← Джавами‘

Джавами‘ · id 7703

دروس للشيخ محمد حسان

محمد حسان

Полный текст (1 901 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

السبب السابع من أسباب الرزق الدينية سابعاً: من أعظم أسباب الرزق: الدعاء. تضرع إلى الله ، فالله جل وعلا يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]، وفي الحديث الذي رواه أحمد والترمذي بسند صحيح أن النبي ﷺ قال: (إن الله تعالى حيي كريم، يستحيي إذا رفع العبد إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين)، فارفع إلى الله أكف الضراعة. وفي صحيح سنن الترمذي وصحح الحديث شيخنا الألباني ﵀: (أن رجلاً جاء لـ علي بن أبي طالب ﵁ فقال له: يا علي! عليّ ديون عجزت عن سدادها فأعني، فقال له علي رضوان الله عليه: أفلا أعلمك كلمات علمنيها رسول الله ﷺ ، إن قلتها أدى الله علنك دينك ولو كان مثل جبل ثبير؟ قال: بلى علمني، فقال علي: قل: اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك).

стр. 772

السبب الثامن من أسباب الرزق الدينية ثامناً: من أعظم أسباب الرزق: الشكر. قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧]، قال ابن القيم: الشكر هو الحافظ والجالب، هو الحافظ للنعم الحالية، والجالب للنعم المستقبلية. والشكر يدور على اللسان والجنان والجوارح والأركان، قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ:١٣]، فالشكر يدور على اللسان بأن تشكر الله بلسانك، وعلى الجنان بأن تشكر الله بقلبك، وعلى الجوارح والأركان بأن تشكر الله بجوارحك، أي: بامتثالك للأوامر والنواهي، ووقوفك عند حدود الله جل وعلا. هذه حقيقة الشكر أيها الأحبة الكرام! فمن أنعم الله عليه بالمال أنفق، ومن أنعم الله عليه بالعلم علم، ومن أنعم الله عليه بالقرآن علم، ومن أنعم الله عليه بالصحة استثمر هذه العافية في طاعة الله، وأشفق على المرضى، وهكذا. أيها الأحبة الكرام! هذه بعض أسباب الرزق الإيمانية الدينية التي لا يذوق طعمها ولا يعرف حلاوتها إلا من وحد الله ﷻ . أسأل الله أن يرزقنا وإياكم من فضله، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وأكتفي بهذا القدر، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 773

ثلة من بستان المتوكلين الحمد لله رب العالمين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. وأخيراً أيها الأحبة الكرام: ثلة من بستان من المتوكلين. تعالوا بنا لندخل هذا البستان الواسع الفسيح، لنقف أمام بعض زهراته؛ فنستنشق عبيرها، ونستمتع بأريجها، لعل الله أن يرزقنا صدق التوكل عليه إنه ولي ذلك والقادر عليه، وليس من الأدب أن أتحدث عن المتوكلين في بستانهم دون أن أبدأ بسيدهم المصطفى ﷺ .

стр. 774

نموذج من توكل النبي ﷺ روى البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: (كنا مع النبي ﷺ في غزوة ذات الرقاع، فكنا إذا وجدنا شجرة ظليلة تركناها للنبي ﷺ ، فنام النبي ﷺ تحت شجرة وعلق سيفه بغصن من أغصانها، فجاء رجل مشرك فوجد النبي ﷺ نائماً، ووجد سيفه معلقاً، فأخذ المشرك السيف ورفعه على وجه النبي ﷺ وهو نائم، وقال: من يمنعك مني الآن يا محمد؟! فنظر إليه سيد المتوكلين وقال: الله! فسقط السيف من يد المشرك، فأخذ المصطفى السيف ورفعه على المشرك وقال: فمن يمنعك مني الآن؟ فقال المشرك: كن خير آخذ يا محمد! -يعني: يمنعني خلقك وحلمك- فقال المصطفى: لا، حتى تؤمن بالله ورسوله، فقال المشرك: لا، إلا أني أعاهدك ألا أقاتلك، أو أكون مع قوم يقاتلونك، فعفا عنه النبي ﷺ وخلى سبيله، فانطلق المشرك إلى قومه ليقول: يا قوم! والله لقد جئتكم من عند خير الناس). وروى البخاري من حديث ابن عباس قال: ((حسبنا الله ونعم الوكيل) قالها إبراهيم ﵊ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قال له الناس: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤]).

стр. 775

نموذج من توكل إبراهيم الخليل وهاجر ﵉ ودعونا قليلاً في بيت إبراهيم، إنه علم الدنيا التوكل، فها هو إبراهيم يأخذ زوجته هاجر وولده الرضيع إسماعيل، والحديث بطوله في صحيح البخاري من حديث ابن عباس، وينطلق إبراهيم بهما من بلاد الشام -من أرض كنعان- إلى أرض مكة زادها الله تشريفاً، وعند دوحة فوق زمزم -ولم تكن عين زمزم قد تفجرت بعد، ولا بني البيت الحرام- وضع إبراهيم هاجر والرضيع إسماعيل، ووضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاءً فيه ماء، وأراد أن ينصرف. أسألك بالله أن تتدبر، وأنا أعلم أنك سمعت هذا مراراً وتكراراً، لكن تدبره الآن في موضوع التوكل؛ لتتعرف على عظمه توكل هذه الأسرة التي علمت الدنيا حلاوة التوكل على الله. إبراهيم يترك زوجته، ويترك رضيعها، يترك ثمرة فؤاده وفلذة كبده، فهو الذي حرم من الولد ما يزيد على الثمانين عاماً، ثم يتركه في صحراء لا إنس فيها ولا ماء ولا ظلال ولا بيوت ولا أشجار ولا أنهار، ومن سافر منكم للحج والعمرة ورأى جبال مكة وصحراء مكة عرف هول المصيبة. فـ هاجر تتعلق بإبراهيم وتقول: إلى من تتركنا في هذا الوادي الذي لا شيء فيه؟ فيرفع إبراهيم رأسه إلى السماء وكأنه يريد أن يسلم قلبه وبصره وعقله لله ﷻ الذي أمره بذلك، فقالت هاجر المتوكلة: آلله أمرك بهذا؟ فأشار برأسه: أن نعم، فقالت أستاذة التوكل: إذاً لا يضيعنا الله أبداً. أعلم أنني قلتها سهلة وكذلك سمعها حضراتكم سهلة، لكن لو تدبرها بعضنا والله لطاش عقلك. هاجر لا ترى شيئاً، بل لا ترى إلا جبال سودتها حرارة الشمس، ولا ترى إلا رمالاً انعكست عليها أشعة الشمس المحرقة، فكادت الأشعة أن تذهب بالأبصار، لا ترى طعاماً لا ترى شراباً لا ترى شجرة تستظل بها لا ترى بيتاً لا ترى إنساً، وإبراهيم تركهم! وهي تقول: إذاً لا يضيعنا. وبعد قليل نفد التمر ونفد الماء! بل وجف الماء في ثديها، ورأت الأم المسكينة رضيعها يتلمظ ويتلوى، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت حرارة شمس تصهر الحديد وتذيب الحجارة، فجرت وصعدت على أقرب جبل؛ على الصفا لعلها تجد شيئاً وراء هذا الوادي، فلم تر شيئاً، فنزلت تجري إلى بطن الوادي حتى وصلت إلى المروة، ثم نظرت مرة أخرى ناحية الصفا وجرت وهكذا، تجري المرأة سبعة أشواط تحت حرارة هذه الشمس، على جبال لا يقدر الأقوياء على المشي على حجارتها. وفي المرة الأخيرة سمعت صوتاً فقالت: صه صه، كأنها تريد أن تقول: كأني أسمع صوتاً غريباً، فالتفتت ناحية الرضيع إسماعيل، فوجدت الملك -أي: جبريل- يلامس الأرض. وفي رواية الطبري بسند حسنه الحافظ ابن حجر من حديث علي في كتاب الحج من فتح الباري: نادى جبريل على هاجر وهي على المروة وقال: من أنت؟ فقالت هاجر: أنا أم ولد إبراهيم، ولم تقل: أنا هاجر، وإنما نسبت نفسها إلى إبراهيم؛ لأن إبراهيم يعرفه أهل السماء، فقال جبريل: وإلى من وكلكما إبراهيم؟ يعني إلى من ترككم في هذا المكان، فقالت هاجر: وكلنا إلى الله. فقال جبريل: وكلكما إلى كاف ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر:٣٦]، وفي قراءة: (أليس الله بكاف عباده)، ثم فجر جبريل عين زمزم، تلك العين المباركة التي هي ثمرة حلوة من ثمار التوكل على الله التي شرب منها ملايين البشر، وما زالوا يشربون، لم يجف ماؤها، ولم تنضب عينها، ليعلم ضعاف اليقين والتوكل على رب العالمين، أن الرزق بيد الرزاق ذي القوة المتين.

стр. 776

نموذج من توكل أم موسى ﵍ وهذه أم موسى، هل سمعتم في الدنيا كلها أنه يقال لأم: إن خفت على ولدك فارميه في البحر! ما هذا؟! قال الله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص:٧]، أي: فإذا خفت عليه فارميه في البحر، ﴿وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ [القصص:٧]، تدبر لفظة (إنا) ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧]. وذلك أن فرعون كان يبحث عن الأولاد ويقتلهم؛ لأنه كان يعلم أن ملكه سيزول على يد أحدهم، فألقت الأم المتوكلة رضيعها في اليم وكان في تابوت، ويتهادى التابوت حتى يصل إلى قصر فرعون، ويقف التابوت، ويستخرج جند فرعون التابوت من أمام القصر الفرعوني. يا إلهي! إنه طفل، إنه هو الذي يبحث عنه فرعون بعينه، ولكن الله نجاه لا بالطائرات ولا بالدبابات، وإنما بستر رقيق لا يخطر لأحد على بال، ألا وهو ستر المحبة، فقذف الله حب موسى في قلب امرأة فرعون بمجرد أن نظرت إليه، فقالت: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ﴾ [القصص:٩]، والأوامر في القصور في الغالب للنساء، إذاً: لا يقتل. وأتوا بالمراضع لموسى، كلما قدموا إليه مرضعة أبى هذا الطفل المبارك أن يلتقم ثديها؛ لأن الله قد وعد أم موسى أن يرد موسى إليها، فجيء بأم موسى لتدخل قصر فرعون لتحتضن موسى ولتضم رضيعها إلى صدرها، وفرعون يجلس إلى جوارها ويأمرها أن ترضعه. أخي الكريم! أم موسى كانت بالأمس القريب تخشى على موسى من فرعون وملئه، وهي الآن ترضع موسى في قصر فرعون بأمره، إنه التوكل.

стр. 777

نموذج من توكل أبي بكر الصديق ﵁ ومن الجفاء أن أتحدث عن التوكل وعن المتوكلين ولا أتحدث عن سيد المتوكلين في الأمة كلها بعد نبيها، إنه الصديق أبو بكر ﵁، رحم الله ابن القيم إذ يقول: هذا هو أبو بكر الصديق الذي عاين طائر الفاقة يحوم حول حب الإيثار، فألقى له الصديق حب الحب على روض الرضا، واستلقى الصديق على فراش الفقر آمناً مطمئناً، فرفع الطائر الحب إلى حوصلة مضاعفة وتركه هناك، ثم علا على أفنان شجرة الصدق ليغرد للصديق بأغلى وأعلى فنون المدح، وهو يتلو في حقه قول ربه: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى﴾ [الليل:١٧]. الصديق الذي حقق التوكل في أعلى مقاماته، روى الترمذي بسند صحيح من حديث عمر بن الخطاب ﵁، قال: (أمرنا رسول الله ﷺ بالصدقة يوماً، فوافق ذلك مالاً كان عندي فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً. يقول عمر: فأتيت للنبي ﷺ بنصف مالي، فقال المصطفى ﷺ : ما أبقيت لأهلك يا عمر؟! قال: أبقيت لهم مثله يا رسول الله! قال: فجاء أبو بكر بكل ماله، فقال المصطفى ﷺ : ما أبقيت لأهلك يا أبا بكر؟! فقال: أبقيت لهم الله ورسوله).

стр. 778

نموذج من نماذج التوكل في زماننا المعاصر وقد يئن الحضور جميعاً من آبائنا وشبابنا ويقول الجميع: سامحك الله أيها الشيخ! تتكلم عن سادة التوكل من السلف! وأنت تعلم أننا نعيش الآن زماناً يختلف عن الزمان، ومكاناً يختلف عن المكان؟ وأنا أقول: والله لن تخلو أمة الحبيب من المتوكلين أبداً، (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك). من أجل ذلك تعمدت أن أختم هذا اللقاء مع حضراتكم بهذه الكلمات الرقيقة، لأخت فاضلة متوكلة من أخواتنا، سجن زوجها لسبب ما -وهم من الفضلاء- ورزق الله هذه الأخت الفاضلة ببنت صغيرة وزوجها في السجن، ومرضت البنت في ليلة من الليالي، ارتفعت حرارتها ارتفاعاً كبيراً، حتى انتظرت الأم موت ابنتها. تقول: والله وأنا لا أملك إلا أن أبكي، وأرفع أكف الضراعة إلى الله، فأنا لا أملك لابنتي ثمن الدواء، فأنا أشهد الله لقد كنا نبيت بغير عشاء. تقول: جلست إلى جوارها لأضع لها الماء البارد على جبينها، وأنا أبكي وأتضرع إلى الله، وفي الساعة الثانية ليلاً سمعت الباب يدق، تقول: ففتحت الباب، فرأيت طبيباً يحمل حقيبته ويقول: السلام عليكم! قلت: وعليكم السلام، فقال: أين البنت المريضة؟ تقول: فارتجف جفني وقلت: تفضل! موجودة يا دكتور، فدخل الطبيب وكشف على البنت وكتب الدواء وخرج، فوقف خارج الباب ثم قال: أسرعي يا أخت! قالت: ماذا تريد يا دكتور؟ قال: قيمة الكشف، قالت: والله لا أملك، قال: عيب عليك! تتصلي علي الساعة الثانية ليلاً وأجيء وأكشف على البنت ثم تقولين: لا أملك شيئاً! قالت: والله ما اتصلت، وليس عندي تلفون، قال: أليس هذا بيت فلان، قالت: لا، بل هو البيت الذي بجوارنا، فبكى الطبيب وقال: ما حكايتك؟ وما قصتك؟ فوالله ما أخرجني الله إلا لك! فبكت المرأة وقصت عليه القصة، فبكى الطبيب، وعاد مسرعاً، فأحضر الدواء وأحضر العشاء، وجعل لهذه المرأة الفاضلة راتباً شهرياً حتى خرج زوجها، تقسم بالله وتقول: لما خرج الزوج كان يضيق بنا الحال، فكنت أبتسم وأقول لزوجي: اذهب وسافر فإن ربنا يرزقنا. (لو أنكم توكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً). اللهم ارزقنا صدق التوكل عليك، اللهم ارزقنا صدق التوكل عليك، اللهم ارزقنا صدق التوكل عليك، اللهم ارزقنا صدق التوكل عليك، اللهم ارزقنا من واسع فضلك، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك. اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع المبارك ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا زدته وثبته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين! اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا شقياً ولا محروماً، اللهم إنا نسألك أن تذيقنا حلاوة التوكل عليك، اللهم إنا نسألك أن تذيقنا حلاوة التوكل عليك، وبرد اليقين فيك، ولذة الثقة بك يا أرحم الراحمين! اللهم اهدِ نساءنا وبناتنا، واهدِ أولادنا، وأصلح شبابنا، ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤]. اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأعل بفضلك كلمة الحق والدين، ومكن للمجاهدين في كل مكان يا رب العالمين! واجعل مصر واحة للأمن والأمان وجميع بلاد المسلمين، اللهم اجعل مصر سخاءً رخاءً أمناً وأماناً وجميع بلاد المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين! وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 779

أنت الذي تؤخر النصر عن الأمة وعد الله حق لا يتخلف، وقد وعد الله المؤمنين بالنصر والتمكين في الأرض إذا حققوا شرط الإيمان والعمل الصالح؛ فمتى تحقق هذا الشرط تحقق المشروط، وما تعانيه الأمة اليوم من تسلط أعداء الإسلام عليها، من سفك دمائها، وتدنيس مقدساتها، وأخذ ثرواتها وما إلى ذلك؛ كله بسبب ابتعادها عن دين ربها وشرعه. ، ولو رجعت إلى دينها لتحقق لها موعود ربها بالنصر والتمكين.

