← Джавами‘

Джавами‘ · id 7703

دروس للشيخ محمد حسان

محمد حسان

Полный текст (1 901 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

الأخبار النبوية الفاصلة عن أحداث نهاية العالم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالة في النار. أحبتي في الله: نهاية العالم: متى؟ وكيف؟! هذا هو عنوان لقائنا معكم في هذا اليوم المبارك، وحتى لا ينسحب بساط الوقت سريعاً من تحت أقدامنا فسوف ينتظم حديثي معكم في هذا الموضوع الكبير الجليل في العناصر التالية: أولاً: الأخبار النبوية الفاصلة في الأحداث العالمية المقبلة. ثانياً: الملاحم الكبرى. ثالثاً: وصدق الله ورسوله. وأخيراً: ورقة عمل. فأعيروني القلوب والأسماع جيداً، والله أسأل أن يقر أعيننا جميعاً بنصرة الإسلام وعز الموحدين, إنه ولي ذلك والقادر عليه. أولاً: الأخبار النبوية الفاصلة في الأحداث العالمية المقبلة: أحبتي في الله: لا يستطيع عاقلٌ على وجه الأرض فضلاً عن عالم أن يجزم بشكلٍ قاطع وفي وقتٍ محدد بنهاية العالم بقيام الساعة، لا يعلم وقت قيام الساعة ملكٌ مقرب، ولا نبي مرسل، فهذا من علم والغيب الذي استأثر به الله جل وعلا وحده، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٦٣] وقال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا * إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا * كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات:٤٢ - ٤٦]. وفي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب ﵁ أن أمين وحي السماء جبريل ﵇ سأل أمين أهل الأرض محمداً ﷺ : (متى الساعة؟ فقال المصطفى: ما المسئول عنها بأعلم من السائل). ومع ذلك فإن الله جل وعلا أطلع نبيه ﷺ على أمارات الساعة وعلاماتها، بل وعلى كل الأحداث التي ستقع في الكون بين يدي الساعة, فتدبر معي. قال الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) [الجن:٢٦ - ٢٧] وقال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥] وفي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وغيره من حديث عبد الله بن عمرو أنه قال: (كنت أكتب كل شيءٍ أسمعه من رسول الله أريد حفظه، فنهتني قريش عن ذلك، وقالوا: إن رسول الله بشر، يتكلم في الغضب والرضا، قال: فأمسكت عن الكتابة، ثم ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ : اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا الحق) قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:١ - ٥] ومن ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧] فما من شيءٍ إلا وأخبر به الصادق ﷺ . تدبروا ما رواه البخاري ومسلم من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ قال: (لقد خطبنا النبي ﷺ خطبةً ما ترك فيها شيئاً إلى قيام الساعة إلا ذكره، علمه من علمه وجهله من جهله). وفي صحيح مسلم من حديث أبي زيد عمرو بن أخطب ﵁ قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ الفجر، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر -ظل النبي واقفاً على المنبر يخطب في الصحابة من الفجر إلى الظهر- قال: فنزل فصلى الظهر ثم صعد المنبر فخطب حتى حضرت العصر، قال: فنزل فصلى -أي: العصر- ثم صعد المنبر فخطب حتى غربت الشمس، قال: فأخبرنا بما كان وبما هو كائن فأعلمنا أحفظنا) أي: لكلام النبي ﷺ . فما من شيءٍ وقع، وما من شيءٍ قائمٍ بيننا الآن, وما من حدثٍ سيقع في السنوات المقبلة بين يدي الساعة وإلا وقد أخبر به الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، فما تحياه الأمة الآن من واقع معاصر، وما سيشهده العالم من أحداثٍ دامية مؤلمة في السنوات المقبلة إلا وأخبر به الصادق الذي لا ينطق عن الهوى. نعم! لقد جسد النبي ﷺ واقعنا المعاصر تجسيداً دقيقاً، ففي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه ﷺ قال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر, وذراعاً بذراع, حتى لو دخلوا جحر ضبٍ لتبعتموهم، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن). وفي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وأبو داود من حديث ثوبان أنه ﷺ قال: (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أو من قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟! قال: كلا, أنتم يومئذٍ كثير ولكن غثاء كغثاء السيل، وليوشكن الله أن ينزع المهابة من قلوب عدوكم وليقذفن في قلوبكم الوهن، قيل: وما الوهن يا رسول الله؟! قال: حب الدنيا وكراهية الموت). ومع ذلك فقد أخبر الصادق الذي لا ينطق عن الهوى, عن زوال هذه المحنة وكشف هذه الغمة، وأخبرنا عن نصرة الله للإسلام والمسلمين، وعن إذلال الله للشرك والمشركين، ووالله ثم والله إننا الآن لعلى مقربةٍ شديدةٍ من وقوع هذه البشريات النبوية المحمدية الصادقة مع ما نراه من واقعٍ مُرٍ أليم؛ لأن الذي سيهيئ الكون كله في الأيام والسنوات المقبلة ليحدث على الأرض ما أخبر به الصادق هو ملك الملوك ﷻ ، ومدبر الكون ومسير الأمر الذي يقول للشيء: كن فيكون.

стр. 807

الملحمة الكبرى بين الإسلام والكفر وهذا هو عنصرنا الثاني والمهم من عناصر اللقاء: الملحمة الكبرى:

стр. 808

الهدنة بين المسلمين والروم أيها الإخوة الكرام: لقد أخبرنا الصادق الذي لا ينطق عن الهوى أنه بين يدي الملاحم الكبرى في السنوات القليلة القادمة ستكون هدنة بين الروم والمسلمين، والروم أو بنو الأصفر هم الأمريكيون والأوربيون. فستبدأ الملاحم القادمة بهدنةٍ أو بصلحٍ آمن بين الروم -أي بين الأمريكيين والأوروبيين- وبين المسلمين، وأنا أسأل الآن: أو لم تقع الهدنة والصلح الآن بمثل ما أخبر الصادق الذي لا ينطق عن الهوى؟ روى البخاري وغيره من حديث عوف بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اعدد ستاً بين يدي الساعة: موتي, -موت الحبيب ﷺ ثم فتح بيت المقدس) وقد كان فتح بيت المقدس بعد موت النبي ﷺ في عهد عمر بن الخطاب بقيادة أبي عبيدة. (ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم) طاعونٌ ينتشر فيكم كانتشار الداء في الأغنام، وقد وقع الطاعون في عمواس في بلاد الشام وفيه مات أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وكثيرٌ من أصحاب النبي ﷺ . (ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطاً) وقد وقع ذلك، فقد تعطي الرجل الآن مائة جنيه أو مائتين فيظل ساخطاً إما لعدم القناعة والرضا وإما لارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة بحيث لا يكفيه هذا المال لحوائجه وضرورياته. أما العلامة الخامسة قال: (ثم فتنة لا تترك بيتاً في العرب إلا دخلته) يراها كثيرٌ من أهل العلم متمثلةً في وسائل الإعلام بكل صورها وأشكالها، فلم تدع هذه الوسائل الآن بيتاً من بيوت العرب إلا ودخلته. ثم تدبر العلامة السادسة، قال الصادق: (ثم تكون هدنة بينكم وبين الروم، فيغدرون -والغدر شيمة للروم- فيجمعون لكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً) والغاية هي الراية، وسميت الراية بالغاية؛ لأنها غاية الجيش، فإذا سقطت الراية ضاعت الغاية وهزم الجيش، فسميت الراية لذلك بالغاية. وفي لفظٍ رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة بسندٍ صحيح قال الصادق ﷺ : (ستصالحون الروم صلحاً آمناً، فتغزون أنتم وهم -أي أنتم: أيها المسلمون، وهم أي: الروم، والروم كما اتفقنا هم أمريكا وأوروبا - عدواً من ورائهم) وتدبر كل كلمات الصادق (من ورائهم) ولم يقل: من ورائكم، (فتغزون أنتم وهم عدواً من ورائهم فتسلمون وتغنمون، ثم تنزلون بمرجٍ ذي تلول -أي: أنتم والروم بمكانً أخضر، يتسم بالخضرة والمياه- فيقوم رجلٌ من الروم فيرفع الصليب، ويقول: غلب الصليب، فيقوم إليه رجلٌ من المسلمين فيقتله، فعندئذٍ يغدر الروم وتكون الملاحم، فيجتمعون لكم في ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً). تدبر معي هذا الكلام النبوي: قد وقعت الهدنة الآن، وهانحن نشهد الآن مرحلة الهدنة والصلح الآمن، معاهدات بين الأمريكيين والأوربيين وكل الأمة بلا استثناء، معاهدات وصلحٌ آمن، لكن النبي ﷺ أخبر أن المسلمين سيشاركون أمريكا وأوروبا في قتال عدوٍ مشترك، يا ترى من هذا العدو المشترك؟ هل هو الإرهاب؟ على حد تعبير الأمريكيين والأوربيين وجميع وسائل الإعلام العربية بلا استثناء؟ هل هو المعسكر الشرقي: روسيا والصين واليابان؟ هل هم الشيعة؟! الجواب الله أعلم بمراد رسوله. إلا أن أهل الكتاب يؤمنون إيماناً جازماً بهذه المعركة المشتركة، ويسمونها في كتبهم وعقائدهم بمعركة هر مجدون أو هرمجيدو؛ وهرمجدون كلمةٌ عبرية تتكون من مقطعين، المقطع الأول (هر) بمعنى جبل، و (مجدون) أو (مجيدو) هو سهلٌ أو وادٍ، أين هو؟ في فلسطين، في سفرٍ من أسفار أهل الكتاب يسمى بسفر الرؤيا، في الإصحاح السادس عشر، يقول: اجتمعت جيوش العالم كلها في أرضٍ تسمى هرمجدون. يقول الرئيس الأمريكي الأسبق روملد ريجن: إن هذا الجيل بالتحديد هو الجيل الذي سيرى هرمجدون. يقول: أورل ريبرتسون صاحب كتاب: (دراما نهاية الزمن) يقول: كل شيءٍ سيمضي في بضع سنوات فستقع المعركة العالمية الكبرى، معركة هرمجدون أو معركة سهل مجيدو. وتقول الكاتبة الأمريكية الشهيرة جريس هالسل -وهذا على حد تعبيرها-: إننا نؤمن كمسيحيين بأن تاريخ الإنسانية سينتهي بمعركة تدعى معركة هرمجدون، وسيخاض غمارها في سهل مجيدو، قالت: وستتوج هذه المعركة بعودة المسيح إلى الأرض. ويقول القس الأمريكي الشهير جيمس جارتس: كنت أود أن أستطيع القول بأننا ننتظر السلام أو سنحقق السلام، قال: ولكنني أؤمن بأن معركة هرمجدون قادمة وسيخاض غمارها في سهل مجيدو في فلسطين. نعم! إنها قادمة فليعقدوا ما شاءوا من اتفاقيات السلام، إنهم لن يحققوا شيئاً، فهناك أيامٌ سوداء مقبلة، هذه عقيدة القوم في هذه المعركة التي أخبر عنها الصادق الذي لا ينطق عن الهوى بأنها ستكون معركة مشتركة بين الروم أي: الأوروبيين والأمريكيين والمسلمين من جانب وبين عدوٍ آخر من جانب آخر، فيغنم المسلمون بعد سلامتهم في هذه المعركة. فماذا بعد هرمجدون؟ تدبر جيداً واحفظ هذا الجواب وعلمه امرأتك، وبناتك، وأولادك، فهو كلام الصادق الذي لا ينطق عن الهوى, وهو علم الوقت أي علم أو فقه المرحلة القادمة. ماذا بعد هرمجدون؟ أو إن شئت فقل: ماذا بعد المعركة المشتركة بين الروم والمسلمين من ناحية وبين هذا العدو الذي أشار إليه النبي ﷺ من ناحية أخرى؟ انتبه معي! فلقد أخبر النبي ﷺ أن الروم سيغدرون بنا، وفي فترةٍ يجمعون الجيوش ويعدون العدة لاستئصال شأفة المسلمين من على الأرض حينما يرفع الصليبي الصليب ويقول: غلب الصليب، ويقوم إليه رجلٌ من المسلمين فيقتله. في هذه الفترة الزمنية ورد في حديثٍ في مسند أحمد بسندٍ ضعيف أن المدة التي سيجمع فيها الروم للمسلمين هي مدة حمل المرأة، أي في تسعة أشهر، يجمعون الجيوش ويجيشون الجيوش لاستئصال شأفة المسلمين من على الأرض في هذه المنطقة، وهي منطقة فلسطين وسوريا كما سأبين الآن بكلام الذي لا ينطق عن الهوى.

