Полный текст (1 901 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
كلمات حزينة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة؛ فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً، أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا الجمع المهيب الكريم المبارك على طاعته، أن يجمعنا مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله: لا ينبغي للعلماء والدعاة أن يكونوا بموضوعاتهم في واد، وأن تكون الأمة بشرائحها ومشكلاتها وأزماتها في واد آخر، ومن هذا المنطلق؛ فإن لقاءنا اليوم معكم بعنوان: عبدة الشيطان.
وكعادتنا فسوف ينتظم حديثنا معكم تحت هذا العنوان في العناصر التالية: أولاً: كلمات حزينة.
ثانياً: تاريخ أسود.
ثالثاً: عقيدة فاسدة، وطقوس شيطانية غامضة.
رابعاً: الشياطين تعترف.
خامساً وأخيراً: الأسباب والعلاج.
فأعيروني القلوب والأسماع، فإن هذا الموضوع الآن من الأهمية والخطورة بمكان، والله أسأل أن يجعلنا ممن: ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٨].
مسكين والله هذا الجيل الذي ينشأ ويربى في ظل جملة هائلة من المتناقضات والأزمات والمشكلات، وكأنه يعيش فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ، بل إذا امتدت إليه يد حانية مشفقة طاهرة لتنقذه من هذا الغرق المحقق، جذبته أيادٍ أخرى كثيرة بكثرة الأعداء المتربصين بهذا الجيل ممن لا يريدون لهذا الجيل أن يتربى أبداً على منهج الإسلام، وعلى سنة النبي محمد ﵊.
بعد سنوات طوال عجاف، وبعد تجربة مريرة طويلة، حان وقت الحصاد، فلم تجنِ الأمة إلا الفشل الذريع في كل مجالات الحياة، يوم أن أعرضت الأمة عن منهج الله جل وعلا، وأيقن الآن المنصفون ممن يحترمون أنفسهم وعقولهم، أيقنوا الآن وهم الذين كانوا يدافعون بالأمس القريب عن المناهج التربوية الغربية الدخيلة على عقيدتنا وأخلاقنا وديننا، أيقن المنصفون منهم أنهم قصدوا سراباً، وزرعوا حنظلاً، وحصدوا شقاءً وتعاسة، وصدق ربي إذ يقول: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤].
إنهم يرون الآن نبتة السوء، النبتة التي سقيت طوال السنين الماضية بمداد خبيث، يرون النبتة التي غذيت طيلة السنوات الماضية؛ بفكر منحرف زائغ ضال ضائع تائه، تتمثل هذه النبتة في مجموعة من شباب المسلمين والمسلمات، ومن شباب هذه الأمة، إنهم يعبدون الشيطان الرجيم، لا في أوروبا، ولا في أمريكا، بل في مصر بلد الأزهر، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وخرج علينا الإعلام، بل وخرج علينا الكثيرون ليقولوا لنا: إنهم مساكين، إنها شرذمة شاذة خرجت من بين هذه الضغوط التي مورست عليهم في وسط هذا المجتمع، يريد الإعلام لنا أن نعتقد أن هذه الجماعة قد خرجت من خلال الصدفة، وأرادوا أن يلبسوا على الأمة أن جماعة عبدة الشيطان جماعة منظمة، لها عقيدة مؤصلة، ولها طقوس منظمة.
стр. 877
تاريخ أسود
أيها الشباب! أيها المسلمون والمسلمات: لاشك أن الشيطان قد عبد في الأرض منذ أول لحظة عصى فيها الإنسان الرحمن وأطاع الشيطان، إلا أن أقدم وثيقة لجماعة عبدة الشيطان ترجع إلى عام (١٠٢٢) من ميلاد المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
تدبر لتقف على تأصيل هذه العقيدة منذ القدم، فلقد اعتدنا أن نؤصل المعلومة حتى لا يُظن أننا ممن يثير العواطف فقط.
أقول: إن تاريخ الجماعة الأسود يبدأ منذ أن اكتشفت أول وثيقة منظمة لجماعة عبدة الشيطان في عام (١٠٢٢) من ميلاد المسيح ﵇، في مدينة أورلانس بـ فرنسا، ومن فرنسا خرجت جماعة فرسان الهيكل الماسوني مع الحملات الصليبية المبكرة على بلاد المسلمين، واستطاعت جماعة فرسان الهيكل أن تقيم لها ولأول مرة في بلاد المسلمين، بل ستعجبون إذا علمتم في القدس الشريف على وجه التحديد، استطاعت هذه الجماعة الماسونية الخبيثة أن تقيم لها كنيسة في بيت المقدس، وفي القدس الشريف -أسأل الله أن يطهره، وأن يرده إلى الأمة رداً جميلاً، وأن يرد الأمة إليه رداً جميلاً- استطاعت هذه الجماعة أن تقيم لها كنيسة في بيت المقدس، لتمارس فيها لأول مرة طقوس عبادة الشيطان بإشراف الكنيسة الكاثوليكية في هذه الديار.
ومن بيت المقدس وفرنسا انتشرت الدعوة إلى بلاد أوروبا في ألمانيا وإنجلترا، وإلى بقية الدول الأوروبية، ثم انتقلت هذه العقيدة الخبيثة من الأوروبيين إلى أمريكا الجديدة بعد اكتشافها لأول مرة، وأصبحت أمريكا بعد ذلك مرتعاً خصباً لعبادة الشيطان، بل وقفزت هذه العبادة قفزات هائلة جداً على يد الكاهن الخبيث الأمريكي المجرم الذي يدعى انطون لافي، الذي بنى أخطر كنيسة على وجه الأرض، هذه الكنيسة تسمى: كنيسة عبدة الشيطان، وهذا الكنيسة أنشئت في سان فرانسيسكو.
ثم أنشأت الكنيسة لها فروعاً في كل أنحاء الولايات الأمريكية، ثم في مدن أوروبية، ثم في جنوب أفريقيا على وجه التحديد بصورة مكثفة، ولم تكتفِ الكنيسة بذلك، بل أرسلت منصرين ومبشرين -على حد تعبيرهم- ودعاة لهذه العقيدة الخبيثة الفاسدة في كل أنحاء الدنيا.
قدم هذا الكاهن الخبيث انطون لافي، الإنجيل المعروف الذي يسمى: بالإنجيل الأسود في عام (١٩٦٩م) نشر هذا الإنجيل بعدة لغات، وفي عدة طبعات فخمة فاخرة، يسمى بالإنجيل الأسود، يدعو فيه إلى عبادة وتمجيد الشيطان وكراهية الملك الرحمن جل وعلا، والذي هو أصل أصول هذه العقيدة الخبيثة وهذه الجماعة الشيطانية المتمردة.
وفي عدد أكتوبر (١٩٨٢م) -أًؤصل لكم تاريخاً، حتى لا تغتروا بما يريد هؤلاء أن يؤصلوه في عقول وشباب هذه الأمة المسكينة- نشرت مجلة التايمز الأمريكية مقالاً في (٢٥) صفحة، تحت عنوان: عودة الشيطان المقدس إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وقالت المجلة في هذا المقال: إن عبادة الشيطان تتم ضمن أجواء خاصة تبدأ بالرقص العاري، وسط أصوات الموسيقى الصاخبة، ثم تقدم فتاة عذراء لم تمارس الزنا من قبل، وتنام على خشبة عارية، وتغطى بغطاء جلدي، ويتقدم الكاهن -الخبيث- ويلبس على وجهه قناعاً أسوداً كرمز للشيطان، وهو يلبس معطفه الأسود، تتقدم العاهرات اللائي يلبسن الثياب الحمراء، من أعضاء جماعة عباد الشيطان، وهذا يسمى عندهم القُدّاس الأسود.
فيتقدم الكاهن ليبدأ هذا القُدّاس الخبيث، بوضع كأس مليء بالدماء بين ثديي هذه الفتاة العارية، فيكشف عنها الغطاء، ويأخذ هذا الكأس الذي مُلئ بالدم، ثم يشربه ويأذن ببداية الطقوس الخبيثة، فيقوم أعضاء الجماعة ليمارسوا الجنس مع هذه الفتاة العذراء بصورة جماعية، ثم ينطلقون بعد ذلك في صورة بهيمية لممارسة الجنس، إما أن يكون الذكور مع الذكور، أو الإناث مع الإناث، أو الذكور مع الإناث، ويلتفون حول دائرة أو حول نجمة خماسية، يسمونها بالنجمة الخماسية المقدسة، ويثبتون في أركان هذه النجمة الشموع السوداء، ويرقصون عبر هذه الأصوات الموسيقية الصاخبة، وعبر هذه الأضواء المتحركة، حتى يصلوا إلى حالة من فقد الوعي والهستيريا.
تقول المجلة: يرتكبون في هذه الحالة بعض الجرائم الشاذة الغامضة، القُدّاس الأسود لجماعة عبدة الشيطان، لاحظ أن هذه الصورة قد انتقلت بحذافيرها إلى هؤلاء المجرمين المتمردين في مصر بلد الأزهر، وقد أعلنت الجرائد ذلك، بل وقد صرحت التقارير الأمنية بذلك، ونُشر هذا الكلام ولم يعد خافياً على أحد، وهذا هو عنصرنا الثالث من عناصر اللقاء.
стр. 878
عقيدة خبيثة فاسدة وطقوس شيطانية غامضة
إنهم يعتقدون أقذر عقيدة على وجه الأرض، إنهم يعبدون الشيطان، ويكفرون بالرحمن الذي حذر من عداوة هذا العدو اللدود، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦] وأخبرنا الحق ﷻ أن هذا الشيطان الرجيم سيتبرأ من عبّاده وأتباعه، قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر:١٦] ويوم القيامة يعتلي الشيطان الرجيم منبراً من النار، ليبكت عُبّاده وأتباعه، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم:٢٢].
إنهم يعبدون الشيطان الرجيم، ويكفرون بالرحمن الرحيم ﷻ ، ويعتقدون أن الله قد ظلم إبليس؛ لأنه طرده من الجنة، وأنهم يعبدون إبليس؛ لأنه هو الذي سيخلص العالم كله من الشر، وما ملأ العالم كله بالشر إلا إبليس الرجيم.
عقيدة خبيثة، وعقيدة فاسدة، وسأبيّن لكم الآن بالدليل أنهم يعتقدون هذه العقيدة، حتى لا يخرج علينا قائل يقول: عاملوهم بالرحمة والشفقة، هؤلاء مساكين، لماذا لا تقولوا هذا مع شباب طاهر مسلم انحرف فكرياً وسلوكياً؟ يوم أن انصرف عن الدعاة، فانصرف الشاب يقرأ من بطون الكتب، ففهم من تلقاء نفسه، فوقع بعض الشباب في بعض الأخطاء الفكرية والحركية، لا ننكر ذلك، لكن لماذا لم تعلنوا هذه المعاملة مع شباب طاهر طائع، أراد أن يخدم دين الله جل وعلا، وانصرف عن كل معصية لله، وإن زل عاد متضرعاً خاشعاً باكياً إلى الله؟ لماذا لم تكن المعاملة لهذا الشباب بالمثل؟ تلك إذاً قسمة ضيزى ورب الكعبة.
سأبين لكم بالدليل أنهم يعتقدون ذلك على ألسنة أعضائهم، حتى لا نُتهم بأننا نأخذ من بين السطور ما لا ينبغي أن يؤخذ، كلا، فليس هذا من منهجنا ورب الكعبة؛ لأننا تحترق قلوبنا على هذه الأمة المسكينة، وعلى شباب يجب عليه أن يرفع راية الجهاد، وأن يتحرك لدين الله جل وعلا، في وقت تحرك فيه أهل الباطل بكل قوة للكفر وللباطل وللفسق وللزندقة، وإنا لله وإنا إليه راجعون! طقوس خبيثة انتقلت من بلاد الكفر إلى بلد الأزهر إلى مصر، أسأل الله أن يرفع عنها الفتن، وأن يحفظها بحفظه، إنه على كل شيء قدير.
تبدأ الطقوس في مصر بالرقص تحت أصوات الموسيقى الصاخبة، والعالم كله يغني ويرقص، الإعلام العالمي يغني للشباب المسكين الذي قتله الفراغ الديني؛ كما سأبين الآن، العالم يرقص، والشباب يرقص، والفتيات يرقصن مع الشباب، الفتاة في مصر كما قالت التقارير الأمنية التي نشرت: فتاة ترقص بين شابين على حد تعبير قولهم، كهيئة (السندويتش) شاب من أمام الفتاة قد التصق بها، وشاب من خلفها قد التصق بها، رقص على أصوات الموسيقى الصاخبة حول نجمة خماسية رُكِزَت الشموع السوداء في أركانها، وتنام فتاة شبه عارية -هم يقولون- ويبدأ القُداس بذبح خنزير أو دجاجة على جسد هذه الفتاة، ويلطخ جسدها بالدماء، ويمرر الكأس على أعضاء الجماعة وقد ملئ بالدم -لاحظ الاتفاق- فيشرب كل واحد منهم رشفة ليبينوا ولاءهم للشيطان، وليتمنوا على الشيطان أن يقبل منهم النذر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ثم يبدأ الرقص الجماعي عبر رائحة المخدرات، ويمارسون الجنس الجماعي، هكذا أعلنت الصحف والمجلات، اتفاق وطقوس ثابتة وعقيدة ثابتة لجماعة عِبَادَةِ الشيطان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!
стр. 879
الشياطين تعترف
اعترف عضو أساسي في جماعة عبادة الشيطان، وهو طالب في المدرسة الثانوية الإنجليزية بالزمالِكِ وهو في العشرين من عمره، قال -وانتبهوا لخطورة ما يقول- قال: إن هذه الأفكار والمعتقدات قد نقلت إلى الشباب المصري عن طريق الإسرائيليين عبر الحدود بين مصر وإسرائيل، وفي منطقة طابا على وجه الخصوص.
فالصهاينة متخصصون في تدمير شباب الأمة، وفي صناعة سينما الدياثة في هوليود لامتصاص دماء شباب هذه الأمة المسكينة.
لقد نجسوا أرض سيناء الطاهرة بالعاهرات اللائي يحملن الإيدز، وهذه ليست منكم ببعيد، أخبار معلومة قديمة، يقول: يجتذب الإسرائيليون الشباب المصري بالمخدرات والجنس والموسيقى، فإذا ما دخل الشاب إلى هذا الثلاثي الخبيث المدمر، تُعرض عليه أفكار جماعة عبدة الشيطان.
ثم يقول هذا الشاب: وهناك اتصالات وتبادل معلومات بين أعضاء الجماعة في مصر وإسرائيل.
ويقول عضو آخر -وتدبر ما قال- وهو طالب في كلية الهندسة في السنة الدراسية الأولى، يقول: إننا نعبد الشيطان لسببين -كلام واضح، وعقيدة واضحة، هكذا يقول هذا العضو- السبب الأول: لأن الشيطان يبيح المتعة السريعة، فهو يبيح كل ما تحرمه الأديان -فالهدف الأساسي الجنس، وإشباع الغريزة الجنسية بكل وسيلة، فهم لا يمتنعون على الإطلاق من ممارسة الجنس في أجساد الأموات والبهائم، ومع الوالدين والأبناء من الأطفال الصغار، عقيدة وطقوس ثابتة- يقول هذا المجرم: إننا نعبد الشيطان لسببين -كلام صريح، فلا ينبغي أن يخرج علينا من يقول: إنهم لا يعبدون الشيطان- الأول: لأن الشيطان يبيح المتعة السريعة، فهو يبيح كل ما تحرمه الأديان.
والسبب الثاني يقول: من أجل خلاف ما اعتاد عليه الناس للتميز عليهم، حب الجديد، هذه الدعوة التي تنفخ كل يوم وتثير التمرد على القديم، وتقول: دعك من هذه العادات البالية، دعك من الدين، دعك من هذه القيود وتحرر، وانطلق أيها الشاب، وانطلقي أيتها الفتاة الجامعية وقلدي الداعرات في سينما هوليود، انطلقوا وتحرروا، ودعوكم من هذه التقاليد العتيقة.
