← Джавами‘

Джавами‘ · id 7703

دروس للشيخ محمد حسان

محمد حسان

Полный текст (1 901 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

رزق الله لمريم حال نفاسها الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه إلى يوم الدين. أما بعد: قال الله: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾ [مريم:٢٤] فجر الله لك عيناً من الماء، فاشربي وكلي من الرطب، ﴿رُطَباً جَنِيّاً﴾ [مريم:٢٥] أي: رطباً طيباً طرياً، وهنا قال العلماء فضلاً عن علماء قرننا العشرين: بأنه لا يوجد للنفساء طعامٌ أطيب من طعامٍ أنزله الله لمريم في فترة نفاسها وهو التمر، أطيب طعام للمرأة النفساء هو التمر أو الرطب؛ لأنه طعامٌ قدره الله لمريم فيه فاكهة. ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً﴾ [مريم:٢٥ - ٢٦] اطمأني، فليطمئن قلبك، ﴿وَقَرِّي عَيْناً﴾ [مريم:٢٦] ليطمأن قلبك أن الله الذي قدر لك الماء، وأن الله الذي أنزل إليك التمر من الشجرة العجفاء، قادرٌ على أن يبرئ ساحتك أمام قومك بأمره وقدرته، ﴿وَقَرِّي عَيْناً﴾ [مريم:٢٦] لا تحزني، كلي واشربي وقري عيناً. وهنا أراد هذا الطفل الصغير أن يلقن أمه حجتها، وقال لها: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً﴾ [مريم:٢٦] هذه هي نهاية المشهد الثاني، لو رأيتِ أحداً من الناس من قومك يكلمك ويجادلك فلا تردي، وإنما عليك أن تشيري أنك صائمة، نذرت الصوم لله جل وعلا، وكان الصيام عن الكلام مشروعاً في دينهم، وهو محرمٌ في ديننا، هكذا قال ابن حجر في كتابه فتح الباري شرح صحيح البخاري، وهكذا قال الإمام ابن قدامة، وهكذا قال أئمة المسلمين بأن الصوم عن الكلام في ديننا محرم، ولكنه جائز في دينهم. قالت: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً﴾ [مريم:٢٦] كما قال الله لزكريا: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً﴾ [مريم:١٠] حتى إن زكريا إذا ما جاء ليذكر الله، نطق لسانه بذكر الله، وإذا ما جاء ليتكلم مع الناس لم يستطع لسانه النطق ولا الكلام كما شرحنا ذلك بالتفصيل ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً﴾ [مريم:٢٦]. وننتهي هنا ونكمل إن شاء الله جل وعلا في الأسبوع المقبل المشهد الثالث، وهو مشهد لقاء مريم مع قومها، وما الذي دار؟ وما هو الحوار؟ وماذا قالت مريم؟ وماذا قال أهلها؟ وماذا قال الصبي الصغير؟ والطفل الرضيع؟ لنخرج بعد ذلك ببيان عقيدة النصارى الباطلة التي يعتقدونها في هذه الأيام، ولنفخر نحن الموحدون بعقيدة لا إله إلا الله.

стр. 842

دعوة للأخذ بالأسباب ثم التوكل على الله هنا ملحظ أخير في الآية، وسوف أعلق عليه في الدرس إن شاء الله جل وعلا حينما قال الله لمريم: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم:٢٥] تخيل معي امرأة ضعيفة أنهكها الوضع، وقضى على كل قوةٍ فيها، وفي ساعة ولادتها لا سبب إطلاقاً من أسباب الطعام إلا أن تخدم نفسها، لكنه كما هو معهود أن المرأة التي وضعت لا تصنع شيئاً، وإنما تنام لترى من يغسل لها الثياب، ويقدم الطعام، والشراب وهكذا؛ ولكن هذه المرأة في هذا الوضع لا يمكن لمخلوقٍ أن يأتيها بطعامٍ أو شرابٍ وهي التي ستخدم نفسها بنفسها! والله يقول لها: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم:٢٥] أمر عجيب!! يا مريم اعملي! في هذا الضعف يا رب؟! في هذا المرض؟! وهذه الحالة؟! وأي جذع؟! هل ستهز جذع وردة ريحان، أو فل، أمر يسير ومذلل وسهل؟! ولكن الهز هنا لأي شيء؟ لجذع نخلة! والنخلة: نخلة البلح، وأنتم تعلمون أن أعظم جذع هو جذع النخلة، لا يقوى عنترة بن شداد على هزه، فكيف لامرأة ضعيفة في نفاسها أن تهز الجذع، والمقصود بالهز أن تهزه لينزل الرطب، يعني: لابد وأن يكون الهز قوياً شديداً؛ لأن شدة الهز ستتناسب مع كمية الرطب النازلة ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً﴾ [مريم:٢٥]. هنا ملحظ جميل، لا يظن أحد أن هز مريم الجذع يميناً أو يساراً سينزل الرطب، وإنما هي دعوةٌ من الله للأخذ بالأسباب ثم بعد ذلك التوكل على مسبب الأسباب. يا مريم! حتى وأنتِ في هذه الحالة خذي بأسباب الرزق، لابد أن تسعى لرزق الله، وتأخذ بالأسباب، أما أن تجلس لتنتظر الزرق من السماء دون عمل، فإن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، إلا إذا وصل الإنسان إلى درجة اليقين التي وصلت إليها مريم حينما دخل عليها زكريا المحراب في الشتاء فوجد عندها فاكهة الصيف، ودخل عليها في الصيف فوجد عندها فاكهة الشتاء، فتعجب قال: ﴿يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٣٧] هذه درجة يقين عالية جداً ليست لكل الناس، وإنما لابد من الأخذ بالأسباب؛ لأن التوكل الحقيقي على رب الأرباب جل وعلا هو أن نأخذ بجميع الأسباب، ولكن لا نتكل على هذه الأسباب؛ لأن الأسباب لا تسعف، ولا تأتي برزق، وإنما نأخذ بالأسباب متوكلين على مسبب الأسباب وعلى رب الأسباب جل وعلا. ولذا قال النبي ﷺ في حديثه الصحيح من حديث عمر بن الخطاب، وخرجه ابن ماجة، والنسائي، وابن حبان، والحاكم والترمذي، وقال عنه الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيح وليس في البخاري ومسلم، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال ﷺ : (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله؛ لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً) الطائر ينهض في الصباح الباكر ولا يظل نائماً إلى الظهر، فهو الذي يوقظك لصلاة الفجر، في النهار المبكر يترك مسكنه منزله، وعشه ليسعى على رزقه، يغدو من الغدوة من الصباح المبكر، يغدو خماصاً فارغ البطن، خاوي البطن، فيقدر الله له الرزق في أي مكان، فيحصل الطائر على رزقه ويعود إلى عشه وقد تكفل الله برزقه قائلاً: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦]. فعليك أن تأخذ بالأسباب وأن تتوكل بعد ذلك على مسبب الأسباب، أما أن تقول: أنا متوكلٌ على الله دون أخذٍ بالأسباب، فهذا أمرٌ مردودٌ ومرفوض ما فعله سيد الأحباب محمد ﷺ ، ففي ليلة الهجرة أخذ أسباب الحيطة والاحتياط، والأمن والأمان، ولذا فإنه لما علم أنه قد أخذ بجميع الأسباب، ووجد أن الأسباب قد انقطعت يوم أن وصل المشركون إلى الغار، وقال له الصديق: [لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا] يعلم النبي أن الأسباب لا تنجي قال له: (يا أبا بكر! لا تحزن ما ظنك باثنين الله ثالثهما). هنا اللجوء إلى مسبب الأسباب؛ لأن الأسباب قد انقطعت حينها، وقد أعيتها الحيل، ولم تستطع أن تنجي محمداً وصاحبه ﷺ ، ولذا فاللجوء هنا إلى الله، إلى مسبب الأسباب، ولذا فعليك أن تأخذ بالأسباب. يا طالب العلم! ذاكر، واسهر الليل، وحصل الدروس، ثم بعد ذلك توكل على الله، وقل: أنا معتمدٌ على الله وليس على مذاكرتي وتحصيلي؛ لأن من اعتمد على عقله ضلَّ، ومن اعتمد على الناس ذلَّ، ومن اعتمد على ماله قلَّ، ومن اعتمد على الله لا ضلَّ ولا قلَّ ولا ذلَّ. فخذ بالأسباب، وتوكل على مسبب الأسباب، أما أن تأخذ بالأسباب وتقول: إن الأسباب هي التي ستنجحني، أو بأن الأسباب هي التي سترزقني، لا، وإنما الرزق بيد مسبب الأسباب جل وعلا، يقول ربنا في الحديث القدسي الجليل: (يابن آدم! لا تخشى من ضيق الرزق فخزائني مملوءة وخزائني لا تنفذ أبداً) فعليكم أن تحصلوا الأسباب، وألا تعتمدوا عليها، فإن الرزق والفلاح والنجاح بيد مسبب الأسباب: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً﴾ [مريم:٢٥ - ٢٦]. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، اللهم استر عيوبنا، اللهم آمن روعاتنا، اللهم توفنا على الإيمان وأنت راضٍ عنا، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، وبلغنا ما يرضيك من آمالنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر. اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادنا، اللهم لا تدع لأحدٍ منا في هذا الجمع المبارك ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلى شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصٍ إلا هديته، ولا حاجةً هي لك رضى ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين. اللهم كما خلقتنا موحدين اختم لنا بالإيمان والتوحيد، اللهم كما خلقتنا مؤمنين فاختم لنا بالإيمان والتوحيد، اللهم كما خلقتنا موحدين فاختم لنا بالإيمان والتوحيد، اللهم توفنا على لا إله إلا الله، اللهم استرنا فوق الأرض، واسترنا تحت الأرض، واسترنا يوم العرض. اللهم اجعل بلدنا مصر بلد الأمن والأمان، ووفق ولاة أموره للعمل بكتابك والاقتداء بشرع نبيك ﷺ . عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، اذكروا الله العظيم يذكركم، واستغفروه يغفر لكم. ولا تنسوا التبرع لبيت الله جل وعلا، ادخروا في خزائن الله، ادخروا في خزائن الله وفي بنك حسنات الله، الذي يضاعف الله فيه الحسنات، فإن الحسنة عند الله بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، فلا تنسو هذا الخير وهذا الفضل الذي ساقه الله إليكم في الدنيا. أسأل الله سبحانه أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله، وأولئك هم أولوا الألباب. وصلى الله على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 843

السحر والعلاج شرع الله لخلقه عبادته، فأوجب أشياء ونهى وحرم أشياء، وسمى بعض ما حرمه بالكبائر والبعض بالصغائر، ومن هذه الكبائر: كبيرة السحر. وقد أوجد الله السحر فتنة للناس، وجعل للعلاج سبلاً منها ما هو شرعي محمود، ومنها ما هو كفري مذموم.

стр. 844

انتشار السحر على أرض الواقع الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو فلا خالق غيره ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة ولذا قضى إلا نعبد إلا إياه ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [لقمان:٣٠] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الضار النافع، الخافض الرافع، القابض الباسط، المعز المذل، فلا مذل لمن أعز، ولا معز لمن أذل، ولا خافض لمن رفع، ولا رافع لمن خفض، ولا ضار لمن نفع، ولا نافع لمن ضر، ولا قابض لما بسط، ولا باسط لما قبض، الواحد الذي لا ضد له، الصمد الذي لا منازع له، الغني الذي لا حاجة له، القوي الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام:١٧] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصلِّ اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وأسال الله جل وعلا أن يجمعني وإياكم في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد النبيين وإمام المرسلين في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك ومولاه وهو على كل شيء قدير. أحبتي في الله! إننا اليوم على موعدٍ مع اللقاء الثاني من السبع الموبقات، التي حذر منها سيد البريات ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم وأبو داوُد والنسائي من حديث أبي هريرة ﵁: أنه ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله! وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات). ولقد تحدثنا في اللقاء الماضي بتوفيق الله جل وعلا عن الكبيرة الأولى في هذا الحديث إلا وهي: الشرك، وبينّا خطورة الشرك، وتحدثنا بالتفصيل عن رحلة الشرك التي دنست الأرض ولوثت الفطرة، ثم تكلمت عن أقسام الشرك وقسمت الشرك كما قال علماؤنا إلى قسمين: الشرك الأكبر والأصغر، وبينت معنى كل منهما، ثم ختمت الحديث بعد ذلك عن فضل تحقيق التوحيد، ونحن اليوم على موعدٍ مع الكبيرة الثانية الخطيرة في هذا الحديث ألا وهي: السحر. والسحر عالمٌ عجيب غريب تختلط فيه الحقيقة بالباطل، والعلم بالشعوذة والدجل، وعالم السحر عالمٌ ظاهره جميلٌ خلاَّب، يفتن أصحاب العقول الضعيفة، ويبلبل السذج والرعاع والبسطاء، وتاريخ السحر تاريخ طويلٌ مظلم يفتن فيه شياطين الإنس والجن عباد الله جل وعلا، بل ويوقعونهم في أبشع وأكبر وأخطر جريمة، ألا وهي جريمة الكفر والشرك والضلال، وها نحن الآن نرى إقبالاً مزعجاً على السحرة والسحر والمشعوذين والدجالين، بل نرى بأم أعيننا ونسمع بآذاننا من بين أبنائنا ومن إخواننا المسلمين من إذا حزبه أمرٌ واشتكى مرضاً عضوياً كأي مرضٍ من الأمراض، أو اشتكى مرضاً قلبياً كحبٍ أو بغضٍ إلى آخره، نراه يذهب على قدميه حراً مختاراً إلى قسيسٍ في كنيسة تحدى الله جل وعلا. فيدخل المسلم صحيحاً معافى ثم يخرج من عند النصارى القساوسة الكفرة وقد أصابوه بمس الجن أو بسحرٍ لا يستطيع أحدٌ أن يخرجه بعد ذلك إلا إذا شاء الله جل وعلا وقدر, والأصل قول الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢]. فها نحن نرى أيها الأحبة! في هذا العصر المتطور المتحضر نرى إقبالاً مزعجاً على السحر والسحرة والمشعوذين والدجالين، ونرى بأم أعيننا أيضاً أننا نعيش هذا العصر الذي طغت فيه الماديات والشهوات بصورة عارمة مزلزلة، ومن ثم كثرت العقد والمشكلات النفسية، وراح الناس الذين فقدوا راحة النفس، وطمأنينة القلب، وهدوء البال راحوا يلهثون وراء السحرة والمشعوذين والدجالين بعدما ذهبوا إلى الأطباء النفسيين، وعجز علماء الاجتماع على أن يحلوا ألغاز مشاكلهم التي يقف الطب أمامها مبهوتاً متحيراً، وبعد تشخيص دقيق حتى في دول العالم المتحررة المتحضرة يقول الأطباء: لا نجد تشخيصاً لهذه الحالة، ومن ثم يرجع هذا الثري أو هذا الغني إلى عالمٍ ويدور في حلقة مفرغة يذهب إلى الكذابين والنصابين والدجالين والمشعوذين، ولذا نرى سبباً لهذا قسوة في القلوب، وجفافاً لينابيع الخير في كثيرٍ من القلوب، وهؤلاء الذين يبحثون عن طمأنينة قلوبهم وراحة أنفسهم وسعادة بالهم، إذ ذهبوا إلى السحرة والمشعوذين والدجالين، فهم كمن يستجير من الرمضاء بالنار، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ولخطورة هذا الأمر أيها الأحبة! سأفرد له لقائين كاملين بإذن الله جل وعلا، وسينتظم حديثي معكم في هذا الموضوع الخطير في هذه العناصر التالية حتى لا ينسحب بساط الوقت من تحت أقدامنا ومن بين أيدينا. أولاً: تعريف السحر لغة واصطلاحاً. ثانياً: حقيقة السحر وأنواعه. ثالثاً: هل سُحِرَ النبي ﷺ حقاً؟ رابعاً: حكم السحر وحد الساحر. خامساً: علاج السحر وإبطاله وإفساده. فأعيروني القلوب والأسماع فإن هذين اللقاءين من الأهمية بمكان.

