← Джавами‘

Джавами‘ · id 7703

دروس للشيخ محمد حسان

محمد حسان

Полный текст (1 901 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

فرحة الله بتوبة العبد يقول ﷺ كما في الصحيحين من حديث أنس: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته في أرض فلاة، فانفلتت منه راحلته وعليها طعامه وشرابه فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها وقد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا به يرى راحلته قائمةً عند رأسه، فأخذ بخطامها وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك -يقول المصطفى ﷺ : أخطأ من شدة الفرح). أيها الحبيب: فرح الله بتوبتك إليه أفرح من هذا العبد بعودة راحلته إليه. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يمضي ثلث الليل الأول -يتنزل ربنا نزولاً يليق بكماله وجلاله- ثم ينادي رب العزة ويقول: أنا الملك من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر). وأختم بهذا الحديث الذي رواه البخاري من حديث عمر بن الخطاب ﵁: (أن النبي ﷺ رأى يوماً امرأة في السبي تبحث عن ولدها، فلما وجدته ألزقته ببطنها فأرضعته، فالتفت النبي ﷺ إلى هذا المشهد الحاني وقال لأصحابه: أترون هذه الأم طارحة ولدها في النار؟! قالوا: لا يا رسول الله، فقال ﷺ : لله أرحم بعباده من رحمة هذه الأم بولدها). قال أحد أهل العلم: اللهم إنك تعلم أن أمي هي أرحم الناس بي، وأنا أعلم أنك أرحم بي من أمي، وأمي لا ترضى لي الهلاك والعذاب، أفترضاه لي أنت وأنت أرحم الراحمين؟! اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر. اللهم اغفر لنا الذنوب، واستر لنا العيوب، وفرج عنا الكروب، وتقبل منا صالح الأعمال، برحمتك يا أرحم الراحمين. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 947

يا رب! أمتي أمتي تحدث شيخنا -حفظه الله- عن الشفاعة كحَدَث عظيم يوم القيامة، مبيناً أن أبانا آدم وأولي العزم من الرسل يهابون الوقوف للشفاعة الكبرى؛ فتصل إلى حبيبنا المصطفى ﵌ فيقول: أنا لها، أنا لها؛ وذلك هو المقام المحمود الذي وعده الله إياه! ثم تكلم عن هول ذلك اليوم، مذكراً الأمة بوجوب توقير وتعظيم النبي الكريم، وأن التمسك بسنته عزة، وتركها ذلة يضربها الله على الأمة كما هو حالها اليوم.

стр. 948

من مشاهد يوم القيامة والشفاعة العظمى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله, أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة؛ فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين, فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته, وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء والإخوة الأحباب الكرام الأعزاء. وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً, وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته, إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله: في رحاب الدار الآخرة سلسلة علمية هامة تجمع بين المنهجية والرقائق, وبين التأصيل العلمي والأسلوب الوعظي الهادف، منها: تذكير الناس بالآخرة في عصر طغت فيه الماديات والشهوات, وانصرف كثير من الناس عن منهج رب الأرض والسماوات؛ ليعجلوا بالتوبة إلى الله قبل أن تأتيهم الساعة بغتة وهم يخصمون؛ فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ. وهذا هو لقاؤنا الحادي عشر من لقاءات هذه السلسلة المباركة الكريمة, وكنا قد أنهينا الحديث في اللقاء الماضي مع الناس وهم في أرض المحشر وقد اشتد بهم الهول والغم والكرب، فالزحام يكاد وحده أن يخنق الأنفاس, والشمس فوق الرءوس بمقدار ميل, والناس غرقى في عرقهم كل بحسب عمله وقربه من الملك الجليل, وفي هذا المشهد الرهيب العصيب يزداد الهم والغم والكرب بمجيء جهنم -أعاذنا الله من حرها- قال تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:٢٣ - ٢٦]. وفي الحديث الذي رواه مسلم من حديث ابن مسعود أنه ﷺ قال: (يؤتى بجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها) , فإذا ما رأت النار الخلائق زفرت وزمجرت غضباً منهم لغضب الملك الجبار ﷻ ، وحينئذٍ تجثو جميع الأمم على الركب، قال تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٨]. وهنا تطير قلوب المؤمنين شوقاً إلى الجنة -اللهم اجعلنا منهم بمنك وكرمك- وتطير قلوب المجرمين هرباً وخوفاً وفزعاً ورهبة من النار, بل ويعضُّ صنف كثير من الناس في أرض المحشر على يديه يتأسف ويتحسر ويتندم على ما قدم في هذه الحياة الدنيا، ولكن يوم لا ينفع الندم قال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً * وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان:٢٦ - ٢٩]. ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي﴾ [الفرقان:٢٧] ولكن متى؟! ضاع وقت التحسر, وفات وقت الندم ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٩]. في هذا الكرب ينطلق بعض الناس ويقول بعضهم لبعض: ألا ترون ما نحن فيه؟ وما قد بلغنا؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم ليقضي بينكم ولا نقف هذا الموقف العصيب الرهيب؟! وهناك يقول كل نبي: نفسي نفسي ويقول المصطفى: (أنا لها) , فلا يتقدم للشفاعة إلا نبينا ﷺ ، وهذا هو موضوعنا اليوم معكم أيها الأحبة الكرام, وكما تعودنا فسوف ينتظم حديثنا معكم في العناصر التالية: أولاً: الشفاعة العظمى. ثانياً: من أسعد الناس بشفاعة المصطفى ﷺ . ثالثاً: مجيء الرب ﷻ . فأعرني قلبك وسمعك -أيها الحبيب- والله أسأل أن يتقبل مني ومنكم جميعاً صالح الأعمال، وأن يستر علينا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض إنه على كل شيء قدير.

стр. 949

الشفاعة العظمى واختصاصها بالنبي ﷺ روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (أنا سيد الناس يوم القيامة، ثم قال: هل تدرون مم ذاك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد وتدنو الشمس من الرءوس؛ فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما نحن فيه؟ ألا ترون ما قد بلغنا؟ ألا تنظرون من يشفع لنا إلى ربنا؟ فيقول بعضهم لبعض: أبوكم آدم, فيأتون آدم ﵇ فيقولون: يا آدم! أنت أبو البشر، خلقك الله بيده, ونفخ فيك من روحه, وأمر الملائكة بالسجود لك، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم ﵇: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله) -اللهم إنا نسألك بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات, وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، ألا تنزل بنا غضبك أو يحل علينا سخطك, لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك يا أرحم الراحمين-. يقول أبو البشرية آدم وهو نبي من أنبياء الله: (إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد نهاني عن الشجرة فعصيت، نفسي نفسي نفسي) -اللهم سلّم سلّم يا أرحم الراحمين-. يا أخي! بالله عليك عش بقلبك مع هذه الكلمات, آدم أبو البشر يقول: (نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري, اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحاً ﵇ فيقولون: يا نوح! أنت أول رسل الله إلى الأرض، وقد سماك الله عبداً شكوراً، فاشفع لنا إلى ربك, ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟) -نوح أول رسل الله في الأرض, ذلكم العملاق الذي ظل يدعو إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاماً, ذلكم النبي الكريم الذي دعا القوم في السر والعلانية، في الليل والنهار ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلَّا فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾ [نوح:٥ - ٩] ما ترك هذا النبي الكريم سبيلاً إلا وسلكه، ألف سنة إلا خمسين سنة لم ينم ولم يهدأ، ولم يقر له قرار- فيقول نوح: (إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه كانت لي دعوة فدعوت بها على قومي، نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري) لقد دعا نبي الله نوح دعوته، فلكل نبي دعوة مستجابة، كل نبي تعجل بها في الدنيا إلا المصطفى ﷺ , كما في صحيح مسلم: (لكل نبي دعوة مستجابة، وكل نبي قد تعجل دعوته إلا أنا فقد اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فإنها نائلة إن شاء الله تعالى من مات لا يشرك بالله شيئاً) اللهم ارزقنا التوحيد وتوفنا عليه يا أرحم الراحمين. نوح دعا على قومه فقال: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧] , لذا يقول: (اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم) إلى الخليل والحليم الأواه وحبيب الله بلا نزاع, إلى هذا النبي الكريم الذي حرم الله على النار أن تمس جسده قال تعالى: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]. (فيأتون إبراهيم الخليل ﵇ ويقولون: يا إبراهيم! أنت نبي الله وأنت خليل الله من أهل الأرض اشفع لنا إلى ربك, ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول خليل الله إبراهيم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، ويذكر إبراهيم كذباته, ثم يقول: نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري). وهل كذب إبراهيم؟! والجواب من صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ قال: (لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات اثنتين منهن في ذات الله، أما الأولى فقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩]) متى قال إبراهيم هذه العبارة؟ يوم كان شاباً صغيراً نشأ في قوم يعبدون الأصنام, ودعاه والده ليخرج مع القوم في عيد عبادة الأصنام، فتعلل إبراهيم بالمرض فقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩]؛ لأنه لا يريد أن يسجد لغير رب العالمين. وأما الثانية فقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٣] وذلك عندما حطم الأصنام وعلق الفأس في رأس كبير هذه الآلهة المدعاة, فلما عادوا ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٥٩] , فرد البعض بلغة التحقير التي هي ديدن الظالمين في كل زمان وأوان: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ [الأنبياء:٦٠ - ٦١] , ثم وجهوا له هذا السؤال ﴿ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٢ - ٦٣]. وأما الكذبة الثالثة: فهي يوم أن خرج مهاجراً بزوجته سارة فنزل مصر، وكان في مصر في ذاك الزمان جبار من الجبابرة -أسأل الله أن يطهر مصر من الجبابرة في كل زمان وأوان- فلما مر بـ سارة ﵍ نقل بعض الناس لهذا الجبار: إن رجلاً قد نزل بأرضنا معه امرأة من أجمل الناس. فأرسل هذا الجبار الخبيث بالشرطة، فجاءت لإبراهيم فأخذوه إلى الجبار، فقال له: من هذه؟ فقال إبراهيم: إنها أختي. ولم يقل إنها زوجتي؛ فلو قال: إنها زوجتي لقتله ليخلص إليها, فقال: إنها أختي. ثم عاد إبراهيم فقال لها: يا سارة! لقد سألني هذا الرجل عنك فقلت له: إنها أختي؛ فإنه لا يوجد على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، فأنت أختي في دين الله جل وعلا, فإن سألك فصدقيني ولا تكذبيني. ثم أرسل هذا الخبيث الجبار إلى سارة فأتي بها, فلما دخلت عليه ونظر إليها قام إليها ليلمسها بيده، فشلّ الله يده -والحديث في صحيح البخاري - ووقف فقال لها: ادعي الله ولا أضرك بعدها, فدعت الله فأطلق الله يده, فقام إليها الخبيث مرة ثانية ليتناولها بيده فشلّ الله يده, فقال: ادعي الله ولا أضرك بعدها, فدعت الله فأطلقت يده, فنادى على بعض حجبته وقال: إنكم لم تأتوني بإنسان وإنما أتيتموني بشيطان، اخرجوا بها وأخدموها هاجر , فأعطاها هاجر ﵍؛ لتخدمها وهي التي تزوجها إبراهيم بعد بذلك. فعادت سارة بـ هاجر فرأت إبراهيم يصلي لله جل وعلا, فلما انصرف من صلاته قال: مهيم -أي: ماذا فعل الله بك؟ - فقالت سارة: رد الله كيد الفاجر وأخدم هاجر، أي: وأعطاني هاجر خادمة لي. وهكذا صان الله عرض نبيه إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام, هذه كذبات إبراهيم على هامش الحديث الذي نحن بصدده، أرجع إلى حديث الصحيحين، يقول إبراهيم: (نفسي نفسي نفسي -وذكر كذباته التي ذكرت الآن- اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى) إنه الكليم والمصطفى بالرسالة، والمجتبى بالكلام، والمصنوع على عين الله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] اصطفاه الله برسالاته وبكلامه على جميع الخلق. فيأتون موسى فيقولون: (يا موسى! أنت كليم الله، اصطفاك الله برسالاته وبكلامه على الناس ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ اشفع لنا إلى ربك, فيقول موسى ﵇: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفساً لم أومر بقتلها، نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري -حتى الكليم يقول: اذهبوا إلى غيري! - اذهبوا إلى عيسى -يقول الحبيب محمد:- فيأتون عيسى ﵇ ويقولون: يا عيسى! أنت رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وكلمت الناس في المهد، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ اشفع لنا إلى ربك, فيقول عيسى ﵇: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله, اذهبوا إلى غيري، نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى محمد بن عبد الله). فهو والله التجارة الرابحة من سار على دربه نجا في دنياه وأخراه، بأبي هو وأمي ﷺ , ولم يذكر عيسى ﷺ ذنباً من الذنوب، فيقول الحبيب المصطفى: (فيأتوني فيقولون: يا رسول الله! لقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ اشفع لنا إلى ربك, فيقول المصطفى: أنا لها أنا لها -بأبي هو وأمي ﷺ ، لا يقول ولا يجيب إلا الحبيب- يقول: فأقوم فأخر ساجداً لربي تحت العرش، ثم ينادي عليه الملك ﷻ ويقول: يا محمد! ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع, فيقول الحبيب ﷺ : يا رب! أمتي، يا رب! أمتي، يا رب! أمتي) هو الحليم الأواه صاحب القلب الكبير والرحيم, الذي قال الله في حقه: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]. قرأ يوماً قول الله في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أ