стр. 809

ظهور المهدي ﵇ في هذه المرحلة الزمنية الخطيرة يحدث في الكون أمرٌ قدريٌ كونيٌ لا دخل فيه للبشر على وجه الأرض، إنه أمرٌ قدره الله وقضاه في أم الكتاب قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، أمرٌ ليس بكسبٍ مادي، ولا بطلبٍ بشري، إنما هو أمرٌ قدره الرب العلي يقع في الكون، كنزول عيسى بن مريم، وكخروج يأجوج ومأجوج، وكخروج المسيح الدجال. ما هو هذا الحدث الكوني الخطير؟! إنه ظهور محمدٍ بن عبد الله المهدي -اللهم عجل به يا كريم يا علي! -. من المهدي هذا؟ إنه رجلٌ من نسل المصطفى من أولاد فاطمة بنت سيدنا رسول الله ﷺ ، وهو يخرج بدون كسبٍ منه، وطلبٍ، وبدون رغبةٍ أو طلبٍ من المسلمين، أو عملٍ معين، وإنما هو أمرٌ قدري كوني يقع في الكون كنزول عيسى وخروج الدجال، وخروج يأجوج ومأجوج. قال الصادق الذي لا ينطق عن الهوى كما في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وصححه العلامة أحمد شاكر، والعلامة الألباني من حديث علي أن الحبيب النبي ﷺ قال: (المهدي منا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة) أي: يهيئهُ الله للخلافة رغم أنف العلمانيين والمنافقين، ويصلحه الله في ليلة، إننا سنبيت ليلة عادية من الليالي ونستيقظ في الصباح فنسمع نشرات الأخبار ونسمع في كل وكالات الأنباء وفي جميع وسائل الإعلام أن المهدي ﵇ قد ظهر في بيت الله الحرام، (يصلحه الله في ليلة) أي: يهيئه الله للخلافة الراشدة؛ ليقود الأمة في هذه المرحلة القادمة، مرحلة الفتن والملاحم بين يدي الساعة. روى الإمام أحمد في مسنده بسندٍ صحيح من حديث حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها, ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً، فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرياً -وهو ما تحياه الأمة الآن- فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة) (المهدي منا آل البيت يصلحه الله في ليلة). وفي الحديث الذي رواه الطبراني والبزار والترمذي وابن حبان وابن ماجة والحاكم بسندٍ صحيح صححه الألباني في السلسلة وغيره من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن الحبيب النبي ﷺ قال: (لتملأن الأرض جوراً وظلماً، فإذا ملئت الأرض جوراً وظلماً يبعث الله رجلاً مني، اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي, فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت الأرض ظلماً وجوراً، فلا تمسك السماء شيئاً من قطرها، ولا تمسك الأرض شيئاً من نباتها, فيمكث فيكم سبعاً أو ثمانية فإن أكثر فتسعاً). أيها المسلمون: لقد بلغت أحاديث المهدي مبلغ التواتر, والحديث المتواتر عند جماهير علماء الأمة يفيد العلم القطعي، ومعنى ذلك أن العلم به واجب، وأن العمل فرضٌ لازم. وتدبروا معي كلام الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، فقد يسأل سائل: وكيف نعرف أن الذي خرج في مكة هو المهدي الحقيقي، فقد خرج كثيرٌ من الكذابين والدجاجلة وادعى كل واحدٌ منهم أنه المهدي، فكيف نعرف أنه المهدي الحقيقي؟ لقد أخبرنا النبي ﷺ بعلامةٍ نبوية محمدية صادقة إن وقعت تلك العلامة فلتعلم الأمة كلها أن الذي ظهر ببيت الله الحرام هو محمد بن عبد الله المهدي ﵇، ما هي هذه العلامة؟ اسمع كلام الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، روى البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: (عبث رسول الله يوماً في منامه -يعني: تحرك النبي حركةً على غير عادته في النوم- فقالت عائشة: يا رسول الله! رأيتك قد فعلت شيئاً لم تكن تفعله، فقال النبي ﵊: العجب أن ناساً من أمتي يؤمُّون البيت الحرام -أي: يقصدون البيت الحرام- لرجلٍ من قريش لجأ بالبيت الحرام، فإذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم) أي: إذا خرج هؤلاء القوم لهذا الرجل الذي اعتصم ببيت الله الحرام يخسف الله الأرض بهذا الجيش، هذه هي العلامة، وهذا أمرٌ كونيٌ قدريٌ آخر لا دخل لأحدٍ من البشر فيه، قالت عائشة: (قلت: يا رسول الله! فإن الطريق يجمع الناس -يعني ما ذنب كثيرٍ من الناس ممن يمشون في الطريق ممن لم يخرجوا لقتال المهدي في هذا الجيش- فقال النبي: نعم. فيهم المستبصر والمجبور وابن السبيل، يهلكون جميعاً مهلكاً واحداً ويصدرون مصادر شتى، يبعثهم الله على نياتهم) يبعث الله كل واحدٍ منهم على نيته الذي خرج بها ومات عليها. وفي صحيح مسلم من حديث حفصة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (يعوذ بالبيت -أي يحتمي ويعتصم ببيت الله الحرام- قومٌ -تدبر معي هذا الوصف النبوي الجميل- قومٌ ليست لهم منعة ولا عدد ولا عدة -فقراء ضعفاء- فيخرج إليهم جيش -أي: لقتالهم والقضاء عليهم- فإذا كانوا ببيداء من الأرض -أي: بصحراء من الأرض- خُسِف بهم) وفي لفظٍ في مسلم: (فلا يبقى إلا الشريد) أي: الذي ينجو من الجيش رجلٌ أو رجلان، ليخبرا عما أوقعه الله ﵎ بهذا الجيش الذي خرج للقضاء على المهدي ﵇. فإن خسف الله بهذا الجيش علم المسلمون في الأرض أن الذي ظهر ببيت الله الحرام هو المهدي ﵇، فتقبل إليه الوفود المسلمة من أنحاء الأرض، ويقبل إليه المسلمون من كل أرجائها ليشدوا على يديه وليعلنوا له البيعة وليعاهدوا الله معه على الجهاد في سبيل الله وعلى إعلاء كلمة الله للبلوغ إلى إحدى الحسنيين: إما النصر وإما الشهادة؛ نسأل الله أن لا يحرمنا من هذا الشرف إنه ولي ذلك والقادر عليه. فماذا بعد البيعة؟ يعلن العالم كله الحرب على المهدي وكتائب التوحيد معه، فلا يعرف الموحدون مع المهدي طعماً للراحة ولا وقتاً للرخاء والدعة، بل يخوضون معارك وملاحم خطيرة في فترة لا تساوي في حساب الزمن شيئاً، فلا يُهزم المهدي في أي معركة بإذن الله.

стр. 810

المعارك التي يخوضها المهدي قبل نزول عيسى ابن مريم ما هي هذه الملاحم؟ وما هي هذه المعارك؟! قال الصادق كما في صحيح مسلم من حديث نافع بن عتبة: (تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله -وأرجو أن تتدبروا في كلمات النبي ﷺ ثم تغزون فارس - إيران - فيفتحها الله، ثم تغزون الروم -الأمريكيين والأوروبيين- فيفتحها الله، ثم تغزون الدجال فيفتحه الله). المعركة الأولى التي يخوضها المهدي وكتائب التوحيد معه معركة في قلب الجزيرة العربية، خرج الجيش الأول للقضاء عليه من المسلمين فخسف الله به الأرض، الجيش الثاني الذي يخرج لقتال المهدي مع علمه بأن الرب العلي قد خسف بالجيش الأول جيشٌ مسلمٌ كذلك من جزيرة العرب، قال النبي ﷺ : (فيفتحها الله) أي: يَهزِمُ المهدي وكتائب التوحيد معه هذا الجيش وتفتح الجزيرة العربية أبوابها كلها للمهدي وللموحدين معه بإذن الله ﵎. فيخرج إلى المهدي جيشٌ آخر من إيران من فارس، حينما يعلم الإيرانيون أن الذي خرج ليس المهدي الذي ينتظرونه في سرداب سامراء، فيخرجون إليه جيشاً جراراً، فيهزم المهدي هذا الجيش بإذن الرب العلي جل وعلا، ثم تغزون فارس فيفتحها الله. ثم تغزون الروم، وقف معي وتدبر هذه المعركة الفاصلة الحاسمة، فهي أخطر المعارك على وجه الأرض، وقد بيَّن الصادق ﷺ أرض المعركة، وذكر تفاصيل المعركة، بل وحدد نتيجة المعركة، فماذا قال الصادق ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى؟ قال: (ثم تغزون الروم فيفتحها الله) وخذ التفاصيل: روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بـ الأعماق أو بـ دابق) أين الأعماق؟ وأين دابق؟ هما موضعان بالقرب من حلب في دولة سوريا، سينزل الأمريكيون والأوروبيون في السنوات القليلة المقبلة هذه الأرض وهذه المنطقة كما أخبر الصادق الذي لا ينطق عن الهوى. وقد عدت إلى بعض المعاجم القديمة لأقف على تأويل أهل المعاجم القديمة للأعماق ودابق فوجدت أنهم يقولون: الأعماق ودابق موطنٌ بين حلب في سوريا وأنطاكية في تركيا، قلت: سبحان الله العظيم! انظروا إلى القواعد العسكرية الأمريكية في تركيا وفي جل أنحاء العالم الإسلامي، بل والعالم الأوروبي لا سيما بعد أحداث أفغانستان، فقد وضعت أمريكا قواعدها العسكرية كذلك في قلب أوروبا. قال: (لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بـ الأعماق أو بـ دابق) أي: منطقة في حلب في سوريا، ولعلكم تعلمون يقيناً أن أمريكا قد وضعت سوريا ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب، بل وكان وزير الخارجية السوري هو الوحيد في اجتماع وزراء الخارجية الذي صرح بمقاطعةٍ كاملة مع الكيان الصهيوني، لكنهم رفضوا؛ فـ سوريا الآن موضوعة على قائمة الإرهاب الأمريكية. ثم قال ﷺ : (فيخرج إليهم جيشٌ من المدينة هم من خيار أهل الأرض يومئذٍ، فإذا تصافُّوا -أي: للقتال- قالت الروم للمسلمين: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم) من هؤلاء؟ هؤلاء من الروم أصلاً لكنهم يوحدون الله جل وعلا ويشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فيسلمون ويتركون جيش الروم من الأمريكيين والأوربيين ويقاتلون الروم مع المسلمين. فهل تتابعون ما يشغل الآن الرأي العام الأمريكي كله منذ أسبوعٍ أو لا؟ هل تعلمون أن الرأي العام الأمريكي كله منشغلٌ الآن بقضية شابٍ يقال له: جون ولكر؟ هل تعرفون شيئاً عن جون ولكر؟ جون ولكر شابٌ أمريكي أسر منذ أسبوع في أفغانستان؛ لأنه أسلم وكان يقاتل في صفوف طالبان ضد الأمريكان، والرأي العام الأمريكي كله كان يتحدث في هذه القضية، وبالأمس في الـ ( mbc) نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني يقول: أنا لا أتصور أن شاباً أمريكياً تربى وترعرع في هذه الأرض ثم يكون مصيره أن يسلم وأن يحارب الأمريكان مع طالبان. فتدبر كلام النبي ﷺ ، فهذه بشريات على الطريق، قال: (فإذا تصافُّوا -أي وقف الجيش الرومي: الأمريكيون الأوربيون والمسلمون للقتال- قالت الروم للمسلمين: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم) أي: اتركوا هؤلاء الذين أسلموا وتركوا ديارنا وعقيدتنا وديننا، نقاتلهم: أي: نبدأ بقتالهم، (فيقول المسلمون: لا. والله! لا نخلي بينكم وبين إخواننا) هذا كلام الصادق الذي لا ينطق عن الهوى. قال النبي ﷺ : (فيقاتلونهم فينهزم ثلث الجيش لا يتوب الله عليهم أبداً) ينهزم ثلث الجيش المسلم لا يتوب الله عليهم أبداً، لماذا؟ لأنهم خونة، فروا من أرض المعركة، وخانوا الله ورسوله والمؤمنين. أما الثلث الثاني قال: (ويقتل ثلثهم، أفضل الشهداء عند الله). أما الثلث المتبقي في الجيش المسلم فقال ﷺ عنه: (ويبقى ثلثٌ فيفتح الله له) أي: فينصر الله هذا الثلث على الروم الأمريكيين والأوربيين (فيبقى ثلثٌ فيفتح الله له) قال الصادق: (لا يفتنون أبداً). بل في رواية مسلم من حديث عبد الله بن مسعود في غير رواية أبي هريرة قال: (هاجت ريحٌ حمراء بـ الكوفة، فجاء رجلٌ ليس له هيجرى إلا: يا عبد الله بن مسعود! يا عبد الله بن مسعود! جاءت الساعة، فقعد ابن مسعود وكان متكئاً فقال: لا، -انظروا إلى العلم والعلماء- لا تقوم الساعة حتى لا يقسم ميراث ولا يفرح بغنيمة، ثم أشار بيده نحو الشام، ثم قال: عدوٌ يجمعون لأهل الإسلام ويجمع لهم أهل الإسلام -تدبر- قال: وعند ذاكم القتال تكون ردةٌ شديدة) هذا هو الثلث الأول الذي ارتد وانهزم وخان، ثم قال: (فيشترط المسلمون شرطةً للموت لا ترجع إلا غالبة) أي: يقدم المسلمون مجموعةً من الكتائب وتشترط هذه الكتائب ألا ترجع إلا وهي غالبة، قال: (فيقتتلون -أي: يقتتل المسلمون مع الروم- حتى يحجز بينهم الليل، فتفيء كل فئةٍ غير غالبة، وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون -أي: في اليوم التالي- شرطةٌ للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فترجع فتفيء كل فئةٍ غير غالبة وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون في اليوم الثالث شرطةٌ للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فتفيء كل منهم غير غالبة، وتفنى الشرطة، قال ﷺ : فإذا كان اليوم الرابع نهد إليهم بقية أهل الإسلام -أي: نهض إليهم بقية أهل الإسلام- قال: فيجعل الله الدائرة عليهم -أي: على الروم- فيقتتلون مقتلةً عظيمة لم يُر مثلها، حتى إن الطائر لا يمر بجنباتهم فما يخلفهم إلا وقد خر ميتاً، قال: فيتعاد أبناء الأب الواحد قد بلغوا المائة, فلا يجدون قد بقي منهم إلا الرجل الواحد، فبأي غنيمة يفرح؟ وأي ميراثٍ يقسم؟ قال: فبينما هم كذلك إذ قد وقع بهم بأسٌ هو أكبر من ذلك، فإذ بهم يأتيهم الصريخ -أي من يصرخ فيهم- ليخبرهم أن الدجال قد خلفهم في ذراريهم -أي في أولادهم- قال: فيرفضون ما بين أيديهم -أي: من الأموال والغنائم- ويبعثون عشرة فوارس طليعة -أي ليعلموا الأمر وليطلعوا عليه- قال المصطفى ﷺ : والله! إني لأعلم أسماءهم وأسماء آبائهم وألوان خيولهم، هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذٍ). وهكذا ينصر الله عبده المهدي والموحدين معه على كتائب الروم، على الأمريكيين والأوربيين رغم أنف العلمانيين والماديين الذين لا ينظرون ولا يؤمنون إلا بكل ما هو ماديٍ محسوس، هذه الفئة المباركة، هؤلاء الأولياء الأصفياء الأتقياء هم الذين يفتح الله لهم مدينة القسطنطينية بغير قتال، بل وبغير سلاح كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال لأصحابه: (سمعتم بمدينة جانبٌ منها في البر وجانبٌ منها في البحر؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفاً من بني إسحاق فإذا جاءوها لم يقاتلوا بسلاحٍ ولم يرموا بسهم، وإنما قالوا: لا إله إلا الله، والله أكبر، فيسقط جانبها الذي في البحر، فإذا جاءوها الثانية قالوا: لا إله إلا الله، والله أكبر, فيسقط جانبها الذي في البر، فإذا جاءوها الثالثة قالوا: لا إله إلا الله، والله أكبر، فيفرج لهم فيدخلوها). قال الحافظ ابن كثير: وبني إسحاق في الحديث هم سلالة العيص بن إسحاق بن إبراهيم، وهم من الروم سيسلمون في آخر الزمان وسيجعل الله فتح القسطنطينية على يد طائفةٍ منهم ممن وحدوا الله وآمنوا بالصادق رسول الله ﷺ .

стр. 811

المعركة مع اليهود والدجال أما المعركة الخامسة والحاسمة التي يقودها المهدي فإنها ستكون مع أنجس خلق الله وأشرهم وهم اليهود، وتحدث الكرامات التي وعد بها الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود, فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم! يا عبد الله! خلفي يهودي تعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود). أيها الأفاضل: يخرج اليهود مع الدجال الذي يهلكه الله على يد عيسى والمهدي، فيقاتل المسلمون اليهود ويجري الله لهم هذه الكرامة التي أخبر بها الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، ويستأصل الله شأفتهم ويطهر الأرض من نجاستهم وقذارتهم، وبذلك -أيها الأفاضل- لا يبقى على وجه الأرض دينٌ إلا دين محمد.

