي الحديث الذي رواه أبو يعلى وقال الهيثمي: رجاله ثقات من حديث أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال: (لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أبواب دمشق وما حولها، وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله، ظاهرين على الحق إلى أن تقوم الساعة). وفي الحديث الذي رواه أحمد بسند صحيح من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبى ﷺ قال: (بينما أنا نائم إذ رأيت عمود الكتاب قد احتمل من تحت رأسي فظننت أنه مذهوب به فأتبعته بصري فعمد به إلى الشام، ألا وإن الإيمان حين تقع الفتن بالشام) يعني: سيكون الإيمان في بلاد الشام حينما تقع الفتن. هذا وعد الله وهذا وعد الصادق رسول الله. اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين! اللهم احفظ إخواننا في فلسطين اللهم احفظ إخواننا في فلسطين اللهم احفظ إخواننا في فلسطين اللهم احفظ إخواننا في فلسطين! اللهم إنهم حفاة فاحملهم اللهم إنهم عراة فاكسهم اللهم إنهم جياع فأطعمهم اللهم إنهم خائفون فأمنهم اللهم إنهم خائفون فأمنهم اللهم إنهم خائفون فأمنهم! اللهم شتت شمل اليهود اللهم شتت شمل اليهود اللهم! عليك باليهود وأعوانهم اللهم عليك بكل من خان الدين من أجل اليهود اللهم إنه لا إله لنا سواك فندعوه، ولا رب لنا غيرك فنرجوه. . يا غياث المستغيثين يا غياث المستغيثين يا غياث المستغيثين أغثنا يا غياث المستغيثين أغثنا! اللهم أرنا في أمريكا آية اللهم أرنا في أمريكا آية اللهم أرنا في أمريكا آية اللهم أرنا في اليهود آية اللهم أرنا فيهم آية اللهم أرنا فيهم آية اللهم! أحصهم عدداً اللهم أحصهم عدداً اللهم اقتلهم بدداً اللهم لا تبق منهم أحداً. اللهم لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً اللهم لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً اللهم لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً! إلهنا انقطعت بنا كل الحيل، وانقطعت بنا كل السبل ولا ملجأ لنا إلا أن نلجأ لبابك فلا تحرمنا من فضلك وثوابك، ولا تطردنا عن جنابك! اللهم لا تحرمنا من فضلك وثوابك! اللهم لا تردنا خائبين ولا من فضلك قانطين، ولا من رحمتك وعفوك يائسين اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا يا من إليه يلجأ الخائفون يا من إليه يلجأ الخائفون يا من إليه يلجأ الخائفون يا من عليه يتوكل المتوكلون يا من إليه تبسط الأيدي ويسأل السائلون. اللهم ارفع الهم والغم عن أمة المصطفى اللهم ارفع الهم والغم عن أمة المصطفى اللهم اشف صدور قوم مؤمنين بنصرة الإسلام وعز الموحدين! اللهم اشف صدور قوم مؤمنين بنصرة الإسلام وعز الموحدين برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم! اجعل مصر واحة للأمن والأمان وجميع بلاد المسلمين، يا رب لا تحرم مصر من الأمن والأمان يا رب لا تحرم مصر من الأمن والأمان. اللهم ارفع عن مصر الغلاء اللهم ارفع عن مصر البلاء اللهم ارفع عن مصر الوباء اللهم ارفع عنها الفتن ما ظهر منها وما بطن وجميع بلاد المسلمين! يا رب إن القلوب بين أصبعين من أصابعك فحول قلوب الحكام إليك يا أرحم الراحمين اللهم حول قلوب الحكام إليك يا أرحم الراحمين! اللهم حول قلوبهم إلى قرآنك اللهم حول قلوبهم إلى سنة نبيك اللهم حول قلوبهم إلى شرعك اللهم! حول قلوبهم إلى شرعك أنت ولي ذلك والقادر عليه! اللهم! اشف صدورنا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، أنت ولي ذلك والقادر عليه، برحمتك يا أرحم الراحمين! هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويلقى به في جهنم، ثم أعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 755

الرزق ثمرة التوكل التوكل على الله في الأمر كله من واجبات الإيمان، ومن مقتضى التسليم للرحمن، وليس معنى التوكل ترك الأسباب، بل إن الأخذ بالأسباب من تمام التوكل. ثم إن الأسباب تنقسم إلى: مادية، ودينية، فالأولى: تقع للمسلم والكافر، والثانية: لا تقع إلا لأولياء الله، وهي كثيرة ومتعددة، وقد دل عليها الشرع وصدقها الواقع، فكم من قصص واقعية صدقت ذلك، سواء في الزمان المتقدم أو في وقتنا الحاضر.

