← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

معنى حلق الذكر وبيان دخول حلق العلم فيها إذاً هذه الأحاديث الدالة على فضل حلق الذكر عموماً، وحلق العلم تدخل في حلق الذكر، وينبغي أن يوسع موضوع حلق الذكر حتى لا يُظن أنها فقه وحديث وتفسير ونحو ذلك، فيدخل فيها الطلب من الله والدعاء، وكذلك ذكر نعمة الله، إذا جلسوا يذكرون نعمة الله عليهم، فهي من حلق الذكر التي فيها هذا الأجر العظيم (وقد ذكر النبي ﷺ عن رجلٍ حضر حلقة علمٍ رأى فرجة جلس فيها أن الله آواه، وثانٍ جلس خلفهم واستحيا أن الله قد استحيا منه) وهذا يدل على فضل من حضر حلق الذكر. والصحابة جلسوا يذكرون الله ويحمدونه على ما هداهم للإسلام ومنَّ به عليهم، فإذاً تذكر الأشياء وتذكر نعمة الله تعالى، وتحديث البعض للبعض الآخر بنعمة الهداية مثلاً، يعتبر من مجالس الذكر، ولو لم يقرءوا فيه إسناداً ولا متناً، فلا يقتصر مفهومنا لحلق الذكر على قراءة المتون فقط، فالمسألة أعظم من ذلك. لو جلس جماعة يتواصون بالصبر، يتكلمون في مسألة الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسبل إعزاز الدين، ويناقشون كيفيات إعزاز الدين , والسبل الموصلة إلى تبليغ الدعوة، وكيف يحققون ذلك، لكان هذا من حلق الذكر. ولو جلس جماعة حتى لو لم يكونوا من أهل العلم ولا من حفاظ العلم، جلسوا يذكرون نعم الله عليهم، وهذا قد يتكلم فيه بعض العامة كلاماً جميلاً، يذكر نعم الله عليه، ويقارن حال المهتدين بحال الزائغين، ويبين فضل الله على المهتدين، فهذه حلقة ذكر فيها أجرٌ عظيم. إذاً نحن نستطيع أن نحول كثيراً من مجالسنا، سواء كانت مجالس عائلية، مجالس كلام في العمل أحياناً، مجالس مع الأصدقاء ما قبل العشاء، ما بعد الغداء، في وليمة؛ يمكن أن نحولها إلى حلقة ذكر ونخرج منها بأجرٌ عظيم، فذكر الله كلمة عامة يدخل فيها مسائل العلم والحديث والتفسير والفقه والعقيدة، ويدخل فيها كل شيءٍ فيه ذكر فضل الله، ونعم الله، وهداية الله تعالى، وكذلك الدعوة إلى الله مثلاً. إذاً مجالس العلم مفهومها كبير وواسع، وينبغي أن يحقق، وإن كانت الكتب التي تتحدث عن حلق العلم تقتصر على ما يفهم منه قضية المتون والأحاديث، والإملاء والأسانيد، وغير ذلك، لكن المسألة أوسع من هذا بكثير، والصحابة كان حالهم أن يذكرون منة الله تعالى عليهم.