стр. 780

حال الأمة حين تركت الجهاد في سبيل الله الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين. وبعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة والأخوات! عبثاً دعوت وصحت يا أحرار عبثاً لأن قلوبنا أحجار عبثاً لأن عيوننا مملوءة بالوهم تظلم عندها الأنوار عبثاً لأن شئوننا يا قومنا في الغرب يفتل حبلها وتدار ولأننا خشب جامدة فما ندري ماذا يصنع المنشار أما سقوط الأقصى فحالة مألوفة تجري بها الأقدار هذي شئون القدس ليس لنا بها شأن وما للمسلمين خيار يا ويحكم يا مسلمون قلوبكم ماتت فليست بالخطوب تثار أنكرتم الفعل الشنيع بقولكم شكراً لكم لن ينفع الإنكار شكراً على تنظيم مؤتمراتكم وعلى القرار يصاب منه قرار وعلى تعاطفكم فتلك مزية فيكم تصاغ لمدحها الأشعار يا ويحكم يا مسلمون نساؤكم يسألن عنكم والدموع غزار هذي تساق إلى سراديب الهوى سوقاً وتلك يقودها الجزار لو أن سائحة من الغرب اشتكت في أرضكم لتحرك الإعصار أما الصغار فلا تسل عن حالهم مرض وخوف قاتل وحصار يُذَّبحون ويُقتَلون وما لهم نصير ودمع عيونهم مدرار يا ويحكم تنسون أن الضعف في وجه العدو مذلة وصغار هذه هي القدس يحرق ثوبها عمداً ويهتك عرضها الأشرار تبكي وأنتم تشربون دموعها وعن الحقائق زاغت الأبصار وهذا هو الأقصى يهود جهرة وبجرحه تتحدث الأخبار هذا هو الأقصى يطحنه الأسى وجموعكم يا مسلمون نثار ملياركم لا خير فيه كأنما كتبت وراء الواحد الأصفار ما جرأ اليهود إلا صمتكم ولكم يذل بصمته المغوار خابت سياسة أمة غاياتها تحقيق ما يرضى به الكفار قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ [الصف:١٠ - ١١] الآية. وفي مسند أحمد بسند صححه شيخنا الألباني ﵀ من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إذا تبايعتم بالعينة ورضيتم بالزرع وتبعتم أذناب البقر وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم).

стр. 781

محاولة أعداء الإسلام تنحية قضية الجهاد أيها الأخيار! لقد قلت مراراً وتكراراً بأن أعداء الإسلام في البيت الأبيض، وفي البيت الأحمر، ومروراً بكل المنظمات والأحلاف والهيئات الدولية الممثلة في هيئة الرمم وفي حلف الناتو وفي الاتحاد الأوروبي وغيرها، قد حاولت كل هذه المنظمات بشتى الطرق أن تظل قضية الجهاد بعيدة عن ساحة القدس والأقصى، وأن تظل القضية مطروحة في هذه المنظمات والأحلاف التي لا تنصر ديناً قط. فالكفر لا ينصر توحيداً أبداً، كما قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، وكما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١]، وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة:١٠٩] الآية. فالكفر لا ينصر توحيداً، وليس كما يدعي الإعلام أن الغرب يكيل بمكيالين، فهذا باطل، بل الغرب لا يكيل إلا بمكيال واحد فقط، إنه مكيال العداء للإسلام والمسلمين، ولقد حاولوا بشتى الطرق تضليل قضية الجهاد، كما قال العدو والإرهابي الكبير مناحيم بيجن: إننا نحارب، إذاً: نحن موجودون، ويجب أن تظل قضية الجهاد بعيدة عن الساحة! فلقد حاول أعداؤنا بشتى الطرق طيلة السنوات الماضية أن يطمسوا قضية الجهاد، وألا تصبغ قضية القدس والأقصى بصبغة الجهاد في سبيل الله، حتى صرح زعيم عربي مخرف بهذا القول الخطير الخبيث وقال: ما هذه الضجة التي تفتعلونها على مسجد يسمى بالمسجد الأقصى؟! فليصل المسلمون في أي مسجد، وتنتهي الأزمة والمشكلة. فهم لا يريدون للقضية أن تصبغ قط بصبغة الجهاد، ولما رفعت راية الجهاد في أفغانستان مرغ أنف الدب الروسي الغبي في الوحل والطين والتراب، ولا مقارنة بين العُدَد والعتاد والعَدَد، فلقد كان الروس يفوقون المسلمين في أفغانستان عتاداً وعدداً، لكن رفعت قضية الجهاد في سبيل الله فانقلبت كل الموازين. لذلك هم لا يريدون لشباب الصحوة أبداً أن يشارك في هذه القضية، ولا يريدون أن يفتحوا الحدود والثغور أبداً أمام شباب مسلم يحترق قلبه شوقاً الآن للشهادة في سبيل الله، ورب الكعبة لو فتح هذا الباب الآن لرأينا من شيوخنا بل من أمهاتنا وأخواتنا فضلاً عن شبابنا من يذهب ليسد فوهة مدافع اليهود بصدره، وهو يريد أن يصرخ بهمته الطاهرة لزعماء العملاء ولزعماء اليهود أن محمداً ما مات وما خلف بنات، بل خلف شباباً أطهاراً تحترق قلبوهم الآن شوقاً للشهادة في سبيل الله. ويردد أحدهم قولة الإمام المجاهد العلم عبد الله بن المبارك لأخيه عابد الحرمين الفضيل بن عياض: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك في العبادة تلعب من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب من كان يتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الكريهة تتعب ولقد أتانا من مقال نبينا قول صحيح صادق لا يكذب لا يستوي غبار خيل الله في أنف امرئ ودخان نار تلهب

стр. 782

الأمور التي تحل بها قضية فلسطين أنا أدين لربي بأن القضية تحل في كلمتين اثنتين لا ثالث لهما: الأولى: تحقيق الإيمان. الثانية: رفع راية الجهاد في سبيل الله. ولن ترفع الراية إلا إذا حققت الأمة الإيمان؛ لأن الله ما أمر بالجهاد إلا من حقق الإيمان ابتداءً. والإيمان يا شباب! ليس كلمة ترددها الألسنة، ولا دخاناً في الهواء، ولكن الإيمان الذي ستنصر به الأمة والذي سترفع به الأمة راية الجهاد في سبيل الله هو قول وتصديق وعمل، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [الصف:١٠]، يثبت الله لهم في صدر الآية بالنداء عقد الإيمان، ومع ذلك يأمرهم بتحقيق الإيمان قبل أن يأمرهم برفع راية الجهاد في سبيل الله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الصف:١٠ - ١١]، مع أنه قد أثبت لهم عقد الإيمان في صدر الآية لكن لابد من أن تحقق الأمة الإيمان بالله. فأمة لا تعرف ربها كيف تنصر؟ أمة لا تعرف معنى العقيدة كيف يمكن الله لها؟ والله ما وعد الله بالنصرة والعزة والتمكين إلا لأهل الإيمان، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]، وقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ﴾ [النور:٥٥] الآية، وقال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨]، فلن ترفع الأمة راية الجهاد دون أن تحقق الأمة العقيدة. وأنا أسأل من هم الذين يدعون لإخواننا في فلسطين في صلواتهم؟! فانظروا إلى الحسرة والمرارة، حتى الدعاء بخلنا به، فأمة بخلت بالدعاء فهل تجود بالأموال والدماء؟! ونحن نصرخ: الجهاد الجهاد، القدس القدس! ولكن نريد صدقاً، فما أيسر التنظير! وما أسهل الكلمات الرنانة! لكن نريد صدقاً في التوجه، ونريد صدقاً في تحقيق الاعتقاد؛ فلن يحرر القدس إلا رجل عقيدة عرف الله جل وعلا، لقد عاد إخوانكم هنالك على أرض فلسطين إلى الله، وعلموا يقيناً أن أمريكا وأن البيت الأبيض والبيت الأحمر والبيت الأسود وهذه المنظمات لن تنصر قضية، ولن تنصر توحيداً، فعادوا إلى الله. يحدثني إخوانكم من هنالك ويتصلون بي من على أرض المعركة ويخبرونني بأن الناس هنالك في هذه الحرب الضروس قد عادوا إلى الله جل وعلا، وعلموا يقيناً أنه لا ملجأ ولا ملاذ من الله إلا إليه، وعلموا أنه لن ينصرهم إلا الله، فالأمة لن تنصر إلا بالعقيدة. يُذكر أن جحا صنع يوماً ساقية على النهر؛ لتأخذ الماء من النهر ولترد نفس الماء إلى نفس النهر، فتعجب العقلاء منه، وقالوا: عجباً لك يا جحا! تصنع ساقية على النهر؛ لتأخذ الماء من النهر ولترد نفس الماء إلى نفس النهر؟! فقال جحا: يكفيني نعيرها! ونحن نقول: منذ متى والأمة تصرخ، وتشجب، وتستنكر في مؤتمرات صحفية باردة كبرود الثلج، وفي كلمات هي أسكن من مياه البحر الميت؟ والعالم لا يعرف هذه اللغة، كما صرح الإرهابي الكبير بيجن: إننا نحارب، إذاً: نحن موجودون. وقد قال بن غوريون منذ أربعين سنة أو يزيد: قد لا يكون لنا الحق في فلسطين من منظار سياسي أو قانوني، ولكنها أرض المعاد التي وعدنا الله إياها من النيل إلى الفرات، وإنه يجب الآن على كل يهودي أن يهاجر إلى دولة إسرائيل -هذا على حد تعبيره- بعد إنشائها؛ فإن كل يهودي لا يهاجر بعد اليوم إلى دولة إسرائيل، فإنه يكفر يومياً بتعاليم التوراة. فهم يتحركون هنالك عن عقيدة، وقد صرح نتنياهو -ويومها كنت في أمريكا، وكنت أتابع نتيجة انتخاباته يوم نجح برئاسة الوزراء- وقال قولته الخطيرة: وأخيراً صوت اليهود للتوراة.

стр. 783

بعض أسباب تأخير النصر إن القوم يتحركون عن عقيدة، ويتحركون عن إخلاص لدينهم، لكن أين الأمة صاحبة الحق؟ ما أيسر أن ننظر يا إخوة! وما أيسر أن نتكلم! بل وربما سيغضب علينا بعض الشباب ويقولون: تكلمت الكثير، فماذا صنعت؟ وماذا فعلته؟ وأنا أقول: بل أنت ماذا صنعت؟ وماذا فعلت؟ وهل تدين ربك بأن بيتك بيت مسلم؟ وهل تدين ربك بأنك خطوت على الطريق خطوة أولى لدين الله؟ اعلم بأن ابتعادك عن العقيدة يؤخر النصر خطوة. اعلم بأن انحرافك عن منهج الإسلام يؤخر النصر عن الأمة. اعلم بأن امرأتك المتبرجة تؤخر النصر عن الأمة. اعلم بأن ولدك الذي يقلد مايكل جاكسن يؤخر النصر عن الأمة. اعلم بأن أولادك الذين تاهوا وضاعوا وراحوا يقتاتون قوتهم التربوي من وسائل الإعلام العفنة يؤخر النصر عن الأمة. اعلم بأن تضييعك لصلاة الفجر يؤخر النصر عن الأمة. اعلم بأن أكلك للحرام يؤخر النصر عن الأمة. فأين العقيدة؟ وأين الإيمان؟! فما أيسر التنظير بالأصوات!

стр. 784

منهج الله الرباني يحتاج إلى رجال إن المنهج موجود، هذا المنهج هو الذي جعل ربعي بن عامر يرد على رستم قائد الجيوش الكسروية بعز واستعلاء ويقول له: نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، فمن قَبِل منا قبلنا منه، ورجعنا عنه، ومن حال بيننا وبين دعوة الناس لدين الله قاتلناه حتى نفضي إلى موعود الله. قال: وما موعود الله؟ فـ ربعي الذي عرف الغاية وفهم الوظيفة التي من أجلها ابتعث، بل وحول المنهج الرباني والنبوي إلى واقع عملي وإلى منهج حياة قال له: أما الأولى: فالنصر لمن بقي من إخواننا، والشهادة لمن مات من إخواننا. فقال له رستم: لقد سمعت قولك، فهل لكم أن تؤجلونا؛ لننظر في أمرنا ولتنظروا في أمركم؟ فقال بعز واستعلاء: لقد سن لنا نبينا ألا نؤخر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث ليال، فانظر في أمرك وأمرهم واختر لنفسك واحدة من ثلاث. قال ما هي؟ قال: الأولى: الإسلام، ونقبل منك، ونرجع عنك. قال: ما الثانية؟ قال: الجزية. وهذا الجزية أصبحت الأمة تدفعها الآن إلى أمريكا كاملة غير منقوصة. قال: وما الثالثة؟ قال: القتال، ولن نبدأك بقتال فيما بيننا وبين اليوم الرابع إلا إن بدأتنا أنت. قال: أسيدهم أنت؟ قال: لا، ولكن المسلمين كالجسد الواحد يسعى بذمتهم أدناهم على أعلاهم. وأنا أجزم أن ما بين أيدينا من مجلدات، ومن أشرطة، ودروس علمية ما كانت موجودة بين السلف بهذا الكم الهائل، لكن ما الذي فعلته هذه الأشرطة وهذه المجلدات؟ فالمنهج موجود، لكنه يحتاج إلى رجال يحولون هذا المنهج الرباني والنبوي إلى واقع عملي يتألق في دنيا الناس سمواً وروعة وعظمة وجلالاً، والله لو أن الأمة ذباباً يطن في آذان اليهود لفرقنا آذانهم، والله لو تفلت الأمة على اليهود لأغرقنا اليهود بتفلنا، لكنها الهزيمة النفسية، لكنه البعد عن العقيدة الصحيحة بشمولها وكمالها.

стр. 785

واجب المسلم تجاه القدس لن نحرر القدس بالمظاهرات الصاخبة، ولا بحرق الأعلام الأمريكية واليهودية، ولا بحرق الماكتات للزعماء، وإنما نحرر القدس بالعودة إلى دين الله وإلى منهج رسول الله، وبتحويل هذا المنهج الرباني والنبوي في بيوتنا وحياتنا إلى واقع. ولو ظلت الأمة ألف سنة تشكو وتستنكر وتصرخ وتخطب خطباً رنانة فلن تغير من الواقع شيئاً. لذلك أيها الأحبة! أناشد كل مسلم وكل مسلمة أن يبدءوا التصحيح، وما عليك أيها المسلم إلا أن تبذل أنت ودع النتائج إلى الله؛ فالله لا يعجل بعجلة أحد، ولو علم الله أن الأمة تستحق النصرة الآن على اليهود لنصرها، فالله لا يعجل بعجلة أحد، بل لابد أن تبذل الأمة أقصى ما في طوقها، كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠]، فما بذلت الأمة شيئاً، وما أعدت الأمة شيئاً، فلابد أن تبذل أنت ولابد أن أبذل أنا، قال النبي ﷺ كما في الحديث الصحيح الذي رواه ابن سعد في الطبقات بسند صححه شيخنا الألباني: (إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فاستطاع أن يغرسها فليغرسها) فلا تقل: قامت القيامة وهذه فسيلة متى ستنمو؟ ومتى ستثمر؟ ومن يأكل من ثمرها؟ ليس هذا من شأنك أنت، بل شأني وشأنك أن نغرس لدين الله، وأن نعمل لله جل وعلا، وأن ندع النتائج لله ، قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥]. فلماذا لا تربي امرأتك وبناتك وأولادك الآن على عقيدة الولاء والبراء؟ ما زلنا إلى يومنا هذا نرى من المسلمين من يقضي الليل أمام مباراة كرة، واليهود يطحنون إخواننا في فلسطين! كانت الأمة تصرخ بحناجر ملتهبة للأهلي على رويال مدريد واليهود يطحنون إخواننا بالطائرات في فلسطين طحناً! ما زالت الأمة بعيدة ترقص وتغني، ومازالت الأسر المسلمة بعيدة عن العقيدة بجمالها وكمالها. وقد ترى الوالد المسلم إذا رأى ولده ذكياً ألمعياً يقول: الولد هذا أكيد سوف يكون دكتوراً. وإذا رأى الولد يكسر ويمسك المفك يقول: هذا الولد مهندس، إنما إذا طلع أعمى، إذا طلع أعرج يقول لك: يطلع شيخ وخلاص! وكأنه لا ينبغي أن نقدم لله إلا المتردية والنطيحة، حتى صار المثل الأعلى لولدي وولدك لاعب كرة، أو ممثلاً هابطاً ساقطاً، وأصبح الأمر كما قال الشاعر: وراعي الشاة يحمي الذئب عنها فكيف إذا الرعاة لها الذئاب فيا إخوة؛ ما أيسر التنظير وما أسهل الكلام! أسأل الله أن يرزقنا الصدق في الأقوال والأعمال والأحوال، وأن يرد الأمة إلى الإيمان والجهاد رداً جميلاً؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 786

حق القدس اليهود المغضوب عليهم يعيثون اليوم فساداً في أرض الإسراء، فيبطشون بالمسلمين الأبرياء، لا يفرقون في ذلك بين كبير وصغير، ولا بين مريض وصحيح، ولا بين رجل وامرأة، بل يحرصون على أن تسيل منهم الدماء، ومع هذا يخادعون الأمة المحيطة بهم بدعوى السلام، ووالله لن يخرجوا من الأرض المقدسة إلا بالجهاد المبني على العقيدة.