فالشاب يقول: نريد أن نتحرر من القديم، نريد أن نتميز على الآخرين، نريد أن نخالط الآخرين، ثم يعلل صور هذا التميز فيقول: فالفتاة بدلاً من أن تضع على شفتيها اللون الأحمر تضع اللون الأسود؛ لأنه رمز الشيطان، نريد أن تخالف الفتاة التي تعتقد عقيدتنا كل الفتيات، فتضع اللون الأسود على شفتيها، وتطلي الأظافر الطويلة جداً باللون الأسود، وتلبس (الشورت) الصغير باللون الأسود، وهكذا الشاب يطيل الشعر جداً، ويلبس الزي الأسود المعروف، ويضع النجمة الخماسية على صدره، ويلبس هذا الغطاء على الرأس الذي يخرج منه قرنان، يريد أن يتشبه بالشيطان في كل منظر وزي.
وحينما أنكرنا على هؤلاء، قالوا: لنا حرية شخصية، وحينما دعوناهم لأن يفسحوا الأبواب للمنتقبات في الجامعات، قالوا: لا، هذا تطرف، لماذا لم يكن لبس المنتقبة حرية شخصية؟ لماذا لا تطبق نفس القاعدة على الطاهرات كما فتحت الأبواب للعاريات؟! لماذا غلقت الأبواب في وجوه الطاهرات؟ وقلتم: حرية شخصية للعارية، لماذا لم تقولوا: حرية شخصية للطاهرة والمنتقبة الشريفة العفيفة؟ تلك إذاً قسمة ضيزى ورب الكعبة.
فكرٌ يبث في الليل والنهار، فيُخرج لنا هذه النبتة السوداء الخبيثة الفاسدة، اعترافات خطيرة، لا أريد أن أطيل في مثل هذا الشق الأول من الموضوع.
стр. 880
الأسباب والعلاج
أختم هذا الموضوع بهذا العنصر الأخير، الذي قد يحتاج منا إلى بعض الوقت، ألا وهو الأسباب والعلاج: هذا هو الأصل في موضوعنا، فإننا لا نريد أن نعري أحداً أو نجرح أحداً، وإنما نريد ورب الكعبة أن نضع الدواء الذي أسأل الله أن ينفعني وأن ينفعكم وأن ينفع شباب الأمة به، وأتمنى لو حرص كل شاب منكم -كما سأقول الآن- أن يُقدم هذا الشريط هدية لشاب يشعر منه أنه قد انحرف أو انصرف أو ابتعد عن طريق الهداية، لعل الله أن يجعل هداية هذا الشاب على يديك أيها الشاب الطائع الحبيب، والنبي ﷺ يقول لك: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) أسأل الله أن يثبت قلوبنا على الهداية، وأن يوفقنا وإياكم للثبات على طريق الاستقامة، وأن يختم لنا بخاتمة الإيمان والتوحيد: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨].
ما الأسباب والعلاج؟ وتعمدت أن أتكلم عن العلاج مع الأسباب في عنصر واحد؛ لأنني أعتقد اعتقاداً جازماً أن العلاج يكمن في الأسباب، فمن المحال أن أُشخص الدواء قبل أن أُشخص الداء، ومستحيل أن يصف طبيب ذكي الدواء وهو لا يعرف الداء، فإن عرف الداء حدد الدواء بدقة، فأنا أقول: إن الدواء يكمن في أسباب الداء.
стр. 881
السبب الأول: استقالة الوالدين وغياب القدوة
أيها الآباء أيتها الأخوات أيها الإخوة! ماذا تقولون لو قلت لكم الآن: إن والداً قد قدم استقالة مكتوبة لزوجته أنه قد استقال من تربية الأبناء؟ ستضحكون بملء أفواهكم، وتقولون: إنه زوج أو أب مجنون.
ماذا تقولون لو قلت لكم: إن أماً قد قدمت استقالة مكتوبة أو شفوية لزوجها في البيت، لتخبره فيها بأنها قد استقالت من تربية الأبناء؟ ستتهم بالجنون.
ولكن لو نظرتم نظرة فاحصة مدققة لواقعٍ مريرٍ أليمٍ تعيشه بيوت المسلمين، لرأيتم استقالةً لا أقول: فردية، بل جماعية من كثير من الآباء والأمهات، استقال الأب عن أغلى وظيفة له، واستقالت الأم عن التربية، الطفل ينزل كصفحة بيضاء، وأول الخطوط التي تخط على هذه الصفحة، تخط في داخل الأسرة والبيت، أين الوالد؟ أين الأم؟ أين الأب الذي استقال منذ زمن؟ أين الأم التي استقالت منذ زمن؟ وظن الأب المسكين أن وظيفته أن يكون ممثلاً لوزارة المالية، وأن ينفق على الأولاد، وأن يُوفر المأكل والمشرب والمسكن فقط، هذه وظيفته، لقد صرح والد من هؤلاء المساكين، وقال: أنا لم أر ولدي منذ سنة، قلنا: ربما كان الوالد مسافراً، قال: لا لم أكن مسافراً، ولم ير ولده منذ سنة، وقالت أم: أنا لم أدخل غرفة ولدي، ولم أر هذه المناظر إلا الآن.
أين الأب؟ أين الأم؟ انشغل الأب بالتجارة والوظيفة والأموال، والسفر والحل والترحال.
قد أقول لكم الآن: بأنني أعذر كثيراً من الآباء؛ لأن الظروف الاقتصادية تطحن الناس طحناً، فقد لا يجد الوالد رمقاً من الوقت ليوفر لأولاده الحياة الطيبة الكريمة، هذا صنف، لكنني أتكلم عن صنف آخر، حتى لو تبقى له رمق من الوقت في آخر النهار، يرجع ليقتل هذا الرمق قتلاً بالمكث أمام الشيطان الذي جثم على صدورنا في البيوت، أمام التلفاز، يجلس ليقضي ما تبقى من الوقت أمام فلم داعر، أو مسلسل هابط، أو برنامج: العالم يغني، وهاهم الأولاد رقصوا وغنوا.
أين الأب؟ يا إخوة! إن جلوس الأب بين أبنائه ولو كان صامتاً فيه من عمق التربية ما فيه، فما بالك لو تكلم، لو ذكر أبناءه بالجنة وحذرهم من النار، لو حل مشكلة، ولو أجاب على تساؤل، ولو أزاح هماً، ولو خطط لأبنائه داخل البيت وخارجه، ماذا ستكون النتيجة؟ وتزداد الكارثة -يا إخوة! - إذا انضمت إلى استقالة الأب استقالة الأم، فانشغلت الأم المسكينة بالمسلسلات والمباريات والأفلام، والضرب في الأسواق، واللهث وراء أحدث المجلات والموضات والمضلات، انشغلت الأم وتركت الأبناء، فانطلق الأبناء وهم يشعرون باليتم التربوي، ليقتاتوا من أين؟ من الشوارع، ومن وسائل الإعلام التي تبث الرذيلة بثاً.
ليس اليتيم من انتهى أبواه من هم الحياة وخلفاه ذليلاً
فقد يكون الوالد صالحاً، وقد تكون الأم صالحة، ويخرج الولد على غير الطريق، وهذا الاستثناء لا ينقض أصل القاعدة، فهأنذا أتذكر الآن بيتاً هو أطهر بيت في زمانه، الوالد الذي يقوم فيه على التربية إنه نبي من أنبياء الله، ومع ذلك خرج ابن هذا النبي كافراً مشركاً بالله جل وعلا: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ قَالَ سَآوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود:٤٣].
وفي المقابل أرى بيتاً هو أخبث بيتٍ على ظهر الأرض في زمانه، بل وفي كل زمان، إنه بيت فرعون، يقوم على أمر التربية فيه طاغوت، يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] ومع ذلك خرج من هذا البيت نبي الله موسى، الذي قال الله جل وعلا له: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١] لكن غالب فساد الأبناء يرجع إلى إهمال الأمهات والآباء.
أيها الإخوة! أيها الآباء الفضلاء: كما أن للوالدين حقوقاً على الأبناء، فإن للأبناء حقوقاً على الوالدين، وما أروع ما أصله فاروق الأمة عمر يوم أن جاءه والد يشكو إليه عقوق ولده، فقال: [ائتني به، فجاء الشاب فوقف بين يدي عمر، فقال له: لمَ تعق والدك؟ فقال الشاب: ما حقي على أبي يا أمير المؤمنين؟! قال: حقك عليه أن يحسن اختيار أمك، وأن يحسن اختيار اسمك، وأن يعلمك القرآن.
فقال الشاب: والله ما فعل أبي شيئاً من ذلك يا أمير المؤمنين.
فالتفت عمر للوالد وقال: لقد عققت ولدك قبل أن يعقك.
].
عقوق متبادل أخرج هذه النبتة السيئة والحصاد المر، وإهمال الوالدين للأبناء لن يضر الأبناء فحسب، بل يضر الآباء قبل الأبناء في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦] وفي الصحيحين من حديث ابن عمر أنه ﷺ قال: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، وكلكم راع ومسئول عن رعيته).
فإن غش الراعي الرعية حرم الله عليه الجنة، ففي الصحيحين من حديث معقل بن يسار، أن النبي ﷺ قال: (ما من عبدٍ يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة) فاستقالة الأسرة، وغياب القدوة، الولد الذي يرى أباه لا يصلي، كيف يتعلم الصلاة إلا إذا وفقه المولى جل في علاه؟ البنت التي ترى أمها متبرجة مستهترة لا تُخلص لزوجها كيف ستتعلم الفضيلة؟!
مشى الطاوس يوماً باختيال فقلده بمشيته بنوه
العلاج: أن تعي الأسرة مسئولية التربية، وأن يتق الوالدان الله، وأن يعلما يقيناً أنهما مسئولان بين يدي الرحمن جل وعلا، أسأل الله أن يستر عليّ وعليكم في الدنيا والآخرة.
стр. 882
السبب الثاني: المناهج التعليمية الحديثة
إن المناهج التعليمية في مدارسنا وجامعاتنا تُحسن أن تعلم الجيل المعارف والمعاني والعلوم، ولكنها لا تُحسن أن تُعلم عيونهم الدموع، ولا قلوبهم الخشوع، لا تُجيد هذا أبداً، قد يدرس الشاب في كلية من الكليات أربع سنوات، لا يدرس في كتاب واحد كلمة تقربه من الله أو تبعده عن المعصية، وأنا أتحدى من يعارض، يدرس الشاب أربع سنوات لا يجد آية تقربه إلى الله، ولا يجد قدوة بين يديه يذكره بالله، بل قد يرى الأستاذ الدكتور ينظر إليه وهو يسخر منه، إذا رأى الشاب قد جلس وحده بعيداً عن الفتيات، يقول له: يا فلاح! اقترب من زميلاتك، ورب الكعبة لقد قيلت لي يوماً من الأيام.
سبحان الله! حتى الأستاذ! فالعملية التعليمية برمتها تحتاج إلى مراجعة، اختلاط مدمر، وأعتقد أنه قد آن الأوان ليحترم كل منصف نفسه، ولا يقول: بأن الاختلاط سيخفف حدة الكبت الجنسي عند الصنفين والنوعين، كلام لم يعد رجل يحترم نفسه يقول به الآن، فهاهي نتيجة الاختلاط ظاهرة وبينة، اختلاط بين شباب وفتيات في سن المراهقة، وفي سن خطير، نقدم النار ونقربها من (بنزين)، ونقول: إياك أن تشتعلي أيتها النار!
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء
أمر عجب! مستحيل أن شاباً له غريزته وشهوته، وشابة أو فتاة لها غريزتها وشهوتها، متعطرة ومتزينة ومتجملة، كأنها ما خرجت إلا لمسرح أو لسينما، وما خرجت إلى الحرم الجامعي، وشاب مسكين، ماذا تنتظرون -يا سادة- بعد هذا؟ وقد أمر الله الصحابة وهم أطهر القلوب على وجه الأرض بعد الأنبياء، إذا كلموا أمهات المؤمنين أن يكلموهن من وراء حجاب: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣] إن أصلنا ذلك على صفحات المجلات نتهم نحن بالتطرف والإرهاب، تقول صحفية تنكر عليّ: إنه يحرم الاختلاط في الجامعة والمواصلات والمدارس، إنه التطرف، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! أصبحت الأصول تطرفاً، وأصبحت أصول هذا الدين خروجاً، اختلاط سافر بين الشباب والفتيات، وانظروا إلى التاريخ الإسلامي في كتب أبنائنا، حصة الدين ثانوية بل في آخر اليوم الدراسي، يقول لي ولدي: يا أبتي! إن المدرسة التي تدرسني الدين متبرجة، تلبس القصير، فقلت لها: يا أستاذة! التبرج حرام، فقالت له: اسكت يا حمار! وجاء ولدي يقول لي: حصة الدين، يدخل علينا المدرس ربما (بالسيجارة) ومدرسة ربما متبرجة قد كشفت عن شعرها لتدرس أبناءنا وبناتنا حصة الدين في آخر اليوم الدراسي، وقد تعب الطلاب، ولا يفهمون شيئاً، بل ويسعد الأبناء سعادة غامرة بمدرس يدخل ليقضي حصة الدين في الفكاهات والكلام الفارغ، حتى تنتهي الحصة والأبناء سعداء بهذا كله.
حذفت من كتب أبنائنا قصة الفدائي الصغير: علي بن أبي طالب، يوم أن فدى النبي ﷺ ليلة الهجرة، أبحث في الكتاب عن الفدائي الصغير فلم أجده، قلت: لعلهم وضعوا الفدائي الكبير أبا بكر أو عمر، وإذا بهم في مثل هذا الموضع يضعون قصة مخترع السينما بدلاً من علي بن أبي طالب، والله لا نقول هذا للإثارة أبداً، وإنما أحمل الجميع المسئولية أمام الله، فمحال أن يخلو هذا الجمع الكبير المهيب من مسئول له كلمة تُسمع، فاتق الله أيها الحبيب! وقل قولة حق، بأسلوب طيب رقيق رقراق، لعل الله أن ينفع بكلمتك، ويرفع بنصيحتك الضرر الكبير عن أبنائنا وبناتنا، وفي الجملة عن هذه الأمة المسكينة.
وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 883
السبب الثالث: الإعلام
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة؛ فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! السبب الثالث: الإعلام، وما أدراك ما الإعلام، فإن القائمين على الإعلام لا يرقبون في المؤمنين إلاً ولا ذمة، وأستطيع أن أعلن بكل ثقة واطمئنان أن الناظر إلى الخريطة الإعلامية المقدمة سيخرج بهذه النتيجة الحتمية دون لف أو دوران، ألا وهي أن هذه الخريطة في الجملة تعزف على وتر الجريمة، والعنف، والجنس، كم عدد الأفلام التي تعرض للراقصات؟ كم عدد الأفلام التي تعرض للفاحشة في أدق التفاصيل؟ كم عدد الأفلام التي تعرض للعزف على وتر الجريمة؟ وللعزف على وتر (الفهلوة) ليتعلم الأبناء والبنات.
يجلس الطفل المسكين أمام التلفاز، أو حتى الشاب، فيرى ممثلاً ساقطاً هابطاً لا يجيد إلا أدوار العنف والقذارة والجريمة، هذا هو دوره، وفي فيلم آخر أو مسلسل جديد يرى نفس المجرم يلبس العباءة، وقد ركب لحية، وأمسك المسبحة، ويتمتم بآيات القرآن، وبحديث النبي ﵊، فيرى الطفل أو الشاب هذا الممثل في هذا الدور، وهو بالأمس القريب رآه في فلم آخر يمثل دور الجريمة والفاحشة، فتختل في قلوب أبنائنا وبناتنا الفضيلة، وتستوي الفضيلة مع الرذيلة، ويستوي الحلال مع الحرام، والحق مع الباطل، لم يعد يفرق بين أي الشخصيتين يختار.