стр. 950

المقام المحمود وفضله ﷺ أقول: لم يشفع في البشرية كلها لفصل القضاء إلا المصطفى، ولم يرد الملك ﷻ إلا على محمد بن عبد الله. أيها الموحدون: والله لا يعرف قدر رسول الله إلا الله, إن قدر رسول الله عند الله لعظيم, وإن كرامة النبي عند الله لكبيرة, فهو المصطفى والمجتبى، فلقد اصطفى الله من البشر الأنبياء، واصطفى من الأنبياء الرسل، واصطفى من الرسل أولي العزم الخمسة، واصطفى من أولي العزم الخمسة الخليلين إبراهيم ومحمداً، واصطفى محمداً ففضله على جميع خلقه, شرح له صدره، ورفع له ذكره, ووضع عنه وزره, وزكاه في كل شيء؛ زكاه في عقله فقال سبحانه: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:٢] , وزكاه في صدقه فقال سبحانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣] , وزكاه في صدره فقال سبحانه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١] , وزكاه في فؤاده فقال سبحانه: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١]، وزكاه في ذكره فقال سبحانه: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:٤]، وزكاه في ظهره فقال سبحانه: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح:٢]، وزكاه في علمه فقال سبحانه: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٥]، وزكاه في حلمه فقال سبحانه: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، وزكاه كله فقال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] بأبي هو وأمي، هو ﷺ رجل الساعة ونبي الملحمة وصاحب المقام المحمود، فهذا هو المقام المحمود الذي يغبطه عليه كل نبي في أرض المحشر, الذي وعد الله به نبينا في قوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ [الإسراء:٧٩]. فهذا هو المقام المحمود كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة, وأنا أول من ينشق عنه القبر, وأنا أول شافع وأول مشفع). وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة كذلك أنه ﷺ قال: (مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بنياناً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة في زاوية من زواياه, فجعل الناس يطوفون به ويتعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ -أي: ليكتمل جمال البنيان وجلاله، يقول المصطفى- فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين). وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم -فهو البليغ الفصيح- ونصرت بالرعب -وفي لفظ البخاري: مسيرة شهر- وأحلت لي الغنائم, وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً, وختم بي النبيون, وأرسلت إلى الناس كافة) هذه مكانة الحبيب محمد ﷺ .

стр. 951

وجوب توقير النبي ﷺ وتعظيمه بل أنزل الله قرآناً ليربي وليعلم الصحابة كيف يعظمون رسول الله، ويوقرونه ويتأدبون حتى في ندائه ﷺ ، ولكن الأمة الآن -إلا من رحم ربك- لم تعرف قدر نبيها ولم تعظم رسولها, بل لقد أساءت الأمة الأدب مع رسول الله ﷺ ؛ فهجرت شريعته، ونحَّت سنته، ولم تعد تجيد إلا أن تتغنى برسول الله في ليلة هجرته وفي ليلة مولده وفي ليلة النصف من شعبان، فالأمة الآن لا تجيد إلا الرقص والغناء؛ لأنها عشقت الهزل وتركت الجد والرجولة. أمة تدعي الحب لرسول الله وتتغنى بحب رسول الله في المناسبات والأعياد الوطنية في الوقت الذي نحَّت فيه شريعته وهجرت فيه سنته, بل وخرج من أبناء هذه الأمة المتمردة من يقول في حق القرآن الذي أنزله الله على قلب رسوله, والذي جعل الله فيه الهدى في الدنيا والآخرة قال هذا المجرم المرتد: إن القرآن منتج ثقافي ليس من عند الله. وقال خبيث آخر: لقد عزمنا على أن نأخذ كل ما عند الغربيين حتى الإلتهابات التي في رئاتهم والنجاسات التي في أمعائهم. وقال خبيث ثالث: إن مصيبة الشرق في التمسك بما يسمى بالأديان. الأمة هجرت شريعة رسول الله, ونحَّت الأمة سنة رسول الله, أين الشريعة المغيرة المبدلة المضيعة؟! فهذا ورب الكعبة هو أعظم منكر على وجه الأرض, وهذا هو الذي يجب أن تجيش له كل الطاقات والإمكانيات حتى تظلل شريعة المصطفى سماء هذه الأمة, اللهم رد الأمة إليك رداً جميلاً برحمتك يا أرحم الراحمين.

стр. 952

سبب رد أقوام عن حوضه ﷺ اسمع! وانتبه! فإن كل منتسب لأمة النبي مغرور ومخدوع يقول: إن لم أدخل الجنة أنا أيدخلها بطرس شلودة أنا الذي سأدخل الجنة, اسمع! لتعلم أن كل من غير وبدل وابتدع وانحرف عن هدي رسول الله سيحال بينه وبين حوض رسول الله في أرض المحشر, لن يعرفه النبي ولن يتقدم إليه النبي, حوض المصطفى في أرض المحشر الناس في حاجة إليه شديدة, الزحام يخنق الأنفاس, والشمس فوق الرءوس كلها في أرض واحدة من لدن آدم في هذا الظرف الرهيب، المصطفى واقف على حوضه, والحوض ماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل وأطيب ريحاً من المسك, كيزانه بعدد نجوم السماء, من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً حتى يتمتع بالنظر إلى وجه الملك في الجنة, اللهم اسقنا شربة هنيئة مريئة, لا نرد ولا نظمأ بعدها أبداً برحمتك يا أرحم الراحمين. وفي الحديث الذي رواه البخاري من حديث سهل بن سعد الساعدي يقول ﷺ : (أنا فرطكم على الحوض -أي: سأسبقكم- يوم القيامة لأقف على الحوض فمن مر عليّ شرب, ومن شرب لا يظمأ أبداً, لَيَرِدَنّ عليّ الحوض قوم أعرفهم ويعرفونني ثم يحال بيني وبينهم -وفي لفظ في الصحيح: ثم يختلجون -أي: يمنعون ويصدون- فيقول المصطفى: إنهم من أمتي إنهم من أمتي فيقال للحبيب: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فيقول المصطفى: سحقا سحقاً -أي: بعداً بعداً لكل من غير بعدي-). الاتباع امتثال الأمر والنهي للحبيب محمد. هذا هو سبيل الفوز والنجاة. معاذ بن جبل ينام على فراش الموت ويدخل عليه الليل فيشتد به الألم والوجع فينظر إلى أصحابه ويقول: [هل أصبح النهار؟ فيقولون: لا لم يصبح بعد, فيبكي معاذ بن جبل -حبيب رسول الله الذي قال له: والله يا معاذ إني لأحبك- ويقول: أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار] يخشى معاذ بن جبل أن يكون من أهل النار. وهذا هو فاروق الأمة عمر بن الخطاب الذي أجرى الله الحق على لسانه وقلبه ينام على فراش الموت، فيدخل عليه ابن عباس ليذكره وليثني عليه الخير كله, فيقول له عمر: [والله إن المغرور من غررتموه, والله لو أن لي ملء الأرض ذهباً لافتديت به اليوم من عذاب الله قبل أن أراه] ثم قال عمر: [وددت أن أخرج من الدنيا كفافاً لا لي ولا عليّ]. وهذه هي عائشة تسأل عن قول الله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢] , فتقول عائشة: [يا بني! أما السابق بالخيرات فهؤلاء الذين ماتوا مع رسول الله وشهد لهم رسول الله بالجنة, وأما المقتصد فهؤلاء الذين اتبعوا أثر النبي حتى ماتوا على ذلك, وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلك] فجعلت عائشة نفسها معنا جعلت نفسها من الظالمين لأنفسهم. وهذا سفيان الثوري إمام الدنيا في الحديث ينام على فراش الموت فيدخل عليه حماد بن سلمة فيقول له حماد: أبشر يا أبا عبد الله! إنك مقبل على من كنت ترجوه وهو أرحم الراحمين, فبكى سفيان وقال: أسألك بالله يا حماد أتظن أن مثلي ينجو من النار. ونحن جميعاً نقول: من منا لن يدخل الجنة؟ من منا لن يشفع له رسول الله؟ هاهو الحديث في البخاري يبين لنا فيه الحبيب النبي أنه سيحال بينه وبين أقوام من هؤلاء الذين حرفوا وبدلوا وانحرفوا عن سنته ﷺ ؟

стр. 953

أسعد الناس بشفاعة المصطفى ﷺ أحببت أن أكمل الفائدة بهذا العنصر الثاني في هيئة هذا السؤال من أسعد الناس بشفاعة المصطفى ﷺ ؟ وهذا العنصر الثاني من عناصر هذا اللقاء لتكتمل الفائدة في باب الشفاعة، فإنه من أنفس أبواب العلم, ومن أسعد الناس بشفاعة الحبيب, ليحاسب اليوم كل واحد منا نفسه: أين هو من الحبيب؟ من يدعي حب النبي ولم يفد من هديه فسفاهة وهراء فالحب أول شرطه وفروضه إن كان صدقاً طاعة ووفاء قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] هل امتثلت أمره؟ واجتنبت نهيه؟ هل وقفت عند الحدود التي حدها لك المصطفى؟ سؤال أو أسئلة يجب أن يسألها كل مسلم صادق لنفسه؛ ليحدد موقعه من منهج وطريق رسول الله ﷺ . من أسعد الناس بالشفاعة يوم القيامة؟ والجواب في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁، فهو صاحب هذا السؤال الجليل, قال أبو هريرة: (من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة يا رسول الله؟ فقال المصطفى: لقد ظننت أنه لا يسألني عن هذا السؤال أحد قبلك لما رأيت من حرصك على الحديث يا أبا هريرة -منقبة من رسول الله لـ أبي هريرة - أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه) , وفي رواية ابن حبان: (أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه يصدق قلبه لسانه، ويصدق لسانه قلبه) , وفي صحيح مسلم أنه ﷺ قال: (لكل نبي دعوة مجابة، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي، فهي نائلة إن شاء الله تعالى من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً) , هذا هو الشرط, وهو أسعد الناس بشفاعة الحبيب من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه، وحقق التوحيد لله.

стр. 954

لابد من إخلاص التوحيد ومطابقة القول للعمل من الناس الآن من يردد بلسانه: لا إله إلا الله، لم يصدق قلبه هذه الكلمة, ولم يخلص العبادة لله جل وعلا, بل ذهب ليصرف العبادة لغير الله، فهو لا يعرف لكلمة التوحيد معنى، ولا يقف لها على مضمون، ولا يعرف لها مقتضى. ومن الناس من يردد بلسانه: لا إله إلا الله، وقد انطلق حراً طليقاً ليختار لنفسه من المناهج الأرضية والقوانين الوضعية الفاجرة ما وضعه المهازيل من خلق الله. ومن الناس من ردد بلسانه: لا إله إلا الله، وهو لم يحقق لله الولاء ولا البراء. ومن الناس من ردد بلسانه كلمة: لا إله إلا الله، وقد ترك الصلاة وضيعها, وضيع الزكاة والحج مع قدرته واستطاعته, وأكل الربا, وشرب الخمر, وباشر الزنا, وأكل أموال اليتامى, يسمع الأمر فيهز كتفيه في سخرية وكأن الأمر لا يعنيه, ويسمع المواعظ فيهزأ وكأن الأمر لا يعنيه. فلا بد من إخلاص التوحيد، فكلمة التوحيد ليست مجرد كلمة يرددها الإنسان بلسانه وفقط، لا. بل إن الإيمان: قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان. ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، فمن قال خيراً وعمل خيراً قبل منه، ومن قال خيراً وعمل شراً لم يقبل منه. وفي الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: (من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) , وفي رواية عتبان بن مالك: (فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله) , إنه إخلاص التوحيد.