стр. 756

حقيقة التوكل بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح للأمة فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الفضلاء الأعزاء! وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا، الذي جمعني مع حضراتكم في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار مقامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. (الرزق ثمرة التوكل)، هذا هو عنوان لقائنا مع حضراتكم في هذا اليوم المبارك، وسوف ينتظم حديثي مع حضراتكم في هذا الموضوع المهم في العناصر المحددة التالية: أولاً: حقيقة التوكل. ثانياً: الرزق ثمرة التوكل. ثالثاً: ثلة من بستان المتوكلين. فأعيروني القلوب والأسماع جيداً، والله أسأل أن يرزقنا جميعاً صدق التوكل عليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أولاً: حقيقة التوكل: روى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة وغيرهم بسند صحيح من حديث عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لو أنكم توكلون على الله حق توكله؛ لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصاً وتروح بطاناً). تدبر معي كلام النبي ﷺ مرة أخرى: (تغدوا خماصاً)، أي: تخرج في الصباح الباكر وبطونها فارغة، لا تملك إدارة ولا تملك كمبيوتر ولا تملك إنترنت، (وتروح بطاناً)، أي: ترجع في وقت الروحة وقد رزقها الرزاق ذو القوة المتين.

стр. 757

وجوب التوكل على الله مع وجوب الأخذ بالأسباب فحقيقة التوكل أيها الأخيار الكرام! أن نأخذ بالأسباب، وأن تكون قلوبنا في الوقت ذاته معلقة بمسبب الأسباب، إذ إن الأسباب وحدها لا تضر ولا تنفع ولا ترزق ولا تمنع إلا بأمر مسبب الأسباب، فالمؤمن يأخذ بالسبب، ويعلق قلبه بمسبب السبب، فإن تيسر أمر فبتيسيره، وإن تعسر أمر فبتقديره، وأنا لا أعلم الآن أمة قد ضيعت قانون السببية كأمة سيد البشرية، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فالأمة الآن متواكلة إلا من رحم ربك جل وعلا، إذ إن الأمة قد ضيعت الأسباب وظنت أنها لعلاقتها بالله ﵎، وبنسبتها للنبي ﷺ -دون أن تأخذ بالأسباب- ظنت أن الله سينصرها! ولله سنن ربانية في الكون لا تتبدل ولا تتغير، ولا تحابي هذه السنن أحداً من الخلق بحال، مهما ادعى لنفسه من مقومات المحاباة، فالمصطفى كان قائد المعركة في أحد، فلما تخلى بعض أصحاب النبي ﷺ عن أسباب النصر كانت الهزيمة. إن لله سنناً ربانية في الكون لا تتبدل ولا تتغير، ولا تحابي تلك السنن أحداً من الخلق بحال، مهما ادعى لنفسه من مقومات المحاباة. فالتوكل على الله أن نأخذ بالأسباب: أن نأخذ بأسباب القوة، وأن نأخذ بأسباب النصر، وأن نأخذ بأسباب العزة والاستخلاف والتمكين، وأن نعلق قلوبنا بمسبب الأسباب لا بالأسباب، وهذا هو الفارق بين المؤمن الذي وحد الله ﷻ ، وبين الكافر الذي يأخذ بالأسباب ولا يعلق قلبه إلا بالأسباب فقط. فحقيقة التوكل صدق اعتماد القلب على الله مع الأخذ بالأسباب، فالتوكل هو جماع الإيمان، وهو نهاية تحقيق التوحيد. قال سهل بن عبد الله التستري: من طعن في الأسباب فقد طعن في السنة، ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان، فالدخول في الأسباب سنة النبي ﷺ ، والتوكل حال النبي ﷺ ، فمن عمل على سنته فلا يتركن حاله. فسيد المتوكلين هو رسول الله، ومع ذلك ظاهر يوم أحد بين درعين، واستأجر يوم الهجرة دليلاً مشركاً ليدله على طريق الهجرة، وهو الصادق الذي هدى الله به العالمين، وكان يدخر القوت لأهل بيته، وكان إذا سافر للجهاد والحج والعمرة حمل الزاد والمزاد وهو صاحب القلب الذي لم يتعلق قط إلا بالله رب العالمين.