стр. 787

الانفصام بين المنهج المنير والواقع المرير إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الفضلاء الأعزاء! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله الحليم الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار مقامته؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! حقوق يجب أن تعرف، سلسلة منهجية تحدد الدواء من القرآن والسنة لهذا الداء العضال الذي استشرى في جسد الأمة، ألا وهو: داء الانفصام النكد بين المنهج المنير والواقع المرير، فأنا لا أعلم زماناً قد انحرفت فيه الأمة عن منهج ربها ونبيها كهذا الزمان، فأردت أن أذكر نفسي وأمتي من جديد بهذه الحقوق الكبيرة التي ضاعت! عسى أن تسمع الأمة مرة أخرى عن ربها ونبيها ﷺ ، وأن تردد مع السابقين الصادقين قولتهم الخالدة التي حكاها الله بقوله: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥]. ونحن اليوم على موعد مع اللقاء الخامس عشر من لقاءات هذه السلسلة الكريمة، وحديثنا اليوم في هذا الظرف العصيب، وفي هذا الوقت الحرج، عن حق عظيم جليل كبير ألا وهو: حق القدس. فإن الداعي الصادق -أسأل الله أن نكون منهم- لا ينبغي أبداً أن يكون بموضوعاته وأطروحاته في وادٍ وأن تكون أمته الجريحة المسكينة بأحداثها المؤلمة المفجعة في وادٍ آخر، ومن ثمَّ فحديثنا هذا في سلسلة الحقوق هو عن حق القدس المبارك، وسوف ينتظم حديثي في هذا الموضوع الجريح النازف في العناصر المحددة التالية: أولاً: اليهود إخوان القردة والخنازير وزمرة الشيطان. ثانياً: متى يفيق النائمون؟ ثالثاً: مقومات النصر. وأخيراً: سيهزم اليهود. فأعيروني القلوب والأسماع جيداً، والله أسأل أن يهزم اليهود، وأن ينصر المسلمين في فلسطين؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 788

حقيقة اليهود اليهود هم إخوان القردة والخنازير وزمرة الشيطان. أيها المسلمون! والله الذي لا إله غيره! لولا أن الله قد أخذ على أهل العلم العهود والمواثيق أن يبينوا ويتكلموا ما تكلمنا، فلقد مضى زمن الكلام، وانتهى زمن التنظير، ولا مجال مطلقاً للجهود الدبلوماسية بعدما نطقت الدبابة والبندقية على أيدي أرذل وأنجس وأحقر أهل الأرض من إخوان القردة والخنازير، فلا مجال للكلام مطلقاً، ولولا أن الله قد أخذ على أهل العلم العهد والميثاق أن يبينوا والله! ما بينا، ووالله! ما تكلمنا. لقد طاردتني الصور المؤلمة التي تحرق فؤاد كل مسلم حي -هذا إن كنا لا زلنا نحمل في الصدور أفئدة- ولا حول ولا قوة إلا بالله. طاردتني كما طاردت كل مسلم صادق هذه الصور المؤلمة التي تحرق القلب، إنها صورة الطفل المسكين الذي لا ذنب له ولا جريرة إلا أنه ولد فوق الثراء الطاهر والأرض المباركة، فوق مسرى الحبيب محمد ﷺ ، فقام اليهود المجرمون الأنذال الذين لا يعرفون رحمة ولا يعرفون شفقة بقتله، حتى بعدما احتمى الطفل بأبيه، وجعل يرفع يديه خائفاً من هؤلاء المجرمين، وجعل الوالد المسكين يرفع يده مسلماً مستسلماً، ولكن هيهات هيهات أن يعرف اليهود الرحمة، اللهم إلا إذا دخل الجمل في سم الخياط! فأطلقوا الرصاص على رأس هذا الطفل المسكين فأردوه قتيلاً، وإن شئت فقل: لقد قتلوا أباه وإن لم تمته الرصاص، فتصور أن يموت ولدك بين يديك بهذه الصورة التي تحرق الأفئدة؟! والله! لقد نظرت إلى أطفالي بالأمس القريب، وتخيلت أن قاذفة من قاذفات العدو اليهودي قد أطلقت على بيتي وأنا فيه مع أهلي وأولادي، فتمزقت أشلاء أطفالي أمام عيني وبين يدي، فلم أذق طعم النوم؛ فأنى للقلوب التي تعرف حقيقة الإيمان، والتي ذاقت حلاوة الولاء والبراء أن تعرف طعم النوم، وأن تعرف طعم الراحة؟ والله! لولا أن المصطفى كان في المصائب يأكل لما أكلنا، إنها المصيبة والمأساة، فالطائرات والدبابات والصواريخ والمدفعية تدق بيوت الفلسطينيين العزل الذين لا يملكون إلا إيماناً بالله جل وعلا، ثم الحجارة، ثم الحجارة، ثم الحجارة. وطاردتني صورة امرأة عجوز يتساقط بيتها فوق رأسها، وهي تنظر إلى سقف البيت يتحطم، ولا تملك أن تفعل شيئاً على الإطلاق. وطاردتني صورة الأقصى الجريح وهو يأن ويستجير، وهو يصرخ في المسلمين: واإسلاماة! واإسلاماة! لكن من يجيب؟! القدس يصرخ، ولقد انتابتني حالة نفسية عجيبة حالة نفسية مؤلمة، لكن من يجيب؟ كنت أصرخ، ولكن الصرخة في صحراء مقطعة مهلكة، كما قال الشاعر: عبثاً دعوت وصحت يا أحرار! عبثاً لأن قلوبنا أحجار عبثاً لأن عيوننا مملوءة بالوهم تظلم عندها الأنوار عبثاً لأن شئوننا يا قومنا! في الغرب يفتل حبلها وتدار ولأننا خشب جامدة فما ندري ماذا يصنع المنشار أما سقوط الأقصى فحالة مألوفة تجري بها الأقدار هذي شئون القدس ليس لنا بها شأن وما للمسلمين خيار يا ويحكم! يا مسلمون! قلوبكم ماتت فليست بالخطوب تثار أنكرتم الفعل الشنيع بقولكم شكراً لكم لن ينفع الإنكار شكراً على تنظيم مؤتمراتكم وعلى القرار يصاغ منه قرار وعلى تعاطفكم فتلك مزية فيكم تصاغ لمدحها الأشعار يا ويحكم! يا مسلمون! نساؤكم في القدس يسألن عنكم والدموع غزار هذه تساق إلى سراديب الهوى سوقاً وتلك يقودها الجزار لو أن سائحة من الغرب اشتكت في أرضكم لتحرك الإعصار أما الصغار فلا تسل عن حالهم مرض وخوف قاتل وحصار واليهود يذبحون ويقتلون وما لهم ناصر ودمع عيونهم مدرار يا ويحكم! يا مسلمون! تنسون أن الضعف في وجه العدو مذلة وصغار هذي هي القدس يحرق ثوبها عمداً ويهتك عرضها الأشرار تبكي وأنتم تشربون دموعها وعن الحقائق زاغت الأبصار وهذا هو الأقصى يُهوَّد جهرة وبجرحه تتحدث الأخبار هذا هو الأقصى يطحنه الأسى وجموعكم يا مسلمون عار ملياركم لا خير فيه كأنما كتبت وراء الواحد الأصفار ما جرأ اليهود إلا صمتكم ولكم يذل بصمته المغوار خابت سياسة أمة غاياتها تحقيق ما يرضى به الكفار يا قدس! أرسل دمع العين مدراراً عميق الحزن وصب من النزف أنهار يا قدس! تاه الأهل والأحباب وعدت بأرض الأنبياء كلاب قدساه! أرض النور دنسها الدجى والحق ضاع وتاهت الأنساب قادت قرود الإفك قافلة الهدى وسجى بوجه النائمين ذباب ليكود قاد عصابة يعلو بها بالقدس مكر محدق وحراب طعنوا بها الشرفاء طعن مذلة فثوى بقدس المعجزات خراب والقبة العظمى تسيل دماؤها والقدس يبكي واشتكى المحراب وبدا اليهود بأرضنا وكأنهم أصحاب أرض ما لها أصحاب ضاعت فلسطين الجريحة واعتلى أقصى المساجد بالسواد ثياب قدساه! أين الفاتحون؟ أين عمر بن الخطاب؟ أين أبو عبيدة بن الجراح؟ أين صلاح الدين؟ أين محمود نور الدين؟ أين قطز؟ قدساه! أين الفاتحون وعزهم أين الجهاد الحق والألباب ماذا أصاب المسلمين فهل ترى يجدي لديهم بالخطوب عتاب اليهود هم اليهود، وقد كررنا ذلك حتى بحت الأصوات، لكن الأمة لا تريد أبداً أن تصدق رب الأرض والسماوات، فمتى وفى اليهود بعهد على طول التاريخ؟! لقد نقض اليهود العهود مع الأنبياء ومع رب الأرض والسماء، وأسأل بمرارة هل ينقض اليهود العهود مع الأنبياء ورب الأرض والسماء ثم يوفي اليهود اليوم بالعهود للحكام والزعماء؟! ها هو رابين قد أعلنها صريحة مدوية: لقد ماتت عملية السلام! وقد قلنا ذلك مراراً قبل ذلك فلم يصدقنا أحد. فحال أمتنا حال عجيبة، وهي لعمر الله بائسة كئيبة يجتاحها الطوفان طوفان المؤامرة الرهيبة ويخطط المتآمرون كي يغرقوها في المصيبة وسيحفرون لها قبوراً ضمن خطبتهم رهيبة قالوا: السلام، قلت: يعود الأهل للأرض السليبة وسيلبس الأقصى غداً أثواباً قشيبة فإذا سلامهم هو التنازل عن القدس الحبيبة فبئس سلامهم إذاً، وبئست هذه الخطط المريبة فالمسجد الأقصى بالدماء له ضريبة قال ربنا الذي خلق اليهود وهو وحده الذي يعلم من خلق: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، وقال جل وعلا: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة:١٠٠]، وقال جل وعلا: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:١٣] أي: على خيانة بعد خيانة، هذا كلام ربنا جل وعلا، ولا أريد أن أقف مع آيات القرآن؛ فالآيات كثيرة. قال ﷻ : ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٦٠]، وقال جل وعلا: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩]. فها هو القرآن يُقرأ ويُتلى في الليل والنهار، ولكن من يطبق كلام العزيز الغفار؟! ومن يطبق كلام النبي المختار ﷺ ؟! اليهود قوم بهت، وقوم خيانة، وهم متخصصون يا مسلمون! في نقض العهود، والله! الذي لا إله غيره لن تجد في إسرائيل وزارة أبرمت عهوداً ووفت بها في تل أبيب أو في غيرها، ولن تجد وزارة أو حزب عمل أو حزب ليكود يحترم عهداً أو ميثاقاً، فهذه جبلة وطبيعة اليهود منذ أول لحظة هاجر فيها المصطفى إلى المدينة، وقام عبد الله بن سلام حبر اليهود الكبير فنظر إلى وجه النبي ﷺ ، فعرف أنه ليس بوجه كذاب، فشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وقال للمصطفى: (يا رسول الله! اليهود قوم بهت، وأهل ظلم ينكرون الحقائق، فاكتم عنهم خبر إسلامي وسلهم عني، فجمع النبي ﷺ بطون اليهود وقال لهم: ما تقولون في عبد الله بن سلام؟ قالوا: سيدنا وابن سيدنا، وحبرنا وابن حبرنا، فقام عبد الله بن سلام إلى جوار رسول السلام ﷺ ، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فرد اليهود الكلاب المجرمون على لسان وقلب رجل واحد في حق عبد الله بن سلام، وقالوا: هو سفيهنا وابن سفيهنا، وجاهلنا وابن جاهلنا).

стр. 789

متى يفيق النائمون ؟ طبيعة اليهود منذ اللحظات الأولى لم تتغير، ولن تتغير، فمتى يفيق النائمون؟ هذا هو عنصرنا الثاني من عناصر اللقاء، متى يفيق النائمون؟ متى يفيق النائمون ليعلم الكل علم اليقين أن أمريكا ليست شريكاً نزيهاً في عملية السلام؟ كلا! وألف كلا! فالكفر ملة واحدة الكفر ملة واحدة الكفر ملة واحدة. ولا يمكن أبداً أن تنصر أمريكا قضية من قضايا الأمة، ولا يمكن أبداً لهيئة الأمم أن تنصر قضية من قضايا الأمة، ولا يمكن أبداً أن يتدخل حلف الناتو لينصر الأقلية المستضعفة من العزل المدنيين في فلسطين من أجل سواد عيون الأمة، ولا تخدعوا بتدخل حلف الناتو في كوسوفا؛ لأنهم ما تدخلوا إلا لمصالحهم الاقتصادية والعسكرية والإستراتيجية، وهذا أمر لا ينبغي أن يجهله الآن مسلم أو مسلمة على وجه الأرض. فالكفر لا ينصر توحيداً، والكفر لا ينصر إسلاماً. إنهم يشاهدون على شاشات التلفاز كل ليلة ما يحدث لإخواننا وأخواتنا في فلسطين. لكن أين النظام العالمي؟! أما له أثر؟! ألم تنعق به الأبواق؟! أين السلام العالمي؟ لقد بدا كذب السلام وزاغت الأحداق يا مجلس الخوف! الذي في ظله كسر الأمان وضيع الميثاق أوما يحركك الذي يجري لنا؟! أوما يثيرك جرحنا الدفاق؟! وحشية يقف الخيال أمامها متضائلاً وتمجها الأذواق هذا هو الغرب يا من خدعتم بالغرب! طيلة السنين الماضية، هذا هو الغرب أيها المرجفون! يا من تعزفون على وتر التقديس والتمجيد للغرب في كل المناسبات! قالوا لنا الغرب قلت صناعة وسياحة ومظاهر تغرينا لكنه خاوٍ من الإيمان لا يرعى ضعيفاً أو يسر حزينا الغرب مقبرة المبادئ لم يزل يرمي بسهم المغريات الدينا الغرب مقبرة العدالة كلما رفعت يد أبدى لها السكينا الغرب يكفر بالسلام وإنما بسلامه الموهوم يستهوينا الغرب يحمل خنجراً ورصاصة فعلامَ يحمل قومنا الزيتونا؟! كفر وإسلام فأني يلتقي هذا بذلك أيها اللاهونا؟! أنا لا ألوم الغرب في تخطيطه ولكن ألوم المسلم المفتونا وألوم أمتنا التي رحلت على درب الخضوع ترافق التنينا وألوم فينا نخوة لم تنتفض إلا لتضربنا على أيدينا يا مجلس الخوف شكراً لقد أبديت وجه حضارة غربية لبس القناع سنينا شكراً لقد نبهت غافل قومنا وجعلت شك الواهمين يقينا يا مجلس الأمن انتظر إسلامنا سيريك ميزان الهدى ويرينا إن كنت في شك فسل فرعون عن غرق وسل عن خسفه قارونا متى يفيق النائمون؟ شهداؤنا بين المقابر يهمسون: والله! إنا قادمون والله! إنا عائدون والله! إنا راجعون شهداؤنا خرجوا من الأكفان وانتظموا صفوفاً ثم راحوا يصرخون عار عليكم أيها المستسلمون! وطن يباع وأمة تنساق قطعاناً وأنتم نائمون شهداؤنا قاموا وزاروا المسجد الأقصى وطافوا في رحاب القدس واقتحموا السجون في كل شبر من ثرى الوطن المكبل ينبتون في كل ركن من ربوع الأمة الثكلى أراهم يخرجون شهداؤنا وسط المجازر يهتفون: الله أكبر! إنّا عائدون شهداؤنا يتقدمون أصواتهم تعلو على أسوار فلسطين الحزينة في الشوارع في المفارق يهدرون إني أراهم في الظلام يحاربون رغم انكسار الضوء في الوطن المكبل بالمهانة والمجون شهداؤنا وسط المجازر يهتفون: والله! إنا عائدون، والله! إنا عائدون، والله! إنا عائدون أجسامنا ستضيء يوماً في رحاب القدس، سوف تعود تقتحم الحصون شهداؤنا في كل شبر يصرخون: يا أيها المتنطعون! كيف ارتضيتم أن ينام الذئب في وسط القطيع وتأمنون؟! وطن بعرض الكون يعرض في المزاد، وطغمة الجرذان بالوطن الجريح يتاجرون أحياؤنا الموتى على الشاشات في صخب النهاية يسكرون من أجهض الوطن العريق وكبل الأحلام في كل العيون يا أيها المتشرذمون! والله! إنا قادمون شهداؤنا في كل شبر في البلاد يزمجرون جاءوا صفوفاً يسألون: يا أيها الأحياء! ماذا تفعلون؟ في كل يوم كالقطيع على المذابح تصلبون تتسربون على جناح الليل كالفئران سراً للذئاب تهرولون وأمام أمريكا تقام صلاتكم فتسبحون وتطوف أعينكم بها وفوق ربوعها الخضراء يبكي الساجدون صور على الشاشات جرذان تصافح بعضها والناس من ألم الفجيعة يضحكون تباع أوطان، وتسقط أمة، ورءوسكم تحت النعال وتركنون تسلم القدس العريقة للذئاب ويكثر المتآمرون شهداؤنا في كل شبر يصرخون والقدس تسبح في الدماء وفوقها الطاغوت يهدر في جنون القدس تسألكم: أليس لها حق عليكم؟! أين فر الرافضون؟ أين غاب البائعون؟ أين راح الهاربون، الصامتون الغافلون الكاذبون؟ صمتوا جميعاً والرصاص الآن يخترق العيون وإذا سألت سمعتهم يتصايحون هذا الزمان زمانهم في كل شيء في الورى يتحكمون لا تسرعوا في موكب البيع الرخيص فإنكم في كل شيء خاسرون لن يترك الطوفان شيئاً؛ كلكم في اليم يوماً غارقون تجرون خلف الموت، والنخاس يجري خلفكم، وغداً بأسواق النخاسة تعرضون لن يرحم التاريخ يوماً من يفرط أو يخون كهاننا يترنحون فوق الكراسي هائمون في نشوة السلطان والطغيان راحوا يسكرون وشعوبنا ارتاحت ونامت في غيابات السجون نام الجميع وكلهم يتثاءبون فمتى يفيق النائمون؟!! متى يفيق النائمون؟ متى يفيق النائمون؟ ومتى تعلم الأمة قول ربها: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]؟ ومتى ستسمع الأمة لقول ربها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران:١١٨]؟ ومتى ستتدبر الأمة قول ربها: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢]؟ ومتى ستسمع الأمة عن ربها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة:١]؟