стр. 955

عزة الأمة بتحقيق توحيد الله يا من رددت بلسانك: لا إله إلا الله! هل صدق قلبك وامتثلت جوارحك مقتضيات هذه الشهادة, فإن التوحيد أمره عظيم, إن شأن التوحيد عظيم وثقيل, إنها الأمانة العظيمة، ووالله ما ضاعت الأمة وذلت إلا يوم أن فرغت محتوى لا إله إلا الله من مضمونها كله, فإن الجذر الحقيقي لهذه الأمة هو التوحيد, ويوم أن فرغ الجذر وأصبح قشرة هشة تحركها الرياح من هنا ومن هنالك ذلت الأمة ممن كتب الله عليهم الذل والذلة من إخوان القردة والخنازير من أبناء يهود, فإن مصدر سعادة الأمة هو التوحيد, ما أعز الله الأمة إلا بالتوحيد، وإن لبنة الأساس في صرح الإسلام هي التوحيد, وإن أول خطوة على طريق العز والكرامة هي التوحيد، ولا عزة للأمة إلا إذا حققت وأخلصت وجردت التوحيد لله من جديد, فمن أبناء الأمة الآن من يذبح، ومن يقدم النذر لغير الله, ومن أبناء الأمة الآن من يتهم شريعة الله المطهرة بالجمود والرجعية والتخلف والتأخر وعدم قدرة هذه الشريعة على مسايرة مدنية القرن الحادي والعشرين. فلا كرامة للأمة إلا إذا أخلصت التوحيد, فأسعد الناس بشفاعة محرر العبيد من أخلص التوحيد للعزيز الحميد جل وعلا, من مات لا يشرك بالله شيئاً. فوحد الله -أيها الحبيب- وأخلص التوحيد لله, وأخلص الاتباع لرسول الله ﷺ ، ففي الحديث الذي رواه مسلم والترمذي واللفظ للترمذي من حديث أنس أن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى في الحديث القدسي: (يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي, يا بن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي, يا بن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة) , إنه التوحيد وفضل الإيمان بالله جل وعلا. فأسعد الناس بشفاعة المصطفى من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه. أيها الأخيار! فكلمة التوحيد قد قُيدت بشروط ثقال: بالعلم واليقين والإخلاص والقبول والمحبة إلى آخر هذه الشروط التي فصلناها في دروس الاعتقاد قبل ذلك. فلا بد أن تحققوا وتخلصوا وتجردوا التوحيد؛ لأن النبي ﷺ لا يشفع يوم القيامة إلا إن أَذن الله له، ولا يشفع إلا لمن وحد الله وأخلص له كلمة لا إله إلا الله. أسأل الله جل وعلا أن يجعلني وإياكم من أهل التوحيد, وأن يختم لي ولكم بالتوحيد, وأن يرزقنا شفاعة النبي بمنه وكرمه إنه على كل شيء قدير. بقي لنا أن نتحدث عن مجيء الرب جل وعلا، ولكن أرى الوقت قد أزف وسرقنا، لذا سأرجئ الحديث عن هذا العنصر الهام إلى اللقاء المقبل إن قدر الله لنا اللقاء والبقاء. وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل مني ومنكم جميعاً صالح الأعمال, اللهم استرنا فوق الأرض، واسترنا تحت الأرض، واسترنا يوم العرض, اللهم ارزقنا شفاعة حبيبك المصطفى, اللهم وكما آمنا به ولم نره لا تفرق بيننا وبينه حتى تدخلنا مدخله, اللهم وأوردنا حوضه الأصفى, واسقنا من حوضه شربة هنيئة مريئة لا نرد ولا نظمأ بعدها أبداً, اللهم لا تحرمنا شفاعة الحبيب, اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض يا أرحم الراحمين. اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع المبارك ذنباً إلا غفرته, ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته, ولا ميتاً لنا إلا رحمته, ولا عاصياً إلا هديته, ولا طائعاً إلا زدته وثبته, ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا أرحم الراحمين. اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا ولا معنا شقياً ولا محروماً. اللهم إنا نسألك لإخواننا وأبنائنا الطلاب التوفيق والسداد, اللهم يسر لهم الأسباب, اللهم ذلل لهم الصعاب, اللهم فَتِّح لهم الأبواب, اللهم ذكرهم في الامتحانات ما نسوا, وعلمهم في الامتحانات ما جهلوا, اللهم يسر لهم بمنك وكرمك يا رب العالمين. اللهم اجعل أبناءنا قرة عين لنا في الدنيا والآخرة برحمتك يا أرحم الراحمين. هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده, وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان, والله ورسوله منه براء, وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.

стр. 956

يوم القيامة قبل أن يذكر الشيخ حفظه الله مشاهد يوم القيامة ذكر عقيدة التوحيد في عيسى ﵇ وما وقع من الاختلاف فيه، ثم تحدث عن يوم القيامة، وإنذار الله تعالى وتحذيره منه، وزلزاله وما يقع فيه من حسرة، مذكراً بالنفخ في الصور، وفناء الخلق وبعثهم، وحالهم يوم العرض على الله، ومبيناً وجوب الاستعداد لذلك بمحاسبة النفس قبل أن تحاسب.

стр. 957

عيسى ﵇ وتوحيده لله الحمد لله المستحق لجميع أنواع العبادة، ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه، ذلك بأن الله هو الحق، وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير. حمداً لك يا من اعترف بفضلك وكرمك ونعمك كل حاضرٍ وباد. حمداً لك يا من اغترف من بحر جودك وكرمك وإحسانك كل رائحٍ وغاد. حمداً لك يا من نطقت بوحدانيتك جميع الكائنات، فالسماء دائماً وأبداً تقول: سبحان من رفعني بقدرته، وأمسكني بقوته، فهو ركني وعمادي، والأرض دائماً وأبداً تقول: سبحان من وسع كل شيء علماً ومهد مهادي، والبحار دائماً تقول: سبحان من بمشيئته وقدرته وإرادته أجراني، وأسال عيون مائي لقصادي وورادي، والعارف به يقول: سبحان من دلني عليه، وجعل إليه مرجعي ومعادي، والمذنب يقول: سبحان من اطلع علي في المعصية ورآني، فلما رآني سترني وغطاني، ولما تبت إليه تاب علي وهداني. أحمدك يا ربي وأستعينك وأستغفرك وأستهديك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، جل ثناؤك، وعظم جاهك، ولا إله غيرك. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الواحد الذي لا ضد له، وهو الصمد الذي لا منازع له، وهو الغني الذي لا حاجة له، وهو القوي الذي لا يعجزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، وهو جبار السماوات والأرض، لا راد لحكمه، ولا معقب لقضائه، إنما قوله لشيءٍ إذا أراده أن يقول له: كن فيكون. وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا ومعلمنا وقدوتنا وأستاذنا محمداً رسول الله، اللهم صلَّ وسلم وبارك عليك يا سيدي يا رسول الله، صلاةً وسلاماً يليقان بمقامك يا أمير الأنبياء! ويا سيد المرسلين! وأشهد لك يا سيدي ويشهد معي الموحدون أنك قد أديت الأمانة، وبلغت الرسالة، ونصحت الأمة، وكشف الله بك الغمة، وعبدت ربك يا سيدي حتى لبيت داعيه، وجاهدت في سبيل ربك حتى أجبت مناديه، وعشت طوال أيامك ولياليك تمشي على شوك الأسا، وتخطو على جمر الكيد والعنت، تلتمس الطريق لهداية الضالين، وإرشاد الحائرين، حتى علمت الجاهل، وقومت المعوج، وأمنت الخائف، وطمأنت القلق، ونشرت أضواء الحق والخير والإيمان والتوحيد كما تنشر الشمس ضياءها في رابعة النهار، فصلى الله وسلم وبارك عليك يا سيدي يا رسول الله، وجزاك الله عنا خير ما جزى الله نبياً عن أمته، ورسولاً عن قومه. أما بعد: فيا أيها الأحباب: تعالوا بنا لنطوف سوياً في روضة القرآن الكريم ومع اللقاء الثاني عشر على التوالي، ما زلنا نطوف مع حضراتكم في بستان سورة مريم، وبفضلٍ من الله وبحوله ومدده وطوله وقوته أنهينا الحديث في اللقاء الماضي عن قصة عيسى وعن قصة مريم ﵉، وكانت هذه النهاية عن رفع عيسى وعن نزوله بين يدي الساعة كعلامة من علامات الساعة الكبرى، وقلنا بأن اليهود والنصارى قالوا: بأن عيسى قُتل وصلب، ولكننا رددنا عليهم بما رد عليهم به ربنا جل وعلى فقال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧]. ونحن اليوم أيها الأحباب على موعدٍ مع قول الله جل وعلا بعد أن أقر عيسى لله بالوحدانية وأقر لنفسه بالنبوة والرسالة، فقال على نبينا وعليه الصلاة والسلام: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً) [مريم:٣٠ - ٣٣] قال الله بعدها: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم:٣٤ - ٣٥] وقال عيسى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم:٣٦] ثم قال الله جل وعلا: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ * أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٣٧ - ٤٠] نحن اليوم على موعدٍ مع هذه الآيات المباركات من كتاب رب الأرض والسماوات، فانتبهوا معي جيداً أيها الموحدون.

стр. 958

اختلاف النصارى في عيسى ﵇ ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ [مريم:٣٧] بعد أن بين الله حقيقة عيسى اختلف الأحزاب أي: اختلف أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فقال اليهود في عيسى: إن عيسى ولد زنا -والعياذ بالله- واختلف النصارى في عيسى على ثلاثة طوائف: قالت الطائفة الأولى: إن عيسى هو الله نزل من السماء إلى الأرض فأحيا من أحيا، وأمات من أمات، ثم صعد مرةً ثانيةً إلى السماء، وهذه هي الطائفة التي تسمى بـ اليعقوبية. الطائفة الثانية قالت: بأن عيسى ابن الله، وهذه الطائفة تسمى بـ النسطورية. الطائفة الثالثة قالت: إن عيسى ثالث ثلاثة، فالله إله وعيسى إله ومريم إله، وهذه الطائفة تسمى بـ المنسية. وهناك طائفة رابعة ولكنها تختلف تماماً عن هذه الطوائف كلها، قالت: إن عيسى هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء وروحٌ من الله، وهذه الطائفة هم الموحدون من أمة إمام الموحدين وسيد الأولين والآخرين سيدنا محمد ﷺ ، هذه هي الطائفة التي قالت بالحق وعرفت الحق فقالت بأن الله واحدٌ لا شريك له، واحدٌ في ذاته، وصفاته، وأفعاله، لا يشبهه شيء، منزه عن كل نقصٍ، ومنزهٌ عن كل عيب، لا تدركه العقول، ولا تكيفه الأفهام، فكلما دار ببالك فالله بخلاف ذلك: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] الذي قال ذلك هم الموحدون من أمة إمام الموحدين سيدنا محمدٍ ﷺ .

стр. 959

تهديد الله لكل من افترى عليه الكذب ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ [مريم:٣٧] في عيسى كلمة الله، وعبد الله، ورسول الله ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم:٣٧] تهديدٌ ووعيدٌ شديد من الله العزيز الحميد لكل من افترى على الله الكذب، لكل من زعم أن لله ولداً، والله جل وعلا يقول عن نفسه: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٣ - ٤] ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم:٣٧] من مشهد يوم القيامة.