стр. 1017

بعض ما يتعلق بحلق العلم من الآداب وغيرها لا شك أن حلق العلم من الأمور التي ينبغي الاهتمام بها لقلة العلم في هذا الزمان وتفشي الجهل، فهي من ذكر الله تعالى، ولما كانت حلق العلم قد اعتورها ما اعتورها من التقصير والآفات، فلعلنا نتحدث عن بعض ما يتعلق بحلق العلم، من الشروط والآداب وما كان في عهد السلف، ونناقش بعض عيوبنا في حلق العلم أو حلق الذكر، لنتوصل إلى سبلٍ لتصحيح الواقع، ونحث أنفسنا على الاهتمام بهذه العبادة العظيمة، وهي حلق العلم والذكر. كان السلف ﵏ يهتمون بقضية الشيخ، ويتوسمون الخير في المشايخ، ويحرصون على حضور من يظهر لهم الخير فيه، فهذا أبو إدريس الخولاني ﵀ قال: دخلت مجلس حمص فجلست في حلقة فيها اثنان وثلاثون رجلاً من أصحاب النبي ﷺ ، يقول الرجل منهم: سمعت رسول الله ﷺ ، فيحدث، ثم يقول الآخر: سمعت رسول الله ﷺ ، فيحدث، وفيهم رجلٌ أدعج براق الثنايا، فإذا شكوا في شيءٍ ردوه إليه، ورضوا بما قال، فلم أجلس قبله ولا بعده مجلساً مثله، فتفرق القوم وما أعرف اسم رجلٍ منهم، فبت بليلة لم أبت بمثلها، وقلت: أنا رجلٌ أطلب العلم، وجلست إلى أصحاب رسول الله ﷺ لم أعرف اسم رجلٍ منهم ولا منزله، فلما أصبحت غدوت إلى المسجد، فإذا أنا بالرجل الذي كانوا إذا شكوا في شيءٍ ردوه إليه يركع إلى بعض إسطوانات المسجد- يصلي- فجلست إلى جانبه، فلما انصرف قلت: يا عبد الله! والله إني لأحبك لله، فأخذ بحبوتي حتى أدناني منه، ثم قال: إنك لتحبني لله؟ قلت: إي والله إني لأحبك لله؛ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن المتحابين بجلال الله في ظل الله وظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله) فقمت من عنده الحديث، أو بقية القصة. وقد حصل أيضاً في رواية أخرى من كلامه ﵀ أنه سمع رجلاً من الصحابة يقول عن النبي ﷺ عن ربه : (حقت محبتي للذين يتحابون فيَّ، وحقت محبتي للذين يتباذلون فيَّ، وحقت محبتي للذين يتزاورون فيّ) قلت: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا عبادة بن الصامت، قلت: من الرجل؟ قال: معاذ بن جبل، ومعاذ بن جبل الذي أعجب ذلك الرجل هيأته وسمته ﵁ وأرضاه، وهو الذي كان مرجعهم، وهو أعلم الأمة بالحلال والحرام، وأعلمهم بالفقه بعد النبي ﷺ ، يتقدم العلماء يوم القيامة برمية حجر، رأى أبو إدريس من سمته وهيأته ما حببه فيه وجلس إليه، ويمكن معرفة العالم الثقة أو المعلم الثقة، أو طالب العلم الثقة من خلال السؤال والتفرس، وكانوا يبحثون عن الحلق التي يظهر حسن السمت في طلابها، وهذه كانت ميزة من ميزات العلم والذكر في عهد السلف؛ فكان الإنسان يميز من الجالسين حالاً عجيبةً، يقول عبد الله بن محمد بن عبيد في مسعر بن كدام وهو من كبار علماء السلف: من كان ملتمساً جليساً صالحاً فليأت حلقة مسعر بن كدام فيها السكينة والوقار وأهلها أهل العفاف وعلية الأقوام فتتميز حلقهم بالعفة، والمجلس نفسه فيه سكينة ووقار، ليس مجلس لغط ولا هرج ومرج، لكن مجلس خشوع وسكينة، ويقول أبو حازم ﵀ وهو من جلساء زيد بن أسلم في حلقته، يقول: لقد رأيتنا في مجلس زيد بن أسلم أربعين حضراً فقهاء، أدنى خصلة فينا التواسي بما في أيدينا، فما رئي منا متماريان ولا متنازعان في حديثٍ لا ينفعهما قط، إذاً كان الجالسون في الحلق من الذين يتخلقون بالأخلاق الحسنة، وليسوا حفاظاً فقط، وعندهم نبوغ في الفهم، فكانت قضية الأخلاق والآداب مهمة، يقول: أدنى خصلة فينا التواسي بما في أيدينا، أي: يواسي بعضنا بعضاً، فالذي عنده سعة يعطي الذي ضاقت حاله، هذه أقل خصلة فما بالك بما هو أعظم؟ وفي نفس الوقت لا يوجد مراء في المجلس، لا يوجد نقاشات فارغة، ما رئي منا متماريان ولا متنازعان في حديثٍ لا ينفعهما، ولذلك حصلت الاستفادة والبركة، لكن لما يجلس بعض الناس في حلق، ويكون همهم الجدال والنقاش حتى لو لم يكن مفيداً، وأن يظهر كل واحد صحة رأيه وفساد رأي الآخر ونحو ذلك من الكلام، وينتصر كل إنسان لنفسه، ويريد إبراز مواهبه في النقاش، عندما تكون الأغراض مشبوهة، والنوايا مشوبة بمثل هذه الترهات لا تحصل البركة في المجلس ولا الفائدة، ولذلك قال: ما رئي منا متماريان ولا متنازعان، فكانوا يسمعون العلم، فيستفيدون، لا يوجد مراء، ولا شيء يضيع الأوقات.