وفي وسط هذا الغثاء حديث الروح بالموسيقى، أو بعده فاصل من الرقص الراقي الذي يسمى بفن الباليه، أو بفن البلاء، تخرج فيه المرأة وهي شبه عارية، التمجيد للممثلين والممثلات واللاعبين واللاعبات في كل مناسبة، يقدم هذا الممثل على أنه فاتح وبطل، فيتمنى الطفل الصغير أن لو كان قدوته يتمثل في هؤلاء.
غياب القدوة أمر خطير، خريطة إعلامية معلنة، ونعتقد أن جهاز التلفاز من أخطر الوسائل للدعوة إلى الأفكار، لو استغل استغلالاً يرضي العزيز الغفار لرأينا العجب العجاب، فليتقِ الله القائمون على أمر الإعلام، كل مسلم يستطيع أن ينكر، لكن الأمة تبلدت مشاعرها وأحاسيسها بصورة تقتل، حتى الكلمة بخلنا بها، ارفع سماعة الهاتف واتصل بوزير الإعلام، وإن كنت مسئولاً اتصل على مخرج البرامج، اتصل على أي مسئول وذكره بالله، قل كلمة لعل الله أن يحول قلبه، وما يدريك، المهم أن تصنع شيئاً، دعونا من هذه السلبية القاتلة.
والله لو أن هذا الجمع تكلم كل واحد فيه كلمة، وأنا أقول: بالحكمة والرحمة وبالكلمة الرقراقة الرقيقة البسيطة المتواضعة، لا نطلب أكثر من ذلك، ومع ذلك يبخل المسلم وتبخل المسلمة، اكتب رسالة، وعوِّد نفسك على أن تعبر عن الحق بأي سبيل، إما عن طريق الهاتف، أو عن طريق الزيارة، أو عن طريق المكاتبة، بأي سبيل من هذه السبل عبر عن رأيك، انصح هؤلاء: (الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول لله؟! قال: لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم) انصح وابذل النصيحة لعل الله أن يجري الخير على يديك.
فالإعلام سبب خطير من الأسباب التي أوصلتنا إلى هذه الحالة من التفسخ والضياع، انظر إلى عدد الإعلانات الملصقة بالألوان بالأحجام الضخمة للراقصين والراقصات، تثير الشهوات الكامنة، وتستثير الغرائز الهاجعة.
стр. 884
السبب الرابع: الفراغ الديني القاتل، وعدم قيام المساجد بدورها
إن هذا الشاب الذي خرج ليعبد الشيطان ما عرف الرحمن، وغيره من الشباب يعيش الآن في فراغ ديني قاتل، والدين هو الوقاية والعصمة والحصن: ﴿فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٤].
وأنا أود أن أقول للجميع الآن: قارنوا مقارنة سريعة بين هذا الشاب الطاهر الطائع، وبين هذا الشاب التائه الضائع، إنه الدين، شاب يبتلى ويفتتن ومع ذلك يقبض على دينه كأنما يقبض على الجمر، يأتي الشاب إن زل في معصية يبكي ويعتصر قلبه، ويقول: كلما عاهدت الله على التوبة غلبني الشيطان فقمت وارتكبت المعصية المشهورة المعروفة بين شبابنا، ويتألم ويبكي، وبين شاب يمارس الزنا ويشرب المخدرات ويشرب الخمر.
والله لقد وقفت على دراسة كاد قلبي أن ينخلع، أجريت الدراسة في جامعة القاهرة على عينة عشوائية من الطلاب، تتكون هذه العينة من سبعمائة طالب وطالبة، فكانت النتيجة مروعة، (٣٦.
٤%) من نتيجة العينة شربوا المخدرات، و (٥٠%) من نتيجة العينة شموا (الهيروين) في الجامعة وبين شبابنا! فراغ ديني قاتل، وأخيراً يحارب المنبر، حتى المنبر يحارب، يمنع الدعاة، لماذا؟ نحن مع من يقول، وأعلنها بين يدي هذا الجمع: لا ينبغي أن يرتقي المنبر أي أحد، نعم، مأساة أن يرتقي المنبر من لا يعرف شيئاً عن كتاب الله، ومن لا يعرف شيئاً عن حديث رسول الله الصحيح.
والله لقد سمعت بأذني على المنبر كلاماً يخلع القلب، وأنا في سفر ذات مرة، مررت على المسجد لأصلي في الطريق، وسمعت الرجل على المنبر يقول: لما قتل عثمان بن عفان أرسل معاوية -هكذا بدون تكريم- إلى نائلة زوج عثمان، وقال: أريد أن أتزوجك، فقالت: ولماذا؟ قال: أعشقك، قالت: وأي شيء فيّ يُعشق؟ قال: أعشق عينيك، فقال الخطيب المفوه: فخلعت نائلة عينيها، ووضعت العينين على طبق، وأرسلت بالطبق إلى معاوية، وكتبت له تقول:
يا اللي أنت غاوي الجمال رح القبر واطلع
تلقى الجمال بقى رمم العظم متخلع
نعم، يقال هذا على المنبر، وهذا أمر خطير، بل تشوه وتحرف العقيدة، الشريعة أصبحت مغيبة وضائعة، فيخرج على المنبر من يزيد النار اشتعالاً، ومن يزيد الناس ضلالاً، فنحن لسنا مع أي أحد يرتقي المنبر، وإنما في الوقت ذاته لا ينبغي على الإطلاق أن يحال بين المنبر وبين فرسانه، حتى وإن كانوا لا ينتسبون إلى الأزهر، فنحن لا نعرف في دين الله جل وعلا كهنوتية ولا رجال دين، لكن إذا ارتقى المنبر يقول: قال الله جل وعلا، وقال الرسول المصطفى في حديثه الصحيح، لا ينبغي أن يحال بين المنبر وبين فرسانه من الدعاة الصادقين المخلصين.
فلو نظرتم الآن إلى ساحة الدعوة، لرأيتم جُلّ دعاتنا المخلصين الصادقين المؤثرين ما تخرجوا من الأزهر، هل يُمنع هؤلاء؟ وهل يحال بين المنبر وبين هؤلاء؟! الذين قد وصلوا إلى درجة تفوق وبكل ثقة أعلنها، كثيراً ممن تخرجوا من هذه الجامعة العريقة لا أقلل من شأنها، لكن هؤلاء يضعون أيديهم في أيدي إخوانهم من علماء الأزهر، ومن شيوخنا الفضلاء الأكارم، ليرفع الجميع راية الدعوة إلى الله بالحكمة البالغة والموعظة الحسنة، والكلمة الرقراقة الطيبة الكريمة.
الفراغ الديني، والعلاج: ألا يحال بين المساجد وبين الشباب، وبين الشباب وبين المساجد، وألا نخشى المساجد، فالمساجد: هي الحضن التربوي الطاهر الذي يحمي أبناءنا بإذن الله من الانحراف، لما أُغلقت المساجد في وجوه الشباب، انطلق الشباب ليبحثوا عن العلم في الظلام، فأتى العلم مظلماً، ولما حيل بين الشباب وبين العلماء والدعاة انطلق الشباب ليبحثوا عن العلم في بطون الكتب، فجاء العلم في بعض الأحيان منحرفاً من خلال الفهم الخاطئ، فمن كان شيخه كتابه غلب خطؤه صوابه، فلا تخشوا المساجد، وافتحوا المساجد للعلماء وللدعاة وللشباب؛ ليتربى أبناؤنا وبناتنا، بل وآباؤنا وأمهاتنا في الأحضان التربوية الطاهرة.
وقد آن الأوان أن تُرفع من كل وسائل الإعلام كل صور الامتهان للعلماء والمشايخ والدعاة، لازلنا إلى الساعة نمر على أبنائنا في المدارس، فيقولون: إرهابي ومتطرف، إفراز للإعلام، قُدمت له هذه الصورة، صورة اللحية، وصورة سنة الحبيب محمد ﷺ ، على أنها الإرهاب، ولم يفرق الإعلام بين الإرهاب وبين الدين.
فينبغي أن ترد كرامة التدين، وكرامة أهل الدين، وأنت أيها المسئول! أيها الأخ الكريم! قد تكون مسئولاً في الجوازات، وقد تكون مسئولاً في المطارات، وقد تكون مسئولاً في الشوارع والطرقات، ما أصَّل لك القانون أن تهين إخوانك من المسلمين والمسلمات، بل يجب عليك أن تُجِلَّهم وتقدرهم وأن تحترمهم، وإذا رأيت واحداً من أهل الدين ومن أهل العلم وجب عليك أن ترد للدين هيبته، وللعلماء اعتبارهم، وللمشايخ كرامتهم.
لا أريد أن أطيل أكثر من ذلك، فإني أخشى أن أشق على هذا الجمع الكريم، والله أسأل أن يُقر أعيينا وإياكم بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين.
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.
اللهم اهدِ شبابنا، اللهم أصلح شبابنا، اللهم استر نساءنا، اللهم استر بناتنا، اللهم هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً، اللهم لا تدع لأحد في هذا الجمع الكريم ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ميتاً لنا إلا رحمته، ولا عيباً إلا سترته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين.
اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً، اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى.
اللهم ثبت قلوبنا على الإيمان، يا مقلب القلوب والأبصار! ثبت قلوبنا على دينك، اللهم ارزقنا جميعاً قبل الموت توبة، وعند الموت شهادة، وبعد الموت جنة ونعيماً ورضواناً، اللهم ارفع عن مصر البلاء يا أرحم الراحمين، اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم أصلح شبابها وشباب المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم ارفع الفتن ما ظهر منها وما بطن عن مصر يا رب العالمين، وجميع بلاد المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم احمل المسلمين الحفاة، واكس المسلمين العراة، وأطعم المسلمين الجياع، اللهم مكن لدينك يا رب العالمين، اللهم قيض للأمة القائد الرباني الذي يحكم الأمة بكتابك وسنة نبيك إنك على كل شيء قدير، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشدٍ يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر بقدرتك يا أرحم الراحمين.
هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأٍ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم بالله وأنساه.
стр. 885
قل آمنت بالله ثم استقم
ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، فهو قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان هذه هي حقيقة الإيمان، والاستقامة عليه كان هذا محور حديث الشيخ؛ مبيناً حقيقة الإيمان والاستقامة، وموضحاً أثر الفكر الإرجائي على الأمة.
стр. 886
الإيمان بالله والاستقامة على شرعه
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء، وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء، وطبتم جميعاً وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم جل وعلا الذي جمعنا في هذا المكان الطيب المبارك على طاعته، أن يجمعنا مع سيد الدعاة المصطفى في جنته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله: وصية غالية أذكر بها نفسي وأحبابي وإخواني، ولم لا وهي وصية النبي محمد ﷺ الذي قال الله في حقه: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨].
الوصية رواها مسلم في صحيحه من حديث أبي عمرة سفيان بن عبد الله ﵁ قال: قلت: (يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك -وفي لفظ لـ أحمد والترمذي -: لا أسأل عنه أحداً بعدك) فلخص له النبي -أيها الأخيار- طريق السعادة وطريق النجاة في الدنيا والآخرة في كلمتين اثنتين، فقال المصطفى ﷺ : (قل آمنت بالله ثم استقم).
كلمتان اثنتان: إيمان بالله جل وعلا، واستقامة على هذا الدرب الكريم الطاهر المنير، هذا هو طريق النجاة، هذا هو طريق الفوز في الدنيا والآخرة، وفي رواية أحمد قال سفيان: (قلت: يا رسول الله! حدثني بأمر أعتصم به، فقال له المصطفى ﷺ : قل ربي الله ثم استقم.
فقال سفيان: فما أخوف ما تخاف عليَّ يا رسول الله؟ فأخذ رسول الله ﷺ بلسانه ثم قال: هذا).
стр. 887
أثر الفكر الإرجائي على الأمة
أيها الحبيب الكريم: والله ما دمر الأمة إلا فكر إرجائي نخر في جسدها نخراً، لقد ذلت الأمة الآن لمن كتب الله عليهم الذلة من إخوان القردة والخنازير، يوم أن انحرفت الأمة عن حقيقة الإيمان، ويوم أن غاب عن الأمة المفهوم الحقيقي لمعنى الإيمان، فانطلق كثير ممن ينتسبون إلى الإسلام يرددون بألسنتهم كلمة التوحيد والإيمان، من غير أن يقفوا لها على معنى أو على مقتضى، ومن غير أن يحولوا مقتضيات هذه الكلمة العظيمة في حياتهم إلى واقع عملي، وإلى منهج حياة.
أيها الأحبة: ما أيسر التنظير! بل إن رفوف المكتبات تئن بالمراجع والمجلدات، وما وجدنا هذا الكم الهائل من المطبوعات بين سلف الأمة الصالح، ولكن البون الشاسع والفارق الكبير بيننا وبين هذه القمم الشماء والمثل العليا، أنهم كانوا إذا سمعوا عن الله أمراًَ، وإذا وقفوا لله على نهي، وإذا عرفوا لله حداً؛ امتثلوا الأمر واجتنبوا النهي ووقفوا عند حدود الله، وحولوا هذا المنهج النظري في جانب الإيمان إلى تصديق وإلى منهج عملي في واقع هذه الحياة؛ فسادوا الدنيا شرقاً وغرباً، وحولهم هذا المنهج المنير -يوم أن حولوه في حياتهم إلى واقع عملي- حولهم من رعاة للإبل والغنم إلى سادة وقادة للدول والأمم، واستطاعوا في فترة لا تساوي في حساب الزمن شيئاً على الإطلاق أن يقيموا للإسلام دولة عظيمة من فتات متناثر، فإذا هي دولة وبناء شامخ لا يطاوله بناء.
ويوم أن امتد الفكر الإرجائي إلى الأمة ونخر جسدها نخراً، وانطلق كثير من الناس يردد كلمة الإيمان والتوحيد من غير أن يصدقها قلبه، ومن غير أن يحولها في حياته إلى واقع عملي وإلى منهج حياة، فهو يقف عند قول الله تعالى في أمر فيمتثل، ويقف عند قول الله تعالى في قول آخر فلا يمتثل، يقرأ قول الله في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣] فيمتثل أمر الله في هذا الجانب، وفي السورة ذاتها يقف عند أمر الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨] فيقول: هذا الأمر لا يليق ولا يتفق مع مدنية هذا القرن يقرأ قول الله تعالى في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦] فيمتثل، وفي السورة ذاتها: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧] ﴿الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥] فلا يمتثل.
ومنهم من ردد بلسانه كلمة الإيمان وقد ضيع الصلاة، وامتنع عن الزكاة، وفعل الزنا، وشرب الخمر، وحرص على ذلك، والطامة الكبرى أنه بمجرد أن ردد لا إله إلا الله يعتقد أنه قد حصّل صكاً من صكوك الغفران، بدخول الجنان، والنجاة من النيران.
стр. 888
حقيقة الإيمان
أيها الحبيب الكريم: اعلم أن الإيمان ليس كلمة تقال باللسان فحسب، ولكن الإيمان قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، قال الحبيب المصطفى كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) وقال الحسن: [ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل] فمن قال خيراً وعمل خيراً قبل منه، ومن قال خيراً وعمل شراً لم يقبل منه، فكلمة الإيمان حقيقة كبيرة ذات تكاليف، كلمة الإيمان أمانة عظيمة ذات أعباء.
فلا بد أن نعلم أن للإيمان أركاناً، لابد أن يحولها المؤمن في حياته إلى واقع عملي، وإلى منهج حياة، كما بينها لنا المصطفى ﷺ : (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره) فأين حقيقة هذا الإيمان في قلوبنا وفي واقعنا الآن؟
стр. 889
من صور الشرك في توحيد الربوبية
إن من الأمة الآن من يقول: ربي الله، ومع ذلك فهو يشك في أن الرزاق هو الله من الأمة الآن من أشرك في توحيد الربوبية، وأما أن تقر لله بالأمر والخلق والرزق والتصريف والتدبير، فهذا الجانب قد أقر به المشرك الأول في الجزيرة، إن سألته عن خالقه ورازقه: لمن تلجأ إذا وقع بك الضر في البحر؟ يقول: لله، ومن أبناء الأمة الآن يا إخوة -ولست مبالغاً- من أشرك حتى في هذا الجانب، في جانب توحيد الربوبية.