стр. 960

إنذار الله تعالى وتحذيره من يوم القيامة وبعد هذه الآيات ينذر الله ﵎، ويحذر ويبين حال المشركين والكفار في يومٍ تشخص فيه الأبصار، وافتقارهم إلى رحمة العزيز الغفار، فيقول جل وعلا: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [مريم:٣٨] تعجب من حدة سمعهم وحدة بصرهم في يوم القيامة، فسوف يبصرون ما يسود وجوههم، وسوف يشاهدون ما يخلع قلوبهم: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم:٣٨] يسمعون كل شيء، وينظرون كل شيء، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة:١٢] كلا، هيهات هيهات، إنهم يسمعون كل شيء ويبصرون كل شيء، ولكن قد انقضى كل شيء لا عودة ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ * كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠١] كلمة لا يسمعها الله، كلمة لا يجيبها الله، بل يأتيه جواب في وجهه كالقنبلة: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون:١٠١] لا يسمعها الله ولا يجيبها الله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١]. ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم:٣٨] أي يوم القيامة ﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ﴾ [مريم:٣٨] أي: في الدنيا ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [مريم:٣٨] لا يسمعون ولا يبصرون ولا يعقلون: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٣] إذا قيل لهم: آمنوا، قولوا لا إله إلا الله، وحدوا الله حق توحيده، واعبدوا الله حق عبادته، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٣].

стр. 961

من مشاهد يوم القيامة ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [مريم:٣٨] لكن الظالمون في حياتهم الدنيا في ضلال، لا يسمعون ولا يبصرون، ولا يعقلون، ولا يعرفون حقاً، ولا يعرفون طريقاً مستقيماً، ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [مريم:٣٨]. ثم بعد ذلك -انتبهوا معي جيداً- يأتي الإنذار العام، فيقول الله جل وعلا: ((وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ)) [مريم:٣٩] أنذر الناس جميعاً يا محمد، أنذر الخلائق جميعاً يا رسول الله؛ ((وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ)) [مريم:٣٩] يوم القيامة ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم:٣٩]. ورد في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام البخاري ومسلم والإمام أحمد في مسنده، وابن ماجة في سننه، عن أبي سعيد الخدري ﵁، ورواية البخاري أن النبي ﷺ قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار يجاء بالموت على صورة كبشٍ أملح فيوقف بين الجنة والنار، ثم ينادى: يا أهل الجنة! فيشرئبون وينظرون، ثم يُقال لهم: هل تعرفون هذا؟ فيقول أهل الجنة: نعم. إنه الموت، ثم ينادى على أهل النار: يا أهل النار! هل تعرفون هذا؟ فيقول أهل النار: نعم. إنه الموت، فيأمر الله جل وعلا أن يُذبح الموت في صورة هذا الكبش، ثم ينادى ويقال: يا أهل الجنة خلودٌ فلا موت، ويا أهل النار خلودٌ فلا موت ثم تلا النبي ﷺ قول الله جل وعلا: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم:٣٩] ثم أشار النبي ﷺ بيده وقال: إن أهل الدنيا في غفلة) نعم والله يا رسول الله إن أهل الدنيا في غفلة. ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم:٣٩] يوم الحسرة يوم القيامة، يوم الحسرة والندامة، يوم الصيحة، يوم الحاقة، يوم القارعة، يوم الزلزلة، يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم ترجف الأرض والجبال، يوم تسير الجبال، يوم تكون الجبال كالعهن المنفوش ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] يوم الطامة، يوم الصاخة. ((وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ)) [مريم:٣٩] ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم:٤٨] ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤] وأنذرهم يا محمد يوم الحسرة، يوم القيامة، يوم الحسرة والندامة، هذا اليوم الذي تنقلب فيه كل الموازين، وتتغير وتتبدل فيه كل القوانين ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم:٤٨] تُغير هذه الأرض، وتُبدل هذه الأرض، الجبال ينسفها ربي نسفاً.

стр. 962

زلازل الدنيا عظة وعبرة سبحان الله العظيم، يأبى الله جل وعلا إلا أن يظهر الحق ويزهق الباطل، ما أحداث زلزال أرمينيا منكم ببعيد، ما الذي حدث وما الذي جرى في ثوانٍ قليلة معدودة، في لحظاتٍ قليلة بدل الله الأرض غير الأرض، دمر الله الحضارات، ودمر الله المدنيات، ودمر الله الكفرة والمشركين، في ثوانٍ ثلاث دمر الله مدينة بأسرها، وحطم الله حضارةً بعينها، بنوها في مئات السنين، بل في آلاف السنين، وفي ثوانٍ قليلة أمر الله الذي لا راد لأمره ولا معقب لحكمه فدمر هذه المدنيات، ودمر هذه الحضارات بزلزالٍ قليل، بزلزالٍ بسيط لم يتجاوز الثواني الثلاث دمر الله المدنيات، وحطم الله الحضارات، فأين كانت أجهزة الإنذار المبكر عند الشيوعيين؟ أين كانت قوتهم؟ أين كان جبروتهم؟ أين كان طغيانهم الذي صبوه على رءوس إخواننا من الموحدين في أفغانستان؟ أين كانت هذه القوة وأين كان هذا الجبروت؟ وأين كان هذا الظلم؟ أين كانت الأجهزة؟ إن الله الذي أمر لا راد لأمره: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠] دمر الله المدنية، ودمر الله الحضارة بهذا الزلزال البسيط الضعيف. وأعجبتني عبارة عجباً كثيراً لصاحب ظلال القرآن الشيخ سيد قطب عليه رحمة الله وقدس الله روحه بقدر ما أعطى للقرآن من معانيه، قال صاحب ظلال القرآن: وإن هذه الزلازل وتلك البراكين التي تدمر المدنيات، وتحطم الحضارات، إنها إلى جوار زلزلة يوم القيامة كتسليات أطفال، هذا الزلزال الذي دمر وحطم وأباد الناس إنما هي تسليات أطفال إلى جوار هول وزلزلة يوم القيامة، فتعالوا بنا أيها الأحباب لنرى ماذا قال الله عن يوم الحسرة.

стр. 963

تصوير الله ليوم الحسرة ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [مريم:٣٩] ماذا قال الله جل وعلا عن ذلك اليوم؟ ماذا قال الله جل وعلا عن يوم الحسرة، والقيامة، والندامة، عن يومٍ يعض الظالم فيه على يديه ويقول: يا ليتني وحدت الله حق توحيده، ويا ليتني عبدت الله حق عبادته، ماذا قال الله جل وعلا؟ يقول بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢]. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ * وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ * وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير:١ - ١٤]. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ * يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ * كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ * إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ * وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار:١ - ١٩]. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:١ - ٦]. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْأِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:١ - ٨]. ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم:٣٩] يوم القيامة، يوم الحسرة والندامة، يوم الزلزلة، ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [مريم:٣٩]، ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير:١] ذهب ضياؤها وضاع نورها. ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ [التكوير:٢] أي: تناثرت من عقدها الفريد، ونظامها البديع. ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير:٣] ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً﴾ [طه:١٠٥] فتكون كالعهن المنفوش. ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [التكوير:٤] والعشار هي النوق الحبالى في شهرها العاشر أغلى ما يملكه العربي، ولكنه يوم في القيامة لا يلتفت إليها ولا يهتم بها لأنه قد حل به ما يشغله عنها. ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير:٥] المفترس مع الأليف. ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير:٦] تفجرت بالنيران. ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ [التكوير:٧ - ١١] ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم:٤٨]. ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ [التكوير:١٢] ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠]. ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ [التكوير:١٣] أي: قربت للموحدين، للمؤمنين، للمخلصين، للمتقين، للمسلمين. ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير:١٤] وفي آية أخرى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار:٥] هذا هو اليوم الذي ينقلب فيه كل مسئول، هذا هو اليوم الذي ينقلب فيه كل معهود، هذا هو اليوم الذي سيفنى فيه كل موجود ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم:٤٨] هذه مرحلة من مراحل هذا اليوم، مرحلة كلها فزع، مرحلةٌ كلها رعب، قال الله جل وعلا عنها: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل:٨٧] ثم ماذا عن هذا اليوم؟ ثم ماذا عن يوم الحسرة والندامة؟ ثم ماذا عن قوله: ((وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ)) [مريم:٣٩] يأمر الله جل وعلا إسرافيل أن ينفخ في الصور لماذا؟ ليموت كل حيٍ على ظهر هذه الأرض، ليموت كل حيٍ في السماوات وفي الأرض إلا من شاء الله جل وعلا، فإذا ما أمر الله ﵎ إسرافيل بالنفخ في الصور: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] مات كل مخلوقٍ بعد هذه النفخة، مات كل حيٍ بعد هذه النفخة، ويأتي ملك الموت إلى الملك ويدور بين الله جل وعلا وبين ملك الموت هذا الحوار: يقول ربنا ﵎ لملك الموت: يا ملك الموت! من بقي؟ وهو أعلم ! فيقول ملك الموت: يا رب! بقيت أنت الحي الذي لا تموت، وبقي جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وحملة العرش. فيقول ربنا جل وعلا: ليمت جبريل وميكائيل، وهنا ينطق العرش ويقول: جبريل وميكائيل فيهتف الحق جل وعلا وينادي على عرشه ويقول: اسكت فإني كتبت الموت على كل من كان تحت عرشي، ليمت جبريل ويمت ميكائيل فيموتان. ويأتي ملك الموت إلى الملك فيقول ربنا لملك الموت: يا ملك الموت! من بقي؟ فيقول ملك الموت والله أعلم بمن بقي: يا رب! قد مات جبريل وميكائيل وبقي إسرافيل وبقي حملة العرش وبقيت أنا، أما أنت فأنت حيٌ لا تموت. فيقول الملك: يا ملك الموت! ليمت إسرافيل لام الأمر ولام العظمة ولام الإرادة ولام الذل والقهر ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠] ليمت إسرافيل فيأمر الله العرش أن يلتقم الصور. فيقول الله جل وعلا لملك الموت: من بقي؟ وهو أعلم، فيقول: بقيتَ أنت الحي الذي لا يموت، وبقيتُ أنا وبقي حملة العرش، وعرش الرحمن غير محتاج إلى الحملة ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] استوى كما أخبر وعلى الوجه الذي أراد، وبالمعنى الذي قال، استواءً منزه عن الحلول والانتقاص، فلا العرش يحمله، ولا الكرسي يسنده، بل العرش وحملته، والكرسي وعظمته، الكل محمولٌ بلطف قدرته، مقهورٌ بجلال قبضته، فالاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعةٌ، ومن الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ؛ لأنه تعالى كان ولا مكان، وهو على ما كان قبل خلق المكان لم يتغير عما كان، لا يحويه زمان، ولا يحده مكان، علم ما كان وما هو كائن وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠]. فيقول الله لملك الموت: ليمت حملة العرش، فيموت حملة العرش ويبقى ملك الموت. وهنا يقول الملك: يا ملك الموت! من بقي وهو أعلم. فيقول: يا رب ما بقي إلا عبدك الذليل الضعيف الماثل بين يديك ملك الموت، فيقول الله جل وعلا لملك الموت: يا ملك الموت! وأنت خلقٌ من خلقي، خلقتك لما ترى، فمت يا ملك الموت، مات جبريل ومات إسرافيل، ومات ميكائيل، ومات حملة الع

стр. 964

أيها الإنسان! إنك إلى ربك راجع فاستعد ﴿إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] وصدق الله إذ يقول: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة:٢٦ - ٣٠]. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ * وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ * فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٨١ - ٩٦]. أيا من يدعي الفهم إلى كم يا أخا الوهم تعب الذنب والذم وتخطي الخطأ الجم أما بان لك العيب أما أنذرك الشيب وما في نصحه ريب ولا سمعك قد صم أما نادى بك الموت أما أسمعك الصوت أما تخشى من الفوت فتحتاط وتهتم فكم تسدر في السهو وتختال من الزهو وتنصب إلى اللهو كأن الموت ما عم كأني بك تنحط إلى اللحد وتنغط وقد أسلمك الرهط إلى أضيق من سم هناك الجسم ممدود ليستأكله الدود إلى أن ينخر العود ويمسي العظم قد رم فزود نفسك الخير ودع ما يعقب الضير وهيئ مركب السير وخف من لجة اليم بذا أوصيك يا صاح وقد بحتت كمن باح فطوبى لفتى راح بآداب محمد يأتم كل باكٍ فسيبكى كل ناعٍ فسينعى وكل مذكورٍ سينسى وكل مذخورٍ سيفنى ليس غير الله يبقى من علا فالله أعلى يا ظالم حاكماً كنت أو محكوماً، يا فاسق! يا فاجر! يا من حاربت الله! يا من بارزت شرع الله! يا من استعبت اللحية بأنها عفن! ويا من اتهمت النقاب بأنه رجعية وتخلف! ستموت والله ستموت، والله لو دام الكرسي لغيرك ما وصلَ إليك، والله لو دامت الدنيا لغيرك ما وصلت إليك، والله ستلقى الله يوماً؛ فأعد للسؤال جواباً، أعد للعرض على محكمة الله بياناً، ثم ماذا؟ يقول الملك: لمن الملك اليوم؟ لله الواحد القهار، لا ملك اليوم إلا لله، ولا ملك قبل ذلك اليوم إلا لله، فالملك في الدنيا وفي الآخرة لصاحب الملك، الملك اليوم لله الواحد القهار. ثم ماذا عن قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم:٣٩]؟ مات الجميع، بعد ذلك يأتي الأمر من الله جل وعلا إلى إسرافيل أن يحيى، وأن يحيى ميكائيل، وجبريل، وملك الموت، وحملة العرش، يحيي الله هذه الملائكة، ويقبض الله جل وعلا الأرواح، وأرواح المؤمنين لها ضياء، وأرواح الكافرين والمشركين لها ظلمة، ويقبضها رب العزة بيمينه جل وعلا، ويقذفها رب العزة في الصور، ويأمر الله إسرافيل أن ينفخ فلما ينفخ إسرافيل في الصور تخرج الأرواح تملأ ما بين السماء والأرض لها دويٍ كدوي النحل، فيقول الحق جل وعلا: وعزتي وجلالي لترجعن كل روحٍ إلى جسدها، فتدخل الأرواح إلى الأجساد وتسري في الأجساد كما يسري السم في جسد اللديغ، وتبدأ الأجسام بالتكامل والبناء، وتنشق الأرض عن الناس، وأول من تنشق عنه الأرض سيد الناس، فيخرج الناس من القبور حفاةً عراةً غرلاً.