стр. 1018

صورة بسيطة لحلقة علم وقد روى أبو سعيد ﵁ وأرضاه، قال: كنت في حلقة من الأنصار وإن بعضنا ليستتر ببعض من العري وقارئ لنا يقرأ علينا، وفي هذا أنهم كانوا يلتمسون حلق الفقراء، وكانت طريقتهم في الحلق أن قارئاً يقرأ وهم يستمعون، فلو أن ناساً اجتمعوا في حلقة، وقالوا: يا فلان! أنت أندانا صوتاً، وأجودنا تجويداً، فافتح المصحف واقرأ علينا، ففتح المصحف وقرأ عليهم، فهذه حلقة ذكر كاملة، تحفها الملائكة، وتغشاها الرحمة والسكينة، ولو ما فعل فيها إلا قراءة القرآن. قال: كنت في حلقة من الأنصار، وإن بعضنا ليستتر ببعض من العري، وقارئٌ لنا يقرأ علينا، فنحن نسمع إلى كتاب الله ، وكان الصحابة رضوان الله عليهم إذا أرادوا سماع القرآن، أمروا أحدهم أن يقرأ والبقية يستمعون، إذاً حلقة الذكر ليست صعبة، بل هي قضية سهلة جداً، والمسألة لا تحتاج أكثر من همة جلوس، وسماع لواحد من الناس الذين يجلسون ويقرءون القرآن، ويحصل بذلك الأجر العظيم، ولا يشترط أن يكون فيهم طالب علم أو عالم. فإذا عرفنا أن المسألة سهلة، فلماذا لا نطبقها؟ هب أن بعضنا من الجالسين ليس عنده علم، ولا هو صاحب علم، ولا درس على مشايخ، ولا حفظ متوناً، ولا مسائل فقهية، ولا درس مذهباً فقهياً، جمع أهل بيته، فقرأ أو قرأت زوجته، أو قرأ أحد أولاده القرآن؛ فهذه حلقة ذكر، ونحن نريد إحياء هذا الأمر في البيوت والمجالس والمساجد وجميع المحلات، من مصلحتنا إحياء ذلك خاصة في زمن الجهل الذي نعيش فيه، عندك ربع ساعة في مصلى العمل، بنات عندهن وقت في مصلى الكلية، طلاب عندهم وقت في مصلى الجامعة، المسألة سهلة جداً، إنشاء حلقة ذكر سهلة جداً، وهذه قضية لها أثر كبير على النفوس، وهذا نوعٌ من التربية الإيمانية، وباب عظيم من أبواب الأجر ينبغي أن لا يفوت أبداً، لقد كان عند السلف خشوعٌ في حلقهم، ولم تكن مجالس مراء وكلام يقسي القلوب.

стр. 1019

من الآداب الخشوع والصمت يقول نصر بن عاصم الليثي أتيت اليشكري في رهطٍ من بني ليث، فقال: قدمت الكوفة، فدخلت المسجد، فإذا فيه حلقة كأنما قطعت رءوسهم من خفض الرءوس والخشوع والصمت، يستمعون إلى حديث رجلٍ، فقمت عليهم، فقلت: من هذا؟ قيل حذيفة بن اليمان، فدنوت منه فسمعته يقول: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر في الحديث المعروف. إذاً يلزم وجود سكينة في المجلس الذي يقرأ فيه حديث النبي ﵊، وعندما يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢] فإننا ونحن بعده ولم ندركه حياً ﵊ نستطيع أن نطبق ذلك؛ بحيث نسمع حديثه يقرأ في مجلسٍ بدون أن يكون منا رفع صوت، فإذا لم يكن بين أظهرنا حياً بجسده فلنحترمه في عدم رفع صوتنا فوق صوته، فلا أقل من أن نسكت وننصت عندما يقرأ حديثه. أهل الحديث هم أهل الرسول وإن لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا فهذه أنفاسه التي بلغت إلينا، وحديثه ينبغي أن يسمع باحترام وتوقيرٍ وإجلال، لقد كانت الحلق تزيد الإيمان، ويحصل فيها من الخشوع ما يحصل، ويكون ذلك أحياناً بكلمة يسيرة، ولا يشترط أن تكون موعظة طويلة، يقول محمد بن واسع: كنت في حلقة فيها الحسن ومطرف وفلان وفلان، فتكلم سعيد بن أبي الحسن، حتى إذا قضى كلامه دعا، فقال في دعائه: اللهم ارض عنا ثلاثاً، فقال مطرف: اللهم إن لم ترض عنا، فاعف عنا، قال: فأبكاهم مطرف بهذه الكلمة.

стр. 1020

بعض ما ينبغي على الشيخ في الحلقة ومن شروط الشيخ في الحلقة: التواضع، وكان بعض العلماء لا يرضى بأن يقام له إذا دخل المجلس، ولا يقبل رأسه ولا يده، وإنما إذا تكامل الحضور، جاء إلى مكانه في الحلقة والدرس وجلس يتحدث، وإذا انتهى قام ودخل بيته.