стр. 758

فضل التوكل والمتوكلين فهذه هي حقيقة التوكل ومن ثم أمر الله نبيه ﷺ بتحقيق التوكل فقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان:٥٨]، وقال تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل:٧٩]، وقال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب:٣]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران:١٥٩]. وأثنى على أنبيائه ورسله الذين حققوا التوكل فقالوا: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ [إبراهيم:١٢]، وأثنى على أوليائه الذين قالوا: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة:٤]، وأثنى على أصحاب النبي ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤]. وأمر المؤمنين بتحقيق التوكل فقال سبحانه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران:١٢٢]، وجعل التوكل ثمرة حتمية للإيمان به سبحانه فقال جل وعلا: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]. هذا هو التوكل وهذه حقيقته، هذا هو التوكل الذي جعله المصطفى ثمرة كريمة من ثمار الإيمان، وجعله المصطفى سبباً رئيسياً من أسباب الرزق.

стр. 759

الرزق ثمرة التوكل وهذا هو عنصرنا الثاني: الرزق ثمرة التوكل.

стр. 760

المفهوم الشامل للرزق قال ابن منظور في لسان العرب: الرزق هو ما تقوم به حياة كل كائن حي، مادياً كان أو معنوياً. وكثير من الناس يظن أن الرزق هو المال فقط، وهذا فهم قاصر وخاطئ، فالرزق أوسع مدلولاً من المال، فالإيمان رزق، وحب النبي ﷺ رزق، وحب الصحابة رزق، وحب آل بيت النبي ﷺ رزق، واليقين رزق، والتوكل على الله رزق، والخوف من الله رزق، والإنابة رزق، والتوبة رزق، والحلم رزق، والحكمة رزق، والعلم رزق، ومحبة الناس لك رزق، والزوجة الصالحة رزق، والذرية الطيبة رزق، والمال رزق. والذي يرزق كل هذه الأرزاق هو الرزاق، قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦]، لا على أوروبا ولا على أمريكا، لا على شرق ملحد ولا على غرب كافر، ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود:٦]. جلس إبراهيم بن أدهم ليأكل بعض قطع اللحم المشوي، فجاءت قطة فخطفت قطعة لحم وجرت، فقام وراءها ليراقب هذا الموقف، فوجد القطة قد وضعت قطعة اللحم أمام جحر في باطن الأرض في مكان مهجور ثم انصرفت، فازداد عجبه! وفجأة رأى ثعبان أعمى يخرج من هذا الجحر ليجر قطعة اللحم إلى جحره، فرفع إبراهيم رأسه إلى السماء وقال: سبحانك يا من سخرت الأعداء يرزق بعضهم بعضاً. ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود:٦]، وقال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذاريات:٢٢]، كيف ذلك والزرع في الأرض، والضرع في الأرض، والإدارة في الأرض، والشركات في الأرض، والوظيفة في الأرض، والله جل وعلا يقول: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذاريات:٢٢]؟! لتعلم يقيناً أن كل ما تملكه في الأرض إنما هو الأسباب، والأسباب وحدها لا تضر ولا تنفع، ولا ترزق ولا تمنع إلا بأمر من استوى على العرش. ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٢ - ٢٣]، سمع الآية الكريمة أعرابي فقال: من ذا الذي أغضب الكريم حتى يقسم؟

стр. 761

كيفية تحقيق التوكل سئل حاتم الأصم فقيل له: يا حاتم! كيف حققت التوكل؟ سؤال جميل يحتاجه كل واحد منا. فقال حاتم الأصم وهو من سادة المتوكلين من التابعين: حققت التوكل على الله بأربع خصال، قيل له: ما هي؟ قال: علمت بأن رزقي لا يأخذه غيري فاطمأن قلبي، وعلمت بأن عملي لا يعمله غيري فانشغلت به، وعلمت بأن الله مطلع علي فاستحييت أن يراني على معصية، وعلمت بأن الموت ينتظرني فأعددت الزاد للقاء الله. هؤلاء هم المتوكلون، ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٢ - ٢٣]، ولكن الله ﷻ لحكمته وكمال مشيئته قدر الرزق، وقدر للزرق أسباباً، قال شيخ الإسلام ابن تيمية طيب الله ثراه: ما من شيء في الدنيا ولا في الآخرة إلا بسبب، والله خالق الأسباب والمسببات.

стр. 762

أسباب الرزق وأنواعه وأسباب الرزق نوعان: أسباب مادية دنيوية، وأسباب إيمانية دينية.