стр. 790

مقومات النصر الكفر ملة واحدة، فمتى سترجع الأمة إلى ربها لتحقق منهج الله في الأرض، ولتكون أهلاً لنصرة الله؟! فالأمة تملك مقومات النصر، وهذا هو عنصرنا الثالث من عناصر اللقاء، وأعظم مقوم تملكه أمة التوحيد هو: عقيدة (لا إله إلا الله)، لقد صرخ أبطالنا المصريون في حرب العاشر من رمضان بلفظة التوحيد: الله أكبر، لا إله إلا الله، فرأينا أسطورة العدو الذي لا يقهر تتهاوى إلى ركام في ركام في ساعات قليلة. فمتى عرفت الأمة ربها، ورددت كلمة لا إله إلا الله، وكبر في قلبها وعظم في صدرها جلال الله، وقالت: الله أكبر؛ نصرها ربها ﵎، كما قال : ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران:١٢٦]. فالعقيدة هي التي حولت سحرة فرعون إلى موحدين في التو واللحظة، واسترخصوا واستعذبوا كل بلاء، إنها العقيدة التي تملأ القلوب بالثقة في رب الأرض والسماء، والعقيدة تجعل كل فرد في الأمة ينظر إلى أمم الكفر على أنها هباء، وأنا لا أقول ما لا أعرف، بل أنا أعلم يقيناً حجم قوة أعدائنا، وأعلم يقيناً أن أمريكا من وراء اليهود، فإسرائيل غدة سرطانية في قلب العالم الإسلامي غرسها أعداء الإسلام، وغرستها أمم الكفر في قلب الوطن العربي. وإن شئت فقل: إسرائيل حاملة طائرات ودبابات وصواريخ، يسكن على ظهرها ما يزيد عن خمسة مليون هم لأمريكا بمثابة اليد الطولى، فهي قريبة من روسيا من ناحية، ومن أوربا من ناحية، وفي قلب العالم الإسلامي من ناحية ثالثة، وقريبة من آبار النفط والموارد المعدنية من ناحية رابعة. ومن ناحية خامسة فهي تشكل عمقاً استراتيجياً يمتد عبر ثلاث قارات، فهذه الدولة لا يمكن لأمريكا أن تتخلى عنها أبداً؛ لأنها تمثل اليد الطولى لأمريكا في المنطقة وفي قلب العالم الإسلامي والعربي، ومن ثمَّ فستظل أمريكا وراء اليهود حتى تفيق الأمة وترجع من جديد إلى العزيز الحميد؛ لتأخذ بما تملك من أسباب ومقومات النصر، وهي كثيرة. أقسم بالله إن الأمة الآن قادرة على أن تجعل أمريكا في الغد تركع، يا إخوة! أنا أعي ما أقول تماماً، أقول: يكون ذلك بالعقيدة وبكلمة سواء يتخذها قادة العرب برجولة وصدق وقوة؛ فلم يعد هناك مجال للخلافات والنزاعات والتشرذم والتهاون، ولم يعد هناك وقت للضياع، فلو اتخذوها وأعلنوها لله ﵎ لتغيرت الموازين. ولو اتخذت الأمة الآن قراراً بإسقاط التعامل بالدولار الأمريكي -لا أقول: في الاقتصاد ككل بل في مبيعات البترول فقط- والله! لانهارت أمريكا في التو واللحظة، فبمجرد هذه الأزمة ارتفعت أسعار البترول في البورصة العالمية، فهددت هذه الأسعار أمريكا اقتصادياً؛ حتى اضطرت أمريكا أن تعلن أنها ستسحب من احتياطياتها من البترول، والآن ارتفعت أسعار البترول مرة أخرى لهذا الوضع الحرج. تستطيع الأمة بقرار -كما استطاعت في حرب العاشر من رمضان بقرار البترول- أن تغير الدفة، وأن تغير الموازين، فالأمة تستطيع أن تفعل شيئاً كبيراً جداً؛ لأنها تملك العدد، وتملك العتاد، وتملك العمق الاستراتيجي، وتملك العقول الموهوبة التي لا تقل أبداً عن عقول الغرب، بل إن عقول أبناء الأمة في الغرب تبدع، وليست فقيرة، وليست جاهلة، وليست ضعيفة، لكنها مهزومة نفسياً، والمهزوم النفسي مشلول الفكر والحركة. فلتصحح الأمة عقيدتها بالله جل وعلا، فتلك العقيدة هي التي ستخرج الأمة من هذا المستنقع، ومن الهزيمة النفسية القاتلة. تلك العقيدة هي التي جعلت أصحاب المصطفى ﷺ يتحولون من رعاة للإبل والغنم إلى سادة وقادة لجميع الدول والأمم. تلك العقيدة هي التي انطلقوا بها فدمدموا العالم القديم بصولجانه وجبروته، واستطاعوا بهذه العقيدة الصحيحة الصافية أن يقيموا للإسلام دولة من فتات متناثر في وسط صحراء تموج بالكفر موجاً فإذا هي بناء شامخ عظيم لا يطاوله بناء. تلك العقيدة هي التي جعلت طلحة بن عبيد الله يرمي بين يدي المصطفى ﷺ وهو يحمي رسول الله بصدره وهو يقول: (نحري دون نحرك يا رسول الله!). تلك العقيدة جعلت عمير بن الحمام يسمع كلام النبي ﷺ وهو يقول: (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض فيقول عمير: بخ بخ! جنة عرضها السماوات والأرض، فيقول له المصطفى: يا عمير! ما حملك على قول: بخ بخ؟ فيقول عمير: لا يا رسول الله! إلا أني رجوت أن أكون من أهلها، فقال المصطفى: أنت من أهلها) فأخرج تمرات يأكلهن ليتقوى بهن على القتال، وبينما هو يأكل تذكر الجنة وتذكر الموت في سبيل الله فقال لنفسه: ما بيني وبين الجنة إلا أن آكل هذه التمرات، وأنطلق في الصفوف لأقاتل فأقتل، والله! لأن حييت حتى آكل هذه التمرات إنها لحياة طويلة، فألقى التمرات على الأرض، واندفع في صفوف القتال صادقاً مع الله ليصدقه الله . العقيدة هي التي جعلت الصحابة رضوان الله عليهم يبذلون الغالي والنفيس في نصرة دين الله. العقيدة هي التي ستحرك القلوب والجوارح للجهاد في سبيل الله، فأنا أدين لله ﵎ أن طريق النصر آتٍ بتصحيح العقيدة ورفع راية الجهاد في سبيل الله، والله الذي لا إله غيره! لو أعلن الجهاد الآن وقيل: حي على الجهاد! من قبل أي حاكم من حكام العرب والمسلمين، والله! لخرج ملايين الشباب، بل والشيوخ، بل والنساء، بل والله! لخرج صبياننا وأطفالنا، والله! لخرجوا بغير سلاح ليصد أحدهم بصدره فوهات مدافع اليهود، ليرزقه الله الشهادة في سبيله، وليعلم أنجس أهل الأرض أن محمداً ما مات، وما خلف بنات، بل خلف أطهاراً أبراراً تحترق قلوبهم شوقاً للشهادة في سبيل الله. والله الذي لا إله غيره! لم يعد لهذه القضية إلا الجهاد، فليفطن إليها الحكام والزعماء، وليعلم اليهود أن الشباب المسلم التقي النقي، وهذه الأمة التي قد مرضت واعترتها فترات من الركود الطويل أنها ما ماتت، ولن تموت بموعود الله، وبموعود الصادق رسول الله ﷺ ، وصدق المصطفى إذ يقول كما في مسند أحمد بسند صحيح من حديث ابن عمر: (إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، واتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم)، وفي الصحيحين أنه ﷺ قال: (إن في الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سبيله)، وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد أنه ﷺ قال: (من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً دخل الجنة، فقال أبو سعيد: أعدها عليَّ يا رسول الله! فأعادها عليه، ثم قال: ألا وإن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سبيله). فأمريكا، وهيئة الأمم، وحلف الأطلنطي، ومجلس الأمن؛ كل هذه الهيئات والمنظمات لا تريد أبداً للقضية أن تصبغ بالصبغة الإسلامية، لا تريد أبداً للقضية أن تخرج عن إطار القومية والوطنية والعروبة، فهم يعلمون أن القضية لو صبغت بالصبغة الإسلامية، ورفعت راية الجهاد لتحولت الموازين. فاليهود يحاربوننا عن عقيدة، وقد أعلنها بن غوريون أول رئيس وزراء إسرائيل، في هيئة الأمم بعدما اعترفت الدول العظماء بإسرائيل فقال بالحرف: قد لا يكون لنا الحق في فلسطين من منظور سياسي أو قانوني، ولكن فلسطين حق لنا من منظور ديني، فهي أرض المعاد التي وعدنا الله إياها من النيل إلى الفرات، ثم قال: لا معنى لفلسطين بدون القدس، ولا معنى للقدس بدون الهيكل، ولا معنى لقيام دولة إسرائيل على غير أرض المعاد! وترجم هذه العقيدة كل رؤساء وزرائهم، بدأ من بن غوريون إلى باراك، ولقد أصدر نتنياهو أربعة عشر قراراً استيطانياً في فترة حكمه، وكان من آخرها القرار الذي صدر بالاستيطان في منطقة جبل أبو غنيم ليؤكد بذلك التطوق السكاني اليهودي في القدس الشرقية، وقد صرح مراراً أنه لا مجال لأي مفاوضات لتقسيم القدس، فالقدس بشطريها عاصمة أبدية لإسرائيل! فهم على عقيدة، ولاحل إطلاقاً مهما جلسوا للمؤتمرات واتخذوا القرارات إلا إذا صححت الأمة عقيدتها، ورفعت راية الجهاد في سبيل الله؛ فلم يعد هناك وقت للتنظير ولا للكلام، وليرى الحكام من هذه الأمة ما تقر به عيونهم إن صححوا العقيدة ورفعوا راية الجهاد في سبيل الله. هذا ما أدين به لربي في هذا الظرف الحرج، وأسأل الله جل وعلا أن يهزم اليهود، وأن يخلص إخواننا المستضعفين العزل من شرهم وكيدهم، وأن يحرك قلوب حكام العرب لما يحبه ويرضاه؛ إنه ولي ذلك ومولاه. وأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 791

هزيمة اليهود وعد إلهي الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: وأخيراً: أيها الأحبة! سيهزم اليهود، لا أقول ذلك رجماً بالغيب، ولا من ضغط الواقع المرير، ولا من باب الأحلام الوردية الجاهلة، ولا من باب الجهل بالواقع الذي تعيشه أمتنا ونحياه الآن بكل مآسيه، كلا! وإنما أقول ذلك من منطلق الحقائق الربانية والنبوية، فهو كلام ربنا، وكلام نبينا الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، وتدبروا معي هذه الآية التي قرأتموها جميعاً، وسمعتموها جميعاً، لكن قل من انتبه إليها، ووقف معها ليتدبرها، ألا وهي قول الله في سورة آل عمران في حق اليهود: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران:١١١]، وقال سبحانه: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤]، فهذا هو كلام الخالق الذي يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير. قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف:١٦٧]، وقال جل وعلا: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء:١٠٤]، وهاهم اليهود يأتون ألفافاً من كل بقاع الأرض ليتحقق وعد الله في آية الإسراء الأولى، ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء:٤ - ٧]، اللهم عجل بهذه البشارة. تدبر معي الآيات! لتقف على هذه البشارة العظيمة، فالحق وإن انزوى كأنه مغلوب فإنه ظاهر، والباطل وإن انتفش كأنه غالب فإنه زاهق، كما قال : ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]، وقال : ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٨]. تدبر معي قول رب العالمين: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا﴾ [الإسراء:٤ - ٥]، أي: جاء وقت المرة الأولى لتدمير ما شيد اليهود ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا﴾ [الإسراء:٥]، أي: بعث الله على اليهود عباداً له ليسوموا اليهود سوء العذاب، وقد اختلف المفسرون في تفسيرها، فقد قرأت ما يزيد على عشرين تفسيراً لهذه الآيات فوجدت أن جل المفسرين قد فسروا هذه الآيات بأن الذي سُلط على اليهود هم البابليون أو الرومان أو نبوخذ نصر فتدبرت الآيات مراراً وتكراراً، فوجدت بعض أهل العلم من المحققين قالوا: إن الله ﵎ يقول: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا﴾ [الإسراء:٥]، والعبودية لا تكون أبداً إلا للموحدين، كما قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان:٦٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر:٤٢]، وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١]، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن:١٩]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة:٢٣]. إذاً: العبودية إن نسبت لله تعالى وكانت خالصة له فهي عبودية المؤمنين الصادقين؛ والبابليون وثنيون، والرومانيون وثنيون، وبختنصر وثني ليس بمسلم، فكيف يقال: إن هؤلاء تنطبق عليهم الآية؟! إذاً: من هم عباد الله الذين سلطهم الله على اليهود أول مرة؟ إنهم أصحاب المصطفى ﷺ ، فهم الذين طردوا اليهود من بني النضير، ومن بني قينقاع، ومن خيبر، ومن بني قريظة، وأخرجوهم من المدينة، ثم الصحابة هم الذين دخلوا المسجد أول مرة بقيادة أبي عبيدة بن الجراح ﵁ يوم ذهب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من المدينة ليستلم مفاتيح بيت المقدس بيده، وليكتب لأهل بيت المقدس من أهل إيلياء العهدة العمرية المشهورة، وقد تحدثت عنها بالتفصيل في موضع آخر. إذاً: أصحاب النبي ﷺ هم عباد الله الذين دخلوا المسجد أول مرة، وتدبر معي قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الإسراء:٥ - ٦]، أي: على هؤلاء العباد الذين انتصروا عليكم، وها نحن نرى الكرة قد أعيدت لليهود علينا، أي: على أبناء أصحاب النبي ﷺ من الموحدين والمؤمنين، ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ﴾ [الإسراء:٦]، أي: أمد الله اليهود بأموال، وها نحن نرى ذلك ﴿وَبَنِينَ﴾ [الإسراء:٦]، وها نحن نرى أبناء اليهود من كل بقاع الأرض يجتمعون، ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء:٦]، والنفير نفير الحرب، وها أنتم ترون اليهود يمتلكون الآن مائتي قنبلة نووية، وتمد أمريكا اليهود بالسلاح. ثم قال لهم ربهم سبحانه: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ﴾ [الإسراء:٧]، أي: المرة الثانية والأخيرة، ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [الإسراء:٧]، أي: ليسوءوا وجوهكم، والفاعل عباد الله من الموحدين والمؤمنين، ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء:٧]، اللهم عجل بهذه المرة يا أرحم الرحمين، ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء:٧].