стр. 965

حال الناس يوم العرض على الله يا من ملأت بطنك بالمال الحرام! ويا من لبست على جسدك من اللباس الحرام! ستخرج من قبرك يوم القيامة حافياً عرياناً، (يحشر الناس يوم القيامة حفاةً عراةً غرلاً) كما قالت عائشة والحديث في البخاري ومسلم، فقالت: (يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر كلٌ منهم إلى الآخر قال: يا عائشة إن الأمر أكبر من أن يهمهم ذلك) وفي رواية الإمام النسائي قالت عائشة: (الرجال مع النساء يا رسول الله! فكيف بالعورات؟! قال النبي ﷺ : يا عائشة لكل امرئ منهم يومئذٍ شأنٌ يغنيه) ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٣ - ٣٧]. فيقف الناس يبكون بالدموع حتى تنقطع الدموع، فيبكون دماً ينتظرون، وفجأة يرون أهل السماء من الملائكة ينزلون ليقفوا معهم في أرض المحشر، في الأرض التي أعدها الله للحساب، أرضٌ غير هذه الأرض ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم:٤٨] ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤] ينزل أهل السماء الأولى بضعفي من في الأرض، ثم الثانية، فالثالثة، فالرابعة، فالخامسة، فالسادسة، فالسابعة على قدر ذلك من التضعيف، فلما ينظر الناس إلى أهل السماء الأولى من الملائكة، مخلوقات عجيبة، مخلوقات جديدة تراها لأول مرة، فيقول الناس للملائكة: أفيكم ربنا؟ فتقول الملائكة: سبحانه! كلا. وهو آت، آتٍ إتياناً يليق بكماله وجلاله، فكل ما دار ببالك فالله بخلاف ذلك. ثم تنزل حملة العرش بكرسي الملك حيث شاء الله، وحيث أراد الله، يتنزلون ولهم تسبيح وتحميد، يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان ذي العزة والجبروت، سبحان من كتب الفناء على خلقه ولا يموت، قدوسٌ قدوسٌ قدوس، رب الملائكة والروح. ويتنزل الملك ويستوي الملك على كرسيه استواءً لا تدركه العقول ولا تكيفه الأفهام ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً﴾ [طه:١٠٨] لا ينطق مخلوق، ولا يجرأ على الكلام أحد، إنما هو همس فقط ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً﴾ [طه:١٠٨] وفجأة يشق هذا السكون، وهذا الذهول، وهذا الموقف صوت الملك ينادي على الخلائق من الإنس والجن ويقول: يا معشر الإنس والجن! لقد أنصت إليكم كثيراً في الدنيا فأنصتوا اليوم إلي، لا ينطق أحد، لا يتكلمون ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً﴾ [النبأ:٣٨]. يا معشر الجن والإنس! لقد أنصت إليكم كثيراً في الدنيا فأنصتوا اليوم إلي، ثم ينادي الحق بعدها ويقول: (إنما هي أعمالكم وصحفكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) ويأمر الله جهنم فتُخرج عنقاً أسود مظلماً، وينادي الحق جل وعلا قائلاً: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلّاً كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ * هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [يس:٦٠ - ٦٤]. وفي واحة هذا الموقف فجأة: أين فلان ابن فلان، أين فلان ابن فلان؟! من؟! هذا هو اسمي؟! هل أنا صاحب هذا النداء؟! هل أنا صاحب هذا الدعاء؟! ماذا تريدون؟! أقبل إلى عرش الواحد الديان. فتتخطى الصفوف صفوف الإنس والجن والملائكة، تتخطى هذه الصفوف، وفجأة ترى نفسك واقفاً أمام محكمة أحكم الحاكمين، تلكم المحكمة التي لا تقبل رشوة، ولا محسوبية، ولا محاماة، ولا تقبل الاستئناف للأحكام؛ لأن قاضيها هو الواحد الديان، عنوانها: ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٧] فتُعطى صحيفتك، هذه الصحيفة التي لا تغادر بلية كتمتها، ولا مخبأةً أسررتها، فكم من معصية قد كنت نسيتها ذكرك الله إياها، وكم من مصيبة قد كنت أخفيتها أظهرها الله لك وأبداها، فيا حسرة قلبك في وقتها على ما فرطت من طاعة ربك، فإن كنت من السعداء الفالحين أخذت كتابك باليمين، وإن كنت من الأشقياء الهالكين أخذت كتابك بغير اليمين والعياذ بالله، وصدق الله إذ يقول: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة:١٩ - ٣٣]. وصدق الله إذ قال: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم:٣٩] وهل هناك حسرة أبشع وأشد من هذه الحسرة؟ أسأل الله ﵎ أن ينجينا وإياكم من هول هذا اليوم، وأن يجعلنا وإياكم ممن ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٨]. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

стр. 966

حقيقة لاشك فيها وعظة عليك أن تصغي إليها الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليك يا سيدي يا رسول الله، صلاةً وسلاماً يليقان بمقامك يا أمير الأنبياء! ويا سيد المرسلين! ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم:٣٩] فهذا الذي سمعتموه قليلٌ من كثير عن يوم الحسرة: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [مريم:٣٩] أصبح أهل الجنة في الجنة، وأصبح أهل النار في النار، ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم:٣٩] وبعدها قال الله الحقيقة التي لا تقبل هراءً ولا جدالاً ولا مناقشة: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٤٠] إنا: عظمة؛ لأن صاحب العظمة والكبرياء هو الله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٤٠] فذكر نفسك وقل لها: يا نفس قد أزف الرحيل وأظلك الخطب الجليلُ فتأهبي يا نفس لا يلعب بك الأمل الطويلُ فلتنزلن بمنزلٍ ينسى الخليل به الخليلُ وليركبن عليك فيه من الثرى ثقلٌ ثقيلُ قرن الفناء بنا فما يبقى العزيز ولا الذليلُ كل شيءٌ هالكٌ إلا وجهه ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧] ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [العنكبوت:٥٧] ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٣٩ - ٤٠].

стр. 967

لا تقنطوا من رحمة الله فاستعدوا أيها الأحباب للقاء الله جل وعلا، ولكن لست مقنطاً ولست مثبطاً، وإنما فلتفرحوا برحمة الله لكل من قال: لا إله إلا الله، أبشروا بسعة رحمة الله لكل موحدٍ أعلن التوحيد لله، يقول رب العزة: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]. ويقول ربنا في الحديث القدسي الجليل: (إني والإنس والجن لفي نبأٍ عظيم، أخلق ويُعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إليَّ صاعد، أتحبب إليهم بالنعم وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أحوج شيءٍ إلي، أهل ذكري هم أهل مجالستي، فمن أراد أن يجالسني فليذكرني، وأهل طاعتي هم أهل محبتي، وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، فإن تابوا إليَّ فأنا حبيبهم، وإن أقبل واحدٌ منهم إليَّ تائباً تلقيته من بعيد، وإن أعرض عني واحد منهم عاصياً ناديته من قريب قائلاً له: إلى أين تذهب؟ ألك ربٌ غيري؟ الحسنة عندي بعشر أمثالها وأزيد، والسيئة عندي بمثلها وقد أعفو، وعزتي وجلالي وإن استغفروني غفرتها لهم). قال إبليس لرب العزة: (وعزتك وجلالك لأضلنهم ما دامت أرواحهم في أبدانهم، فقال أرحم الرحمين وأكرم الأكرمين لإبليس: وعزتي وجلالي لأغفرن لهم ما داموا يستغفرونني) فتوبوا إلى الله أيها الأحباب، وارجعوا إلى الله، من كان لا يصلي فليصل، من كانت سافرة متبرجة أو لبست حجاب الفتنة وحجاب التبرج فلتتقي الله ربها، ولترجع إلى الله ، من كان يحارب الإسلام فليتب إلى الله، من عادى العلماء ومن عادى الدعاة فليتق الله، وليعلم أنه موقوفٌ بين يدي الله جل وعلا، ومن جلس بيننا واندس بيننا ليثير بيننا الفتنة نسأل الله له أن يشرح صدره، وأن يأخذ بيديه من الظلمات إلى النور.

стр. 968

دعوة للمحاسبة فيا أيها الأحباب! اعلموا أنكم ستعرضون على الله فرداً فرداً، وستُسألون عن كل شيءٍ حرفاً حرفاً، فحاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وأعدوا للسؤال جواباً قبل أن تُسألوا أمام من يعلم السر وأخفى. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، واستر لنا عيوبنا، وكفر عنا سيئاتنا، وإسرافنا في أمرنا، اللهم لا تدع لأحدٍ منا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، اللهم اشف مرضانا ومرضى المسلمين، اللهم اشف مرضانا ومرضى المسلمين، وارحم موتانا وموتى المسلمين، وانصر بفضلك كلمتي الحق والدين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وألف بين قلوب الإخوة يا رب العالمين، ووحد صفوف المسلمين، اللهم نق قلوبنا من الحقد والغل والحسد، اللهم نق قلوبنا من الغل والحقد والحسد، ربنا لا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رءوفٌ رحيم. اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا، اللهم كن لنا ولا تكن علينا، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، اللهم ارفع الفتن عن أمتنا، وارفع الغلاء عن بلادنا، وارفع الغلاء عن شعوبنا، اللهم اجعل مصرنا بلد الأمن والأمان، اللهم اجعل مصرنا بلد الأمن والأمان، اللهم اجعل مصرنا بلد الأمن والأمان، اللهم جنبه الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم جنب مصرنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، ووفق ولاة أموره للعمل بكتابك، ووفق ولاة أموره للعمل بكتابك، والاقتداء بشرع نبيك ﷺ . عباد الله أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 969

الحجاب يا أختاه ! إن الإسلام الحنيف حريص على حفظ المرأة في أرفع المقامات، فهو يحفظ لها مكانتها في مجتمعها، ويحجبها عما يزري بكرامتها، ويهدم وظيفتها التي خلقت من أجلها، فشرع لها الحجاب الذي يستر جميع جسمها ووجهها، لتتقي به شر الفتنة. ولقد أمر الله به أفضل نساء الدنيا زوجات نبينا، فكان الأحرى أن تلتزم به من دونهن من نساء المؤمنين.