стр. 845

أولاً: تعريف السحر لغة واصطلاحاً السحر في اللغة هو: كل شيءٍ خفي سببه ولطف ودق. يقول أبو عبيد: وأصل السحر في اللغة هو الصرف، أي: صرف الشيء عن حقيقته، قال الله تعالى: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٩] أي: فأنى تصرفون، يقول: وقد يكون الصرف للعين وهو الأُخذة أي: أن تؤخذ العين فلا ترى الشيء على حقيقته التي هو عليها في الواقع، وقد يكون الصرف للقلب من الحب إلى الكره، ومن الكره إلى الحب، ومن البغض إلى الحب، وهكذا. وقد يكون الصرف بالقول الحلال، ألا وهو البيان والحديث كما ورد في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: (إن من البيان لسحراً) فالصرف أن يحب هذا فيبغضه عن طريق السحر، وهذا الرجل يحب زوجته فيبغضها، وقد يكون الصرف للعين فترى العين الشيء على غير حقيقته التي هو عليها في الواقع، وقد يكون الصرف للعقول وللقلوب بالقول والبيان الدقيق المنمق. ولم يفرق بعض العلماء بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي للسحر كما نسج في ذلك الإمام الكبير الفخر الرازي، وإن كنا نعلم أنه من أكابر علماء المعتزلة إلا أنه قال: إن السحر في عرف الشرع هو كل أمرٍ يخفى سببه ويتخيل على غير حقيقته في الواقع ويجري مجرى التمويه والخداع، وقد سار على ضربه ووافقه في ذلك الإمام الكبير أبو بكر الجصاص، وهؤلاء وغيرهم ممن يقولون: إن السحر خيالٌ وتخييل ولا حقيقة له في الواقع، وسوف أرد عليهم إن شاء الله جل وعلا. هذا هو الرأي الأول الذي يقول بأن السحر في الاصطلاح: تخييل ورؤية الأشياء على غير حقيقتها، وتمويه وخداعٌ. أما الرأي الثاني وهو رأي جمهور أهل السنة والجماعة، والذي يعرفه الإمام القدير ابن قدامة في كتابة الكبير المذهل المغني مع الشرح الكبير في المجلد العاشر إذ يقول: والسحر عقدٌ ورقى وكلامٌ يتكلم به الساحر أو يكتبه أو يعمل شيئاً فيؤثر في بدن المسحور من غير مباشرة له، وله (أي: وللسحر) حقيقة فمنه، (أي: من السحر)، ما يقتل -ومازال الكلام لـ ابن قدامة - فمن السحر ما يقتل ومنه ما يمرض وما يأخذ الرجل عن أهله فيمنعه وطأها، ومن السحر ما يفرق بين الزوج وزوجه ومنه ما يحبب بين اثنين. هذا تعريف السحر عند علماء أهل السنة والجماعة، إذاً فمذهب جمهور السلف أن السحر ليس تخييلاً ولكنه حقيقة له واقعٌ ملموسٌ محسوسٌ مشاهد، فمنهم من قال: بأنه تخييل، ومنهم من قال: بأنه حقيقة. ومن ثم -يا أحبابي- يجب علي هاهنا أن أفرق لكم بين ثلاثة أشياء خطيرة ألا وهي: السحر والكرامة والمعجزة، حتى لا تختلط الأوراق وتتلابس وتتشابك الأمور. ما الفرق بين السحر والكرامة والمعجزة؟ السحر اتفاق وعقدٌ مبرمٌ بين ساحرٍ وشيطان، بشرط أن يزداد الساحر كفراً لله وعبادة للشيطان، وكلما ازداد الساحر كفراً وزندقة وانحلالاً ازداد الجني أو الشيطان طاعة لهذا الساحر، هذا هو عقد السحر. أما الكرامة فلا تكون إلا لولي. والمعجزة لا تكون إلا لنبي. وجماعهما الأمر الخارق للعادة كما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى في المجلد الحادي عشر في بحثٍ قيمٍ مبدع لمن أراد أن يطَّلع عليه، الكرامة للولي، والمعجزة للنبي ومن ثم يجب أن نفرق أيضاً بين أولياء الرحمن، وبين أولياء الشيطان، فإن ولي الشيطان يحدث الشيطان له خرقاً للعادة ليفتن الناس وليضلهم عن التوحيد والهدى، ومن ثم إذا رأيتم الرجل يطير في الهواء ويمشي على الماء وهو غير متبعٍ لشرع المصطفى فاشهدوا له بالكفر فإنه ولي من أولياء الشيطان. أما أولياء الرحمن فهم الذين يجري الله على أيديهم أموراً خارقة للعادة وهم لا يريدونها ولا يحبون إظهارها، ومن ثم قال الله جل وعلا: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢] من هم أولياء الله؟ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣] فالولي هو المؤمن التقي الذي يوحد الله حق توحيده، ويعبد الله حق عبادته ويخلص عمله لله ويخلص اتباعه لسيد الخلق رسول الله ﷺ ، وكلما ازداد تُقاً وقُرباً قد يجري الله على يديه أمراً خارقاً للعادة، والولي لا يريد إظهاره، ذلك ولا يحب إظهار ولذا قال أحد السلف: النفس تتمنى الكرامة وتأبى الاستقامة، والله جل وعلا قد أمرها وطلب منها الاستقامة ولم يطلب منها الكرامة، فولي الرحمن بخلاف ولي الشيطان. أما المعجزة فهي لا تكون إلا للنبي، وقد فرق بعض أهل العلم من علماء السلف بين الكرامة والمعجزة؛ أن الكرامة قد يجريها الله إذا شاء على يد ولي من أوليائه، ولكن المعجزة يجريها الله على يدي رسولٍ من رسله في مقام التحدي، في مقام إظهار الرسالة، وإظهار النبوة لهذا النبي الذي يتحدى قومه، ومن ثم تحدى موسى قومه بما برعوا فيه ومن جنسه بالسحر، برع قومه في السحر فأمده الله بعصا تنقلب إلى حية عظيمة تلقف ما يأفكون. وأمد الله النبي محمداً ﷺ بمعجزةٍ من جنس ما برع فيه قومه، برع قومه في البلاغة والفصاحة والبيان فأعطاه الله جل وعلا القرآن الذي تحدى به البشرية كلها بل وما زال التحدي قائماً إلى يوم القيامة فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٣ - ٢٤] فأمده الله بالقرآن فسجد المشركون في محراب بلاغة وفصاحة كلام الحق جل وعلا، ولا يتسع الوقت للتدليل على هذا. وهكذا أيها الأحبة! فالمعجزة من النبي من باب التحدي لهؤلاء الذين أرسل إليهم وبعث فيهم، يجري الله على يديه أمراً خارقاً للعادة وخارقاً لنواميس وقوانين هذا الكون ليثبت لهم أنه مرسلٌ من قبل الله جل وعلا. وأنتم تعلمون أن النار قانونها هو الإحراق، ويأبى الله إلا أن يحول هذا القانون وأن يسلبه من النار حينما ألقى المشركون إبراهيم في النار فقال الله جل وعلا: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]. وتعلمون أن قانون المياه هو الإغراق لا سيما إذا ما وضع شيءٌ في الماء تزيد كثافته عن كثافة الماء، فسرعان ما يسقط ويهوي، ولكن ما الذي حدث؟ جعل الله عنصر الإغراق وعنصر الإهلاك عنصر حياةٍ وأمن وأمان لنبي من أنبيائه فأوحى الله جل وعلا إلى أم موسى: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧]. فالمعجزة شيءٌ خارق للعادة ولقوانين ونواميس هذا الكون، يجريها الله على يد رسول من رسله، ونبي من أنبيائه في مقام التحدي لهؤلاء القوم الذين أنكروا رسالته، وأنكروا نبوته من قبل الله جل وعلا. إذاً أيها الأحبة! من العلماء من قال: إن السحر تخييل لا حقيقة له، ومنهم من قال: بأن السحر حقيقة لا تخييل.

стр. 846

حقيقة السحر وأنواعه قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: ومذهب أهل السنة والجماعة أن السحر ثابتٌ وله حقيقة، وقد اتفق على هذا أهل الحل والعقد الذين بهم ينعقد الإجماع ولا عبرة بعد ذلك لأقوال المخالفين. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: وقد خالف في ذلك بعض أصحابنا من الشافعية، وقالوا: إن السحر تخييل لا حقيقة له أي: في الواقع، قال النووي: والصحيح الذي عليه الجمهور وعليه عامة العلماء أن السحر ثابتٌ وله حقيقة، دل على ذلك الكتاب والسنة الصحيحة المشهورة. وانتبهوا معي أيها الأحبة! لنقف مع هذين الرأيين المتناقضين المتضادين المختلفين. فلقد استدل أنصار الفريق الأول الذين يقولون: بأن السحر تخييل لا حقيقة له، بأدلة ينبغي أن نقف أمامها، استدل أنصار هذا الفريق بالقرآن الكريم وبقول الله في سورة طه: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦] واستدلوا بقول الله في سورة الأعراف: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف:١١٦] واستدلوا أيضاً بالواقع فقالوا: لو أن السحرة يملكون قلب حقائق الأعيان لقلبوا الحصى إلى ذهب، ولقلبوا الأوراق إلى دولارات، ولقلبوا الجبال إلى ذهب، ولغيروا حقائق هذا العالم، لو قدر السحرة على ذلك ما تحايلوا على أكل أموال الناس بالباطل ولكانوا ملوك العالم وأغنى الناس فيه. واستدلوا أيضاً بأن السحرة لو فعلوا ذلك واستطاعوا أن يقلبوا حقائق الأعيان بأن يحولوا مثلاً هذا العمود إلى ذهبٍ وهو من الحجارة أو إلى فضة أو إلى غيرهما، لو فعلوا ذلك لاختلط الحق بالباطل ولاختلطت المعجزة بالسحر حينئذٍ. وقال جمهور أهل العلم رداً عليهم وهم الذين يقولون: أن السحر حقيقة لا تخييل، وقد استدلوا بأدلة أخرى من الكتاب والسنة الصحيحة: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٠٢]. قال علماؤنا من جمهور السلف: إن الله جل وعلا قد صرح في هذه الآية بأن الشياطين يعلمون الناس السحر، وبأن الناس يتعلمون السحر من الشياطين، وما لم تكن للسحر حقيقة فما الذي علم الشياطين وما الذي تعلمه الناس؟ واستدلوا أيضاً بالآية فقالوا: ولقد صرحت الآية بأن الساحر يفرق بين المرء وزوجه بسحره، وهذه حقيقة لا يمكن على الإطلاق أن تنكر، لأن التفريق بين الزوج وزوجه أمرٌ عين بائنٌ واضح. واستدلوا بقول الله جل وعلا: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:٤] والنفاثات: هن السواحر اللاتي يعقدن السحر وينفثن عليه، وقالوا: بأنه لو لم تكن للسحر حقيقة ما أمر الله بالاستعاذة منه على الإطلاق. واستدلوا أيضاً بالواقع فقال الإمام ابن القيم: والسحر الذي يؤثر مرضاً وثقلاً وحباً وبغضاً ونزيفاً للنساء معلوم موجودٌ يعلمه عامة الناس. واستدلوا -وهذا من أقوى الأدلة التي استدل بها جمهور أهل السلف على أن السحر حقيقة لا تخييل- بسحر النبي ﷺ ، الله أكبر، وهل سُحِر النبي؟! هذا ما سأجيب عنه إن شاء الله وقبل أن أتخطى إليه لا بد أن أقول: كيف نجمع بين هذين القولين؟ وكيف نرجح أحدهما على الآخر، فريقٌ يقول: بأن السحر تخييل لا حقيقة له، وفريق يقول: بأن السحر حقيقة لا خيال، كيف نجمع بين هذين القولين المتناقضين؟ أقول أيها الأحبة! التحقيق -والله أعلم- أن الذين قالوا بأن السحر كله تخييل لا حقيقة له قد جانبوا الصواب، والذين قالوا: بأَن السحر كله حقيقة لا تخييل فيه قد جانبوا الصواب أيضاً، والحق أقول لكم: بأن السحر ينقسم إلى أقسام منه ما هو حقيقي ومنه ما هو تخييل. أما السحر الحقيقي فلا يكون إلا عن طريق مساعدة الكواكب والنجوم والسحرة والجن، وهذا شريطة أن يكفر الساحر بالله جل وعلا، وأن يزداد عبادةً للجن والشيطان، وللكواكب والنجوم، وحينئذٍ يستطيع الساحر أن يجري سحراً حقيقياً يضر ويؤذي به خلق الله وعباد الله . ومن السحر ما هو تخييل لا حقيقة له في عالم الواقع، وهذا السحر يكون تركيزه على العين وهو الأخذة كما ذكرت فتؤخذ العين وتسحر، فترى العين الشيء على غير حقيقته في الواقع، يقول الحافظ ابن كثير: وهذا السحر هو جنس سحر سحرة فرعون، قال الله بصريح العبارة -وما زال الكلام لـ ابن كثير -: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦] وقال الله : ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف:١١٦] إذاً وقع السحر هنا على العين فرأت العين الشيء على غير حقيقته في الواقع. والخلاصة -يا أحبابي- والحق أقول: إن السحر منه ما هو حقيقي ومنه ما هو تخييل، ولا ينبغي أن نقول: إن السحر كله حقيقة، أو أن نقول: إن السحر كله تخييل، وهناك نوعٌ ثالث يطلق عليه مجازاً لفظ السحر ألا وهو فعل الشعوذة والدجل وخفة اليد التي نراها على شاشات التلفاز من آن لآخر، هذا هو التحقيق في هذه المسألة والله أعلم.

стр. 847

هل سحر النبي ﷺ ؟ الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الأحبة! هل سحر النبي ﷺ ؟ و الجواب نعم، الحديث رواه البخاري ومسلم وأحمد وابن ماجة والنسائي والبيهقي وابن سعد في الطبقات وغيرهم، وهذا لفظ حديث البخاري في كتاب الطب من حديث عائشة ﵂ قالت: (سحر النبي ﷺ رجلٌ من بني زريق من حلفاء يهود كان منافقاً يقال له: لبيد بن الأعصم، حتى كان النبي ﷺ يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله -لا إله إلا الله- تقول عائشة: حتى إذا كان ذات يومٍ أو ذات ليلة دعا رسول الله ثم دعا، ثم قال: يا عائشة! أرأيتِ أن الله جل وعلا قد أفتاني فيما استفتيته فيه؟ فلقد أتاني رجلان، قعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ -أي: مما يشكو النبي ﷺ فقال الآخر: مطبوب، -أي: مسحور- فقال الأول: ومن طبه؟ -أي: ومن سحره؟ - فقال الثاني: لبيد بن الأعصم. فقال الأول: وفي أي شيء؟ -يعني: في أي شيءٍ سحره؟ - فقال الثاني: في مشطٍ ومشاطة وجف طلع نخل ذكرٍ) المشط معلوم، والمشاطة: هو ما يسقط من الشعر وشعر اللحية بعد الترجيل أي: بعد التسريح، ومن ثم ينبغي ألا نفرط في هذا الأمر أو أن نهمله قالت: (قال جبريل -وهو المتكلم في هذا الحديث- لصاحبه: سحره في مشطٍ ومشاطة) أي: في شعر رأسه وفي شعر لحيته الذي سقط من إثر التسريح والترجيل (وفي مشطٍ ومشاطة وجف طلعٍ ذكر) والطلع: هو العشب أو الغشاء الذي يطلع على النخلة أي: على نخلة البلح، هذا هو سحر النبي ﷺ : (فقال الأول: وفي أي مكانٍ هو؟ فقال الآخر: في بئر ضروان، بئرٌ في المدينة المنورة تقول عائشة: فخرج النبي ﷺ إلى البئر في نفرٍ من أصحابه ثم جاء فقال: يا عائشة! كأن ماءها -أي: كأن ماء البئر- نقاعة الحناء -أي: لون الماء كنقع الحناء- وكأنه رءوس الشياطين، قالت: أفلا استخرجته؟ فقال: قد عافاني الله وخشيت أن أثير على الناس شراً فأمر بها فدفنت). وفي رواية عائشة وابن عباس عند البيهقي في الدلائل: (أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] فقال النبي: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] فحل جبريل عقدة، فقال: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:٢] فحل عقدة حتى إذا فرغ منها قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١] فحل عقدة حتى فرغ منها قام النبي وكأنما قد نشط من عقال) قام النبي بأبي هو وأمي وكأنما نشط من عقال، من قيودٍ وأغلال. وهنا أحبابي قضية خطيرة ألا وهي أن هناك ممن ينتسب إلى العلم من رد هذا الحديث وأنكره وقال: بأن هذا الحديث باطلٌ ومقدوحٌ في سنده، لماذا؟ قالوا: لأن عقولنا تنكر هذا الحديث وتأباه وما تنكره العقول لا يمكن على الإطلاق أن يكون من المنقول، وهذه شنشنة قديمة حديثة، أثارها قديماً هؤلاء وأثارها حديثاً أفراخ المعتزلة الذي يقدمون العقل على النقل، ويرون أن عقولهم فقط هي الميزان الدقيق الحساس الذي من خلاله يحكمون به على صحيح الحديث أو ضعيفه وسقيمه، ويا للعجب لو كان الأمر أن تقف العقول أمام كل حديث، فإذا ما وافق الحديث العقل قبلناه، وإذا ما عارض الحديث العقل رددناه، لأصبحت سنة النبي ألعوبةً في أيدي البشر، فهذا حديثٌ يراه هؤلاء مقبولاً للعقل، وهذا حديث لا يراه هؤلاء مقبولاً للعقل، ومن ثم تضيع سنة النبي ﷺ ، بل إن هناك من القواعد والمناهج والضوابط والأصول ما وضعه علماء سلف الأمة من المحدثين الجهابذة الكبار، ما يستطيعون به -كتجار الصرافة المهرة- أن يفرقوا بين صحيح الحديث وسقيمه، ولا ينبغي على الإطلاق لأحدٍ أن يأتي ليتجاوز هذه القواعد والنصوص والأصول والضوابط ليحكم على كل حديثٍ بعقله فما قبله العقل قبله وما رده العقل رده، وهذه شنشنة خطيرة، ورضي الله عنه علي بن أبي طالب إذ يقول: [لو أخذ الدين بالعقل لكن المسح على باطن الخف أولى من المسح على أعلاه] أنت حينما تمسح على خفك، تمسح على باطنه الذي تطأ به الأرض؟ أم تمسح على أعلاه؟ تمسح على أعلاه، وما الذي ينبغي أن يمسح عليه؟ يمسح على الباطن، إن كان ذهنك أنك تريد بذلك الطهارة لأن باطن الخف هو الذي يمشي على الأرض، ولكن الله جل وعلا والرسول أمر بالمسح على أعلى الخف لا على باطنه، فلو كان الدين بالعقل لكان المسح على باطن الخف أولى من المسح على أعلاه. ولذلك يا أحبابي! لا ينبغي أن يتجاوز العقل حده على الإطلاق، نور الوحي لا يطمس نور العقل أبداً بل يباركه ويقويه ويزكيه ويعينه، شريطة أن يذعن العقل وأن يسلم لله رب العالمين، كما انقاد كل من في الكون لله رب العالمين. أما أن يكون مقياسنا إذا كان العقل بارعاً في أمر من أمور الدنيا، وفي أمرٍ من أمور العلم فإنه حتماً يكون دقيقاً في أمر الوحي وفي أمر النصوص المنقولة، كلا على الإطلاق، وأضرب لكم بعض الأمثلة السريعة: هذا هو العقل الروسي الجبار شعاره يؤمن بثلاثة ويكفر بثلاثة؛ يؤمن بـ لينين، واستالين، وماركس، ويكفر بالله، وبالدين، وبالملكية الخاصة، هذا عقل. وهذا هو العقل الأمريكي الجبار الذي فعل ما فعل، بل وعُبِدَ اليوم في الأرض من دون العزيز الغفار، هذا هو العقل الأمريكي الجبار يدافع إلى يومنا هذا عن الشذوذ الجنسي، وعن زواج الرجل للرجل، وما أمر الانتخابات الأخيرة لرئيسهم منا ببعيد، ولقد وعد الشواذ أن يأذن لهم بالدخول والالتحاق بالجيش، وهذا العقل أيضاً يدافع عن العنصرية اللونية البغيضة، وما أحداث لوس أنجلوس منا ببعيد هذا عقل. وهذا هو العقل اليوناني يدافع عن الدعارة. وهذا هو العقل الروماني يدافع عن مصارعة الثيران. وهذا هو العقل الهندي يدافع عن إحراق الزوجة مع زوجها، وهو أيضاً يدافع إلى يومنا هذا عن عبادة البقرة والفئران وعن عبادة عضو الذكورة عند الرجل، هذا عقل. وهذا هو العقل العربي في جاهليته الأولى يدافع عن وأد البنات وهن أحياء. وهذا هو العقل العربي في جاهليته المعاصرة يدافع عن البعثية العفلقية الكفرية، فيقول قائلهم: آمنت بالبعث رباً لا شريك له وبالعروبة ديناً ما له ثاني ويقول آخر: هبوني عيداً يجعل العرب أمةً وسيروا بجثماني على دين برهم سلام على كفرٍ يوحد بيننا وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم هذا هو العقل ما قيمته؟ حقير تافه إذا انفك عن نور الوحي، وتحدى المنقول الصحيح من القرآن والسنة، لا قيمة له ولا وزن له. هذا هو العقل المارد العملاق الذي يفجر الذرة في الجانب المادي، يفجر الكفر والإلحاد والزندقة في الجانب الديني. هذا هو العقل البشري الذي غاص في الجانب المادي في أعماق البحار، يغوص في الجانب الديني في أعماق الكفر والزندقة والأوحال. إذاً نور الوحي لا يطمس نور العقل، بل يباركه ويقويه ويزكيه شريطة أن يعرف العقل قدره وحده، وألا يتخطاه، وألا يتجاوزه، وأن يعلم يقيناً أن المنقول الصحيح حتى ولو لم يقبله ينبغي أن يذعن له، وينبغي أن ينقاد له، فليس كل ما يرده العقل غير صحيح. ولكن نقول رداً عليهم بأن هذا الحديث باطلٌ ومقدوحٌ في سنده، نقول: إن الحديث مخرجٌ في أصح كتابين بعد كتاب الله جل وعلا، ألا وهما صحيح البخاري ومسلم، وإذا رأيت -أخي في الله- الحديث في الصحيحين وقد اتفق عليه الشيخان؛ فاعلم بأن الحديث قد ارتقى إلى أعلى قمم الصحة، وإذا رأيت الرجل يقدح في حديثٍ في الصحيحين فاعلم أن بضاعته في الحديث مزجاة هذا إن أحسنا الظن به. أما القدح الذي ينبغي أن نقف أمامه حقاً أنهم قالوا: إن هذا الحديث يقدح في نبوة المصطفى وفي عصمته والله جل وعلا يقول: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] وهذا الحديث يؤيد قول المشركين الذي حكى الله عنه: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً﴾ [الفرقان:٨] هذه تستحق التوقف والتدبر والجواب بدقة، والجواب بعون الله جل وعلا: إن هذا القول يقدح في عصمة النبي ﷺ غير صحيح لماذا؟ لأن النبي معصومٌ باتفاقٍ في جانب التبليغ والتشريع والدعوة عن الله جل وعلا، معصومٌ في هذا ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤] وما ينطق عن الهوى في كل ما يبلغه عن ربه، ولكن هناك أمور قد يخطئ فيها النبي من أمور الدنيا، وما قصة تأبير النخل منا ببعيد وإلى آخره، أما ما يبلغه عن ربه وما ينقله عنه فلا يمكن على الإطلاق أن يخطئ فيه أو أن يزل فيه قيد أنملة بوعد الله جل وعلا: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:١ - ٤]. أما سائر الأعراض الدنيوية التي تسري على الناس من مرض وألم وفتنة ومحنٍ وابتلاءات، فهذه تصير على النبي كما تصير على غيره من سائر البشر، وقد قال الله جل وعلا حكاية