стр. 792

إخبار النبي ﷺ بهزيمة اليهود ثبت عن نبينا الصادق الذي لا ينطق عن الهوى في مسند أحمد وغيره بسند صحيح: أنه (وضع يوماً يده على رأس أبي حوالة الأسدي ﵁، ثم قال النبي لـ أبي حوالة: يا أبا حوالة! إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة فقد دنت الزلازل والبلايا والأمور العظام، والساعة يومئذ أقرب إلى الناس من يدي هذه من رأسك) وأنا أسأل وأقول: هل تنزل الخلافة الأرض المقدسة والقدس عاصمة أبدية للصهاينة؟ وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون) وهذا وعد الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، وأنا أرى فيما أراه الآن من حرب بكل معنى الكلمة من اليهود للعزل والمدنيين في فلسطين، أرى أن في هذه الحرب خيراً كثيراً، ولا أراها خيراً في ذاتها، بل أراها -إن شاء الله تعالى- القشة التي ستقصم ظهر البعير. فإنا لم نر منذ الاحتلال إلى يومنا هذا مثل هذه الحرقة على القدس وعلى فلسطين بين أبناء الشارع الإسلامي والعربي في كل مكان، بل بين المسلمين في العالم أجمع كما رأينا في هذه الأيام، أرى أن الشعوب بدأت تضغط على حكامها ولو بصورة خفيفة، لكنها بداية أرجو من الله أن يجعل منها النهاية لليهود؛ إنه على كل شيء قدير، فأنا اعتقد اعتقاداً جازماً أنه لا يوجد شر محض أبداً، بل الشر يحمل في ثناياه ما لا نعرفه من الخير، قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦]. فلتقدم الأمة من أجل القدس خمسة ملايين أو عشرة ملايين شهيداً، ورب الكعبة! إننا لمستعدون الآن أن نخرج بدون سلاح، وما أحلاها من كلمات تلك الكلمات التي يرسلها إمام من أئمة المجاهدين العلماء لعابد من الزهاد العباد! إنها كلمات عبد الله بن المبارك لأخيه عابد الحرمين الفضيل بن عياض يرسل بها ابن المبارك من ساحة الوغى وميدان البطولة والشرف لأخيه في مكة ليقول له: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك في العبادة تلعب من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب أو كان يتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الكريهة تتعب ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب ولقد أتانا من مقال نبينا قول صحيح صادق لا يكذب لا يلتقي غبار خيل الله في أنف امرئ ودخان نار تلهب فليمت من إخواننا من يقدر الله له هذا الشرف، وأسأل الله أن يتقبلهم جميعاً في الشهداء؛ فإما عيش بكرامة وإما شهادة في سبيل الله، فالكل سيموت، وإن تعددت الأسباب فالموت واحد، فما أحوج الأمة الآن إلى أن تعي واجبها في هذا الظرف الحرج! أيها المسلم! لا تنس إخوانك من الدعاء، وذلك أضعف الإيمان، وبالمال إن استطعت، ثم رب نفسك وولدك على روح الجهاد، إن المعركة قادمة، إي وربي! إن المعركة مع اليهود قادمة، فهيئ نفسك، ورب ولدك، ورب امرأتك، ورب بناتك، ورب أولادك. أتعجب حينما رأى بعض الناس معاوية بن أبي سفيان وهو طفل صغير يلعب، ورأوا عليه ملامح الذكاء، وأمه تنظر إليه بإعجاب، فقال الحاضرون: لو شب معاوية سيسود قومه، فقالت أمه: ثكلته إن لم يسد إلا قومه. تريد أن يسود العالم كله، تريد أن يسود الدنيا كلها، فلماذا لا نربي أولادنا وأنفسنا على هذه العقيدة؟ ولنبذل أقصى ما في وسعنا، فالله يعلم قدراتنا وإمكانيتنا، ويعلم ضعفنا وواقعنا، ووالله! لو سأل الله أحدنا الشهادة بصدق لبلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه، قال المصطفى ﷺ كما في صحيح مسلم: (من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه). وأخيراً: يا راحلين إلى البيت العتيق لقد سرتم جسوماً وسرنا نحن أرواحاً إنا أقمنا على عذر وعن قدر ومن أقام على عذر فقد راح اللهم انصر المجاهدين في فلسطين، اللهم إنك قلت لنبيك: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]، اللهم ارم عنهم يا رب العالمين! اللهم إنهم مغلوبون فانتصر. اللهم عليك باليهود، اللهم عليك بأمريكا، اللهم عليك باليهود وأعوان اليهود، اللهم عليك بالخونة يا غفور! يا ودود! اللهم إنا نشكو إليك خيانة الخائنين، اللهم ارفع الظلم عن المظلومين، اللهم اكتب النصر للمستضعفين، يا من هزمت الأحزاب وحدك! اهزم اليهود المغتصبين. اللهم رد الأمة إليك رداً جميلاً، اللهم انزع الخوف من قلوبنا، وانزع الجبن من صدورنا، وانزع الهزيمة من بيننا، اللهم ألف بين القلوب، ووحد بين الصفوف، اللهم وفق قادة العرب للعودة لدينك، اللهم اقذف في قلوبهم ما يرضيك، اللهم حول قلوبهم إلى ما يرضيك. اللهم انصر الإسلام، وأعز المسلمين، وأعل بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم أيد إخواننا في الشيشان وفي الفلبين، وفي كشمير وفي فلسطين، وفي كل مكان يا أرحم الراحمين! اللهم وفق مصر لتقوم بدورها، اللهم اجعل مصر واحة للأمن والأمان، اللهم احم مصر من الفتن ما ظهر منها وما بطن برحمتك يا رب العالمين! وجميع بلاد المسلمين. اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع الكريم ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ميتاً لنا إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا زدته وسددته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين! اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا شقياً ولا محروماً. اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام نائمين، واحفظنا بالإسلام في كل وقت وحين. اللهم إن أردت بالناس فتنة فاقبضنا إليك غير خزايا ولا مفتونين ولا مفرطين ولا مضيعين، ولا مغيرين ولا مبدلين. اللهم اكفنا شر الظالمين، اللهم اكفنا شر المجرمين. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين.

стр. 793

حق القرآن وسبيل العزة القرآن الكريم كلام الله المنزل من عنده سبحانه، وهو معجز في آياته وأحكامه، وهو سبيل عز هذه الأمة، ولما عمل به السلف وترجموه إلى واقع عملي، نصرهم الله، ومكن لهم في الأرض، وفتحوا الدنيا شرقاً وغرباً. وفي المقابل: لما تركه الخلف وراحوا يتلمسون العزة في غيره أذلهم الله، والواقع خير شاهد على هذا، فإذا أرادت الأمة العزة والنصر فعليها أن تراجع كتاب ربها وسنة نبيها ﷺ فإنهما مصدر العز.

стр. 794

داء الانفصام النكد بين المنهج المنير والواقع المرير الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ , وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الأخيار، وأيتها الأخوات الفاضلات، وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله جل وعلا الذي جمعني مع حضراتكم في هذا البيت المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة في جنته ودار مقامته، إنه ولي ذلك ومولاه. أحبتي في الله! حقوق يجب أن تعرف، سلسلة منهجية تحدد الدواء من القرآن والسنة لهذا الداء العضال الكبير الذي استشرى في جسد الأمة، ألا وهو داء الانفصام النكد بين المنهج المنير والواقع المؤلم المرير، فأنا لا أعرف زماناً قد انحرفت فيه الأمة عن منهج ربها ونبيها ﷺ ، وضيعت فيه حقوق الإسلام كهذا الزمان، فأردت أن أذكر نفسي وأمتي من جديد بهذه الحقوق الكبيرة التي ضاعت، عسى أن تسمع الأمة مرة أخرى عن الله ورسوله، وأن تردد مع السابقين الصادقين الأولين قولتهم الخالدة: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥]. ونحن اليوم بحول الله وطوله على موعد مع اللقاء المتمم للثلاثين من لقاءات هذه السلسلة الكبيرة، والحقوق الجليلة، ونحن اليوم على موعد مع حق جليل جليل جليل، كبير كبير عظيم عظيم، ولم لا؟! وهو حق القرآن الكريم. وكعادتي حتى لا ينسحب بساط الوقت سريعاً من تحت أقدامنا، فسوف أركز الحديث مع حضراتكم تركيزاً شديداً في هذا الموضوع الجليل في المحاور التالية: أولاً: مصدرية القرآن دليل على إعجازه. ثانياً: كيف جمع القرآن ووصل إلينا؟ ثالثاً: حق القرآن. فأعيروني القلوب والأسماع بل والكيان كله، فإن الموضوع من الجلال والأهمية والخطورة بمكان، والله أسأل أن يرد الأمة رداً جميلاً إلى القرآن والسنة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 795

مصدرية القرآن دليل على إعجازه أحبتي في الله! القرآن كلام الله جل وعلا، وهذا أعظم دليل على إعجاز القرآن، فمصدرية القرآن دليل على إعجازه، فهو كلام الله الذي فضله على كل كلام كفضل الله على سائر الخلق. القرآن هو كلام الله الذي تحدى الله به البشرية عامة، وتحدى به المشركين المنكرين خاصة، ومازال التحدي قائماً إلى يوم القيامة قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء:٨٨]، فلما عجزوا عن الإتيان بقرآن مثله خفف الله جل وعلا التحدي، فتحداهم أن يأتوا بعشر سور فقال الله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود:١٣] , فعجزوا. فخفف الله التحدي إلى أقل درجاته، فتحداهم أن يأتوا بسورة واحدة من مثل سور القرآن الجليل فعجزوا، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٣ - ٢٤]. أيها الأفاضل! كلام الله ﷻ لو أنزله على جبل لتصدع الجبل من خشية الملك الجليل، قال سبحانه: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر:٢١] , فالقرآن تخشع وتتصدع له الجبال، ولا تتحرك له القلوب الغافلة! لذا قال عثمان ﵁: (والله لو طهرت قلوبنا ما شبعنا من كلام ربنا). تصور أن المشركين في مكة كانوا يخافون على أنفسهم من سماع القرآن! تصور معي مرة أخرى أن المشركين أنفسهم كانوا يخشون على أنفسهم من سماع القرآن، لماذا؟! لأن القرآن كان يصدع الكفر والكبر في قلوبهم، بل في السنة الخامسة من البعثة النبوية المطهرة انطلق النبي ﷺ إلى بيت الله الحرام ليصلي لله جل وعلا على مرأى ومسمع من صناديد الشرك والكفر، وكانوا يكرهون ذلك، حتى قال اللعين أبو جهل: أيعفر محمد وجهه وهو بين أظهرنا! يعني: أيسجد محمد لربه على مرأى ومسمع منا عند الكعبة؟! قال: واللات والعزى لئن أتى محمد ليصلي لأطأن عنقه، أي: لأضعن رجلي أو حذائي على عنقه وهو ساجد بين يدي ربه، فجاء الحبيب ﷺ ودخل المسجد الحرام ووقف يصلي لله تعالى، فلما سجد انطلق اللعين أبو جهل وهو يزعم أنه سيطأ بقدمه في عنق النبي وهو ساجد، فلما اقترب من رسول الله عاد إلى الخلف وهو يجري ويدفع بيديه، وكأنه يرد عن وجهه شيئاً، فلما اقترب من المشركين قالوا: ماذا يا أبا الحكم؟! لماذا رجعت؟! لماذا جريت بهذه الصورة المزرية؟! فقال أبو جهل: إن بيني وبين محمد لخندقاً من نار، ووالله إني لأرى أجنحة. فلما انتهى النبي من صلاته قال قولته الجميلة: (والذي نفس محمد بيده! لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضواً عضواً). الشاهد: دخل النبي ﷺ كعادته يوماً ليصلي لله ﷻ ، والمشركون ينظرون إليه بتغيظ شديد، ورفع الحبيب صوته بالتلاوة فقرأ سورة النجم كاملة، وأرجو أن تتصور حلاوة وجلالة القرآن وهو يخرج من فم الحبيب، الرسول هو الذي يتلو، فليست التلاوة الآن لبشر عادي، والمشركون يسمعون القرآن من فم رسول الله ﷺ ، وقرأ النبي السورة كاملة، وقرأ في أواخر السورة آيات جليلة تهتز لها الحجارة، وتخشع لها الجبال والقلوب: ﴿أَزِفَتْ الآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ * أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم:٥٧ - ٦١] , أي: تغنون وترقصون وتطبلون وتزمرون، ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم:٦١ - ٦٢] , وخر النبي ساجداً لربه، فلم يتمالك أحد من المشركين نفسه فخر ساجداً لله خلف رسول الله! هل تتصورون هذا أيها الأفاضل؟! الحديث رواه الإمام البخاري في كتاب سجود التلاوة مختصراً من حديث ابن عباس ﵄ أنه قال: سجد النبي ﷺ بالنجم -أي: بسورة النجم- وسجد معه المسلمون والمشركون والجن الإنس. نعم والجن. ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً﴾ [الجن:١] , الجن هم الذين يتحدثون عن القرآن: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً﴾ [الجن:١ - ٢] , سجد النبي وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس، وهذا هو السر -يا طلبة العلم- الذي جعل المهاجرين الأول الذين هاجروا من مكة فراراً من بطش المشركين إلى الحبشة؛ هذا هو السر الذي جعلهم يرجعون من الحبشة بعد هجرتهم الأولى لما بلغهم أن المشركين سجدوا خلف رسول الله، فظنوا أنهم قد آمنوا بالله جل وعلا، فعادوا إلى مكة، لكنهم لما رفعوا رءوسهم أنكروا جميعاً ما فعلوه وما صنعوه! لكنه القرآن الذي صدع عناد الكفر والكبر في قلوبهم فسجدوا جميعاً لله من جلال القرآن وروعته وعظمته. نعم أيها الأفاضل! والوليد بن المغيرة والد فارس الإسلام وسيف الله المسلول خالد بن الوليد كان متعنتاً متكبراً منكراً، فلما ذهب إلى النبي ﷺ ليعرض عليه الملك والجاه والمال والسلطان حتى يرجع إلى دين آبائه وأجداده؛ قرأ عليه النبي ﷺ آيات جليلة من القرآن الكريم، فقال الوليد كلماته الخالدة في حق القرآن -والحق ما شهدت به الأعداء- قال الوليد: والله! إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه. هذه شهادة كافر عنيد للقرآن، فلما قال هذه الكلمات للمشركين قالوا: صبأ والله الوليد، إذاً لتصبأنّ قريش كلها، فعاد حتى لا تضيع زعامته في القوم، ففكر وقدر الأمر من جميع جوانبه، ثم عاد ليعلن شهادته الظالمة في حق النبي ﷺ كما قال ربنا جل وعلا في شأن الوليد: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ ً﴾ [المدثر:١١ - ١٦] , لماذا؟ تدبر القرآن، ﴿إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيداً * سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ [المدثر:١٦ - ٢٨] إلى آخر الآيات.

стр. 796

كيف وصل إلينا القرآن ؟

стр. 797

المرحلة الأولى عنصرنا الثاني: كيف جمع القرآن؟ وكيف وصل إلينا المصحف الإمام؟ والجواب باختصار سريع: المرحلة الأولى من مراحل جمع القرآن كانت على عهد الحبيب المصطفى ﷺ ، وهي المرحلة التي جمع القرآن فيها في صدر النبي وفي صدور الصحابة، فقد من الله عليهم بملكة حفظ جليلة، حفظ النبي القرآن وانتقل القرآن من صدر النبي إلى صدور الصحابة رضوان الله عليهم جميعاً، بل كان النبي ﷺ من شدة حرصه على القرآن يتعجل بالتلاوة خلف أمين وحي السماء فنزل قول الله جل وعلا: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ [القيامة:١٦ - ١٧] , أي: في صدرك ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ [القيامة:١٧ - ١٨] , أي: قرأه جبريل ﵇، أو قرأناه على لسان جبريل، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:١٨ - ١٩]، سيبينه الله لرسوله ﷺ . فجمع القرآن في صدر النبي، واتخذ النبي مجموعة من كتاب الوحي كـ زيد بن ثابت ﵁ الذي سماه الإمام البخاري بكاتب النبي، وكـ أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وغيرهم رضوان الله عليهم، فكان النبي إذا نزل عليه جبريل بالآية أمر كتاب الوحي فنسخوها في الجلود والعسب واللخاف وهي نوع من أنواع الحجارة الرقيقة كان يكتب عليها, والعسب جمع عسيب، وهو جريد النخل، كانوا يكتبون عليه أيضاً، فكان يأمر النبي ﷺ كتبة الوحي بكتابة الآيات كما يمليها عليهم رسول الله ﵊، وظل القرآن مكتوباً في هذه المرحلة في الجلود والعسب، أي: في جريد النخل، ومكتوباً على الحجارة، وفي صدور الرجال إلى أن مات سيد الرجال ﷺ .