ولقد سمعنا بآذاننا رئيس دولة خرجت من بين برك الدماء والأشلاء يقول إنه ممن يعتقد أن للكون أقطاباً وأوتاداً وأبدالاً تدبر نظامه وتسير شئونه!! وسمعنا بآذاننا على شاشة التلفاز المصري من يقول: إننا الليلة نحتفل بمولد سيدي السيد البدوي المهاب، الذي إن دعي في البر والبحر أجاب!! وسمعنا من يقول الآن في الشهرين الماضيين فقط: إن القرآن منتج ثقافي!! وقرأنا لعميد الأدب العربي -زعموا- وهو يقول: ارفعوا القداسة عن القرآن، وضعوا القرآن بين أيديكم كأي كتاب من الكتب يستحق النقد ويستحق الثناء!! وسمعنا من هذه الأمة من يقول:
هبوا لي ديناً يجعل العرب أمة وسيروا بجثماني على دين برهم
سلام على كفر يوحد بيننا وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم
إن الإيمان ليس كلمة فقط، الإيمان كلمة وتصديق وعمل وواقع، لابد أن نحول أركان الإيمان في حياتنا إلى منهج حياة، إلى واقع عملي، وقد حفظنا قديماً: لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومضاد له في الاتجاه، فإذا استقرت حقيقة الإيمان في القلب فلابد وحتماً أن تنعكس على هذه الجوارح، فتسمع الأمر لله، والنهي لله، وتقف عند حد الله، وشعارك السمع بلا تردد، والطاعة بلا انحراف، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥١ - ٥٢].
الإيمان قول وتصديق وعمل، ووالله لو علمت قريش أن كلمة الإيمان ما هي إلا مجرد كلمة سترددها الألسنة، دون أن تتحول في حياتها إلى واقع ضخم كبير؛ لرددتها مراراً وتكراراً، وما دخلت هذا الصراع الرهيب مع ابنها البار الذي خلعت عليه بالإجماع لقب الصادق الأمين قبل أن يبعث نبياً من رب العالمين.
يقول النبي ﷺ لعمه وهو على فراش الموت: (يا عم! قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله يوم القيامة.
فيقول طاغوتان كبيران إلى جوار رأس أبي طالب: أترغب عن ملة عبد المطلب؟) وكأنه لو قال كلمة الإيمان سيرغب عن ملة عبد المطلب، إنهم يعلمون أن هذه الكلمة لابد أن تخلعه من الشرك خلعاً، لابد إن قالها أن يخلع رداء الكفر كله، ورداء الشرك كله على أول عتبة للإيمان بالله جل وعلا، فقال له النبي ﵊: (قل.
وهما يقولان: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فالتفت إليهما وقال: بل على ملة عبد المطلب، فخرج المصطفى وهو يقول: لأستغفرن لك ما لم أنه عنك.
فنزل قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة:١١٣]).
فيا أيها الأحبة الكرام: من الناس الآن من يردد كلمة الإيمان وهو لا يعرف لها معنى، ومن الناس من يرددها وهو لا يقف لها على مقتضى، ومن الناس من يرددها وقد قسم حياته إلى قسمين: قسم في جانب العبادات، فهو يمتثل أمر الله وأمر هذه الكلمة في هذا الجانب التعبدي، والجانب الآخر في المعاملات والسلوك والأخلاق، لا ترى لهذه الكلمة واقعاً في هذا الجانب على الإطلاق، فلابد أن نعي حقيقة الإيمان.
стр. 890
أركان الإيمان ومعانيها
(قل: آمنت بالله) أن تؤمن بالله رباً، أن تؤمن بالله إلهاً معبوداً، لا يستحق العبادة سواه، أن تؤمن بأسماء جلاله وصفات كماله، وما أحوجنا إلى أن نتعبد لله بالأسماء والصفات من جديد! فليست العبرة أن يردد كل مسلم منا الأسماء الثابتة، بل إن العبرة أن يحول المسلم مقتضى هذا الاسم في حياته إلى واقع أن يعيش معنى الرزاق، معنى الرحمن، معنى القوي، معنى القيوم، معنى المقيت، نقف على هذه المعاني.
والله -يا إخوة- ما عرفت معنى المقيت إلا منذ أيام قليلة، وقفت عند هذا الاسم، وقرأت أقوال السلف ورجعت الأصول اللغوية التي يرد إليها حقيقة هذا الاسم، ومن أعجب ما علمت عن اسم المقيت: أن من أجمل معانيه أن كل عضو من أعضاء هذا البدن -فضلاً عن الكون- له قوت، مادة (قوت) القاف والواو والتاء، فإنه تخلف عنه هذا القوت توقفت حياته كل عضو فيك له قوت، إن امتنع هذا القوت عن هذا العضو تعطل، فعينك لها قوت لتعمل طوال العمر، وقلبك ومخك، وهكذا.
يقول أحد العلماء المعاصرين: لو أردنا أن نصنع مصنعاً يقوم بما يقوم به المخ من وظائف وأعمال؛ لاحتجنا إلى مساحة الكرة الأرضية ثلاث مرات!! ليقف الإنسان مع هذه المعاني؛ ليتعرف بعدها على عظمة الله وعلى جلاله، فهو الذي يعطي الكون كله ما يحتاجه ليظل يعمل لهذا الإنسان المتمرد على الرحمن جل وعلا.
أن تؤمن بالله رباً إلهاً معبوداً لا يستحق العبادة سواه، أن تؤمن بأسماء جلاله وصفات كماله التي أثبتها لذاته في قرآنه، وأثبتها له المصطفى ﷺ ، من غير تحريف لا للفظها ولا لمعناها، ومن غير تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، فلست أعلم بالله من الله، ولست أعلم بالله من رسول الله ﷺ .
وأن تؤمن بالملائكة، وأن تعتقد أن لله ملائكة معك: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] ﴿كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١١ - ١٢] ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١] وأن للجبال ملائكة، وللعرش ملائكة، وللسحاب ملائكة، وللقطر ملائكة، وللأرزاق ملائكة، فإذا ما آمن الإنسان بهذه الحقيقة استحى، وراقب هذا الملك الذي يراقبه وينتظر قولة أو فعلة ليسطرها عليه في كتاب عند ربي لا يضل ربي ولا ينسى.
وأن تؤمن بالكتب التي نزلها الله على أنبيائه ورسله، وأن تؤمن بالرسل: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] وأن تؤمن باليوم الآخر -وما أحوجنا لتكرار الحديث الآن عن اليوم الآخر؛ لأننا نعيش زماناً طغت فيه الماديات، وانصرف كثير من الناس عن التفكر في اليوم الآخر، وعن لقاء رب الأرض والسماوات جل وعلا، وأن تؤمن بالقدر خيره وشره.
стр. 891
حقيقة الاستقامة على دين الله
لابد أن نحول هذه الأركان -أركان الإيمان- في حياتنا إلى واقع، فإن منَّ الله بهذا الفكر، وردد لسانك وصدق قلبك، وترجمت جوارحك وأعمالك؛ فاستقم على هذا الدرب، واستقم على هذا الخير، وعلى هذه الطاعة، وعلى هذا النور.
أبشرك بقول الحافظ ابن رجب الحنبلي طيب الله ثراه، حينما قال: وأصل الاستقامة أن يستقيم القلب على التوحيد، فإن استقام القلب على التوحيد؛ استقامت الجوارح كلها على طاعة العزيز الحميد.
إن القلب هو الأصل، وبكل أسف يفرط كثير منا ومن طلاب العلم في التنقيب عن أحوال قلبه، فربما يغتر الطالب بتحصيله، ربما يغتر بمراجعه التي بين يديه في الليل والنهار، ولا يشعر بقسوة قلبه، أو مرضه أو غفلته، فكم من الناس مرضت قلوبهم في صدورهم وهم لا يشعرون! بل وكم من الناس ماتت قلوبهم في صدورهم وهم لا يشعرون! قال ابن السماك: كم من مذكر بالله وهو ناسٍ له! وكم من مخوف من الله وهو جريء عليه، وكم من مقرب إلى الله وهو بعيد عنه، وكم من تالٍ لكتاب الله وهو منسلخ عن آياته! نسأل الله السلامة والعافية.
يقول أبو هريرة: [القلب هو الملك، والأعضاء جنوده ورعاياه، فإن طاب الملك طابت الجنود والرعايا، وإن خبث الملك خبثت الجنود والرعايا] وجاء من حديث النعمان في الصحيحين، وفيه أنه ﷺ قال: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، إلا وهي القلب) فإن الفتن أول ما تعرض -كما ذكرت- تعرض على القلب، فإن تشرب القلب الفتنة -والعياذ بالله- ثم تشرب الفتنة تلو الفتنة علا الران القلب، فحجب صاحب هذا القلب عن الله تعالى، قال سبحانه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٤ - ١٥] وقال ﷺ : (تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير القلوب على قلبين: قلب أسود مرباداً كالكوز مجخياً، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه، وقلب أبيض كالصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض) أسأل الله جل وعلا أن يجعل قلوبنا من هذا النوع الكريم.
فأصل الاستقامة أن يستقيم قلبك على التوحيد، فإن استقام القلب على التوحيد نجوت، يقول ابن القيم طيب الله ثراه: التوحيد هو الإكسير الأعظم، الذي لو وضعت منه ذرة على جبال من الذنوب لأذابتها.
لكن بشرط أن تحقق التوحيد، وأن تجرده وتخلصه، ثبت في صحيح مسلم من حديث عثمان أنه ﷺ قال: (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة) وثبت في الصحيحين من حديث عبادة وفي رواية عتبان: (من قال لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله دخل الجنة) وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة الطويل وفيه: (أن النبي ﷺ دفع نعليه لـ أبي هريرة وقال: اذهب بنعليَّ هاتين، فمن لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة) فلابد من اليقين، وأن تجرد وتحقق وتخلص التوحيد لله جل وعلا.
هذا التوحيد إن زلت قدمك، وجذبت أشواك المعاصي ثيابك، فتبت وأنبت إلى الله سبحانه، وقابلت الله جل وعلا بهذا التوحيد الخالص، فهذا التوحيد يبدد ضباب الذنوب وغيومها، كما في حديث البطاقة الذي صححه شيخنا الألباني وهو حديث صحيح، يقول ابن القيم: السر الذي من أجله ثقلت بطاقة التوحيد، وطاشت السجلات في الكفة الأخرى، هو تجريد التوحيد لله جل وعلا.
وثبت في صحيح مسلم من حديث أنس، وفي سنن الترمذي واللفظ للترمذي، أن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني إلا غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة).
إنه التوحيد الخالص لله جل وعلا، لا تستهن بحقيقة التوحيد ولا بقدره، فلقد ظل النبي يعلم أصحابه التوحيد في مكة ثلاثة عشر عاماً، ولا تظنوا -أحبتي- أن النبي يوم أن انتقل إلى المدينة قد انتقل من التوحيد ليعلم الصحابة غير التوحيد، كلا! فإن التوحيد لا ينتقل منه إلى غيره بل ينتقل معه إلى غيره، وفي كل مرحلة من مراحل تأسيس النبي لدولة الإسلام ما أضاع التوحيد، ولا غيّب منهج التوحيد أبداً، لأننا نسمع الآن نغمة خبيثة تقول: ما الداعي لأن تدندنوا حول التوحيد، وأن تكثروا الكلام عن التوحيد، فإن النبي بدأ بالتوحيد لأنه بدأ في أمة مشركة، أما الآن فالأمة -ولله الحمد- أمة موحدة.
قلت: سبحان الله! أين القائل لهذا من واقع مر أليم تحياه الأمة، ففي كل عام يحج الملايين من أبناء الأمة إلى كثير من القبور هنا وهناك؟! أين التوحيد الذي يقال بأن الأمة قد دخلت قصره لا من أبوابه بل من نوافذه؟! فالتوحيد لا ينتقل منه إلى غيره، بل ينتقل معه إلى غيره.
أيها الحبيب: استقم على هذا الدرب: (قل آمنت بالله ثم استقم) قرأ عمر بن الخطاب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠] قرأها يوماً على المنبر فقال: [ثم استقاموا فلم يروغوا روغان الثعالب] عرفت فالزم، ذقت الحلاوة، ذقت طعم الإيمان؛ لأن للإيمان طعماً كما في صحيح مسلم، قال المصطفى: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً) هذا هو الذي ذاق طعم الإيمان، فإن ذقت طعم الإيمان فاستقم، لا ترغ روغان الثعالب -عافاني الله وإياك- استقم على هذا الدرب، على درب الإيمان، على طريق التوحيد، على طريق سنة النبي محمد، بفهم أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فهم أفهم الناس لكتاب الله، وأعلم الناس بأسباب نزول الآيات على قلب رسول الله، فالزم هذا الدرب وسر عليه تفلح وتسعد في الدنيا والآخرة.
стр. 892
أقوال العلماء في وقت تنزل الملائكة على أهل الاستقامة
أيها الأحبة! يقول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠] هذا فضل الاستقامة على الإيمان: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [فصلت:٣٠] وفي وقت تنزل الملائكة على أهل الإيمان والاستقامة قولان: الأول: قاله مجاهد والسدي وزيد بن أسلم، قالوا: تتنزل الملائكة على أهل الإيمان والاستقامة وهم على فراش الموت، إذا نزل بهم الخطب الأفضع، والأمر الأشنع، وسكرات الموت، التي لا يستطيع أي بليغ أو فصيح مهما أوتي من بلاغة وبيان أن يعبر عنها على الإطلاق؛ لأن هذا مما لا يدرك إلا إذا واقعه وعاينه الإنسان بنفسه.
لقد خشيت عائشة على رسول الله حينما نزلت به سكرات الموت، وقالت: إنها لا تنكر بعد ذلك شدة الموت على أحد بعد ما رأت من رسول الله ﷺ كان المصطفى لما نزلت به السكرات يضع يده في ركوة بها ماء، ويمسح العرق عن جبينه الأزهر الأنور ويقول: (لا إله إلا الله إن للموت لسكرات) والحديث في صحيح البخاري، وفي لفظ لـ أحمد: (كان المصطفى يقول: لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات، اللهم هون عليَّ سكرات الموت) إنه خطبٌ فضيع، وفي هذه اللحظات -أيها الأخيار- يأتي الشيطان ليجتال وليصرف الإنسان عن حقيقة الإيمان، كما ثبت مع الإمام أحمد وقرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى وقال: منهم -أي: من الناس- من تحضره الملائكة لتقول له ذلك، ومنهم من لا يقال له ذلك، إلا أن الموقف رهيب عصيب في هذه اللحظات، لحظات السكرات والكربات والضيق والهم، لحظة أن يعاين الإنسان الحقيقة، تتنزل إليه الملائكة إن كان من أهل الإيمان والاستقامة لتبشره بهذه البشارة: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠] من أنتم؟ ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا﴾ [فصلت:٣١]-أي في الجنة- ﴿مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣١ - ٣٢].
ثبت في سنن ابن ماجة بسند صححه الشيخ الألباني، أنه ﵌ قال من حديث أبي هريرة: (تحضر الملائكة -أي: عند الموت- فإذا كان الرجل صالحاً تقول الملائكة: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان، ورب راضٍ غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج) فالملائكة تبشر أهل الإيمان والاستقامة وهم على فراش الموت بهذه البشارة العظيمة.
القول الثاني: قاله ابن عباس وابن أبي حاتم وغيرهما، قالا: تتنزل الملائكة على أهل الإيمان والاستقامة عند الخروج من القبور يوم البعث والنشور، يوم الفضيحة، نسأل الله أن يستر علينا وعليكم، ترى الفضائح في هذا اليوم، إذ أن كل عبدٍ سيبعث من قبره على ما مات عليه من طاعة أو معصية، ولك أن تتصور -بالله عليك- هذا المشهد، ثبت في صحيح مسلم أنه ﷺ قال: (يبعث كل عبدٍ على ما مات عليه).
