← Джавами‘

Джавами‘ · id 7703

دروس للشيخ محمد حسان

محمد حسان

Полный текст (1 901 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

الخوف والحياء من إظهار الهوية المسلمة سبحان الله! يستحي المسلم في بلاد الغرب أن يظهر هويته، وهذا عرض رابع من أخطر الأعراض: الخوف من إظهار الهوية المسلمة، يخشى المسلم أن يظهر هويته، بل يستحي أن يلبس -مثلاً- القميص، يستحي أن يقول لأي موقف أو عن أي موقف يخالف الشريعة، هذا لا يصح عندنا، وهذا حرام في ديننا، يخشى أن يتهم بالتطرف والإرهاب والجمود والرجعية وضيق الفهم وقلة الأفق، إلى آخر هذه الدعاوى التي يغني بطلانها عن إبطالها أصلاً لدى كل مسلم يفهم شيئاً من دين الله عزوجل، سبحان الله!! أقول لإخواني: حينما نسافر مثلاً إلى بلاد الغرب لماذا لا يصر كل واحد منا أن يظهر بهويته هذه، حتى ولو وضع طاقية على رأسه ليظهر بها أنه مسلم فقط، لاحظ أننا نرى اليهودي بأعيننا هنالك في أمريكا يصر على زيه ويلبس الطاقية السوداء الصغيرة أو القبعة، أو ينزل الضفائر على وجهه التي يسمونها بضفائر موسى، فيظهر هويته باستعلاء، بل يحرص اليهود أن يسكنوا أحياء خاصة بهم، بل ويحرص اليهود على أن يعلموا أبناءهم بالمدارس الخاصة بهم، بل وفي المستشفيات الخاصة بهم، بل وتعجبت حينما علمت أن سيارة الإسعاف التي تنقل المرضى لا يمكن لغير اليهودي أن يركبها أبداً، يعتز بدينه. ولقد صدمت صدمة عظيمة، قدر الله أني كنت في أمريكا يوم أن أعلنت النتيجة بفوز نتنياهو، وصدمنا جميعاً بأول تصريح لهذا الرجل الذي يحترم نفسه وعقيدته ودولته وأمته ودينه، صرح تصريحاً خطيراً جداً، فقال: وأخيراً صوت اليهود للتوراة، أي: أعطى اليهود الصوت والأصوات للتوراة، ليس له كشخص، لا. رجل معتز بعقيدته، يحترم دينه ونفسه، يعمل من أجل هذه العقيدة، ويبذل من أجلها كل شيء، في الوقت الذي تخلى فيها أصحاب الحق عن الحق الذي من أجله خلق الله السماوات والأرض والجنة والنار. عرض آخر من أعراض الهزيمة النفسية: أن يخشى المسلم أن يظهر هويته أو يتحدث في بلادنا في بلاد المسلمين يخشى الآن كثيرٌ من الآباء أن يطلق الابن لحيته، أو أن تنتقب البنت، أو أن يذهب الولد إلى الجامعة وفي يده المصحف، أو أن يذهب إلى محاضرة للشيخ أبي إسحاق أو غيره، يخشى الوالد، لماذا؟ يقول: يا بني لا أريد أن تحضر مثل هذه الجلسات أو اللقاءات، ولا أريد لك لحية، ولا ولا، يخشى الوالد من أن يظهر الابن هويته الإسلامية، إن أظهرت الفتاة الآن هويتها أشاروا إليها بأصابع الاتهام؛ بالإرهاب، والتطرف، والأصولية، والوصولية، والفضولية، إلى آخر هذه التهم المعلبة التي تكال للملتزمين في الليل والنهار.

стр. 912

السلبية القاتلة في الدعوة إلى الله عرض خامس وهو أيضاً من أكبر الأعراض للهزيمة النفسية: ألا وهو السلبية القاتلة في الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحمل هم هذا الدين بسلبية قاتلة، فجُلَّ المسلمين الآن لا همَّ لهم إلا أن يعيش لشهواته الحقيرة ونزواته الرخيصة، يبذل كل طاقة من أجل العرش والكرش والفرش، لا يحمل للدين هماً، ينظر إلى المنكر فيهز كتفيه ويمضي وكأن الأمر لا يعنيه، ينظر إلى مسلم لا يعرف شيئاً عن دين الله، يراه جاهلاً بالسنة فلا يفكر في أن يعلمه السنة بالحكمة والموعظة الحسنة والكلمة الرقراقة الرقيقة، لا يحمل للدين هماً ولا للدعوة هماً في قلبه، فراغه سلبياً، بل ربما يبرر لنفسه سلبيته ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥]. وقديماً خشي الصديق رضوان الله عليه هذه السلبية القاتلة على أفراد الأمة، فارتقى المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (أيها الناس! إنكم تقرءون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك الله أن يعمهم جميعاً بعقاب من عنده -وفي لفظ: إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك الله أن يعمهم جميعاً بعقاب من عنده- ثم يدعونه فلا يستجاب لهم) والحديث رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم، وصححه الشيخ الألباني. نحن سمعنا: ركبوا سفينة واحدة -أيها الأخيار- إن نجت السفينة نجونا جميعاً، وإن هلكت هلكنا جميعاً، ولو كان على سطحها الصالحون كما في الصحيح من حديث النعمان بن بشير: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً حتى لا نؤذي من فوقنا، يقول المصطفى ﷺ : لو تركوهم وما أرادوا لهلكوا وهلكوا جميعاً، ولو أخذوا على أيديهم لنجوا ونجوا جميعاً) فلا تكن سلبياً يا أخي، ابذل المعروف ولو بكلمة، تحرك ليرى الله منك أن قلبك يحترق على أحوال الأمة وعلى أمر هذا الدين، على حال الدعوة، تحرك بكل ما تملك، ابذل أقصى ما في طاقتك ولست مسئولاً عن النتائج: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥] ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧] المهم أن تعمل. ولم أر في عيوب الناس عيباً كنقص القادرين على التمام أكبر عيب فيك أنك تستطيع أن تؤدي شيئاً ولكنك لا تريد أن تؤديه، ابذل وتحرك، سبحان الله! لعل الله أن يهدي على يديك بكلمة واحدة رجلاً إن رأى الله وعلم منك الصدق، لعلَّ الله أن يهدي على يد زوجتك التي علمتها امرأةً، المهم أن تبذل، وألا تكن سلبياً، تحرك للدعوة وتحرك للدين، فكر! كيف أخطط لدين الله؟ كيف أعمل لدعوة الله؟ أنت تخطط في الليل والنهار لتزيد الألف ألفاً، ولتحصل على العلاوة والمكافأة، ولتنشط في التجارة والعمل، وهذا خير، لكن كما تفكر للدنيا فكر للدين: (من كانت الدنيا همه؛ جعل الله فقره بين عينيه، وشتت الله عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له، ومن كانت الآخرة همه؛ جعل الله غناه في قلبه، وجمع عليه أمره، وأتته الدنيا وهي راغمة) والحديث صححه الشيخ الألباني بمجموع الطرق، وحسنه بعض أهل العلم من أهل الحديث. فلا تنشغل على أمور الدنيا على طول الخط ولا تكن سلبياً، أريد أن أربي الأولاد، لن أغير الكون، دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله! بل هناك والله من يقول: دع ما لله لقيصر، أمرٌ عجب! يجب عليك أن تدعو إلى الله على قدر استطاعتك، يقول المصطفى ﷺ ، والحديث في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمرو: (بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) بل دعا النبي ﷺ لكل من حمل عنه بدقة وأمانة، فقال والحديث صحيح: (نضّر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع) ودعا النبي ﷺ لك بنضارة الوجه، بل وحملك النبي ﷺ هذه الأمانة الثقيلة، فقال والحديث في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه؛ وذلك أضعف الإيمان) لا عذر لك أمام الله، ولا عذر لك إن عجزت أن تغير بيدك فغير بلسانك، وإن كنت قادراً على أن تغير بيدك غير بيدك بالضوابط الشرعية المعلومة، والقول الذي يقول: التغيير باليد للحكام، وباللسان للعلماء، وبالقلب لعوام المسلمين، قول لا دليل عليه، بل يجب عليك إن كنت قادراً على أن تغير منكراً بيدك دون أن يترتب على المنكر ما هو أنكر فغير بيدك، ومن نفيس كلام ابن القيم رحمه الله تعالى في إعلام الموقعين يقول: لقد شرع النبي ﷺ لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإن كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه فهو أمر بمنكر وسعي في معصية الله ورسوله، ولقد كان النبي ﷺ يرى بـ مكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها، بل لما فتح الله عليه مكة وصارت مكة دار إسلام وعزم على هدم البيت ورده على قواعد إبراهيم لم يفعل ذلك مع قدرته على فعل ذلك؛ لأن قريشاً كانت حديثة عهدٍ بكفرٍ وقريبة عهدٍ بالإسلام، هذا هو فقه الإنكار، فقه الموازنة بين المفاسد والمصالح، لا تكن متهوراً أو جباناً، فإذا استشكل عليك الأمر فعد إلى المشايخ والعلماء، ولا تتعجل. إذاً: إن عجزت أن تغير بيدك فبلسانك، سيقول العاجز: أنا أغير بلساني؟! لا أجيد الكلمة، لا أستطيع التعبير، وقد يسألني الآن طالب علم فيقول: ما صفة التغيير بالقلب؟ كيف أغير المنكر بقلبي؟ أقول: لا عذر لك أمام الله عزوجل، فيجب عليك أن تأخذ الأمر بجدية وأن تدع هذه السلبية، وأن تتحرك لتحمل هم دعوة خير البرية ﵌، فإن رأيت منكراً وكنت قادراً على أن تغيره بيدك بالضوابط المعلومة للجميع غيره، وإن عجزت فبلسانك، وأذكر أنني نبهت أحبابي في هذا المسجد المبارك قبل ذلك إلى أن يفرقوا بين مقامين؛ لأن الخلط بينهما يحدث إشكالاً أو إشكالات كثيرة ألا وهما: مقام الدعوة، ومقام الجهاد، لا تخلط بين المقامين؛ مقام الدعوة -أيها الحبيب- هو اللين من حرف الألف إلى حرف الياء، من أول خطوة على طريق الدعوة إلى آخر خطوة إن كنت تدعو كافراً فضلاً عن مسلم عاصٍ، فواجب عليك أن تحقق لهذا المقام ضوابطه وشروطه التي حددها الله جل وعلا ولم يدعها لداعية من الدعاة ليحددها بنفسه، فقال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] هذا مقام دعوة، وانظر إلى مقام القتال والجهاد: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:٧٣] هذا مقام قتال وجهاد، فلا تخلط بين المقامين؛ لأن هذا مقام قتال وليس مقام دعوة: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٤٣] وفرعون هو الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] الذي قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] والذي قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ [الزخرف:٥١] إلى آخره. ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] هذا مقام الدعوة، لكن عندما يكون المقام مقام جهاد: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ [يونس:٨٨] فلا تخلط بين المقامين، فتحرك، فإن عجزت أن تغير بيدك غيرت بلسانك، فإن عجزت فبقلبك، وللقلب شرطان لتحقق الإنكار به: الشرط الأول: أن يرى الله عزوجل منك بغضك وكرهك لهذا المنكر. الشرط الثاني: أن تترك المكان الذي يُرتكب فيه المنكر وأنت عاجزٌ عن تغييره بيدك أو بلسانك إن استطعت، والله يا شيخ! التلفاز حرام ومنكر، ويعطونا أفلام وهو جالس طوال الليل أمام التلفاز، لماذا لا تتحرك؟ أنت تقضي الليل كله على مشاهدة هؤلاء الساقطين وتأتي لتقول: هم يعرضون علينا المنكر، غير هذا المنكر بقلبك ليرى الله منك بغضه، احتراق قلبك على هذا المنكر الأليم، على هذه السفالة، ولا تجلس لتدنس نظرك وقلبك، فإن الفتن أول ما تعرض تعرض على القلوب؛ لقول الرسول ﷺ : (تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً) إلى آخر حديث حذيفة، فاحذر الفتن. تريد أن تغير المنكر بقلبك بأن تبغض هذا المنكر، وأن تدع المكان الذي يرتكب فيه المنكر؛ لأنك لست قادراً على أن تغيره أو تبدله، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام:٦٨].

стр. 913

الأسباب الداخلية للهزيمة النفسية التي أصابت الأمة الإسلامية لا أريد أن أطيل في الأعراض، فهي معلومة وكثيرة، لكن سوف ندخل مباشرة إلى أهم الأسباب، فمعرفة السبب نصف الدواء، ولذا سيسهل علينا بعد ذلك أن نحدد الدواء بإيجاز شديدٍ جداً، وبنقاطٍ لا تحتاج إلى شرح أو تفصيل. الأسباب التي أدت إلى هذه الحالة من الانهزام النفسي تنقسم إلى قسمين: أسباب خارجية، وأسباب داخلية. وأستهل الحديث بإيجاز بالأسباب الداخلية؛ لخطرها من وجهة نظري، فأنا أعتقد أن الخطر الحقيقي يكمن في الأسباب الداخلية، قال الله عزوجل: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥]. وأسباب الهزيمة النفسية الداخلية كثيرة:

стр. 914

ضعف الإيمان أهمها وأولها: ضعف الإيمان عند غالب المسلمين. فأخطر سبب داخلي للانهزام النفسي هو ضعف الإيمان عند غالب من الناس، رجل ضعيف في الإيمان، مهزوم من داخله، محال أن ينتصر على نفسه بعدما ضعف إيمانه في قلبه، فالإيمان ليس كلمة تقال باللسان فحسب، ولكن الإيمان: قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، وهو يزيد وينقص، ويقوى ويضعف، فاسمع إلى هذا الحديث الجميل الذي رواه أبو نعيم في الحلية والديلمي وصححه الشيخ الألباني أن النبي ﷺ قال: (ما من القلوب قلب إلا وله سحابة كسحابة القمر، بينا القمر مضيء إذ علته سحابة فأظلم، فإذا تجلت عنه أضاء) هل تدبرت معنى هذا الحديث؟ فالقلب تعتريه من آن لآخر سحب مظلمة من أثر المعاصي والذنوب، فتضعف الإيمان في القلب، فإذا انقشعت تلك السحب بالعودة والإنابة، والعمل الصالح والاجتهاد، والاستغفار والذكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة والنفقة والصلاة والتسبيح إلى آخره إذا انقشعت تلك السحب بهذا العمل الصالح يعود الإيمان مرة أخرى إلى قوته ويزداد، وهذا أصل من أصول أهل السنة: الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي والزلات، فأنا أتحداك أن يكون قلبك الآن كحال قلبك وأنت أمام مسلسل أو فيلم من الأفلام الهابطة، أبداً، إيمانك الآن في زيادة، فإذا وجدت نفسك في بيئة المعصية قلَّ إيمانك في قلبك، فالإيمان يزيد وينقص. فضعف الإيمان من أخطر أسباب الهزيمة النفسية، إنسان ضعيف الإيمان، مهزوم لا يمكن أن يصمد لأي محنة أو لأي ابتلاء، ربما ترد ابنته المنتقبة العفيفة الشريفة من المدرسة للنقاب والعفة والشرف، فيعنفها ويوبخها، بل وربما يضربها، بل وربما مد يده ليسحب النقاب أو الغطاء عن وجهها، واقع نحياه ونشاهده ونسمعه، وإنا لله وإنا إليه راجعون، الأصل ضعف الإيمان في القلوب، وإذا أردت أن تقف على خطر حقيقة الإيمان، وما الذي يمكن أن يترتب على رسوخه في القلب من تغيير، إذا أردت ذلك فعد معي بسرعة إلى أصحاب النبي ﷺ لترى كيف حوّل الإيمان هؤلاء الرعاة للإبل والغنم إلى سادة وقادة للدول والأمم. ماذا كنت تعرف عن أبي ذر؟ ماذا كنت تعرف عن بلال وعمر وخالد وابن مسعود وصهيب الرومي؟ ما الذي رفع قدر هؤلاء؟ إيمانهم برب الأرض والسماء، إنه الإيمان الذي صنع الأعاجيب، الإيمان الذي انطلق به هؤلاء الحفاة العراة الجياع على أعظم إمبراطوريات الأرض في فارس والروم فحولوها إلى كثيب مهيل، وأقاموا للإيمان دولة، فإذا هي بناء شامخ لا يطاوله بناء في فترة لا تساوي في حساب الزمن شيئاً على الإطلاق، إنه الإيمان الذي جعل هذا الرجل البدوي يترس على حبيبه النبي ﷺ ليجعل من ظهره حائط صدٍ منيع لتتحطم عليه السيوف والسهام والنبال والرماح، إنه الإيمان الذي جعل هذا البدوي العربي يحتضن النبي ﷺ في غزوة أحد ويدافع عنه وهو يقول: نحري دون نحرك يا رسول الله، إنه الإيمان، الإيمان يفعل الأعاجيب.

стр. 915

ترك الجهاد في سبيل الله ثانياً: ترك الجهاد في سبيل الله، وأنا أعلم أن الحديث عن الجهاد تهمة يؤخذ صاحبها بالنواصي والأقدام، لكنه حق فترك الجهاد في سبيل الله من أخطر أسباب الذل والهوان والضعف والعار الذي شربته الأمة ألواناً وأشكالاً، هذا قول الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، والحديث رواه أبو داود في سننه وأحمد في مسنده من حديث ابن عمر وصححه الشيخ الألباني ومن أهل العلم من حسنه ومنهم من ضعفه، من باب الأمانة العلمية أقول، ولم أقف على الراجح من أقوالهم بعد، والشيخ أبو إسحاق يصححه جزاه الله خيراً: (إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، وتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل الله -ما النتيجة؟ - سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم) والله إنه الذل. يا إخوة: أعتقد أنه لا يوجد الآن مسلم على ظهر الأرض عنده مسحة من عقل وبصيص من نور إلا وقد علم يقيناً أن جميع المحافل الدولية كمجلس الأمن وهيئة الأمم وحلف الأطلسي إلى آخر هذه المحافل لن تعيد لهذه الأمة المكلومة جراحها ولا دماءها وأرضها ومقدساتها، لن يعيد للأمة الجراح والأرض والمقدسات والعرض والشرف إلا إذا عادت الأمة من جديد إلى ربها وسنة نبيها، ورفعت لواء ذروة سنام هذا الدين. بكل أسف! إذا تحدث الآن أحد عن الجهاد اتهم أنه يدعو للإرهاب والتطرف؛ لأن الإعلام لا بارك الله في القائمين عليه شوهوا صورة الجهاد المشرقة، ولذلك قامت قيامة الإعلام ولم تقعد لما نادى شيخ الأزهر في خبر بسيط جداً في زاوية من زوايا جريدة من الجرائد لما نادى بالجهاد في سبيل الله، وقال: إنه السبيل الوحيد الذي سنقاتل به اليهود. سبب من أسباب الذل والهزيمة ترك الجهاد، أمة اثاقلت إلى الوحل والطين، وأنا ذكرت قبل ذلك على هذا المنبر في خطبة على البوسنة حينما قلت: إننا نرى الأمة الآن قد ضنت بالدعاء فهل ستجود بالأموال والدماء؟! اسأل نفسك! هل تدعو الله عزوجل لنصرة الدين في كل سجدة؟ هل تدعو الله عزوجل لإخوانك المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها في كل سجدة؟ سل نفسك! أنا أثق أننا لو قدمنا استمارة استبيان الآن وحددنا فيها هذا السؤال لوجدنا النتيجة مؤلمة، هذا في وسط الملتزمين فما ظنك بوسط الغافلين ولا حول ولا قوة إلا بالله. يقول لي مدير مدرسة، مسؤل عن تربية نشء، يقول لي بعد مؤتمر صانعي السلام: أظن أنه الآن أيها الشيخ لا تستطيع أن تتكلم عن اليهود وعن غير اليهود، فهم أبناء عمومتنا وهم إخواننا، وينبغي أن نمد إليهم يد الصداقة، وقد قال فلان وفلان كذا وكذا. يعني: عقيدة الولاء والبراء قد مسخت الآن من القلوب، أنا أقول لك: هذا مدير في مدرسة ولاّه الله تربية نشء، لا يعرف شيئاً عن عقيدة الولاء والبراء، ورحم الله من قال: لو صدقت الله فيما زعمته لعاديت من بالله ويحك يكفر وواليت أهل الحق سراً وجهرة ولما تعاديهم وللكفر تنصر فما كل من قد قال ما قلت مسلم ولكن بأشراط هناك ستذكر مباينة الكفار في كل موطن بذا جاءنا النص الصحيح المقرر وتصدع بالتوحيد بين ظهورهم وتدعوهم سراً لذاك وتجهر هذا هو الدين الحنيفي والهدى وملة إبراهيم لو كنت تشعر ويقول آخر: أتحب أعداء الحديث وتدعي حباً له ما ذاك بالإمكان وكذا تعادي زاهداً أحبابه أين المحبة يا أخا الشيطان إن المحبة أن توافق من تحب على محبته بلا نقصان فإن ادعيت له المحبة مع خلا فك ما يحب فأنت ذو بهتان نسخت ومسخت عقيدة الولاء والبراء، غابت مع غياب العقيدة بمفهومها الشامل الكامل. فمن أخطر الأسباب ترك الجهاد، نسأل الله أن يرفع علم الجهاد، وأن يقطع سبيل أهل الزيغ والفساد، وأن يشرفنا وإياكم بالجهاد في سبيله.

стр. 916

عدم معرفة المسلمين بطبيعة الطريق ثالثاً: عدم معرفة غالب المسلمين بطبيعة الطريق، وهذا سبب خطير جداً -أيها الإخوة- من أسباب الهزيمة النفسية التي تصاب بها الأمة الآن. كثير من المسلمين إذا التزم أو سلك طريق الالتزام يجهل طبيعة الطريق، فإذا تعرض لمحنة قليلة ووقف عند كمين من الكمائن الأمنية: أين البطاقة؟ تعال تشرف معنا قليل فقط، نتحقق يخرج ليحلق لحيته، لماذا؟ لأنه مهزوم، هزم مع أول محنة، وهزم مع أول محك عملي على طريق الفتنة والابتلاء؛ لأنه يجهل طبيعة الطريق، يعتقد أن طريق الالتزام مفروش بالزهور والورود والرياحين، ونسي أن الطريق مفروش بالدماء والأشلاء، يعوي في جنباته الذئاب، يحمل العقيدة ويظن أنها صفقة إن ربحت فهو معها ومع أهلها، وإن خسرت يقول: ليس لنا دخل بهذه الموضوعات وهذه المواويل: (خليك في حالك وربي العيال، وابسط وفرفش وما لكش دخل) لا دخل لنا بهذا، اجلس ليلة أمام التلفاز وكل واشرب وتمتع. وقد بين الله في قرآنه طبيعة هذا الفريق، فقال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١] اللهم سلم، سلم يا رب العالمين. مع أول احتكاك عملي على الطريق ينزلق؛ لأنه جهل طبيعة الطريق، ولا بد -يا إخوة- من هذه الابتلاءات والمحن والفتن؛ للتمحيص والتمييز، ليخرج من الصف من حمل اللواء والعقيدة وراية الدعوة ليتاجر بها، وليثبت على الصف من هو أهل بالتشريف والتكريم للسير على درب الأنبياء: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢ - ٣].

стр. 917

عدم معرفة المسلمين بقدراتهم وإمكانياتهم السبب الرابع بإيجاز: عدم معرفة غالب المسلمين بقدراتهم وطاقاتهم وإمكانياتهم. وهذا سبب خطير جداً قد لا يفطن إليه كثير من أحبابنا. المسلمون دائماً يقللون من قدراتهم وطاقاتهم وإمكانياتهم، مع أن الله قد حبا المسلمين طاقات هائلة جبارة، وأنتم يا إخوة قد لا تعرفون طبيعة هذه البيئة التي يعيش فيها المسلمون إلا إذا سافرتم إلى بلاد الغرب، يعني: أخفف عليكم حدة المنهجية في المحاضرة قليلاً، دعينا مرة لمؤتمر في طورنتو في كندا وبعدها عاملين فيها، يعني مشايخ، وجاء وقت الفجر وذهبنا نصلي في المركز الإسلامي بدون سيارة، قلنا: نتمشى، والله يا إخوة ما إن خطونا خطوة واحدة وتعدينا الثانية إلا كل أخ من المشايخ الذين معنا من السعودية كل واحد أمسك أنفه يظن أنها وقعت، يبحث عن أنفه هل هي موجودة أم قد وقعت، وبعدها دخلنا قلنا: ما الحكاية؟ رجل في فندق عمره خمسين سنة، ونحن نمشي بدون سيارة، ودرجة الحرارة اثنين وثلاثين تحت الصفر، سبحان الله! فسبحان الله ربنا الذي منَّ على الأمة بأرض مناخها عجيب، ثروات وكنوز بباطن الأرض، وأعظم كنز العنصر البشري بدين الله، وأعظم كنز العنصر البشري في الأمة إن اعتز بدين الله، فلا عزة للبشرية إلا بالإسلام، وتعجبني كلمة سيد قطب ﵀ وغفر له، ومنهجنا كما اتفقنا أننا نقبل الحق على لسان أي أحد ونرد الباطل على لسان أي أحد، من كلماته الرقراقة يقول: إن الحياة البشرية من خلق الله، ولن تفتح مغاليق فطرتها إلا بمفاتيح من صنع الله، ولن تعالج أمراضها وعللها إلا بالدواء الذي يقدم لها من يد الله: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٤] وأنتم تعلمون أن في الأمة سلاح واحد فقط وهو سلاح البترول استخدمته استخداماً دقيقاً أو صحيحاً للحظات في حرب العاشر من رمضان فتغيرت كل الموازين، سبحان الله! أموال المسلمين هي التي تدير دفة السياسة في بنوك الشرق والغرب، أموالنا نحن المسلمين أموال طائلة، عقول المسلمين هي التي تخطط هنالك وتبني ممررات على جسر مذهل في بركلل في نيويورك يذهل العقول، وكانت المفاجئة أن استوقفني الإخوة بعد ما مررنا وقالوا: انتظر، وقرءوا لي اللافتة على هذا الجسر ليكاد عقلي ساعتها أن يطيش حينما أعلم أن الذي صمم ونفذ هذا الجسر مهندس مسلم من باكستان، عقولنا ضيق عليها هنا وأغلق في وجهها كل باب أو منفذ للإبداع، أو للعطاء، أو للتفكير، والابتكار، فهربت واستقبلت استقبالاً يليق بهذه العقول، وأغرقت هذه العقول بملايين الدولارات للبذل والبحث العلمي، فأعطت وأبدعت وأنتجت، فهذه بضاعتنا، والله لا نقول ذلك من باب التمسك بأذيال الماضي بل هذا واقع نحياه، لا نريد أن ندندن دائماً على أن هذه حضارتنا من بلاد الأندلس وطليطلة وقرطبة، بل هذا الواقع نحياه الآن أن العقول التي تبدع وتفكر في الغالب هي عقولنا، هي عقول أبناء هذه الأمة، فلا ينبغي أن نقلل من قدراتنا وطاقاتنا وإمكانياتنا، فأنت تستطيع أن تفعل شيئاً كبيراً وعظيماً.