стр. 798

المرحلة الثانية المرحلة الثانية: كانت في عهد أبي بكر ﵁، لما وقعت معركة اليمامة بين مسيلمة الكذاب وبين الصحابة قتل في هذه المعركة عدد هائل من الصحابة الذين كانوا يحفظون القرآن في صدورهم، فجاء الملهم عمر رضوان الله عليه إلى الصديق أبي بكر، وقال عمر للصديق: يا أبا بكر! يا خليفة رسول الله ﷺ ! اجمع القرآن في صحف، فقال الصديق الذي كان مثالاً في الإخلاص والاتباع: كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله؟ لا. فقال عمر: هذا والله خير -والحديث في صحيح البخاري - قال الصديق: فما زال عمر يراجعني، أي: بجمع القرآن في الصحف، حتى شرح الله صدري لقول عمر، فأرسل إلى زيد بن ثابت رضوان الله عليه، فقال الصديق لـ زيد: يا زيد! إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك. انظروا يا شباب الإسلام إلى شباب الصحابة، فـ زيد بن ثابت كان شاباً في ريعان شبابه، واختاره النبي كاتباً من كتاب الوحي، بل سماه البخاري كاتب النبي، يا لها من كرامة! (إنك شاب عاقل لا نتهمك، فتتبع القرآن فاجمعه). قال زيد: (والله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن) انظروا إلى أصحاب الهمم العالية الذين يقدرون المسئوليات الضخام الجسام، قال: والله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن، قال: فتتبعت القرآن فجمعته من اللخاف، أي: من الحجارة الرقيقة، والعسب، أي: جريد النخل، وصدور الرجال، وجمع القرآن في صحف ضخمة عديدة، وانتقلت هذه الصحف إلى بيت الصديق ﵁، فلما توفي أبو بكر انتقلت الصحف إلى بيت عمر ﵁، فلما توفي عمر رضوان الله عليه انتقلت الصحف إلى بيت أم المؤمنين حفصة زوج النبي ﷺ .

стр. 799

المرحلة الثالثة المرحلة الثالثة: وهي الكبيرة والخطيرة، وكانت في عهد عثمان ﵁، ففي صحيح البخاري أن حذيفة بن اليمان عاد إلى عثمان ﵁ بعد غزوة أرمينية مع أهل الشام، وبعد غزوة أذربيجان مع أهل العراق، فدخل حذيفة على عثمان فزعاً وهو يقول: يا أمير المؤمنين! أدرك الأمة قبل أن تختلف في كتاب ربها كما اختلف اليهود والنصارى! قال عثمان: وما ذاك؟ رأى حذيفة أهل الشام يقرءون القرآن بقراءة أبي بن كعب، ورأى أهل العراق يقرءون القرآن بقراءة عبد الله بن مسعود، فكان أهل الشام يسمعون قراءة من أهل العراق لم يسمعوها من قبل، وكان أهل العراق يسمعون قراءة من أهل الشام لم يسمعوها من قبل، فاختلفوا اختلافاً شديداً حتى كفر بعضهم بعضاً! فجاء حذيفة فزعاً وقال: أدرك الأمة قبل أن تختلف في كتاب ربها كما اختلف اليهود والنصارى، مع أن الله من رحمته وتيسيره على الخلق قد أنزل القرآن على سبعة أحرف كما قال النبي ﷺ : (أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف) , لا حرج أن تقرأ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦] , وفي قراءة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فتثبتوا) , والقراءتان عن رسول الله ﷺ . وكانت بعض القبائل لا تستطيع أن تنطق حروفاً محددة، كانوا ينطقون مثلاً حرف الحاء عيناً، فيقولون في (حتى حين): عتى عين، فنزل القرآن ميسراً على سبعة أحرف قرأها النبي ﷺ ، فلما سمع أهل الشام قراءة ما سمعوها من أبي وسمع أهل العراق قراءة ما سمعوها من ابن مسعود ﵃ جميعاً؛ اختلفوا، فأرسل عثمان بن عفان رضوان الله عليه إلى حفصة أم المؤمنين: أن أرسلي إلينا بالصحف -أي: التي جمعت في عهد الصديق ﵁ لننسخها في نسخة واحدة، فأرسلت حفصة الصحف إلى عثمان، فأرسل عثمان إلى كاتب النبي زيد بن ثابت ﵁ وإلى مجموعة من أصحاب رسول الله، وأمرهم أن ينسخوا الصحف في مصحف واحد، ونسخوا مجموعة كثيرة من هذا المصحف الواحد. وأرسل عثمان إلى كل مصر -أي: إلى كل بلد من البلدان- بمصحف واحد إمام، وأمر ببقية الصحف غير هذا المصحف الإمام أن تحرق، وبذلك جمع عثمان رضوان الله عليه الأمة كلها على مصحف واحد قرأ به كله نبينا ﷺ ، وهذا هو المصحف الذي تجدونه بين أيديكم الآن وهو يسمى: بالمصحف الإمام، أي: المصحف الذي جمعه عثمان ﵁ من الصحف كلها، فلقد قال للصحابة: إن اختلفتم مع زيد فاكتبوا بلسان قريش فإنه قد نزل بلسانهم، أي: بالقراءة التي حفظها أصحاب النبي ﷺ من قريش. وبهذا -أيها الأفاضل- حفظ الله القرآن الكريم فلم تتغير منه آية ولم تبدل منه كلمة ولم يحذف منه حرف، فما تولى الله حفظه لا يضيعه أحد: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].

стр. 800

حق القرآن بيت القصيد، وهو العنصر الثالث والمهم من عناصر اللقاء، ما هو حق القرآن؟ لكن ولابد من هذه المقدمة الموجزة لنقف جميعاً على هذه الكلمات الجليلة التي قدمت. ما حق القرآن؟ هل أنزل الله القرآن ليقرأ على الأموات في القبور؟! هل أنزل الله القرآن ليحلي به النساء صدورهن في مصاحف صغيرة؟! هل أنزل الله القرآن ليهدى من الزعماء والحكام إلى بعضهم البعض؛ فترى الحاكم يستلم المصحف منحنياً على كتاب الله ليقبله بخضوع جسدي كامل وكأنه عثمان بن عفان في الوقت الذي يضيع فيه شريعة هذا القرآن؟! ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه:١ - ٢] , ما أنزل الله عليك القرآن لتشقى به، أو لتشقى به أمتك من بعدك، أو لتشقى بحدوده وأوامره ومناهيه وتكاليفه, كلا. بل أنزل الله عليك القرآن لتقيم به أمة، لتحيي به أمة، لتقيم به دولة، لتسعد به البشر في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ [الإسراء:٩].

стр. 801

تلاوة القرآن الكريم أول حق: أن نقرأ القرآن، أقسم بالله العظيم أن من المسلمين الآن من لم يقرأ كتاب الله، وإن قرأ فإنما يقرأ في رمضان وربما في العشر الأوائل فقط، فإن انتهى رمضان أودع كتاب الله علبته مرة أخرى لتتراكم عليه الأتربة، وهجر القرآن بالكلية هجر تلاوة، مع أن الأصل أنه يجب على كل مسلم قارئ أن يكون له ورد يومي مع كتاب الله ﵎، قال ابن القيم: يقرأ القرآن وهو يتصور بقلبه وكيانه أن الله يحدثه. أما أجر تلاوته فلا يعلمه إلا الله، قال ﷺ كما في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي وغيره من حديث ابن مسعود قال: (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنه، والحسنة بعشر أمثالها، أما إني لا أقول ألم حرف، بل ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) , وفي الحديث الذي رواه الطبراني وصححه شيخنا الألباني أن النبي ﷺ قال: (أبشروا! فإن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فإن تمسكتم به لن تهلكوا أبداً). وفي صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه -أي: تقدم القرآن- سورة البقرة وسورة آل عمران كأنهما غمامتان أو غيابتان أو غيايتان أو كأنهما خرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما) أي: بين يدي الله جل وعلا. ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤]، ولا يسمع القرآن إلا صاحب القلب الحي، وهو الذي يصغي بأذن رأسه وقلبه فيسمع عن الله جل وعلا؛ لينتفع بآيات الله المتلوة وآيات الله المرئية في الكون من عرشه إلى فرشه.

стр. 802

العمل بالقرآن ثم حق العمل بالقرآن، آهٍ! ما أكثر من تغافل عن دائه، وأعرض عن دوائه؟! فظل في ضنكه وشقائه، والله ما ذلت الأمة لكلاب الأرض من الإرهابيين السفاحين المجرمين من اليهود، ولأنجس أهل الأرض من عباد البقر الهندوس، ولأكثر أهل الأرض من الملحدين الروس، ولغيرهم من أذل أمم الأرض؛ إلا يوم أن أعرضت عن القرآن. والله ما هانت الأمة إلا يوم أن نحّت القرآن، وهجرت التحاكم إلى القرآن، وضيعت العمل بالقرآن، أعلنها بملء فمي وأعلى صوتي، يوم أن استبدلت الأمة بالعبير بعراً، وبالثريا ثرى، وبالرحيق المختوم حريقاً محرقاً مدمراً، يوم أن تركت الأمة سفينة النجاة الوحيدة وركبت قوارب الشرق الملحد تارة، وقوارب الغرب الكافر تارة، وقوارب الوسط الأوروبي تارة؛ فغرقت في أوحال الذل، وغرقت في بحار من الظلمات من الفتن. ويوم أن نطق العربي في قلب الجزيرة بكلام الوحي، سادوا العالم، فقد تفاعلوا مع القرآن بصورة مذهلة للعقل، سمع أعرابي رجلاً يوماً يتلو قول الله جل وعلا: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٢ - ٢٣] , فقال الأعرابي -ليس صحابياً-: من ذا الذي أغضب الكريم حتى يقسم؟! إلى هذا الحد من التفاعل مع القرآن، كانت الآية تنزل فيقرأها النبي ﷺ فتتحول في التو واللحظة إلى واقع، كان الصحابة في المدينة يشربون الخمر، ويدير أنس بن مالك كأس الخمر على الصحابة، قبل أن تحرم الخمر، فدخل عليهم أحد الصحابة وكئوس الخمر تدور بينهم، وقرأ عليهم قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوه﴾ [المائدة:٩٠] , فلما قرأ الآية والله ما أكمل صحابي جرعة الخمر في يده! ما قالوا: نكمل هذه الكئوس وننتهي، لا. بل قام أنس بن مالك وسكب قلال وجرار الخمر، وسكب الصحابة الخمر في الشوارع حتى سالت في طرقات المدينة وقالوا على لسان وقلب رجل واحد: انتهينا ربنا، انتهينا ربنا.

стр. 803

ساد الصحابة العالم باتباعهم للقرآن الحمدلله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الإخوة الكرام! إن الصحابة رضوان الله عليهم حولوا القرآن الكريم إلى واقع عملي ومنهج حياة؛ فسادوا الأمم، وحولوا العالم كله إلى كثيب مهيل، وأحالوه ركاماً في ركام، في فترة لا تساوي في حساب الزمن شيئاً على الإطلاق، لما قرأ الأعرابي قول الله، وقرأ العربي في قلب الجزيرة قول الله، وتحرك للقرآن قلبه، وانتفضت للقرآن جوارحه، وحول هذا الكلام في حياته إلى منهج حياة؛ صار قائداً. والله ما عرفنا عمر، وما عرفنا خالد بن الوليد، وما عرفنا الصديق، وما عرفنا أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وما عرفنا الصحابة إلا بعد أن أحياهم ربنا ﵎ بفضل هذا القرآن، إلا بعد أن أخرجهم ربنا من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد والإيمان بهذا القرآن الذي كان يتلوه عليهم النبي ﵊. ظلت الأمة ترفل في ثوب العز والكرامة وهي تطبق آيات وأحكام هذا الكتاب، فلما نحت القرآن هزمت عسكرياً واقتصادياً ونفسياً وسياسياً وثقافياً، وراحت تحاكي الغرب الذي انتصر، وكسب الجولة الأخيرة، فماذا كانت النتيجة؟! ما ترونه الآن من ذل وهوان، فلقد صارت الأمة قصعة مستباحة لأذل أمم الأرض، وأعلنها أعداؤنا مراراً وتكراراً: لابد أن يظل القرآن بعيداً عن ساحة المعركة، كما أعلنها الحقود قلادستون وغيره؛ لأن القرآن لو نزل ساحة المعركة لتحولت المعركة إلى جهاد في سبيل الله، وهذا هو الذي حرك الدنيا كلها وحرك العالم كله، يوم أن تحولت المعركة على أرض فلسطين إلى معركة يظلل سماءها كلام رب العالمين وكلام سيد المرسلين، حينما ترددت لفظة الجهاد، لفظة الشهادة، لفظة العمليات الاستشهادية، لما ترددت هذه الألفاظ؛ تحرك العالم كله! والله لا كرامة الآن لأي زعيم ولا لأي حاكم إلا بفضل أطفال الحجارة، هؤلاء هم الذين ردوا للأمة الآن شيئاً من اعتبارها، وشيئاً من كرامتها، وشيئاً من عزتها، ولأول مرة في التاريخ الحديث نرى أن اليهود أنفسهم يعيشون حالة فزع ورعب مع ما يتحصنون به من ترسانة عسكرية أمريكية حديثة لم يسبق لها مثيل! يعيشون الآن حالة من الرعب والفزع! لما علم أولادنا وشبابنا في المعركة أن الأمة قد تخلت عنهم ولن تنصرهم، وأن العالم الغربي الكافر لا ينصر إيماناً ولا توحيداً، فعاهدوا الله جل وعلا على الجهاد في سبيله، ورددوا قوله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٠] , وعلموا يقيناً قول الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠] , ورددوا بيقين منقطع النظير قول الله تعالى عنهم: ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران:٧٣] , وعلموا قول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١]، وسعدوا كثيراً بقراءة قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران:١١٨].