стр. 848

إلى الباحثين عن السعادة جميع الناس يبحثون عن السعادة مع اختلاف أفكارهم ومبادئهم وعقائدهم، فبعضهم يراها بجمع المال وبعضهم يراها في المنصب والجاه، وبعضهم يراها في تقليد الغرب، فيستورد الأفكار المنحلة منهم، ولكن سرعان ما تنقضي هذه السعادة ويدب اليأس من جديد. وذلك لأن السعادة الحقيقية ليست إلا من التزم بكتاب الله وسنة رسوله، فهما أساس السعادة الحقيقية في الدارين.

стр. 849

الناس جميعاً يبحثون عن السعادة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله جل وعلا الذي جمعنا في هذا المسجد الطيب المبارك على طاعته؛ أن يجمعنا وإياكم مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله: (إلى الباحثين عن السعادة) هذا هو عنوان لقائنا معكم في هذا اليوم الكريم المبارك، وكعادتي فسوف ينتظم حديثي معكم تحت هذا العنوان في العناصر التالية: أولاً: الناس جميعاً يبحثون عن السعادة. ثانياً: سعادة العالم بين الوهم والحقيقة. وأخيراً: هذا هو طريق السعادة. فأعرني قلبك وسمعك أيها الحبيب، والله أسأل أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه؛ أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب. مهما اختلفت عقائد الناس وأفكارهم ومبادؤهم، فإنك لو سألت أي إنسان على ظهر الأرض: لمَ فعلت كذا؟ ولم صنعت كذا؟ لقال لك إما بهذه الأحرف أو بكلمات تختلف: أبحث عن السعادة. إنها غاية يتفق فيها الخلق جميعاً، ولكن يختلف الناس في سبيل الحصول على هذه السعادة.

стр. 850

السعادة لا تكون في جمع المال من الناس من يظن أن السعادة في جمع المال، ولو كان من الحرام، المهم أنه يريد أن يجمع المال بأي سبيل، ولا تعنيه الوسيلة لجمع هذا المال. وأود أن أقول بدايةً: أنا لا أريد أن أقلل من شأن المال، فقد يكون المال سبب السعادة في الدنيا والآخرة، وقد يكون المال سبب الشقاء في الدنيا والآخرة، المال ما أكرمه إذا حركته أيدي الصالحين والشرفاء، وما أشرف المال إذا عرف المسلم غايته، وعلم أن المال ظل زائل، وعارية مسترجعة، وفي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد من حديث أبي كبشة الأنماري، وفيه أنه ﵌ قال: (إنما الدنيا لأربعة نفر: -وذكر النبي ﷺ منهم- رجلاً آتاه الله مالاً وعلماً فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقاً) فهذا في أفضل المنازل عند الله جل وعلا. فالمال ظل زائل، وعارية مسترجعة، لو عرف المؤمن غاية وحقيقة المال والوظيفة التي ينبغي أن يُسخر لها، فأنفق في سبيل الله جل وعلا، وعلم يقيناً أن ماله الحقيقي هو ما قدم، وبُذِلَ في حياته، ففي صحيح مسلم أنه ﷺ سأل أصحابه يوماً فقال: (أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ قالوا: يا رسول الله! ما منا من أحد إلا وماله أحب إليه من مال وارثه، فقال المصطفى ﷺ : فإن ماله ما قدم ومال ورثته ما أخر)، وفي الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي وغيره أنه ﵌ يقول: (مالك يا بن آدم! تقول: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت) ورحم الله من قال: النفس تجزع أن تكون فقيرة والفقر خير من غنىً يطغيها وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت فجميع ما في الأرض لا يكفيها ... هي القناعة فالزمها تكن ملكاً لو لم تكن إلا راحة البدن وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير الطيب والكفن قال جل وعلا: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً * وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً * وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً * وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٦ - ٤٩]. فالمسلم إذا عرف غاية المال واستخدمه استخداماً صحيحاً؛ فالمال يكون حينئذٍ سبب في سعادته في الدنيا والآخرة، وقد يكون المال من أسباب الشقاء في الدنيا والآخرة؛ إذا عاش الإنسان من أجل المال، وأصبحت غايته في هذه الدنيا أن يجمع المال بأي سبيل وطريق حتى ولو على سبيل الآخرة، يسمع النداء يقول: حي على الصلاة. ولكنه منشغل بتجارته وبأولاده وبكرسيه ومنصبه، ما استجاب لله جل وعلا، بل من أجل الدنيا والمال غفل عن الآخرة، وقد حذر النبي ﷺ من هذه الغفلة، فقال كما في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري: (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء). كم ممن ينتسبون الآن إلى الإسلام لا همَّ لهم إلا المال والدنيا، إن أمروا بأمر الله ما أتمروا، وإن نهاهم الله جل وعلا ما انتهوا، وإن حد لهم الله جل وعلا حدوداً تجاوزوا وتعدوا حدود الله ﵎، وأصبحت الدنيا الغاية التي من أجلها يخططون ويبذلون، بل وينفقون العقل والوقت والجهد والمال من أجلها. أيها الأحبة: ليس كل صاحب مالٍ سعيد، وأنتم تقرءون آيات القرآن التي قص الله علينا فيها قصة قارون الذي انشغل الناس بملكه وسلطانه، ومع ذلك لما ذُكر بالله ما تذكر، اتق الله، ورد الفضل إلى الله جل وعلا، واعلم أن ما أنت فيه من نعمة إنما هو بفضل الله جل وعلا عليك، فرد قارون باستعلاء وكبر وقال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص:٧٨] (إنه فن الإدارة) هذه الكلمة التي يرددها أصحاب المال الآن إلا من رحم ربك، فكانت النتيجة: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص:٨١]. ولعل البعض منكم قد تابع قصة أغنى امرأة في العالم، فتاة في العشرين من عمرها، إنها: كريستينا أونسيس ابنة الملياردير الشهير أونسيس، لما هلك أبوها ورثت هذه الفتاة مع زوجة أبيها هذه التركة الضخمة؛ المليارات، والأساطيل، والشركات، وتزوجت هذه الفتاة برجل أمريكي عاشت معه فترة قصيرة ثم طلقته، ثم تزوجت برجل يوناني عاشت معه فترة قصيرة فطلقها أو طلقته، ثم تزوجت برجل روسي شيوعي، فتعجب الصحفيون في حفل زفافها، وقال لها صحفي: كيف تلتقي قمة الرأسمالية بـ الشيوعية؟ فقالت الفتاة بصدق ووضوح: أبحث عن السعادة، ثم عاشت معه وطلقته، ثم تزوجت للمرة الرابعة برجل فرنسي فتقدمت صحفية لتقول لها: هل أنت أغنى امرأة؟ قالت: نعم. أنا أغنى امرأة ولكني أشقى امرأة، ثم وجدوها جثة هامدة في إحدى الشاليهات بدولة الأرجنتين. فليس كل صاحب مال سعيد -أيها الإخوة- والله لن يذوق طعم السعادة إلا رجل منّ الله عليه بالمال؛ فعرف الغاية والوظيفة لهذا المال، فأنفقه لله جل وعلا في الليل والنهار، اكتسبه من الحلال، وأنفقه فيما يرضي الكبير المتعال.

стр. 851

لا تنال السعادة بالمناصب قد يظن صنف من الناس أن السعادة الحقيقية في المنصب، والجاه والسلطان، وأنا أقول لكم: قد يكون المنصب سبباً من أسباب السعادة في الدنيا والآخرة؛ إذا اتقى الإنسان فيه ربه، وعرف أن المنصب والكرسي الذي أجلسه الله عليه أمانة، وعرف أن هذه الأمانة يوم القيامة قد تكون حسرة وندامة، ففي صحيح مسلم أن أبا ذر جاء إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! ألا تستعملني؟ -لماذا لا تعطيني منصباً أو كرسياً في هذه الدولة العظيمة- فقال له المصطفى بعد أن ضرب على منكبه: يا أبا ذر! إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها). فالمنصب والمسئولية أمانة، وأستحلفك بالله: أن تتدبر هذا الحديث الذي يرعب القلب لخطره ومسئوليته، والحديث في أعلى درجات الصحة، فقد رواه البخاري ومسلم من حديث معقل بن يسار ﵁، أنه ﷺ قال: (ما من عبد يسترعيه الله رعيةً، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة) تدبر أيها المسئول، مهما كانت مسئوليتك، ومهما كان منصبك، أنت في أمانة إن أديتها ربما أوصلتك هذه المسئولية إلى الجنان، إن اتقيت الله وعرفت قدر هذه المسئولية وقدر هذه الأمانة، فإن خان الإنسان هذه الأمانة؛ كان المنصب سبباً في شقائه في الدنيا والآخرة. لذا نرى عمر بن الخطاب ﵁ لا يكاد ينام ليلاً أو نهاراً، يمر في السوق فيلفت نظره إبل سمينة، فيقول عمر: [إبل من هذه؟ فيرد عليه بعضهم ويقول: إبل عبد الله بن عمر! -وكأن حية رقطاء قد أفرغت كل سمها في جوفه- ائتونِ به، ويأتي عبد الله وهو يرتجف -وأنتم تعملون أن عبد الله بن عمر إمام من أئمة الزهد والورع- فيقول له أبوه: ما هذه الإبل يا عبد الله؟ فيقول: إبل هزيلة اشتريتها بخالص مالي يا أمير المؤمنين، وأطلقتها في الحمى ترعى؛ لأبتغي ما يبتغيه المسلمون من الربح والتجارة، فقال عمر في تهكم لاذع وهو الذي عرف حجم المسئولية وقدر الأمانة، قال: بخٍ بخٍ يا بن عمر، وإذا رأى الناس إبلك قالوا: ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين، اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين، فتسمن إبلك، ويربوا ربحك يا ابن أمير المؤمنين، عبد الله! قال: لبيك يا أبتي! قال: اذهب الآن فبع الإبل، وخذ رأس مالك ورد الربح إلى بيت مال المسلمين] لله دره! هؤلاء كانوا يقفون أمام كل لقمة شهية، وثوب جميل، ونعمة، يقفون وهم يرتعدون من الله جل وعلا. ويقول عمر لنفسه: [ماذا أنت قائل لربك غداً يا عمر، كنت فقيراً فأغناك الله، وكنت وضيعاً فأعزك الله، وكنت ذليلاً فأعزك الله، ثم ولاك الله هذه الأمانة، فماذا أنت قائل لربك غداً يا عمر؟!!]. فيا أيها الحبيب! مهما كان حجم منصبك، ومهما كانت حجم مسئوليتك فإنها أمانة، وإنها يوم القيامة حسرة وندامة، أما إن اتقيت الله، وجعلت هذا المنصب وسيلة للجنة لتفريج كربات الناس، فلا. ولا تعقد مصالح خلق الله، ولا تعقد مصالح عباد الله، بل كن مفتاح خير، فإن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر، فكن مفتاح خيرٍ بمنصبك، وكن مفتاح خير بكرسيك، واستغل هذا الكرسي لمرضاة الله، ولا تستغل هذا الكرسي لمن أجلسك عليه من العباد، فإن الكرسي ظل زائل، وعارية مسترجعة، ولو دام هذا المنصب لغيرك لما وصل إليك. دع عنك ما قد فات في زمن الصبا واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب لم ينسه الملكان حين نسيته بل أثبتاه وأنت لاهٍ تلعب والروح منك وديعة أودعتها ستردها بالرغم منك وتسلب وغرور دنياك التي تسعى لها دار حقيقتها متاع يذهب الليل فاعلم والنهار كلاهما أنفاسنا فيهما تعد وتحسب فقد يكون المنصب سبباً من أسباب السعادة في الدنيا والآخرة، كما أنه قد يكون المنصب سبباً من أسباب الشقاء والهلاك في الدنيا والآخرة.

стр. 852

لا تدرك السعادة بمحاكاة الغرب هناك صنف ثالث يظن أن السعادة الحقيقية في أن يسافر إلى الغرب، وأن يستورد أفكاره، فهؤلاء هم الذين يعيشون في سعادة من وجهة نظرهم، وأنا أقول لكم أيها الأخيار: والله الذي لا إله غيره! من سافر إلى بلاد الغرب علم يقيناً أن هؤلاء يعيشون الضنك بكل معانيه. نعم. هم حولوا العالم كله إلى قرية صغيرة عن طريق هذه التقنية المذهلة في عالم الاتصالات والمواصلات، فجَّروا الذرة، وانطلقوا في أجواء الفضاء، وغاصوا في أعماق البحار، وأعطوا البدن كل ما يشتهيه، وبقيت الروح في أعماقهم تصرخ، تبحث عن غذائها ودوائها، وهنا وقف الغرب أمام الروح وقفة العاجز، لماذا؟ لأن الروح لا توزن بالجرام، ولا تقاس بالترمومتر، ولا تخضع لبوتقة التجارب في معامل الكيمياء والفيزياء، فوقف الغربي حائراً عاجزاً. إن المتابع للإحصائيات الأخيرة سيعجب عجباً حينما يرى هذا الانتشار السريع لعيادات الطب النفسي، ولحالات الانتحار الجماعي؛ لأن الإنسان بدن وروح، ولا يمكن لطائر جبار أن يحلق في أجواء الفضاء بجناح واحد لمدة طويلة، فإن طار وإن طالت مدة طيرانه سيسقط حتماً لينكسر جناحه الآخر، وهنا يقول الحق جل وعلا عند الروح: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥] فالإنسان جسد وروح، ومحالٌ أن يجد الإنسان غذاء هذه الروح إلا في منهج الخالق ﷻ ، قال سبحانه: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]. كنت ألقي محاضرة في المركز الإسلامي في لوس أنجلوس، ودخل عليّ أمريكي مع أخوين مسلمين، وقطعا الأخوان محاضرتي وقالا لي: نريد أن تنطق هذا الأمريكي الشهادتين. قلت: الحمد لله، تقدم يا أخي، وقبل أن ينطق الشهادتين، قلت له: لماذا أتيت مسلماً وأنت ترى واقع المسلمين لا يسر عدواً ولا حبيباً. رد عليّ الأمريكي وقال: يا أخي أنا رجل ثري، أملك الشركات والأموال الطائلة، ومع ذلك يقول: فكرت في الانتحار أكثر من عشر مرات، يريد أن يتخلص من الحياة، لا يشعر للحياة بلذة ولا بذوق ولا بطعم، يقول: وعندي هذا الأخ، وأشار إلى موظف مع الأخوين اللذين جاءا معه، هذا الأخ الموظف عندي في إحدى شركاتي، ما من مرة أدخل عليه إلا وأراه مبتسماً نشيطاً في عمله، أميناً في عمله، صادقاً جاداً، فاقترب منه هذا الأمريكي وقال: يا أخي، ما من مرة أدخل عليك إلا وأرى السعادة تعلو وجهك، وأرى عليك الجد والنشاط والحيوية، وأنا صاحب هذه الشركة لا أشعر بما تشعر به، فرد عليه هذا الأخ الذي كان مثالاً للمسلمين، إذ أنني أعتقد من كثرة سفراتي إلى هذه البلاد أن المسلمين هم حجر العثرة في طريق التزام هؤلاء بالإسلام؛ لأن الأمريكي أو الغربي ينظر إلى كثير من المسلمين فيراهم قد انحرفوا عن منهج رب العالمين، هذا يشرب الخمر، وهذا يبيع الخنزير في محله، وهذا يعاقر الزنا، يقول: فما الفرق بيني وبينه؟! إذاً: لو كان المسلم مثالاً حقيقياً لهذا الدين بأخلاقه وسلوكه؛ لتغيرت هذه الصورة المقززة، التي نقلت إلى الغرب والشرق عن الإسلام والملتزمين المسلمين. يقول: فرد عليَّ هذا الأخ المسلم وقال لي: الحمد لله أنا أشعر بالسعادة؛ لأنني مسلم. قال: وما معنى ذلك؟ وهل المسلم يشعر دوماً بالسعادة؟ قال: نعم؛ لأن نبينا ﷺ علمنا حديثاً صحيحاً في صحيح مسلم من حديث أبي يحيى صهيب يقول: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له, وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له). فرد الأمريكي وقال: فهل لو دخلت الدين الذي أنت عليه سأشعر بالسعادة التي تشعر بها؟ قال: نعم. قال: أدخلني، دلني، فأمره بالاغتسال، فاغتسل وجاء به إلى المركز الإسلامي؛ ليعلن الشهادة، ووالله يا إخوة، ما إن وقف الأمريكي ليردد خلفي كلمة الإيمان والتوحيد إلا وبكى بكاءً هستيرياً طويلاً، فأراد الإخوة أن يسكتوه، فقلت لهم: دعوه، فلما أنهى بكاءه وجلس قلت له: لماذا بكيت؟ فقال لي: أشعر الآن بشيء من الفرح في صدري ما شعرت به قبل ذلك. قلت: صدق ربي إذ يقول: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٤] إنها نعمة شرح الصدر والهداية، لا يتذوق طعمها إلا من ذاقه وعرفه. قالوا لنا الغرب، قلت: صناعة وسياحة ومظاهر تغرينا لكنه خاوٍ من الإيمان لا يرعى ضعيفاً أو يسر حزينا الغرب مقبرة المبادئ كلما رفعت يداً أبدى لها السكينا الغرب يكفر بالسلام وإنما بسلامه الموهوم يستهوينا الغرب يحمل خنجراً ورصاصة فعلام يحمل قومنا الزيتونا كفر وإسلام فأنى يلتقي هذا بذلك أيها اللاهونا