إن عشت على الطاعة مت على الطاعة وبعثت عليها، وإن عشت على المعصية -عافاني الله وإياك- مات صاحب المعصية عليها وبعث عليها.
يقول الحافظ ابن كثير طيب الله ثراه: لقد أجرى الله الكريم عادته بكرمه أن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه، فإن عشت على الطاعة مت على الطاعة وبعثت عليها، وإن عاش الإنسان على المعصية مات عليها وبعث عليها.
والله يا إخوة -وسوف أفرد لذلك إن شاء الله محاضرة لخطورة الأمر- لقد حدثني أخ من المنصورة عندنا في مصر عن جارٍ كان يسكن فوقه، وكان مدمن للغناء وما عرف للمسجد طريقاً ولا سبيلاً، ذكروه بالله فما تذكر، فكبر الرجل وكان مولعاً بـ أم كلثوم، فلما نام على فراش الموت لا زال الغناء يملأ أركان البيت، مع أن ملائكة الله جل وعلا قد وجدت الرجل يحتضر، يقول: فلما علمت ذلك وسمعت صراخ النساء صعدت إليهم، فرأيت الرجل يحتضر، فبكيت وقلت: اتقوا الله، أبوكم يموت ويحتضر وأنتم لا زلتم تضعون شريط الغناء، أهذا وقت غناء؟ ضعوا شريطاً للقرآن لعل الله أن ييسر عليه، يقسم بالله أنهم استجابوا لذلك، فامتدت يده على شريط الغناء ونزل فأتى بشريط للقرآن، يقول: حينما وضعت شريط القرآن في المسجل، وإذ بالرجل على فراش الموت ينظر ويقول: دع الغناء فإنه ينعش قلبي، وما تكلم بعدها!! وفي الشهر الماضي كان هناك رجل في منصب يصد عن سبيل الله وعن دينه، وهو في كامل فتوته وشبابه، أصيب بألم بسيط في بطنه، وأراد أن يخرج ما في جوفه، فدخل إلى الخلاء -أعزكم الله- ومن كثرة ما غلبه القيء لم يقو على أن يقف، فبرك على ركبته أمام الحمام الأفرنجي المعلوم ليخرج ما في جوفه، وظل يقيئ ويقيئ حتى صرخ صرخة فخرجت فيها روحه، ووجهه في هذا المكان القذر النجس.
لقد أجرى الله الكريم عادته بكرمه أن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه، وهذا شيخنا المبارك الشيخ كشك ﵀ وغفر له، مات في اليوم الذي أحبه من كل قلبه، في يوم الجمعة، دخل الخلاء فاغتسل وخرج، ثم لبس ثوبه الأبيض وتطيب وصلى ركعتين في بيته، وأراد أن يصلي ركعتين ليخرج إلى المسجد المجاور إلى بيته، فصلى الركعة الأولى في كامل قوته وصحته، فلقد كنت عنده قبل موته بثلاثة أيام، الرجل في صحة، وفي الركعة الثانية وهو يركع سقط على الأرض، فأسرع إليه أهله فوجدوا روحه قد فاضت إلى الله جل وعلا.
لقد أجرى الله الكريم عادته بكرمه أن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه، ففي هذا اليوم العصيب يوم الفضائح -نسأل الله الستر والعافية- يخرج أهل الإيمان والاستقامة من القبور، فتستقبلهم ملائكة العزيز الغفور بالبشارات: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٢] نزلاً، أي: ضيافة وإكراماً وإنعاماً من غفور رحيم، غفر لكم الذنوب ورحمكم في يوم الأهوال والكروب.
هذا جزاء المؤمنين المستقيمين على طاعة رب العالمين جل وعلا، قال ﷺ لـ سفيان بن عبد الله: (قل آمنت بالله ثم استقم) وهأنذا أذكر نفسي وأقول لها: قولي: آمنت بالله ثم استقيمي، وأذكر إخواني قولوا: آمنا بالله ثم استقيموا على درب الإيمان، وعلى درب رسول الله ﷺ .
والله أسأل أن يختم لي ولكم بالإيمان، وأن يرزقنا وإياكم الاستقامة على الإيمان، وأن يبعثنا في زمرة الموحدين تحت لواء قدوة المحققين، وسيد النبيين، إنه ولي ذلك ومولاه، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 893
ما الإسلام؟ وما الإيمان ؟
أشار الشيخ حفظه الله إلى حقائق إيمانية من سورة الحجرات، ذاكراً الفرق بين الإسلام والإيمان، ومبيناً أن لكل من اللفظتين معناها الخاص إن ذكرتا معاً، كما أنهما تحملان المعنى نفسه إذا ذكرت إحداهما دون الأخرى، كما بين أن الإيمان يزيد وينقص، وأن أهله متفاضلون فيه بحسب زيادته ونقصانه.
стр. 894
سورة الحجرات قواعد لبناء المجتمع المسلم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] , ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] , ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: فمع الدرس الأخير من دروس سورة الحجرات، سورة التربية والأخلاق, وبعد أن عشنا مع هذه القواعد التشريعية العظيمة التي أرستها السورة لبناء مجتمع إسلامي كريم؛ نستطيع أن نسجل باطمئنان كامل أن هذه الصورة التي لا تتجاوز ثماني عشرة آية تكاد أن تستقل بوضع منهج متكامل لبناء مجتمع إسلامي كريم سليم العقيدة, نقي القلب، نظيف المشاعر, عف اللسان، مهذب الأخلاق إنه مجتمع مثالي بكل ما تحمله هذه الكلمة من تصورات مجتمع له أدب مع الله, ومع رسول الله, ومع نفسه, ومع غيره مجتمع رباه الإسلام بهدي القرآن على يد من كان خلقه القرآن؛ فقد رباه الله ليربي به الدنيا ﷺ .
وتختم السورة الجليلة العظيمة الكريمة بوضع لبنة التمام في هذا البناء العظيم, وفي هذا الصرح الشامخ المهيب؛ وذلك ببيان الحقيقة الكبرى، ألا وهي حقيقة الإيمان، وذلك من خلال الحوار الذي دار بين أعراب بني أسد وبين رسول الله ﷺ .
فلقد ذكر جمهور المفسرين أن هؤلاء وفدوا المدينة على رسول الله ﷺ في سنة مجدبة، وكانوا يمنون بذلك على رسول الله ﵊, ويقولون: يا محمد أتتك العرب بأنفسها على ظهور رواحلها، وجئناك بالأثقال والعيال ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان، فأعطنا من الصدقات فإن لنا حقاً عليك, يمنون بذلك على النبي ﷺ ، فنزلت الآيات: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٤] وكما في الآية التي هي قبل أواخر السورة: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧].
ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل, فمن قال خيراً وعمل خيراً قبل منه, ومن قال خيراً وعمل شراً لم يقبل منه, ليس الإيمان كلمة تقال باللسان, ليس الإيمان زعماً يدعى, ولكن الإيمان حقيقة ذات تكاليف، وأمانة ذات أعباء: لا تقولوا آمنا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا، أي: استسلمنا وأذعنا وانقدنا خوفاً من القتل والسبي: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] أي: لم يستحكم الإيمان بعد في قلوبكم.
стр. 895
الفرق بين الإسلام والإيمان
وهكذا أيها الأحباب: تعلمنا هذه الآية الكريمة أن هناك فرقاً كبيراً بين الإسلام والإيمان، فأعيروني القلوب والأسماع؛ لأن هذه المسألة مسألة عظيمة من مسائل معتقد أهل السنة والجماعة , ما الفرق بين الإسلام والإيمان؟ مسألة جليلة زلت فيها الأقدام، وضلت فيها الأفهام، إلا من رحم الله جل وعلا, نسأل الله جل وعلا أن يجعلني وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
وبدايةً -نضرع إليه- قبل أن نشرع بالتفصيل لهذه المسألة وما يتعلق بها من مسائل أخرى, نضرع إلى الله أن يرزقنا الصواب والتوفيق والسداد لمعرفة الفرق بين الإسلام والإيمان!
стр. 896
الإسلام ومعناه إجمالاً
سألخص لكم -أحبتي في الله- مذهب أهل السنة والجماعة في ذلك: أولاً: اعلموا أن دين الله الذي أنزل به كتبه, وبعث به رسله ورضيه لأهل سماواته وأرضه هو الإسلام: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥].
هذا الإسلام العظيم قولٌ وعمل, قول باللسان وبالقلب، وعمل باللسان وبالقلب، وبالجوارح.
أولاً: قول اللسان, وهو النطق بالشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ , والأدلة على ذلك من القرآن والسنة كثيرة -ولله الحمد والمنة- كما في قول الله جل وعلا في سورة البقرة: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة:١٣٦]، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠] إلى آخر الآية.
وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى) , هذا عن قول اللسان.
ثانياً: قول القلب: وهو التصديق والإيقان وعدم الشك كما في الآية التي معنا في سورة الحجرات: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥] وكما في قول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر:٣٣] وكما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم من حديث معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما من أحدٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار) هذا عن قول القلب.
ثالثاً: عمل اللسان والجوارح معاً: كتلاوة القرآن، وذكر الله جل وعلا، والتسبيح، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والجهاد، وسائر الطاعات التي لا تؤدى إلا بالجوارح والأعضاء, كما في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الأحزاب:٤١ - ٤٢] وكما في قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج:٧٧ - ٧٨] هذا عن عمل اللسان والجوارح.
رابعاً: عمل القلب: وهو النية، والإخلاص، والتوكل، والإنابة، والانقياد، والمحبة، والتفويض، والرجاء إلى آخر الأعمال التي لا تؤدى إلا بالقلب.
هذا هو عمل القلب.
وبالجملة: فإن القلب هو الأصل، وهو الملك، ولو استقام هذا الملك لاستقامت الجنود والرعايا, وإذا صلح القلب صلح البدن كله، وإذا فسد القلب فسد البدن كله, كما في حديث النعمان بن بشير الذي رواه البخاري ومسلم وفيه: أنه ﷺ قال: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله, وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب).
إذاً: الإسلام قول وعمل، قول باللسان وبالقلب، وعمل باللسان وبالقلب وبالجوارح.
стр. 897
الإسلام لغة وشرعاً وشموليته حال الانفراد
ثانياً: الفرق بين الإسلام والإيمان: أعيروني القلوب والأسماع! فإن هذا الباب من أهم أبواب عقيدة السلف - أهل السنة والجماعة - وهي: الفرق بين الإسلام والإيمان، أقول: إن هذا الباب قد ضلت فيه الأفهام وقد زلت فيه الأقدام.
الفرق بين الإسلام والإيمان: أولاً: الإسلام: الإسلام لغة: هو الانقياد والإذعان, وإذا أطلق في الشريعة فله حالتان: الحالة الأولى: إذا أطلق لفظ الإسلام مفرداً دون أن يقترن بلفظ الإيمان فإن الإسلام حينئذٍ يراد به الدين كله؛ أصوله وفروعه من الاعتقادات والأقوال والأفعال, والأدلة على ذلك كثيرة من القرآن والسنة، منها قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] وقوله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] ومنها قول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥] وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨].
هذا هو الإسلام الذي إذا أطلق وحده فإنه يراد به الدين كله, وفي الحديث الذي يوضح ذلك المعنى أوضح بيان وهو الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده والطبراني في الكبير , وقال الإمام الهيثمي في المجمع رجاله ثقات، من حديث عمرو بن عبسة ﵁ أن رجلاً قال: يا رسول الله ما الإسلام؟ فقال ﷺ : (أن يسلم قلبك لله، وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك, فقال الرجل: وأي الإسلام أفضل؟ فقال ﷺ : الإيمان, قال: وما الإيمان؟ قال: تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت).
стр. 898
خصوصية الإسلام حال الاقتران بالإيمان
وهكذا أيها الأحباب نرى أن النبي ﷺ قد جعل الإيمان جزءاً من أجزاء الإسلام في هذا الحديث، في الوقت الذي يطلق فيه لفظ الإسلام مفرداً من غير أن يقترن بلفظ الإيمان, وهكذا: إذا أطلق لفظ الإسلام وحده دون أن يقترن بلفظ الإيمان، فإن الإسلام في هذه الحالة يراد به الدين كله، أصوله وفروعه من الاعتقادات والأقوال والأفعال.
وهذه هي الحالة الأولى لمرتبة الإسلام.
الحالة الثانية: إذا أطلق لفظ الإسلام مع لفظ الإيمان، فإن الإسلام في هذه الحالة يراد به الأقوال والأعمال الظاهرة, كما في الآية في سورة الحجرات في قول الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً﴾ [الحجرات:١٤] ويوضح ذلك أيضاً أوضح بيان الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (أعطى النبي ﷺ من الصدقات رهطاً وأنا جالس عنده وترك النبي رجلاً -وقد وضحت الأحاديث الأخرى هذا الرجل وسمته وهو رجل من المهاجرين يقال له: جعيل , كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح - هو أعجبهم إليّ يقول سعد: فقلت: مالك عن فلان يا رسول الله؟ -أي: لماذا لم تعط فلاناً يا رسول الله؟ - والله إني لأراه مؤمناً, فقال النبي ﷺ : أو مسلماً، يقول سعد: فسكت، ثم غلبني ما أعلم من الرجل, فقمت وقلت: يا رسول الله: ما لك عن فلان؟ والله إني لأراه مؤمناً, فقال الرسول ﷺ : أو مسلماً, يقول سعد: فسكت، ثم غلبني ما أعلم من الرجل فعدت وعاد رسول الله ﷺ ثم قال: يا سعد! والله إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليّ منه، خشية أن يكبه الله في النار).
ويوضح ذلك أيضاً أوضح بيان حديث جبريل ﵇، والذي رواه مسلم وغيره من حديث عمر بن الخطاب ﵁ أن جبريل لما جاء وسأل النبي ﷺ وقال: (يا محمد: أخبرني عن الإسلام؟ قال ﷺ : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً, قال: صدقت -يقول عمر راوي الحديث-: فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره) إلى آخر هذا الحديث المبارك.
وهكذا أيها الأحباب: يتضح لنا أن الإسلام إذا أطلق مع الإيمان فإن الإسلام في هذه الحالة يراد به الأعمال والأقوال الظاهرة: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤].
وهذه هي الحالة الثانية لمرتبة الإسلام.
إذاً: عرفنا الآن الإسلام إذا أطلق مفرداً, وعرفنا الإسلام إذا قرن بالإيمان, الإسلام إذا قرن بالإيمان فيراد بالإسلام حينئذٍ الأقوال والأعمال الظاهرة.
стр. 899
مدلول الإيمان لغة وشرعاً
ثانياً: مرتبة الإيمان: أولاً: الإيمان لغة: هو التصديق, كما قال إخوة يوسف لأبيهم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف:١٧] أي: وما أنت بمصدق لنا.
أما إذا أطلق الإيمان في الشريعة فله -أيضاً- حالتان:
стр. 900
عموم الإيمان حال انفراده
الحالة الأولى: إذا ذكر لفظ الإيمان مفرداً، دون أن يقترن بلفظ الإسلام, فالإيمان في هذه الحالة شأنه كشأن الإسلام يراد به الدين كله، أصوله وفروعه من الاعتقادات والأقوال والأفعال -كما قلت ذلك في معنى الإسلام إذا أفرد- والدليل على ذلك من القرآن قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٢ - ٤].
وكما في قول الله جل وعلا: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة:٢٥٧] ويوضح ذلك المعنى أوضح بيان حديث وفد عبد القيس الذي رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس ﵄، لما وفَدَ وفْد عبد القيس على رسول الله ﷺ أمرهم الرسول بالإيمان، وقال لهم: (أتدرون ما الإيمان؟ قالوا: الله ورسوله أعلم, قال ﵊: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمساً من المغنم).