стр. 763

أسباب الرزق المادية أما الأسباب الدنيوية المادية: فيستوي فيها الكافرون والموحدون، ولقد تعمدت أن أقدم المشركين والكفار؛ لأن بعض الناس يظن أن الأرض لا تعطي زرعها إلا لمن وحد الله ﷻ ، فالرزق عطاء ربوبية للكافر والمؤمن على السواء فالله يرزق الكفار ويرزق المؤمنين. والسؤال المرير: أفيرزق ربنا الكفار، وينسى أن يرزق من وحدوا العزيز الغفار؟! و الجواب أن الرزق عطاء ربوبية، فالأرض إن زرعها الكافر وبذرها وحرثها ورعاها أعطته الثمار، فهي لا تمنع رزقها وعطاءها عن الكافر وتمنح رزقها وعطاءها للمؤمن، كلا، لقد وعد الله أن يرزق كل دواب الأرض، فالرزق مكفول للكافرين والمؤمنين، فإن أخذ الكافر بأسباب الرزق الدنيوية المادية رزق.

стр. 764

السبب الأول من أسباب الرزق الدينية أما الأسباب الأخرى، فهي الأسباب الإيمانية الدينية، وهذه لا يذوق طعمها ولا يعرف حلاوتها إلا من وحد الله، فما هي هذه الأسباب؟ أما الأسباب المادية فإنها معلومة للجميع، ولكن الذي أود أن أؤكد عليه: أن الأسباب الإيمانية الدينية غفل عنها كثير من المسلمين. ومن أعظم وأهم هذه الأسباب: التوكل على الله، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣] أي: فهو كافيه، تدبروا هذا، فوالله لو تدبر الناس هذا ما أكل الحرام من أكل، وما ارتشى من ارتشى، وما قتل من قتل، وما سرق من سرق إلا وهو جاهل بحقيقة التوكل على الله. إن المفهوم الحقيقي لقضية الرزق مع التوكل على الله ﷻ ، وإلا فإننا نسمع بأذاننا في كل يوم تقريباً من يقول: انظر حولك، انظر خلفك، انظر بين يديك، الناس يتكاثرون، الأمطار تقل، الرزق يقل، من أين نأتي لهذه الأفواه الكثيرة بالطعام والشراب؟ ونسي هؤلاء أن الذي يرزق الكفار هو الله، أفيرزق الكفار وينسى من وحدوا العزيز الغفار؟! ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣] أي: كافيه. وقال في الحديث الذي صدرت به الموضوع: (لو أنكم توكلون على الله حق توكله؛ لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً). ومن أرق وألطف ما قرأت في هذا الباب: أن حاتم الأصم -ذلكم الرجل الذي ذكرت أنه من سادة المتوكلين على الله- سأله رجل يوماً وقال له: يا حاتم! من أين تأكل؟ فقال له حاتم: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون:٧]، أنت ترزق حتى إذا ما وجدت أخاً من إخوانك قد لبس ثوباً جميلاً قلت له: من أين أتيت بهذا الثوب؟ لو كنت رزاقاً ترزق العباد ونسيت أن ترزق هذا فسل: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون:٧]. هذا الرجل - حاتم الأصم - كان فقيراً لا يملك إلا اليسير، وكان قد سمع الناس يتكلمون في حج بيت الله ويستعدون لذلك، فاشتاق لحج بيت الله، فجمع أولاده وقال: يا أولادي! لقد عزمت الآن على حج بيت الله، فقالوا: ومن يطعمنا؟ ومن يرعانا؟ ومن يأتي بحوائجنا؟ ومن يقضي لنا حوائجنا؟ فردت بنت صغيرة من بناته وقالت: يا أبتي! اذهب إلى حج بيت الله فإنك لست برازق. وانطلق الرجل، ونفذ الطعام في البيت، وشعرت الأسرة بالجوع ودخلوا على هذه البنت التقية المتوكلة بالتوبيخ والتعنيف والتأنيب، فخلت هذه البنت بربها وقالت: إلهي وسيدي ومولاي! لقد عودت القوم فضلك فلا تحرمنا من فضلك، ولا تخزني بين أهلي. وفي هذا التوقيت يقدر الرزاق ذو القوة المتين: أن يكون أمير البلدة في الشوارع والطرقات يتفقد أحوال الناس، وبينما هو أمام باب حاتم الأصم شعر بظمأ شديد كاد أن يقتله، فقال لجندي من الشرطة معه: أدركني بكوب من الماء، فلما علم أهل البيت أن الأمير على بابهم تعجبوا وهم الفقراء الذين لا يملكون شيئاً! يقف الأمير على بابهم سائلاً يطلب الماء! فأحضروا ماء بارداً وكوباً نظيفاً، فلما شرب الأمير الماء سأل: بيت من هذا؟ قالوا: بيت حاتم الأصم، قال الأمير: العبد الصالح؟ قالوا: نعم، قال: الحمد لله الذي سقانا من بيوت الصالحين، أين هو لنسلم عليه؟ قالوا: ذهب لحج بيت الله، فقال الأمير: إذاً وجب علينا أن نكافئ أهل بيته في غيبته، وكانت العملة من الذهب، فأخرج صرة مملوءة ذهباً وألقاها في بيت حاتم الأصم. ولكن الرزاق أراد المزيد، فالتفت الأمير إلى الشرطة والجند من حوله وقال: من أحبني فليصنع صنيعي، فألقى كل شرطي ما معه من المال مجاملة لأميره، وامتلأ البيت بالذهب، ودخلت البنت التقية النقية المتوكلة تبكي، فدخلت عليها أمها مع أولادها وقالت: لم البكاء وقد أصبحنا من أغنى الناس؟ فقالت هذه الفتاة الطيبة: لقد نظر إلينا مخلوق نظرة فاغتنينا، فكيف لو نظر الخالق إلينا؟ ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣]، أما حاتم، فلقد أصيب أمير الحج بلدغة عقرب فسأل: هل في القوم من راق؟ قالوا: بيننا حاتم الأصم الرجل الصالح قال: ائتوني به، فرقاه حاتم فشفاه الله جل وعلا، فجعل له الأمير جعلاً كبيراً، فكان حاتم من أغنى الناس نفقة في الحج. إن الذي يرزق هو الله.