стр. 853

سعادة العالم بين الوهم والحقيقة أيها المسلم! اعلم بأن السعادة الحقيقية تكمن في دين الله جل وعلا وامتثال منهجه. إن العالم كله محروم من السعادة بلا نزاع وجدال، على الرغم من كثرة الأموال والبنوك والأسواق. وعلى الرغم من كثرة المخترعات في جانب الأمن فإن العالم محروم من نعمة الأمن والأمان، ومحروم من نعمة السعادة! لماذا؟ لأنه انحرف عن منهج الله جل وعلا، وابتعد عن منهجه، ولا سعادة لمخلوق على ظهر هذه الأرض إلا إذا سمع عن الله فامتثل، واستجاب لأمر محمد بن عبد الله ﷺ . ولا تقل لي: أين النموذج؟ أقول لك: ما وجد هذا النموذج الذي يحول الإسلام في واقع الناس إلى منهج حياة، وإلى واقع عملي، فمن الظلم إذاً أن نحكم على منهج الله ودين الله بأنه ما حقق السعادة للناس على أرض الواقع؛ لأنه ما قدم إلى الآن هذا المنهج بالصورة التي ارتضاها الله جل وعلا أو رسوله ﷺ . وهاهو المصطفى محمد ﷺ ، يوم أن حول أصحابه هذا الدين إلى واقع عملي ومنهج حياة، تحولوا من رعاة للإبل والغنم إلى سادة وقادة للدول والأمم، فلا سعادة إلا إذا عادت البشرية إلى الله، بعد أن أحرقها لفح الهاجرة القاتل، وأرهقها طول المشي في التيه والظلام، فإن البشرية كلها من خلق الله، ولن تعالج فطرتها وأمراضها إلا بدواء يقدم لها من عند الله، وهذا الدواء هو كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ . فهيا أيها المسلم! قم وضم العالم كله إلى صدرك، وأسمعه خفقات قلبك الذي وحد الله جل وعلا، هيا قم ودثر العالم كله ببردتك ذات العبق المحمدي، بيّن للدنيا عزة وعظمة وأخلاق هذا الدين، والله أسأل أن يجعلنا وإياكم خير دعاة بأقوالنا وأخلاقنا وسلوكنا ورحمتنا وتواضعنا وبذلنا لهذا الدين، فإن أعظم خدمة نقدمها اليوم أيها المسلمون لهذا الدين العظيم هي: أن نشهد له شهادة عملية على أرض الواقع، بعدما شهدنا له جميعاً شهادة قولية؛ لأننا نرى انفصاماً رهيباً بين هذا المنهج المنير، وبين هذا الواقع المر المرير. والله أسأل أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 854

هذا هو طريق السعادة الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الأحبة الكرام وأخيراً: هذا هو طريق السعادة:

стр. 855

الإيمان والعقيدة هما الأصل في إيجاد السعادة لخص الله هذا الطريق في آيات محكمة لمن أراد السعادة في الدنيا والآخرة، قال ﷻ : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧] إيمان بالله جل وعلا، وعمل صالح، واستقامة على هذا الدرب حتى تلقى الله ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النحل:٩٧] إذ أن الإيمان والعقيدة هما الأصل، ولا تصدق أبداً أن الأمة الآن أصبحت في غنىً عن العقيدة، أو في غنىً عن دعاة يركزون على العقيدة والتوحيد، فإن التوحيد هو اللبنة الأولى إن أرادت هذه الأمة أن يعاد إليها عزها ومجدها المسلوب. فالإسلام عقيدة تنبثق منها شريعة تنظم هذه الشريعة كل شئون الحياة، ولا يقبل الله من قوم شريعتهم إلا إذا صحت عقيدتهم، يخرج علينا من يقول: لا تكثروا الدندنة حول الإيمان أو التوحيد؛ لأن النبي بدأ بالتوحيد، إذ أنه بدأ في بيئة شركية، فلا داعي للإكثار من الحديث عن التوحيد والإيمان وأركانه وأبوابه. أقول: إن الأمة اليوم في أمس الحاجة إلى التوحيد، بل لقد قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء:١٣٦] فقد أثبت لهم عقد الإيمان ابتداءً؛ ومع ذلك يأمرهم بالإيمان؛ ليظل الإيمان عقيدة حية في قلوبهم، وراسخة في ضمائرهم، وعاملة في حياتهم وواقعهم، فلا بد أيها الحبيب من تأصيل الإيمان وتحقيقه وتجريده وتخليصه من أي شائبة من شوائب الشرك، فالأمة لا زالت الملايين المملينة فيها تسأل غير الله، وتستغيث بغير الله، ونحَّت شريعة الله جل وعلا، في كل عام في مصر وفي غيرها يحج إلى بعض القبور الملايين من البشر، وسمعنا بآذاننا عبر شاشات التلفاز من يقول: إننا الليلة نحتفل بمولد السيد البدوي المهاب، الذي إذا دعي في البر والبحر أجاب، وسمعنا من يخاطب النبي المصطفى ويقول: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم ومن فيض جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم وسمعنا من أبناء الأمة من يقول: هبوا لي ديناً يجعل العرب أمة وسيروا بجثماني على دين برهم سلام على كفر يوحد بيننا وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم وسمعنا من أبناء الأمة من يقول: إن مصر ستظل فرعونية، ولو وقف الإسلام حجر عثرة في طريق فرعونيتنا لنحينا الإسلام جانباً لتظل مصر فرعونية. وسمعنا من أبناء الأمة من يقول: إن القرآن منتج ثقافي. وسمعنا من يقول: آمنت بالبعث رباً لا شريك له وبالعروبة ديناً ما له ثانِ ويخرج من يقول: كفوا عن التوحيد، أين التوحيد في هذه الأمة؟ ليكف الدعاة عن التركيز على التوحيد والإيمان؛ لتحقيقه وتجريده، فوالله لا عز ولا نجاة لهذه الأمة إلا إذا حققت الإيمان بالله جل وعلا ابتداءً: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النحل:٩٧].

стр. 856

التقرب إلى الله سبب السعادة في الدنيا والآخرة صمنا رمضانات كثيرة، ومع ذلك لو سألنا أنفسنا -إلا من رحم الله- هل خرجنا بالتقوى من رمضانات كثيرة صمناها؟ لكان الجواب لا. إلا من رحم الله، لماذا؟ لأننا دخلنا رمضان مدرسة الصوم بغير الشرط الذي به سنحصل التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] لن تخرج من رمضان بالتقوى إلا إذا دخلت رمضان بالإيمان، إن لم تحقق الإيمان فلن تخرج بالتقوى، كم من المسلمين يذهب إلى حج بيت الله الحرام، وعلى عرفات، ورب الكعبة لقد رأيت بعيني على عرفات، من جلس بلباس الإحرام ليلعب (الورق)، فكاد قلبي أن ينخلع، فقلت: يا أخي في هذا اليوم العظيم تقضي هذا الوقت في مثل هذا؟ فقال: إن اليوم طويل، وأنا أريد أن أقضي بعض الساعات في اللعب حتى لا أشعر بالملل، هذا في عرفات، لا يشعر بلذة ولا بعظمة هذا اليوم؛ لأنه ما حقق الإيمان، فلن تخرج بتقوى، ولن تستطيع أن تغض بصرك، وأن تكف عن الحرام، وتمتنع عن الربا، وتفعل شيئاً على الإطلاق إلا إذا حققت الإيمان ابتداءً بالله جل وعلا. ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧] حياة سعيدة كريمة، سينشرح صدرك، وييسر الله جل وعلا أمرك، وستشعر بالراحة والطمأنينة وأنت في رحاب الله، وفي قرب من الله جل وعلا، إن أتيت الصلاة، أو قمت الليل، أو أكلت لقمة شعرت باللذة والسعادة، فحقق الإيمان واحرص على العمل الصالح؛ وستسعد بهذه الدنيا، بل وستدخل جنة الدنيا قبل جنة الآخرة، فإن في الدنيا جنة من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة، إنها جنة القرب من الله، وجنة الطاعة لله، وجنة اللذة بالأنس مع الله ﷻ ، فاحرص على الإيمان والعمل الصالح؛ لتشعر بالسعادة في هذه الدنيا قبل الآخرة. يحدثني أستاذ جامعي في المنصورة في مصر ابتلاه الله بمرض في القلب، فسافر إلى بريطانيا لإجراء جراحة عاجلة، فلما قرر الأطباء الجراحة وظن أنه ربما يموت، قال: أمهلوني ثلاثة أيام لأرجع إلى أهلي لألقي عليهم نظرة أخيرة، ولأرتب بعض الأمور، فإن قدر الله عليَّ الوفاة أكون مطمئناً، فعاد الرجل وقبل أن يسافر بيوم إلى بريطانيا مرة أخرى لإجراء الجراحة، كان يجلس إلى جوار صديق له في مكتب إلى جوار جزار؛ -أي: رجل يبيع اللحم- ولفت نظره امرأة كبيرة تلتقط العظم وبعض قطع اللحم النيئ من الأرض وتضعه في سلة معها، فتعجب الرجل وخرج ونادى على هذه الأم الكبيرة، وقال: ما تصنعين يا أماه؟ قالت: والله يا بني لقد رزقني الله خمساً من البنات، ما ذاقوا طعم اللحم منذ عام تقريباً، فأنا أجمع لهم بعض هذه القطع. فبكى الرجل وتأثر ودخل على هذا الرجل وقال: يا أخي هذه المرأة ستأتيك في كل أسبوع وأعطها من اللحم ما تريد. قالت: لا، أريد كيلو فقط. قال: بل أعطها اثنين، وأخرج من جيبه مباشرة قيمة لحم لعام كامل مقدماً، فبكت المرأة ولم تصدق، ورفعت يديها تتضرع بالدعاء إلى الله جل وعلا أن يسعد هذا الرجل وهو صاحب القلب المريض. يقول لي: والله ما إن عدت إلى بيتي إلا وأنا أشعر بهمة ونشاط، حتى لو كلفوني بهدم بيت لفعلت ذلك. يقول: فلما دخلت قابلتني ابنتي وقالت: ما شاء الله يا أبي أرى اليوم حركتك ونشاطك وجدك زاد، ما هذا؟ أرى وجهك يتهلل، فقص عليها القصة فبكت البنت، وكانت صالحة ورفعت يديها إلى السماء لتدعو الله جل وعلا وتقول: أسأل الله أن يسعدك بشفاء مرضك، كما أسعدت هذه المرأة وأولادها. واستجاب الملك، وسافر الرجل بعد إصرار من أهله وهو الذي شَعُر بالتحسن الكامل، وأمام أطبائه في بريطانيا صرخ طبيبه الذي يعلم حالته وقال: ما هذا؟ فنظر إليه وقال: ما الذي حدث؟ قال: من الذي بذل لك العلاج بهذه الصورة؟ وعند أي الأطباء قد تعالجت وطلبت العلاج؟ فبكى الرجل بين يديه وقال: تاجرت مع الله فشفاني الله جل وعلا، بين غمضة عين وانتباهتها. فاعلم أن الله على كل شيء قدير، وأنك ستسعد في الدنيا والآخرة؛ إن قربت من الله وعرفت طريقه، وحققت الإيمان به، وسرت على درب الحبيب رسول الله ﷺ . هذا هو طريق السعادة يا شباب! هذا هو طريق السعادة يا أصحاب الأموال والمناصب! لن تشعروا بالسعادة في الدنيا والآخرة إلا إذا سلكتم هذا الدرب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٢]، لتسعد بعد ذلك إن سلكت هذا الدرب سعادة حقيقية أبدية لا تشقى بعدها أبداً في جنات النعيم، ﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤ - ٥٥]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٥ - ١٠٨] هذه هي السعادة، إنها دار السعادة، ولن تدخل دار السعادة إلا إذا دخلتها في الدنيا، فحققت الإيمان، وسرت على درب رسول الله ﷺ .

стр. 857

سعادة أهل الجنة ونعيمهم أيها الحبيب الكريم! روى مسلم في صحيحه من حديث أنس أنه ﷺ قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله تعالى: يا أهل الجنة هل رضيتم؟ فيقول أهل الجنة: وما لنا لا نرضى وقد أدخلتنا الجنة، وأنجيتنا من النار، فيقول الله جل وعلا: أفلا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقول أهل الجنة: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول الله جل وعلا: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً). أيها الأخيار! إن نعيم الجنة الحقيقي ليس في لبنها، ولا خمرها، ولا ذهبها، ولا قصورها، ولا حريرها، ولا حورها، وإنما نعيم الجنة الحقيقي في رؤية وجه ربها، قال ﷻ : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] والحسنى: هي الجنة، والزيادة: هي أن تتمتع بالنظر إلى وجه الله في جنات النعيم. أيها الحبيب الكريم! هذا هو طريق السعادة، فداوم على هذا الدرب، واحرص عليه، واحرص على السير على طريق محمد بن عبد الله، فوالله ثم والله لن تشعر في دنياك بالسعادة ولا بنجاة وفوز وفلاح في أُخراك، إلا إذا سلكت هذا الدرب وهذا الطريق. والله أسأل أن ييسر لي ولكم هذا الدرب، وأن يثبتنا وإياكم عليه. اللهم اجعلنا من أهل السعادة في الدنيا والآخرة، اللهم يسرنا بفضلك لليسرى، اللهم ارزقنا التقى والعفاف والغنى. اللهم صل وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 858

أميرة القصر، وقضية العصر كان لحادث وفاة الأميرة البريطانية ديانا وعشيقها صداه المؤسف في الإعلام العربي المقروء والمسموع، مما يدل دلالة واضحة على الخلل العقدي، والفهم الخاطئ لحقيقة الولاء والبراء في الإسلام. في هذه الخطبة أزاح الشيخ اللثام عن هذه الحقيقة وبيّن عوار الإعلام ومساويه، ووضح أهمية أمانة الكلمة، والأزمة التي يعيشها كثير من شباب هذه الأمة، ثم بيّن الفائدة والعبرة من هذه الحادثة، وأنهى الموضوع بالحديث عن الطريق الحق إلى السعادة في الدنيا والآخرة.