стр. 970

مفهوم الحجاب الحمد لله رب العالمين، الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريكٌ في الملك وما كان معه من إله الذي لا إله إلا هو، فلا خالق غيره ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة، ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه، ذلك بأن الله هو الحق، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل، وأن الله هو العلي الكبير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الواحد الذي لا ضد له، وهو الصمد الذي لا منازع له، وهو الغني الذي لا حاجة له، وهو القوي الذي لا يعجزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، وهو جبار السماوات والأرض، فلا راد لحكمه، ولا معقب لقضائه وأمره، هو الأول فلا شيء قبله، وهو الآخر فلا شيء بعده، وهو الظاهر فلا شيء فوقه، وهو الباطن فلا شيء دونه، وهو على كل شيءٍ قدير. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الرسالة، وبلغ الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة عن هذه الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، وعبد ربه حتى لبى داعيه، وجاهد في سبيل ربه حتى أجاب مناديه، وعاش طوال أيامه ولياليه يمشي على شوك الأسى، ويخطو على جمر الكيد والعنت، يلتمس الطريق لهداية الضالين وإرشاد الحائرين، حتى علم الجاهل، وقوم المعوج، وأمَّن الخائف، وطمأن القلق، ونشر أضواء الحق والخير والتوحيد، كما تنشر الشمس ضياءها في رابعة النهار، فاللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فمرحباً بكم أحبتي في الله، ومع الدرس الخامس من دروس سورة الستر والعفاف سورة النور. وما زلنا بفضل الله جل وعلا نتحدث عن الضمانات الوقائية التي وضعها الإسلام العظيم حمايةً لأفراده من الوقوع في الفاحشة والعياذ بالله، ولقد تكلمنا في اللقاء الماضي عن الضمان الثاني، ألا وهو تحريم التبرج وفرض الحجاب، وقلنا بأن الإسلام يهدف إلى إقامة مجتمعٍ طاهرٍ نظيف، لا تهاج فيه الشهوات في كل لحظة، ولا تستثار فيه دوافع اللحم والدم في كل حين؛ لأن عمليات الاستثارة المستمرة تنتهي إلى سعارٍ شهوانيٍ لا ينطفئ ولا يرتوي. إن اللحم العاري، والزينة المتبرجة، والرائحة المؤثرة، والنبرة المعبرة، والمشية المتكسرة، كلها من الأشياء التي تثير الشهوة، وتؤجج نار الفتنة والهوى. لذا أيها الأحبة: من هنا حرم الإسلام التبرج، وفرض الحجاب على المرأة المسلمة لماذا؟ ينبغي أن تعلم المسلمة وأن يعلم الناس جميعاً أن الإسلام ما فرض هذه الضوابط على المرأة المسلمة في ملبسها وزينتها وعلاقتها بالرجال إلا لصيانتها وحمايتها من عبث العابثين، ومجون الماجنين، ولتكون المرأة المسلمة كالدرة المصونة، وكاللؤلؤة المكنونة التي لا تصل إليها الأيدي الآثمة. تكلمنا في اللقاء الماضي عن التبرج ومظاهره وخطورته، ولقاؤنا اليوم عن الشق الثاني من الضمان الثاني ألا وهو فرض الحجاب على المرأة المسلمة، وحتى لا ينسحب بساط الوقت من تحت أقدامنا فسوف أركز الحديث مع حضراتكم في أربعة عناصر: أولاً: الحجاب لغةً وشرعاً. ثانياً: الأدلة الشرعية من القرآن والسنة على وجوب الحجاب. ثالثاً: شروط الحجاب الشرعي. رابعاً: شبهات والرد عليها. نسأل الله جل وعلا أن يرزقنا الصواب والإخلاص والتوفيق.

стр. 971

معنى الحجاب في اللغة أولاً: الحجاب لغةً وشرعاً: أحبتي في الله! الحجاب: جمعه حُجب، ومعناه لغةً يدور بين الستر والمنع، لذا يقال للستر الذي يحول بين الشيئين حجاباً؛ لأنه يمنع الرؤية بينهما، ولذا يقال لحجاب المرأة: (حجاب) وسمي حجاب المرأة حجاباً لأنه يستر المرأة عن الرؤية، ويمنع الرجال من أن يشاهدوا أو أن ينظروا إلى المرأة. ووردت لفظة الحجاب في القرآن في ثمانية مواضع، وكلها تدور حول هذا المعنى -أي: حول معنى الستر والمنع- كما قال الله جل وعلا في سورة الأعراف: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ [الأعراف:٤٦] أي: بينهما سورٌ يمنع الرؤية، أو حاجزٌ يمنع الرؤية، وكما قال الله جل وعلا: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص:٣٢] أي: حتى منعت هذه الخيول من الرؤية، وأصبحت لا ترى، وكما قال الله جل وعلا: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً﴾ [مريم:١٧] على مريم ﵍، أي: استترت مريم بستارٍ عن أعين الرجال، وكما قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣] أي: من وراء ساترٍ أو حاجزٍ أو حائلٍ يمنع من رؤيتهن. إذاً: فالحجاب يدور بين معنى الستر والمنع، ولذا يُفهم المعنى الشرعي من هذه المعاني اللغوية لحجاب المرأة المسلمة بأنه الذي يحجب المرأة المسلمة عن نظر الرجال الأجانب، وله صورٌ متعددة هي: صورة الأبدان وصورة الوجوه، أي حجاب الأبدان، وحجاب الوجوه. وللمرأة أن تحتجب عن الرجال الأجانب ببيتها، وبالستائر السميكة بداخل البيت، وللمرأة أن تحتجب بثيابها من رأسها إلى قدمها إذا ما خرجت من بيتها لحاجةٍ ضرورية، أو دينية، أو دنيوية، وهذا جائزٌ في حقها ولا إثم عليها إذا خرجت بشروط الحجاب الشرعي التي سأبينها إن شاء الله جل وعلا، مع غطاء الوجه بالحجاب، أو الخمار، أو النقاب. وهذا ما يسميه علماؤنا بحجاب الوجه.

стр. 972

بعض الأخطاء في مفهوم الحجاب الخمار: وانتبهوا معي إلى أن هناك خلطاً بين هذه المعاني عند كثيرٍ من الناس، فالخمار عندنا مثلاً يراد به الطرحة التي تلبسها المرأة على رأسها ويظهر منها الوجه، وهذا خطأٌُ لغوي، ويقال أيضاً للحجاب عندنا، وهذا ما ذكره بعض أهل العلم في كتبهم، قالوا: بأن الحجاب هو الطرحة التي تلبسها المرأة على رأسها، ويظهر منه الوجه أيضاً وهذا خطأٌ لغوي، فانتبهوا معي لنتعرف على معنى الخمار وعلى معنى النقاب، حتى نضع النقط على الحروف من بداية هذا اللقاء.

стр. 973

الحجاب بمفهومه الصحيح الخمار أيها الأحبة -وربما سيعلم ذلك لأول مرة كثيرٌ من المسلمين والمسلمات- هو ما تخمر به المرأة وجهها. من أين لك بهذا التأويل والتفسير؟ من كتاب الله جل وعلا، ومن أقوال رسول الله ﷺ ، ومن أقوال أئمة الهدى ومصابيح الدجى عليهم رحمة الله، يقول الله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١]. قال الحافظ ابن حجر إمام أهل الحديث في الفتح في تعريف الخَمْر: ومنه خمار المرأة، وهو الذي تخمر به المرأة وجهها -أي: تغطي به المرأة وجهها- وأعظم دليلٍ على صحة هذا الكلام ما ورد في صحيحي البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂، وهل تريدون أوضح من هذا؟ هل تريدون دليلاً أوضح من دليلٍ ورد في حديثٍ رواه البخاري ومسلم من حديث أمنا أم المؤمنين عائشة ﵂؟ أتدرون ماذا قالت أمنا ﵂ في حادثة الإفك؟ تقول السيدة عائشة: لما رآها صفوان بن المعطل السلمي ﵁، لما تخلفت عن الجيش، ونامت وجاء صفوان فوقعت عينه عليها، وكان صفوان بن المعطل يعرف السيدة عائشة ﵂؛ لأنه كان قد رآها مراراً قبل نزول آية الحجاب، فلما رآها صفوان وعرفها استرجع، أي قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، رأى زوج نبيه الكريم ﷺ تخلفت عن الجيش، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. تقول سيدتنا عائشة: (فلما رآني عرفني، وكان يعرفني قبل الحجاب، فلما رآني استرجع -أي قال: إنا لله وإنا إليه راجعون- تقول عائشة ﵂: فاستيقظت باسترجاعه) أي صحت سيدتنا عائشة على قولته: إنا لله وإنا إليه راجعون. اسمع ماذا قالت أمنا ﵂؟ قالت: (فاستيقظت باسترجاعه، وحين عرفني خمرت وجهي بجلبابي) فخمرت وجهي بجلبابي: هذا هو معنى الخمار في حديثٍ في الصحيحين فماذا تريدون بعد ذلك من أدلة!! قالت: (فخمرتُ وجهي بجلبابي) وفي راويةٍ: (فسترت وجهي بجلبابي) أي: خمرت. ويؤكد ذلك أيضاً حديث فاطمة بنت المنذر ﵂ ورحمها الله تعالى، تقول: (كنا نخمر وجوهنا من الرجال في الإحرام مع أسماء بنت أبي بكرٍ) ﵂، وحديثها رواه الإمام مالك في الموطأ ورواه الحاكم في المستدرك، وقال الحاكم: حديثٌ صحيح على شرط الشيخين البخاري ومسلم ولم يخرجاه، وأقره الإمام الذهبي. إذاً: الخمار -أيها الأحبة- هو ما تخمر به المرأة وجهها، أي: ما تغطي به المرأة وجهها.

стр. 974

النقاب الشرعي أما النقاب: فهو حجابٌ للوجوه أيضاً، وسمي النقاب بالنقاب؛ لوجود نقبين بمحاذاة العينين لتتعرف المرأة من خلال هذين النقبين على الطريق. ولكن: ينبغي أن أنبه هنا إلى أمرٍ خطير، ألا وهو أن بعض المسلمات اللائى يلبسن النقاب، قد حولنه هو الآخر إلى مصدر فتنةٍ وإغواءٍ وإغراء، كيف ذلك؟ وسعت المرأة فتحة العين على وجهها، فظهر من خلال هذه الفتحة حاجبها، وظهر جزءٌ كبيرٌ من وجنتيها، وهذه هي الفتنة بعينها. وليس معنى أن كثيراً من النساء قد حولن النقاب إلى مصدر فتنةٍ وإغراءٍ وإغواء أن نقول بعدم شرعية النقاب، فليس معنى أن يختل المسلمون في تطبيق أمرٍ أو جزءٍ شرعي أن نلغي هذا الجزء، وإنما ينبغي أن يؤمر المسلمون بأن يردوا هذا الأمر إلى ما أراده الله، وإلى ما أراده رسول الله ﷺ . فيجب على المرأة التي انتقبت أن تظهر من عينها بمقدار الرؤية، وأن تظهر الفتحة لعينها لتتعرف من خلالها على الطريق، أما أن تتفنن في أن تظهر جمال عينها، وقد امتلأت كحلاً وجمالاً وفتنةً وتأثيراً، وظهر حاجبها وجزءٌ كبيرٌ من وجنتيها، وتدعي بأنها منتقبة، فإنما هي خادعة أو مخدوعة، فينبغي أن تتوب وأن ترجع إلى الله جل وعلا، وأن تتقي الله، وأن تعلم بأن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. هذا هو الخمار، وذاك هو النقاب، وهذا هو معنى الحجاب. إذاً: هناك حجابٌ للأبدان وللوجوه معاً، إما من وراء ستارةٍ سميكة أو من وراء جدار كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣] أو إذا خرجت المرأة من بيتها لحاجةٍ دينية أو دنيوية فعليها أن تلبس الثياب من رأسها إلى قدميها، وأن تغطي وجهها بالخمار أو النقاب، بالشروط والضوابط التي أشرت إليها آنفاً.