стр. 812

وصدق الله ورسوله وهذا هو عنصرنا الثالث: وصدق الله ورسوله، قال الله جل وعلا: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف:٨ - ٩] وقال ﷺ كما في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وغيره من حديث تميم الداري: (ليبلغن هذا الأمر -أي: هذا الدين- ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدرٍ ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيزٍ أو بذل ذليل, عزاً يعز الله به الإسلام, وذلاً يذل الله به الكفر) صلى الله وسلم وبارك على الصادق الذي لا ينطق عن الهوى. وأسأل الله جل وعلا أن يعجل بهذه الأيام المباركة الكريمة، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 813

ورقة عمل الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، برحمتك وفضلك وجودك وكرمك يا رب العالمين. أيها الإخوة الكرام: وأخيراً أقدم ورقة عمل: ليس معنى ذلك أن نتكاسل أو أن نتواكل، فهذا الأمل يجب أن يدفع العقلاء للعمل، فإن أملاً بغير عمل هو أمل الجهلاء وأمل السفهاء، أما الصادقون العقلاء هم الذين يدفعهم الأمل في موعود الله وموعود رسوله بنصرة الإسلام وظهوره على كل الملل للعمل، فلا بد أن نعمل، فهذه ورقة عمل سريعة:

стр. 814

الاعتصام بالله أولاً: يجب علينا أن نعتصم بالله وأن نستعين به، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله الله فهو المخذول، إذ لا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 815

طلب العلم ثانياً: يجب علينا جميعاً مهما كانت وظيفتك، ومهما كان عملك أن تخصص وقتاً من وقتك لتتعلم فيه عن الله وعن رسوله، إن كنت طبيباً فأغلق عيادتك ساعةً في الأسبوع، إن كنت مهندساً فاعتذر عن عملك في مصنعك ساعةً في الأسبوع، إن كنت مدرساً فغيَّر مواعيد الدروس أو العمل ساعةً في الأسبوع، مهما كان عملك ومهما كانت وظيفتك يجب عليك أن تخصص لنفسك ساعةً تحرص فيها أن تأتي بيوت الله جل وعلا لتتعلم العلم الشرعي الصحيح، لتسمع عن الله وعن رسول الله ولتقف على فقه المرحلة القادمة، فإن الجهل من أخطر الفتن، لا سيما إذا علمنا أن جاهلاً بفتنة الدجال سيكفر بالواحد الكبير المتعال، يذهب إلى الدجال وهو لا يعرف شيئاً عما قاله سيد الرجال ﷺ عن فتنته، فيقول له الدجال: أنا ربك، فيقول: لا. فيقول: فهل لو أحييت لك والديك تؤمن بي؟ قال: نعم، أؤمن بك، وهو لا يعلم أن الدجال فتنة، بل هو أخطر فتنة على وجه الأرض، قال: فيظهر له شيطانان: شيطان على صورة أبيه، وشيطان على صورة أمه، فيأمرانه باتباع الدجال، فيسجد له ويقول: أنت ربي. فيكفر بجهله. فهذا لو علم الدجال وفتنة الدجال وما قاله سيد الرجال ﷺ ما فعل ذلك. فلا بد أن تحرص على العلم الشرعي، على علم القرآن والسنة الصحيحة على أيدي العلماء المتحققين بالعلم، وهؤلاء بحول الله لا يخلو منهم زمانٌ ولا مكان، إذ يجب أن يكون في الأرض قائمٌ لله بحجة.

стр. 816

تحقيق الإيمان ثالثاً: تحقيق الإيمان، الإيمان حصن أمانك، وسفينة نوح التي ستركبها في هذه الأمواج المتلاطمة من الفتن التي نحياها والفتن المقبلة، الإيمان ليس كلمةً باللسان فحسب، بل هو قولٌ وتصديقٌ بالقلب وعملٌ بالجوارح والأركان، حقق الإيمان فبه وبه فقط ينجيك الله من الفتن، وبالإيمان تقرأ على جبين الدجال كلمة (كافر) قال الصادق: (يخرج الدجال مكتوبٌ على جبينه: ك ف ر) وفي لفظٍ: (كافر) قال الصادق: (لا يقرؤها إلا المؤمن) فحقق الإيمان.

стр. 817

التزود بالتقوى رابعاً: التزود بالتقوى للآخرة. أيها الأفاضل: أُقسم بالله إن كل ما أخبر عنه الصادق من علاماتٍ صغرى قد وقعت، ونحن الآن ننتظر المهدي، وقد ذكرت أن الله سيصلحه في ليلة، وإرهاصات المهدي موجودة بين أيدينا الآن، فتزودوا للآخرة، ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٩٧]. دع عنك ما قد فات في زمن الصبا واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب لم ينسه الملكان حين نسيته بل أثبتاه وأنت لاهٍ تلعب والروح منك وديعةٌ أُودعتها ستردها بالرغم منك وتسلب وغرور دنياك التي تسعى لها دارٌ حقيقتها متاعٌ يذهب الليل فاعلم والنهار كلاهما أنفاسنا فيهما تعد وتحسب

стр. 818

الاجتهاد في الطاعة خامساً: احرصوا -أيها الأفاضل! أذكر نفسي والله وإياكم- على الاجتهاد في الطاعة والاجتهاد في العبادة، فالعبادة في الهرج -أي في الفتن- كهجرة إلى النبي ﷺ ، والحديث رواه مسلم من حديث معقل بن يسار: (العبادة في الهرج -أي في الفتن- كهجرةٍ إليَّ) أي إلى النبي ﷺ ، حافظوا على الصلوات في الجماعة لا تضيعوا الورد اليومي للقرآن حافظوا على أذكار الصباح والمساء حافظوا على ركعات ولو قليلةٍ بالليل حافظوا على الصدقة ولو قلَّت حافظوا على الاستغفار. وأنتِ -أيتها المسلمة- مخاطبةٌ بذلك هيا إلى الحجاب الشرعي هيا إلى القرآن هيا إلى الصلاة هيا إلى السنة، فوالله إن الساعة مقبلة، وإن الفتن والملاحم مقبلة، فلنتزود لهذه الأيام الحالكة بطاعة ربنا وبعبادته . وأخيراً فلنتحرك جميعاً لدين الله، لا ينبغي أن نتواكل أو نتكاسل أو أن نكون سلبيين، قال الصادق: (إذا قامت القيامة -ليس إذا ظهر المهدي- وفي يد أحدكم فسيلة -أي: شتلة صغيرة- فاستطاع أن يغرسها فليغرسها) لا تقل قامت القيامة، وانتهى الناس، وهذه فسيلة متى تنمو؟ ومتى تثمر؟ ومن يأكل منها؟ ليس هذا من شأننا، شأننا أن نعمل لدين الله، وأن نغرس لدين الله، وأن نترك النتائج لله الذي لا يعجل بعجلة أحد. الله الله في التوبة، وآسفاه! وآسفاه! إن دعيت بعد كل هذا الكلام إلى التوبة وما أجبت، واحسرتاه! إن ذكرت الآن بعد كل هذا بالله وما أنبت، متى سترجع إن لم ترجع الآن. اللهم اشفِ صدور قومٍ مؤمنين، بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم اشفِ صدور قومٍ مؤمنين، بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم عجِّل بنصرتك لنا يا رب العالمين، اللهم إننا مغلوبون فانتصر لنا، اللهم إننا مغلوبون فانتصر لنا، اللهم احقن دماء المسلمين في فلسطين وأفغانستان، والشيشان، وكشمير وفي كل مكان، اللهم احفظ المسلمين في الصومال والعراق، والسودان واليمن، وليبيا، وفي كل مكان.

стр. 819

الثقة في الله هذه رسالة تحمل في طياتها المخرج الوحيد من الهم والغم والضيق، بل هي مفتاح السعادة في الدنيا والآخرة، وبدونها يعيش الناس في شقاء وبلاء، إنها الثقة بالله ، وفي هذه الرسالة بسط الشيخ الحديث عن هذا الموضوع وأهميته مستدلاً بواقع المجتمع، ومشاكله، ومبيناً أن أساسها هو عدم الثقة بالله . فهاهي دعوة صادقة توجه إليك أخي المسلم لتعود إلى الله ، وتثق بدين الله.

стр. 820

أهمية الثقة الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريكٌ في الملك وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو فلا خالق غيره ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢] عالم الغيب والشهادة، الذي استوى في علمه ما أسر العبد وما أظهر، الذي يعلم ما كان وما هو كائنٌ وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]. أحمدك يا رب وأستعينك وأستغفرك وأستهديك، لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، جل ثناؤك، وعظم جاهك، ولا إله غيرك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، من توكل عليه كفاه، ومن اعتصم به نجاه، ومن فوض إليه الأمر هداه، وصدق الله إذ يقول: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر:٣٦]. وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا ومعلمنا وقدوتنا وأستاذنا محمد رسول الله، إمام المجاهدين، وقائد الغر المحجلين، صاحب المقام المحمود، وصاحب الحوض المورود، وصاحب اللواء المعقود، وصاحب الشفاعة العظمى في يومٍ لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون، إلا من أتى الله بقلبٍ موحدٍ سليم. اللهم صلِّ وسلم وبارك عليك يا سيدي يا رسول الله، صلاةً وسلاماً يليقان بمقامك يا أمير الأنبياء، ويا سيد المرسلين، أشهد لك يا سيدي يا رسول الله ويشهد معي الموحدون أنك أديت الأمانة، وبلغت الرسالة، ونصحت الأمة، وكشفت الغمة، وعبدت ربك حتى لبيت داعيه، وجاهدت في سبيل ربك حتى أجبت مناديه، وعشت طوال أيامك ولياليك تمشي على شوك الأسى، وتخطو على جمر الكيد والعنت، تلتمس الطريق لهداية الضالين وإرشاد الحائرين، حتى علَّمت الجاهل يا سيدي، وقومت المعوج يا سيدي، وأمَّنت الخائف يا سيدي، وطمأنت القلق يا سيدي، ونشرت أضواء الحق والخير والإيمان والتوحيد كما تنشر الشمس ضياءها في رابعة النهار، فصلى اللهم وسلم وبارك عليك يا سيدي يا رسول الله، وجزاك الله عنا خير ما يجزي الله به نبياً عن أمته ورسولاً عن قومه. أما بعد: فيا أيها الأحباب! إن موضوعي اليوم مع حضراتكم يدور حول كلمةٍ واحدة، كلمة تتكون من خمسة أحرف فقط، هذه الكلمة هي مفتاح السعادة في الدنيا والآخرة، هذه الكلمة هي المخرج الوحيد للهم والغم والكرب والضيق الذي نعيش فيه في هذه الأيام، هذه الكلمة هي مفتاح السعادة في الدنيا والآخرة، وبدونها هأنتم ترون أننا نعيش في شقاءٍ ونعيش في قحطٍ وضيقٍ وبلاء. أتدرون ما هي هذه الكلمة؟ كلمة بسيطةٌ في حروفها، قليلةٌ في تركيبها، عظيمةٌ في معانيها وفحواها، إنها: الثقة. ربما يعجب الكثير، ويقول في ذهنه في التو واللحظة: كيف يجعل خطبةً كاملة ننتظرها من أسبوعٍ لأسبوع عن كلمةٍ كهذه الكلمة ألا وهي كلمة: الثقة، ولكنكم بعد انتهاء الخطبة سترون أن الموضوع جد خطير؛ لأن الثقة -أيها الأحباب- تدور على ثلاثة أمور: أولاً: الثقة في الله. ثانياً: الثقة في منهج الله وهو: (القرآن). ثالثاً: الثقة فيمن بلَّغ عن الله وهو (ابن عبد الله ﷺ . أعتقد أن الأمر قد اتضح قليلاً، وأن الموضوع جد خطير. الثقة أمرٌ عظيمٌ وأمرٌ خطير؛ لأنها: أولاً: ثقة في الله الخالق، ثقةٌ في الله الرازق، ثقة في الله المانع، ثقة في الله الخافض، ثقة في الله المعطي، ثقة في الله الضار، ثقة في الله المانع. ثانياً: ثقة في منهجه، ثقةٌ في تشريعه، ثقة في كتابه. ثالثاً: ثقة فيمن بلغ عن ربه وهو ابن عبد الله ﷺ .

стр. 821

مشكلة المجتمع اليوم إن مشكلتنا اليوم ليست نقص في المياه ولا الكهرباء، وليست نقص في الثمرات، ولا في الأرزاق، وليست نقص في العلاج ولا في الإسكان ولا في البناء، وإنما مشكلتنا اليوم هي مشكلة عدم ثقتنا بالله جل وعلا، نحن اليوم لم نعد نثق بالله جل وعلا، إذا ما قلنا: أيها المسئول! لم لا تثق في الله، ولم لا تثق في كلام الله، ولم لا تثقُ في منهج الله، ولم لا تثقُ في شرع الله؟ وجدت أن عدم الثقة واضحةً جليةً وضوح الشمس في ضحاها، يردون عليك بمنتهى الوقاحة وبمنتهى التبجح الممقوت الصارخ، وهم يقولون لك: يا هؤلاء! يا من تنادون بمنهج الله! ويا من تريدون العودة إلى الله! ويا من تصرخون بالصلح مع الله! إذا فعلنا ذلك وأغلقنا (الكبريهات، والكزنوهات) ومنعنا الخمور، وقضينا على شبكات الدعارة، وقبضنا على مافيا المخدرات من علية القوم وسادات الناس، ومنعنا السياحة، فمن الذي يضمن لنا العملة الصعبة؟ إن الذي يضمن لنا ولكم العملة الصعبة والرزق هو الذي خلق الخلق، هو من بيده الرزق، هو من بيده الأمر كله. فمشكلتنا -أيها الناس- وبلغوا هذا الكلام للجميع، وأنا أصرخ وأناشد المسئولين في هذا البلد، المسئولين عن هذا البلد الطيب: إن مشكلتنا الرئيسية أقسم بالله العظيم لا تكمن في نقص المياه، ولا تكمن في نقص الكهرباء، ولا تكمن في نقص الثمرات، وإنما مشكلتنا هي عدم الثقةٌ بالله الخالق. إننا نعيش في قحطٍ وضيقٍ وبلاء، نعيش في أزمات تلو الأزمات، ولكن زاد الطين بلة، هذه القرارات الأخيرة، التي خرجوا علينا بها، وملئوا مسامعنا بها على صفحات الجرائد وشاشات التلفزيون، وعبر موجات الراديو والإذاعات، هذه القرارات التي ترفع لأول مرة للمسئولين عن هذا البلد، ما هي هذه القرارات؟ قراراتٌ خطيرة، تنذر بأن الأمر خطير، وبأن المشكلة ليست كلاماً، وإنما هي مشكلةٌ حقيقية، نقصٌ في المياه، ثم بعد ذلك نقصٌ في الكهرباء. نقص المياه يترتب عليه ماذا؟ يترتب عليه نقصٌ في استصلاح الأراضي الزراعية، ويترتب عليه نقصٌ في الثمرات وزيادة في المشاكل. نقصٌ في الكهرباء. ونقص الكهرباء يترتب عليه ماذا؟ تعطيل للصناعات، وتعطيل للمصانع، زيادة للمشاكل والأزمات، والأفواه تصرخ تريد أن تأكل وتريد أن تشرب، ولكن ما هي النتيجة، ما هي الحلول التي خرج علينا بها المسئولون عن هذا البلد، ما هي الحلول التي ذكّرونا بها للخروج من هذه الأزمات، وللخروج من هذه المشاكل؟ أتدورن ما هي؟ كل الحلول التي قرأناها على صفحات الجرائد، والتي سمعناها وشاهدناها أنهم يصرخون في الناس ويقولون: اربطوا على البطون الأحزمة، لا تسرفوا، لا إسراف في المياه ولا إسراف في الكهرباء، هذا أمرٌ طيب، هذا أمرٌ حث عليه الدين من قبل أن تذكرونا به، فلو كان في القلب ذرةٌ من الإيمان لسمعنا قول الله ، وهو يصف عباد الرحمن بقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ [الفرقان:٦٧]. إذاً: الاعتدال ركنٌ من أركان الإيمان، وركنٌ من أركان الدين، ولكن القضية ليست قضية عدم إسراف، الحل لا يكمن في عدم الإسراف وحده، الحل لهذه المشكلة والخروج من هذه الأزمة لا يكمن في عدم الإسراف وحده، لماذا؟ لأن النتيجة بعد عدم الإسراف، نفد الماء، ونقصت الكهرباء، وعدنا نضرب كفاً على كف ننتظر الفرج من الله. إذاً: عدم الإفراط ليس هو الحل وحده، إن كان جزءاً من الحل فليس هو الحل كله. إذاً: ما هي النتيجة؟ هل سمعنا مسئولاً واحداً يذكرنا بالصلح مع من بيده مفاتيح الماء؟! هل سمعنا مسئولاً واحداً يصرخ فينا بالرجوع إلى الله، حتى ممن ولاهم الله قيادة أمر الدين في هذا البلد؟ ما سمعنا مسئولاً يذكرنا بالصلح مع الله، ما سمعنا مسئولاً يذكرنا بالرجوع إلى الله، ما سمعنا مسئولاً يذكرنا بأن نرجع إلى من بيده مفاتيح الماء، إلى من بيده مفاتيح الدنيا والآخرة.