стр. 765

السبب الثاني من أسباب الرزق الدينية السبب الثاني من أسباب الرزق: الاستغفار، والمداومة، والاستقامة على منهج العزيز الغفار. قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا * مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٠ - ١٣] أي: مالكم لا توحدون الله حق توحيده، ولا تعبدون الله حق عبادته، ولا تقدرون الله حق قدره، ولا توكلون على الله حق توكله؟! يا من حرمت من نعمة الأولاد! داوم على الاستغفار، ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا * مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٢ - ١٣]، وفي الحديث الذي رواه أحمد في مسنده وصححه العلامة أحمد شاكر، من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: (من أكثر الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب). وقال تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن:١٦] أي: لو استقاموا على منهج الله تعالى وعلى أوامره وحدوده؛ لرزقهم الله ﵎ رزقاً واسعاً طيباً. روى الإمام أبو داود والترمذي وغيرهما بسند صححه الألباني أن النبي ﷺ قال: (من نزلت به فاقة -أي فقر وحاجة- فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالله يوشك الله له برزق عاجل أو آجل). وفي الحديث الذي رواه أبو داود بسند صحيح من حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: (تابعوا بين الحج والعمرة)، سبحان الله! ما علاقة الحج والعمرة بالرزق؟ اسمع للمصطفى ﷺ : (تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة).

стр. 766

السبب الثالث من أسباب الرزق الدينية السبب الثالث من أسباب الرزق: الانشغال بالطاعة والعبادة لله ﷻ ، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨]. وفي الحديث القدسي الجليل الجميل الذي رواه الترمذي وابن ماجة بسند صححه الألباني في السلسلة الصحيحة من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: يا ابن آدم! تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى، وأملأ يديك رزقاً، يا ابن آدم! لا تباعد مني -أي: لا تبتعد عني ولا عن طاعتي- أملأ قلبك فقراً وأملأ يديك شغلا). ولا تعارض البتة بين ما أصلت له في أول اللقاء من الأخذ بالأسباب والتفرغ للعبادة، لا تعارض البتة بين هذا وذاك، فنحن لا نقول قولاً في أول اللقاء لننقضه في وسط اللقاء كلا، وإنما (تفرغ لعبادتي) أي: فرغ قلبك من كل ما سوى الله، وأنت في عبادة الله، فرغ القلب للعبادة فرغ القلب لله حال العبادة، إن وقفت بين يدي الله في الصلاة ففرغ القلب كله لله، إن قرأت كتاب الله ففرغ القلب كله لله.