стр. 804

الحث على الجهاد والشهادة في سبيل الله لما تعامل جيلنا الآن على أرض فلسطين مع القرآن، وفهم هذه الآيات، وعلم شبابنا عقيدة اليهود لا عن طريق ألسنة البشر، ولا عن طريق المثقفين والكتاب والمفكرين، بل عرف شبابنا عقيدة القوم من كلام رب العالمين، ومن كلام سيد النبيين وسيد الصادقين ﷺ ؛ انطلقوا بهذه العقيدة التي حولت مجريات الأمور. لما حول شبابنا شيئاً من منهج القرآن على أرض الواقع إلى منهج حياة؛ قلبت الأمور كلها وتغيرت تماماً، فبالأمس فقط شاب يضحي بنفسه لله جل وعلا، أسأل الله أن يتقبله عنده في الشهداء، والله ما حركه إلا كلام الله وكلام الصادق رسول الله. أقسم بالله إن فلسطينية رزقها الله بست بنات وابن في العاشرة من عمره، فيخرج هذا الولد ابن العاشرة يحمل حجارة، ويلبس زياً عسكرياً! فيقول له أحد الكبار من الشيوخ حينما رأى طفلاً في العاشرة: ما اسمك يا بني؟ قال: محمد. قال: وإلى أين أنت ذاهب؟! قال ابن العاشرة: إلى الجهاد في سبيل الله! فقال له الشيخ: أين أبوك؟ قال: استشهد قبل أربعين يوماً! فقال له الشيخ: هل استأذنت أمك؟ قال له ابن العاشرة: نعم، استأذنت أمي قبل أن أخرج! قال له: ماذا قالت؟! فقال ابن العاشرة: قالت لي: اذهب يا محمد إلى الجهاد، وأسأل الله أن يلحقك بأبيك! هل يحرك هذه القلوب بهذه الصورة كلام بشر؟! والله ما تعطشت القلوب للشهادة إلا لما حركها كلام الله وكلام الصادق رسول الله ﷺ ، ولما ذاقت حلاوة وعد الله، وخافت وعيده. يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك في العبادة تلعب من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب من كان يتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الكريهة تتعب ولقد أتانا من مقال نبينا قول صحيح صادق لا يكذب لا يلتقي غبار خيل الله في أنف امرئ ودخان نار تلهب ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩] , والله ما سطر الشاب الذي لم يبلغ العشرين من عمره على جدار في القدس الشريف هذه الكلمات إلا من منطلق كلام ربه وكلام نبيه حينما قال: إما عظماء فوق الأرض، وإما عظام تحت الأرض، إنه القرآن الذي يربي. قال النبي ﷺ يوماً: (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فقال عمير: بخ بخ جنة عرضها السماوات والأرض! فقال له النبي: ما حملك على قول بخ بخ يا عمير؟ قال: لا، غير أني أرجو الله أن أكون من أهلها، قال له الصادق: أنت من أهلها)، فأخرج عمير بن الحمام تمرات يأكلهن؛ ليتقوى على القتال، فقال لنفسه: كأنه ما بيني وبين الجنة إلا أن ألقي بهذه التمرات وأنطلق في الصفوف لأقاتل فأقتل فأدخل الجنة! والله لئن حييت حتى آكل هذه التمرات إنها لحياة طويلة! يا من تعيشون للعروش! يا من تعيشون للفروش! يا من تعيشون للكروش! ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦] , سيموت الصغار والكبار، سيموت الجبناء الحريصون على الحياة بأي ثمن، ويموت الصادقون المخلصون الذين يبذلون لدين الله كل ثمن، سيموت أصحاب الاهتمامات الكبيرة والأهداف العالية، ويموت كذلك التافهون الراقصون على الجراح، الذين يعيشون من أجل متاع دنيوي حقير زائل رخيص، الكل سيموت فلنمت بشرف، فلنمت بكرامة، ماذا لو اتخذت قمة كقمة الأمس قراراً برفع راية الجهاد بعد العودة إلى شريعة الله؟! أقسم بالله لتغير كل شيء، قرار على ألسنة قادة الأمة بالعودة إلى الله أولاً، ومحال أن ترفع راية للجهاد في سبيل الله قبل أن تعود الأمة إلى الله، وإلى تطبيق شرعه، وإلى التحاكم للقرآن، ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً﴾ [الأنعام:١١٤]، ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عمران:٨٣]، ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ﴾ [يوسف:٣٩]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥]، ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقِيهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥١ - ٥٢]. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ [النساء:٦٠ - ٦١] , فلابد من العودة أولاً إلى القرآن وامتثال آياته وأوامره وتكاليفه وحدوده أمراً أمراً وتكليفاً تكليفاً ونهياً نهياً وحداً حداً، بل وكلمة كلمة وحرفاً حرفاً، والعودة إلى القرآن ليست نافلة، العودة إلى القرآن ليس تطوعاً منا ولا اختياراً، بل إننا أمام شرط الإسلام وحد الإيمان، ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء:٦٥] إلخ الآية. على قادة الأمة أن يعلنوا الجهاد في سبيل الله، وأنا أعي ما أقول، وأعي كل لفظة -بفضل الله- أرددها، فلنرجع إلى الله، ولنمتثل الأمر، ونحول القرآن إلى واقع، ولنجدد الإيمان، ولنحقق الإيمان، ثم لترفع راية الجهاد، وسيرى حكامنا -بهذا الشرط الذي ذكرت- سيرون من شباب الأمة العجب العجاب -أستغفر الله- بل سيرون من شيوخ الأمة العجب العجاب! والله لقد كنت أذكر بمثل هذا الكلام في مسجد التوحيد في القاهرة يوماً، وقلت: إن من شبابنا الآن من يحترق قلبه شوقاً للشهادة، وإذا برجل يجلس عن يمين المنبر على كرسي جاوز التسعين من عمره، بلحية بيضاء، حينما سمعني أقول: فإن من شبابنا، إذ به يقف ويقول: ومن الشيوخ يا شيخ! ومن الشيوخ! فلم تحمله قدماه فسقط على الأرض! جاوز التسعين وهو يريد الشهادة في سبيل الله! والله لرأى حكامنا من شباب الأمة ومن شيوخ الأمة العجب العجاب. نريد أن نقتل في سبيل الله، والله نريد أن نقتل في سبيل الله، والله الذي لا إله غيره إن من شبابنا الآن من يستعد أن يضع صدره بغير سلاح على فوهة مدافع أعداء الله؛ ليعُلموا العالم كله أن محمداً ما مات وما خلف بنات، بل خلف رجالاً أطهاراً تحترق قلوبهم شوقاً للشهادة وللجنة. آه يا مسلمون! متنا قروناً والمحاق الأعمى يليه محاق أي شيء في عالم الغاب نحن آدميون أم نعاج نساق نحن لحم للوحش والطير منا الجثث الحمر والدم الدفاق وعلى المحصنات تبكي البواكي يا لعرض الإسلام كيف يراق قد هوينا لما هوت وأعدوا واعدوا من الردى ترياق واقتلعنا الإيمان فاسودت الدنيا علينا واسودت الأعماق وإذا الجذر مات في باطن الأرض تموت الأغصان والأوراق اللهم رد الأمة إلى القرآن رداً جميلاً، اللهم رد الأمة إلى القرآن رداً جميلاً، اللهم رد الأمة إلى القرآن رداً جميلاً، اللهم رد حكام الأمة إلى القرآن رداً جميلاً، اللهم رد حكام الأمة إلى القرآن رداً جميلاً، اللهم رد علماء الأمة ورجالها ونساءها وشبابها وأطفالها إلى القرآن رداً جميلاً، اللهم انصر الإسلام والمسلمين نصراً مؤزراً، اللهم اشف صدور قوماً مؤمنين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 805

نهاية العالم: متى؟ وكيف ؟ لقد أخبرنا الذي لا ينطق عن الهوى عما سوف تحياه الأمة في هذا الواقع المعاصر، وما سيشهده العالم من أحداث عالمية مؤلمة. وكذلك أخبرنا ﷺ بنصرة الله للإسلام والمسلمين، وبزوال هذه المحنة عن المسلمين بظهور المهدي وعيسى ﵉. وهذا الأمل يجب أن يدفع العقلاء للعمل، فإن أملاً بغير عمل هو أمل الجهلاء والسفهاء.

стр. 806

الأخبار النبوية الفاصلة عن أحداث نهاية العالم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالة في النار. أحبتي في الله: نهاية العالم: متى؟ وكيف؟! هذا هو عنوان لقائنا معكم في هذا اليوم المبارك، وحتى لا ينسحب بساط الوقت سريعاً من تحت أقدامنا فسوف ينتظم حديثي معكم في هذا الموضوع الكبير الجليل في العناصر التالية: أولاً: الأخبار النبوية الفاصلة في الأحداث العالمية المقبلة. ثانياً: الملاحم الكبرى. ثالثاً: وصدق الله ورسوله. وأخيراً: ورقة عمل. فأعيروني القلوب والأسماع جيداً، والله أسأل أن يقر أعيننا جميعاً بنصرة الإسلام وعز الموحدين, إنه ولي ذلك والقادر عليه. أولاً: الأخبار النبوية الفاصلة في الأحداث العالمية المقبلة: أحبتي في الله: لا يستطيع عاقلٌ على وجه الأرض فضلاً عن عالم أن يجزم بشكلٍ قاطع وفي وقتٍ محدد بنهاية العالم بقيام الساعة، لا يعلم وقت قيام الساعة ملكٌ مقرب، ولا نبي مرسل، فهذا من علم والغيب الذي استأثر به الله جل وعلا وحده، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٦٣] وقال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا * إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا * كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات:٤٢ - ٤٦]. وفي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب ﵁ أن أمين وحي السماء جبريل ﵇ سأل أمين أهل الأرض محمداً ﷺ : (متى الساعة؟ فقال المصطفى: ما المسئول عنها بأعلم من السائل). ومع ذلك فإن الله جل وعلا أطلع نبيه ﷺ على أمارات الساعة وعلاماتها، بل وعلى كل الأحداث التي ستقع في الكون بين يدي الساعة, فتدبر معي. قال الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) [الجن:٢٦ - ٢٧] وقال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥] وفي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وغيره من حديث عبد الله بن عمرو أنه قال: (كنت أكتب كل شيءٍ أسمعه من رسول الله أريد حفظه، فنهتني قريش عن ذلك، وقالوا: إن رسول الله بشر، يتكلم في الغضب والرضا، قال: فأمسكت عن الكتابة، ثم ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ : اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا الحق) قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:١ - ٥] ومن ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧] فما من شيءٍ إلا وأخبر به الصادق ﷺ . تدبروا ما رواه البخاري ومسلم من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ قال: (لقد خطبنا النبي ﷺ خطبةً ما ترك فيها شيئاً إلى قيام الساعة إلا ذكره، علمه من علمه وجهله من جهله). وفي صحيح مسلم من حديث أبي زيد عمرو بن أخطب ﵁ قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ الفجر، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر -ظل النبي واقفاً على المنبر يخطب في الصحابة من الفجر إلى الظهر- قال: فنزل فصلى الظهر ثم صعد المنبر فخطب حتى حضرت العصر، قال: فنزل فصلى -أي: العصر- ثم صعد المنبر فخطب حتى غربت الشمس، قال: فأخبرنا بما كان وبما هو كائن فأعلمنا أحفظنا) أي: لكلام النبي ﷺ . فما من شيءٍ وقع، وما من شيءٍ قائمٍ بيننا الآن, وما من حدثٍ سيقع في السنوات المقبلة بين يدي الساعة وإلا وقد أخبر به الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، فما تحياه الأمة الآن من واقع معاصر، وما سيشهده العالم من أحداثٍ دامية مؤلمة في السنوات المقبلة إلا وأخبر به الصادق الذي لا ينطق عن الهوى. نعم! لقد جسد النبي ﷺ واقعنا المعاصر تجسيداً دقيقاً، ففي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه ﷺ قال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر, وذراعاً بذراع, حتى لو دخلوا جحر ضبٍ لتبعتموهم، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن). وفي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وأبو داود من حديث ثوبان أنه ﷺ قال: (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أو من قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟! قال: كلا, أنتم يومئذٍ كثير ولكن غثاء كغثاء السيل، وليوشكن الله أن ينزع المهابة من قلوب عدوكم وليقذفن في قلوبكم الوهن، قيل: وما الوهن يا رسول الله؟! قال: حب الدنيا وكراهية الموت). ومع ذلك فقد أخبر الصادق الذي لا ينطق عن الهوى, عن زوال هذه المحنة وكشف هذه الغمة، وأخبرنا عن نصرة الله للإسلام والمسلمين، وعن إذلال الله للشرك والمشركين، ووالله ثم والله إننا الآن لعلى مقربةٍ شديدةٍ من وقوع هذه البشريات النبوية المحمدية الصادقة مع ما نراه من واقعٍ مُرٍ أليم؛ لأن الذي سيهيئ الكون كله في الأيام والسنوات المقبلة ليحدث على الأرض ما أخبر به الصادق هو ملك الملوك ﷻ ، ومدبر الكون ومسير الأمر الذي يقول للشيء: كن فيكون.

стр. 807

الملحمة الكبرى بين الإسلام والكفر وهذا هو عنصرنا الثاني والمهم من عناصر اللقاء: الملحمة الكبرى:

стр. 808

الهدنة بين المسلمين والروم أيها الإخوة الكرام: لقد أخبرنا الصادق الذي لا ينطق عن الهوى أنه بين يدي الملاحم الكبرى في السنوات القليلة القادمة ستكون هدنة بين الروم والمسلمين، والروم أو بنو الأصفر هم الأمريكيون والأوربيون. فستبدأ الملاحم القادمة بهدنةٍ أو بصلحٍ آمن بين الروم -أي بين الأمريكيين والأوروبيين- وبين المسلمين، وأنا أسأل الآن: أو لم تقع الهدنة والصلح الآن بمثل ما أخبر الصادق الذي لا ينطق عن الهوى؟ روى البخاري وغيره من حديث عوف بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اعدد ستاً بين يدي الساعة: موتي, -موت الحبيب ﷺ ثم فتح بيت المقدس) وقد كان فتح بيت المقدس بعد موت النبي ﷺ في عهد عمر بن الخطاب بقيادة أبي عبيدة. (ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم) طاعونٌ ينتشر فيكم كانتشار الداء في الأغنام، وقد وقع الطاعون في عمواس في بلاد الشام وفيه مات أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وكثيرٌ من أصحاب النبي ﷺ . (ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطاً) وقد وقع ذلك، فقد تعطي الرجل الآن مائة جنيه أو مائتين فيظل ساخطاً إما لعدم القناعة والرضا وإما لارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة بحيث لا يكفيه هذا المال لحوائجه وضرورياته. أما العلامة الخامسة قال: (ثم فتنة لا تترك بيتاً في العرب إلا دخلته) يراها كثيرٌ من أهل العلم متمثلةً في وسائل الإعلام بكل صورها وأشكالها، فلم تدع هذه الوسائل الآن بيتاً من بيوت العرب إلا ودخلته. ثم تدبر العلامة السادسة، قال الصادق: (ثم تكون هدنة بينكم وبين الروم، فيغدرون -والغدر شيمة للروم- فيجمعون لكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً) والغاية هي الراية، وسميت الراية بالغاية؛ لأنها غاية الجيش، فإذا سقطت الراية ضاعت الغاية وهزم الجيش، فسميت الراية لذلك بالغاية. وفي لفظٍ رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة بسندٍ صحيح قال الصادق ﷺ : (ستصالحون الروم صلحاً آمناً، فتغزون أنتم وهم -أي أنتم: أيها المسلمون، وهم أي: الروم، والروم كما اتفقنا هم أمريكا وأوروبا - عدواً من ورائهم) وتدبر كل كلمات الصادق (من ورائهم) ولم يقل: من ورائكم، (فتغزون أنتم وهم عدواً من ورائهم فتسلمون وتغنمون، ثم تنزلون بمرجٍ ذي تلول -أي: أنتم والروم بمكانً أخضر، يتسم بالخضرة والمياه- فيقوم رجلٌ من الروم فيرفع الصليب، ويقول: غلب الصليب، فيقوم إليه رجلٌ من المسلمين فيقتله، فعندئذٍ يغدر الروم وتكون الملاحم، فيجتمعون لكم في ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً). تدبر معي هذا الكلام النبوي: قد وقعت الهدنة الآن، وهانحن نشهد الآن مرحلة الهدنة والصلح الآمن، معاهدات بين الأمريكيين والأوربيين وكل الأمة بلا استثناء، معاهدات وصلحٌ آمن، لكن النبي ﷺ أخبر أن المسلمين سيشاركون أمريكا وأوروبا في قتال عدوٍ مشترك، يا ترى من هذا العدو المشترك؟ هل هو الإرهاب؟ على حد تعبير الأمريكيين والأوربيين وجميع وسائل الإعلام العربية بلا استثناء؟ هل هو المعسكر الشرقي: روسيا والصين واليابان؟ هل هم الشيعة؟! الجواب الله أعلم بمراد رسوله. إلا أن أهل الكتاب يؤمنون إيماناً جازماً بهذه المعركة المشتركة، ويسمونها في كتبهم وعقائدهم بمعركة هر مجدون أو هرمجيدو؛ وهرمجدون كلمةٌ عبرية تتكون من مقطعين، المقطع الأول (هر) بمعنى جبل، و (مجدون) أو (مجيدو) هو سهلٌ أو وادٍ، أين هو؟ في فلسطين، في سفرٍ من أسفار أهل الكتاب يسمى بسفر الرؤيا، في الإصحاح السادس عشر، يقول: اجتمعت جيوش العالم كلها في أرضٍ تسمى هرمجدون. يقول الرئيس الأمريكي الأسبق روملد ريجن: إن هذا الجيل بالتحديد هو الجيل الذي سيرى هرمجدون. يقول: أورل ريبرتسون صاحب كتاب: (دراما نهاية الزمن) يقول: كل شيءٍ سيمضي في بضع سنوات فستقع المعركة العالمية الكبرى، معركة هرمجدون أو معركة سهل مجيدو. وتقول الكاتبة الأمريكية الشهيرة جريس هالسل -وهذا على حد تعبيرها-: إننا نؤمن كمسيحيين بأن تاريخ الإنسانية سينتهي بمعركة تدعى معركة هرمجدون، وسيخاض غمارها في سهل مجيدو، قالت: وستتوج هذه المعركة بعودة المسيح إلى الأرض. ويقول القس الأمريكي الشهير جيمس جارتس: كنت أود أن أستطيع القول بأننا ننتظر السلام أو سنحقق السلام، قال: ولكنني أؤمن بأن معركة هرمجدون قادمة وسيخاض غمارها في سهل مجيدو في فلسطين. نعم! إنها قادمة فليعقدوا ما شاءوا من اتفاقيات السلام، إنهم لن يحققوا شيئاً، فهناك أيامٌ سوداء مقبلة، هذه عقيدة القوم في هذه المعركة التي أخبر عنها الصادق الذي لا ينطق عن الهوى بأنها ستكون معركة مشتركة بين الروم أي: الأوروبيين والأمريكيين والمسلمين من جانب وبين عدوٍ آخر من جانب آخر، فيغنم المسلمون بعد سلامتهم في هذه المعركة. فماذا بعد هرمجدون؟ تدبر جيداً واحفظ هذا الجواب وعلمه امرأتك، وبناتك، وأولادك، فهو كلام الصادق الذي لا ينطق عن الهوى, وهو علم الوقت أي علم أو فقه المرحلة القادمة. ماذا بعد هرمجدون؟ أو إن شئت فقل: ماذا بعد المعركة المشتركة بين الروم والمسلمين من ناحية وبين هذا العدو الذي أشار إليه النبي ﷺ من ناحية أخرى؟ انتبه معي! فلقد أخبر النبي ﷺ أن الروم سيغدرون بنا، وفي فترةٍ يجمعون الجيوش ويعدون العدة لاستئصال شأفة المسلمين من على الأرض حينما يرفع الصليبي الصليب ويقول: غلب الصليب، ويقوم إليه رجلٌ من المسلمين فيقتله. في هذه الفترة الزمنية ورد في حديثٍ في مسند أحمد بسندٍ ضعيف أن المدة التي سيجمع فيها الروم للمسلمين هي مدة حمل المرأة، أي في تسعة أشهر، يجمعون الجيوش ويجيشون الجيوش لاستئصال شأفة المسلمين من على الأرض في هذه المنطقة، وهي منطقة فلسطين وسوريا كما سأبين الآن بكلام الذي لا ينطق عن الهوى.