стр. 918

النظرة الضيقة للزمان والمكان وأختم الأسباب الداخلية بهذا السبب ألا وهو: النظرة الضيقة للزمان والمكان. سبب خطير من أسباب الهزيمة النفسية بمعنى: ترى الشاب من أبنائنا الآن وإخواننا ينظر نظرة ضيقة جداً للمكان الذي يعيش فيه، جاءني شاب في الصيف الماضي وقال: يا شيخ! الدعوة في بلادنا ماتت، والمتبرجات كثرن، والملتزمين قلوا، وليس عندنا كتب، وتقريباً بعد خمس أو ست سنين لن يبقى عندنا ولا حافظ للقرآن، والإسلام ضاع، والدنيا ضاقت، نظرة ضيقة جداً، فيحطم اليأس قلبه، مع أنه لو نظر للمكان نظرة أوسع لعلم أن الأرض ما خلت ولن تخلو من أبناء الطائفة المنصورة التي لا يخلو منها زمان أو مكان، وليس هناك داعي للنظرة الضيقة هذه؛ حتى لا يحطم اليأس قلبك، كذلك النظرة الضيقة للزمان للتاريخ للأمة الآن ستضرب بالنعال، والأمة ذلت، والشريعة ضاعت، والإسلام ذهب، وعليه العوض، وليس هناك إسلام، نظرة ضيقة لهذا الواقع الذي نعيش فيه، فيحطم اليأس قلوبنا لما تحياه الأمة الآن من واقع مر أليم، مع أنك لو نظرت إلى التاريخ ونظرت نظرة أوسع إلى الزمان؛ لعلمت أن الأمة قد مرت بمراحل أصعب، ومع ذلك غير الله الواقع وبدل الله الحال. انظر يا أخي! ابتداء من فتنة الردة غير الله الواقع وبدل الله الحال، ثم ابتليت الأمة بالهجمات التترية الطاحنة، وظل التتار يذبحون المسلمين في بلاد العراق أربعين يوماً، وستعجب إذا قلت لك: بأن صلاة الجماعة تعطلت من مساجد الجامعة في بغداد أربعين يوماً لا يصلي في المسجد مسلمٌ واحد، أصيب المسلمون بهزيمة نفسية، وحالة من الذعر مرعبة، اقرأ التاريخ اقرأ البداية والنهاية لـ ابن كثير، اقرأ الكامل لـ ابن الأثير، اقرأ تاريخ الطبري، سترى عجباً عجاباً، يكاد عقلك أن يقف وأنت تتابع الكلمات في الصفحات، أربعين يوماً لا تصلى صلاة الجماعات خوفاً من هجمات التتار الذين يذبحون المسلمين في الليل والنهار، ومع ذلك قيض الله عزوجل للإسلام والمسلمين من هزم التتار شر هزيمة، وغير الله الحال. القرامطة المجرمون انقضوا على المسلمين في بيت الله الحرام فذبحوهم ذبح الخراف، بل واقتلعوا الحجر الأسود من الكعبة، وصرخ رئيسهم أبو طاهر القرمطي عليه من الله ما يستحقه والحجر بين يديه وهو يقول: أين الطير الأبابيل؟ أين الحجارة من سجيل؟ وظل الحجر بعيداً عن الكعبة (٢٢ سنة) وغير الله الحال وعاد الحجر إلى بيت الله الكبير المتعال، وطاف المسلمون ببيت الله. الصليبيون أغلقوا بيت المقدس وعلقوا الصلبان على كل جدار من جدرانه، ومنع الصليبيون المسلمين من الصلاة في بيت المقدس (٩١ سنة) لم يصل مسلم في بيت المقدس، وغير الله الحال، وتغير الواقع، ونحن على يقين مطلق كما أننا نراكم الآن بعيوننا أن الله سيغير الحال، وعد الله ووعد الصادق رسول الله صلى الله عليه وآله ومن والاه. إذا عرف التاريخ أوساً وخزرجاً فلله أوس قادمون وخزرج وإن كنوز الغيب تخفي طلائعاً حرة رغم المكائد تخرج

стр. 919

علاج الهزيمة النفسية التي أصابت الأمة العلاج لهذا المرض العضال، وأول جرعة معرفة الداء، لا ينبغي أن نرفع رءوسنا وأن نشمخ بأنوفنا لننكر أن الأمة قد هزمت، بل إن الاعتراف بالواقع وتشخيص الداء نصف الدواء. ثانياً: العودة الجادة إلى كتاب الله والسنة الصحيحة لرسول الله، وتربية أبناء الأمة على العقيدة بشمولها وكمالها. يعني: كفاية هذا العنصر لو تحول إلى واقع يكفي. فالحرب الآن -يا إخوة- حرب اعتقاد، أقول دائماً: ليس الصراع بيننا وبين اليهود صراع حدود لكنه صراع عقيدةٍ ووجود، الحرب في إسرائيل حرب عقدية، الحرب في البوسنة حرب عقدية، الحرب في الشيشان حرب عقدية، الحرب في الفلبين حرب عقدية، الحرب في طاجكستان حرب عقدية، الحرب في مورو حرب عقدية، هي العقيدة، هي الأصل، تربية أبناء الأمة على العقيدة الصحيحة بشمولها وكمالها، وإحياء روح الجهاد. يا أخي! أخرج من بيتك ولداً لله ربه على الجهاد، اغرس في نفسه وقلبه روح الجهاد، أخبره بسير المجاهدين والأبطال الفاتحين، ربِ ولدك على هذه السيرة بعزة واستعلاء، ربه على التخلص من الوهن الذي حذر منه الأمة النبي ﷺ . وأخيراً: الثقة في الله عزوجل، وفي أن الله ناصر دينه، مهما علا الباطل وانتفخ وكأنه غالب وانزوى الحق وضعف كأنه مغلوب فإن الجولة في النهاية للحق، وعد الله عزوجل، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣] وقال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء:٨١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ [النور:٥٥] وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣] وقال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]. ولا أريد أن أطيل بذكر بعض الأحاديث، ففي هذا كفاية، والله أسأل أن يجعلنا وإياكم جميعاً ممن يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ. وسامحوني على هذه الإطالة الطويلة، وأرى أني لست أهلاً للإجابة بين يدي الشيخ فأدع الإجابة له إن شاء الله تعالى إن رغب الآن وإلا ففي محاضرة له مقبلة، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 920

وفاة الرسول ﵊ تحدث الشيخ -حفظه الله- عن رسول الله ﷺ بين التكريم والموت، فذكر الآيات التي فيها تزكية للنبي ﷺ ، فهو صاحب المقام المحمود، وصاحب اللواء المعقود، وصاحب الحوض المورود ﵊. كما تحدث الشيخ عن وفاته ﵊ وكيف بدأ به المرض، وكيف اشتد عليه قبل موته حتى أنه كان يغشى عليه ﷺ .

стр. 921

تزكية الله لنبيه ﷺ إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فيا أيها الأحبة في الله: أود أن أذكركم قبل أن تستمعوا إلى هذا الشريط بأني قد ألقيت هذه الخطبة المباركة منذ خمس سنوات تقريباً في مدينة السويس العامرة، وقد وقع بها بعض الأخطاء في الحديث الشريف من حيث الصحة متناً وسنداً، ولكثرة تداول هذا الشريط كان لزاماً عليَّ بعد أن منَّ الله علينا بدراسة علم مصطلح الحديث، وأقوال أئمة الجرح والتعديل جزاهم الله عن الحديث وأهله خيراً، كان لزاماً أن نعيد هذه الخطبة المباركة في وفاة المصطفى ﷺ التي كانت بعنوان: رسول الله ما بين التكريم والموت ﷺ ، مع عزو كل حديث في هذا الشريط إن شاء الله جل وعلا من مصدره؛ من كتب الحديث مع بيان درجة صحته. وأسأل الله أن يغفر لنا ما قد سلف، وأن يجنبنا وإياكم الزيغ والزلل، وأن يتقبل منا وإياكم صالح الأعمال، وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو نسيان فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه براء، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي أذل بالموت رقاب الجبابرة، وأنهى بالموت آمال القياصرة، فنقلهم بعظمة الموت من القصور إلى القبور، ومن ضياء المهود إلى ظلمة اللحود، ومن ملاعبة الجواري والغلمان إلى مقاساة الهوام والديدان، ومن التنعم في الطعام والشراب إلى التمرغ في الوحل والتراب، سبحانه!! اللهم إنا نبرأ من الثقة إلا بك، ونبرأ من الأمل إلا فيك، ونبرأ من التسليم إلا لك، ونبرأ من التفويض إلا إليك، ونبرأ من التوكل إلا عليك، ونبرأ من الصبر إلا على بابك، ونبرأ من الذل إلا في طاعتك، ونبرأ من الرجاء إلا لما في يديك الكريمتين، ونبرأ من الرهبة إلا لجلالك العظيم. اللهم تتابع برك، واتصل خيرك، وكمل عطاؤك، وعمت فواضلك، وتمت نوافلك، وبر قسمك، وصدق وعدك، وحق على أعدائك وعيدك ووعدك، ولم تبق حاجة لنا إلا قضيتها ويسرتها يا أرحم الراحمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الواحد الذي لا ضد له، وهو الصمد الذي لا منازع له، وهو الغني الذي لا حاجة له، وهو القوي الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو جبار السموات والأرض، لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه وأمره، هو الأول فلا شيء قبله، وهو الآخر فلا شيء بعده، وهو الظاهر فلا شيء فوقه، وهو الباطن فلا شيء دونه وهو على كل شيء قدير، صاحب الملك والملكوت، صاحب العزة والجبروت، الذي كتب الفناء على جميع خلقه وهو الحي الباقي الذي لا يموت. وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أدى الرسالة، وبلغ الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وعبد ربه حتى لبى داعيه، وجاهد في سبيله حتى أجاب مناديه، وعاش طوال أيامه ولياليه يمشي على شوك الأسى، ويخطو على جمر الكيد والعنت، يلتمس الطريق لهداية الضالين وإرشاد الحائرين، حتى علَّم الجاهل، وقوَّم المعوج، وأمَّن الخائف، وطمأن القلق، ونشر أضواء الحق والخير والإيمان والتوحيد كما تنشر الشمس ضياءها في رابعة النهار. فاللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته. وصلِّ اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام: تلبيةً لرغبة أحبابنا وإخواننا في الله جل وعلا؛ فأنتم اليوم في موعدٍ مع رسول الله ﷺ بين التكريم والموت، وما أحلى أن يكون اللقاء مع رسول الله، وما أجمل أن يكون الحديث عن رسول الله ﷺ ؛ فهو إمام الأنبياء، وإمام الأصفياء، وإمام الأتقياء، وخاتم الأنبياء، وسيد المرسلين، وقائد الغر الميامين، وقائد الغر المحجلين، وصاحب الشفاعة العظمى يوم الدين. هو صاحب المقام المحمود، وصاحب اللواء المعقود، وصاحب الحوض المورود، وصاحب الشفاعة العظمى يوم الدين، شرح الله له صدره، ورفع الله له ذكره، ووضع الله عنه وزره، وزكاه ربه في كل شيء؛ زكاه في عقله فقال: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:٢] وزكاه في صدقه فقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣] وزكاه في علمه فقال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٥] وزكاه في فؤاده فقال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١] وزكاه في بصره فقال: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧] وزكاه في صدره فقال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١] وزكاه في ذكره فقال: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:٤]، وزكاه كله فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم﴾ [القلم:٤]. فهو إمام الأنبياء، هو حبيب الله، وهو خليل الله، وهو أكرم الخلق على الله جل وعلا، فما أحلى أن يكون اللقاء معه، وما أجمل أن يكون الحديث عن رسول الله ﷺ ؛ فوالله الذي لا إله غيره ما خلق الله من خلقه رجلاً أحب إليه من محمد رسول الله ﷺ ، وما من نبي بعثه الله -أيها المسلمون- إلا وقد أخذ الله عليه العهد والميثاق أن يؤمن بمحمد ﷺ إذا بعث في وجود هذا النبي كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٨١]. وإذا بعث الله محمداً في وجود هذا النبي وجب على هذا النبي أن يذهب إلى رسول الله وأن يؤمن به وأن ينصره: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٨١]. وفي الحديث الذي رواه الإمام مسلم والإمام الترمذي وأحمد من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (فضلت على الأنبياء بستٍ: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب -وفي رواية البخاري: ونصرت بالرعب مسيرة شهر- وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأرسلت إلى الناس كافة، وختم بي النبيون) ﷺ . وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بنياناً فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلاّ وضعت هذه اللبنة). أي: لو وضعت هذه اللبنة لتم لهذا البنيان كماله وجماله وجلاله، يقول ﷺ : (فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين).

стр. 922

شفاعته لأهل المحشر ﵊ وفي الحديث الذي رواه الإمام مسلم، والإمام أبو داود، والإمام أحمد من حديث أبي هريرة -أيضاً- ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأنا أول من ينشق عنه القبر، وأنا أول شافع ومشفع يوم القيامة). ففي يومٍ يا عباد الله! يزداد همه وكربه على جميع الناس حتى على أنبياء الله ورسله جل وعلا (تدنو الشمس من الرءوس فتغلي رءوس لحرارتها -والعياذ بالله- ويؤتى بجهنم لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها). كما ورد في الحديث الذي رواه الإمام مسلم من حديث عبد الله بن مسعود. فإذا ما رأت جهنم الخلائق زفرت وزمجرت غضباً منها لغضب الله جل وعلا، فحين يراها الخلائق بهذه الكيفية وهذا الحال لا يقوى مخلوق على أن يقف على قدميه فيخر كل مخلوق جاثياً على ركبه: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ [الجاثية:٢٨] في هذا اليوم العصيب الرهيب يزداد الهم والكرب على خلق الله، وعلى عباد الله، فيقول بعض الناس لبعض -كما في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وأحمد وهذا لفظ أحمد من حديث أبي هريرة - يقول بعض الناس لبعض: (ألا ترون ما نحن فيه، ألا ترون ما قد بلغنا، ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيأتون آدم ﵇، فيقولون: يا آدم! أنت أبو البشر، خلقك الله بيديه، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ اشفع لنا إلى ربك، فيقول آدم ﵇: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد عصيت الله وطردت من الجنة بمعصيتي، نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحاً ﵇ ويقولون: يا نوح! أنت أول رسل الله إلى الأرض، وسماك الله عبداً شكوراً، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول نوح ﵇: إن ربي قد غضب غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه كان لي دعوة فدعوت بها على قومي، نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم الخليل. فيأتون إبراهيم ﵇، فيقولون: يا إبراهيم! أنت خليل الله، وأنت رسول الله، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ اشفع لنا إلى ربك، فيقول إبراهيم ﵇: إن ربي قد غضب غضباً لم يغضب قبله مثله ولم يغضب بعده مثله، ثم يذكر كذباته الثلاث -التي شرحناها في اللقاء الماضي كما صح بها الحديث في البخاري ومسلم - ثم يذكر كذباته الثلاث ويقول: نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى. فيأتون موسى ﵇ ويقولون: يا موسى! أنت رسول الله، اصطفاك الله على الناس برسالاته وبكلامه، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ اشفع لنا إلى ربك، فيقول موسى ﵇: إن ربي قد غضب غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها، نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى. فيأتون عيسى ﵇ ويقولون: يا عيسى! أنت روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ اشفع لنا إلى ربك، فيقول عيسى ﵇: نفسي نفسي نفسي -ولم يذكر عيسى شيئاً- اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد ﷺ . يقول الحبيب ﷺ : (فيأتوني في أرض المحشر، فيأتوني يوم أن قال كل رسول: نفسي، ويوم أن قال كل نبي: نفسي، -يقول ﷺ : فيأتوني ويقولون: يا رسول الله! أنت خاتم الأنبياء، وأنت رسول الله، خلقك الله وفضلك على جميع الأنبياء، فغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ألا ترى ما نحن فيه يا رسول الله! ألا ترى ما قد بلغنا؟ اشفع لنا إلى ربك). يقول الحبيب ﷺ : (فأقوم وأقول: نعم، أنا لها أنا لها، فآتي تحت عرش الرحمن وأخر ساجداً لله جل وعلا، فيفتح الله عليَّ بمحامد ويلهمني من الثناء ما لم يفتح به على أحد قبلي، فينادي عليه الحق جل وعلا ويقول: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فيقول الحبيب: يا رب! وعدتني الشفاعة، فشفعني في خلقك، فيقول الله تعالى: قد شفعتك يا محمد، ارجع فإني آتيكم لأقضي بينكم). وصدق الله جل وعلا إذ يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]. (يا ربي لقد وعدتني الشفاعة فشفعني في خلقك) وهذه هي أعظم شفاعات المصطفى ﷺ ، فيشفع الحبيب لجميع الخلق في أرض المحشر ليقضي الله جل وعلا بين خلقه وعباده، فهو حبيب الله، وهو خليل الله، وهو أكرم الخلق على الله جل وعلا.