هذه هي أركان الإسلام التي حفظناها يبينها النبي ﷺ ويجعلها أركاناً للإيمان في هذا الحديث؛ لأن الإيمان أطلق وحده دون أن يقترن بذكر الإسلام، فهو حينئذٍ يراد به أيضاً الدين كله؛ أصوله وفروعه من الاعتقادات والأقوال والأفعال, ويوضح ذلك -أيضاً- أوضح بيان الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (الإيمان بضع وستون شعبة، أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان).
وهكذا أيها الأحباب: اعلموا جيداً أن هذا هو الذي قصده سلفنا الصالح حينما يذكرون في كتبهم: إن الإيمان اعتقاد وقول وعمل, وأن الأعمال تدخل جميعها تحت مسمى الإيمان, ولقد أنكر علماء أهل السنة والجماعة إنكاراً شديداً على من أخرج الأعمال من مسمى الإيمان، وهذا هو الذي أراده الإمام البخاري ﵀ في الصحيح، حيث بوب في صحيحه أبواباً تحت هذا العنوان باب أمور الإيمان ثم قال: باب الصلاة من الإيمان باب الحياء من الإيمان, باب اتباع الجنائز من الإيمان, باب حب الرسول من الإيمان وهكذا.
فإن علماء السلف أنكروا إنكاراً شديداً على من أخرج الأعمال من مسمى الإيمان, فإذا قرأت لعالم من علماء السلف كـ أبي حنيفة مثلاً، الذي لم يُفهَم قوله أنه يقول: بأن الإيمان اعتقاد وقول وعمل, فاعلم علم اليقين بأنهم يدخلون جميع الأعمال في مسمى الإيمان، والإيمان يقصد به في هذه الحالة الدين كله، أصوله وفروعه من الاعتقادات والأقوال والأفعال.
وكان عمر بن عبد العزيز ﵁ يرسل إلى الأمصار ويقول: [إن الإيمان فرائض وشرائع، فمن استكملها فقد استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان] رواه البخاري تعليقاً.
هكذا أيها الأحباب إذا أطلق لفظ الإيمان وحده، دون أن يقترن بلفظ الإسلام، فإن الإيمان في هذه الحالة يراد به الدين كله.
هذه هي الحالة الأولى لمرتبة الإيمان.
стр. 901
خصوص معنى الإيمان عند الاقتران
الحالة الثانية لمرتبة الإيمان: إذا ذكر لفظ الإيمان مقترناً بلفظ الإسلام، فإن الإيمان في هذه الحالة يراد به الاعتقادات الباطنة, ويوضح ذلك أوضح بيان الحديث الذي رواه أحمد وأبو يعلى والبزار وابن أبي شيبة وقال الإمام الهيثمي: رجاله رجال الصحيح إلا علي بن مسعدة، وقد وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه آخرون من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الإسلام علانية والإيمان في القلب).
ويوضح ذلك أيضاً أوضح بيان الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي وأحمد وابن حبان والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأقره الذهبي؛ أن النبي ﷺ دعا في دعاء الجنازة وقال: (اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام, ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان).
وهكذا -أيها الأحباب- إذا ذكر لفظ الإيمان مع الإسلام؛ فإن الإسلام يراد به الأعمال الظاهرة، والإيمان يراد به الأعمال الباطنة.
وهكذا أستطيع أن أقول بأنني لخصت لكم مذهب أهل السنة والجماعة وأقوال سلفنا الصالح في هذه المسألة العظيمة، التي خالف بها أهل السنة والجماعة جميع الفرق التي فرطت غاية التفريط، من أمثال الخوارج والكراميّة والمعتزلة والأشاعرة والمرجئة وغيرهم, ومذهب أهل السنة هو الحق وهو المذهب الوسط بوسطية هذه الأمة, نسأل الله أن يتوفانا وإياكم عليه.
стр. 902
زيادة الإيمان ونقصانه وتفاضل أهله فيه
يبقى لنا بعض المسائل التي تتعلق بهذا الباب والتي هي من أصول معتقد سلفنا الصالح: ثالثاً: أيها الأحباب! من هذه المسائل: أن الإيمان يزيد وينقص.
يزيد الإيمان بالطاعات، وينقص بالذنوب والزلات, هذا أصل عظيم من أصول مذهب أهل السنة والجماعة، كما قال ربنا جل وعلا في قوله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤] وكما قال ربنا جل وعلا في سورة الأنفال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] والآيات في ذلك كثيرة ولله والحمد والمنة.
ويوضح هذا الأصل أوضح بيان الحديث الذي رواه مسلم من حديث حنظلة الأسيدي ﵁، وهو من كُتَّاب رسول الله ﷺ , قال حنظلة: لقيني أبو بكر ﵁ فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ فقال حنظلة: نافق حنظلة يا أبا بكر , قال: سبحان الله! ما تقول؟! فقال حنظلة: يا أبا بكر: نكون عند رسول الله ﷺ فيذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا نراها رأي العين, فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيراً, قال أبو بكر: والله إنا لنلقى مثل هذا, يقول حنظلة: فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ ، فقلت: نافق حنظلة يا رسول الله! فقال ﷺ : (وما ذاك؟ فقال حنظلة: يا رسول الله: نكون عندك فتذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا نراها رأي العين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات ونسينا كثيراً، فقال ﷺ : والذي نفس محمد بيده لو تدومون على ما تكونون عليه عندي لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي الطرقات, ولكن يا حنظلة ساعة وساعة) وكررها النبي ﷺ ثلاث مرات.
وهكذا يوضح هذا الحديث توضيحاً لا لبس فيه ولا غموض أن الإيمان يزيد بالطاعات وفي وقت الطاعات، وينقص بالذنوب والزلات, نسأل الله أن يزيد إيماننا وإيمانكم بالطاعات إنه ولي ذلك ومولاه وهو على كل شيء قدير!
стр. 903
تفاضل أهل الإيمان
تبقى لنا مسألة أخيرة من المسائل الهامة التي تتعلق بهذا الباب أيضاً، ألا وهي: تفاضل أهل الإيمان.
والمقصود: أن أهل الإيمان يتفاوتون فيما بينهم بحسب درجة الإيمان في قلوبهم؛ فأعلاهم منزلة أولو العزم من الرسل، وأدناهم المخلطون من أهل التوحيد الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً, وبين هاتين الدرجتين من الدرجات ما الله جل وعلا به عليم, فإن أهل الإيمان يتفاضلون ويتفاوتون.
بل إنهم ليتفاضلون ويتفاوتون في العمل الواحد، وفي المكان الواحد، والوقت الواحد، انظروا مثلاً إلى صلاة الجماعة في مسجد واحد، وفي وقت واحد، وخلف إمام واحد، وبين هؤلاء من الدرجات كما بين السماء والأرض، كما قال إمامنا ابن القيم رحمه الله تعالى: فهذا -مثلاً- يرى الصلاة قرة عين؛ يتمنى أن لو طالت الصلاة, وآخر يحس أنه في أضيق سجن -والعياذ بالله- ويتمنى أن لو انتهت الصلاة كلمح البصر, وآخر من نفس الجماعة، ومن نفس الصفوف تخرج صلاته منيرة مضيئة حتى تفضي إلى عرش الرحمن جل وعلا، وآخر تخرج صلاته مظلمة كظلمة القبر والعياذ بالله, وآخر يقف بجسده في الصلاة وقلبه يهيم في كل واد؛ حتى لا يدري أقرأ الفاتحة جالساً أم قرأ التشهد قائماً, وآخر يقف في الصلاة وهو يفكر هنا وهناك ولا حول ولا قوة إلا بالله، وآخر يأتي الصلاة نفاقاً ورياءً والعياذ بالله, والكل يقف في مسجد واحد، وفي فرض واحد، وخلف إمام واحد، وبينهم من التفاوت والدرجات ما الله جل وعلا به عليم, وعلى هذا التفاوت يموت الناس, وعلى هذا القدر يبعثون، وعلى هذا القدر يكونون في العرق في يوم الموقف, وعلى هذا القدر تقسم الأنوار على الصراط, وعلى هذا القدر يتسابقون إلى الجنات, بل وعلى هذا القدر من الإيمان تكون مقاعدهم من رب الأرض والسماوات في يوم المزيد: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة:٤] هذه قاعدة هامة من قواعد أهل السنة والجماعة.
وأستطيع أن أقول: بأننا والحمد لله جل وعلا وبتوفيق منه وفضل قد وفينا هذا الباب في قوله ﵎: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [الحجرات:١٤].
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 904
فضل الله علينا بالإيمان
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على نبينا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم, أما بعد: أيها الأحباب: هكذا تعرفنا على الفرق بين الإسلام والإيمان، وعلى بعض المسائل التي تتعلق بهذا المبحث وهذا الباب، وهي من أهم معتقد سلفنا الصالح، ومن أهم معتقد مذهب أهل السنة والجماعة , نسأل الله جل وعلا أن يتوفانا وإياكم عليه، إنه ولي ذلك ومولاه وهو على كل شيء قدير! ولما أخبر الله الأعراب بأن الإيمان لم يستحكم بعد من قلوبهم، جاءوا مرة ثانية إلى رسول الله ﷺ يحلفون ويقسمون بالله إنهم من المؤمنين الصادقين، فرد الله جل وعلا عليهم، وقال: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ [الحجرات:١٦]؛ قل أتخبرون الله بما في قلوبكم، والله جل وعلا يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ﴾ [الحجرات:١٦ - ١٧].
إن الفضل لله جل وعلا الذي منَّ عليكم بالإيمان والإسلام من غير اختيار منكم ومن غير إرادة: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) والحديث رواه البخاري من حديث أبي هريرة ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧] , والله لو شكرتم الله الليل والنهار فلن تكافئوا هذه النعمة أبداً، نعمة الإيمان ونعمة الإسلام: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم:٣٤] وصدق من قال:
ومما زادني شرفاً وفخرا وكدت بأخصمي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا
﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحجرات:١٧ - ١٨].
أسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا، أن يرزقنا وإياكم إيماناً صادقاً، اللهم اجعلنا من المؤمنين الصادقين, اللهم ارزقنا لساناً ذاكراً، وقلباً شاكراً، وجسداً على البلاء صابراً, اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع, ومن دعوة لا يستجاب لها, اللهم قيِّض لأمة التوحيد أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، أنت ولي ذلك ومولاه وأنت على كل شيء قدير.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين, اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك, اللهم وفق ولاة الأمر لما تحبه وترضاه.
هذا وأكثروا من الصلاة والسلام على نبينا وحبيبنا محمد كما أمركم الله جل وعلا بذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلَّ وسلم وزد وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
هذا وما كان من توفيق فمن الله جل وعلا وحده، وما كان من خطأ أو سهوٍ أو زللٍ أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء, وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويلقى به في النار، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
стр. 905
مهلاً يا دعاة الهزيمة !!
لقد هزمت الأمة ونكبت بنكبات كثيرة وخطيرة، وفي هذه المادة يتحدث الشيخ عن نكبة وهزيمة هي من أشد وأخطر الهزائم والنكبات على الأمة الإسلامية، ألا وهي: الهزيمة النفسية في الوقت التي فقدت فيه الأمة جل مقومات النصر، وقد تحدث عن هذه الهزيمة في عدة نقاط ابتدأها باستعراض أعراض الهزيمة، ومناقشتها مناقشة جادة، ثم ذكر أسبابها وذيلها بالعلاج.
стр. 906
الهزيمة النفسية التي أصابت الأمة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، اللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الأحبة الكرام، وسامحوني فلقد أفسدت عليكم هذه الجلسة الطيبة المباركة، فوالله لا أرى في نفسي أن أجلس في هذا المجلس خلفاً لشيخنا/ مبارك أبي إسحاق، أسأل الله عزوجل أن يحفظه، وأن يسدد رميته، وأن يفتح بينه وبين قومه بالحق، وأن يبارك فيه وفي ولده، وأن يجعلهم قرة عينٍ له في الدنيا والآخرة، وأن يحفظ دعاة الإسلام الصادقين، وأن يتقبل منا وإياكم جميعاً صالح الأعمال إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أيها الأحبة! هذا قدركم فاحمدوا الله على هذه المصيبة.
"مهلاً يا دعاة الهزيمة" موضوع خطير، وعنوان جميل، وليسمح الشيخ أن أنسج بنفس خيوطه، وأن أسير على ذات الدرب، والله أسأل أن يجعلنا وإياكم جميعاً من الصادقين.
أيها الأحبة: لقد هزمت الأمة ونكبت بنكبات كثيرة وخطيرة، ومع ذلك فإن أخطر هزيمة هزمت بها ونكبت بها الأمة هي الهزيمة النفسية؛ لأن الأمة كانت مع كل هزيمة من هذه الهزائم تملك كل مقومات النصر من إيمانٍ صادق، وثقة في الله عزوجل، واعتزاز بهذا الدين، أما اليوم فإن الأمة هزمت هزيمة نفسية نكراء في الوقت الذي فقدت فيه جلَّ مقومات النصر، ضعفت العقيدة -هذا مع حسن الظن- ضعفت الثقة في الله، ضعفت الثقة في نصر الله عزوجل، بل إن العقيدة الآن تذبح شر ذبحة على أيدي الكثيرين ممن ينتسبون إليها، كانت العقيدة بالأمس إذا مس جانبها سمعت الصديق يتوعد والفاروق يهدد ويأمر الصحابة، فيتحرك الجميع ويبذل من أجل العقيدة النفوس والمهج والأموال والأرواح، أما اليوم فإن العقيدة تذبح شر ذبحة؛ ففقدت الأمة جلَّ مقومات النصر مع هزيمة نفسية مدمرة؛ فوقعت في هذا الواقع المر الأليم الذي تحياه وهو معلوم للقاصي قبل الداني، وللصغير قبل الكبير.
стр. 907
أعراض الهزيمة النفسية التي أصيبت بها الأمة الإسلامية
لا شك -أيها الإخوة- أن لهذه الهزيمة النفسية أعراضاً وأسباباً وعلاجاً، فقف معي في هذه النقاط المحددة، ما هي أهم أعراض هذه الهزيمة؟ وما هي أسبابها؟ وما هي خطوات العلاج؟
стр. 908
تنحية الشريعة وتحكيم القوانين الوضعية
أولاً: لا شك أن أخطر عرض من أعراض الهزيمة النفسية التي نكبت بها الأمة في هذا العصر الحديث هو تنحية الشريعة الربانية وتحكيم القوانين البشرية، أخطر عرض بلا منازع، لم يتصور أحد من أئمة السلف الذين قالوا: كفر دون كفر أن ترمى الشريعة في يوم من الأيام بالجمود، أو الرجعية، أو التخلف، أو القصور، أو عدم القدرة على مسايرة روح العصر أو المدنية العصرية الحديثة، أبداً ما شهدت الأمة رمياً للشريعة بالكلية كما تشهده الآن من تنحية الشريعة الربانية وتحكيم القوانين البشرية من صنع المهازيل من خلق الله؛ وهذا أخطر عرض للانهزام النفسي الداخلي، ما كان لمسلم أبداً أن يتصور ذلك، والله يقول: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] فالأيام دول، ولا شك أن الدولة الآن للغرب الذي كسب الجولة الأخيرة بلا منازع، ومن عادة المغلوب أن يحاكي المنتصر في كل شيء، من عادة المهزوم نفسياً أن يقلد المنتصر الغالب في كل شيء، فذهبت الأمة المهزومة عسكرياً واقتصادياً واجتماعياً ونفسياً تقلد الغرب الذي انتصر وكسب الجولة الأخيرة؛ حتى خرج علينا من بني جلدتنا من يقول بالحرف: لقد عزمنا على أن نأخذ كل ما عند الغربيين حتى الالتهابات التي في رئتهم والنجاسات التي في أمعائهم، انهزام خطير جداً، لقد عزمنا على أن نأخذ كل ما عند الغربيين، نحن لا ننكر أن تنقل الأمة أروع ما وصل إليه الغرب في الجانب المادي ما لم يصطدم بعقيدتنا وأخلاقنا وديننا، لا ننكر ذلك ألبتة، لكن بكل أسف تركت الأمة أروع ما وصل إليه الغرب من تكنيكٍ علمي مذهل في الجانب المادي -ونحن لا ننكر ذلك على الإطلاق- وذهبت لتنقل أعفن وأقذر وأحط ما وصل إليه الغرب في الجانب العقدي والأخلاقي والروحي، كما قال الصادق الذي لا ينطق عن الهوى والحديث مخرج في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضبٍ لتبعتموهم، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟!) ذابت الأمة في بوتقة الغرب المنتصر في هذه الجولة، والذي أصبح إلهاً يعبد لدى الكثيرين من الناس، بل ممن ينتسبون إلى الدين.