стр. 767

العبادة تسع أمور الحياة كلها ثم العبادة تعني الحياة كلها، فالصلاة عبادة، والصوم عبادة، والحج عبادة، والصدقة عبادة، والعمرة عبادة، ووقوفك في متجرك للبيع والشراء وللكسب الحلال مع تأديتك لحق الكبير المتعال عبادة. فسعيك على رزقك لأولادك عبادة بشرط أن لا يشغلك رزقك عن حق الله، فلا تقف بالمحل وأنت تسمع الأذان، ويأتيك رجل بعد الآخر فلا تخرج للصلاة! ثم تقول: يا شيخ! العمل عبادة، نعم، عملك عبادة، وأنت تسعى على الرزق الحلال، لكن إن حال هذا العمل بينك وبين أداء حق الكبير المتعال فبئس العمل عملك! وابتسامتك لي عبادة، وابتسامتي في وجهك عبادة والتفويض عبادة، والإنابة عبادة، والخوف عبادة، والاستعانة عبادة، والبكاء من خشية الله عبادة، وبر الوالدين عبادة، وإحسانك للجيران عبادة، وصدقك في القول والوعد والعهد عبادة، وإتقانك لعملك عبادة، وإحسانك لزملائك ومرءوسيك في العمل عبادة. فالعبادة تسع الحياة كلها، قال المصطفى ﷺ كما في صحيح مسلم من حديث أبي ذر ﵁: (جاء أناس للنبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور -أهل الدثور: أصحاب الأموال والغنى- يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، فقال المصطفى ﷺ : أوليس الله قد جعل لكم ما تصدقون به، إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة -أي: في جماع الرجل امرأته صدقة- قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته فيكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في الحرام أيكون عليه وزر؟ قالوا: بلى قال: ولو وضعها في الحلال فله بها أجر). فالعبادة تسع الحياة كلها بشرطين: الأول: أن تصح النية. والثاني: أن يكون العمل على هدي ومنهج سيد البشرية. حينئذ كل عمل من الأعمال الظاهرة والباطنة يندرج تحت العبادة، فلا تعارض البتة بين قولنا في أول اللقاء: تحقيق التوكل أن نأخذ بالأسباب، وأن نعلق قلوبنا بمسبب الأسباب، وبين قول الله في الحديث القدسي: (يا ابن آدم! تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى، وأملأ يديك رزقاً، يا ابن آدم! لا تباعد مني أملأ قلبك فقراً وأملأ يديك شغلاً). وقال المصطفى ﷺ كما في الحديث الذي رواه ابن ماجة وأبو داود بسند حسنه الألباني في صحيح الجامع من حديث ابن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ قال: (من جعل الهموم هماً واحداً: هم المعاد -أي: هم الآخرة- كفاه الله سائر همومه، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله به في أي أوديتها هلك). وفي رواية الترمذي بسند صحيح من حديث أنس أن النبي ﷺ قال: (من كانت الآخرة همه: جعل الله غناه في قلبه، وجمع عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه: جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له).

стр. 768

السبب الرابع من أسباب الرزق الدينية السبب الرابع من أسباب الرزق: التقوى. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]، كثير من الناس لا يصدق قوله: (ويرزقه من حيث لا يحتسب). وانظر إلى ثمار الإيمان والتقوى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦]، لم يقل: بركة، وإنما قال: (لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض). قال تعالى: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٣٦ - ٣٧]. فما هي التقوى؟ قال طلق بن حبيب: التقوى هي أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخشى عقاب الله. قال علي ﵁: التقوى هي العمل بالتنزيل، والخوف من الجليل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل. قال أبو هريرة حينما سأله سائل فقال: ما هي التقوى؟ فقال أبو هريرة: هل مشيت على طريق فيه شوك، قال السائل: نعم، قال أبو هريرة: ماذا صنعت؟ قال السائل: كنت إذا رأيت الشوك اتقيته -ابتعدت عنه- فقال أبو هريرة: ذاك التقوى، فأخذ ابن المعتز هذا الجواب البليغ البديع، وصاغه هذه الصياغة الجميلة فقال: خلي الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى واصنع كماشٍ فوق أر ض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى

стр. 769

السبب الخامس من أسباب الرزق الدينية خامساً: من أسباب الرزق: صلة الرحم. وأعظم الصلة بر الوالدين، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء:١]، وفي الصحيحين أنه ﷺ قال: (من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه).

стр. 770

السبب السادس من أسباب الرزق الدينية سادساً: من أعظم أسباب الرزق: الإنفاق في سبيل الله. قال تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩]، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: يا ابن آدم! أنفق أُنفق عليك)، يا لها من عظمة! أن ينفق عليك صاحب الخزائن التي لا تنفذ! وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان إلى السماء، فيقول الأول: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً).