стр. 923

بداية مرضه ﵊ ظل الحبيب مكرماً إلى أن نزل عليه -يا عباد الله! وأصغوا السمع والقلب- إلى أن نزل عليه قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [النصر:١ - ٣]. أخرج الإمام الطبراني من حديث جابر بن عبد الله أنه قال: (لما نزلت هذه السورة على المصطفى ﷺ قال لجبريل ﵇: يا جبريل! أرى أنه قد نعيت إليَّ نفسي بهذه السورة يا جبريل، فقال جبريل: يا رسول الله! والآخرة خير لك من الأولى). نعم أيها الأحباب: وفي أول شهر ربيع الأول في السنة الحادية عشرة لهجرة المصطفى ﷺ بدأ النبي ﷺ يشتكي بألم شديد وصداع شديد في رأسه، وكان أول ما ابتدأ به من شكوى أنه ذهب إلى بقيع الغرقد كما ورد في الحديث الذي رواه ابن إسحاق وابن سعد في الطبقات، وابن جرير وابن كثير والإمام أحمد وأبو داود وغيرهم من حديث أبي مويهبة مولى رسول الله ﷺ ، قال أبو مويهبة: (بعثني رسول الله ﷺ من الليل وقال: يا أبا مويهبة! لقد أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع، فانطلق معي رسول الله ﷺ ، فلما وقف بين أظهرهم سلم على أهل البقيع فقال: السلام عليكم يا أهل المقابر! هنيئاً لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها وآخرها أشر من أولها، ثم التفت إليَّ وقال: يا أبا مويهبة! لقد أعطيت -أو أوتيت- مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة، فقال أبو مويهبة: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، فقال الرسول: لا والله يا أبا مويهبة! لقد اخترت لقاء ربي والجنة، يقول: ثم استغفر لأهل البقيع، وعاد إلى بيت عائشة ﵂ فوجدها تقول: وارأساه، رأسي يا رسول الله! أحس بألمٍ شديدٍ في رأسي، فأمسك النبي ﷺ رأسه الشريف وقال: بل أنا والله يا عائشة وارأساه، أحس بألمٍ شديد في رأسي يا عائشة، فنسيت عائشة ألمها ﵂ وقامت لترقي المصطفى ﷺ . ورد في صحيح البخاري من حديث عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات، فمسح بها على جسده، فلما اشتكى في مرضه الذي توفي فيه طفقت أنفث على نفسه بالمعوذات وأمسح بيده الشريفة على جسده). وفي رواية مالك: (رجاء بركة يد رسول الله ﷺ ، وفي رواية مسلم: (لأن يده أعظم بركة من يدي). ومسحت جسد الحبيب بيد الحبيب ﷺ وهي تقرأ عليه المعوذات.

стр. 924

اشتداد الألم والوجع برسول الله ﷺ واشتد برسول الله ﷺ الألم والوجع، فقام النبي ﷺ ليطوف على نسائه، فاشتد به الألم في بيت ميمونة ﵂ فاستدعى نساءه واستأذنهن أن يمرض في بيت عائشة -وكانت أحب أزواجه إليه- فأذن له في ذلك ﵅ جميعاً، وعاد الحبيب إلى بيت عائشة وهو يتكئ على العباس وعلى علي من شدة الألم والوجع. ودخل رسول الله ﷺ بيت عائشة ﵂ وقد اشتد به الألم والوجع، وفزع الصحابة، وقلق الناس قلقاً بالغاً، وخاف الناس خوفاً شديداً على رسول الله ﷺ ، فلما علم رسول الله ﷺ بذلك قال: هريقوا عليَّ من سبع قرب من الماء كما ورد في حديث البخاري من حديث عائشة: هريقوا عليَّ من سبع قرب من الماء، تقول عائشة: فأجلسناه في مخضب -أي: في طست أو إناء - لـ حفصة زوج النبي ﷺ وأخذنا وطفقنا نصب عليه الماء حتى قال بيده: قد فعلتن، قد فعلتن. وفي رواية ابن إسحاق: ظل يقول لهن ﷺ : حسبكن حسبكن -أي: كفى- فأحس الحبيب ﷺ بنشاط، فعصب رأسه ﵊ وخرج إلى الصحابة ﵃ وقد فزعوا فزعاً شديداً، وقلقوا قلقلاً شديداً، وحزنوا على مرض رسول الله، وخافوا على فراقه ﷺ ، فخرج إليهم وصعد النبي ﷺ على المنبر، والتف الصحابة برسول الله ﷺ ، فخطب فيهم رسول الله ﷺ وقال بعدما حمد الله وأثنى عليه، وصلى على نفسه ﷺ ، واستغفر لأهل أحد، وصلى عليهم، وأكثر عليهم الصلاة، وأكثر لهم الدعاء، ثم قال: أيها الناس! إني بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا، أيها الناس! إني لا أخشى أن تشركوا بعدي ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها كما تنافس فيها من كان قبلكم فتهلككم كما أهلكتهم. ثم قال: أيها الناس! إن عبداً من عباد الله خيره الله بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله، فبكى الصديق ﵁ وارتفع صوته بالبكاء، وعلم أن العبد المخير هو رسول الله ﷺ فرفع يديه إلى رسول الله وقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! فديناك بآبائنا، فديناك بأمهاتنا، فديناك بأموالنا، فديناك بأنفسنا يا رسول الله! فضج الصحابة وقاموا على أبي بكر ﵁، وقالوا: عجباً لهذا الشيخ! الرسول ﷺ يتكلم عن عبدٍ خير بين الدنيا والآخرة فاختار ما عند الله ، فلماذا يبكي هذا الشيخ؟! ولكن الصديق كان أعلم الصحابة برسول الله، وعلم أن العبد المخير هو المصطفى ﷺ فبكى، فقام الناس على أبي بكر ﵁، فقال الحبيب: على رسلك يا أبا بكر أيها الناس: إن أمنَّ الناس عليَّ بصحبته وماله أبو بكر، كلكم كان له عندنا يد كافأناه بها إلا الصديق فإنا تركنا مكافأته لله ، ولو كنت متخذاً من العباد خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخوة وصحبة. أيها الناس: انظروا إلى هذه الأبواب التي تنفذ إلى المسجد سدوها من اليوم إلا باب أبي بكر ﵁. وكما جاء في بعض الروايات رواها البزار وغيره: ثم نظر إليهم ﷺ وبكى، فبكى الصحابة ﵃ وقال لهم: حياكم الله، آواكم الله، نصركم الله، رزقكم الله، أيدكم الله، إني أحذركم الله، إني لكم نذير مبين، ثم قال ﷺ : أقرئوا مني السلام من تبعني إلى ديني من يومي هذا إلى يوم القيامة -وعليك السلام يا رسول الله- فبكى أصحاب النبي ﷺ ، وعاد الرسول وهو يتكئ على العباس وعلى علي ﵄ فدخل بيت عائشة ﵂. واشتد به الوجع، واشتد به الألم، وزاد به المرض، وزادت عليه الحمى ﷺ ، تقول عائشة ﵂: دخل عليه عبد الله بن مسعود -كما ورد في صحيح البخاري - فوجد الحمى تشددت برسول الله، فقال: يا رسول الله! إني أراك توعك وعكاً شديداً، فقال الرسول: أجل يا عبد الله! إني لأوعك كما يوعك الرجلان منكم، قال عبد الله: ذلك وأن لك لأجرين يا رسول الله! قال: نعم. يا عبد الله، فما من مسلم يصيبه أذى حتى الشوكة يشاكها إلا حط الله بها من خطاياه كما تحط الشجرة ورقها. تقول عائشة ﵂: وأنا مسندة رسول الله ﷺ إلى صدري -كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري - تقول: جمع الله بين ريقي وريقه عند الموت، ولقد جلست وأسندت رسول الله ﷺ إلى صدري، فدخل عليَّ عبد الرحمن بن أبي بكر بيده سواك، فرأيت رسول الله ينظر إلى السواك، فعرفت أنه يحب السواك، فقلت: يا رسول الله! آخذ لك السواك، فأشار برأسه أن نعم، فأخذت السواك فقضمته ثم لينته، ثم طيبته ثم دفعته إلى رسول الله ﷺ فاستاك به جيداً كأشد ما يستاك قبل ذلك، فأخذت منه السواك واستكت به، فجمع الله بين ريقي وريقه في آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة، فكان هذا هو آخر عهدي بريق المصطفى ﷺ . واشتد الألم ودخلت فاطمة الزهراء ﵂ وأرضاها على رسول الله ﷺ ، وكان الرسول يحبها حباً شديداً، فكانت أشبه الناس به، وكانت أحب الناس إليه؛ لأنها هي التي أصابها الله جل وعلا بموته، أما جميع أخواتها متن قبل موت رسول الله ﷺ ، كانت إذا ما دخلت عليه في حال صحته قام إليها وقبلها بين عينيها، وأجلسها في مجلسه، ولكن رسول الله ﷺ لا يستطيع القيام، فلما دخلت عليه ووجدته يعاني الألم والمرض أكبت عليه تقبله وهي تبكي، وهي تقول: واكرب أبتاه! واكرب أبتاه! والرسول يقول لها: لا كرب على أبيك بعد اليوم يا فاطمة، لا كرب على أبيك بعد اليوم يا فاطمة، فسارها النبي ﷺ -أي: التقم أذنها وأعطى لها سراً- فبكت فاطمة ﵂ وانطلقت، فنادى عليها فعادت إليه، فقال لها سراً آخر فضحكت، فلما سئلت عن ذلك؟ قالت: أخبرني أنه سيموت في وجعه هذا، فبكيت، ولما عدت إليه أخبرني أني أول أهل بيته لحوقاً به فضحكت واستبشرت لذلك. وفي رواية أخرى قال لها: يا فاطمة! إن جبريل كان يعاودني القرآن في كل عام مرة، وأراه قد عاودني القرآن في هذا العام مرتين، وما أراه إلا قد اقترب أجلي يا فاطمة، فبكت فاطمة ﵂، فقال لها الحبيب ﷺ : يا فاطمة! إني أعلم أنك أشد نساء المسلمين مصاباً بي بعد موتي، فلا تكوني أقل امرأة منهن صبراً، فاصبري يا ابنتي واحتسبي أجرك عند الله، فخرجت فاطمة تبكي وهي تقول: احتسبتك عند الله يا رسول الله! احتسبتك عند الله يا رسول الله! احتسبتك عند الله يا رسول الله! وخرجت فاطمة تبكي ﵂.