ولله در القائل:
قالوا لنا الغرب قلت صناعة وسياحة ومظاهراً تغرينا
لكنه خاوٍ من الإيمان لا يرعى ضعيفاً أو يسرّ حزيناً
الغرب مقبرة المبادئ لم يزل يرمي بسهم المغريات الدينا
الغرب مقبرة العدالة كلما رفعت يدٌ أفدى لها السكينا
الغرب يكفر بالسلام وإنما بسلامه الموهوم يستهوينا
الغرب يحمل خنجراً ورصاصة فعلامَ يحمل قومنا الزيتونا
كفر وإسلام فأنى يلتقي هذا بذلك أيها اللاهونا
أنا لا ألوم الغرب في تخطيطه لكن ألوم المسلم المفتونا
وألوم أمتنا التي رحلت على درب الخضوع ترافق التنينا
وألوم فينا نخوة لم تنتفض إلا لتضربنا على أيدينا
ظنت الأمة المسكينة أنها بتنحيتها لشريعة الملك المحكمة المطهرة التي ضمن الله بها السعادة للبشرية كلها في الدنيا والآخرة أنها ستنجح ظنت الأمة المسكينة التي استبدلت بالعبير بعراً، وبالثريا ثرى، وبالرحيق المختوم حريقاً محرقاً مدمراً، ظنت أنها بتمحيص شريعة الله المحكمة وبتحكيم القوانين الغربية الوضعية البشرية أنها قد ركبت قوارب النجاة وسط رياح هوجاء متلاطمة؛ فخابت الأمة وخسرت وغرقت وأغرقت، ولا زالت الأمة تجني ثمار الخسران والضياع والهوان مصداقاً لقول الله عزوجل: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٤].
عرض خطير وهو في نظري أخطر أعراض الهزيمة النفسية، أن تصل الأمة إلى حالة من الذل والعار والهوان والاستسلام إلى أن تنحي شريعة الرحمن جل وعلا، وأن تحكم في الأعراض والأموال والدماء والفروج القوانين الوضعية الفاجرة من وضع المهازيل من خلق الله، من العلمانيين والشيوعيين، والديمقراطيين والساقطين، والراقصين والرويبضة على ظهر أرض رب العالمين، وصدق سيد النبيين ﷺ إذ يقول والحديث رواه أحمد والحاكم وصححه الألباني: (سيأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل: وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة) فوالله لم يعد التافهون يتكلمون في أمر العوام بل تطاول التافهون اليوم على أمر الإسلام.
стр. 909
اليأس من إمكانية التغيير
ثانياً: العرض الثاني من أعراض الهزيمة النفسية كما نرى: اليأس من إمكانية التغيير، ترى هذا العرض قد تمكن من غالب المسلمين، أصبحت ظاهرة أن تسمع الإرجاف في كل مكان، وأن تسمع نغمة اليأس القاتلة، لا فائدة، لن يستمع إليك أحد، أنت تؤذن في خرابة، أنت تنفخ في قربة مقطوعة، لن تغير الكون.
لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي
ولو ناراً نفخت بها أضاءت ولكن أنت تنفخ في رمادي
يا شيخ! لا تتعب نفسك، لا تتكلم.
وهذا إرجاف ويأس قاتل من إمكانية تغيير هذا الوضع؛ حتى أصبحت هذه الكلمات معتقداً لكثير من المهزومين نفسياً في مجتمعات المسلمين (لا فائدة) وقد شخص المصطفى ﷺ هذه النفسيات المهزومة تشخيصاً دقيقاً كما في صحيح مسلم أنه ﷺ قال: (إذا قال الرجل: هلك الناس فهو أهلكَهم، أو فهو أهلكُهم) بالضم والفتح، والضم أشهر كما قال النووي: (فهو أهلكُهم) أي: فهو أشد الناس هلاكاً، أو (فهو أهلكَهم) أي: هو الذي حكم عليهم بالهلاك وليسوا كذلك.
وقال النووي رحمه الله تعالى: (من قال ذلك على سبيل الازدراء والتحقير للناس مع إعجابه بنفسه فهذا مذموم، أما من قال ذلك لما يرى في نفسه وللمسلمين من تقصير فلا بأس بذلك" هذا تأصيل هام جداً، لا بد أن يفهم من خلاله حديث النبي ﷺ : (إذا قال الرجل: هلك الناس، فهو أهلكَهم، أو فهو أهلكُهم) وترى هذه النغمة تتردد على ألسنة غالب المسلمين: أنه لا فائدة، واقبل سياسة الأمر الواقع، إسرائيل حقيقة واقعة ينبغي أن نتعامل معها على أنها أصبحت واقعاً لا مراء فيه، وينطلق المفاوض -زعموا- من هذه الهزيمة النفسية فيأخذ على أم رأسه النعال من أذل وأحقر وأنجس أمم الأرض من إخوان القردة والخنازير.
стр. 910
الدفاع عن الإسلام كمتهم في قفص الاتهام
العرض الثالث من أعراض الهزيمة النفسية: الدفاع عن الإسلام كمتهم في قفص اتهام، فالغرب يثيرون ثورات ضارية من آن إلى آخر بل في كل آن على الإسلام، ويثيرون عليه الشبهات والشكوك الكثيرة: الإسلام دين انتشر بحد السيف، الإسلام ظلم المرأة، فالزوج سجان قاهر والبيت سجن مؤبد، والأمومة تكافؤ حيواني، ولماذا تزوج الرسول بتسع؟ ولماذا يتزوج المسلم بأربع؟ ولماذا حرم الإسلام الاختلاط؟ ولماذا حرم الإسلام الخلوة؟ ولماذا فرض الإسلام الحجاب على المرأة؟ شبهات يثيرها الغرب وأعداء الإسلام من آن إلى آخر، فينبري فريق من المسلمين للرد على هذه الشبهات من منطلق: أن الإسلام فعلاً متهم في قصف اتهام، وهو في أمس الحاجة إلى أن ينصب لنفسه محامياً بارعاً ليدافع عنه، فتأتي الردود من هذا الباب هزيلة ضعيفة، لا يرد هذا الذي تولى الرد بعزة واستعلاء وبعقيدة وبثقة الإيمان كلا.
ولكنه يرد من باب أن الإسلام متهم وهو في قفص اتهام، وهو يريد أن يفتح له هذا الباب فيتكلم بضعف وبخنوع، والله يقول: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الكهف:٢٩] بمنتهى القوة والعزة والاستعلاء: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩] فتأتي الردود هزيلة لا تقوى ولا تصلح أبداً، سألتقط بعض هذه الردود لبعض الأعداء مرة أخرى ليأخذوا منها خيطاً لينسجوا على غراره أو من جنسه كلاماً أخطر وأدهى، فترى واحداً من هؤلاء يقول: لقد قال الشيخ فلان كذا وكذا، وقال الشيخ فلان كذا وكذا، ويخدع البسطاء، وأرى أنه من الجفاء أن أذكر هذا العرض الخطير ولا أذكّر بذاك المظهر المنير، فلا يحلو لي أن أسميه عرضاً ذلكم الموقف الذي يتألق عزة وثقة واستعلاء، إنه موقف ربعي بن عامر كلكم يحفظه ويعرفه، فوالله إننا في أمس الحاجة أن نستمع إليه كل لحظة، وأن نربي أبناءنا عليه، ربعي الذي دخل على رستم بمنتهى العزة والاستعلاء، وكلكم يعرف كيفية دخول ربعي، أرادوا أن يمنعوه ليدخل على قائد الجيوش الكسراوية الكبير، ليدخل عليه ربعي على قدميه، فأبى إلا أن يدخل على ظهر جواده، دعك من هذا وانظر إلى الحوار والكلمات والاستعلاء والعزة والثقة، وانظر إلى النصر المعنوي النفسي قبل كل ذلك.
يقول رستم: من أنتم؟ وما الذي جاء بكم؟ فيرد ربعي: [نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، أرسلنا الله بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل منا قبلنا منه، ومن أبى وحال بيننا وبين دعوة الناس لدين الله؛ قاتلناه حتى نفضي إلى موعود الله؟].
قال رستم: وما موعود الله؟ قال ربعي: الجنة لمن مات شهيداً، والنصر لمن بقي منا على ذلك.
فقال رستم: لقد سمعت مقالتكم، فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر لتنظروا فيه ولننظر فيه؟ قال ربعي: لا.
قال: ولم؟ قال: لقد سن لنا رسول الله ﷺ ألا نؤخر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث، فانظر في أمرك وأمرهم، واختر الأعلى لنفسك واحدة من ثلاث.
قال: ما هي؟ قال ربعي: إما الإسلام، وإما الجزية، وإمام القتال.
فقال رستم: أسيدهم أنت؟ أنت القائد؟ قال: لا.
ولكن المسلمون كالجسد الواحد يجير أدناهم على أعلاهم.
انظر إلى الاستعلاء، ثقة العزة التي فقدت الآن، ترى الواحد من هؤلاء في بلاد الكفر يمثل دولة، بل إن شئت فقل: يمثل أمة يتكلم وفي مجلسه تشرب الخمور ويستحي أن يقول: هذا حرام، بل والله لست مبالغاً إن قلت: يستحي ألا يمد يده ليدٍ آثمة تمتد إليه بكأس خمر حتى لا يتهم بأنه رجعي متخلف لا يفهم عن (الإيتيكيت) أي شيء، قمة الهزيمة، يستحي المسلم أن يقول: هذا حلال وهذا حرام، هذا حق وهذا باطل، هذه سنة وهذه بدعة، والسبب أنه مهزوم.
стр. 911
الخوف والحياء من إظهار الهوية المسلمة
سبحان الله! يستحي المسلم في بلاد الغرب أن يظهر هويته، وهذا عرض رابع من أخطر الأعراض: الخوف من إظهار الهوية المسلمة، يخشى المسلم أن يظهر هويته، بل يستحي أن يلبس -مثلاً- القميص، يستحي أن يقول لأي موقف أو عن أي موقف يخالف الشريعة، هذا لا يصح عندنا، وهذا حرام في ديننا، يخشى أن يتهم بالتطرف والإرهاب والجمود والرجعية وضيق الفهم وقلة الأفق، إلى آخر هذه الدعاوى التي يغني بطلانها عن إبطالها أصلاً لدى كل مسلم يفهم شيئاً من دين الله عزوجل، سبحان الله!! أقول لإخواني: حينما نسافر مثلاً إلى بلاد الغرب لماذا لا يصر كل واحد منا أن يظهر بهويته هذه، حتى ولو وضع طاقية على رأسه ليظهر بها أنه مسلم فقط، لاحظ أننا نرى اليهودي بأعيننا هنالك في أمريكا يصر على زيه ويلبس الطاقية السوداء الصغيرة أو القبعة، أو ينزل الضفائر على وجهه التي يسمونها بضفائر موسى، فيظهر هويته باستعلاء، بل يحرص اليهود أن يسكنوا أحياء خاصة بهم، بل ويحرص اليهود على أن يعلموا أبناءهم بالمدارس الخاصة بهم، بل وفي المستشفيات الخاصة بهم، بل وتعجبت حينما علمت أن سيارة الإسعاف التي تنقل المرضى لا يمكن لغير اليهودي أن يركبها أبداً، يعتز بدينه.
ولقد صدمت صدمة عظيمة، قدر الله أني كنت في أمريكا يوم أن أعلنت النتيجة بفوز نتنياهو، وصدمنا جميعاً بأول تصريح لهذا الرجل الذي يحترم نفسه وعقيدته ودولته وأمته ودينه، صرح تصريحاً خطيراً جداً، فقال: وأخيراً صوت اليهود للتوراة، أي: أعطى اليهود الصوت والأصوات للتوراة، ليس له كشخص، لا.
رجل معتز بعقيدته، يحترم دينه ونفسه، يعمل من أجل هذه العقيدة، ويبذل من أجلها كل شيء، في الوقت الذي تخلى فيها أصحاب الحق عن الحق الذي من أجله خلق الله السماوات والأرض والجنة والنار.
عرض آخر من أعراض الهزيمة النفسية: أن يخشى المسلم أن يظهر هويته أو يتحدث في بلادنا في بلاد المسلمين يخشى الآن كثيرٌ من الآباء أن يطلق الابن لحيته، أو أن تنتقب البنت، أو أن يذهب الولد إلى الجامعة وفي يده المصحف، أو أن يذهب إلى محاضرة للشيخ أبي إسحاق أو غيره، يخشى الوالد، لماذا؟ يقول: يا بني لا أريد أن تحضر مثل هذه الجلسات أو اللقاءات، ولا أريد لك لحية، ولا ولا، يخشى الوالد من أن يظهر الابن هويته الإسلامية، إن أظهرت الفتاة الآن هويتها أشاروا إليها بأصابع الاتهام؛ بالإرهاب، والتطرف، والأصولية، والوصولية، والفضولية، إلى آخر هذه التهم المعلبة التي تكال للملتزمين في الليل والنهار.
стр. 912
السلبية القاتلة في الدعوة إلى الله
عرض خامس وهو أيضاً من أكبر الأعراض للهزيمة النفسية: ألا وهو السلبية القاتلة في الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحمل هم هذا الدين بسلبية قاتلة، فجُلَّ المسلمين الآن لا همَّ لهم إلا أن يعيش لشهواته الحقيرة ونزواته الرخيصة، يبذل كل طاقة من أجل العرش والكرش والفرش، لا يحمل للدين هماً، ينظر إلى المنكر فيهز كتفيه ويمضي وكأن الأمر لا يعنيه، ينظر إلى مسلم لا يعرف شيئاً عن دين الله، يراه جاهلاً بالسنة فلا يفكر في أن يعلمه السنة بالحكمة والموعظة الحسنة والكلمة الرقراقة الرقيقة، لا يحمل للدين هماً ولا للدعوة هماً في قلبه، فراغه سلبياً، بل ربما يبرر لنفسه سلبيته ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥].
وقديماً خشي الصديق رضوان الله عليه هذه السلبية القاتلة على أفراد الأمة، فارتقى المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (أيها الناس! إنكم تقرءون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك الله أن يعمهم جميعاً بعقاب من عنده -وفي لفظ: إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك الله أن يعمهم جميعاً بعقاب من عنده- ثم يدعونه فلا يستجاب لهم) والحديث رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم، وصححه الشيخ الألباني.
نحن سمعنا: ركبوا سفينة واحدة -أيها الأخيار- إن نجت السفينة نجونا جميعاً، وإن هلكت هلكنا جميعاً، ولو كان على سطحها الصالحون كما في الصحيح من حديث النعمان بن بشير: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً حتى لا نؤذي من فوقنا، يقول المصطفى ﷺ : لو تركوهم وما أرادوا لهلكوا وهلكوا جميعاً، ولو أخذوا على أيديهم لنجوا ونجوا جميعاً) فلا تكن سلبياً يا أخي، ابذل المعروف ولو بكلمة، تحرك ليرى الله منك أن قلبك يحترق على أحوال الأمة وعلى أمر هذا الدين، على حال الدعوة، تحرك بكل ما تملك، ابذل أقصى ما في طاقتك ولست مسئولاً عن النتائج: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥] ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧] المهم أن تعمل.