стр. 771

السبب السابع من أسباب الرزق الدينية سابعاً: من أعظم أسباب الرزق: الدعاء. تضرع إلى الله ، فالله جل وعلا يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]، وفي الحديث الذي رواه أحمد والترمذي بسند صحيح أن النبي ﷺ قال: (إن الله تعالى حيي كريم، يستحيي إذا رفع العبد إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين)، فارفع إلى الله أكف الضراعة. وفي صحيح سنن الترمذي وصحح الحديث شيخنا الألباني ﵀: (أن رجلاً جاء لـ علي بن أبي طالب ﵁ فقال له: يا علي! عليّ ديون عجزت عن سدادها فأعني، فقال له علي رضوان الله عليه: أفلا أعلمك كلمات علمنيها رسول الله ﷺ ، إن قلتها أدى الله علنك دينك ولو كان مثل جبل ثبير؟ قال: بلى علمني، فقال علي: قل: اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك).

стр. 772

السبب الثامن من أسباب الرزق الدينية ثامناً: من أعظم أسباب الرزق: الشكر. قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧]، قال ابن القيم: الشكر هو الحافظ والجالب، هو الحافظ للنعم الحالية، والجالب للنعم المستقبلية. والشكر يدور على اللسان والجنان والجوارح والأركان، قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ:١٣]، فالشكر يدور على اللسان بأن تشكر الله بلسانك، وعلى الجنان بأن تشكر الله بقلبك، وعلى الجوارح والأركان بأن تشكر الله بجوارحك، أي: بامتثالك للأوامر والنواهي، ووقوفك عند حدود الله جل وعلا. هذه حقيقة الشكر أيها الأحبة الكرام! فمن أنعم الله عليه بالمال أنفق، ومن أنعم الله عليه بالعلم علم، ومن أنعم الله عليه بالقرآن علم، ومن أنعم الله عليه بالصحة استثمر هذه العافية في طاعة الله، وأشفق على المرضى، وهكذا. أيها الأحبة الكرام! هذه بعض أسباب الرزق الإيمانية الدينية التي لا يذوق طعمها ولا يعرف حلاوتها إلا من وحد الله ﷻ . أسأل الله أن يرزقنا وإياكم من فضله، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وأكتفي بهذا القدر، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 773

ثلة من بستان المتوكلين الحمد لله رب العالمين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. وأخيراً أيها الأحبة الكرام: ثلة من بستان من المتوكلين. تعالوا بنا لندخل هذا البستان الواسع الفسيح، لنقف أمام بعض زهراته؛ فنستنشق عبيرها، ونستمتع بأريجها، لعل الله أن يرزقنا صدق التوكل عليه إنه ولي ذلك والقادر عليه، وليس من الأدب أن أتحدث عن المتوكلين في بستانهم دون أن أبدأ بسيدهم المصطفى ﷺ .

стр. 774

نموذج من توكل النبي ﷺ روى البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: (كنا مع النبي ﷺ في غزوة ذات الرقاع، فكنا إذا وجدنا شجرة ظليلة تركناها للنبي ﷺ ، فنام النبي ﷺ تحت شجرة وعلق سيفه بغصن من أغصانها، فجاء رجل مشرك فوجد النبي ﷺ نائماً، ووجد سيفه معلقاً، فأخذ المشرك السيف ورفعه على وجه النبي ﷺ وهو نائم، وقال: من يمنعك مني الآن يا محمد؟! فنظر إليه سيد المتوكلين وقال: الله! فسقط السيف من يد المشرك، فأخذ المصطفى السيف ورفعه على المشرك وقال: فمن يمنعك مني الآن؟ فقال المشرك: كن خير آخذ يا محمد! -يعني: يمنعني خلقك وحلمك- فقال المصطفى: لا، حتى تؤمن بالله ورسوله، فقال المشرك: لا، إلا أني أعاهدك ألا أقاتلك، أو أكون مع قوم يقاتلونك، فعفا عنه النبي ﷺ وخلى سبيله، فانطلق المشرك إلى قومه ليقول: يا قوم! والله لقد جئتكم من عند خير الناس). وروى البخاري من حديث ابن عباس قال: ((حسبنا الله ونعم الوكيل) قالها إبراهيم ﵊ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قال له الناس: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤]).