стр. 925

وفاة الرسول ﵊ تقول عائشة ﵂: وفي يوم الإثنين الذي توفي فيه الحبيب ﷺ خرج والمسلمون يصلون صلاة الفجر -على الصحيح- فكشف الستر ووقف على باب عائشة ﵂، فلما رأى الصحابة رسول الله خرج إليهم ووقف على الباب كادوا أن يفتنوا في الصلاة، وفرحوا برسول الله ﷺ ، فعلم الصديق أنهم ما فعلوا ذلك إلا لرؤيتهم رسول الله ﷺ ، فهم الصديق أن ينصرف إلى الخلف ليخلي مكان الحبيب ﷺ فلقد أمره الرسول أن يصلي بالمسلمين في مدة مرضه ﷺ ، وهم الصديق أن يتأخر، فأشار إليهم الرسول ﷺ أن اثبتوا، وابتسم الحبيب ﷺ لما رأى من حسن هيئتهم في الصلاة، وأرخى الستر، وكأن الرسول أراد أن يلقي على أصحابه نظرة الوداع، وكانت آخر نظرة نظرها إلى أصحابه ﷺ . أرخى الستر ودخل إلى بيت عائشة ولا يدري أحد أن اللحظات الأخيرة من عمر الحبيب ﷺ بدأت تتلاشى وتنتهي، عاد الحبيب وإذ بملك الموت ببيت الحبيب، انتهى الأجل يا رسول الله! انتهى الأجل يا حبيب الله، ملك الموت الآن في بيت المصطفى ﷺ ، ورسول الله في حجر عائشة بين سحرها ونحرها -رأسه على صدرها ﷺ وملك الموت في الدار، واقترب الأجل وانتهت اللحظات الأخيرة من أشرف عمرٍ من عمر الحبيب ﷺ . نعم. أقبل يا ملك الموت انتهى الأجل كما حدده الله، أقبل يا ملك الموت، ويقبل ملك الموت ليعالج أطهر روح على ظهر الأرض، ليقبض أشرف روح، لينادي على روح المصطفى: يا أيتها الروح الطيبة! أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، وربٍ راضٍ عنك غير غضبان، أخرجي يا روح محمد بن عبد الله أطهر روح وأشرف روح ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠]. وتخرج روح الحبيب، تقول عائشة ﵂: مات رسول الله بين سحري ونحري، فرأيته رفع إصبعه إلى السماء وهو يقول: بل الرفيق الأعلى بل الرفيق الأعلى بل الرفيق الأعلى. فعلمت أنه يخير؛ لأنه أخبر بذلك ﷺ . وهكذا أيها الأحباب! خرجت روح الحبيب إلى خالقها، إلى ﴿مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٥] إلى جنة الله جل وعلا، إلى النعيم الأبدي المقيم، إلى دار الخلد، مات رسول الله، مات حبيب الله، مات إمام الأنبياء، مات إمام الأصفياء، مات إمام الأتقياء، مات سيد العالمين، مات سيد المرسلين. فسقطت يده ﵊ فعلمت أنه مات، فخرجت تبكي وتصرخ، فقابلها عمر فعلم أن الأمر قد وقع، وعلم أن رسول الله ﷺ قد مات، ولكنه لا يصدق؛ لا يصدق عقله، ولا يصدق هذه الحقيقة أبداً، فخرج ورفع سيفه في وسط الناس، في وسط هذه الجموع الملتهبة، في وسط هذه الجموع التي تصرخ وتبكي، وقال: [والله إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله قد مات، فوالله ما مات رسول الله، لقد ذهب إلى لقاء ربه كما ذهب موسى بن عمران إلى لقاء الله، وغاب عن قومه أربعين يوماً وعاد مرة ثانية، ورسول الله ما مات وسيعود، وليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنه قد مات]. وعمر بن الخطاب يصيح ويصرخ، وسمع علي بن أبي طالب الخبر فشلت قدماه، وقعد على الأرض ولم يستطع القيام، وسمع عثمان بن عفان الخبر فخرس لسانه، وكان يذهب به ويؤتى به وهو لا يتكلم ولا ينطق، وأذهل العالمون - أذهل الناس جميعاً- وأذهل أصحاب الحبيب ﷺ . وأيد الله المنصور أبا بكر ﵁ عاد من منزله بالسنح، وكان في يوم الإثنين قد استأذن رسول الله لما رآه قد طل عليهم من وراء الستر استأذنه أن يذهب إلى بيته بالسنح إلى زوجه هناك، فأذن له الرسول ﷺ ، فلما سمع الخبر عاد إلى بيت الحبيب -إلى بيت عائشة - وعمر بن الخطاب يصرخ في هذه الجموع، وعثمان بن عفان لا ينطق ولا يتكلم، وعلي جالس في الأرض لا يقوى على القيام، فلم يلتفت الصديق إلى شيء ودخل على جثمان الحبيب ﷺ ، اليوم تدخل على جثمان الحبيب يا أبا بكر، وقد كنت في الأمس القريب تدخل على سيد الخلق وحبيب الخلق، وأنت اليوم تدخل على جثمان مسجى يا أبا بكر. فدخل الصديق إلى جثمان الحبيب ﷺ وكشف الغطاء عن وجهه، وجلس على ركبتيه أمام الحبيب فقبله بين عينيه وهو يبكى ﵁ وقال: طبت حياً وميتاً يا رسول الله! أما الموتة التي قد كتبها الله عليك فقد ذقتها فلا ألم عليك بعد اليوم يا رسول الله! ثم بكى الصديق ﵁ وقال: يا حبيبي! لقد انقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء، جللت يا حبيبي عن البكاء، واصفياه! واخليلاه! وانبياه! وخرج الصديق ﵁ الذي أيده الله بمدد من عنده، وثبته الله ، خرج وعمر بن الخطاب يصرخ فقال على رسلك يا عمر! أمسك يا عمر! أمسكوا أيها الناس! وعمر يأبى إلا أن يتكلم، يصرخ في الناس، ويقول: [من قال بأن محمداً قد مات لأعلونه بسيفي هذا]. فلما رأى الناس الصديق ﵁ يريد أن يتحدث انصرف الناس عن عمر، وأقبلوا على أبي بكر ﵁، فوقف الصديق ﵁ ليعلن الحقيقة الكبرى في هذا الوجود كله: [أيها الناس! أيها الناس! من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌ لا يموت، ثم تلا قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]]. يقول أبو هريرة: [فأخذها الناس من أبي بكر وكأنهم لم يسمعوها قبل اليوم، وكأنهم لم يعلموا أنها أنزلت، فانطلق الناس جميعاً وهم يرددون هذه الآية، كلٌ مشى وهو يتلو قول الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]]. يقول عمر بن الخطاب: [فلما سمعتها، وعلمت أن رسول الله قد مات عقرت -وقعت على الأرض- ولم تستطع قدماي أن تحملاني، وعلمت أن رسول الله قد مات]. وكفن الحبيب ﷺ في ثيابه، وقد اختلفوا هل نجرده من ثوبه، أم نغسله في ثوبه؟ فسمعوا منادياً -كما ذكرت جميع كتب السير- سمعوا منادياً ينادي: أن غسلوا رسول الله في ثوبه، لا تجردوا رسول الله أبداً، فغسلوا الحبيب ﷺ في ثوبه، وكانوا يصبون عليه الماء وعلي ﵁ يغسله ﷺ من على الثوب لا تمس يده جسد الحبيب ﷺ . وغسل الحبيب، وكفن الحبيب، ودفن الحبيب في غرفته التي مات فيها في حجرة عائشة ﵂، ويا له من شرفٍ لـ عائشة ﵂ أن يدفن الحبيب في غرفتها وفي حجرتها وفي بيتها، ودفن الحبيب، وصلت عليه الملائكة وصلى عليه الصحابة وأهل بيته الأقرب فالأقرب، ولما صلي عليه ودفن وسمعت أصوات المساحين في الليل وهي تهيل التراب على جسد الحبيب ﷺ صرخ نساء النبي، وضجت المدينة بالبكاء، وضجت فاطمة ﵂ وبكت وهي تقول: [وا أبتاه! يا أبتاه! يا أبتاه أجاب رباً دعاه! وا أبتاه إلى جبريل ننعاه! وا أبتاه في جنة الفردوس مأواه، فنظرت فوجدت أنس بن مالك ﵁، فنظرت إلى أنس وهي تبكي وتقول: يا أنس! أطابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله؟!]. وحان وقت أول صلاة فأذن بلال ﵁، فلما جاء عند قوله: أشهد أن محمداً رسول الله بكى بلال ﵁ ولم يستطع أن يكمل الأذان فبكى الناس، وضجت المدينة بالبكاء. وهكذا أيها الأحباب! مات الحبيب ﷺ . والله يا رسول الله! إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا لفراقك يا رسول الله لمحزنون، وصدق الله إذ يقول: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥]. اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، واجزه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته. وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 926

كل نفس ذائقة الموت الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أيها الأحبة في الله: هكذا مات الرسول ﷺ ، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤ - ٣٥]. أفإن مت يا محمد فأي مخلوق أن يخلد بعدك؟! لا والله، إنها الحقيقة الكبرى في هذا الوجود. يا عباد الله: إنها الحقيقة التي يسقط عندها جبروت المتجبرين، وعناد الملحدين, وبغيان البغاة المتألهين، إنها الحقيقة التي تسربل بها طوعاً أو كرهاً العصاة والطائعون، بل والأنبياء والمرسلون، إنها الحقيقة التي تعلن على مدى الزمان والمكان في أذن كل سامع، وعقل كل مفكر أنه لا بقاء إلا للحي الذي لا يموت، لو شاء الله جل وعلا أن يجعل رسول الله ﷺ فوق مستوى الموت وآلام الموت لفعل، ولكنه بشر يموت كما يموت سائر البشر: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤]. فيا أيها المسلمون: اعتبروا بموت رسول الله، واذكروا مصابكم في رسول الله ﷺ ، واعلموا أن حب الرسول ليس مجرد دمعات تسكب على الوجنتين لا والله، ولكن حب الحبيب ﷺ اقتفاء لأثره، واهتداء بهديه، والتزام بسنته، وأن نطيعه ﷺ في كل ما أمر، وأن ننتهي عن كل ما نهى عنه النبي وزجر؛ هذه هي محبتنا لرسول الله. أما أن نقول إننا نحب الرسول ﷺ ونكتفي بأن ننتج له القصائد والأشعار على منوال حب عنتر لـ عبلة، أو قيس لـ ليلى -والعياذ بالله- ونتوقف عند كلمات العشق والغرام في رسول الله ﷺ فهذه محبة كاذبة، محبة باطلة، يقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: لقد ادعى قوم المحبة لرسول الله ﷺ فابتلاهم الله بآية المحبة فقال جل وعلا: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]. اتبع رسول الله ﷺ في كل ما أمر، وانته عن كل ما نهى عنه النبي وزجر، تكون بذلك محباً لرسول الله ﷺ . اللهم كما آمنا بنبيك ولم نره فلا تفرق بيننا وبينه حتى تدخلنا مدخله. اللهم أوردنا حوضه الأصفى، واسقنا بيده الشريفة شربة هنيئة مريئة لا نرد ولا نظمأ بعدها أبداً يا رب العالمين. اللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته. اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. اللهم اجزه عنا خير الجزاء يا رب العالمين. اللهم توفنا على ملته، واحشرنا تحت لوائه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 927

وقفات مع قوله تعالى: ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض حياة القلوب وقوة الإيمان في ذكر اليوم الآخر، الذي فيه تتطاير الصحف وتنشر، ويوقف العبد للحساب والعقاب، هذا اليوم له علامات ومقدمات، ومن هذه المقدمات نفخة الصور، وقد وقع الخلاف بين العلماء في بيان عدد النفخات ووقتها، والراجح أنها ثلاث: الفزع، ثم الصعق، ثم البعث والنشور.

стр. 928

واقع الأمة وموقفها من دينها وعقيدتها الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الفضلاء! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم جل وعلا الذي جمعنا في هذا الجمع الكريم المبارك على طاعته، أن يجمعنا مع حضراتكم في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أيها الأحبة الكرام! ما أحوجنا إلى أن نقضي هذه الدقائق مع آية في كتاب الله جل وعلا استمعنا إليها في صلاة العشاء، ألا وهي قول الله : ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨]. قد نُتهم بأننا نكثر الحديث عن الدار الآخرة، وقد نُتهم بأننا إذا ما أكثرنا الحديث في هذا الجانب أننا نجهل الواقع، ولكن من فتح كتاب الله جل وعلا وجد القرآن كله يركز على الترغيب والترهيب -يُذكر بالجنة والنار- بل إن أول ما نزل من القرآن أنزل الله جل وعلا آيات كريمة طيبة تذكر الناس بالجنة وتحذرهم من النار كما قالت عائشة ﵂: [إن أول ما نزل من القرآن سور تذكر الجنة والنار، ولو قال الله : لا تزنوا، لا تشربوا الخمر، لقالوا: لن ندع الزنا ولن ندع الخمر أبداً]. فالأمة الآن في هذه الأوقات تعيش في واقع مرّ أليم، متشرذمة كتشرذم الغنم في ليلة شاتية ممطرة! والمتدبر لهذا الواقع يعلم يقيناً أن الأمة الآن في أمس الحاجة إلى أن تعيد وتصحح عقيدتها في اليوم الآخر، وتنظر إلى هذا اليوم نظرة واقع وعمل، فإن الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان، ومحال أن يتأصل الإيمان في قلب مسلم بهذا اليوم المهيب إلا إذا أكثر تذكره؛ وأكثر السماع لأهواله. إن الأمة الآن تعيش حالة من الماديات والشهوات الطاغية، وتحتاج إلى من يذكرها دوماً بالله وبجنة الله، ويذكرها دوماً بالنار، ويحذرها منها، فلقد كان النبي يرتقي المنبر ويقول للناس: (أنذرتكم النار، أنذرتكم النار) حتى تسقط الخميصة أو الرداء من على ظهره، يقول أحد الصحابة: [لو كان رجل بالسوق لسمع صوت النبي ﷺ وهو ينادي في الأمة ويقول: أنذرتكم النار، أنذرتكم النار]. طغت الماديات والشهوات بصورة شغلت كثيراً من الناس عن رب الأرض والسماوات، وعن التفكر في هذا اليوم الذي سيقف الإنسان فيه بين يدي الله جل وعلا.

стр. 929

مشاهد من اليوم الآخر ورد في الصحيحين من حديث عدي بن حاتم أنه ﷺ قال: (ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه يوم القيامة، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر -أي: العبد- أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة) ستعرض على الله جل وعلا، فهل فكرت في هذا الموعد؟! هل أعددت لهذا اللقاء؟! أيها الحبيب! كيف يكون حالك إذا عُدت الليلة إلى دارك فرأيت خطاباً من قاضٍ من قضاة الدنيا يأمرك فيه بالمثول بين يديه في الصباح الباكر، أتحداك أن تنام الليل، مع أنك ستقف أمام عبد فقير حقير. لقي الفضيل بن عياض رجلاً، فقال له الفضيل: كم عمرك؟ قال: ستون سنة. قال الفضيل: إذاً أنت منذ ستين سنة تسير إلى الله توشك أن تصل. فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون! فقال الفضيل: هل عرفت معناها؟ قال: نعم، عرفت أني لله عبد وأني إليه راجع. فقال الفضيل: يا أخي! إن من عرف أنه لله عبد وأنه إليه راجع عرف أنه موقوف بين يديه، ومن عرف أنه موقوف عرف أنه مسئول، ومن عرف أنه مسئول فليعد للسؤال جواباً. فبكى الرجل وقال: يا فضيل! وما الحيلة؟ قال الفضيل: يسيرة. قال: ما هي يرحمك الله؟ قال: اتق الله فيما بقي من عمرك، يغفر لك الله ما قد مضى وما قد بقي من عمرك. تذكر وقوفك يوم الحشر عريانا مستوحشاً قلق الأحشاء حيرانا والنار تلهب من غيض ومن حنق على العصاة ورب العرش غضبانا اقرأ كتابك يا عبدي على مهل فهل ترى فيه حرفاً غير ما كانا لما قرأت ولم تنكر قراءته أقررت إقرار من عرف الأشياء عرفانا نادى الجليل خذوه يا ملائكتي وامضوا بعبد عصى للنار عطشانا المشركون غداً في النار يلتهبوا والمخلصون بدار الخلد سكانا يقول جل وعلا: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [الزمر:٦٨] جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! ما الصور؟ فقال المصطفى: قرنٌ ينفخ فيه) والقرن هو البوق، والنافخ هو إسرافيل باتفاق الأمة، يأمر الله إسرافيل أن ينفخ في الصور. ولقد اختلف أهل العلم، فمنهم من قال: إن إسرافيل ينفخ في الصور نفختين، ومنهم من قال: إن إسرافيل ينفخ في الصور ثلاث مرات، ووقف بعضهم وهذا ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية طيب الله ثراه عند آيات القرآن.

стр. 930

نفخة الفزع قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل:٨٧] هذه هي نفخة الفزع التي تحول هذا الكون كله إلى كون انقلبت كل ذراته؛ انقلب كل كيانه، ولو أردت أن تتعرف على هذا الانقلاب الهائل ما عليك إلا أن تقرأ سورة التكوير، والانفطار، والانشقاق: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير:١] ذهب ضياؤها وراح نورها ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ [التكوير:٢] تناثرت من عقدها البديع الفريد ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير:٣] هذه الجبال العملاقة تتحول إلى عهن منفوش ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً * لا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً﴾ [طه:١٠٥ - ١٠٧] ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [التكوير:٣ - ٤] العشار هي: النوق الحبالى، وهي من أغلى ما يمتلكه العربي في أرض الجزيرة، فإذا نفخ في الصور نفخة الفزع، نظر إليها ولم يعبأ بها؛ لأنه قد وقع به ما يشغله. ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير:٥] الوحوش! المفترس مع الأليف الوديع، قد جاء منكسراً ذليلاً إلى الله جل وعلا، فلا يخشى الوديع من المفترس، ولا ينقض المفترس على الأليف؛ لأن الكل قد وقع به ما يشغله ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير:٦] هذه البحار التي جعلها الله سبب الحياة، يتحول ماؤها إلى براكين نارية ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير:٣] إلى آخر الآيات، يتحول هذا الكون كله إلى شيء آخر: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم:٤٨].