ولم أر في عيوب الناس عيباً كنقص القادرين على التمام
أكبر عيب فيك أنك تستطيع أن تؤدي شيئاً ولكنك لا تريد أن تؤديه، ابذل وتحرك، سبحان الله! لعل الله أن يهدي على يديك بكلمة واحدة رجلاً إن رأى الله وعلم منك الصدق، لعلَّ الله أن يهدي على يد زوجتك التي علمتها امرأةً، المهم أن تبذل، وألا تكن سلبياً، تحرك للدعوة وتحرك للدين، فكر! كيف أخطط لدين الله؟ كيف أعمل لدعوة الله؟ أنت تخطط في الليل والنهار لتزيد الألف ألفاً، ولتحصل على العلاوة والمكافأة، ولتنشط في التجارة والعمل، وهذا خير، لكن كما تفكر للدنيا فكر للدين: (من كانت الدنيا همه؛ جعل الله فقره بين عينيه، وشتت الله عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له، ومن كانت الآخرة همه؛ جعل الله غناه في قلبه، وجمع عليه أمره، وأتته الدنيا وهي راغمة) والحديث صححه الشيخ الألباني بمجموع الطرق، وحسنه بعض أهل العلم من أهل الحديث.
فلا تنشغل على أمور الدنيا على طول الخط ولا تكن سلبياً، أريد أن أربي الأولاد، لن أغير الكون، دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله! بل هناك والله من يقول: دع ما لله لقيصر، أمرٌ عجب! يجب عليك أن تدعو إلى الله على قدر استطاعتك، يقول المصطفى ﷺ ، والحديث في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمرو: (بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) بل دعا النبي ﷺ لكل من حمل عنه بدقة وأمانة، فقال والحديث صحيح: (نضّر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع) ودعا النبي ﷺ لك بنضارة الوجه، بل وحملك النبي ﷺ هذه الأمانة الثقيلة، فقال والحديث في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه؛ وذلك أضعف الإيمان) لا عذر لك أمام الله، ولا عذر لك إن عجزت أن تغير بيدك فغير بلسانك، وإن كنت قادراً على أن تغير بيدك غير بيدك بالضوابط الشرعية المعلومة، والقول الذي يقول: التغيير باليد للحكام، وباللسان للعلماء، وبالقلب لعوام المسلمين، قول لا دليل عليه، بل يجب عليك إن كنت قادراً على أن تغير منكراً بيدك دون أن يترتب على المنكر ما هو أنكر فغير بيدك، ومن نفيس كلام ابن القيم رحمه الله تعالى في إعلام الموقعين يقول: لقد شرع النبي ﷺ لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإن كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه فهو أمر بمنكر وسعي في معصية الله ورسوله، ولقد كان النبي ﷺ يرى بـ مكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها، بل لما فتح الله عليه مكة وصارت مكة دار إسلام وعزم على هدم البيت ورده على قواعد إبراهيم لم يفعل ذلك مع قدرته على فعل ذلك؛ لأن قريشاً كانت حديثة عهدٍ بكفرٍ وقريبة عهدٍ بالإسلام، هذا هو فقه الإنكار، فقه الموازنة بين المفاسد والمصالح، لا تكن متهوراً أو جباناً، فإذا استشكل عليك الأمر فعد إلى المشايخ والعلماء، ولا تتعجل.
إذاً: إن عجزت أن تغير بيدك فبلسانك، سيقول العاجز: أنا أغير بلساني؟! لا أجيد الكلمة، لا أستطيع التعبير، وقد يسألني الآن طالب علم فيقول: ما صفة التغيير بالقلب؟ كيف أغير المنكر بقلبي؟ أقول: لا عذر لك أمام الله عزوجل، فيجب عليك أن تأخذ الأمر بجدية وأن تدع هذه السلبية، وأن تتحرك لتحمل هم دعوة خير البرية ﵌، فإن رأيت منكراً وكنت قادراً على أن تغيره بيدك بالضوابط المعلومة للجميع غيره، وإن عجزت فبلسانك، وأذكر أنني نبهت أحبابي في هذا المسجد المبارك قبل ذلك إلى أن يفرقوا بين مقامين؛ لأن الخلط بينهما يحدث إشكالاً أو إشكالات كثيرة ألا وهما: مقام الدعوة، ومقام الجهاد، لا تخلط بين المقامين؛ مقام الدعوة -أيها الحبيب- هو اللين من حرف الألف إلى حرف الياء، من أول خطوة على طريق الدعوة إلى آخر خطوة إن كنت تدعو كافراً فضلاً عن مسلم عاصٍ، فواجب عليك أن تحقق لهذا المقام ضوابطه وشروطه التي حددها الله جل وعلا ولم يدعها لداعية من الدعاة ليحددها بنفسه، فقال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] هذا مقام دعوة، وانظر إلى مقام القتال والجهاد: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:٧٣] هذا مقام قتال وجهاد، فلا تخلط بين المقامين؛ لأن هذا مقام قتال وليس مقام دعوة: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٤٣] وفرعون هو الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] الذي قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] والذي قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ [الزخرف:٥١] إلى آخره.
﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] هذا مقام الدعوة، لكن عندما يكون المقام مقام جهاد: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ [يونس:٨٨] فلا تخلط بين المقامين، فتحرك، فإن عجزت أن تغير بيدك غيرت بلسانك، فإن عجزت فبقلبك، وللقلب شرطان لتحقق الإنكار به: الشرط الأول: أن يرى الله عزوجل منك بغضك وكرهك لهذا المنكر.
الشرط الثاني: أن تترك المكان الذي يُرتكب فيه المنكر وأنت عاجزٌ عن تغييره بيدك أو بلسانك إن استطعت، والله يا شيخ! التلفاز حرام ومنكر، ويعطونا أفلام وهو جالس طوال الليل أمام التلفاز، لماذا لا تتحرك؟ أنت تقضي الليل كله على مشاهدة هؤلاء الساقطين وتأتي لتقول: هم يعرضون علينا المنكر، غير هذا المنكر بقلبك ليرى الله منك بغضه، احتراق قلبك على هذا المنكر الأليم، على هذه السفالة، ولا تجلس لتدنس نظرك وقلبك، فإن الفتن أول ما تعرض تعرض على القلوب؛ لقول الرسول ﷺ : (تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً) إلى آخر حديث حذيفة، فاحذر الفتن.
تريد أن تغير المنكر بقلبك بأن تبغض هذا المنكر، وأن تدع المكان الذي يرتكب فيه المنكر؛ لأنك لست قادراً على أن تغيره أو تبدله، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام:٦٨].
стр. 913
الأسباب الداخلية للهزيمة النفسية التي أصابت الأمة الإسلامية
لا أريد أن أطيل في الأعراض، فهي معلومة وكثيرة، لكن سوف ندخل مباشرة إلى أهم الأسباب، فمعرفة السبب نصف الدواء، ولذا سيسهل علينا بعد ذلك أن نحدد الدواء بإيجاز شديدٍ جداً، وبنقاطٍ لا تحتاج إلى شرح أو تفصيل.
الأسباب التي أدت إلى هذه الحالة من الانهزام النفسي تنقسم إلى قسمين: أسباب خارجية، وأسباب داخلية.
وأستهل الحديث بإيجاز بالأسباب الداخلية؛ لخطرها من وجهة نظري، فأنا أعتقد أن الخطر الحقيقي يكمن في الأسباب الداخلية، قال الله عزوجل: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥].
وأسباب الهزيمة النفسية الداخلية كثيرة:
стр. 914
ضعف الإيمان
أهمها وأولها: ضعف الإيمان عند غالب المسلمين.
فأخطر سبب داخلي للانهزام النفسي هو ضعف الإيمان عند غالب من الناس، رجل ضعيف في الإيمان، مهزوم من داخله، محال أن ينتصر على نفسه بعدما ضعف إيمانه في قلبه، فالإيمان ليس كلمة تقال باللسان فحسب، ولكن الإيمان: قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، وهو يزيد وينقص، ويقوى ويضعف، فاسمع إلى هذا الحديث الجميل الذي رواه أبو نعيم في الحلية والديلمي وصححه الشيخ الألباني أن النبي ﷺ قال: (ما من القلوب قلب إلا وله سحابة كسحابة القمر، بينا القمر مضيء إذ علته سحابة فأظلم، فإذا تجلت عنه أضاء) هل تدبرت معنى هذا الحديث؟ فالقلب تعتريه من آن لآخر سحب مظلمة من أثر المعاصي والذنوب، فتضعف الإيمان في القلب، فإذا انقشعت تلك السحب بالعودة والإنابة، والعمل الصالح والاجتهاد، والاستغفار والذكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة والنفقة والصلاة والتسبيح إلى آخره إذا انقشعت تلك السحب بهذا العمل الصالح يعود الإيمان مرة أخرى إلى قوته ويزداد، وهذا أصل من أصول أهل السنة: الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي والزلات، فأنا أتحداك أن يكون قلبك الآن كحال قلبك وأنت أمام مسلسل أو فيلم من الأفلام الهابطة، أبداً، إيمانك الآن في زيادة، فإذا وجدت نفسك في بيئة المعصية قلَّ إيمانك في قلبك، فالإيمان يزيد وينقص.
فضعف الإيمان من أخطر أسباب الهزيمة النفسية، إنسان ضعيف الإيمان، مهزوم لا يمكن أن يصمد لأي محنة أو لأي ابتلاء، ربما ترد ابنته المنتقبة العفيفة الشريفة من المدرسة للنقاب والعفة والشرف، فيعنفها ويوبخها، بل وربما يضربها، بل وربما مد يده ليسحب النقاب أو الغطاء عن وجهها، واقع نحياه ونشاهده ونسمعه، وإنا لله وإنا إليه راجعون، الأصل ضعف الإيمان في القلوب، وإذا أردت أن تقف على خطر حقيقة الإيمان، وما الذي يمكن أن يترتب على رسوخه في القلب من تغيير، إذا أردت ذلك فعد معي بسرعة إلى أصحاب النبي ﷺ لترى كيف حوّل الإيمان هؤلاء الرعاة للإبل والغنم إلى سادة وقادة للدول والأمم.
ماذا كنت تعرف عن أبي ذر؟ ماذا كنت تعرف عن بلال وعمر وخالد وابن مسعود وصهيب الرومي؟ ما الذي رفع قدر هؤلاء؟ إيمانهم برب الأرض والسماء، إنه الإيمان الذي صنع الأعاجيب، الإيمان الذي انطلق به هؤلاء الحفاة العراة الجياع على أعظم إمبراطوريات الأرض في فارس والروم فحولوها إلى كثيب مهيل، وأقاموا للإيمان دولة، فإذا هي بناء شامخ لا يطاوله بناء في فترة لا تساوي في حساب الزمن شيئاً على الإطلاق، إنه الإيمان الذي جعل هذا الرجل البدوي يترس على حبيبه النبي ﷺ ليجعل من ظهره حائط صدٍ منيع لتتحطم عليه السيوف والسهام والنبال والرماح، إنه الإيمان الذي جعل هذا البدوي العربي يحتضن النبي ﷺ في غزوة أحد ويدافع عنه وهو يقول: نحري دون نحرك يا رسول الله، إنه الإيمان، الإيمان يفعل الأعاجيب.
стр. 915
ترك الجهاد في سبيل الله
ثانياً: ترك الجهاد في سبيل الله، وأنا أعلم أن الحديث عن الجهاد تهمة يؤخذ صاحبها بالنواصي والأقدام، لكنه حق فترك الجهاد في سبيل الله من أخطر أسباب الذل والهوان والضعف والعار الذي شربته الأمة ألواناً وأشكالاً، هذا قول الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، والحديث رواه أبو داود في سننه وأحمد في مسنده من حديث ابن عمر وصححه الشيخ الألباني ومن أهل العلم من حسنه ومنهم من ضعفه، من باب الأمانة العلمية أقول، ولم أقف على الراجح من أقوالهم بعد، والشيخ أبو إسحاق يصححه جزاه الله خيراً: (إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، وتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل الله -ما النتيجة؟ - سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم) والله إنه الذل.
يا إخوة: أعتقد أنه لا يوجد الآن مسلم على ظهر الأرض عنده مسحة من عقل وبصيص من نور إلا وقد علم يقيناً أن جميع المحافل الدولية كمجلس الأمن وهيئة الأمم وحلف الأطلسي إلى آخر هذه المحافل لن تعيد لهذه الأمة المكلومة جراحها ولا دماءها وأرضها ومقدساتها، لن يعيد للأمة الجراح والأرض والمقدسات والعرض والشرف إلا إذا عادت الأمة من جديد إلى ربها وسنة نبيها، ورفعت لواء ذروة سنام هذا الدين.
بكل أسف! إذا تحدث الآن أحد عن الجهاد اتهم أنه يدعو للإرهاب والتطرف؛ لأن الإعلام لا بارك الله في القائمين عليه شوهوا صورة الجهاد المشرقة، ولذلك قامت قيامة الإعلام ولم تقعد لما نادى شيخ الأزهر في خبر بسيط جداً في زاوية من زوايا جريدة من الجرائد لما نادى بالجهاد في سبيل الله، وقال: إنه السبيل الوحيد الذي سنقاتل به اليهود.
سبب من أسباب الذل والهزيمة ترك الجهاد، أمة اثاقلت إلى الوحل والطين، وأنا ذكرت قبل ذلك على هذا المنبر في خطبة على البوسنة حينما قلت: إننا نرى الأمة الآن قد ضنت بالدعاء فهل ستجود بالأموال والدماء؟! اسأل نفسك! هل تدعو الله عزوجل لنصرة الدين في كل سجدة؟ هل تدعو الله عزوجل لإخوانك المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها في كل سجدة؟ سل نفسك! أنا أثق أننا لو قدمنا استمارة استبيان الآن وحددنا فيها هذا السؤال لوجدنا النتيجة مؤلمة، هذا في وسط الملتزمين فما ظنك بوسط الغافلين ولا حول ولا قوة إلا بالله.
يقول لي مدير مدرسة، مسؤل عن تربية نشء، يقول لي بعد مؤتمر صانعي السلام: أظن أنه الآن أيها الشيخ لا تستطيع أن تتكلم عن اليهود وعن غير اليهود، فهم أبناء عمومتنا وهم إخواننا، وينبغي أن نمد إليهم يد الصداقة، وقد قال فلان وفلان كذا وكذا.
يعني: عقيدة الولاء والبراء قد مسخت الآن من القلوب، أنا أقول لك: هذا مدير في مدرسة ولاّه الله تربية نشء، لا يعرف شيئاً عن عقيدة الولاء والبراء، ورحم الله من قال:
لو صدقت الله فيما زعمته لعاديت من بالله ويحك يكفر
وواليت أهل الحق سراً وجهرة ولما تعاديهم وللكفر تنصر
فما كل من قد قال ما قلت مسلم ولكن بأشراط هناك ستذكر
مباينة الكفار في كل موطن بذا جاءنا النص الصحيح المقرر
وتصدع بالتوحيد بين ظهورهم وتدعوهم سراً لذاك وتجهر
هذا هو الدين الحنيفي والهدى وملة إبراهيم لو كنت تشعر
ويقول آخر:
أتحب أعداء الحديث وتدعي حباً له ما ذاك بالإمكان
وكذا تعادي زاهداً أحبابه أين المحبة يا أخا الشيطان
إن المحبة أن توافق من تحب على محبته بلا نقصان
فإن ادعيت له المحبة مع خلا فك ما يحب فأنت ذو بهتان
نسخت ومسخت عقيدة الولاء والبراء، غابت مع غياب العقيدة بمفهومها الشامل الكامل.
فمن أخطر الأسباب ترك الجهاد، نسأل الله أن يرفع علم الجهاد، وأن يقطع سبيل أهل الزيغ والفساد، وأن يشرفنا وإياكم بالجهاد في سبيله.
следующие страницы →