стр. 775

نموذج من توكل إبراهيم الخليل وهاجر ﵉ ودعونا قليلاً في بيت إبراهيم، إنه علم الدنيا التوكل، فها هو إبراهيم يأخذ زوجته هاجر وولده الرضيع إسماعيل، والحديث بطوله في صحيح البخاري من حديث ابن عباس، وينطلق إبراهيم بهما من بلاد الشام -من أرض كنعان- إلى أرض مكة زادها الله تشريفاً، وعند دوحة فوق زمزم -ولم تكن عين زمزم قد تفجرت بعد، ولا بني البيت الحرام- وضع إبراهيم هاجر والرضيع إسماعيل، ووضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاءً فيه ماء، وأراد أن ينصرف. أسألك بالله أن تتدبر، وأنا أعلم أنك سمعت هذا مراراً وتكراراً، لكن تدبره الآن في موضوع التوكل؛ لتتعرف على عظمه توكل هذه الأسرة التي علمت الدنيا حلاوة التوكل على الله. إبراهيم يترك زوجته، ويترك رضيعها، يترك ثمرة فؤاده وفلذة كبده، فهو الذي حرم من الولد ما يزيد على الثمانين عاماً، ثم يتركه في صحراء لا إنس فيها ولا ماء ولا ظلال ولا بيوت ولا أشجار ولا أنهار، ومن سافر منكم للحج والعمرة ورأى جبال مكة وصحراء مكة عرف هول المصيبة. فـ هاجر تتعلق بإبراهيم وتقول: إلى من تتركنا في هذا الوادي الذي لا شيء فيه؟ فيرفع إبراهيم رأسه إلى السماء وكأنه يريد أن يسلم قلبه وبصره وعقله لله ﷻ الذي أمره بذلك، فقالت هاجر المتوكلة: آلله أمرك بهذا؟ فأشار برأسه: أن نعم، فقالت أستاذة التوكل: إذاً لا يضيعنا الله أبداً. أعلم أنني قلتها سهلة وكذلك سمعها حضراتكم سهلة، لكن لو تدبرها بعضنا والله لطاش عقلك. هاجر لا ترى شيئاً، بل لا ترى إلا جبال سودتها حرارة الشمس، ولا ترى إلا رمالاً انعكست عليها أشعة الشمس المحرقة، فكادت الأشعة أن تذهب بالأبصار، لا ترى طعاماً لا ترى شراباً لا ترى شجرة تستظل بها لا ترى بيتاً لا ترى إنساً، وإبراهيم تركهم! وهي تقول: إذاً لا يضيعنا. وبعد قليل نفد التمر ونفد الماء! بل وجف الماء في ثديها، ورأت الأم المسكينة رضيعها يتلمظ ويتلوى، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت حرارة شمس تصهر الحديد وتذيب الحجارة، فجرت وصعدت على أقرب جبل؛ على الصفا لعلها تجد شيئاً وراء هذا الوادي، فلم تر شيئاً، فنزلت تجري إلى بطن الوادي حتى وصلت إلى المروة، ثم نظرت مرة أخرى ناحية الصفا وجرت وهكذا، تجري المرأة سبعة أشواط تحت حرارة هذه الشمس، على جبال لا يقدر الأقوياء على المشي على حجارتها. وفي المرة الأخيرة سمعت صوتاً فقالت: صه صه، كأنها تريد أن تقول: كأني أسمع صوتاً غريباً، فالتفتت ناحية الرضيع إسماعيل، فوجدت الملك -أي: جبريل- يلامس الأرض. وفي رواية الطبري بسند حسنه الحافظ ابن حجر من حديث علي في كتاب الحج من فتح الباري: نادى جبريل على هاجر وهي على المروة وقال: من أنت؟ فقالت هاجر: أنا أم ولد إبراهيم، ولم تقل: أنا هاجر، وإنما نسبت نفسها إلى إبراهيم؛ لأن إبراهيم يعرفه أهل السماء، فقال جبريل: وإلى من وكلكما إبراهيم؟ يعني إلى من ترككم في هذا المكان، فقالت هاجر: وكلنا إلى الله. فقال جبريل: وكلكما إلى كاف ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر:٣٦]، وفي قراءة: (أليس الله بكاف عباده)، ثم فجر جبريل عين زمزم، تلك العين المباركة التي هي ثمرة حلوة من ثمار التوكل على الله التي شرب منها ملايين البشر، وما زالوا يشربون، لم يجف ماؤها، ولم تنضب عينها، ليعلم ضعاف اليقين والتوكل على رب العالمين، أن الرزق بيد الرزاق ذي القوة المتين.
следующие страницы →