стр. 859

قبل أن تغرق السفينة بالجميع إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصلِّ اللهم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء، وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء، وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! (أميرة القصر وقضية العصر) هذا عنوان لقائنا مع حضراتكم في هذا اليوم الكريم المبارك، وكما تعودنا حتى لا ينسحب بساط الوقت من بين أيدينا سريعاً، فسوف أركز الحديث مع حضراتكم تحت هذا العنوان في العناصر التالية: أولاً: قبل أن تغرق السفينة بالجميع. ثانياً: أمانة الكلمة وأزمة العقل المسلم. ثالثاً: أين الولاء والبراء؟ رابعاً: فاعتبروا يا أولي الأبصار. وأخيراً: هذا هو طريق السعادة في الدنيا والآخرة. فأعيروني القلوب والأسماع جيداً أيها الأحباب الكرام، والله أسأل أن يسترنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض، وأن يرزقنا جميعاً حسن الخاتمة، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! حملةٌ إعلامية مبالغٌ فيها بشكلٍ مثير، تستفز مشاعر كل مسلم صادقٍ غيور، حول حادث وفاة الأميرة البريطانية ديانا مع عشيقها بعد حفل عشاءٍ رومنسيٍ ساهر في مدينة باريس، الحدث في ذاته لا يستحق منا أبداً أن نهتم به لولا ما قرأت من كلمات، وما سمعت من آهاتٍ وأناتٍ وتوجعات، وما رأيت من حالاتٍ واعتقاداتٍ تصيب عقيدة الولاء والبراء بطريقٍ مباشر، لولا ذلك ما وقفت اليوم مع حضراتكم هذه الوقفة لأفرد خطبة جمعة كاملة لمثل هذا الموضوع، فلقد رأيت أنه من الواجب الذي سأُسأل عنه بين يدي الله جل وعلا أن أقف اليوم مع حضراتكم وقفة متأنية مع هذا الحدث؛ لأستخرج منه الدروس والعظات والعبر التي تربي النفوس، وتربط القلوب بعلام الغيوب جل وعلا. فالداعية الصادق -أسأل الله أن يجعلني وإياكم من الصادقين- هو الذي ينبض قلبه بحب أمته، ويتمزق قلبه في الوقت ذاته حسرةً على ما أصاب الأمة من انحرافٍ مزرٍ عن منهج الله، وعن طريق رسول الله ﷺ ، لذا فهو يستغل الأحداث المتجددة؛ ليطرق على الحديد وهو ساخن؛ ليستخرج الدروس التربوية، والعظات الكبيرة، والعبر المفيدة. لذا فالداعية الصادق هو الذي يختار اللحظة المناسبة التي تبلغ فيها حرارة الانفعال درجة الانصهار؛ ليجلي لأمته المنهج التربوي الإسلامي اقتداءً بالحبيب النبي ﷺ الذي ما ترك حدثاً من الأحداث في مكة أو المدينة في حياة الرعيل الأول إلا ووظف النبي ﷺ هذا الحدث توظيفاً تربوياً فعالاً رائعاً، إذ أن التربية بالأحداث المتجددة من أعظم وسائل التربية. ومن ثم وقفت اليوم بين يدي حضراتكم محذراً أبناء أمتي قبل أن تغرق السفينة بالجميع، بالصالحين والطالحين، والمهرجين والساقطين، فنحن جميعاً -يا إخوة- نركب سفينة واحدة، يركب هذه السفينة الصالحون والطالحون كما قال النبي ﵊ في حديثه الصحيح الذي رواه البخاري من حديث النعمان قال ﵊: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قومٍ استهموا على سفينة -أي ضربوا القرعة على سفينة- فأصاب بعضهم أعلاها وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذي في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً حتى لا نؤذي من فوقنا -يقول المصطفى ﷺ لو تركوهم وما أرادوا لهلكوا وهلكوا جميعاً، ولو أخذوا على أيديهم لنجوا ونجوا جميعاً) فنحن جميعاً ركاب سفينة واحدة، يركب السفينة الصالح والساقط، التقي والشقي، إن نجت السفينة نجا الجميع، وإن هلكت السفينة هلك الجميع، هذا الواجب الثقيل، واجب الأخذ على أيدي المهرجين والواقعين في حدود رب العالمين، هذا الواجب يا إخوة قد حمله الله والنبي ﷺ وآله وسلم على كل مسلمٍ ومسلمة على وجه الأرض، كلٌ بحسب قدرته، كلٌ بحسب استطاعته، كلٌ بحسب فكره وعطائه وقدراته. ففي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) فإن رأيت منكراً -أيها المسلم- فغير هذا المنكر بيدك إن استطعت ذلك بالضوابط الشرعية والقواعد والأصول المرعية، فإن عجزت فبلسانك، فإن عجزت فبقلبك، ولا عذر لك عند الله جل وعلا إن لم تغير هذا المنكر بقلبك. وتغيير المنكر بالقلب -أيها الأخيار- يقتضي منك أن تترك المكان الذي يرتكب فيه المنكر وأنت عاجزٌ عن تغييره، أيها المسلم وأن تُبغض المنكر وأهله، هذا الواجب إن لم تتحمله الأمة وقع بالأمة كلها عقاب الله وعذابه وسخطه، ويتعرض لهذا العقاب الصالحون مع الطالحين، ففي الصحيحين من حديث زينب بنت جحش ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها يوماً فزعاً وهو يقول: (لا إله إلا الله، ويلٌ للعرب من شرٍ قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق النبي بالسبابة والإبهام، فقالت زينب: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال المصطفى ﷺ : نعم إذا كثر الخبث). فواجبٌ على الأمة تجاه هذه المهزلة التي نشهدها على صفحات الجرائد، بل وفي جل بيوت المسلمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، واجبٌ على أهل الإصلاح من الصالحين، على أهل المعروف المنكرين المنكر أن يحذروا الأمة من هذه السفاسف الرهيبة، وأن يذكروا الأمة بقضاياها الكبرى التي أراد لها الأعداء أن يصرفوها عنها، وسقط في هذه المصيدة وهذا الفخ الخطير كثيرٌ ممن يديرون الآن دفة التوجيه والتربية والقيادة في بلاد المسلمين ولا حول ولا قوة إلا بالله! وراع الشاة يحمي الذئب عنها فكيف إذا الرعاة لها الذئاب ويجب عليك أيها المسلم يا من لك العقل والفهم الرشيد السديد أن تقوم اليوم مذكراً، وأن تقف اليوم محذراً؛ لأننا نعيش زمن الفتنة، نعيش الزمن الذي قدم فيه الساقطون الزناة وأهل الدعارة ليكونوا القدوة لشبابنا، ليكونوا القدوة لنسائنا وبناتنا، وقد وصف الصادق هذا الزمان وصفاً دقيقاً محكماً كما في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والحاكم في المستدرك وصحح الحديث الألباني من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (سيأتي على الناس سنواتٍ خداعات، يصدق فيها الكاذب، ويُكذب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن، ويُخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة! قيل: ومن الرويبضة يا رسول الله؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة) صدق المصطفى ورب الكعبة، لقد تكلم التافهون الآن، وأُفرد للتافهين الصفحات الطوال، وأُفرد للتافهين الساعات الطوال ليحركوا عقول الأمة، ليوجهوا شباب الأمة توجيهاً يناقض تماماً ما أراده الله جل وعلا، وما أراده المصطفى ﷺ لأمةٍ أوجب الله عليها أن تحمل مشعل الهداية لهذه البشرية كلها، ولِمَ لا وبين يديها كتاب الله جل وعلا وسنة الحبيب رسول الله ﷺ ، يزداد هذا الواجب عليك الآن أيها الأخ الحبيب؛ لأننا نعيش هذا العصر الذي خان فيه كثيرٌ من أهل الفكر الأمانة، وتعرض فيه العقل المسلم لأزمة خطيرة تخلع القلوب الحية.

стр. 860

أمانة الكلمة وأزمة العقل المسلم أمام كل حدث نرى هذه الأزمة، أمام كل مصيبة نرى أزمة العقول المسلمة، ونرى مدى التفاهة لكثيرٍ ممن يديرون دفة التوجيه والقيادة على صفحات الجرائد والمجلات ولا حول ولا قوة إلا بالله رب الأرض والسماوات. أيها الأحبة الكرام! الكلمة أمانة، الكلمة في الجريدة، في الإذاعة، في التلفاز، في المسجد، في الوظيفة، في الشارع الكلمة التي ينطق بها الإنسان أمانة ثقيلة، أمانة عظيمة، الكلمة شأنها عظيم، الكلمة خطرها جسيم، ولِمَ لا؟ فبكلمة واحدة يدخل المرء دين الله، وبكلمةٍ واحدة يخرج المرء من دين الله، وبكلمة واحدة ينال المرء رضوان الله، وبكلمة واحدة ينال المرء سخط الله، قال جل في علاه: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً فيرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً فيهوي بها في جهنم) كلمة! هذه الأمانة العظيمة أمانة الكلمة، أمانة توجيه العقل المسلم، هذه الأمانة الثقيلة يتحملها العلماء، والدعاة، والأدباء، والمفكرون، والكتَّاب، والصحفيون، والمربون، والآباء، والأمهات، وكل من يساهم في تحريك دفة التربية والقيادة والتوجيه بطريقٍ مباشر أو غير مباشر، يتحمل كل هؤلاء هذه الأمانة الضخمة، وهذه المسئولية العظيمة الكبيرة، فالأمة كلها تبعٌ لهؤلاء، الأمة بتوجهاتها وبعقلياتها وبفكرها تبعٌ لهؤلاء القادة ممن يشكلون عقلية هذه الأمة، الأمة تنتظر نتاج هؤلاء، وتنتظر توجيه هؤلاء، وتنتظر تقى هؤلاء. وأعظم دليل على فشل جل هؤلاء ما نراه الآن من حالٍ مهين خطيرٍ لهذه الأمة، حيث أننا نرى الأمة إلا من رحم ربك تتعامل مع كل حدث وأزمة بسطحية مروعة، بسطحية مدمرة، نرى أن المسلم لا فارق بينه وبين هذا الرجل الغربي ألبتة، فالمسلم يتعامل مع الحدث كما يتعامل مع الحدث ذاته الرجل الغربي الذي لا يؤمن بالإله، ولم يهتد من حبيب رسول الله ﷺ . مكمن الخطر أن الذي يحرك ويشكل هذه العقليات المسلمة وهذه السطحية الخطيرة هم القادة، هم العلماء، هم الكتَّاب، هم الصحفيون، هم الأدباء، وبكل أسف رفعت الأمة هؤلاء على الأعناق، وفوق الرءوس، وهم في الحقيقة إلا من رحم ربك كالطبل الأجوف يُسمع من بعيد وباطنه من الخيرات خالٍ، جل هؤلاء ما يعرف قرآناً، ولا يعرف سنة، ولا يتصور المنهج التربوي الإسلامي بأصالته وسموه وكماله، ومن ثم فإن أي حدثٍ لا يمر على هذا (الفلتر) النقي، على (فلتر) المنهج التربوي الإسلامي ليوظف هذا الأديب أو الصحفي أو الكاتب هذا الحدث توظيفاً يتلاءم مع منهج الله ومع منهج رسول الله فيخرج المسلم بعد ذلك من خلال هذه الرؤية المسلمة العقلية الواسعة، يخرج المسلم بعد ذلك برؤية تخالف تماماً رؤية الرجل الغربي الذي سطر لنا هذا الحدث ليصرف الأمة عن دينها وعن طريق نبيها ﷺ . كل الجرائد والمجلات والإذاعات والصحف ضخمت الحدث لامرأة زانية، على أعلى مستويات هذه الأمة، قدم الحدث لامرأة ماتت وهلكت مع عشيقها، يقدم الحدث بهذه الصورة التي تثير حالة غبش تحياها الأمة ويحياها الشباب، فيقف الآن المسلم العادي البسيط وهو لا يستطيع أبداً أن يستبين سبيل المؤمنين من سبيل المجرمين، لا يعرف أبداً أين القدوة، ومن هو القدوة والمثل؟ وهذا من أخطر ما تعانيه الحركة الإسلامية الآن، ألا وهي حالة الغبش والتذبذب التي يعيش فيها المسلمون أو جل المسلمين بمعنىً دقيق. ولا يمكن على الإطلاق يا إخوة أن تخرج الأمة لنصرة دينها إلا إذا خرجت من حالة الغبش والتذبذب، إلا إذا تمايز الناس إلى فسطاطين: فسطاط إيمانٍ لا نفاق فيه، وفسطاط نفاقٍ لا إيمان فيه، إلا إذا أسقطت الأمة كل هذه الشعارات المضللة، وكل هذه اللافتات البراقة الخبيثة التي يتخفى خلفها أعداء هذه الأمة ممن لا يرقبون في المؤمنين والمؤمنات إلاً ولا ذمة. لقد آن الأوان بكل صدق ليرفع مثقفو الأمة ومفكروها وعلماؤها وأدباؤها وقاداتها، آن الأوان أن يتخلصوا من عقدة النقص أمام الغرب بكل ثقافاته ومعطياته وسلوكياته، آن الأوان أن يحذر هؤلاء القادة الأمة من هذا الذوبان الخطير في هذه المناهج الغربية والثقافات الغربية التي تصطدم اصطداماً مباشراً مع عقيدتنا وأخلاقنا وديننا، وقد حذر الصادق المصطفى من هذا الذوبان كما في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري أنه ﷺ قال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضبٍ -وفي لفظ: خربٍ- لتبعتموهم، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن) مَن غير هؤلاء؟ تبعت الأمة سنن هؤلاء مع أن الأمة تعلم يقيناً أن هؤلاء على ضلالٍ وباطل، وأنها تحمل منهج ربها ومنهج نبيها ﵌. لقد آن الأوان أن يتخلص هؤلاء من عقدة النقص أمام الغرب بثقافاته، ومعطياته، وسلوكياته، لا سيما في الجانب الأخلاقي التربوي، وإن كنت في الوقت ذاته أقول بأعلى صوتي: لا حرج على الإطلاق أن تستفيد الأمة من حضارة الغرب في الجانب العلمي والمادي والصناعي، ليت الأمة نقلت أروع ما وصل إليه الغرب في جانب التقدم العلمي، ليت الأمة فعلت ذلك، لكنها بكل أسف تركت أروع -وأنا أقر- أروع ما وصلَ إليه التكتيك الغربي في عالم الاتصالات، في عالم المواصلات، في عالم الذرة، في عالم الكيمياء، في عالم الطب، في عالم الجيولوجيا، في كل هذه العوالم تركت الأمة أروع ما وصل إليه الغرب في هذا الجانب، وراحت لتنقل أعفن وأقذر وأرخص وأحقر ما وصل إليه الغرب في الجانب الأخلاقي والتربوي، الذي يصطدم مع عقيدتنا وأخلاقنا، وقيمنا وديننا، حتى رأينا من بني جلدتنا من يقول: لقد عزمنا على أن نأخذ كل ما عند الغربيين حتى الالتهابات التي في رئاتهم، والنجاسات التي في أمعائهم! تبعية ذليلة، وهزيمة خطيرة، خذ أفضل ما عند الغربيين لا حرج، واترك أعفن ما عند الغربيين مما يصطدم مع دينك وقيمك وأخلاقك. إننا نشهد أزمة خطيرة للعقل المسلم تسبب فيها هؤلاء القادة الذين يوجهون ويقودون التربية ويتحكمون في توجيه وتشكيل عقليات أبناء هذه الأمة، إنها أمانة الكلمة، وتوجيه العقل المسلم أمانة، فعلى هؤلاء أن يتقوا الله جميعاً في توجيه الأمة الوجهة الصحيحة التي أرادها لها ربها ونبيها ﷺ ؛ لتتبوأ الأمة من جديد مكانتها التي قال الله عنها: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]. وأنا لا أنكر في الوقت ذاته أننا نرى من هؤلاء القادة من علماء وأدباء ودعاة ومفكرين وصحفيين من تحترق قلوبهم على أحوال هذه الأمة الجريحة، لكنهم يصرخون في صحراء مقفرة، أسأل الله أن يوصل صرخاتهم الصادقة إلى قلوب وآذان هذه الأمة في الشرق والغرب، إنه ولي ذلك والقادر عليه. لا أريد أن أطيل مع كل عنصر، فإن الموضوع والله طويل، وأنا كما ترون لا أريد أن أعالج الحدث في ذاته، وإنما أريد كما ذكرت أن أستخرج الدروس والعظات والعبر التي يجب على كل مسلمٍ أن يخرج بها من مثل هذه الأحداث التي تبين في كل مرة حجم انحراف الأمة عن منهج ربها، وطريق نبيها ﷺ .

стр. 861

أين الولاء والبراء ؟ والله إن القلب ليحزن، مع كل حدث نرى شرخاً رهيباً لصرح عقيدة الولاء والبراء، رأينا هذا الشرخ الرهيب عند موت العندليب الأسمر، وعند قضية عبدة الشيطان، وعند قضية الاستنساخ، وعند موت سندريلا القرن العشرين، نرى هذا الشرخ الرهيب في صرح عقيدة الولاء والبراء، مسلمٌ في مصر يضرب عن الطعام من أجل سندريلا القرن العشرين، ومسلم في الباكستان ينتحر من أجل سندريلا القرن العشرين، وثالثٌ يقول: لقد ماتا معاً ليعيشا معاً في الجنة هكذا! يقول الإمام ابن القيم: من أحب شيئاً غير الله كما يحب الله تعالى فهو ممن اتخذ من دون الله أنداداً، وهذه هي محبة المشركين، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]. اللهم املأ قلوبنا بحبك وحب نبيك وحب المؤمنين الصادقين، وحب كل عملٍ يقربنا إلى حبك يا أرحم الرحمين! ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] المؤمن نعيم قلبه وقرة عينه في حب الله ورسوله والمؤمنين الصالحين. قال المصطفى كما في الصحيحين من حديث أنس: (ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار) المؤمن قرة عينه ونعيم قلبه في البراءة من الشرك والمشركين، كيف يتعلق قلبك بمشركٍ أو مشركة؟ انتبه يا مسلم انتبه لهذه الكلمات، لا يصح دين ولا إسلام ولا إيمان إلا بموالاة الله ورسوله والمؤمنين، والبراءة من الشرك والمشركين، فتش عن دينك، فتش عن عقيدة التوحيد في قلبك، قلبك يتعلق بمن؟ قلبك فيه من؟ فيه حب الله، فيه حب رسول الله، فيه حب الموحدين، أم فيه حب الساقطين والراقصين والمشركين؟ نقب يا مسلم، والله إني أصرخ بصدقٍ وإخلاص فأنا أحب لك ما أحبه لنفسي، أنا أخاطب المسلمين على وجه الأرض: نقبي يا مسلمة، يا من تعلقت بمغنٍ ساقط! ويا من تعلقت بممثلٍ هابط! فكر يا مسلم ونقب في قلبك عن حب الله ورسوله والمؤمنين، فإن امتلأ قلبك بحب الله ورسوله والمؤمنين طرد أيَّ حبٍ للشرك والمشركين وللباطل والمبطلين، وللساقطين والراقصين، فنقب الآن بصدق: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [المائدة:٥١] فنقب عن هذا الحب في قلبك الآن اصدق الله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١] قرآن ربك يا مسلم! قال حذيفة بن اليمان: [فليخشَ أحدكم أن يكون يهودياً أو نصرانياً وهو لا يدري لهذه الآية: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١]] قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة:١]. يا من وحدتم الله! يا من أعلنتم الإيمان بالله! نقبوا عن الولاء والبراء في قلوبكم، لقد ضاعت عقيدة الولاء والبراء مع هذا التصالح والتقارب والود مع اليهود، مع الشرك والمشركين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة:١]. أتحب أعداء الحبيب وتدعي حباً له ما ذاك في الإمكانِ وكذا تعادي جاهداً أحبابه أين المحبة يا أخا الشيطانِ إن المحبة أن توافق من تحب على محبته بلا نقصانِ فإن ادعيت له المحبة مع خلا فك ما يحب فأنت ذو بهتانِ وقال الشاعر: نعم لو صدقت الله حين زعمته لعاديت من بالله ويحك يكفرُ وواليت أهل الحق سراً وجهرةً ولما تعاديهم وللكفر تنشرُ فما كل من قد قال ما قلتَ مسلمٌ ولكن بأشراطٍ هنالك تذكرُ مباينة الكفار في كل موطنٍ بذا جاءنا النص الصحيح المقررُ وتطبع بالتوحيد بين ظهورهم وتدعوهم سراً لذاك وتجهرُ فهذا هو الدين الحنيفي والهدى وملة إبراهيم لو كنتَ تشعر