стр. 809

ظهور المهدي ﵇ في هذه المرحلة الزمنية الخطيرة يحدث في الكون أمرٌ قدريٌ كونيٌ لا دخل فيه للبشر على وجه الأرض، إنه أمرٌ قدره الله وقضاه في أم الكتاب قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، أمرٌ ليس بكسبٍ مادي، ولا بطلبٍ بشري، إنما هو أمرٌ قدره الرب العلي يقع في الكون، كنزول عيسى بن مريم، وكخروج يأجوج ومأجوج، وكخروج المسيح الدجال. ما هو هذا الحدث الكوني الخطير؟! إنه ظهور محمدٍ بن عبد الله المهدي -اللهم عجل به يا كريم يا علي! -. من المهدي هذا؟ إنه رجلٌ من نسل المصطفى من أولاد فاطمة بنت سيدنا رسول الله ﷺ ، وهو يخرج بدون كسبٍ منه، وطلبٍ، وبدون رغبةٍ أو طلبٍ من المسلمين، أو عملٍ معين، وإنما هو أمرٌ قدري كوني يقع في الكون كنزول عيسى وخروج الدجال، وخروج يأجوج ومأجوج. قال الصادق الذي لا ينطق عن الهوى كما في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وصححه العلامة أحمد شاكر، والعلامة الألباني من حديث علي أن الحبيب النبي ﷺ قال: (المهدي منا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة) أي: يهيئهُ الله للخلافة رغم أنف العلمانيين والمنافقين، ويصلحه الله في ليلة، إننا سنبيت ليلة عادية من الليالي ونستيقظ في الصباح فنسمع نشرات الأخبار ونسمع في كل وكالات الأنباء وفي جميع وسائل الإعلام أن المهدي ﵇ قد ظهر في بيت الله الحرام، (يصلحه الله في ليلة) أي: يهيئه الله للخلافة الراشدة؛ ليقود الأمة في هذه المرحلة القادمة، مرحلة الفتن والملاحم بين يدي الساعة. روى الإمام أحمد في مسنده بسندٍ صحيح من حديث حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها, ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً، فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرياً -وهو ما تحياه الأمة الآن- فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة) (المهدي منا آل البيت يصلحه الله في ليلة). وفي الحديث الذي رواه الطبراني والبزار والترمذي وابن حبان وابن ماجة والحاكم بسندٍ صحيح صححه الألباني في السلسلة وغيره من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن الحبيب النبي ﷺ قال: (لتملأن الأرض جوراً وظلماً، فإذا ملئت الأرض جوراً وظلماً يبعث الله رجلاً مني، اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي, فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت الأرض ظلماً وجوراً، فلا تمسك السماء شيئاً من قطرها، ولا تمسك الأرض شيئاً من نباتها, فيمكث فيكم سبعاً أو ثمانية فإن أكثر فتسعاً). أيها المسلمون: لقد بلغت أحاديث المهدي مبلغ التواتر, والحديث المتواتر عند جماهير علماء الأمة يفيد العلم القطعي، ومعنى ذلك أن العلم به واجب، وأن العمل فرضٌ لازم. وتدبروا معي كلام الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، فقد يسأل سائل: وكيف نعرف أن الذي خرج في مكة هو المهدي الحقيقي، فقد خرج كثيرٌ من الكذابين والدجاجلة وادعى كل واحدٌ منهم أنه المهدي، فكيف نعرف أنه المهدي الحقيقي؟ لقد أخبرنا النبي ﷺ بعلامةٍ نبوية محمدية صادقة إن وقعت تلك العلامة فلتعلم الأمة كلها أن الذي ظهر ببيت الله الحرام هو محمد بن عبد الله المهدي ﵇، ما هي هذه العلامة؟ اسمع كلام الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، روى البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: (عبث رسول الله يوماً في منامه -يعني: تحرك النبي حركةً على غير عادته في النوم- فقالت عائشة: يا رسول الله! رأيتك قد فعلت شيئاً لم تكن تفعله، فقال النبي ﵊: العجب أن ناساً من أمتي يؤمُّون البيت الحرام -أي: يقصدون البيت الحرام- لرجلٍ من قريش لجأ بالبيت الحرام، فإذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم) أي: إذا خرج هؤلاء القوم لهذا الرجل الذي اعتصم ببيت الله الحرام يخسف الله الأرض بهذا الجيش، هذه هي العلامة، وهذا أمرٌ كونيٌ قدريٌ آخر لا دخل لأحدٍ من البشر فيه، قالت عائشة: (قلت: يا رسول الله! فإن الطريق يجمع الناس -يعني ما ذنب كثيرٍ من الناس ممن يمشون في الطريق ممن لم يخرجوا لقتال المهدي في هذا الجيش- فقال النبي: نعم. فيهم المستبصر والمجبور وابن السبيل، يهلكون جميعاً مهلكاً واحداً ويصدرون مصادر شتى، يبعثهم الله على نياتهم) يبعث الله كل واحدٍ منهم على نيته الذي خرج بها ومات عليها. وفي صحيح مسلم من حديث حفصة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (يعوذ بالبيت -أي يحتمي ويعتصم ببيت الله الحرام- قومٌ -تدبر معي هذا الوصف النبوي الجميل- قومٌ ليست لهم منعة ولا عدد ولا عدة -فقراء ضعفاء- فيخرج إليهم جيش -أي: لقتالهم والقضاء عليهم- فإذا كانوا ببيداء من الأرض -أي: بصحراء من الأرض- خُسِف بهم) وفي لفظٍ في مسلم: (فلا يبقى إلا الشريد) أي: الذي ينجو من الجيش رجلٌ أو رجلان، ليخبرا عما أوقعه الله ﵎ بهذا الجيش الذي خرج للقضاء على المهدي ﵇. فإن خسف الله بهذا الجيش علم المسلمون في الأرض أن الذي ظهر ببيت الله الحرام هو المهدي ﵇، فتقبل إليه الوفود المسلمة من أنحاء الأرض، ويقبل إليه المسلمون من كل أرجائها ليشدوا على يديه وليعلنوا له البيعة وليعاهدوا الله معه على الجهاد في سبيل الله وعلى إعلاء كلمة الله للبلوغ إلى إحدى الحسنيين: إما النصر وإما الشهادة؛ نسأل الله أن لا يحرمنا من هذا الشرف إنه ولي ذلك والقادر عليه. فماذا بعد البيعة؟ يعلن العالم كله الحرب على المهدي وكتائب التوحيد معه، فلا يعرف الموحدون مع المهدي طعماً للراحة ولا وقتاً للرخاء والدعة، بل يخوضون معارك وملاحم خطيرة في فترة لا تساوي في حساب الزمن شيئاً، فلا يُهزم المهدي في أي معركة بإذن الله.

стр. 810

المعارك التي يخوضها المهدي قبل نزول عيسى ابن مريم ما هي هذه الملاحم؟ وما هي هذه المعارك؟! قال الصادق كما في صحيح مسلم من حديث نافع بن عتبة: (تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله -وأرجو أن تتدبروا في كلمات النبي ﷺ ثم تغزون فارس - إيران - فيفتحها الله، ثم تغزون الروم -الأمريكيين والأوروبيين- فيفتحها الله، ثم تغزون الدجال فيفتحه الله). المعركة الأولى التي يخوضها المهدي وكتائب التوحيد معه معركة في قلب الجزيرة العربية، خرج الجيش الأول للقضاء عليه من المسلمين فخسف الله به الأرض، الجيش الثاني الذي يخرج لقتال المهدي مع علمه بأن الرب العلي قد خسف بالجيش الأول جيشٌ مسلمٌ كذلك من جزيرة العرب، قال النبي ﷺ : (فيفتحها الله) أي: يَهزِمُ المهدي وكتائب التوحيد معه هذا الجيش وتفتح الجزيرة العربية أبوابها كلها للمهدي وللموحدين معه بإذن الله ﵎. فيخرج إلى المهدي جيشٌ آخر من إيران من فارس، حينما يعلم الإيرانيون أن الذي خرج ليس المهدي الذي ينتظرونه في سرداب سامراء، فيخرجون إليه جيشاً جراراً، فيهزم المهدي هذا الجيش بإذن الرب العلي جل وعلا، ثم تغزون فارس فيفتحها الله. ثم تغزون الروم، وقف معي وتدبر هذه المعركة الفاصلة الحاسمة، فهي أخطر المعارك على وجه الأرض، وقد بيَّن الصادق ﷺ أرض المعركة، وذكر تفاصيل المعركة، بل وحدد نتيجة المعركة، فماذا قال الصادق ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى؟ قال: (ثم تغزون الروم فيفتحها الله) وخذ التفاصيل: روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بـ الأعماق أو بـ دابق) أين الأعماق؟ وأين دابق؟ هما موضعان بالقرب من حلب في دولة سوريا، سينزل الأمريكيون والأوروبيون في السنوات القليلة المقبلة هذه الأرض وهذه المنطقة كما أخبر الصادق الذي لا ينطق عن الهوى. وقد عدت إلى بعض المعاجم القديمة لأقف على تأويل أهل المعاجم القديمة للأعماق ودابق فوجدت أنهم يقولون: الأعماق ودابق موطنٌ بين حلب في سوريا وأنطاكية في تركيا، قلت: سبحان الله العظيم! انظروا إلى القواعد العسكرية الأمريكية في تركيا وفي جل أنحاء العالم الإسلامي، بل والعالم الأوروبي لا سيما بعد أحداث أفغانستان، فقد وضعت أمريكا قواعدها العسكرية كذلك في قلب أوروبا. قال: (لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بـ الأعماق أو بـ دابق) أي: منطقة في حلب في سوريا، ولعلكم تعلمون يقيناً أن أمريكا قد وضعت سوريا ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب، بل وكان وزير الخارجية السوري هو الوحيد في اجتماع وزراء الخارجية الذي صرح بمقاطعةٍ كاملة مع الكيان الصهيوني، لكنهم رفضوا؛ فـ سوريا الآن موضوعة على قائمة الإرهاب الأمريكية. ثم قال ﷺ : (فيخرج إليهم جيشٌ من المدينة هم من خيار أهل الأرض يومئذٍ، فإذا تصافُّوا -أي: للقتال- قالت الروم للمسلمين: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم) من هؤلاء؟ هؤلاء من الروم أصلاً لكنهم يوحدون الله جل وعلا ويشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فيسلمون ويتركون جيش الروم من الأمريكيين والأوربيين ويقاتلون الروم مع المسلمين. فهل تتابعون ما يشغل الآن الرأي العام الأمريكي كله منذ أسبوعٍ أو لا؟ هل تعلمون أن الرأي العام الأمريكي كله منشغلٌ الآن بقضية شابٍ يقال له: جون ولكر؟ هل تعرفون شيئاً عن جون ولكر؟ جون ولكر شابٌ أمريكي أسر منذ أسبوع في أفغانستان؛ لأنه أسلم وكان يقاتل في صفوف طالبان ضد الأمريكان، والرأي العام الأمريكي كله كان يتحدث في هذه القضية، وبالأمس في الـ ( mbc) نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني يقول: أنا لا أتصور أن شاباً أمريكياً تربى وترعرع في هذه الأرض ثم يكون مصيره أن يسلم وأن يحارب الأمريكان مع طالبان. فتدبر كلام النبي ﷺ ، فهذه بشريات على الطريق، قال: (فإذا تصافُّوا -أي وقف الجيش الرومي: الأمريكيون الأوربيون والمسلمون للقتال- قالت الروم للمسلمين: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم) أي: اتركوا هؤلاء الذين أسلموا وتركوا ديارنا وعقيدتنا وديننا، نقاتلهم: أي: نبدأ بقتالهم، (فيقول المسلمون: لا. والله! لا نخلي بينكم وبين إخواننا) هذا كلام الصادق الذي لا ينطق عن الهوى. قال النبي ﷺ : (فيقاتلونهم فينهزم ثلث الجيش لا يتوب الله عليهم أبداً) ينهزم ثلث الجيش المسلم لا يتوب الله عليهم أبداً، لماذا؟ لأنهم خونة، فروا من أرض المعركة، وخانوا الله ورسوله والمؤمنين. أما الثلث الثاني قال: (ويقتل ثلثهم، أفضل الشهداء عند الله). أما الثلث المتبقي في الجيش المسلم فقال ﷺ عنه: (ويبقى ثلثٌ فيفتح الله له) أي: فينصر الله هذا الثلث على الروم الأمريكيين والأوربيين (فيبقى ثلثٌ فيفتح الله له) قال الصادق: (لا يفتنون أبداً). بل في رواية مسلم من حديث عبد الله بن مسعود في غير رواية أبي هريرة قال: (هاجت ريحٌ حمراء بـ الكوفة، فجاء رجلٌ ليس له هيجرى إلا: يا عبد الله بن مسعود! يا عبد الله بن مسعود! جاءت الساعة، فقعد ابن مسعود وكان متكئاً فقال: لا، -انظروا إلى العلم والعلماء- لا تقوم الساعة حتى لا يقسم ميراث ولا يفرح بغنيمة، ثم أشار بيده نحو الشام، ثم قال: عدوٌ يجمعون لأهل الإسلام ويجمع لهم أهل الإسلام -تدبر- قال: وعند ذاكم القتال تكون ردةٌ شديدة) هذا هو الثلث الأول الذي ارتد وانهزم وخان، ثم قال: (فيشترط المسلمون شرطةً للموت لا ترجع إلا غالبة) أي: يقدم المسلمون مجموعةً من الكتائب وتشترط هذه الكتائب ألا ترجع إلا وهي غالبة، قال: (فيقتتلون -أي: يقتتل المسلمون مع الروم- حتى يحجز بينهم الليل، فتفيء كل فئةٍ غير غالبة، وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون -أي: في اليوم التالي- شرطةٌ للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فترجع فتفيء كل فئةٍ غير غالبة وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون في اليوم الثالث شرطةٌ للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فتفيء كل منهم غير غالبة، وتفنى الشرطة، قال ﷺ : فإذا كان اليوم الرابع نهد إليهم بقية أهل الإسلام -أي: نهض إليهم بقية أهل الإسلام- قال: فيجعل الله الدائرة عليهم -أي: على الروم- فيقتتلون مقتلةً عظيمة لم يُر مثلها، حتى إن الطائر لا يمر بجنباتهم فما يخلفهم إلا وقد خر ميتاً، قال: فيتعاد أبناء الأب الواحد قد بلغوا المائة, فلا يجدون قد بقي منهم إلا الرجل الواحد، فبأي غنيمة يفرح؟ وأي ميراثٍ يقسم؟ قال: فبينما هم كذلك إذ قد وقع بهم بأسٌ هو أكبر من ذلك، فإذ بهم يأتيهم الصريخ -أي من يصرخ فيهم- ليخبرهم أن الدجال قد خلفهم في ذراريهم -أي في أولادهم- قال: فيرفضون ما بين أيديهم -أي: من الأموال والغنائم- ويبعثون عشرة فوارس طليعة -أي ليعلموا الأمر وليطلعوا عليه- قال المصطفى ﷺ : والله! إني لأعلم أسماءهم وأسماء آبائهم وألوان خيولهم، هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذٍ). وهكذا ينصر الله عبده المهدي والموحدين معه على كتائب الروم، على الأمريكيين والأوربيين رغم أنف العلمانيين والماديين الذين لا ينظرون ولا يؤمنون إلا بكل ما هو ماديٍ محسوس، هذه الفئة المباركة، هؤلاء الأولياء الأصفياء الأتقياء هم الذين يفتح الله لهم مدينة القسطنطينية بغير قتال، بل وبغير سلاح كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال لأصحابه: (سمعتم بمدينة جانبٌ منها في البر وجانبٌ منها في البحر؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفاً من بني إسحاق فإذا جاءوها لم يقاتلوا بسلاحٍ ولم يرموا بسهم، وإنما قالوا: لا إله إلا الله، والله أكبر، فيسقط جانبها الذي في البحر، فإذا جاءوها الثانية قالوا: لا إله إلا الله، والله أكبر, فيسقط جانبها الذي في البر، فإذا جاءوها الثالثة قالوا: لا إله إلا الله، والله أكبر، فيفرج لهم فيدخلوها). قال الحافظ ابن كثير: وبني إسحاق في الحديث هم سلالة العيص بن إسحاق بن إبراهيم، وهم من الروم سيسلمون في آخر الزمان وسيجعل الله فتح القسطنطينية على يد طائفةٍ منهم ممن وحدوا الله وآمنوا بالصادق رسول الله ﷺ .
следующие страницы →