стр. 975

الأدلة الشرعية من القرآن والسنة على وجوب الحجاب أولاً: أدلة القرآن:

стр. 976

الدليل الأول: قوله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك) وهي قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الأحزاب:٥٩] قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهل تعرف المرأة إلا من وجهها؟ انتبهوا معي أيها الأحبة، وانتبهن معي أيتها الفضليات؛ لنتعرف على هذه الآية، وعلى ما تحمله من أحكامٍ عظيمة غابت عن كثيرٍ من المسلمين والمسلمات: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٩] إذاً: الأمر هنا من الله جل وعلا لزوجات النبي الطاهرات، وبنات النبي العفيفات، ونساء المؤمنين الصالحات القانتات، ليس الأمر هنا خاص بزوجات النبي ﷺ وحدهن كما هو واضحٌ بمنطوق الآية ومفهومها أيضاً. قال شيخ المفسرين الإمام ابن جرير الطبري عن ابن عباس ﵄ في تفسير آية الإدناء، واحفظوا هذا القول لـ ابن عباس ﵁؛ لأنه قد افتري عليه قولٌ آخر، وقد ادعي عليه ما لم يقله وهو بريءٌ منه كما سنرى بالأدلة وبطرق أهل الحديث إن شاء الله جل وعلا، قال: [أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن لحاجةٍ أن يغطين وجوههن من فوق رءوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة] أي: لتتعرف بها على الطريق. ويقوي هذا الإسناد ما صح عن ابن سيرين رحمه الله تعالى عن عبيدة السلماني، وعبيدة السلماني هو التابعي الجليل الفقيه العلم الذي آمن في حياة النبي ﷺ إلا أنه لم ينزل المدينة إلا في عهد عمر بن الخطاب ﵁، ولم يزل عبيدة السلماني بـ المدينة حتى توفاه الله جل وعلا، وأنا تعمدت أن أقول ذلك لتعلم أنه إن فسر عبيدة السلماني آية الإدناء تفسيراً عملياً، فإنما هو يوضح حال نساء أصحاب النبي ﵅ جميعاً، ويوضح ما كان عليه النساء في عهد الصحابة ﵃، يقول ابن سيرين: سألت عبيدة السلماني عن معنى آية الإدناء وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩] فقال عبيدة بثوبه هكذا، فغطى وجهه بثوبه، وأبرز بثوبه عن إحدى عينيه، توضيحٌ عملي من تابعيٍ جليلٍ عاش في المدينة المنورة من عهد عمر بن الخطاب إلى أن مات ﵀. فقال بثوبه هكذا، فغطى رأسه ووجهه بثوبه وأبرز الثوب عن إحدى عينيه، تفسيرٌ عملي لآية الإدناء، ووالله إنه من أعظم الأدلة من تابعيٍ رأى ما كان عليه النساء في عهد أصحاب النبي ﷺ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩]. وقال الإمام الفخر الرازي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: وفي هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورةٌ بستر وجهها عن الأجانب، وإظهار الستر والعفاف إذا خرجت لحاجة حتى لا يطمع أهل الريب فيها. من العلماء من يقول: بأن الصحابيات ﵅ كنّ يخرجن كاشفات الوجوه، وهذا والله بهتانٌ عظيم؛ لأن الوجه أيها الأحبة هو أصل الجمال في المرأة، وأنا أسألك: بالله عليك أيها المسلم المنصف، لا أريد منك جواباً وإنما أريدك أن تجيب أنتَ بنفسك على نفسك في جلسة صدقٍ ولحظة صدقٍ مع الله جل وعلا: أسألك بالله لو أن شاباً تقدم لخطبة فتاة، وقيل له لن ترى الفتاة إلا في صورةٍ من الصورتين، فقال الشاب ما هما: قالوا: الصورة الأولى: أن تخرج الفتاة في كل زينتها وقد غطت وجهها أي: غطت بدنها بالثياب، وغطت وجهها، إلا أنها من تحت هذه الثياب، ومن تحت هذا الغطاء وضعت كل ما يمكن أن تضعه المرأة من زينة سبحان الله!! وماذا استفاد هذا المسلم؟ إذاً ما رأى شيئاً وما استفاد من تلك الزينة شيئاً. الصورة الثانية قالوا: أن تقف لك الفتاة من خلف نافذة، وتنظر لك بوجه مبتسم وقد يتغطى كل البدن من خلف جدار هذه النافذة، بشرط أن تظهر الوجه فقط، فبالله عليك ماذا يختار الشاب؟ هل يختار الحالة الأولى التي خرجت إليه المرأة في كل زينتها وقد تغطت من قمة رأسها إلى أخمص قدميها وغطت وجهها؟ أم أنه يريد أن ينظر إلى الوجه؛ لأنه هو عنوان الجمال الخلقي في الإنسان، ومن خلاله يستطيع الإنسان أن يتبين الجمال أو القبح، والدمامة أو النضارة فيقول بالمنطق -وهذا لا يحتاج إلى دليل- يقول: لا. أريد الصورة الثانية، والحالة الثانية، ألا وهي أن ينظر إلى وجه المرأة ليتعرف من خلال وجهها على جمالها، وقبحها، أو دمامتها، وهذا لا يحتاج إلى دليل، وإن كل منصفٍ لم يمت إنصافه في قلبه -فيعمى بذلك قلبه وعقله- سيقول هذا. إذاً أيها الأحباب: الله ﵎ هنا يأمر الرسول ﷺ أن يأمر زوجاته وبناته ونساء المؤمنين جميعاً بالحجاب الساتر لجميع الجسم، ومن العلماء من قال: بأن الحكم هنا خاص بزوجات النبي ﷺ ، قلتُ: سبحان الله! كيف يكون الحكم خاصاً بزوجات النبي والله ﵎ يقول في نفس الآية: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٩]، ويقول العلامة الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: وفي الآية قرينةٌ واضحة ٌعلى وجوب ستر الوجه، ما هي هذه القرينة؟ يقول: هي قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ [الأحزاب:٥٩] ومعلومٌ أن وجوب احتجاب زوجات النبي ﷺ وسترهن لوجوههن أمرٌ لا نزاع فيه بين المسلمين، فكيف تستقيم دعوى الخصوصية لنساء النبي وحدهن والله تعالى يقول في الآية: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٩] وهذا واضح. وأكتفي بذلك القدر في هذه الآية؛ لأن الموضوع طويل.

стр. 977

الدليل الثاني: قوله تعالى: (وإذا سألتموهن متاعاً) يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٥٣]. ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣] لماذا؟ ما هي العلة من فرض الحجاب بين الرجال والنساء؟ قال الله تعالى الخالق وهو الذي يعلم من خلق ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] وقال جل وعلا: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣] هذه هي آية الحجاب، وهي معنىً واضح في وجوب احتجاب النساء عن الرجال، ولكن من العلماء أيضاً من قال -وإنا لله وإنا إليه راجعون- بأن هذه الآية خاصةٌ بزوجات النبي ﷺ وحدهن. قلتُ: إن كانت الآية خاصةً بزوجات النبي ﷺ من جهة السبب، فهي عامةٌ من جهة الأحكام، والقاعدة الأصولية تقول: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ولو فهمنا كل أوامر القرآن هكذا، بأنه لو جاء أمرٌ خاص لزوجات النبي ﷺ ، قلنا إذاً: هو لزوجات النبي وحدهن، لو جاء أمرٌ خاص بالنبي ﷺ ، قلنا إذاً: هو للنبي وحده دون سائر المؤمنين لو كان الأمر كذلك لعطلنا معظم أوامر ونواهي القرآن. وبالله عليكم أيها الأحبة: هل تظنون أن الله جل وعلا لو أمر نبيه ﷺ بقوله في أول سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:١] هل يقول عاقل بأنه لا يجب علينا أن نتقي الله لأن الأمر هنا خاصٌ بالنبي ﷺ ؟! وهل لو أمر الله نبيه بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة:٧٣] هل يقول عاقل بأنه لا يجب علينا أن نجاهد الكفار والمنافقين؛ لأن الأمر هنا خاصٌ بالنبي ﷺ . وهل لو أمر الله المؤمنين بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب:٥٣] هل يقول عاقل بأنه يجوز لهم أن يدخلوا غير بيوت النبي من غير أن يؤذن لهم. إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذا ما قال به علماؤنا، فالحكم هنا أيها الأحباب: إن كانت الآيات خاصةً بزوجات النبي الطاهرات من ناحية السبب فهي عامةٌُ من ناحية الأحكام، وإلا فبالله عليكم اسألوني: ما هي العلة في فرض الحجاب؟ سأجيب: بأن العلة من فرض الحجاب بنص الآية هو قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣] أتدرون لمن هذا الأمر؟ إنه لنساء النبي الطاهرات، ولأشرف نساء العالمين، ولأطهر نساء الدنيا اللائى تربين في بيت النبوة على يد رسول الله ﷺ ، واللائى شربن من نبع الوحي الزلال الصافي، وهن المطهرات من السفاح، والمحرمات علينا بالنكاح، والموصوفات بأنهن أمهات المؤمنين؛ يأمرهن الله بالحجاب حمايةً لقلوبهن، وطهارةً لقلوبهن وقلوب أبنائهن المحرم عليهم نكاحهن، فما نقول في غيرهن المحللات لنا بالنكاح، المتطلع لهن أهل السفاح، هل يجوز أن يخرجن، أو أن يكن سافرات غير منتقبات، وبارزات غير محجبات؟! الأولوية في هذه الآية واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار؛ لأنه إذا أمرت عائشة بالحجاب فهل يترك غيرها؟ وإذا أمرت حفصة بالحجاب طهارةً لقلبها وهي حفصة فهل يترك غيرها؟ أو فهل نترك غيرها؟ وإذا أمرت أم سلمة بالحجاب طهارةً لقلبها فهل نترك غيرها؟ وإذا أمرت سودة، وزينب وغيرهن ﵅ بالحجاب فهل نترك غيرهن؟ إن دليل الأولوية واضحٌ في هذه الآية، وهذا المسلك في القرآن معلومٌ عند أهل الأصول بمسلك الإيماء والتنبيه. إن الأمر بيِّن؛ إن الأمر واضح: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣] لماذا؟! ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣].