стр. 862

فاعتبروا يا أولي الأبصار قولوا من الواجب أن يدندن الإعلام المسلم على العظة والعبرة، فلقد تحطمت السيارة التي تركبها المرأة مع عشيقها، وتحولت إلى كومةٍ من الحديد تشبه علبة السجائر التي داستها الأقدام، والعهدة على جريدة الأهرام على صدر صفحتها الأولى، أما لنا في هذا عبرة؟! ولكن العقول وجهت توجيهاً آخر، أما المؤمن الذي يرى برؤية القرآن، ويرى برؤية السنة ينظر إلى الأحداث نظرة أخرى؛ لأن المؤمن يحمل قلباً وعقلاً يختلف تماماً عن قلب وعقل رجلٍ لم يوحد الله جل وعلا، ولم يؤمن برسول الله ﷺ ، هذه السيارة الضخمة الفخمة تتحول في غمضة عينٍ وانتباهتها إلى كتلة حديد؟! نعم أراد ذلك العزيز الحميد، قضى الملك: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨] إنه الموت يا سادة، إنه الموت يا قادة، إنه الموت، إنها الحقيقة الكبرى التي يسكت عندها جبروت المتجبرين، إنها الحقيقة الكبرى التي يسقط عندها عناد الملحدين، وطغيان البغاة المتألهين، إنها الحقيقة التي تصبغ الحياة البشرية كلها بصبغة الذل والعبودية لقهار السماوات والأرض، إنها الحقيقة التي تسربل بها طوعاً أو كرهاً العصاة والطائعون، بل وشرب كأسها الأنبياء والمرسلون، قال الله جل وعلا: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة:٢٦ - ٣٠]. وقال جل وعلا: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:١٩ - ٢٢] ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق:١٩] والحق أنك تموت والله حيٌ لا يموت: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق:١٩] والحق أن ترى عند موتك ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ والحق أن يكون قبرك روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران: ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] أي: ذلك ما كنت منه تهرب، تحيد إلى الطبيب إذا جاءك المرض، وتحيد إلى الطعام إذا أحسست بالجوع، وتحيد إلى الشراب إذا أحسست بالظمأ، ولكن ثم ماذا أيها القوي الفتي! أيها الذكي العبقري! يا أيها الأمير! يا أيها الوزير! يا أيها الكبير! يا أيها الصغير؟ كل باكٍ فسيبكى! وكل ناعٍ فسينعى! وكل مذخورٍ سيفنى! وكل مذكورٍ سينسى! ليس غير الله يبقى! من علا فالله أعلى! أين الظالمون؟ أين الملوك؟ أين الحكام؟ أين الزعماء؟ أين الوزراء؟ أين الأمراء؟ أين الصالحون؟ أين الأنبياء؟ أين الطالحون؟ أين الظالمون؟ أين الظالمون وأين التابعون لهم في الغي بل أين فرعون وهامان وأين من دوخوا الدنيا بسطوتهم وذكرهم في الورى ظلمٌ وطغيان فهل أبقى الموت ذا عزٍ لعزته أو هل نجى منه بالسلطان إنسان لا والذي خلق الأكوان من عدمٍ الكل يفنى فلا إنس ولا جان قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧] ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [القيامة:٢٦ - ٢٧] قال ابن عباس: [أي: من يرقى بروحه إلى السماء] أيرقى بروحه ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ وقال قتادة: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [القيامة:٢٧] أي: من الذي يبذل له الرقية، ومن الذي يقدم له الطب والعلاج ليحول بينه وبين الموت؟ تحركت مستشفى كاملة إلى الأميرة في موطن الحادث، واستمر أكابر الأطباء لمدة ساعتين كاملتين في إجراءاتٍ وإسعافاتٍ أولية سريعة ليحفظوا هذا القلب، وليمنعوا الروح، ولكن رب الروح قال: لا، إذا قدر الملك شيئاً فلا راد لقضائه، والله لا يمنعك منصبك أياً كنت، والله لا يمنعك مالك مهما كان غناك، والله سترحل، والله لو دام المنصب والكرسي لغيرك ما وصل إليك، هذا طبيبٌ في المخ، وهذا في القلب، وهذا في العظام، وهذا في الأعصاب، وهذا في البطن وغير ذلك، والكل قد التف حول الأميرة ولكن ملك الملوك ﷻ كان قد أصدر الأوامر لملك الموت، فاستقبل ملك الموت هؤلاء جميعاً ونفذ أمر الله وقضاءه وقدره ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [القيامة:٢٧] إي: من يبذل له الرقية والطب والعلاج؟ لا، إن قضى الملك شيئاً فلا يستطيع أطباء الدنيا أن يحولوا بين هذا وبين ما أراده الله جل وعلا. أيها المسلم! انظر إليها التف من حولها الأطباء كلٍ يدعو لها الرقية، كل يبذل لها العلاج، وانظر كذلك إلى المسلم الذي نام على فراش الموت والتف من حوله الأطباء كلٌ يبذل له الرقية ويبذل له العلاج فهو من هو؟ وهي من هي صاحبت المنصب والجاه والوجاهة؟ وهو من هو صاحب المنصب والجاه والوجاهة؟ انظر إليه اصفر وجهه، وشحب لونه، وبردت أطرافه، وتجعد جلده، وبدأ يشعر بزمهريرٍ قارس يزحف إلى أنامل يديه وقدميه بل إلى جسده كله. وفقه الله لكلمة لا إله إلا الله، فينظر في لحظة صحوة بين السكرات والكربات فإذا وعى ما حوله من الأطباء والأهل والأحباب نظر إليهم نظرةً باكية، نظر إليهم نظرة استعطاف، نظر إليهم نظرة رجاء: يا إخواني! يا أحبابي! يا أهلي! يا أولادي! لا تتركوني وحدي، ولا تفردوني في لحدي، أخفوني بأموالي، أخفوني بأعماركم، أنسيتم من أنا؟! أنا أبوكم! أنا أخوكم! أنا الذي بنيت لكم القصور يا أولادي! أنا الذي عمرت لكم الدور! فمن منكم يزيد في عمري ساعة أو ساعتين، أو يوماً أو يومين، أو سنةً أو سنتين؟ لا ثم لا، ثم يعلو صوت الحق فيقول جل وعلا: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٨٣ - ٩٦] سبحانك يا من ذللت بالموت رقاب الأمراء والأميرات والجبابرة، وأنهيت بالموت آمال الحكام والقياصرة، ونقلتهم بالموت من القصور إلى القبور، ومن ضياء المهود إلى ظلمة اللحود، ومن ملاعبة النساء والجواري والغلمان إلى مقاسات الهوان والديدان، ومن التنعم في ألوان الطعام والشراب إلى التمرغ في ألوان الوحل والتراب، سبحانك ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٩٦]. دع عنك ما قد فات في زمن الصبا واذكر ذنوبك وابكها يا مذنبُ لم ينسه الملكان حين نسيته بل أثبتاه وأنت لاهٍ تلعبُ والروح منك وديعةٌ أُودعتها ستردها بالرغم منك وتصلبُ وغرور دنياكَ التي تسعى لها دارٌ حقيقتها متاعٌ يذهب الليل فاعلم والنهار كلاهما أنفاسنا فيهما تُعد وتحسبُ أسأل الله أن يرزقنا جميعاً حسن الخاتمة، وأن يرزقنا قبل الموت توبة، وعند الموت شهادة، وبعد الموت جنةً ورضواناً، ولا أريد أن أطيل عليكم أكثر من ذلك، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 863

طريق السعادة في الدنيا والآخرة الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، اللهم صلَّ وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! أريد أن أُذكر إخواني وأخواتي من المسلمات ممن فتنوا بمثل هذه الحياة التي تعرفوا عليها من خلال هذه الحملة الإعلامية المكثفة، فظن كثيرٌ منهم أن هؤلاء هم الذين يعيشون حياة السعادة، أحببت أن أذكر نفسي وإخواني وأخواتي بأن أهل الكفر والمعصية وإن مشت بهم البغال، وطقطقت بهم البراذين، فإن ذل المعصية في قلوبهم يأبى الله إلا أن يذل من عصاه، كما يأبى الله إلا أن يسعد من أطاعه واتقاه. السعادة يا إخوة والله ما كانت في القصور، فكم من قصورٍ فارهة يعيش أهلها في شقاء وظنك. السعادة يا إخوة والله ما كانت في المناصب، فكم من ألوفٍ يجلسون على الكراسي لا يشعرون بلذة النوم ولا راحة الضمير. السعادة يا إخوة والله ما كانت في المال، فكم من أصحاب أموالٍ يقلقون ويخافون في الليل والنهار. لا يشعر بالسعادة إلا من رزقه الله الإيمان والتوحيد، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧] لا يشعر صاحب المال بلذة وسعادة إلا إذا ملأ الله قلبه إيماناً فعرف وظيفة المال والغاية من المال. لا يشعر صاحب المنصب باللذة والسعادة إلا إذا استغل منصبه وكرسيه في طاعة الله، وفي تفريج كربات الناس وخلق الله، لا يشعر صاحب القصور بالسعادة إلا إذا عمرها بذكر الله وتقوى الله والإيمان بالله جل وعلا، فإن السعادة يا إخوة مصدرها الصدر: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١] فقد يعيش الإنسان في قصرٍ فاره، ويقف في حديقة القصر الرائعة، ومع ذلك يشعر باختناق، بل يفكر في الانتحار لماذا؟!! لأن السعة ليست في المكان وإنما هي في الصدور: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١] نعمة شرح الصدر، نعمة الرضا، نعمة الطمأنينة، نعمة الإيمان، نعمة الذكر، نعمة الأنس بالله جل وعلا، نعمة الشوق إلى لقاء الله، فكم من فقيرٍ قد لا يجد قوت يومه ومع ذلك فهو يشعر برضا، ويشعر بانشراحٍ في صدره، ويشعر بسعادة، وهؤلاء هم الذين تكتمل سعادتهم في الآخرة إن شاء الله تعالى، بجنةٍ عرضها السماوات والأرض، قال الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٥ - ١٠٨]. وفي صحيح مسلم من حديث أنس: (يقول الله لأهل الجنة: يا أهل الجنة هل رضيتم؟ فيقول أهل الجنة: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول جل وعلا: أفلا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقول أهل الجنة: وأي شيءٍ أفضل من ذلك؟! فيقول الله جل وعلا: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً) وفي لفظ: (فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى وجه الله ﷻ قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]. اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، اللهم ارزقنا حسن الخاتمة. اللهم ارزقنا جميعاً حسن الخاتمة، اللهم ارزقنا قبل الموت توبة، وعند الموت شهادة، وبعد الموت جنةً ونعيماً ورضواناً، اللهم إن أردت بالناس فتنةً فاقبضنا إليك غير خزايا ولا مفتونين، ولا مفرطين ولا مضيعين، ولا مغيرين ولا مبدلين برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم رد الأمة إليك رداً جميلاً، اللهم رد الأمة إليك رداً جميلاً، اللهم رد الأمة إليك رداً جميلاً، اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا. اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم عليك باليهود وأتباع اليهود وعملاء اليهود، برحمتك يا أرحم الراحمين، بقدرتك يا قوي يا متين! اللهم املأ قلوب اليهود ناراً، اللهم املأ بيوت اليهود ناراً، اللهم دمر بيوتهم قبل أن يدمروا الأقصى، اللهم كما روعوا إخواننا في فلسطين ولبنان فروعهم يا رب العالمين! اللهم كما روع اليهود إخواننا في فلسطين ولبنان فروعهم يا رب العالمين! اللهم ارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، واستر عيبنا، وفك أسرنا، وتول أمرنا، وأحسن خلاصنا برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، نشكو إليك خيانة الخائنين، وضعف الموحدين. اللهم اجبر كسرنا، وارحم ضعفنا يا أرحم الراحمين! اللهم إنا نسألك أن تجعل بلدنا مصر واحة للأمن والأمان، اللهم لا تحرم مصرنا من الأمن والأمان وجميع بلاد المسلمين، اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن، وجميع بلاد المسلمين، اللهم ارفع عن مصر الغلاء والبلاء والوباء وجميع بلاد المسلمين. أحبتي الكرام! هذا وما كان من توفيقٍ فمن الله وحده، وما كان من خطأٍ أو سهوٍ أو زللٍ أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويلقى به في جهنم، ثم أعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.

стр. 864

تبعية ثقيلة إن مكانة الدعوة إلى الله تعالى عظيمة؛ فهي أشرف عمل يقوم به المسلم، وهي فرض عين على كل مسلم بحسب الاستطاعة، وهي وظيفة الأنبياء والمرسلين، فلابد أن تكون هي الهم الذي يحمله كل مسلم. لذلك تكلم الشيخ عنها واصفاً لها بأنها ثقيلة، مبيناً ضرورة الإخلاص فيها، وقد أعقب ذلك بالحديث عن الحكمة، وضرورة معرفة واقع الأمة، ثم ختم درسه بكلمة مهمة في الدعوة إلى الله.

стр. 865

مكانة الدعوة إلى الله إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين، أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الأحبة، وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله جل وعلا، الذي جمعنا وإياكم في هذا البيت المبارك على طاعته، أن يجمعني وإياكم في الآخرة مع سيد الدعاة والمصطفى في جنته إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله: إننا الليلة على موعد في هذه اللحظات مع محاضرة تحتاج إلى وقت طويل، إننا الليلة على موعد مع هذه التبعة الثقيلة، والأمانة الكبيرة، والمسئولية العظيمة، ألا وهي تبعة الدعوة إلى الله ، الذي شرف الله جل وعلا بها الأنبياء والمرسلين، وجعلها وظيفة باقية في خير أمة أرسلت للناس، فالدعوة إلى الله جل وعلا هي أشرف عمل على ظهر الأرض، ولم لا وهي دعوة أنبياء الله ورسله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣] إنها وظيفة الأنبياء، ووظيفة المرسلين، وقد امتن الله على لبنة تمامهم ومسك ختامهم وإمامهم محمد ﷺ ؛ فجعل هذه الوظيفة في أمته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ففي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا وكان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنه تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل). فما من نبي إلا وله أنصار، وحواريون وأصحاب، يحملون راية دعوته، ويتحركون بها معه في حضوره وبعد وفاته، وقد شرف الله هذه الأمة فنقل إليها وظيفة الأنبياء والمرسلين، ومن ثم شهد الله لها بالخيرية؛ فشهادة الله بالخيرية لهذه الأمة -أيها الأحبة- لم تكن اعتباطاً ولم تكن من فراغ، وإنما لأن هذه الأمة قد حملت راية الدعوة إلى الله، وتحركت لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ولتعلن على مدى الزمان والمكان إيمانها بالله جل وعلا، قال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه﴾ [آل عمران:١١٠]. والدعوة إلى الله الآن -كما قال أكثر علمائنا- فرض عين وليست فرض كفاية؛ وذلك لكثرة المنكرات، ولقلة الآمرين بالمعروف، ولتحرك أهل الباطل لباطلهم بكل السبل والوسائل، فأصبحت الدعوة إلى الله الآن فرض عين على كل مسلم ومسلمة، كل على حسب استطاعته وعلى حسب مقدرته. وأنا أود أن يفرق الأحبة بين أمرين: بين طلب العلم الشرعي، وبين الدعوة إلى الله، فكثير من الأحبة الكرام يتقاعس عن الدعوة إلى الله جل وعلا بحجة أنه لا زال يطلب العلم! وأنا أقول: من قال لك بأن طلبك للعلم سينتهي عند فترة من فترات العمر، إن طلب العلم لا ينتهي ما دمت في هذه الحياة، رأى أحد الناس إمام أهل السنة الإمام أحمد رحمه الله تعالى يحمل المحبرة بين يديه يوماً من الأيام، فتعجب هذا الشيخ، وقال: يا إمام، وصلت إلى ما وصلت إليه ولا زلت تحمل المحبرة! فقال الإمام أحمد: مع المحبرة إلى المقبرة. فطلب العلم لا ينتهي، ولم لا، ولا يزال الأمر الإلهي للنبي ﷺ ممتداًً إلى قيام الساعة: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه:١١٤]! فلا بد أن نفرق بين طلب العلم الشرعي الذي لا ينتهي عند فترة من الفترات، وبين التحرك في الدعوة إلى رب الأرض والسماوات، كل بحسب قدرته واستطاعته؛ لقول النبي، بل وإن شئت فقل: لأمر النبي ﷺ ، والأمر في هذا الحديث للوجوب لا للندب، إذ لم تأت قرينة تصرف الأمر من الوجوب إلى الندب. والحديث رواه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو، أنه ﷺ قال: (بلغوا عني ولو آية) فكم تحفظ -أيها المبارك- من الآيات؟ وكم تحفظ من الأحاديث؟! (بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار).

стр. 866

ما الهم الذي تحمله ؟ فكر -أيها الكريم- ما هو الهم الذي تحمله في قلبك؟ إن أهل الباطل قد تحركوا الآن لباطلهم بكل السبل، بذلوا الأوقات والأموال والأعمال والطاقات الجبارة الهائلة لباطلهم، وتقاعس أهل الحق عن حقهم، عن الحق الذي من أجله خلق الله السماوات والأرض والجنة والنار، وأنزل الكتب وأرسل الرسل، وكما يفكر الواحد منا -أيها الأحبة- للإبداع في عمله والإبداع في وظيفته -وهذا أمر محمود مشكور- يجب عليه أن يفكر كيف يبدع لدين الله، وكيف يبدع لدعوة الله، وكيف يسخر أمواله وطاقاته ونساءه وأولاده ووقته وعرقه لدين الله جل وعلا. أنا لا أختلف معك أنك تحمل في قلبك هموماً كثيرة، فهذا يحمل هم الوظيفة، وهذا يحمل هم البيت، وهذا يحمل هم الأولاد، وذاك يحمل هم المال إلخ، لا بأس على الإطلاق، لكن فتش في قلبك ما هو أول هم تحمله؟ هل هو هم الدعوة؟! هل هو هم الدين؟! هل هو هم هذه الأمة المسكينة التي تشرذمت وذلت الآن للذليل قبل العزيز، وللقاصي قبل الداني، وللضعيف قبل القوي؟! فكر في هذه الدعوة هل فكرت في أن تدخر جزءاً من مالك لتستغل هذا المال في الدعوة إلى الله إن عجزت أنت أن تتحرك بلسانك؟ فإن الدعوة إلى الله لا تقتصر على الدعاة والعلماء، بل لولا أن الله قد سخر شباباً هنا ما سمعتم مثل هذه الكلمات، وهؤلاء جنود، هؤلاء الإخوة الكرام في مركز الشباب هم الذين قاموا على أمر الدعوة، وهم الذين تكلفوا لتسمعوا دعوة الله ، فهذه دعوة، وهذا الذي أخذ إعلاناً لمحاضرة ووضعه في مسجد دعوة، وهذا الذي دعا أخاه، أو دعا زوجته، أو دعا ابنته ليحضر ليكثر سواد المسلمين، هذه دعوة، وهذا الذي طبع مائة أو ألف شريط، وتحرك على سائقي السيارات ودفع إليهم الأشرطة ليبلغوا دين الله، قد شارك في الدعوة، فلا تحقرن من المعروف شيئاً، فمن رحمة الله سبحانه أن فتح لنا من المعروف أبواباً كثيرة؛ ليتحرك كل مسلم على قدر استطاعته، وعلى قدر طاقته لدين الله . ولكن الذي ينبغي أن نفجره في القلوب، هو أن ينام كل مسلم ليفكر في دين الله وفي دعوة الله، لا تنم ملء عينك، ولا تأكل ملء بطنك، ولا تضحك ملء فمك وأنت منشغل عن دين الله، وعن دعوة الله، وكأن الأمر لا يعنيك، والله لتسألن عن هذا الدين: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع) ستسأل عن كل هذه النعم عن الأموال، وعن العمر، وعن الصحة، وستسأل عن كل هذه النعم بين يدي الله ، وفي قبرك ستسأل عن هذا الدين من ربك؟ من نبيك؟ ما دينك؟ فهل ستستطيع أن تجيب وتقول: ديني الإسلام وأنت ما بذلت لدين الله! وأنت ما تحركت لدعوة الله! وأنت ما أنفقت الوقت والجهد والمال والطاقات الهائلة التي منَّ الله بها عليك لدعوة الله؟!