стр. 822

الدعوة إلى تأمل كلام الله استمعوا إلى الله أيها المسئولون، استمعوا إلى الله أيها المسلمون، ماذا يقول ربكم؟ ماذا يقول خالقكم؟ ماذا يقول رازقكم؟ يقول الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون:١٨]. الذي أنزل الماء هو الله، وصاحب الماء هو الله، بالله عليكم لقد وصل الشرق والغرب إلى أعلى درجات الترقي والتطور والحضارة، فهل سمعنا أن هناك قوةٌ شرقية، أو قوةٌ غربية تجرؤ على أن تدعي أنها تستطيع أن تصنع ذرة واحدةً من الماء، هل تستطيع قوة على تصنيع ذرة من ذرات الماء؟! أبداً. إذاً: المالك الحقيقي، والصانع الحقيقي لسبب الحياة الأول والأخير في هذه الحياة: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:٣٠] سبب هذا المصدر، ومسبب هذا المصدر هو من بيده الأمر كله، هو الله ﷻ : ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ [المؤمنون:١٨] اسمعوا أيها المسئولون! اسمعوا أيها المسلمون: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون:١٨] سبحانك يا رب. يا من تقرءون القرآن ليل نهار، يا من تعقدون السرادقات، وتجلسون لسماع القرآن أين أنتم من كلام الله؟! ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ [المؤمنون:١٨] بقدرٍ معلوم، بقدر حاجتهم للماء، وبقدر طاعتهم، وبقدر قربهم، وبقدر شكرهم، وبقدر حربهم على منهج ربهم. ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المؤمنون:١٨] جعلناه في الأنهار، جعلناه في العيون، جعلناه في الينابيع، جعلناه في الأرض لتنتفعوا به، لتسقوا النبات، ولتسقوا الحيوانات، ولتشربوا عذباً فراتاً زلالاً. ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون:١٨] أي: على ذهاب بهذا الماء لقادرون: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠]. إذاً: الذي ينزل الماء هو الله، والذي يرفع الماء هو الله، والذي يحول بين الناس هو الله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون:١٨]. واستمعوا إلى الله جل وعلا وهو يقول في سورة الحجر: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر:٢٢]. انتبهوا للقرآن، بلغوا هذا الكلام لكل مسئول، أسمعوا هذا الكلام لكل مسئولٍ عن هذا البلد: ﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر:٢٢] مهما بنيتم من سدٍ عالٍ، أو سدٍ منخفض، ابنوا ما شئتم من السدود، وابنوا ما شئتم من الحصون، ما أنتم له بخازنين إلا برحمتنا، ما أنتم له بخازنين إلا بأمرنا، ما أنتم له بخازنين إلا بقدرتنا، ما أنتم له بخازنين إلا بلطفنا: ﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر:٢٢] انتبهوا للقرآن، انتبهوا لكلام ربكم: ﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر:٢٢] إلا بأمر الله وإلا بإدارة الله وإلا بقدر الله جل وعلا.

стр. 823

هلا شكرتم المنعم واستمعوا إلى الله جل وعلا وهو يقول: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ [الواقعة:٦٨] انتبه يا موحد، انتبه يا مسلم ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة:٦٨ - ٦٩] من الذي أنزل الماء؟ الله ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة:٦٩ - ٧٠]. فهلا تشكرون المنعم! فهلا تعترفون للمنعم بالفضل والنعم! فهلا تشكرونه!! فهلا تتقونه!! فهلا تعبدونه!! فهلا توحدونه!! لا إله إلا الله. ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة:٦٨ - ٦٩]. (من المزن): أي من السماء والسحاب. (جعلناه أجاجاً): جعلناه ملحاً لا تستطيعون شرابه ولا تنتفعون به، جعلناه مراً علقماً: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة:٧٠]. واستمع إلى الله جل وعلا وهو يقول: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ [الملك:٢٥ - ٢٧].

стр. 824

(قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً) ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك:٢٨ - ٣٠] من؟ الله، الذي إن ذهب بالماء إلى أغوار الأرض وإلى قاع الأرض العميق لا تستطيعون أن تصلوا إليه، لا تستفيدون منه، ولا تنتفعون به. (قل أرأيتم) أخبروني إن أذهب الله هذا الماء، أو إن منع الله الماء من السماء، أو إن منع الله هذا الماء أن تصلوا إليه في أعماق الأرض: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً﴾ [الملك:٣٠] أي: غائراً في باطن الأرض لا تصلون إليه، ولا تستفيدون منه، ولا تنتفعون به: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك:٣٠] من غير الله يأتيكم بالماء؟ من غير الله يأتيكم بالرزق؟

стр. 825

أتعجبون من هذا البلاء ؟! هذا هو كلام الله! هذا هو كلام ربكم أيها المسئولون! فهل تثقون في كلام الله؟! هل تثقون في أن الذي ينزل الماء من السماء هو الله؟! هل تثقون بأن الذي يستطيع أن يخرجنا من هذه الأزمة هو الله؟! إن كان الأمر كذلك فلم تخدعون الناس وتخدعون أنفسكم، إن كان الأمر كذلك فلم تحاربون الله ليل نهار؟! في بلادنا تصنع الخمور! في بلادنا تشرب الخمر! في بلادنا شبكاتٌ للدعارة والزنا! في بلادنا أبيح الربا! في بلادنا إعلامٌ عنيد يدمر الأخلاق والقيم! في بلادنا كل شيء، كل شيء يغضب الله، كل شيء أعلنا فيه الحرب على الله. في بلادنا غناءٌ ماجن ورقصٌ فاحش، ولا يتورعون على أن نقرأ على صفحات الجرائد ليل نهار إعلانات في الصفحات الأولى، إعلانات عارية على الصفحات الأولى من الجرائد، إعلانات عن ماذا؟ عن الكباريهات، والكازنوهات، مع سلطانة الرقص الشرقي، مع ملكة الرقص الشرقي، بدون حياء وبدون خجل، تنتظرون ماذا؟! ماذا تريدون بعد ذلك؟! ماذا تريدون بعد هذه الحرب الشعواء التي شنها الناس على الله؟! ماذا تنتظرون؟! أتعجبون من هذا القحط الذي نعيش فيه؟! أتعجبون من هذا البلاء الذي نعيش فيه؟! أتعجبون من هذا الضيق الذي نعيش فيه؟! إن الله عنده أكثر من هذا البلاء، وأكثر من هذا الضيق، وأكثر من هذا القحط إن لم نرجع إلى الله، وإن لم نصطلح مع الله، وإن لم نعرف قدرتنا: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩] ولن تستطيع قوةٌ على ظهر الأرض أن تتحمل حرب الله، وأن تتحمل حرب رسول الله ﷺ . أيها المسئولون! أيها المسلمون! إن أردتم أن نخرج من هذه الأزمة لا نقص في المياه، ولا نقص في الكهرباء، ولا نقص في الأموال، ولا نقص في الثمرات، فعودوا إلى رب الأرض والسماوات. هذا هو الداء وذاك هو الدواء، إن أردتم أن نخرج من هذه الأزمة فأعلنوا في الناس أن الصلح مع الله قد آن، أما آن لنا بعد كل هذا أن نرجع، ماذا ننتظر؟! ماذا ننتظر بعد كل هذا الهم والغم؟! أما آن لنا أن نفيق، أما آن لنا أن نصطلح مع الله، إذا أردتم ذلك فامنعوا الخمور، إذا أردتم ذلك فأغلقوا الكباريهات، إذا أردتم ذلك فنظفوا الإعلام، إذا أردتم ذلك فعودوا إلى الله وامنعوا هذه الإباحية، وامنعوا هذا السفور، وهذه العربدة تحت ستار التطور والتحرر والمدنية، إن أردتم ذلك فحاربوا وأمسكوا على أيدي مافيا المخدرات الذين يريدون لعقول وشباب المسلمين التحطيم والتدمير، وأنتم تعلمون أنهم من علية القوم وسادة الناس، إذا أردتم ذلك فهيا أعلنوا الصلح كله مع الله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة:٨٥]؟! لابد أن ننظف أنفسنا، ولابد أن ننظف أحكامنا، ولابد أن نرجع إلى ربنا إذا أردنا أن نخرج من هذا البلاء، إذا أردنا أن نخرج من هذا الضيق، إذا أردنا أن نخرج من هذا الشقاء، أفلا تثقون بالله؟!

стр. 826

الرجوع إلى الله وحده مشكلتنا عدم الثقة في كلام الله، الله هو وحده القادر على العطاء، هو وحده القادر على المنع، هو الذي يعطي، وهو الذي يمنع، وهو الخافض، وهو الرافع، وهو القابض، وهو الباسط، وهو بيده رزق كل شيء: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦] فلماذا لا نرجع إليه؟! ولماذا لم نصطلح مع الله ﵎؟! أتذكر مشهداً في غاية الروعة والجمال، هذا هو سيدنا عمران بن حصين رضوان الله عليه، جاء إلى النبي ﷺ مبعوثاً من قريش، ذهب إلى النبي ﷺ لعله يستطيع أن يقنع النبي أن يرجع عن دينه ويرجع إلى دين آبائه، فقال له عمران: [يا محمد! إنك فينا حيث قد علمت، صادقاً أميناً متزناً رزيناً، فهلا هادنت قومك وتركت سب آلهتهم وتسفيه أحلامهم]. فماذا قال له النبي ﷺ ؟! قال له: (يا عمران! من تعبد؟ -ما هي آلهتك؟ - فقال عمران بن حصين: أعبد سبعةً من الآلهة، إلهٌ في السماء وستةٌ في الأرض، فقال له النبي ﷺ : فأي إله تطلب لحاجتك يا عمران؟! -أي إن كنت في ضيق ٍوحاجة، تطلب من آلهة الأرض أم من إله السماء؟ - قال: بل من إله السماء، قال رسول الله: فإذا كنت في مرض فممن تطلب؟ قال: من إله السماء، قال: فإذا كنت في شدة فممن تطلب؟ قال: من إله السماء، فقال له النبي ﷺ : ما دام إله السماء يعطيك ويكفيك ويرضيك فلمَ لا تقل لا إله إلا الله؟!) فلمَ تشرك معه غيره؟ فما لبث عمران إلا أن يذعن لهذه الحجة القوية، ولهذا البرهان الواضح الساطع ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله. أيها الأحباب! لو عدنا إلى الله فإن الله صاحب العطاء! لو عدنا إلى الله فإن الله صاحب الرزق، لو عدنا إلى الله فإن الله عنده الكثير، استمعوا إلى الله جل وعلا وهو يقول في الحديث القدسي الجليل: (يا ابن آدم! لا تخشى من ذي سلطانٍ ما دام سلطاني باقٍ، وسلطاني لا ينفذ أبداً، يا ابن آدم! لا تخشى من ضيق الرزق فخزائني مملوءة وخزائني لا تنفذ أبداً، يا ابن آدم! لا تطلب غيري وأنا لك، فإن طلبتني وجدتني وإن فتني فتك، وإن فتك فقد فاتك الخير كله، يا ابن آدم! إن رضيت بما قسمته لك أرحت قلبك وبدنك وصرت عندي محموداً، وإن لم ترض بما قسمته لك، فوعزتي وجلالي لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحوش في البرية، ثم لا يصيبك إلا ما قسمته لك، وصرت عندي مذموماً، يا ابن آدم! أنا لا أنسى من عصاني فكيف أنسى من أتى إلي تائباً؟ فوعزتي وجلالي لو أتيتني نهاراً قبلتك، ولو أتيتني ليلاً قبلتك، ولو تقربتَ مني شبراً تقربتُ منك ذراعاً، ولو تقربت مني ذراعاً تقربت منك باعاً، ولو أتيتني تمشي أتيتك مهرولاً، فمن أعظم مني جوداً وأنا الجواد الكريم). أيها الأحباب! لا مفر ولا مناط: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [النجم:٥٧ - ٥٨] أقسم بالله العظيم، أنه لن تكشف هذه الغموم، ولن تحل هذه المشاكل، ولن ترفع هذه الأزمات، إلا إذا اصطلحنا مع الله، وإلا إذا عدنا إلى الله، وإلا إذا رفعنا هذه الحرب عن منهج الله وعن شرع الله جل وعلا، وهأنتم مخيرون إن أردتم أن تخرجوا فاخرجوا، وإن أردتم أن تظلوا فيه هذا الهم والغم والضيق، وإن أردتم الكثير والكثير من الله، فالله عنده الكثير: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤]. عيشةٌ كلها خراب، وعيشةٌ كلها قحط، وعيشةٌ كلها ضيق لمن أعرض عن منهج الله، ولمن أعرض عن ذكر الله، ولمن أعرض عن شرع الله، ولمن أعلن الحرب على الله جل وعلا. نعم. يقول ربنا في الحديث القدسي الصحيح (يا عباد! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيدٍ واحد، وسألوني لأعطيتُ كل واحدٍ مسألته من غير أن ينقص من ملكي شيئاً، إلا كما ينقص المخيط إذا دخل في البحر ثم خرج) الإبرة!! إبرة المخيط، لو أنزلتها البحر وأخرجتها أي مقدار نقص من البحر؟ لا شيء، فلو أن الخلق الإنس والجن جميع العباد وقفوا في وقتٍ واحد وسألوا الله لأعطاهم مسائلهم من غير أن ينقص ذلك من ملك الله شيئاً؛ لأن الله يملك خزائن السماوات والأرض أسأل الله سبحانه أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٨] يقول النبي ﷺ : (البر لا يبلى والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، افعل ما شئت كما تدين تدان) وهو القائل أيضاً: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له). أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 827