стр. 1021

تشجيع الطلاب المخلصين وتفقدهم من الأشياء التي ينبغي عملها: تشجيع الطلاب المخلصين في الحلقة، مرَّ عبد الله بن مسعود ﵁ في حلقة فيها علقمة والأسود ومسروق وأصحابهم، وهؤلاء من أنجب تلاميذ عبد الله بن مسعود، فوقف عليهم، فقال: بأبي وأمي العلماء بروح الله ائتلفتم، وكتاب الله تلوتم، ومسجد الله عمرتم، ورحمة الله انتظرتم، أحبكم الله وأحب من أحبكم. وتفقد الطلاب في الحلقة أمرٌ مهم، فقد روى قرة بن إياس ﵁ أن رجلاً كان يأتي النبي ﷺ ومعه ابنٌ له، فقال النبي ﷺ : (تحبه؟ قال: نعم يا رسول الله! ففقده النبي ﷺ زمناً؛ لا يأتي للدرس والحلقة، فقال: ما فعل فلان ابن فلان؟ قالوا: يا رسول الله! ابنه ذاك الذي رأيته معه مات، فأتاه النبي ﷺ ، فعزاه، ثم قال: ألا تحب أن تأتي باباً من أبواب الجنة إلا وجدته ينتظرك أو أن يكون عندك حياً، قال: لا بل لا آتي إلى باب من أبواب الجنة إلا وأجده، قد سبقني يفتحه لي، قال: فذلك لك، قالوا يا رسول الله: أله خاصة؟ قال: بل لكلكم) الحديث رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح وكذلك النسائي وصححه الألباني في أحكام الجنائز.

стр. 1022

كرم الشيخ مع أهل حلقته وكرم الشيخ مع أهل حلقته كان من مزايا علماء السلف ﵏، قال المزني: ما رأيت رجلاً أكرم من الشافعي، خرجت معه ليلة عيدٍ من المسجد وأنا أذاكره في مسألة حتى أتيت باب داره، فأتاه غلامٌ بكيس، فقال: مولاي يقرئك السلام، ويقول لك: خذ هذا الكيس، فأخذه منه وأدخله في كمه فأتاه رجلٌ من الحلقة من الطلاب، فقال: يا أبا عبد الله ولدت امرأتي الساعة ولا شيء عندي (نفقة الحلاق، وأجرة المولدة، والعقيقة، ونحو ذلك) فدفع إليه الكيس وصعد وليس معه شيء. وكان من عادتهم الإنفاق على الطلاب المحتاجين، وخصوصاً من طلاب الدرس، قال أبو يوسف ﵀: كنت أطلب الحديث والفقه وأنا مقلٌ رث المنزل، فجاء أبي يوماً وأنا عند أبي حنيفة، فانصرفت معه، فقال: يا بني أنت محتاجٌ إلى المعاش، يعني: اعمل، فذهب ليعمل، قال: ففقدني أبو حنيفة وسأل عني، فلما أتيته بعد تأخيري عنه، قال: ما خلفك؟ قلت: الشغل بالمعاش وطاعة والدي، فلما أردت الانصراف أومأ إلي، فجلست، فلما قام الناس دفع إلي صرةً، وقال: استعن بهذه والزم الحلقة، وإذا فقدت هذه فأعلمني، فإذا فيها مائة درهم، فجلست مجلسه حتى بلغت حاجتي وفتح الله لي، فكان ما حصل من علم أبي يوسف رحمه الله تعالى.