стр. 867

الدعوة إلى الله واجب الجميع إن الدعوة إلى الله الآن -وأقصد الدعوة العامة- فرض عين على كل مسلم ومسلمة، لا سيما وقد قل الدعاة، وقل الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، لأننا جميعاً -أيها الأحبة- ركاب سفينة واحدة، إن نجت السفينة نجا الصالحون والطالحون، وإن هلكت السفينة هلك الصالحون والطالحون، والحديث رواه البخاري ومسلم من حديث النعمان بن بشير ﵁، أن النبي ﷺ قال: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة -أي: ضربوا قرعة من الذي يسكن أعلى السفينة، ومن الذي يسكن في قاعها- فأصاب بعضهم أعلاها، وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذِ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً). كانوا إذا أرادوا أن يأتوا بالماء مروا على من يسكن الطابق الأعلى، فكأنهم تضايقوا من أذاهم للآخرين، فقالوا: (لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذِ من فوقنا) ما الذي يمنع أن نخرق في قاع السفينة خرقاً ونأخذ الماء مباشرة من قاع البحر، ولا نمر على من فوقنا ونؤذيهم بمرورنا؟ يقول النبي ﷺ : (فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً). فنحن جميعاً -أيها الأحبة- ركاب سفينة واحدة، ينبغي أن يبذل كل واحدٍ منا على قدر استطاعته، لأننا نلحظ في الأمة سلبية قاتلة وسلبية مدمرة، أخرت الأمة سنوات طويلة، بحجة مفهوم أو فهم مغلوط لآية محكمة من كتاب الله، ألا وهي قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] كثير من الأحبة يردد الآن هذه الآية، ويقول: ما شأني بضلال الضلال، إذا كنت أنا على طريق الكبير المتعال، وعلى طريق منهج سيد الرجال، لا ينفعني ولا يضرني!! لا. لقد خاف الصديق الأكبر ﵁ يوماً من هذه السلبية القاتلة، ومن هذا الفهم المغلوط لهذه الآية، فارتقى المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال: (أيها الناس! إنكم تقرءون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه؛ أوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده) وفي لفظٍ صحيحٍ آخر: (إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده -وفي لفظ- ثم يدعونه فلا يستجاب لهم) والحديث رواه أصحاب السنن وأحمد وهو حديث صحيح. فينبغي أن يبذل كل واحد منا على قدر استطاعته لدين الله جل وعلا.

стр. 868

السبيل الصحيح في الدعوة إلى الله ثانياً: في عجالة سريعة: ما هو السبيل الصحيح للدعوة؟ وضح الله هذا السبيل في آية محكمة؛ فقال جل وعلا: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨] أدعو إلى الله، لا إلى جماعة بعينها، أتعصب لها تعصباً بغيضاً أعمى، يصم الآذان عن سماع الحق، ويعمي الأبصار عن رؤية الدليل، إن سألوك عن شيخك فقل: شيخي رسول الله، وإن سألوك عن منهجك فقل: القرآن والسنة بفهم سلف الأمة، من أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين لهم بإحسان، وإن سألوك عن موطنك فقل: ألا إن بيوت الله في الأرض المساجد، وإن سألوك عن جماعتك فقل: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨]. لا نريد أن نتعصب تعصباً بغيضاً أعمى للجماعات، وأن أجعل كل همي الجماعة، أدعو إليها وأوالي وأعادي عليها، هذا من العقبات الكئود التي تؤخر العمل الإسلامي الآن، إنما السبيل أيها الأحبة: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية طيب الله ثراه: "وليس لأحد أن ينصب للأمة شخصاً يدعو إلى طريقته، ويوالي ويعادي عليها غير النبي ﷺ ". لا ينبغي أن نرفع شخصاً من الشيوخ أو من العلماء، لنوالي ونعادي عليه، لنلقي السلام على من جلس بين يديه، ولنغض الطرف عمن فارق مجلسه، هذا لا يليق، إنما يجب أن يكون ولاؤنا وبراؤنا لله جل وعلا، لا لشخص من الأشخاص ولا لجماعة من الجماعات، ولا لمنهج يخالف منهج الله ورسوله ﷺ .

стр. 869

حاجة الدعاة إلى التجرد والإخلاص إننا الآن -يا إخواني- في منعطف خطير، يجب علينا أن نجرد فيه دعوتنا إلى الله، وأن نجرد فيه أعمالنا لله، أن نجرد أقوالنا وأفعالنا له ﷻ ، وأن نبتغي بدعوتنا وقولنا وعملنا وفعلنا وجه الله سبحانه. ورد في الحديث الطويل الذي رواه البخاري من حديث أبي هريرة، وفيه أنه ﷺ قال: (طوبى لعبد آخذٍ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استشفع لم يشفع له، وإن استأذن لم يؤذن له)، رجل مطموس، لا يزعجه أين مكانته بين الدعاة إلى الله، هل هو في الصدارة بين صفوف القادة، أم في المؤخرة بين صفوف الجند، ما دام على طول الطريق يعمل لله جل وعلا لا يزعجه أن يشير إليه الإعلاميون والصحفيون أو لا يشيروا، لأنه لا يريد طبلاً أو مزماراً إعلامياً أو سياسياً، إنما يريد أن يرضي ربه جل وعلا، في سبيل الله لا يبتغي إلا رضاه. واعلم أن من أوائل من تسعر بهم النار يوم القيامة عالم وقارئ للقرآن، والحديث رواه مسلم من حديث أبي هريرة لماذا؟ لأنه لم يبتغ بعلمه أو قراءته وجه الله، هؤلاء هم أهل الرياء والكذب، وإن زوروا في الدنيا أنهم يعملون من أجل الله، إلا أن الله جل وعلا يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، انظروا إلى هذا الدرس من دروس التجرد لله، لأنني أعلم علماً يقيناً أن الله لن ينصر الأمة إلا بمثل هذه القلوب المتجردة، التي تخلص عملها ودعوتها لله جل وعلا. لما ولى الصديق -أيها الأخيار الكرام- خالد بن الوليد قيادة الجبهة في بلاد الشام، على أمين الأمة أبي عبيدة بن الجراح -انتبه ماذا قال الصديق لـ أبي عبيدة - أرسل له رسالة ليقول له فيها: [بسم الله الرحمن الرحيم، من خليفة رسول الله إلى أبي عبيدة بن الجراح، سلام الله عليك وبعد: فإني قد وليت خالد بن الوليد قيادة الجبهة على بلاد الشام، فاسمع له وأطع، ووالله ما وليته القيادة إلا لأني ظننت أن له فطنة في الحرب ليست لك، وأنت عندي خيرٌ منه، لكنه في الموطن المناسب هو رجل ساعة، أراد الله بنا وبك خيراً، والسلام] انظروا إلى التجرد، وانظروا إلى العمل لوجه الله . يا إخوة: ينبغي ألا يزعجنا من سيرفع الراية إن كانت الراية سترفع، ينبغي ألا نخاف على لسان من ستقال كلمة الحق ما دامت ستقال، يرفع الراية أبو عبيدة فلترفع، وليقف خالد إلى جانبه ليعينه إن كلَّ أو مل، يقول الحق أبو عبيدة فليقل، نريد إخلاصاً لله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:١٠٨] وأنت عندي خير منه، لكنه في الموطن المناسب هو رجل ساعة، أراد الله بنا وبك خيراً والسلام. انظر إلى عظمة أبي عبيدة، هل قال أبو عبيدة: لن أطيع أمر الخليفة ومعي الجيش، وإنما تنازل على الفور عن القيادة، ليصبح أبو عبيدة جندياً مطيعاً بعد أن كان بالأمس القريب قائداً مطاعاً، وانظر إلى عظمة خالد هو الآخر، يتلقى الأمر من خليفة رسول الله فيرسل خالد بن الوليد رسالة إلى أبي عبيدة ليقول فيها: [بسم الله الرحمن الرحيم، من خالد بن الوليد إلى أخيه الأمين أبي عبيدة بن الجراح، سلام الله عليك وبعد: فإني قد تلقيت أمر خليفة رسول الله، يأمرني فيه بالسير إلى بلاد الشام، والقيام على جندها، والتولي لأمرها، والله ما طلبت ذلك وما أردته -والله ما أردت هذا ولكنه الإخلاص لله، إنه التجرد- فأنت في موضعك الذي أنت فيه يا أبا عبيدة لا نقطع أمراً دونك، فأنت سيدنا وسيد المسلمين، أراد الله بنا وبك خيراً، والسلام].

стр. 870

معرفة واقع الأمة أيها الأحبة: السبيل الموصل إلى الجنة: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف:١٠٨] على حِلْم، وعلى حكمة وفهم، وعلى علم دقيق بواقع الأمة، فلا ينبغي أن يكون الدعاة بدعوتهم في واد والأمة بجراحاتها في واد آخر، هذا ليس من فقه الدعوة إلى الله، إنما ينبغي أن ينظر الداعية بعينٍ متبصرة وبفهم دقيق ووعي عميق لواقع الأمة وآلامها وآمالها؛ لأن الأمة المسكينة تسمع العلمانيين وتسمع المفكرين والصحفيين، كلٌ يدلو بدلوه مع أي حدث، وتبقى الأمة المسكينة في أمسِّ الحاجة لتسمع الكلمة الصادقة الهادفة ممن يقولون: قال الله قال رسوله ﷺ ، الذين يشخصون الداء بدقة وأمانة، ويحددون الدواء كذلك بدقة وأمانة.

стр. 871

الحكمة في الدعوة إلى الله قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]. وهذه هي النقطة الثالثة: منهج الدعوة هو منهج أنبياء الله جل وعلا، وهو الحكمة؛ فما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه. ووالله يا إخوة! لقد قرأنا التاريخ فما وجدنا على طول الخط إلا أن العنف يهدم ولا يبني، ويفسد ولا يصلح، والشدة تدمر ولا تعمر، فينبغي أن نتحرك، نحن لا نملك الآن إلا أن نحرك القلوب بكلام علام الغيوب، وكلام الحبيب المحبوب ﷺ ، أما أن يهتدي الناس أو لا فليس هذا من وظيفتك ولا من شأنك أما أن نحكم على الناس بجنة أو نار، ليس من شأنك وليس من شغلك: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد:٧] هذا خطاب الله لسيد الدعاة ﵊: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [العنكبوت:١٨] وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٧٢]. ما عليك إلا أن تتحرك بالدعوة خالصاً لله، أما أن يهتدي الناس أو لا يهتدون فهذا ليس من شغلنا ولا من شأننا، هذا هو شأن الملك الذي يملك القلوب بين يديه جل وعلا، ووالله لو استطاع داعية على ظهر الأرض أن يهدي أحداً من أقرب الناس إليه؛ لاستطاع سيد الدعاة أن يهدي عمه أبا طالب الذي كان حجر عثرةٍ وسدٍ منيع لسيوف المشركين في مكة. دخل عليه وهو على فراش الموت -والحديث في الصحيحين - وعنده بعض المشركين، فقال له المصطفى ﷺ : (يا عماه! قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله يوم القيامة، فقال له أهل الشرك: أترغب عن ملة عبد المطلب؟) فأبى أبو طالب أن ينطق الشهادتين، فماذا قال الحبيب، نهر الرحمة، وينبوع الحنان، وصاحب الخلق ﷺ ؟ قال: (لأستغفرن لك ما لم أنه عنك فنزل قول الله جل وعلا: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة:١١٣]). انظروا إلى هذا المشهد العصيب الرهيب، ما استطاع النبي أن يهدي عمه، فما عليك إلا أن تتحرك بهذا المنهج الذي ما تركه الله ليجتهد فيه كل داعية كيف شاء! لا، المنهج محدد وواضح، معالمه بينه. أمر من الله إلى سيد الدعاة: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥].

стр. 872

الحكمة في إنكار المنكر وينبغي ألا يتحمس الشباب، وإنما يجب عليهم أن يرجعوا إلى العلماء والمشايخ وأهل الفضل. يقول الإمام ابن القيم في كتابه القيم إعلام الموقعين: "ولقد شرع النبي لأمته إيجاب إنكار المنكر؛ ليحصل من المعروف ما يحبه الله ورسوله -وتنبه معي لهذه الكلمات الدقيقة- ولقد شرع النبي ﷺ لأمته إيجاب إنكار المنكر؛ ليحصل من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإن كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه، فهو أمر بمنكرٍ وسعي في معصية الله ورسوله، وإن النبي ﷺ كان يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها، سيقول الشاب المتحمس: هذا كان في مكة في مرحلة الضعف! اصبر وتدبر ما قاله الإمام ابن القيم، يقول: ولقد كان النبي ﷺ يرى في مكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها، بل لما فتح الله عليه مكة، وصارت مكة دار إسلام، وعزم النبي ﷺ على هدم البيت ورده على قواعد إبراهيم، لم يفعل ذلك مع قدرته على فعل ذلك؛ لأن قريشاً كانت حديثة عهد بكفر وقريبة عهد بإسلام. إنها الحكمة، فما هي الحكمة؟ والتعريف لـ ابن القيم في المدارج في كتابه المدهش، يقول: الحكمة هي قول ما ينبغي، أو فعل ما ينبغي، في الوقت الذي ينبغي، على الوجه الذي ينبغي.

стр. 873

من الحكمة: فهم الواقع لا بد أن ينظر الداعية إلى الأمور نظرة متبصرة على بصيرة وفهم، وفهم الواقع قبل فهم الأدلة الشرعية أمر هام، وهذا الكلام ليس لداعية من دعاة العصر لا والله، بل هو كلام تأصيلي لأئمة السلف، اقرأ أول المجلد الثالث في إعلام الموقعين للإمام ابن القيم سترى كلاماً عجباً يقول ابن القيم: ولا يجوز للمفتي أن يفتي في مسألة من المسائل إلا بعلمين: علم الواقع، وعلم الأدلة الشرعية. علم الواقع لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ثم بعد ذلك يقول: وعلم الأدلة الشرعية. فالفهم -أيها الأحبة- فهم الأدلة ومراتبها، فهم المناطات الخاصة والعامة، فهم الواقع أو فهم المسألة التي تريد أن تسحب لها دليلاً عاماً أو دليلاً خاصاً، لا بد من الفهم للداعية ليتحرك إلى الله على بصيرة. يقول النبي ﷺ -والحديث رواه البخاري من حديث معاوية -: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) قال الحافظ ابن حجر: يفقهه في الدين أي: يفهمه. فلا بد من الفهم الصحيح والدقيق، لتتحرك لدعوة الله ودينه على بصيرة.

стр. 874

نداء وتوجيه هام وأختم هذه المحاضرة الموجزة بهذا النداء والتوجيه الهام، أسأل الله أن ينفعني وإياكم به، ألا وهو: أيها الأحبة: إن الدعوة أكبر من الدعاة، وإن الدعوة أبقى من الدعاة، والدعاة يجيئون ويذهبون ويموتون وتبقى الدعوة خالدة على مر الأجيال والقرون، فليكن ولاؤنا لدين الله ودعوته لا لأشخاص الدعاة، فينبغي أن نتحرك لنؤصل المنهج في القلوب، ولنربط الناس بمنهج علام الغيوب، ومنهج الحبيب المحبوب صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ حتى إذا ما مات داعية، أو سافر أو تحرك يبقى الناس مرتبطين بالمنهج؛ بمنهج الله . ولذلك لما تعلق الصحابة بالنبي ﷺ تعلقاً جعل البعض منهم يلقي السلاح في غزوة أحد، بعد ما أشيع الخبر أن رسول الله ﷺ قد مات، وألقى بعض الصحابة السيوف وقالوا: وماذا نفعل بعد رسول الله ﷺ ؟ ومن نقاتل؟ لقد انتهى أمر هذا الدين، فأراد الله أن يربيهم وأن يعلمهم هذا الدرس العظيم، فنزل قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]. أيها الأحبة الكرام: فكروا في همِّ الدين وفي دعوة الله، وليفكر كل واحد منكم الآن: ماذا أقدم لدين الله، ولدعوة الله؟ وماذا يجب عليه أن يبذله وأن يقدمه وأن يفعله. أيها الأحبة: لقد خلقنا الله لهذه الغاية ولهذه الوظيفة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] فعليك أن تعيش لهذا الهدف ولهذه الغاية، وأن تحمل هذا النور الذي منَّ الله به عليك، وأن تتحرك به إلى غيرك من الناس، لعل الله أن يهدي بك رجلاً: (فلأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم). أسأل الله جل وعلا أن يشرفنا وإياكم بالعمل لهذا الدين, وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يجعلنا وإياكم من أنصار وحواري رسول الله ﷺ ، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 875

عبدة الشيطان إن حقيقة عبادة الشيطان هذه النبتة الخبيثة، وهذا الفكر الخبيث هي عبارة عن انتكاس للفطرة السليمة، وانزلاق في مهاوي الحيرة والضياع الذي أصاب المجتمعات البعيدة عن تعاليم ربها، وهي ظاهرة ناتجة عن الفراغ القاتل، ورفقاء السوء، وغياب دور الأسرة، وتأثير المناهج التعليمية المشوهة، وكذلك الإعلام الفاسد، حيث تنشأ مثل هذه الأفكار الهدامة المستقاة من الغرب، والتي بدأت في أوروبا ومن ثم أمريكا ثم تلقاها بعض العرب السذج؛ ليقع فيها كثير من الشباب والفتيات التائهين عن تعاليم الدين.