стр. 931

نفخة الصعق (الموت) بعد هذه النفخة يأمر الله جل وعلا إسرافيل أن ينفخ في الصور نفخة الصعق -أي: الموت- فيموت كل حي على ظهر هذه الأرض، بل ويموت أهل السماء إلا من شاء الله، ومن أهل العلم من قال: يستثنى جبريل وإسرافيل وميكائيل وملك الموت وحملة العرش، واستدل بعضهم بحديث الصور الطويل وهو حديث ضعيف بطوله؛ لأنه يدور على إسماعيل بن رافع وقد ضعفه أهل الجرح والتعديل، فإذا ما أمر الله إسرافيل بالنفخ في الصور نفخة الصعق يموت كل حي على ظهر هذه الأرض! ويطوي الملك جل وعلا السماوات والأرض بيمينه، وورد في رواية مسلم: (يطوي السماء بيمينه والأرض بشماله) ورواية الصحيحين: (يطوي السماء والأرض بيمينه) وقد ثبت: (وكلتا يديه يمين) ﷻ (يطوي السماء والأرض بيمينه ويقول سبحانه: أنا الملك، أين المتكبرون؟ أو أين الجبارون؟ ثم يقول جل وعلا: لمن الملك اليوم؟ فلا يجيبه أحد؛ لأنه سبحانه في هذا اليوم يسأل ويجيب، فما من سائل غيره ولا مجيب، يقول ﷻ : ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦]) أين الملوك؟ أين الأمراء؟ أين الرؤساء؟ أين الزعماء؟ أين الوزراء؟ مات كل حي وذهب كل شيء. أين الظالمون وأين التابعون لهم في الغي بل أين فرعون وهامان أين من دوخوا الدنيا بسطوتهم وذكرهم في الورى ظلم وطغيان هل أبقى الموت ذا عز لعزته أو هل نجا منه بالسلطان إنسان لا والذي خلق الأكوان من عدم الكل يفنى فلا إنس ولا جان

стр. 932

نفخة البعث ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] الله أكبر! إنها نفخة البعث، انظر إلى هذا المشهد العجب! يقول ابن مسعود، والأثر ذكره الإمام السيوطي في الدر المنثور وعزاه لـ ابن أبي حاتم وابن المنذر وابن مردويه وروى الأثر الحاكم في المستدرك وصححه على شرط الشيخين وتعقب الحاكم الذهبي فقال: بل هو صحيح على شرط البخاري، أن ابن مسعود ﵁ قال: [يبعث الناس يوم القيامة ومنهم من يكون نوره كالجبل، ومنهم من يكون نوره كالنخلة، ومنهم من يكون نوره كالرجل القائم، ومنهم من يكون نوره على إبهامه يوقد مرة ويطفأ مرة، ومنهم من تحيط الظلمة به من كل ناحية] والعياذ بالله؛ لأن النبي ﷺ قال كما في صحيح مسلم (يبعث كل عبد على ما مات عليه) تدبر هذه المشاهد لتقف على خطر هذا اليوم ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق:١ - ٤] ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْأِنْسَانُ مَا لَهَا﴾ [الزلزلة:١ - ٣] ما الذي بدل سكونها؟ ما الذي بدل استقرارها وأمنها؟ ذلك ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٥ - ٨]. يخرج الجميع حفاة عراة غُرلاً، ليعرض الجميع على الله جل وعلا؛ ليكلمك الله، ويعطيك كتابك، فإن كنت من أهل التوحيد السعداء -أسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم، وأن يختم لنا ولكم بالتوحيد- أعطاك الله كتابك بيمينك، وقيل لك كما في الصحيحين من حديث ابن عمر أنه ﷺ قال: (يدنى المؤمن من ربه يوم القيامة حتى يضع رب العزة عليه كنفه -والكنف في اللغة لا تأويلاً للصفة فلسنا ممن يؤول الصفات، هو الستر والرحمة- يدنى المؤمن من ربه يوم القيامة حتى يضع رب العزة عليه كنفه، ويقرره بذنوبه فيقول: لقد عملت كذا وكذا في يوم كذا وكذا، فيقول المؤمن: رب أعرف، رب أعرف، فيقول له الله جل وعلا: ولكني سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، ويعطيه صحيفة حسناته) أما الآخرون -عياذاً بالله- ينادى عليهم على رءوس الأشهاد: ألا هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين! يدنى المؤمن من ربه ويكلمه الله جل وعلا -ينادى عليه- وتعطى هذه الصحيفة التي لا تغادر بلية كتمتها، ولا مخبأة أسررتها، بل كم من معصية قد كنت نسيتها ذكرك الله إياها، وكم من مصيبة قد كنت أخفيتها أظهرها الله لك وأبداها، فيا حسرة قلبك وقتها على ما فرطت في دنياك من طاعة مولاك، فتدبر هذه الآية: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] ستعرضون على الله جل وعلا ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥]. فيا أيها الحبيب! أكثر من ذكر هذا اليوم واستعد له بالعمل الصالح؛ بالقرب من الله جل وعلا، وبالبعد عن المحرمات والمعاصي والذنوب، واعلم بأن أقرب غائب تنتظره هو الموت فإن العبد إذا مات قامت قيامته، يسأل في هذا القبر الضيق: عن ربه، ونبيه، ودينه. فيا أيها الحبيب الكريم! أذكر نفسي وإياك بالعمل والاستعداد الجاد لهذا اليوم العظيم: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]. مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور إذ كورت شمس النهار وأدنيت حتى على رأس العباد تصير وإذا النجوم تساقطت وتناثرت وتبدلت بعد الضياء كدور وإذا الجبال تقلعت بأصولها فرأيتها مثل السحاب تسير وإذا العشار تعطلت وتخربت خَلتِ الديار فما بها معمور وإذا الوحوش لدى القيامة أحشرت وتقول للأملاك أين نسير وإذا الجليل طوى السما بيمينه طيَّ السجل كتابه المنشور وإذا الصحائف نشِّرت وتطايرت وتهتكت للعالمين ستور وإذا الجنين بأمه متعلق يخشى القصاص وقلبه مذعور هذا بلا ذنب يخاف جناية كيف المصر على الذنوب دهور وإذا الجحيم تسعرت نيرانها ولها على أهل الذنوب زفير وإذا الجنان تزخرفت وتطيبت لفتىً على طول البلاء صبور قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لطاعته، وأن يوفقنا وإياكم للاستعداد الجاد لهذا اليوم العظيم، يوم نقوم لرب العالمين، وأسأل الله أن يختم لي ولكم بخاتمة التوحيد، وأن يحشرنا وإياكم في زمرة الموحدين، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 933

وقفة مع النفس الأيام تمر إثر الأيام، والأشهر تجري وراء الأشهر، والسنون تتلوها السنون، فتنقضي الأعمار، وتندرس الأجيال جيلاً بعد جيل، وبعدها يقف الجميع بين يدي الملك الجليل للحساب والسؤال عن القليل والكثير، وهذه دعوة يقدمها الشيخ لكل المسلمين للمبادرة بمحاسبة النفس، فهل من قابل للدعوة؟! وهل من مشمر لها؟

стр. 934

أهمية محاسبة النفس إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: حياكم الله جميعاً أيها الإخوة الفضلاء، وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله الكريم جلا وعلا الذي جمعنا معكم في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار مقامه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله: هاهي الأيام تمر والأشهر تجري وراءها تسحب معها السنين، وتجر خلفها الأعمار، وتقضي على جيل بعد جيل، وبعدها يقف الجميع بين يدي الملك الجليل، للسؤال عن الكثير والقليل، مصداقاً لقوله : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]. وكان سلفنا الصالح رضوان الله عليهم يقف الواحد مع نفسه ليحاسبها محاسبة الشريك الشحيح لشريكه فهذا هو دريد بن الصمة ﵀ جلس يوماً مع نفسه جلسة صدق، وعدَّ سنوات عمره التي مضت، فوجد أنه قد قارب الستين، وأن أيام عمره زادت على واحد وعشرين ألف يوم، فصرخ وقال: يا ويلاه يا ويلاه، ألقى ربي في واحد وعشرين ألف ذنب! كيف وفي كل يوم عشرات المعاصي والذنوب؟!. فأحببت أن أقف الليلة مع نفسي وأحبابي وإخواني لأذكرهم بوقفة مع النفس، فهذا هو عنوان محاضراتنا في هذه الليلة المباركة -وكما تعودت- حتى لا ينسحب بساط الوقت سريعاً من تحت أقدامنا، فسوف ينتظم حديثي مع هذا الموضوع المهم في العناصر التالية: صفات النفس في القرآن الكريم. محاسبة النفس. مشقة الحساب يوم القيامة أفق يا سابحاً في بحار الغمرات. فأعيروني القلوب والأسماع، فما أحوجنا جميعاً إلى هذه الوقفة الصادقة مع النفس، وأسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٨].

стр. 935

صفات النفس في القرآن الكريم أحبتي الكرام: فقد وصف الله تعالى النفس في القرآن الكريم بثلاث صفات.

стр. 936

النفس المطمئنة قال تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر:٢٧ - ٢٨]. فما هي النفس المطمئنة؟ النفس المطمئنة: هي النفس التي اطمأنت إلى الرضا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ رسولاً ونبياً. هي النفس التي اطمأنت إلى أمر الله ونهيه، هي النفس التي اطمأنت إلى وعد الله ووعيده، هي النفس التي اطمأنت واشتاقت إلى لقاء الله . قال أحد السلف: [مساكين والله أهل الغفلة خرجوا من الدنيا ولم يذوقوا أطيب ما فيها، قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: ذكر الله والأنس به]. فلا يتذوق المؤمن طعم الأنس ولا حلاوة القرب إلا في طاعة الله جل وعلا، ولا تشعر بلذة الطمأنينة وحلاوتها إلا مع الله جل وعلا. فالنفس المطمئنة: هي النفس الراضية عن الله وعن شرعه وعن نبيه ﷺ (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً) والحديث في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة.

стр. 937

النفس اللوامة النفس اللوامة هي: نفس أبية كريمة هي الأخرى. قال ميمون بن مهران: [لا يبلغ المؤمن درجة التقى إلا إذا حاسب نفسه محاسبة الشريك الشحيح]. فهي نفس كريمة تلوم صاحبها على الخير والشر معاً، تلوم صاحبها على الخير لماذا لم تكثر منه؟ لماذا لم تداوم على فعل الخيرات؟ وتلوم صاحبها على الشر والمعاصي: لماذا فعلت الشر؟ لماذا ارتكبت المعصية؟ لماذا وقعت في الذنب؟ فهي نفس كريمة، أقسم الله بها في قرآنه، قال سبحانه: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة:١ - ٢]. فالنفس اللوامة هي التي تلوم صاحبها على الخير والشر، على الخير لماذا لم يكثر منه، وعلى الشر لماذا وقع فيه.

стр. 938

النفس الأمارة أما النفس الأمارة -أسأل الله أن يعيذني وإياكم من شرها- فهي النفس التي تدفع صاحبها دفعاً إلى المعصية، وتحاول تلك النفس الخبيثة أن تخرج صاحبها من طريق الهداية إلى طريق الغواية، والطاعة إلى المعصية، والخير إلى الشر. لو أتيت الليلة إلى مثل هذا المسجد المبارك لتقضي وقتاً مع الله جل وعلا في صلاة القيام الذي قال في حقه ﷺ كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) وقفت النفس الأمارة لك بالمرصاد، تريد أن تحول بينك وبين هذا الخير. والناس صنفان: صنف انتصر على نفسه وقهرها وغلبها، وفطمها عن المعصية، وألجمها بلجام التقوى، وجعلها مطية إلى كل خير وطاعة، أسأل الله أن يجعلني وإياكم من هذا الصنف الكريم، قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٧ - ١٠]. صنف أفلح في تزكية نفسه، زكاها بالطاعة وبالبعد عن المعصية والشهوات والشبهات، زكاها عن كل ما يغضب الله . وصنف قهرته نفسه، وغلبته نفسه، وجعلته -النفس- مطية إلى كل هوى وشهوة ومعصية وذنب، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٣٧ - ٤١]. فالنفس أمارة بالسوء، قال الله تعالى في حق هذه النفس حكاية عن امرأة العزيز: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف:٥٣]. هذه النفس الأمارة تستوجب من المسلم التقي الذكي أن يكون منتبهاً مستيقظاً فطناً، فقد تزين لك المعصية والتسويف في آن، فينبغي أن يكون المؤمن حذراً من هذه النفس الأمارة، وأن ينتبه إليها، وأن يقف معها لا أقول في كل ليلة، بل مع كل كلمة وعمل، بل قبل القول، وبعد القول، وقبل العمل، وبعد العمل، ليحاسبها محاسبة الشريك الشحيح لشريكه في التجارة، وإلا لهلك الإنسان من حيث لا يدري ولن ينتبه إلا وهو في عسكر الموتى بين الأموات. قال سليمان بن عبد الملك لـ أبي حازم الزاهد العابد العالم: [يا أبا حازم! ما لنا نحب الدنيا ونكره الموت؟ فقال أبو حازم: لأنكم عمرتم دنياكم وخربتم أخراكم، وأنت تكرهون أن تنقلوا من العمران إلى الخراب] من الذي يحب أن يترك العمران ويترك حياة الرفاهية ليذهب إلى الصحراء والخراب؟. فقال سليمان: [يا أبا حازم! فما لنا عند الله جل وعلا؟ فقال أبو حازم: اعرض نفسك على كتاب الله لتعلم أين مكانتك عند الله جل وعلا، فقال: وأين أجد ذلك؟ فقال أبو حازم: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار:١٣ - ١٤] فقال سليمان: فأين رحمة الله يا أبا حازم؟! فقال أبو حازم: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦] فقال سليمان: فكيف القدوم على الله غداً؟ فقال أبو حازم: أما المحسن فكالغائب يرجع إلى أهله، وأما المسيء فكالآبق يرجع إلى سيده ومولاه].

стр. 939

عدم ارتباط المحاسبة بوقت المؤمن هو الذي يقف مع نفسه ليذكرها بحقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة، وهذا هو عنصرنا الثاني بإيجاز: محاسبة النفس، والمحاسبة نوعان:

стр. 940

المحاسبة قبل القول والعمل لمن أتكلم؟ لمن أعمل؟ لماذا أحب؟ لماذا أبغض؟ لماذا أوالي؟ لماذا أعادي؟ لماذا أعطي؟ لماذا أمنع؟ لماذا جئت؟ لماذا لم آت؟ سؤال عن الإخلاص لمن تعمل: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠]. إخوتي الكرام! لو وقف أحدنا وحاسب نفسه قبل أن يتكلم وقبل أن يعمل لتغير حالنا تماماً، بل لفكر أحدنا بدل المرة ألف مرة قبل أن ينطق مرة؛ لأنه سوف يسأل نفسه: لماذا أتكلم؟ فهل أبتغي بعملي هذا وجه الله، أم أبتغي السمعة والشهرة والرياء؟ حساب للنفس قبل القول والعمل يجعل الإنسان يفكر بدل المرة ألف مرة قبل أن ينطق مرة، وقبل أن يعمل مرة، والله جل وعلا لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً لوجهه، وما كان موافقاً لهدي نبيه ﷺ . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية طيب الله ثراه: وجماع الدين أصلان: الأصل الأول: أن نعبد الله وحده لا شريك له، والأصل الثاني: أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله ﷺ . وهذان الأصلان هما حقيقة قولنا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فبالشهادة الأولى يُعرف المعبود ، وبالشهادة الثانية: يعرف كيف يُتوصل إلى المعبود ، إذ أن الطرق كلها مسدودة إلى الله إلا من طريق المصطفى ﷺ ، وفي الصحيحين من حديث عائشة أنه ﷺ قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد).