стр. 978

الدليل الثالث: قوله تعالى: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) وهي قول الله جل وعلا: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١]. يستدل العلماء من هذه الآية بثلاث مواضع وهي: الموضع الأول: هو قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١] أعيروني القلوب والأسماع أحبتي في الله، يقول الله: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١] بغير قصدٍ وعمدٍ بل وهي مضطرة لإظهاره رغماً عنها، ألا وهو ظاهر الثياب، فإن الثياب على بدن المرأة زينة وأي زينة؟ إلا ما ظهر منها: ظاهر الثياب، وحتى لا نتهم بأننا نتعسف في لي أعناق الآيات لياً فتعالوا بنا إلى صحابيٍ جليلٍ، وعلم من أعلم الصحابة بكتاب الله جل وعلا، ما من آية نزلت إلا وهو يعلم متى نزلت وأين نزلت وفيم نزلت، إنه الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁. ماذا قال ابن مسعود في تفسير هذه الآية، والإسناد صحيحٌ إن شاء الله جل علا؟ قال عبد الله بن مسعود ﵁: [﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١] قال: الثياب] هذا قول ابن مسعود: زينة المرأة الظاهرة الثياب، وهذا ثابت عنه بإسناد صحيح. أما ما روي عن ابن عباس ﵄ في أنه قال: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١] قال: [الوجه والكفان] فإسناده إلى ابن عباس لا يصح بحال كما هو معروف لعلماء الحديث وعلماء التخريج لماذا؟ لأن هذا الأثر المروي عن ابن عباس ورد من طريقين: الطريق الأول: رواه شيخ المفسرين الإمام ابن جرير الطبري. الطريق الثاني: أخرجه الإمام البيهقي في السنن الكبرى، فتعالوا بنا نقف مع هذين الإسنادين لنتعرف على صحتهما من ضعفهما؛ حتى يتضح لنا أن هذا القول لا يصح إسناده بحالٍ إلى ابن عباس ﵄. أما الطريق الأول: وهو الذي أخرجه الإمام ابن جرير الطبري في التفسير: هذا لا يصح بحال؛ لأنه إسنادٌ ضعيفٌ جداً، بل هو منكر؛ لأن في رجاله مسلم الملائي الكوفي، قال فيه البخاري: تكلموا فيه، وقال الحافظ الذهبي: ضعفوه، وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: ضعيف، وقال يحي بن معين: ليس بثقة، وقال النسائي: متروكٌ الحديث. إذاً: الإسناد بهذا الطريق لا يصح بحال كما هو معلوم لكل علماء الحديث. أما الإسناد الآخر الذي أخرجه الإمام البيهقي، فهو ضعيف جداً أيضاً؛ لضعف راويين من رجال سند هذا الطريق الثاني: أحدهما أحمد بن عبد الجبار العطاردي، قال فيه الحافظ ابن حجر في التقريب: ضعيف، وقال فيه الحافظ الذهبي: ضعيف. أما الرجل الثاني فهو عبد الله بن هرمز بن مسلم بن هرمز، قال فيه الحافظ ابن حجر في التقريب: ضعيف، وقال فيه الحافظ الذهبي: ضعفه ابن معين والنسائي. إذاً: الإسنادان لا يصحان بحال، ولا يصح أن يحتج بهما في المتابعات والشواهد فضلاً عن أن يحتج بهما عالمٌ في أمرٍ من الأمور الواجبة كما هو معلومٌ لكل طالب علمٍ مبتدئٍ في علم الحديث. إذاً: لا يصح الإسناد إلى ابن عباس ﵄ في أنه فسر الزينة الظاهرة بالوجه والكفين، ويؤكد صحة ذلك ما ذكرته في أول اللقاء، حينما فسر آية الإدناء بقوله: [أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن لحاجةٍ أن يغطين وجوههن من فوق رءوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة]. إذاً: الزينة الظاهرة هي الثياب، وهي ما يظهر من المرأة من غير عمدٍ وعلى حين غفلةٍ من المرأة، ومن علم أحوال النساء علم ذلك جيداً، إذا هبت ريح فتكشف وجه المرأة، أو اضطرت المرأة حين شرائها وبيعها لتكشف عن وجهها الغطاء فنظر رجلٌ خلسةً إلى وجهها على حين غرة منها، هذه زينةٌ تظهر من المرأة من غير عمد ومن غير قصد، وهي بإذن الله لا تؤاخذ عليها بدليل قول الله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١]. الموضع الثاني في الآية: هو قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١] وأوضحنا ذلك بأنه ضرب الخمار على الوجه وتغطية الوجه، بدليل حديث عائشة الذي رواه البخاري ومسلم: (فخمرت وجهي بجلبابي) وبدليل حديث أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: (كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات، وكنا نمتشط قبل ذلك في الإحرام) والحديث رواه مالك، وصححه ابن خزيمة وابن حبان، ورواه الحاكم في المستدرك من طريقه، وقال: حديثُ صحيح على شرط الشيخين البخاري ومسلم ولم يخرجاه، وأقره الإمام الذهبي على ذلك. ويؤكد ذلك أيضاً قول فاطمة بنت المنذر رحمها الله تعالى الذي أشرت إليه آنفاً، قالت: (كنا نخمر وجوهنا من الرجال ونحن مع أسماء بنت أبي بكرٍ ﵂ والأثر رواه الإمام الحاكم في المستدرك أيضاً من طريقه، وقال: صحيحٌ على شرط الشيخين البخاري ومسلم، وأقره الذهبي على ذلك. إذاً: أيها الأحبة! ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١] المفهوم من ضرب الخمار: هو أن تضرب المرأة الخمار من على رأسها على وجهها، وما سميت الخَمْر خَمْراً إلا لأنها تغطي العقل، وقال الحافظ ابن حجر في تعريف الخَمْر: ومنه خمار المرأة لأنه يستر وجهها. أما الموضع الثالث في هذه الآية فهو قوله تعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١]. قلنا: إن كان الإسلام قد حرم على المرأة أن تضرب الأرض برجلها؛ خشية أن يفتتن الرجال بسماع صوت خلخالها، فبالله عليكم هل يحرم الإسلام على المرأة ذلك ثم يبيح لها أن تكشف وجهها الذي قد امتلأ نضارةً وجمالاً وحسناً وتجميلاً وتزييناً! أي الفتنتين أعظم، فتنة الوجه أم فتنة القدم؟! ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧] ورحم الله من قال: إن الحجاب الذي نبغيه مكرمة لكل مسلمةٍ عادت ولم تعدِ نريد منها احتشاماً عفةً أدباً وهم يريدون منها قلة الأدب يا رُبَّ أنثى لها عزمٌ لها أدبٌ فاقت رجالاً بلا عزمٍ ولا أدب ويا لقبح فتاةٍ لا حياء لها وإن تحلت بغال الماس والذهبِ إن الحجاب عفة، إن الحجاب مكرمة، إن الحجاب شرف، إن الحجاب مروءة، إن الحجاب إيمان، إن الحجاب طاعة، إن الحجاب امتثالٌ لأمر الله ولأمر رسول الله ﷺ ، فيا أيتها اللؤلؤة المكنونة المسلمة! يا أيتها الدرة المصونة الغالية! والله ما نريد لك إلا العفة، ووالله ما أراد الإسلام لك إلا الكرامة وأن يحميك من عبث العابثين، ومجون الماجنين، والله لا نريد لك إلا الخير في الدنيا والآخرة: أختاه يا بنت الإسلام تحشمي لا ترفعي عنك الحجاب فتندمي صوني جمالك إن أردت كرامةً فالناس حولك كالذئاب الحومِ إي والله! كالذئاب الحوم، خاصة في زمان قل فيه الإيمان والورع والزهد، وقلّت فيه التقوى، وإلى الله المشتكى، والله المستعان. وأكتفي بهذا القدر من الأدلة القرآنية أحبتي في الله.

стр. 979

ثانياً: الأدلة من السنة على وجوب الحجاب أما الأدلة النبوية فهي كثيرة ولله الحمد والمنة، ووالله لو لم يكن منها إلا هذا الحديث الذي رواه البخاري، ومالك في الموطأ، والترمذي في السنن وقال: حديثٌ حسن صحيح، ورواه أحمد في مسنده وغيرهم من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين) أي: التي أهلت بالإحرام في الحج أو العمرة، لا تنتقب ولا تلبس القازين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: دل هذا الحديث على أن النقاب والقفازين كانا معروفين لدى النساء اللاتي لم يحرمن، وأظنه واضحٌ جداً: لا تنتقب المحرمة، إذاً: غير المحرمة كانت في الأصل منتقبة، وأمرها النبي ﷺ في حال إحرامها ألا تنتقب، وهو الذي نهيت عنه، وهذا هو الذي أمرت به. وفي الحديث الذي رواه أحمد والبيهقي والدارقطني وغيرهم من حديث عائشة ﵂ قالت: (كان الركبان -أي: الرجال الذين يركبون الدواب- يمرون علينا ونحن محرمات مع رسول الله ﷺ فإذا حاذونا -أي اقترب هذا الركب منا وفيه من الرجال من فيه- سدلت إحدانا جلبابها من على رأسها على وجهها، فإذا ما جاوزونا كشفناه) والحديث للأمانة بذاته ضعيف، وله شاهدٌ قوي من حديث أسماء، وحديث فاطمة بنت المنذر اللذين ذكرتهما آنفاً، والحديث الأول رواه مالك في الموطأ، وابن خزيمة في الصحيح، وابن حبان في الصحيح، والحاكم من طريقه في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشيخين وأقره الذهبي، والآخر رواه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشيخين وأقره الذهبي. أما أحاديث النظر إلى المخطوبة، فهي والحمد لله أحاديث صحيحة بطرقها: الأول: كحديث محمد بن مسلمة، والمغيرة بن شعبة، وجابر بن عبد الله ﵃ جميعاً، وهذه الأحاديث تدل على أن الخاطب كان يتكلف مشقة وعناءً في النظر إلى وجه مخطوبته، وهي تجيز أيضاً للخاطب أن ينظر إلى وجه مخطوبته، سأختار منها حديث جابر بن عبد الله ﵄، وهذا الحديث يقول فيه جابر: قال رسول الله ﷺ : (إذا خطب أحدكم المرأة؛ فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل، قال جابر بن عبد الله: فخطبت جاريةً فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها وتزوجتها) يقول علماؤنا: إن المرأة في هذا الزمان تخرج متبرجةً مكتحلةً متزينةً متطيبةً متعطرة ما تكلف الرجل مشقةً في أن يختبئ لينظر إلى وجه مخطوبته، بل ما عليه إلا أن يمشي إلى جوارها في الشارع، ليرى منها كل شيء كما نرى في زماننا هذا، وإنا لله وإنا إليه راجعون. وهكذا أيها الأحباب: إن من لم يمت إنصافه في قلبه، ومن لم يعمَ بذلك قلبه وعقله لا يحتاج إلى سرد هذه الأدلة، وإلى كل هذه الأدلة، وإنما هو بفطرته النقية الطيبة سيعلم علم اليقين أن أصل الفتنة والجمال في المرأة هو وجهها، وليعلم علم اليقين أن حجاب المرأة شرف لها قبل أن يكون شرفاً وكرامةً لأفراد المجتمع. فيا أيها الأخ الكريم! عليك بزوجتك، وبابنتك، وبأختك، وأنتِ أيتها الأخت الفاضلة الكريمة! اتقي الله جل وعلا، واعلمي أن في الحجاب الشرف، والعزة، والمنعة، والكرامة، وخيري الدنيا والآخرة، وأسأل الله ﵎ أن يرزقنا وإياكم الصواب. يبقى لنا بعد ذلك أيها الأحبة أن نتكلم عن عنصرين أخيرين في هذا اللقاء ألا وهما: شروط الحجاب الشرعي وبعض الشبهات والرد عليها، وسوف أرجئ الحديث عن هذين العنصرين إلى ما بعد جلسة الاستراحة؛ لأشير إليهما في عجالةٍ سريعة. وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 980

شروط الحجاب الشرعي الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فيا أيها الأحبة: أما عن شروط الحجاب الشرعي؛ حتى تعلم المرأة أنه ليس كل ثوبٍ تستطيع أن تخرج به خارج البيت، فللحجاب الشرعي شروط فلتتعلمها كل امرأة:

стр. 981

الشرط الأول: أن يكون ساتراً لجميع البدن فلا يجوز بحالٍ أن تغطي المرأة رأسها وبدنها ثم يكون الثوب قصيراً لتظهر قدميها، أو ساقيها، ومنهن من تتفنن في ذلك لستر هذا الجزء الباقي من أسفل؛ فتلبس حذاءاً برقبة طويلة لتستر هذا الجزء، ثم تدعي وتزعم أنها محجبة.

стр. 982

الشرط الثاني: ألا يكون زينةً في ذاته ألا تلفت المرأة الأنظار إلى ثوبها بألوانه الفاقعة التي تلفت الأنظار، وتجذب الأنظار، فلا ينبغي أن يكون الثوب في حد ذاته زينة، لا ينبغي أن يكون معطراً حتى يلفت إليه الأنظار كما سنرى؛ لأن هذا شرطٌ مستقلٌ من شروط الحجاب الشرعي.

стр. 983

الشرط الثالث: ألا يكون شفافاً بل يجب أن يكون الثوب صفيقاً -أي: سميكاً- حتى لا يشد بدن المرأة أو ما تحته، ومن النساء من تلبس ثوباً صفيقاً -أي سميكاً- وتأتي على مكانٍ بمحاذاة الصدر، أو على الذراعين، وتلبس ثوباً شفافاً يظهر ما تحته، وهذه هي قمة الفتنة. والرسول ﷺ قال في الحديث الذي رواه مسلم من حديث أبي هريرة: (صنفان من أهل النار لم أرهما -وذكر منهما ﵊ ونساءٌ كاسياتٌ عاريات) وهذا وجهٌ من أوجه التفسير لهذا الحديث؛ أن تلبس المرأة ثوباً شفافاً يُظهر ما تحته.

стр. 984

الشرط الرابع: ألا يكون ضيقاً لأن الثوب الضيق يكون من أعظم الفتن، ومن أعظم سهام الشهوات؛ لأن الثوب الضيق وإن كان صفيقاً وسميكاً لا يشد فإنه يبين حجم عظام المرأة، وهذه من قمم الفتن التي ترسل بها النساء -اللائي يلبسن مثل هذه الثياب الضيقة- إلى قلوب الشباب والرجال، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 985

الشرط الخامس: ألا يكون معطراً أيضاً من الشروط -وهذا بإيجازٍ أيها الأحباب- ألا يكون الثوب مبخراً أو معطراً أو مطيباً، وهذا بالطبيعة هو الثوب الذي تخرج به المرأة إلى الشارع، أما الإسلام فيأمرها بأن تتعطر وتتطيب وتتزين لزوجها في داخل بيتها، وإن همت بالخروج فلا يجب أن يكون الثوب معطراً؛ لأن العطر من ألطف وسائل المخابرة بين الرجل والمرأة كما أوضحت قبل ذلك آنفاً، وفي الحديث الذي رواه مسلم أنه ﷺ قال: (إذا خرجت إحداكن إلى المسجد فلا تقربن طيباً) فما ظنكم إذا خرجت إلى الأسواق والشوارع والطرقات!! والحديث الذي رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح من حديث أبي موسى الأشعري، أنه ﷺ قال: (أيما امرأة استعطرت فخرجت فمرت على قومٍ ليجدوا ريحها فهي كذا وكذا -أي: زانية- وكل عينٍ زانية -أي: وكل عينٍ تنظر إليها بشهوة فهي زانية-) وأسلفنا أن العينين تزنيان وزناهما النظر.
следующие страницы →