دعوة إلى التوبة إلى الله والصلح معه الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أدى الرسالة، وبلغ الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، فصلى اللهم وسلم وبارك عليك يا سيدي يا رسول الله، وجزاك الله عنا خير ما يجزي الله به نبياً عن أمته ورسولاً عن قومه. أيها الأحباب! هيا بنا لنثق في كلام الله، ونثق في رسول الله ﷺ فيما بلغ عن ربه، فإن مشكلتنا عدم الثقة بالله ﷻ ، يقول الله سبحانه، وأنا أُذكر المسئولين وأُذكر المسلمين في هذا البلد، ما هي نتيجة الصلح مع الله؟ وما هي نتيجة الرجوع إلى الله جل وعلا؟ يقول الله على لسان نبيه نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾ [نوح:١٠]. ما هي النتيجة إذاً؟ ما هي النتيجة لو عدنا إلى الله من معاصينا؟ ما هي النتيجة لو تبنا إلى الله من ذنوبنا وتقصيرنا؟ ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً﴾ [نوح:١٠ - ١١]. يا من تريدون الماء! ويا من تريدون المطر! هاهو العلاج، هاهو الدواء ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً * مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ [نوح:١١ - ١٣]. هذا هو كلام ربنا، فالقضية قضية عدم الثقة بكلام الله. لقد جربنا الشرق مرة، وجربنا الغرب مرة، واتخذنا جميع الخطط؛ خطةٌ خمسية، وخطةٌ سنوية، وخطةٌ شهرية، ولكن لا مفر من الصلح مع صاحب الأمر كله، لا مفر من الرجوع إلى الله، لابد أن نرجع: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾ [نوح:١] ما هي النتيجة؟ ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً﴾ [نوح:١١] لأنه هو وحده بيده مفاتيح الماء، بيده مفاتيح الأرض والسماء: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ [نوح:١١ - ١٢] ولكنكم لا ترجون توقير الله، ولا ترجون أن تثقوا في الله، ولا تصدقون كلام الله، فأنتم ومصيركم. ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً﴾ [نوح:١١] يا من تريدون المطر، ويامن تريدون الماء، ويا من تخافون من نقص المياه، ونقص الكهرباء، هاهنا في استغفار الله، هاهنا في الرجوع إلى الله، هاهنا في العودة إلى الله جل وعلا. ورُوي أن الحسن عليه رضوان الله جاءه رجلٌ يسأله ويشتكي له الفقر، فقال له الحسن: استغفر الله. وجاء رجلٌ ثانٍ إلى الحسن يشكو الجدب -أي: عدم نزول المطر- فقال له الحسن: استغفر الله. وجاء رجلٌ ثالث يقول للحسن: أنا رجلٌ صاحب أموال إلا أنني أريد البنين والأولاد، فقال له الحسن: استغفر الله. وجاء رجلٌ رابع يشكو للحسن قلة ريع الأرض وإنتاج الأرض، فقال له الحسن: استغفر الله. فتعجب الجميع من حوله، وقالوا له: ما هذا يا تقي الدين؟ إن رجلاً جاء وسألك واشتكى إليك الفقر، فقلت: استغفر الله، وجاء آخر يشكو إليك قلة ريع الأرض فقلت: استغفر الله، وجاء آخر يشكو إليك عدم نزول المطر فقلت: استغفر الله، وجاء رابع يشكو إليك عدم وجود البنين فقلتَ له: استغفر الله!! فقال لهم: هذا من كتاب الله جل وعلا ثم تلى عليهم قوله سبحانه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً * مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ [نوح:١٠ - ١٣]. يقول الله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦] يقول سبحانه: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾ [الجن:١٦] هذا كلام ربنا، فأين الثقة في كلام الله؟ إنها الثقة. إذاً: مشكلتنا عدم الثقة في الله، وعدم اليقين في كلام الله ﵎.

стр. 828

ابن مسعود على فراش الموت أتذكر هذا المشهد لأختم به خطبة اليوم حينما دخل عثمان بن عفان على عبد الله بن مسعود ﵁، وهو نائمٌ على فراش الموت، فقال له عثمان بن عفان: [يا ابن مسعود! من أي شيء تشكو؟ قال له: أشكو ذنوبي، قال أي شيءٍ تخاف؟ قال: أخاف عذاب الله، قال: أي شيءٍ ترجو؟ قال: أرجو رحمة ربي، قال له عثمان: هل أستدعي لك الطبيب، فقال عبد الله: الطبيب لقيني، فقال عثمان: وماذا قال لك؟ فقال ابن مسعود: قال لي الطبيب: إني فعالٌ لما أريد، فقال عثمان: يا ابن مسعود! هل أكتب لبناتك شيئاً من المال بعد موتك؟ قال: كلا يا أمير المؤمنين، قال: ولم؟ قال له: لأنني علمتُ بناتي سورة الواقعة، سمعتُ حبيبي رسول الله يقول: (من قرأ سورة الواقعة في يومه وقاه الله شر الفقر طول يومه] يقين في الله، وثقة في الله. إذاً مشكلتنا هي عدم الثقة في كلام الله؛ لأن الله يقول: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾ [الجن:١٦] إلا أننا نقول لربنا: لا يا رب الطريقة هاهنا، مرةً في الشرق ومرةً في الغرب، ومرةً مع العملات الصعبة، ولكن أقسم بالله العظيم ليس هذا هو الحل، أقسم بالله ليس هذا هو الحل. اللهم إني قد بلغت اللهم فاشهد، اللهم إني قد بلغت اللهم فاشهد، الحل هاهنا الحل هاهنا الحل هاهنا الفرج هاهنا الفرج هاهنا أن نرجع إلى الله وأن نعود إلى الله، وأن نصطلح مع الله، وأن نجدد البيعة مع الله، وأن ننفذ شرع الله ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾ [الجن:١٦] ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦] ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذريات:٢٢ - ٢٣] فما من دابةٍ في الأرض إلا على الله رزقها. فهيا ثقوا في الله، ثقوا في كلام الله، ثقوا في كلام رسول الله ﷺ وجربوا الله مرة، وجربوا شرع الله مرة، لقد جربتم كل شيء، فلم تعرضون عن منهج الله، ولم تعرضون عن تجربة شرع الله؟ ففي منهج الله العز كله، لماذا؟ لأن الله هو الذي خلق، ولأن الله هو الذي قنن، ولأن الله هو الذي شرع، وصدق الله إذ يقول: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]. أسأل الله سبحانه أن يشرح صدورنا، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم ارفع عنا هذا البلاء، اللهم ارفع عنا هذا البلاء، اللهم ارفع عنا هذا البلاء، اللهم ارفع عنا هذا الغم والهم، اللهم ارفع عنا هذا الضيق، اللهم ارفع عنا هذا الضيق، اللهم إن أردت بالناس فتنةً فاقبضنا إليك غير خزايا ولا مفتونين، ولا مفرطين ولا مضيعين، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ولا تعذبنا فأنت علينا قادر، لا تعذبنا فأنت علينا قادر، لا تعذبنا فأنت علينا قادر، اللهم الطف بنا يا لطيف، اللهم ارحمنا يا رحيم، اللهم تب علينا يا تواب، اللهم نج مصرنا من هذه الفتن، اللهم ارفع عن مصرنا هذه الابتلاءات، اللهم ارفع عن مصرنا هذه المحن، اللهم إن بـ مصر عباداً ركعاً سجداً يبتغون فضلك ورضوانك، اللهم إن بـ مصر شيوخاً ركعاً، وأطفالاً رضعاً، وبهائم ركعاً فارحمهم يا رب العالمين، اللهم ارفع عنا البلاء وارفع عنا الضيق، اللهم اجعل مصرنا سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، اللهم اجعل مصرنا سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين. اللهم لا تحرمنا من نعمة الماء، اللهم لا تحرمنا من نعمة الماء، اللهم لا تحرمنا من نعمة الماء، اللهم لا تحرمنا من نعمة الماء واجعلنا أهلاً لشكر نعمك يا رب العالمين. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، واغفر لنا عيوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا حاجةً هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين. عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، اذكروا الله العظيم يذكركم، واستغفروه يغفر لكم، واشكروه على نعمه يزدكم. وقبل أن أغادر هذا المنبر أذكركم بالتبرع لمسجد الإمام، عسى الله ﵎ أن يوفقنا للانتهاء من بنائه إن شاء الله جل وعلا، وأنفقوا ولا تخشوا من ذي العرش إقلالاً، وأعتذر لكم عن الدرس فإني على سفر، وأقم الصلاة.

стр. 829

الحمل بالمسيح ضمن فوائد سورة مريم يقف الشيخ منبهاً على عقيدة التوحيد، وذلك من خلال سياق قصة مريم ﵍ حين جاءها الملك، وقصة حملها وولادتها بعيسى ﵇، وقد بيَّن -حفظه الله- قدرة الله وعنايته ورعايته ورزقه لمريم، ودعا أخيراً إلى الأخذ بالأسباب ثم التوكل على الله.

стр. 830

موقف أهل الإسلام من عيسى ﵇ الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريكٌ في الملك وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو فلا خالق غيره ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢]. أحمدك يا ربِ وأستعينك وأستغفرك وأستهديك، لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك. جل ثناؤك، وعظم جاهك، ولا إله غيرك، أحمدك حمداً كثيراً طاهراً طيباً مباركاً فيه ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيءٍ بعد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الواحد الذي لا ضد له، والصمد الذي لا منازع له، والغني الذي لا حاجة له، والقوي الذي لا يعجزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، هو جبار السماوات والأرض، فلا راد لحكمه، ولا معقب لقضائه، إنما قوله لشيءٍ إذا أراده أن يقول له كن فيكون. وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا ومعلمنا وقدوتنا وأستاذنا محمد رسول الله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليك يا سيدي يا رسول الله صلاةً وسلاماً يليقان بمقامك يا أمير الأنبياء ويا سيد المرسلين، وأشهد لك يا سيدي ويشهد معي الموحدون أنك قد أديت الأمانة، وبلغت الرسالة، ونصحت الأمة، وكشف الله بك الغمة، وعبدت ربك حتى لبيت داعيه، وجاهدت في سبيل ربك حتى أجبت مناديه، وعشت طوال أيامك ولياليك تمشي على شوك الأسا، وتخطو على جمر الكيد والعنت، تلتمس الطريق لهداية الضالين وإرشاد الحائرين، ونشرت أضواء الحق والخير والإيمان والتوحيد كما تنشر الشمس ضياءها في رابعة النهار، فصلِّ اللهم وسلم وبارك عليك يا رسول الله، وجزاك الله عنا خير ما جزى الله به نبياً عن أمته ورسولاً عن قومه. أما بعد:

стр. 831

عقيدة أهل السنة في عيسى ﵇ فيا أيها الأحباب! تعالوا بنا لنطوف سوياً في روضة القرآن الكريم، ومع اللقاء الرابع عشر على التوالي مازلنا نطوف مع حضراتكم في بستان سورة مريم. نكرر القول بين يدي كل لقاء من لقاءات تفسيرنا لسورة مريم ونقول أولاً: بأن عقيدتنا نحن الموحدون هي لا إله إلا الله، نقولها في كل زمان ومكان، نبتغي بها وجه ربنا ذي الجلال والإكرام ونقول: لا إله إلا الله، لا شريك له، ولا ند، ولا كفء، ولا شبيه، ولا ضد ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]. هذه هي عقيدتنا، وهذا هو توحيدنا، قالها لنا نبينا ﷺ : (قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا) هكذا قال ابن عبد الله، فقلناها والحمد لله، ونسأل الله أن يتوفانا على لا إله إلا الله. ثانياً: نبرئ عيسى ﵇ مما نسبه إليه النصارى، ونقول: بأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم ﵍، ليس إلهاً، ولا ابناً للإله جل وعلا، وإنما هو عبد الله ورسوله، ونقول ما قاله الله جل وعلا: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً﴾ [البقرة:١١٦] هكذا قال النصارى ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة:١١٦ - ١١٧]. لا زوجة له، ولا نِد له، ولا ولد له، ولا كفء له، ولا شبيه له، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]. ثالثاً: نهتف في كل لقاءٍ مع أستاذنا ومعلمنا الإمام ابن القيم ونقول لهؤلاء النصارى: أعباد المسيح لنا سؤالٌ نريد جوابه ممن وعاهُ إذا مات الإله بصنع قومٍ أماتوه فهل هذا إلهٌ ويا عجباً لقبرٍ ضم رباً وأعجب منه بطنٌ قد حواهُ أقام هناك تسعاً من شهور لدى الظلمات من حيضٍ غذاه وشق الفرج مولوداً صغيراً ضعيفاً فاتحاً للثدي فاه ويأكل ثم يشرب ثم يأتي بلازم ذاك هل هذا إله تعالى الله عن إفك النصارى سيسأل كلهم عما افتراه

стр. 832

حوار مريم والمَلَك أما بالنسبة لتفسير الآيات، فلقد توقفنا في اللقاء الماضي عند قول الحق جل وعلا: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً * قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً﴾ [مريم:١٦ - ٢١]. لقد توقفنا في اللقاء الماضي عند قول الحق جل وعلا ﴿وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً﴾ [مريم:٢١] هذه العذراء التي تربت على الطهر والعبادة والعفاف احتجبت يوماً من أيام حياتها عن قومها لقضاء حاجةً من حوائجها الخاصة جداً، وفجأة في هذه الخلوة، ووراء هذا الحجاب، وجدت أمام عينيها وبين يديها بشراً سوياً كاملاً مكتملاً، فقالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً﴾ [مريم:١٨] أي: إن كنت تتقي الله جل وعلا، وإن كنت ممن يخافون الله جل وعلا، فطمأنها هذا البشر السوي قائلاً: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً﴾ [مريم:١٩] فسألت العذراء في تعجبٍ ودهشةً واستغراب. قالت: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً﴾ [مريم:٢٠] ليس لي زوج، ولم أكون زانية في يومٍ ما ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً﴾ [مريم:٢٠] فطمأنها الملك ثانيةً وهو جبريل ﵇ قائلاً: ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً﴾ [مريم:٢١]. وهنا اطمأنت مريم لهذا الكلام، واطمأنت واستسلمت لقضاء الله وقدره ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم:٢١] قدرة الله لا تحدها حدود ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً﴾ [مريم:٢١] ولنجعل هذا المولود آية، أي: علامة؛ علامة على ماذا؟ علامة على قدرتنا وعلى كمال جلالنا وعظمتنا ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ [مريم:٢١] رحمةً منا لمن شهد لي بالوحدانية وله بالرسالة والنبوة ﴿وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً﴾ [مريم:٢١] إذا قدر الله وإذا أراد الله شيئاً فإنما يقول له: كن فيكون، ﴿وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً﴾ [مريم:٢١].