стр. 941

المحاسبة بعد القول والعمل إذاً: محاسبة قبل القول والعمل، ومحاسبة بعد القول والعمل، أحاسب نفسي بعد كل كلمة وحركة: هل ابتغيت بها وجه الله؟ ثم هل كان العمل موافقاً لهدي رسول الله ﷺ ؟ فإن وجد المؤمن نقصاً أكمله، وإن وجد خللاً سده، وإن وجد تقصيراً اتهم نفسه. وأؤكد لكم بأن المؤمن دائماً يتهم نفسه بالتقصير، ولا يرى لنفسه أبداً فضلاً ولا شرفاً ولا كرامة، فإن أطعت الله فمن الذي وفقك للطاعة؟ وإن صبرت من بعد صلاة العشاء إلى وقت القيام في بيت رب الأرض والسماء فمن الذي وفقك لهذا؟ غيرك الآن يجلس أمام التلفاز وأنت الآن في بيت الله بغير حول منك ولا طول. بل إن الحول والطول والمدد والقوة من الله وحده: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧] ويقول المصطفى ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه) ينشأ في بيت يهودي على اليهودية، وآخر ينشأ في بيت نصراني على النصرانية، وآخر ينشأ في بيت مجوسي على المجوسية، ونحن نشأنا في بيوت توحد رب البرية، فوحدنا الله جل وعلا من غير رغبة منا ولا اختيار: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة:٤]. فيا إخوتي الكرام! والله إن لله علينا نعماً لا تعد ولا تحصى، وإن أجل وأكرم نعمة قد أنعم الله بها علينا هي نعمة الإيمان والتوحيد، ولله در القائل: ومما زادني فخراً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك: يا عبادي وأن أرسلت أحمد لي نبياً فالمؤمن دوماً يحاسب نفسه ويتهم نفسه بالتقصير: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠]. قالت عائشة رضوان الله عليها: (يا رسول الله! أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر؟! قال: لا يا بنت الصديق، إنه الرجل يصلي ويصوم ويتصدق ويخشى ألا يتقبل الله منه). ولذلك جاء رجل إلى أم المؤمنين عائشة ﵂، فقال: [يا أم المؤمنين! ما تقولين في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر:٣٢] فقالت عائشة: يا بني! أما السابق بالخيرات: فقوم سبقوا مع رسول الله ﷺ وشهد لهم بالجنة، وأما المقتصد: فقوم ساروا على هديه ﷺ حتى ماتوا على ذلك، وأما الظالم لنفسه: فمثلي ومثلك]. أم المؤمنين عائشة جعلت نفسها معنا وهي من؟ هي المبرأة من فوق سبع سماوات، هي زوج النبي ﷺ المبشرة بالجنة، هي أحب نساء النبي إلى قلبه بعد خديجة، كما في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمرو: (يا رسول الله! أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قال: من الرجال؟ قال: أبوها، قال: ثم من، قال: ثم عمر). وهاهو سفيان الثوري إمام الدنيا في الزهد والعلم والورع ينام على فراش الموت فيدخل عليه حماد بن سلمة، فيقول له حماد: [أبشر يا أبا عبد الله إنك مقبل على من كنت ترجوه وهو أرحم الراحمين، فقال له سفيان: أسألك بالله يا حماد! أتظن أن مثلي ينجو من النار؟!].

стр. 942

دعوة إلى محاسبة النفس فالمسلم دوماً يحاسب نفسه ويتهمها بالتقصير، فقف أيها الحبيب مع نفسك الليلة وقفة صدق وقل لها: يا نفس! ليس لي بضاعة إلا العمر، فإن ضاعت بضاعتي ضاع رأس مالي، توهمي يا نفس أنك قد متي وطلبتي من الله الرجعة، وهاأنت قد عدتي إلى الدنيا فاعملي قبل أن تتمني الرجعة يوماً فلا يستجاب لك: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] فيكون الجواب ﴿ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠]. يا نفس! إن كنت تجترئين على معصية الله وأنتِ تظنين بأن الله لا يراك فما أعظم كفرك بالله جل وعلا! وإن كنت تعلمين بأن الله يراك وأنت مصّرة على معصيته فما أشد جرأتك على الله، وما أعظم وقاحتك مع الله . يا نفس! إلى متى تعصين وعلى الله تجترئين؟! ومتى ستعيشين بالإسلام وللإسلام؟! يا نفس! متى ستحافظين على قراءة القرآن، وعلى هدي النبي ﵊، وعلى تحقيق التوحيد لله، وعلى بر الوالدين، وعلى الإحسان للجيران؟! ومتى ستبذلين المال للفقراء؟! ومتى ستحسنين العمل؟! متى متى متى؟! يا نفس! أما لك بأهل القبور عبرة؟! أما لك إليهم نظرة؟! كانوا كثيراً، وجمعوا كثيراً، فأصبح بنيانهم قبوراً، وأصبح جمعهم بوراً. يا نفس! ألا تفكرين في القبر وضمته؟! ألا تفكرين بالصراط ووحدته؟! ألا تفكرين في النار والأهوال والأغلال؟! أما تخشين من الحجاب عن النظر إلى وجه الكبير المتعال؟! ويحك يا نفس! يا نفس قد أزف الرحيل وأظلك الخطب الجليل فتأهبي يا نفس لا يلعب بك الأمل الطويل فلتنزلن بمنزل ينـ ـسى الخليل به الخليل وليركبن عليك فيه من الثرى حمل ثقيل قرن الفناء بنا جميعاً فما يبقى العزيز ولا الذليل أيها الأخ الحبيب: قف مع نفسك الليلة وقفة صدق، وحاسبها محاسبة شديدة، واعلم أن النفس كالطفل إن فطمتها عن المعصية انفطمت، وإن ألجمتها بلجام التقوى ألجمت، وإن عودتها على الطاعة اعتادت، فالنفس كالطفل، إن فطمت الطفل عن ثدي أمه بكى يوماً أو يومين ثم اعتاد بعد ذلك، كذلك النفس. فيظن كثير منا أن إجبار النفس على الطاعة وإبعادها عن المعصية أمر عسير، وهو كذلك إلا لمن يسر الله له ذلك. أسأل الله أن ييسر لنا ولكم الطاعات.

стр. 943

مشقة الحساب يوم القيامة اعلم بأن النفس جموح، وأن النفس أمارة، وأنه لن يخف الحساب يوم القيامة إلا على من حاسب نفسه في الدنيا. قال عمر بن الخطاب: [حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر يوم لا تخفى منكم خافية، فإنما يخف الحساب يوم القيامة عمن حاسب نفسه في الدنيا]. أيها الحبيب: هل دعيت يوماً لحضور محاكمة في قاعة محكمة من محاكم الدنيا؟ انتقل معي على جناح السرعة إلى قاعة محكمة وتصور أنك جالس في هذه القاعة، وهاهو القاضي يدخل إلى قاعة المحكمة، وبين يديه الحاجب ليصرخ في الحضور: محكمة انظر إلى وجوه الناس وتفرس، انظر إلى الصدور ربما تعلو وتهبط وهي تنتظر أن تسمع الحكم من القضاء؛ بل ربما ترى العيون وقد انهمرت منها الدموع مدراراً على الوجوه، والآذان صاغية، والأبصار مشدودة، والكل منتظر، المتهم في قفص الاتهام وأهله ينتظرون، يا ترى بأي حكم سينطق القاضي في هذه اللحظات؟! تصور هذه اللحظات لتقف على حجم الهول الذي يعيش فيه الناس، ولله المثل الأعلى، فأرجو أن تنتقل من هذه الجلسة إلى لحظات يقف فيها العبد على بساط العدل بين يدي الله جل وعلا، وقد دنت الشمس من الرءوس مقدار ميل وغرق الناس في عرقهم كل على قدر عمله، وأتي بجهنم ولها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، فإذا رأت جهنم الخلائق زفرت وزمجرت، فتجثوا كل الأمم على الركب من هول الموقف. تذكر وقوفك يوم العرض عرياناً مشتوحشاً قلق الأحشاء حيرانا والنار تلهب من غيظ ومن حنق على العصاة ورب العرش غضبانا اقرأ كتابك يا عبدي على مهل فهل ترى فيه حرفاً غير ما كانا لما قرأت ولم تنكر قراءته إقرار من عرف الأشياء عرفانا نادى الجليل خذوه يا ملائكتي وامضوا بعبدٍ عصى للنار عطشانا المشركون غداً في النار مسكنهم والمؤمنون بدار الخلد سكانا مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور إذ كورت شمس النهار وأدنيت حتى على رأس العباد تسير وإذا النجوم تساقطت وتناثرت وتبدلت بعد الضياء كدور وإذا الجبال تقلعت بأصولها فرأيتها مثل السحاب تسير وإذا العشار تعطلت وتخربت خلت الديار فما بها معمور وإذا الوحوش لدى القيامة أحشرت وتقول للأملاك أين نسير وإذا الجليل طوى السما بيمينه طي السجل كتابه المنشور وإذا الصائحف نشرت وتطايرت وتهتكت للعالمين ستور وإذا الوليد بأمه متعلق يخشى القصاص وقلبه مذعور هذا بلا ذنب يخاف جناية كيف المصر على الذنوب دهور وإذا الجحيم تسعرت نيرانها ولها على أهل الذنوب زفير وإذا الجنان تزخرفت وتطيبت لفتىً على طول البلاء صبور وصدق ربي حيث يقول: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً * لا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً * يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً * يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً * وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾ [طه:١٠٥ - ١١١]. ((وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ)) [طه:١١١] تذكر هذه اللحظات لتقف على مشقة الحساب بين يدي رب الأرض والسماوات، ففي الصحيح من حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: (من نوقش الحساب يوم القيامة عذب، قالت عائشة: يا رسول الله! أليس الله يقول: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ [الانشقاق:٧ - ٨]؟! قال: ليس ذلك الحساب يا عائشة! إنما ذلك العرض، فمن نوقش الحساب يوم القيامة عذب). والعرض: هو أن يعرض الله على العبد أعماله، كما في الصحيحين من حديث عدي بن حاتم أن النبي ﷺ قال: (ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر العبد أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة). وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: (يدنى المؤمن من ربه يوم القيامة حتى يضع رب العزة عليه كنفه، ويقرره بذنوبه) أي: يقول الرب سبحانه: عبدي لقد عملت كذا وكذا أي: من الذنوب والمعاصي، يوم كذا وكذا، وعملت كذا وكذا يوم كذا وكذا (فيقول المؤمن: رب أعرف، فيقول الله : ولكن سترتها عليك في الدنيا وأغفرها لك اليوم). انظروا إلى فضل الله ، فمن نوقش الحساب يوم القيامة عذب، فإن الهول شديد، وإن الكرب والله عظيم، ولن تخف مشقة الحساب على العبد يوم القيامة إلا إن حاسب نفسه، وشق على نفسه في الحساب في الدنيا، قال عمر: [حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر يوم لا يخفى منكم خافية فإنما يخف الحساب يوم القيامة عمن حاسب نفسه في الدنيا].

стр. 944

أفق يا سابحاً في بحار الغمرات أفق يا سابحاً في بحار الغمرات. أيها اللاهي! أيها الساهي: دع عنك ما قد فات في زمن الصبا واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب لم ينسه الملكان حين نسيته بل أثبتاه وأنت لاه تلعب والروح منك وديعة أودعتها ستردها بالرغم منك وتسلب وغرور دنياك التي تسعى لها دار حقيقتها متاع يذهب الليل فاعلم والنهار كليهما أنفاسنا فيها تعد وتحسب

стр. 945

أهمية المسارعة في التوبة عد إلى الله جل وعلا، واعلم بأن الدنيا -أخي الحبيب- مهما طالت فهي قصيرة، ومهما عظمت فهي حقيرة؛ لأن الليل مهما طال لا بد من طلوع الفجر، ولأن العمر مهما طال لابد من دخول القبر، فالدنيا دار ممر، والآخرة هي دار المقر، فخذوا من ممركم لمقركم ولا تفضحوا أستاركم عند من يعلم أسراركم. قال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد:٢٠]. ولله در القائل: إن لله عباداً فطنا طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي وطناً جعلوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفناً فالدنيا مزرعة -أيها الأحبة- أنا لا أريد أن أيئسك من الدنيا، أو أن أقنطك من الحياة، كلا. وإنما أقول لك ما قاله علي رضوان الله عليه بهذا الفهم العالي لحقيقة الدنيا حيث قال: [الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار نجاة لمن تزود منها، فالدنيا مصلى أنبياء الله، ومتجر أولياء الله، ومهبط رحمة الله، ربحوا فيها الرحمة، واكتسبوا فيها الجنة]. ازرع في هذه الدنيا واستعد، وأقبل إلى الله جل وعلا، وأفق وانتبه، واعلم أن العمر قصير، وبأن الدنيا إلى زوال، وأن الآخرة هي دار القرار، أقبل على الله وأنت على يقين بأن الله سيفرح بتوبتك وهو الغني عنك، كما ذكرت إخوانكم قبل الآن فالله ﵎ يقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].