стр. 876

كلمات حزينة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة؛ فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً، أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا الجمع المهيب الكريم المبارك على طاعته، أن يجمعنا مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله: لا ينبغي للعلماء والدعاة أن يكونوا بموضوعاتهم في واد، وأن تكون الأمة بشرائحها ومشكلاتها وأزماتها في واد آخر، ومن هذا المنطلق؛ فإن لقاءنا اليوم معكم بعنوان: عبدة الشيطان. وكعادتنا فسوف ينتظم حديثنا معكم تحت هذا العنوان في العناصر التالية: أولاً: كلمات حزينة. ثانياً: تاريخ أسود. ثالثاً: عقيدة فاسدة، وطقوس شيطانية غامضة. رابعاً: الشياطين تعترف. خامساً وأخيراً: الأسباب والعلاج. فأعيروني القلوب والأسماع، فإن هذا الموضوع الآن من الأهمية والخطورة بمكان، والله أسأل أن يجعلنا ممن: ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٨]. مسكين والله هذا الجيل الذي ينشأ ويربى في ظل جملة هائلة من المتناقضات والأزمات والمشكلات، وكأنه يعيش فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ، بل إذا امتدت إليه يد حانية مشفقة طاهرة لتنقذه من هذا الغرق المحقق، جذبته أيادٍ أخرى كثيرة بكثرة الأعداء المتربصين بهذا الجيل ممن لا يريدون لهذا الجيل أن يتربى أبداً على منهج الإسلام، وعلى سنة النبي محمد ﵊. بعد سنوات طوال عجاف، وبعد تجربة مريرة طويلة، حان وقت الحصاد، فلم تجنِ الأمة إلا الفشل الذريع في كل مجالات الحياة، يوم أن أعرضت الأمة عن منهج الله جل وعلا، وأيقن الآن المنصفون ممن يحترمون أنفسهم وعقولهم، أيقنوا الآن وهم الذين كانوا يدافعون بالأمس القريب عن المناهج التربوية الغربية الدخيلة على عقيدتنا وأخلاقنا وديننا، أيقن المنصفون منهم أنهم قصدوا سراباً، وزرعوا حنظلاً، وحصدوا شقاءً وتعاسة، وصدق ربي إذ يقول: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤]. إنهم يرون الآن نبتة السوء، النبتة التي سقيت طوال السنين الماضية بمداد خبيث، يرون النبتة التي غذيت طيلة السنوات الماضية؛ بفكر منحرف زائغ ضال ضائع تائه، تتمثل هذه النبتة في مجموعة من شباب المسلمين والمسلمات، ومن شباب هذه الأمة، إنهم يعبدون الشيطان الرجيم، لا في أوروبا، ولا في أمريكا، بل في مصر بلد الأزهر، وإنا لله وإنا إليه راجعون. وخرج علينا الإعلام، بل وخرج علينا الكثيرون ليقولوا لنا: إنهم مساكين، إنها شرذمة شاذة خرجت من بين هذه الضغوط التي مورست عليهم في وسط هذا المجتمع، يريد الإعلام لنا أن نعتقد أن هذه الجماعة قد خرجت من خلال الصدفة، وأرادوا أن يلبسوا على الأمة أن جماعة عبدة الشيطان جماعة منظمة، لها عقيدة مؤصلة، ولها طقوس منظمة.

стр. 877

تاريخ أسود أيها الشباب! أيها المسلمون والمسلمات: لاشك أن الشيطان قد عبد في الأرض منذ أول لحظة عصى فيها الإنسان الرحمن وأطاع الشيطان، إلا أن أقدم وثيقة لجماعة عبدة الشيطان ترجع إلى عام (١٠٢٢) من ميلاد المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام. تدبر لتقف على تأصيل هذه العقيدة منذ القدم، فلقد اعتدنا أن نؤصل المعلومة حتى لا يُظن أننا ممن يثير العواطف فقط. أقول: إن تاريخ الجماعة الأسود يبدأ منذ أن اكتشفت أول وثيقة منظمة لجماعة عبدة الشيطان في عام (١٠٢٢) من ميلاد المسيح ﵇، في مدينة أورلانس بـ فرنسا، ومن فرنسا خرجت جماعة فرسان الهيكل الماسوني مع الحملات الصليبية المبكرة على بلاد المسلمين، واستطاعت جماعة فرسان الهيكل أن تقيم لها ولأول مرة في بلاد المسلمين، بل ستعجبون إذا علمتم في القدس الشريف على وجه التحديد، استطاعت هذه الجماعة الماسونية الخبيثة أن تقيم لها كنيسة في بيت المقدس، وفي القدس الشريف -أسأل الله أن يطهره، وأن يرده إلى الأمة رداً جميلاً، وأن يرد الأمة إليه رداً جميلاً- استطاعت هذه الجماعة أن تقيم لها كنيسة في بيت المقدس، لتمارس فيها لأول مرة طقوس عبادة الشيطان بإشراف الكنيسة الكاثوليكية في هذه الديار. ومن بيت المقدس وفرنسا انتشرت الدعوة إلى بلاد أوروبا في ألمانيا وإنجلترا، وإلى بقية الدول الأوروبية، ثم انتقلت هذه العقيدة الخبيثة من الأوروبيين إلى أمريكا الجديدة بعد اكتشافها لأول مرة، وأصبحت أمريكا بعد ذلك مرتعاً خصباً لعبادة الشيطان، بل وقفزت هذه العبادة قفزات هائلة جداً على يد الكاهن الخبيث الأمريكي المجرم الذي يدعى انطون لافي، الذي بنى أخطر كنيسة على وجه الأرض، هذه الكنيسة تسمى: كنيسة عبدة الشيطان، وهذا الكنيسة أنشئت في سان فرانسيسكو. ثم أنشأت الكنيسة لها فروعاً في كل أنحاء الولايات الأمريكية، ثم في مدن أوروبية، ثم في جنوب أفريقيا على وجه التحديد بصورة مكثفة، ولم تكتفِ الكنيسة بذلك، بل أرسلت منصرين ومبشرين -على حد تعبيرهم- ودعاة لهذه العقيدة الخبيثة الفاسدة في كل أنحاء الدنيا. قدم هذا الكاهن الخبيث انطون لافي، الإنجيل المعروف الذي يسمى: بالإنجيل الأسود في عام (١٩٦٩م) نشر هذا الإنجيل بعدة لغات، وفي عدة طبعات فخمة فاخرة، يسمى بالإنجيل الأسود، يدعو فيه إلى عبادة وتمجيد الشيطان وكراهية الملك الرحمن جل وعلا، والذي هو أصل أصول هذه العقيدة الخبيثة وهذه الجماعة الشيطانية المتمردة. وفي عدد أكتوبر (١٩٨٢م) -أًؤصل لكم تاريخاً، حتى لا تغتروا بما يريد هؤلاء أن يؤصلوه في عقول وشباب هذه الأمة المسكينة- نشرت مجلة التايمز الأمريكية مقالاً في (٢٥) صفحة، تحت عنوان: عودة الشيطان المقدس إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وقالت المجلة في هذا المقال: إن عبادة الشيطان تتم ضمن أجواء خاصة تبدأ بالرقص العاري، وسط أصوات الموسيقى الصاخبة، ثم تقدم فتاة عذراء لم تمارس الزنا من قبل، وتنام على خشبة عارية، وتغطى بغطاء جلدي، ويتقدم الكاهن -الخبيث- ويلبس على وجهه قناعاً أسوداً كرمز للشيطان، وهو يلبس معطفه الأسود، تتقدم العاهرات اللائي يلبسن الثياب الحمراء، من أعضاء جماعة عباد الشيطان، وهذا يسمى عندهم القُدّاس الأسود. فيتقدم الكاهن ليبدأ هذا القُدّاس الخبيث، بوضع كأس مليء بالدماء بين ثديي هذه الفتاة العارية، فيكشف عنها الغطاء، ويأخذ هذا الكأس الذي مُلئ بالدم، ثم يشربه ويأذن ببداية الطقوس الخبيثة، فيقوم أعضاء الجماعة ليمارسوا الجنس مع هذه الفتاة العذراء بصورة جماعية، ثم ينطلقون بعد ذلك في صورة بهيمية لممارسة الجنس، إما أن يكون الذكور مع الذكور، أو الإناث مع الإناث، أو الذكور مع الإناث، ويلتفون حول دائرة أو حول نجمة خماسية، يسمونها بالنجمة الخماسية المقدسة، ويثبتون في أركان هذه النجمة الشموع السوداء، ويرقصون عبر هذه الأصوات الموسيقية الصاخبة، وعبر هذه الأضواء المتحركة، حتى يصلوا إلى حالة من فقد الوعي والهستيريا. تقول المجلة: يرتكبون في هذه الحالة بعض الجرائم الشاذة الغامضة، القُدّاس الأسود لجماعة عبدة الشيطان، لاحظ أن هذه الصورة قد انتقلت بحذافيرها إلى هؤلاء المجرمين المتمردين في مصر بلد الأزهر، وقد أعلنت الجرائد ذلك، بل وقد صرحت التقارير الأمنية بذلك، ونُشر هذا الكلام ولم يعد خافياً على أحد، وهذا هو عنصرنا الثالث من عناصر اللقاء.

стр. 878

عقيدة خبيثة فاسدة وطقوس شيطانية غامضة إنهم يعتقدون أقذر عقيدة على وجه الأرض، إنهم يعبدون الشيطان، ويكفرون بالرحمن الذي حذر من عداوة هذا العدو اللدود، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦] وأخبرنا الحق ﷻ أن هذا الشيطان الرجيم سيتبرأ من عبّاده وأتباعه، قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر:١٦] ويوم القيامة يعتلي الشيطان الرجيم منبراً من النار، ليبكت عُبّاده وأتباعه، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم:٢٢]. إنهم يعبدون الشيطان الرجيم، ويكفرون بالرحمن الرحيم ﷻ ، ويعتقدون أن الله قد ظلم إبليس؛ لأنه طرده من الجنة، وأنهم يعبدون إبليس؛ لأنه هو الذي سيخلص العالم كله من الشر، وما ملأ العالم كله بالشر إلا إبليس الرجيم. عقيدة خبيثة، وعقيدة فاسدة، وسأبيّن لكم الآن بالدليل أنهم يعتقدون هذه العقيدة، حتى لا يخرج علينا قائل يقول: عاملوهم بالرحمة والشفقة، هؤلاء مساكين، لماذا لا تقولوا هذا مع شباب طاهر مسلم انحرف فكرياً وسلوكياً؟ يوم أن انصرف عن الدعاة، فانصرف الشاب يقرأ من بطون الكتب، ففهم من تلقاء نفسه، فوقع بعض الشباب في بعض الأخطاء الفكرية والحركية، لا ننكر ذلك، لكن لماذا لم تعلنوا هذه المعاملة مع شباب طاهر طائع، أراد أن يخدم دين الله جل وعلا، وانصرف عن كل معصية لله، وإن زل عاد متضرعاً خاشعاً باكياً إلى الله؟ لماذا لم تكن المعاملة لهذا الشباب بالمثل؟ تلك إذاً قسمة ضيزى ورب الكعبة. سأبين لكم بالدليل أنهم يعتقدون ذلك على ألسنة أعضائهم، حتى لا نُتهم بأننا نأخذ من بين السطور ما لا ينبغي أن يؤخذ، كلا، فليس هذا من منهجنا ورب الكعبة؛ لأننا تحترق قلوبنا على هذه الأمة المسكينة، وعلى شباب يجب عليه أن يرفع راية الجهاد، وأن يتحرك لدين الله جل وعلا، في وقت تحرك فيه أهل الباطل بكل قوة للكفر وللباطل وللفسق وللزندقة، وإنا لله وإنا إليه راجعون! طقوس خبيثة انتقلت من بلاد الكفر إلى بلد الأزهر إلى مصر، أسأل الله أن يرفع عنها الفتن، وأن يحفظها بحفظه، إنه على كل شيء قدير. تبدأ الطقوس في مصر بالرقص تحت أصوات الموسيقى الصاخبة، والعالم كله يغني ويرقص، الإعلام العالمي يغني للشباب المسكين الذي قتله الفراغ الديني؛ كما سأبين الآن، العالم يرقص، والشباب يرقص، والفتيات يرقصن مع الشباب، الفتاة في مصر كما قالت التقارير الأمنية التي نشرت: فتاة ترقص بين شابين على حد تعبير قولهم، كهيئة (السندويتش) شاب من أمام الفتاة قد التصق بها، وشاب من خلفها قد التصق بها، رقص على أصوات الموسيقى الصاخبة حول نجمة خماسية رُكِزَت الشموع السوداء في أركانها، وتنام فتاة شبه عارية -هم يقولون- ويبدأ القُداس بذبح خنزير أو دجاجة على جسد هذه الفتاة، ويلطخ جسدها بالدماء، ويمرر الكأس على أعضاء الجماعة وقد ملئ بالدم -لاحظ الاتفاق- فيشرب كل واحد منهم رشفة ليبينوا ولاءهم للشيطان، وليتمنوا على الشيطان أن يقبل منهم النذر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثم يبدأ الرقص الجماعي عبر رائحة المخدرات، ويمارسون الجنس الجماعي، هكذا أعلنت الصحف والمجلات، اتفاق وطقوس ثابتة وعقيدة ثابتة لجماعة عِبَادَةِ الشيطان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!

стр. 879

الشياطين تعترف اعترف عضو أساسي في جماعة عبادة الشيطان، وهو طالب في المدرسة الثانوية الإنجليزية بالزمالِكِ وهو في العشرين من عمره، قال -وانتبهوا لخطورة ما يقول- قال: إن هذه الأفكار والمعتقدات قد نقلت إلى الشباب المصري عن طريق الإسرائيليين عبر الحدود بين مصر وإسرائيل، وفي منطقة طابا على وجه الخصوص. فالصهاينة متخصصون في تدمير شباب الأمة، وفي صناعة سينما الدياثة في هوليود لامتصاص دماء شباب هذه الأمة المسكينة. لقد نجسوا أرض سيناء الطاهرة بالعاهرات اللائي يحملن الإيدز، وهذه ليست منكم ببعيد، أخبار معلومة قديمة، يقول: يجتذب الإسرائيليون الشباب المصري بالمخدرات والجنس والموسيقى، فإذا ما دخل الشاب إلى هذا الثلاثي الخبيث المدمر، تُعرض عليه أفكار جماعة عبدة الشيطان. ثم يقول هذا الشاب: وهناك اتصالات وتبادل معلومات بين أعضاء الجماعة في مصر وإسرائيل. ويقول عضو آخر -وتدبر ما قال- وهو طالب في كلية الهندسة في السنة الدراسية الأولى، يقول: إننا نعبد الشيطان لسببين -كلام واضح، وعقيدة واضحة، هكذا يقول هذا العضو- السبب الأول: لأن الشيطان يبيح المتعة السريعة، فهو يبيح كل ما تحرمه الأديان -فالهدف الأساسي الجنس، وإشباع الغريزة الجنسية بكل وسيلة، فهم لا يمتنعون على الإطلاق من ممارسة الجنس في أجساد الأموات والبهائم، ومع الوالدين والأبناء من الأطفال الصغار، عقيدة وطقوس ثابتة- يقول هذا المجرم: إننا نعبد الشيطان لسببين -كلام صريح، فلا ينبغي أن يخرج علينا من يقول: إنهم لا يعبدون الشيطان- الأول: لأن الشيطان يبيح المتعة السريعة، فهو يبيح كل ما تحرمه الأديان. والسبب الثاني يقول: من أجل خلاف ما اعتاد عليه الناس للتميز عليهم، حب الجديد، هذه الدعوة التي تنفخ كل يوم وتثير التمرد على القديم، وتقول: دعك من هذه العادات البالية، دعك من الدين، دعك من هذه القيود وتحرر، وانطلق أيها الشاب، وانطلقي أيتها الفتاة الجامعية وقلدي الداعرات في سينما هوليود، انطلقوا وتحرروا، ودعوكم من هذه التقاليد العتيقة. فالشاب يقول: نريد أن نتحرر من القديم، نريد أن نتميز على الآخرين، نريد أن نخالط الآخرين، ثم يعلل صور هذا التميز فيقول: فالفتاة بدلاً من أن تضع على شفتيها اللون الأحمر تضع اللون الأسود؛ لأنه رمز الشيطان، نريد أن تخالف الفتاة التي تعتقد عقيدتنا كل الفتيات، فتضع اللون الأسود على شفتيها، وتطلي الأظافر الطويلة جداً باللون الأسود، وتلبس (الشورت) الصغير باللون الأسود، وهكذا الشاب يطيل الشعر جداً، ويلبس الزي الأسود المعروف، ويضع النجمة الخماسية على صدره، ويلبس هذا الغطاء على الرأس الذي يخرج منه قرنان، يريد أن يتشبه بالشيطان في كل منظر وزي. وحينما أنكرنا على هؤلاء، قالوا: لنا حرية شخصية، وحينما دعوناهم لأن يفسحوا الأبواب للمنتقبات في الجامعات، قالوا: لا، هذا تطرف، لماذا لم يكن لبس المنتقبة حرية شخصية؟ لماذا لا تطبق نفس القاعدة على الطاهرات كما فتحت الأبواب للعاريات؟! لماذا غلقت الأبواب في وجوه الطاهرات؟ وقلتم: حرية شخصية للعارية، لماذا لم تقولوا: حرية شخصية للطاهرة والمنتقبة الشريفة العفيفة؟ تلك إذاً قسمة ضيزى ورب الكعبة. فكرٌ يبث في الليل والنهار، فيُخرج لنا هذه النبتة السوداء الخبيثة الفاسدة، اعترافات خطيرة، لا أريد أن أطيل في مثل هذا الشق الأول من الموضوع.

стр. 880

الأسباب والعلاج أختم هذا الموضوع بهذا العنصر الأخير، الذي قد يحتاج منا إلى بعض الوقت، ألا وهو الأسباب والعلاج: هذا هو الأصل في موضوعنا، فإننا لا نريد أن نعري أحداً أو نجرح أحداً، وإنما نريد ورب الكعبة أن نضع الدواء الذي أسأل الله أن ينفعني وأن ينفعكم وأن ينفع شباب الأمة به، وأتمنى لو حرص كل شاب منكم -كما سأقول الآن- أن يُقدم هذا الشريط هدية لشاب يشعر منه أنه قد انحرف أو انصرف أو ابتعد عن طريق الهداية، لعل الله أن يجعل هداية هذا الشاب على يديك أيها الشاب الطائع الحبيب، والنبي ﷺ يقول لك: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) أسأل الله أن يثبت قلوبنا على الهداية، وأن يوفقنا وإياكم للثبات على طريق الاستقامة، وأن يختم لنا بخاتمة الإيمان والتوحيد: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨]. ما الأسباب والعلاج؟ وتعمدت أن أتكلم عن العلاج مع الأسباب في عنصر واحد؛ لأنني أعتقد اعتقاداً جازماً أن العلاج يكمن في الأسباب، فمن المحال أن أُشخص الدواء قبل أن أُشخص الداء، ومستحيل أن يصف طبيب ذكي الدواء وهو لا يعرف الداء، فإن عرف الداء حدد الدواء بدقة، فأنا أقول: إن الدواء يكمن في أسباب الداء.
следующие страницы →