стр. 833

حمل مريم بين عقيدة النصارى والمسلمين نحن اليوم على موعدٍ مع المشهد الثاني؛ لأني قسمت قصة مريم إلى ثلاثة مشاهد، المشهد الأول -تكلمنا عنه في اللقاء الماضي- إلى قول الله جل وعلا: ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً﴾ [مريم:٢١]. المشهد الثاني: هو قول الله جل وعلا: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً * فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً * فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً﴾ [مريم:٢٢ - ٢٦] هذا هو المشهد الثاني. فحملت! كنت أود أن يكون موضوعنا اليوم عن معنى كلمة فحملت فقط؛ لأن هذه اللفظة تحمل معانٍ عظيمة وكثيرة.

стр. 834

معنى قوله تعالى: (فحملته) عند النصارى ماذا قال النصارى في حمل مريم؟ وماذا قال الموحدون في حمل مريم؟! قال النصارى عن معنى كلمة: (فحملت) واستمعوا إلى هذا الهراء، والافتراء، والكذب، ماذا قال النصارى عن معنى: (فحملت)؟! ماذا قالت أناجيل النصارى: برنابا، ومتى، مرقص، قالت أناجيل النصارى في حمل مريم بالإجماع: أي حملت بالإله؛ لأن اليعقوبية والنسطورية تقولان -وهاتان طائفتان من طوائف النصارى، كطوائف البروتستانت والأرثوذكس اليوم- بأن أم مريم هي زوجة الرب الإله، ولما أراد الإله أن يتجسد في الناسوت - لأنني قلتُ لكم بأنهم يقولون بأن الإله لاهوتاً وناسوتاً في آنٍ واحد- نزل إلى مريم، -استمع إلى هذه الألفاظ- نزل رب السماوات والأرض من على كرسيه وعرشه -هكذا قالوا- ودخل في فرج مريم، والتحم الإله ببطن مريم، وأقام هناك تسعة أشهر كاملة يتخبط بين اللحم والدم والحيض ثم خرج بعد ذلك لاهوتاً من جنس أبيه، وناسوتاً من جنس أمه، ثم بعد ذلك عاش ما قدر لنفسه أن يعيش، ثم صلبه اليهود وقتلوه، ودفن في قبره ثلاثة أيام ثم ترك الإله القبر، وصعد ليجلس عن يمين أبيه، وتجلس أمه عن يسار الرب ليحكم بين الناس يوم القيامة! هذا ما قاله النصارى، وهذا هو افتراء النصارى!!

стр. 835

معنى قوله تعالى: (فحملته) عند المسلمين ولكن تعالوا بنا لنفخر ولنعلي هذا الإسلام على رءوس الأزمان والأشهاد، فحقٌ لنا أن نفخر بأننا موحدون ننتسب إلى محمد ﷺ . ماذا قال الموحدون في حمل مريم؟ ماذا قال قرآننا عن معنى كلمة: (فحملته)؟ ماذا قال نبينا عن معنى كلمة: (فحملته)؟ ما هو كلام المسلمين المؤمنين، وما هو كلام علمائهم؟ يقول علماؤنا: لا ينبغي لنا أن نلهث وراء كيفية الحمل؛ لأنه لا يعلم كيفيته إلا من أمر به. انظر إلى الأدب، انظر إلى الكمال والجلال، لا ينبغي لنا أن نلهث، أو أن نبحث، أو أن ندقق في كيفية الحمل، كيف حملت مريم؟! وكيف نفخ جبريل؟! وفي أي مكان نفخ؟! هل نفخ جبريل في فرجها أو جيبها أو كمها أو درعها؟! لا يجب أن نسأل على الإطلاق، لأننا نقر ونعترف أن الذي أراد ذلك هو الله وكل شيءٍ هينٌ أمام قدرته وعظمته وإرادته، قال الله : ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً﴾ [مريم:٢١]. انتبهوا معي لهذا الملحظ الجميل في قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠] إذا أراد الله شيئاً فإنما يقول له:، وانتبهوا معي إلى هذه اللفظة، هذه الكلمة التي تتكون من حرفين: لام وهاء، أن يقول له: كن فيكون، نحن نفهم هذه العبارة وهذه الكلمة، إذا قال له: كن فيكون، كلمة له، تحمل معنى شيء، يعني: قال الله للجدار كن فكان، قال له كن أيها الجدار فكان، قال لهذه السماء كوني فكانت. قال له: معنى كلمة (له) أنها تحمل معنى شيء وجد، وهذا يلفت أنظارنا إلى أن الله يقول: إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن، أي أن هذا الشيء وجد قبل أن يقول الله كن، كلمة له موجود، وبعد ذلك يقول كن، إذاً: هو كان ويكون، دليلٌ على القدرة، والعظمة، والإرادة، قبل أن يقول الله كن إذا أراد الشيء كان، وإن كان هذا الأمر يحدث معي أنا إن كنت من المؤمنين الموحدين ودخلت الجنة، فإن هذا الأمر يحدث معك، فإذا كنت من أهل الجنة واشتهيت فاكهةً معينة، أو طعاماً معيناً قبل أن يتحرك لسانك بطلب هذه الفاكهة، وبطلب هذا الشيء ما عليك إلا أن تقول: سبحانك اللهم، وقبل أن تطلب تجد ما اشتهيته أمام عينيك وبين يديك. إذا كان هذا أمرٌ لي أنا الإنسان، فكيف سيكون الحال مع خالق الإنسان والأكوان، إذا قال الله: كن لابد أن يكون. فالله يقول: فحملته، ما ينبغي لنا أن نسأل، وما ينبغي لنا أن نبحث كيف كان الحمل، وكيف نفخ جبريل، هذا أمرٌ لا يعلمه إلا الله، المهم أننا نعلم أن قدرة الله لا تحدها حدود، فحملته انتهى الأمر ﴿وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً﴾ [مريم:٢١].

стр. 836

عجز الإنسان عن إدراك حقيقة الروح نحن في هذه الأيام في القرن العشرين، الذي صعد الإنسان فيه إلى سطح القمر، وصنع فيه الإنسان السيارة والطيارة والصاروخ والقنبلة النووية، وبالرغم من ذلك ما من قوة على ظهر هذه الأرض في عصرنا هذا اخترقت أو تجرأت على أن تقول: إننا قد أدركنا ما هي الروح، الإنسان عاجز إلى الآن عن إدراك ما هي الروح التي قال الله عنها: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥]. أي: أنكم مهما وصلتم وتوصلتم إلى أعلى مراتب درجات العلم، فإنكم لم ولن تستطيعوا أن تصلوا إلى كنه الروح أو ما هي الروح؛ لأن الله قد اختص وحده بعلمها.

стр. 837

خلاف أهل الإسلام في مدة الحمل كيفية الحمل؛ الله أعلم به، قال بعض العلماء بأن معنى كلمة فحملته: أي: حملت مريم بعيسى وولدته في ساعة واحدة، وهم يستدلون بقول الله جل وعلا: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً * فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ [مريم:٢٢ - ٢٣] فهم يستدلون بوجود الفاء هنا على أنها في اللغة تحمل معنى الترتيب والتعقيب، وهذا يحمل معنى سرعة الحمل والولادة. ولكننا نقول لهم: لا. وإنما حملت مريم بعيسى حملاً عادياً تسعة أشهر، وهذا هو رأي جمهور العلماء، ورأي جمهور المفسرين، أن مريم حملت بعيسى حملاً عادياً تسعة أشهر. الدليل: إذا كنتم تستدلون بفاء الترتيب والتعقيب، فإننا نقول: فاء الترتيب والتعقيب تأتي في اللغة العربية بحسب الشيء الذي يليه. بمعنى: أن الله لما تكلم عن مراحل خلق الإنسان قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً﴾ [المؤمنون:١٢ - ١٤] جاءت هنا فاء الترتيب والتعقيب والحديث في صحيح البخاري ومسلم أن بين كل مرحلةٍ ومرحلة أربعين يوماً. إذاً: فالتعقيب يأتي بحسبه، أنزل الله الماء من السماء فتصبح الأرض مخضرة، كلمة: فتصبح، فاء الترتيب والتعقيب هنا لا تفيد أنه بمجرد نزول المطر اخضرت الأرض، لا. بل أخذت وقتاً وهذا الوقت بحسب الشيء الذي يليه. فمريم حملت بعيسى حملاً عادياً تسعة أشهر، والدليل على ذلك أيضاً: أنها لما ظهرت عليها بوادر الحمل، وكبرت بطنها وثقلت كان يخدم معها في البيت رجلٌ صالحٌ يسمى: يوسف النجار، هذا الرجل الذي اتهم اليهود مريمَ به، قالوا: إن الذي فعل بها هذه الفعلة هو يوسف؛ لأنه هو الذي يوجد معها في بيت المقدس هذا لما نظر إلى بطن مريم، وإلى ثقل بطن مريم، تعجب! وأخذ يفكر في حقيقة الأمر، وكلما سيطر عليه هذا الهاجس وهذا التفكير دفعه بعنفٍ وقوةٍ وشدة لما يعلم من براءتها وطهرها وعفتها وعبادتها ودينها، ولكن سرعان ما يعود هذا الخاطر مرةً ثانية فيقول لنفسه: إذا كانت هي تقيةً ورعة، وأنا أقر بذلك فكيف هذا الحمل؟! كيف كبر بطنها وثقل ويظل يعيش مع هذا الخاطر يدفعه مرة ويسيطر عليه مرات، وفي النهاية ذهب إليها وقال: يا مريم! إني سائلك عن أمرٍ فلا تعجلي عليَّ فيه، فقالت مريم: وكأنها فهمت ماذا سيقول يوسف، قالت: يا يوسف سلني عما شئت ولكن قل قولاً جميلاً؟ فقال لها يوسف مُعرّضاً في الكلام، قال لها يا مريم هل ينبت زرعً بغير بذر؟ وهل ينبت شجر بغير غيث؟ وهل يكون ولدٌ بغير أب؟! فقالت مريم: نعم. قال لها: كيف؟! فقالت له: يا يوسف! ألم تعلم أن الله أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر؟! ألم تعلم يا يوسف أن الله أنبت الشجر يوم خلقه من غير غيثٍ ولا مطر؟! ألم تعلم يا يوسف أن الله يوم خلق آدم خلقه من غير أبٍ وأم؟! فنظر إليها قائلاً: أعلم أن الله على كل شيءٍ قدير!! ولم يستطع بعد ذلك أن يناقشها، أو يجادلها، وتركها إلى حالها. وانتصرت مريم، ولذا فإن الله جل وعلا يقول: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ * أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة:٥٧ - ٥٩] من الخالق؟ الله ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ * نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ * أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ * أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٥٨ - ٧٤] سبحان ربي العظيم. ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ [الواقعة:٥٨] أفرأيتم هذه النطفة وهذا المني الذي يقذفه أحدكم بشهوة، ويجعل الله منه الولد بقدرته؟ من هذه النطفة ومن هذا الماء تكون أنت أيها الإنسان الكامل المغرور ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ [الطارق:٥ - ٨]. ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة:٥٨ - ٥٩] ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة:٦٣ - ٦٤] ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة:٦٨ - ٦٩]. من الذي خلق؟ الله. ومن الذي أنزل؟ الله. ومن الذي ينبت؟ الله. ألم تعلم يا يوسف أن الله خلق الزرع يوم خلقه من غير بذر؟! وخلق الشجر يوم خلقها من غير غيث؟! وخلق آدم يوم خلقه من غير أبٍ وأم. يقول سبحانه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ﴾ [البقرة:٢٥٩] رجل مرّ على قرية مهجمة لا أثر فيها لأي حياة، فنظر إلى هذا البناء متعجباً وقال: كيف يحي الله هذا الموات؟! ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٥٩ - ٢٦٠]. أعلم أن الله على كل شيءٍ قدير، وأعلم أن الله عزيزٌ حكيم، قدرة الله لا تحدها حدود ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠].

стр. 838

ولادة عيسى ﵇ حملته حملاً عادياً بقدرة الله وبأمره، وطال وقت الحمل، وظهرت بوادره، وهنا ضاق قلبها، وضاقت نفسها، وضاقت ذرعاً بهذه الفضيحة المنتظرة، ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً﴾ [مريم:٢٢] لما اقترب الوقت وحان الأجل، وعلمت أن أ/رها سيفضح بين قومها، خرجت بهذا الحمل الذي كاد أن ينزل صاحبه ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً﴾ [مريم:٢٢] خرجت إلى مكانٍ بعيد، إلى ما وراء الجبال حتى لا يراها أحد من الناس.