стр. 946

فرحة الله بتوبة العبد يقول ﷺ كما في الصحيحين من حديث أنس: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته في أرض فلاة، فانفلتت منه راحلته وعليها طعامه وشرابه فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها وقد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا به يرى راحلته قائمةً عند رأسه، فأخذ بخطامها وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك -يقول المصطفى ﷺ : أخطأ من شدة الفرح). أيها الحبيب: فرح الله بتوبتك إليه أفرح من هذا العبد بعودة راحلته إليه. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يمضي ثلث الليل الأول -يتنزل ربنا نزولاً يليق بكماله وجلاله- ثم ينادي رب العزة ويقول: أنا الملك من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر). وأختم بهذا الحديث الذي رواه البخاري من حديث عمر بن الخطاب ﵁: (أن النبي ﷺ رأى يوماً امرأة في السبي تبحث عن ولدها، فلما وجدته ألزقته ببطنها فأرضعته، فالتفت النبي ﷺ إلى هذا المشهد الحاني وقال لأصحابه: أترون هذه الأم طارحة ولدها في النار؟! قالوا: لا يا رسول الله، فقال ﷺ : لله أرحم بعباده من رحمة هذه الأم بولدها). قال أحد أهل العلم: اللهم إنك تعلم أن أمي هي أرحم الناس بي، وأنا أعلم أنك أرحم بي من أمي، وأمي لا ترضى لي الهلاك والعذاب، أفترضاه لي أنت وأنت أرحم الراحمين؟! اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر. اللهم اغفر لنا الذنوب، واستر لنا العيوب، وفرج عنا الكروب، وتقبل منا صالح الأعمال، برحمتك يا أرحم الراحمين. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 947

يا رب! أمتي أمتي تحدث شيخنا -حفظه الله- عن الشفاعة كحَدَث عظيم يوم القيامة، مبيناً أن أبانا آدم وأولي العزم من الرسل يهابون الوقوف للشفاعة الكبرى؛ فتصل إلى حبيبنا المصطفى ﵌ فيقول: أنا لها، أنا لها؛ وذلك هو المقام المحمود الذي وعده الله إياه! ثم تكلم عن هول ذلك اليوم، مذكراً الأمة بوجوب توقير وتعظيم النبي الكريم، وأن التمسك بسنته عزة، وتركها ذلة يضربها الله على الأمة كما هو حالها اليوم.

стр. 948

من مشاهد يوم القيامة والشفاعة العظمى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله, أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة؛ فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين, فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته, وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء والإخوة الأحباب الكرام الأعزاء. وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً, وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته, إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله: في رحاب الدار الآخرة سلسلة علمية هامة تجمع بين المنهجية والرقائق, وبين التأصيل العلمي والأسلوب الوعظي الهادف، منها: تذكير الناس بالآخرة في عصر طغت فيه الماديات والشهوات, وانصرف كثير من الناس عن منهج رب الأرض والسماوات؛ ليعجلوا بالتوبة إلى الله قبل أن تأتيهم الساعة بغتة وهم يخصمون؛ فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ. وهذا هو لقاؤنا الحادي عشر من لقاءات هذه السلسلة المباركة الكريمة, وكنا قد أنهينا الحديث في اللقاء الماضي مع الناس وهم في أرض المحشر وقد اشتد بهم الهول والغم والكرب، فالزحام يكاد وحده أن يخنق الأنفاس, والشمس فوق الرءوس بمقدار ميل, والناس غرقى في عرقهم كل بحسب عمله وقربه من الملك الجليل, وفي هذا المشهد الرهيب العصيب يزداد الهم والغم والكرب بمجيء جهنم -أعاذنا الله من حرها- قال تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:٢٣ - ٢٦]. وفي الحديث الذي رواه مسلم من حديث ابن مسعود أنه ﷺ قال: (يؤتى بجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها) , فإذا ما رأت النار الخلائق زفرت وزمجرت غضباً منهم لغضب الملك الجبار ﷻ ، وحينئذٍ تجثو جميع الأمم على الركب، قال تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٨]. وهنا تطير قلوب المؤمنين شوقاً إلى الجنة -اللهم اجعلنا منهم بمنك وكرمك- وتطير قلوب المجرمين هرباً وخوفاً وفزعاً ورهبة من النار, بل ويعضُّ صنف كثير من الناس في أرض المحشر على يديه يتأسف ويتحسر ويتندم على ما قدم في هذه الحياة الدنيا، ولكن يوم لا ينفع الندم قال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً * وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان:٢٦ - ٢٩]. ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي﴾ [الفرقان:٢٧] ولكن متى؟! ضاع وقت التحسر, وفات وقت الندم ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٩]. في هذا الكرب ينطلق بعض الناس ويقول بعضهم لبعض: ألا ترون ما نحن فيه؟ وما قد بلغنا؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم ليقضي بينكم ولا نقف هذا الموقف العصيب الرهيب؟! وهناك يقول كل نبي: نفسي نفسي ويقول المصطفى: (أنا لها) , فلا يتقدم للشفاعة إلا نبينا ﷺ ، وهذا هو موضوعنا اليوم معكم أيها الأحبة الكرام, وكما تعودنا فسوف ينتظم حديثنا معكم في العناصر التالية: أولاً: الشفاعة العظمى. ثانياً: من أسعد الناس بشفاعة المصطفى ﷺ . ثالثاً: مجيء الرب ﷻ . فأعرني قلبك وسمعك -أيها الحبيب- والله أسأل أن يتقبل مني ومنكم جميعاً صالح الأعمال، وأن يستر علينا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض إنه على كل شيء قدير.

стр. 949

الشفاعة العظمى واختصاصها بالنبي ﷺ روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (أنا سيد الناس يوم القيامة، ثم قال: هل تدرون مم ذاك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد وتدنو الشمس من الرءوس؛ فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما نحن فيه؟ ألا ترون ما قد بلغنا؟ ألا تنظرون من يشفع لنا إلى ربنا؟ فيقول بعضهم لبعض: أبوكم آدم, فيأتون آدم ﵇ فيقولون: يا آدم! أنت أبو البشر، خلقك الله بيده, ونفخ فيك من روحه, وأمر الملائكة بالسجود لك، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم ﵇: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله) -اللهم إنا نسألك بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات, وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، ألا تنزل بنا غضبك أو يحل علينا سخطك, لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك يا أرحم الراحمين-. يقول أبو البشرية آدم وهو نبي من أنبياء الله: (إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد نهاني عن الشجرة فعصيت، نفسي نفسي نفسي) -اللهم سلّم سلّم يا أرحم الراحمين-. يا أخي! بالله عليك عش بقلبك مع هذه الكلمات, آدم أبو البشر يقول: (نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري, اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحاً ﵇ فيقولون: يا نوح! أنت أول رسل الله إلى الأرض، وقد سماك الله عبداً شكوراً، فاشفع لنا إلى ربك, ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟) -نوح أول رسل الله في الأرض, ذلكم العملاق الذي ظل يدعو إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاماً, ذلكم النبي الكريم الذي دعا القوم في السر والعلانية، في الليل والنهار ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلَّا فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾ [نوح:٥ - ٩] ما ترك هذا النبي الكريم سبيلاً إلا وسلكه، ألف سنة إلا خمسين سنة لم ينم ولم يهدأ، ولم يقر له قرار- فيقول نوح: (إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه كانت لي دعوة فدعوت بها على قومي، نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري) لقد دعا نبي الله نوح دعوته، فلكل نبي دعوة مستجابة، كل نبي تعجل بها في الدنيا إلا المصطفى ﷺ , كما في صحيح مسلم: (لكل نبي دعوة مستجابة، وكل نبي قد تعجل دعوته إلا أنا فقد اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فإنها نائلة إن شاء الله تعالى من مات لا يشرك بالله شيئاً) اللهم ارزقنا التوحيد وتوفنا عليه يا أرحم الراحمين. نوح دعا على قومه فقال: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧] , لذا يقول: (اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم) إلى الخليل والحليم الأواه وحبيب الله بلا نزاع, إلى هذا النبي الكريم الذي حرم الله على النار أن تمس جسده قال تعالى: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]. (فيأتون إبراهيم الخليل ﵇ ويقولون: يا إبراهيم! أنت نبي الله وأنت خليل الله من أهل الأرض اشفع لنا إلى ربك, ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول خليل الله إبراهيم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، ويذكر إبراهيم كذباته, ثم يقول: نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري). وهل كذب إبراهيم؟! والجواب من صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ قال: (لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات اثنتين منهن في ذات الله، أما الأولى فقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩]) متى قال إبراهيم هذه العبارة؟ يوم كان شاباً صغيراً نشأ في قوم يعبدون الأصنام, ودعاه والده ليخرج مع القوم في عيد عبادة الأصنام، فتعلل إبراهيم بالمرض فقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩]؛ لأنه لا يريد أن يسجد لغير رب العالمين. وأما الثانية فقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٣] وذلك عندما حطم الأصنام وعلق الفأس في رأس كبير هذه الآلهة المدعاة, فلما عادوا ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٥٩] , فرد البعض بلغة التحقير التي هي ديدن الظالمين في كل زمان وأوان: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ [الأنبياء:٦٠ - ٦١] , ثم وجهوا له هذا السؤال ﴿ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٢ - ٦٣]. وأما الكذبة الثالثة: فهي يوم أن خرج مهاجراً بزوجته سارة فنزل مصر، وكان في مصر في ذاك الزمان جبار من الجبابرة -أسأل الله أن يطهر مصر من الجبابرة في كل زمان وأوان- فلما مر بـ سارة ﵍ نقل بعض الناس لهذا الجبار: إن رجلاً قد نزل بأرضنا معه امرأة من أجمل الناس. فأرسل هذا الجبار الخبيث بالشرطة، فجاءت لإبراهيم فأخذوه إلى الجبار، فقال له: من هذه؟ فقال إبراهيم: إنها أختي. ولم يقل إنها زوجتي؛ فلو قال: إنها زوجتي لقتله ليخلص إليها, فقال: إنها أختي. ثم عاد إبراهيم فقال لها: يا سارة! لقد سألني هذا الرجل عنك فقلت له: إنها أختي؛ فإنه لا يوجد على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، فأنت أختي في دين الله جل وعلا, فإن سألك فصدقيني ولا تكذبيني. ثم أرسل هذا الخبيث الجبار إلى سارة فأتي بها, فلما دخلت عليه ونظر إليها قام إليها ليلمسها بيده، فشلّ الله يده -والحديث في صحيح البخاري - ووقف فقال لها: ادعي الله ولا أضرك بعدها, فدعت الله فأطلق الله يده, فقام إليها الخبيث مرة ثانية ليتناولها بيده فشلّ الله يده, فقال: ادعي الله ولا أضرك بعدها, فدعت الله فأطلقت يده, فنادى على بعض حجبته وقال: إنكم لم تأتوني بإنسان وإنما أتيتموني بشيطان، اخرجوا بها وأخدموها هاجر , فأعطاها هاجر ﵍؛ لتخدمها وهي التي تزوجها إبراهيم بعد بذلك. فعادت سارة بـ هاجر فرأت إبراهيم يصلي لله جل وعلا, فلما انصرف من صلاته قال: مهيم -أي: ماذا فعل الله بك؟ - فقالت سارة: رد الله كيد الفاجر وأخدم هاجر، أي: وأعطاني هاجر خادمة لي. وهكذا صان الله عرض نبيه إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام, هذه كذبات إبراهيم على هامش الحديث الذي نحن بصدده، أرجع إلى حديث الصحيحين، يقول إبراهيم: (نفسي نفسي نفسي -وذكر كذباته التي ذكرت الآن- اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى) إنه الكليم والمصطفى بالرسالة، والمجتبى بالكلام، والمصنوع على عين الله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] اصطفاه الله برسالاته وبكلامه على جميع الخلق. فيأتون موسى فيقولون: (يا موسى! أنت كليم الله، اصطفاك الله برسالاته وبكلامه على الناس ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ اشفع لنا إلى ربك, فيقول موسى ﵇: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفساً لم أومر بقتلها، نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري -حتى الكليم يقول: اذهبوا إلى غيري! - اذهبوا إلى عيسى -يقول الحبيب محمد:- فيأتون عيسى ﵇ ويقولون: يا عيسى! أنت رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وكلمت الناس في المهد، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ اشفع لنا إلى ربك, فيقول عيسى ﵇: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله, اذهبوا إلى غيري، نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى محمد بن عبد الله). فهو والله التجارة الرابحة من سار على دربه نجا في دنياه وأخراه، بأبي هو وأمي ﷺ , ولم يذكر عيسى ﷺ ذنباً من الذنوب، فيقول الحبيب المصطفى: (فيأتوني فيقولون: يا رسول الله! لقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ اشفع لنا إلى ربك, فيقول المصطفى: أنا لها أنا لها -بأبي هو وأمي ﷺ ، لا يقول ولا يجيب إلا الحبيب- يقول: فأقوم فأخر ساجداً لربي تحت العرش، ثم ينادي عليه الملك ﷻ ويقول: يا محمد! ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع, فيقول الحبيب ﷺ : يا رب! أمتي، يا رب! أمتي، يا رب! أمتي) هو الحليم الأواه صاحب القلب الكبير والرحيم, الذي قال الله في حقه: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]. قرأ يوماً قول الله في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أ

стр. 950

المقام المحمود وفضله ﷺ أقول: لم يشفع في البشرية كلها لفصل القضاء إلا المصطفى، ولم يرد الملك ﷻ إلا على محمد بن عبد الله. أيها الموحدون: والله لا يعرف قدر رسول الله إلا الله, إن قدر رسول الله عند الله لعظيم, وإن كرامة النبي عند الله لكبيرة, فهو المصطفى والمجتبى، فلقد اصطفى الله من البشر الأنبياء، واصطفى من الأنبياء الرسل، واصطفى من الرسل أولي العزم الخمسة، واصطفى من أولي العزم الخمسة الخليلين إبراهيم ومحمداً، واصطفى محمداً ففضله على جميع خلقه, شرح له صدره، ورفع له ذكره, ووضع عنه وزره, وزكاه في كل شيء؛ زكاه في عقله فقال سبحانه: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:٢] , وزكاه في صدقه فقال سبحانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣] , وزكاه في صدره فقال سبحانه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١] , وزكاه في فؤاده فقال سبحانه: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١]، وزكاه في ذكره فقال سبحانه: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:٤]، وزكاه في ظهره فقال سبحانه: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح:٢]، وزكاه في علمه فقال سبحانه: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٥]، وزكاه في حلمه فقال سبحانه: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، وزكاه كله فقال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] بأبي هو وأمي، هو ﷺ رجل الساعة ونبي الملحمة وصاحب المقام المحمود، فهذا هو المقام المحمود الذي يغبطه عليه كل نبي في أرض المحشر, الذي وعد الله به نبينا في قوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ [الإسراء:٧٩]. فهذا هو المقام المحمود كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة, وأنا أول من ينشق عنه القبر, وأنا أول شافع وأول مشفع). وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة كذلك أنه ﷺ قال: (مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بنياناً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة في زاوية من زواياه, فجعل الناس يطوفون به ويتعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ -أي: ليكتمل جمال البنيان وجلاله، يقول المصطفى- فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين). وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم -فهو البليغ الفصيح- ونصرت بالرعب -وفي لفظ البخاري: مسيرة شهر- وأحلت لي الغنائم, وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً, وختم بي النبيون, وأرسلت إلى الناس كافة) هذه مكانة الحبيب محمد ﷺ .
следующие страницы →