стр. 839

إلجاء المخاض لمريم وشدته عليها ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً﴾ [مريم:٢٢] وهنا في هذا المكان البعيد عن أعين الناس، ولكنه قريبٌ من عين الذي لا يغفل ولا ينام، لا يتركها ربها أبداً، هنا يقول الله سبحانه: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ [مريم:٢٣] انظر إلى دقة اللفظ: فأجاءها، بمعنى: فألجأها المخاض إلجاءً فاضطرها اضطراراً، وكلكم يعلم لا أقول النساء وإنما أقول أنتم أيضاً، فما من امرأة أو رجل إلا ويعلم شدة الوضع عند المرأة، فلقد رأيت زوجتك، وأمك، وأختك، وابنتك تتألم وتصرخ وأنت إلى جوارها في مكانٍ آخر، لأن آلام الوضع لا يعلمها إلا من جربت هذا الألم، ربما تألمت أنت لألمها إلا أن الألم الحقيقي لا تعرف قدره أنت مهما كان ألمك. فهنا جاءها المخاض: أي الطلق، وآلام الولادة والوضع: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ [مريم:٢٣] أي: ففاجأها المخاض، واضطرها الطلق اضطراراً إلى جذع نخلة قريب من هذا المكان الذي ذهبت إليه وجلست فيه: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم:٢٣] استندت على هذا الجذع وهي تتألم. ولكم أن تتخيلوا معي عذراء لأول مرة تلد، ليس معها أم، ولا أخت، ولا زوج، ولا ابن، ولا أي مخلوق، لكن معها الله، ومن كان الله معه فلا يحزن، عذراء تلد لأول مرة، وأعتقد أن النساء يعلمن ويعرفن هذا الأمر جيداً، فتاة تلد لأول مرة دون أن يكون معها إنسان. ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم:٢٣] وفجأة نزل الوليد، وليس الإله! هل هناك إلهٌ يولد؟! هل هناك إلهٌ ينزل من فرج؟! هل يليق بالإله أن يتلبط بين الدماء والحيض؟!! هل يليق بالإله أن يلتقم الثدي ليشرب من جوع؟! هل يليق بالإله أن يأكل الطعام ليسد جوعه؟! هل يليق بالإله أن يلف في لفائف، وأن يتبول وأن يتغوط؟! تعالى الله عما يقول النصارى علواً كبيراً! ونزل الوليد، وهنا رأت مريم نفسها أمام الفضيحة بجميع أركانها، لا مفر منها، ولدها أمام عينيها وبين يديها، وهنا قالت بلسان المرأة الضعيفة التي تعلم علم اليقين أنها في مواجهة قومها، قالت: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً﴾ [مريم:٢٣] ليتني متُ قبل هذا اليوم، ليتني ما رأيته، ليتني ما عشتُ إلى هذا اليوم، ماذا سأقول لقومي؟ وماذا سأقول لأهلي؟ وقد انتشر الخبر وشاع في بيت زكريا، وبيت عمران، وبني اسرائيل، بل واتهموها بـ يوسف النجار، وأن الفضيحة إذا خرجت من بيت الورع فإن الألسنة ترددها أيما ترديد، ولكن الفضيحة إن خرجت من بيت الفضيحة والرذيلة لا يأبه لها، ولا يهتم بها أحد، أما أن تخرج الفضيحة من بيت التقى والورع فإنها الفضيحة!! شاع الخبر في بني إسرائيل ومريم في هذه اللحظات أخذت تفكر وتتجاذب مع نفسها أطراف الحديث والحوار، ماذا سأقول لقومي؟! وماذا سيكون جوابي؟! ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً﴾ [مريم:٢٣]. وهنا ملحظٌ فقهيٌ عظيم، وهو: يجوز للمسلم أن يتمنى الموت إن كان تمنيه للموت من فتنةٍ ستدمر عليه دينه، ولكن لا ينبغي للمسلم أن يتمنى الموت لفقره، أو لمرضه، أو لرسوب ابنه، أو لمعاكسة زوجته إياه، لا ينبغي له أن يتمنى الموت لما ورد في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (لا يتمنين أحدكم الموت لضرٍ وقع به، وإن كان ولابد فاعلاً أو متمنياً فليقل: اللهم توفني ما كانت الوفاة خيراً لي، وأحييني ما كانت الحياة خيراً لي) هذا ملحظ سريع في الآية.

стр. 840

تفريج الله لكربة مريم وفي وسط هذا الذهول، والفزع، والرعب، والألم، ألمٌ نفسي وبدني، ألمٌ نفسي لما ستلاقيه من قومها، وألمٌ بدني لآلامٌ الطلق والوضع ولا سنيد لها ولا معين يساندها أو يعاونها، هذه الآلام المتلاحقة في وسطها يشق هذه الآلام ويشق هذا السكون، وهذا الجو صوتٌ جميلٌ ندي، إنه صوت الوليد الرضيع، إنه الطفل الذي ولد منذُ لحظات، لا أقول منذُ ساعات، وإنما أقول منذُ لحظات، وهنا مريم تتألم وتنظر بعينيها إلى السماء لتفكر في حقيقة أمرها، ومواجهة قومها، وحقيقة هذا الأمر، وفجأة تسمع صوتاً ندياً جميلاً: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي﴾ [مريم:٢٤]. لِمَ كل هذا الحزن؟! ولِمَ كل هذا الألم؟! ولِمَ كل هذا البكاء؟! ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ [مريم:٢٤] قيل بأن المنادي هو جبريل وقيل هو عيسى، ولكن الأرجح أن النداء كان من عيسى؛ لأن عيسى تكلم وهو صبيٌ طفلٌ صغيرٌ رضيع: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي﴾ [مريم:٢٤] لا تحزني والله معك!! لا تحزني والله راعيك!! لا تحزني والله حافظك!! لا تحزني فإن الذي قدر لك هذا هو الله!! لا تحزني، لا تخافي؛ لأن من كان مع الله كان الله معه، ومن كان الله معه فلا ينبغي له أن يحزن، ولا ينبغي له أن يخاف أو يضطرب أو يفكر لا تحزني، لا تخافي: ﴿قَد جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾ [مريم:٢٤] فجر الله لها عيناً من الماء العذب الفرات في هذه الصحراء، نظرت ووجدت عين ماء تحت هذا الطفل الصغير، جدولاً كما ورد فيما رواه الحاكم في مستدركه وقال: صحيحٌ على شرط الشيخين البخاري ومسلم: (فجر الله لها جدولاً صغيراً من الماء). ﴿َلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾ [مريم:٢٤] سرياً: أي جدولاً أو نهراً صغيراً من الماء: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً﴾ [مريم:٢٥] فكلي من هذا الرطب، واشربي من هذا الماء وقري عيناً، لا تحزني، هذا هو وعد الله للمتقين، هذا هو عهد الله على ذاته للمؤمنين، حقٌ على الله لمن اتقاه أن يحسن الله بدايته، وأن يتولى الله رعايته، وأن يحسن الله نهايته، حقٌ على الله لمن اتقاه أن يستره الله فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض. ﴿َلَّا تَحْزَنِي﴾ [مريم:٢٤] وهنا أتذكر هذا المشهد المماثل تماماً بتمام، يوم أن ذهب إبراهيم الخليل مع ولده إسماعيل وأمه هاجر ﵈ وذهب بهما إلى مكانٍ لا زرع فيه ولا نبات، ولا إنس فيه ولا حياة، وترك الولد والأم وقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم:٣٧] وتركهما الخليل وأراد أن ينصرف، فنظرت إليه هاجر وقالت: يا إبراهيم إلى من تتركنا؟! إلى من تكلنا في هذا المكان الذي لا أنس فيه ولا زرع فيه ولا سبب من أسباب الحياة؟! وإبراهيم لا ينطق ولا يتكلم كلما كلمته هاجر، وأخيراً نظر إبراهيم إلى السماء، مشيراً أن الذي أمره بذلك هو الله، فقالت هاجر: آلله أمرك بهذا، فأشار برأسه أن نعم، أي أن الذي أمرني بذلك هو الله، فنظرت إليه هاجر قائلةً: إذا فاذهب، فإنه لن يضيعنا أبداً. طالما أن الله هو الذي أمرك فلن يضيعنا الله أبداً. يقول عيسى لمريم: ﴿َلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾ [مريم:٢٤] ثم قال: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً﴾ [مريم:٢٥ - ٢٦]. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

стр. 841

رزق الله لمريم حال نفاسها الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه إلى يوم الدين. أما بعد: قال الله: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾ [مريم:٢٤] فجر الله لك عيناً من الماء، فاشربي وكلي من الرطب، ﴿رُطَباً جَنِيّاً﴾ [مريم:٢٥] أي: رطباً طيباً طرياً، وهنا قال العلماء فضلاً عن علماء قرننا العشرين: بأنه لا يوجد للنفساء طعامٌ أطيب من طعامٍ أنزله الله لمريم في فترة نفاسها وهو التمر، أطيب طعام للمرأة النفساء هو التمر أو الرطب؛ لأنه طعامٌ قدره الله لمريم فيه فاكهة. ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً﴾ [مريم:٢٥ - ٢٦] اطمأني، فليطمئن قلبك، ﴿وَقَرِّي عَيْناً﴾ [مريم:٢٦] ليطمأن قلبك أن الله الذي قدر لك الماء، وأن الله الذي أنزل إليك التمر من الشجرة العجفاء، قادرٌ على أن يبرئ ساحتك أمام قومك بأمره وقدرته، ﴿وَقَرِّي عَيْناً﴾ [مريم:٢٦] لا تحزني، كلي واشربي وقري عيناً. وهنا أراد هذا الطفل الصغير أن يلقن أمه حجتها، وقال لها: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً﴾ [مريم:٢٦] هذه هي نهاية المشهد الثاني، لو رأيتِ أحداً من الناس من قومك يكلمك ويجادلك فلا تردي، وإنما عليك أن تشيري أنك صائمة، نذرت الصوم لله جل وعلا، وكان الصيام عن الكلام مشروعاً في دينهم، وهو محرمٌ في ديننا، هكذا قال ابن حجر في كتابه فتح الباري شرح صحيح البخاري، وهكذا قال الإمام ابن قدامة، وهكذا قال أئمة المسلمين بأن الصوم عن الكلام في ديننا محرم، ولكنه جائز في دينهم. قالت: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً﴾ [مريم:٢٦] كما قال الله لزكريا: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً﴾ [مريم:١٠] حتى إن زكريا إذا ما جاء ليذكر الله، نطق لسانه بذكر الله، وإذا ما جاء ليتكلم مع الناس لم يستطع لسانه النطق ولا الكلام كما شرحنا ذلك بالتفصيل ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً﴾ [مريم:٢٦]. وننتهي هنا ونكمل إن شاء الله جل وعلا في الأسبوع المقبل المشهد الثالث، وهو مشهد لقاء مريم مع قومها، وما الذي دار؟ وما هو الحوار؟ وماذا قالت مريم؟ وماذا قال أهلها؟ وماذا قال الصبي الصغير؟ والطفل الرضيع؟ لنخرج بعد ذلك ببيان عقيدة النصارى الباطلة التي يعتقدونها في هذه الأيام، ولنفخر نحن الموحدون بعقيدة لا إله إلا الله.

стр. 842

دعوة للأخذ بالأسباب ثم التوكل على الله هنا ملحظ أخير في الآية، وسوف أعلق عليه في الدرس إن شاء الله جل وعلا حينما قال الله لمريم: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم:٢٥] تخيل معي امرأة ضعيفة أنهكها الوضع، وقضى على كل قوةٍ فيها، وفي ساعة ولادتها لا سبب إطلاقاً من أسباب الطعام إلا أن تخدم نفسها، لكنه كما هو معهود أن المرأة التي وضعت لا تصنع شيئاً، وإنما تنام لترى من يغسل لها الثياب، ويقدم الطعام، والشراب وهكذا؛ ولكن هذه المرأة في هذا الوضع لا يمكن لمخلوقٍ أن يأتيها بطعامٍ أو شرابٍ وهي التي ستخدم نفسها بنفسها! والله يقول لها: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم:٢٥] أمر عجيب!! يا مريم اعملي! في هذا الضعف يا رب؟! في هذا المرض؟! وهذه الحالة؟! وأي جذع؟! هل ستهز جذع وردة ريحان، أو فل، أمر يسير ومذلل وسهل؟! ولكن الهز هنا لأي شيء؟ لجذع نخلة! والنخلة: نخلة البلح، وأنتم تعلمون أن أعظم جذع هو جذع النخلة، لا يقوى عنترة بن شداد على هزه، فكيف لامرأة ضعيفة في نفاسها أن تهز الجذع، والمقصود بالهز أن تهزه لينزل الرطب، يعني: لابد وأن يكون الهز قوياً شديداً؛ لأن شدة الهز ستتناسب مع كمية الرطب النازلة ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً﴾ [مريم:٢٥]. هنا ملحظ جميل، لا يظن أحد أن هز مريم الجذع يميناً أو يساراً سينزل الرطب، وإنما هي دعوةٌ من الله للأخذ بالأسباب ثم بعد ذلك التوكل على مسبب الأسباب. يا مريم! حتى وأنتِ في هذه الحالة خذي بأسباب الرزق، لابد أن تسعى لرزق الله، وتأخذ بالأسباب، أما أن تجلس لتنتظر الزرق من السماء دون عمل، فإن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، إلا إذا وصل الإنسان إلى درجة اليقين التي وصلت إليها مريم حينما دخل عليها زكريا المحراب في الشتاء فوجد عندها فاكهة الصيف، ودخل عليها في الصيف فوجد عندها فاكهة الشتاء، فتعجب قال: ﴿يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٣٧] هذه درجة يقين عالية جداً ليست لكل الناس، وإنما لابد من الأخذ بالأسباب؛ لأن التوكل الحقيقي على رب الأرباب جل وعلا هو أن نأخذ بجميع الأسباب، ولكن لا نتكل على هذه الأسباب؛ لأن الأسباب لا تسعف، ولا تأتي برزق، وإنما نأخذ بالأسباب متوكلين على مسبب الأسباب وعلى رب الأسباب جل وعلا. ولذا قال النبي ﷺ في حديثه الصحيح من حديث عمر بن الخطاب، وخرجه ابن ماجة، والنسائي، وابن حبان، والحاكم والترمذي، وقال عنه الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيح وليس في البخاري ومسلم، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال ﷺ : (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله؛ لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً) الطائر ينهض في الصباح الباكر ولا يظل نائماً إلى الظهر، فهو الذي يوقظك لصلاة الفجر، في النهار المبكر يترك مسكنه منزله، وعشه ليسعى على رزقه، يغدو من الغدوة من الصباح المبكر، يغدو خماصاً فارغ البطن، خاوي البطن، فيقدر الله له الرزق في أي مكان، فيحصل الطائر على رزقه ويعود إلى عشه وقد تكفل الله برزقه قائلاً: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦]. فعليك أن تأخذ بالأسباب وأن تتوكل بعد ذلك على مسبب الأسباب، أما أن تقول: أنا متوكلٌ على الله دون أخذٍ بالأسباب، فهذا أمرٌ مردودٌ ومرفوض ما فعله سيد الأحباب محمد ﷺ ، ففي ليلة الهجرة أخذ أسباب الحيطة والاحتياط، والأمن والأمان، ولذا فإنه لما علم أنه قد أخذ بجميع الأسباب، ووجد أن الأسباب قد انقطعت يوم أن وصل المشركون إلى الغار، وقال له الصديق: [لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا] يعلم النبي أن الأسباب لا تنجي قال له: (يا أبا بكر! لا تحزن ما ظنك باثنين الله ثالثهما). هنا اللجوء إلى مسبب الأسباب؛ لأن الأسباب قد انقطعت حينها، وقد أعيتها الحيل، ولم تستطع أن تنجي محمداً وصاحبه ﷺ ، ولذا فاللجوء هنا إلى الله، إلى مسبب الأسباب، ولذا فعليك أن تأخذ بالأسباب. يا طالب العلم! ذاكر، واسهر الليل، وحصل الدروس، ثم بعد ذلك توكل على الله، وقل: أنا معتمدٌ على الله وليس على مذاكرتي وتحصيلي؛ لأن من اعتمد على عقله ضلَّ، ومن اعتمد على الناس ذلَّ، ومن اعتمد على ماله قلَّ، ومن اعتمد على الله لا ضلَّ ولا قلَّ ولا ذلَّ. فخذ بالأسباب، وتوكل على مسبب الأسباب، أما أن تأخذ بالأسباب وتقول: إن الأسباب هي التي ستنجحني، أو بأن الأسباب هي التي سترزقني، لا، وإنما الرزق بيد مسبب الأسباب جل وعلا، يقول ربنا في الحديث القدسي الجليل: (يابن آدم! لا تخشى من ضيق الرزق فخزائني مملوءة وخزائني لا تنفذ أبداً) فعليكم أن تحصلوا الأسباب، وألا تعتمدوا عليها، فإن الرزق والفلاح والنجاح بيد مسبب الأسباب: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً﴾ [مريم:٢٥ - ٢٦]. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، اللهم استر عيوبنا، اللهم آمن روعاتنا، اللهم توفنا على الإيمان وأنت راضٍ عنا، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، وبلغنا ما يرضيك من آمالنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر. اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادنا، اللهم لا تدع لأحدٍ منا في هذا الجمع المبارك ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلى شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصٍ إلا هديته، ولا حاجةً هي لك رضى ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين. اللهم كما خلقتنا موحدين اختم لنا بالإيمان والتوحيد، اللهم كما خلقتنا مؤمنين فاختم لنا بالإيمان والتوحيد، اللهم كما خلقتنا موحدين فاختم لنا بالإيمان والتوحيد، اللهم توفنا على لا إله إلا الله، اللهم استرنا فوق الأرض، واسترنا تحت الأرض، واسترنا يوم العرض. اللهم اجعل بلدنا مصر بلد الأمن والأمان، ووفق ولاة أموره للعمل بكتابك والاقتداء بشرع نبيك ﷺ . عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، اذكروا الله العظيم يذكركم، واستغفروه يغفر لكم. ولا تنسوا التبرع لبيت الله جل وعلا، ادخروا في خزائن الله، ادخروا في خزائن الله وفي بنك حسنات الله، الذي يضاعف الله فيه الحسنات، فإن الحسنة عند الله بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، فلا تنسو هذا الخير وهذا الفضل الذي ساقه الله إليكم في الدنيا. أسأل الله سبحانه أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله، وأولئك هم أولوا الألباب. وصلى الله على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 843

السحر والعلاج شرع الله لخلقه عبادته، فأوجب أشياء ونهى وحرم أشياء، وسمى بعض ما حرمه بالكبائر والبعض بالصغائر، ومن هذه الكبائر: كبيرة السحر. وقد أوجد الله السحر فتنة للناس، وجعل للعلاج سبلاً منها ما هو شرعي محمود، ومنها ما هو كفري مذموم.

стр. 844

انتشار السحر على أرض الواقع الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو فلا خالق غيره ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة ولذا قضى إلا نعبد إلا إياه ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [لقمان:٣٠] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الضار النافع، الخافض الرافع، القابض الباسط، المعز المذل، فلا مذل لمن أعز، ولا معز لمن أذل، ولا خافض لمن رفع، ولا رافع لمن خفض، ولا ضار لمن نفع، ولا نافع لمن ضر، ولا قابض لما بسط، ولا باسط لما قبض، الواحد الذي لا ضد له، الصمد الذي لا منازع له، الغني الذي لا حاجة له، القوي الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام:١٧] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصلِّ اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وأسال الله جل وعلا أن يجمعني وإياكم في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد النبيين وإمام المرسلين في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك ومولاه وهو على كل شيء قدير. أحبتي في الله! إننا اليوم على موعدٍ مع اللقاء الثاني من السبع الموبقات، التي حذر منها سيد البريات ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم وأبو داوُد والنسائي من حديث أبي هريرة ﵁: أنه ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله! وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات). ولقد تحدثنا في اللقاء الماضي بتوفيق الله جل وعلا عن الكبيرة الأولى في هذا الحديث إلا وهي: الشرك، وبينّا خطورة الشرك، وتحدثنا بالتفصيل عن رحلة الشرك التي دنست الأرض ولوثت الفطرة، ثم تكلمت عن أقسام الشرك وقسمت الشرك كما قال علماؤنا إلى قسمين: الشرك الأكبر والأصغر، وبينت معنى كل منهما، ثم ختمت الحديث بعد ذلك عن فضل تحقيق التوحيد، ونحن اليوم على موعدٍ مع الكبيرة الثانية الخطيرة في هذا الحديث ألا وهي: السحر. والسحر عالمٌ عجيب غريب تختلط فيه الحقيقة بالباطل، والعلم بالشعوذة والدجل، وعالم السحر عالمٌ ظاهره جميلٌ خلاَّب، يفتن أصحاب العقول الضعيفة، ويبلبل السذج والرعاع والبسطاء، وتاريخ السحر تاريخ طويلٌ مظلم يفتن فيه شياطين الإنس والجن عباد الله جل وعلا، بل ويوقعونهم في أبشع وأكبر وأخطر جريمة، ألا وهي جريمة الكفر والشرك والضلال، وها نحن الآن نرى إقبالاً مزعجاً على السحرة والسحر والمشعوذين والدجالين، بل نرى بأم أعيننا ونسمع بآذاننا من بين أبنائنا ومن إخواننا المسلمين من إذا حزبه أمرٌ واشتكى مرضاً عضوياً كأي مرضٍ من الأمراض، أو اشتكى مرضاً قلبياً كحبٍ أو بغضٍ إلى آخره، نراه يذهب على قدميه حراً مختاراً إلى قسيسٍ في كنيسة تحدى الله جل وعلا. فيدخل المسلم صحيحاً معافى ثم يخرج من عند النصارى القساوسة الكفرة وقد أصابوه بمس الجن أو بسحرٍ لا يستطيع أحدٌ أن يخرجه بعد ذلك إلا إذا شاء الله جل وعلا وقدر, والأصل قول الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢]. فها نحن نرى أيها الأحبة! في هذا العصر المتطور المتحضر نرى إقبالاً مزعجاً على السحر والسحرة والمشعوذين والدجالين، ونرى بأم أعيننا أيضاً أننا نعيش هذا العصر الذي طغت فيه الماديات والشهوات بصورة عارمة مزلزلة، ومن ثم كثرت العقد والمشكلات النفسية، وراح الناس الذين فقدوا راحة النفس، وطمأنينة القلب، وهدوء البال راحوا يلهثون وراء السحرة والمشعوذين والدجالين بعدما ذهبوا إلى الأطباء النفسيين، وعجز علماء الاجتماع على أن يحلوا ألغاز مشاكلهم التي يقف الطب أمامها مبهوتاً متحيراً، وبعد تشخيص دقيق حتى في دول العالم المتحررة المتحضرة يقول الأطباء: لا نجد تشخيصاً لهذه الحالة، ومن ثم يرجع هذا الثري أو هذا الغني إلى عالمٍ ويدور في حلقة مفرغة يذهب إلى الكذابين والنصابين والدجالين والمشعوذين، ولذا نرى سبباً لهذا قسوة في القلوب، وجفافاً لينابيع الخير في كثيرٍ من القلوب، وهؤلاء الذين يبحثون عن طمأنينة قلوبهم وراحة أنفسهم وسعادة بالهم، إذ ذهبوا إلى السحرة والمشعوذين والدجالين، فهم كمن يستجير من الرمضاء بالنار، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ولخطورة هذا الأمر أيها الأحبة! سأفرد له لقائين كاملين بإذن الله جل وعلا، وسينتظم حديثي معكم في هذا الموضوع الخطير في هذه العناصر التالية حتى لا ينسحب بساط الوقت من تحت أقدامنا ومن بين أيدينا. أولاً: تعريف السحر لغة واصطلاحاً. ثانياً: حقيقة السحر وأنواعه. ثالثاً: هل سُحِرَ النبي ﷺ حقاً؟ رابعاً: حكم السحر وحد الساحر. خامساً: علاج السحر وإبطاله وإفساده. فأعيروني القلوب والأسماع فإن هذين اللقاءين من الأهمية بمكان.

стр. 845

أولاً: تعريف السحر لغة واصطلاحاً السحر في اللغة هو: كل شيءٍ خفي سببه ولطف ودق. يقول أبو عبيد: وأصل السحر في اللغة هو الصرف، أي: صرف الشيء عن حقيقته، قال الله تعالى: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٩] أي: فأنى تصرفون، يقول: وقد يكون الصرف للعين وهو الأُخذة أي: أن تؤخذ العين فلا ترى الشيء على حقيقته التي هو عليها في الواقع، وقد يكون الصرف للقلب من الحب إلى الكره، ومن الكره إلى الحب، ومن البغض إلى الحب، وهكذا. وقد يكون الصرف بالقول الحلال، ألا وهو البيان والحديث كما ورد في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: (إن من البيان لسحراً) فالصرف أن يحب هذا فيبغضه عن طريق السحر، وهذا الرجل يحب زوجته فيبغضها، وقد يكون الصرف للعين فترى العين الشيء على غير حقيقته التي هو عليها في الواقع، وقد يكون الصرف للعقول وللقلوب بالقول والبيان الدقيق المنمق. ولم يفرق بعض العلماء بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي للسحر كما نسج في ذلك الإمام الكبير الفخر الرازي، وإن كنا نعلم أنه من أكابر علماء المعتزلة إلا أنه قال: إن السحر في عرف الشرع هو كل أمرٍ يخفى سببه ويتخيل على غير حقيقته في الواقع ويجري مجرى التمويه والخداع، وقد سار على ضربه ووافقه في ذلك الإمام الكبير أبو بكر الجصاص، وهؤلاء وغيرهم ممن يقولون: إن السحر خيالٌ وتخييل ولا حقيقة له في الواقع، وسوف أرد عليهم إن شاء الله جل وعلا. هذا هو الرأي الأول الذي يقول بأن السحر في الاصطلاح: تخييل ورؤية الأشياء على غير حقيقتها، وتمويه وخداعٌ. أما الرأي الثاني وهو رأي جمهور أهل السنة والجماعة، والذي يعرفه الإمام القدير ابن قدامة في كتابة الكبير المذهل المغني مع الشرح الكبير في المجلد العاشر إذ يقول: والسحر عقدٌ ورقى وكلامٌ يتكلم به الساحر أو يكتبه أو يعمل شيئاً فيؤثر في بدن المسحور من غير مباشرة له، وله (أي: وللسحر) حقيقة فمنه، (أي: من السحر)، ما يقتل -ومازال الكلام لـ ابن قدامة - فمن السحر ما يقتل ومنه ما يمرض وما يأخذ الرجل عن أهله فيمنعه وطأها، ومن السحر ما يفرق بين الزوج وزوجه ومنه ما يحبب بين اثنين. هذا تعريف السحر عند علماء أهل السنة والجماعة، إذاً فمذهب جمهور السلف أن السحر ليس تخييلاً ولكنه حقيقة له واقعٌ ملموسٌ محسوسٌ مشاهد، فمنهم من قال: بأنه تخييل، ومنهم من قال: بأنه حقيقة. ومن ثم -يا أحبابي- يجب علي هاهنا أن أفرق لكم بين ثلاثة أشياء خطيرة ألا وهي: السحر والكرامة والمعجزة، حتى لا تختلط الأوراق وتتلابس وتتشابك الأمور. ما الفرق بين السحر والكرامة والمعجزة؟ السحر اتفاق وعقدٌ مبرمٌ بين ساحرٍ وشيطان، بشرط أن يزداد الساحر كفراً لله وعبادة للشيطان، وكلما ازداد الساحر كفراً وزندقة وانحلالاً ازداد الجني أو الشيطان طاعة لهذا الساحر، هذا هو عقد السحر. أما الكرامة فلا تكون إلا لولي. والمعجزة لا تكون إلا لنبي. وجماعهما الأمر الخارق للعادة كما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى في المجلد الحادي عشر في بحثٍ قيمٍ مبدع لمن أراد أن يطَّلع عليه، الكرامة للولي، والمعجزة للنبي ومن ثم يجب أن نفرق أيضاً بين أولياء الرحمن، وبين أولياء الشيطان، فإن ولي الشيطان يحدث الشيطان له خرقاً للعادة ليفتن الناس وليضلهم عن التوحيد والهدى، ومن ثم إذا رأيتم الرجل يطير في الهواء ويمشي على الماء وهو غير متبعٍ لشرع المصطفى فاشهدوا له بالكفر فإنه ولي من أولياء الشيطان. أما أولياء الرحمن فهم الذين يجري الله على أيديهم أموراً خارقة للعادة وهم لا يريدونها ولا يحبون إظهارها، ومن ثم قال الله جل وعلا: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢] من هم أولياء الله؟ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣] فالولي هو المؤمن التقي الذي يوحد الله حق توحيده، ويعبد الله حق عبادته ويخلص عمله لله ويخلص اتباعه لسيد الخلق رسول الله ﷺ ، وكلما ازداد تُقاً وقُرباً قد يجري الله على يديه أمراً خارقاً للعادة، والولي لا يريد إظهاره، ذلك ولا يحب إظهار ولذا قال أحد السلف: النفس تتمنى الكرامة وتأبى الاستقامة، والله جل وعلا قد أمرها وطلب منها الاستقامة ولم يطلب منها الكرامة، فولي الرحمن بخلاف ولي الشيطان. أما المعجزة فهي لا تكون إلا للنبي، وقد فرق بعض أهل العلم من علماء السلف بين الكرامة والمعجزة؛ أن الكرامة قد يجريها الله إذا شاء على يد ولي من أوليائه، ولكن المعجزة يجريها الله على يدي رسولٍ من رسله في مقام التحدي، في مقام إظهار الرسالة، وإظهار النبوة لهذا النبي الذي يتحدى قومه، ومن ثم تحدى موسى قومه بما برعوا فيه ومن جنسه بالسحر، برع قومه في السحر فأمده الله بعصا تنقلب إلى حية عظيمة تلقف ما يأفكون. وأمد الله النبي محمداً ﷺ بمعجزةٍ من جنس ما برع فيه قومه، برع قومه في البلاغة والفصاحة والبيان فأعطاه الله جل وعلا القرآن الذي تحدى به البشرية كلها بل وما زال التحدي قائماً إلى يوم القيامة فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٣ - ٢٤] فأمده الله بالقرآن فسجد المشركون في محراب بلاغة وفصاحة كلام الحق جل وعلا، ولا يتسع الوقت للتدليل على هذا. وهكذا أيها الأحبة! فالمعجزة من النبي من باب التحدي لهؤلاء الذين أرسل إليهم وبعث فيهم، يجري الله على يديه أمراً خارقاً للعادة وخارقاً لنواميس وقوانين هذا الكون ليثبت لهم أنه مرسلٌ من قبل الله جل وعلا. وأنتم تعلمون أن النار قانونها هو الإحراق، ويأبى الله إلا أن يحول هذا القانون وأن يسلبه من النار حينما ألقى المشركون إبراهيم في النار فقال الله جل وعلا: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]. وتعلمون أن قانون المياه هو الإغراق لا سيما إذا ما وضع شيءٌ في الماء تزيد كثافته عن كثافة الماء، فسرعان ما يسقط ويهوي، ولكن ما الذي حدث؟ جعل الله عنصر الإغراق وعنصر الإهلاك عنصر حياةٍ وأمن وأمان لنبي من أنبيائه فأوحى الله جل وعلا إلى أم موسى: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧]. فالمعجزة شيءٌ خارق للعادة ولقوانين ونواميس هذا الكون، يجريها الله على يد رسول من رسله، ونبي من أنبيائه في مقام التحدي لهؤلاء القوم الذين أنكروا رسالته، وأنكروا نبوته من قبل الله جل وعلا. إذاً أيها الأحبة! من العلماء من قال: إن السحر تخييل لا حقيقة له، ومنهم من قال: بأن السحر حقيقة لا تخييل.
следующие страницы →