стр. 1023

التنظيم والترتيب في حلق السلف كانت الحلقات على عهد السلف فيها تنظيم حسن، وترتيب جيد، ومن ذلك توزيع الدروس على الأيام، ابن مسعود يحدث الناس كل خميس، وكان ابن عباس يأتيه أهل التفسير، فإذا قاموا أتاه أهل الحديث وهكذا، حتى يأتيه أهل الشعر ويذاكرونه أبيات العرب. وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة أبي الدرداء: وقيل الذين في حلقة إقراء أبي الدرداء كانوا أزيد من ألف رجل، ولكل عشرة منهم ملقن، يعني: ألف رجل، لكن كانوا مجموعات عشرة عشرة، وكان أبو الدرداء يطوف عليهم قائماً، فإذا أحكم الرجل منهم -ضبط التلاوة وقرأ القرآن على هذا الملقن وحفظ- تحول إلى أبي الدرداء يعرض عليه، فإذاً هذا الشيخ الكبير بعدما ينتهي الطلاب من الدورات؛ من ينتهي منهم يأتي الشيخ الكبير، فيعرض عليه ما تعلمه. وقال الذهبي أيضاً في السير عن مكحول كانت حلقةٌ من أصحاب النبي ﷺ يدرسون جميعاً، فإذا بلغوا سجدة بعثوا إلى أبي إدريس الخولاني فيقرأها ثم يسجد، فيسجد أهل المدارس، وقال يزيد بن عبيدة: إنه رأى أبا إدريس في زمن عبد الملك بن مروان وإن حلق المسجد بـ دمشق يقرءون القرآن يدرسون جميعاً، وأبو إدريس جالسٌ إلى بعض العمد، فكلما مرت حلقة بآية سجدة، بعثوا إليه يقرأ بها وأنصتوا له، ثم سجد بهم جميعاً. من الآداب التي كانت موجودة في حلق السلف أن الصغار وأحداث السن لا يتكلمون قبل الكبار، فلا يوجد استعجال، ولا تعالم ولا تسرع ولا قلة أدب: (ليس منا من لم يوقر كبيرنا) يقول واحدٌ منهم: كان إذا تكلم الحدث عندنا في الحلقة أيسنا من خيره، أي: عرفنا أنه لا خير فيه، إذ كيف يتكلم بحضرة الكبار والعلماء والشيوخ ومن سبقه؟ فإذاً يوجد أدب جم.

стр. 1024

التربية والمواعظ في حلق السلف كانت التربية لطلاب الحلقة حاصلة، يقول عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي: دخلت دمشق على كتبة الحديث، فمررت بحلقة قاسم الجوعي، فرأيت نفراً جلوساً حوله وهو يتكلم عليهم، فهالني منظره، فتقدمت إليه، فسمعته يقول: اغتنموا من زمانكم خمساً: إن حضرتم لم تعرفوا، وإن غبتم لم تفتقدوا، وإن شهدتم لم تشاوروا، وإن قلتم شيئاً لم يقبل قولكم، وإن عملتم شيئاً لم تعطوا به، وأوصيكم بخمسٍ أيضاً: إن ظلمتم لم تظلموا، وإن مُدحتم لم تفرحوا، وإن ذُممتم لم تجزعوا، وإن كُذبتم فلا تغضبوا، وإن خانوكم فلا تخونوا، فقلت: هذه فائدتي من دمشق، يكفي هذا عن كل الطرق والأسانيد، فكانت هناك تربية على الإخلاص، وتواص؛ فالشيخ يوصي التلاميذ بأن لا يبرزوا ليبتغوا حب الرئاسة، وأن يتطلع إليهم الناس، ويقول: أخملوا ذكركم، ولو حضرتم ولم تعرفوا فذلك أحسن. وكان الطلاب يؤمرون بالإخلاص؛ وعظ الحسن يوماً في مجلسه، فتنفس رجل، فقال الحسن: إن كان لله شهرت نفسك، وإن كان لغير الله فقد هلكت، وقال عبد الكريم بن رشيد: كنت في حلقة الحسن، فجعل رجلٌ يبكي وارتفع صوته، فقال الحسن: إن الشيطان ليبكي هذا الآن، يعني: إذا خشعت وحضرك البكاء فاكتم بكاءك، ولا تجعله ظاهراً يلتفت إليك الناس بهذا الصوت المرتفع. وكان من سماتهم وعظ أصحاب الحلقة، فعن الأعمش قال: كان ابن مسعود ﵁ جالساً بعد الصبح في حلقة، فقال: أنشدُ الله قاطع رحمٍ لما قام عنا فإنا نريد أن ندعو ربنا، وإن أبواب السماء مرتجة دون قاطع الرحم، فهو إذاً يعظ الجلوس يقول: من كان قاطع رحم فلا يجلس معنا، لأننا نريد دعاءً مستجاباً، والدعاء لا يجاب بقاطع الرحم، ومرتجة أي: مغلقة، وقد جاء ذلك أيضاً أو مثله عن أبي هريرة أنه قال: أحرج على كل قاطع رحم إلا قام من عندنا، فلم يقم أحدٌ إلا شابٌ من أقصى الحلقة، فذهب إلى عمته لأنه كان قد صارمها منذ سنين فصالحها، فقالت له عمته: ما جاء بك يا ابن أخي؟ -ما هذا المجيء الغريب؟ - قال: إني جلست إلى أبي هريرة، فقال: أحرج على كل قاطع رحم إلا قام من عندنا، فقالت له عمته: ارجع إلى أبي هريرة واسأله لِمَ ذلك؟ فرجع فأخبره، فأخبره أبو هريرة بمثل ما تقدم عن ابن مسعود ﵁. فقد كان في مجالس العلم مواعظ، كان فيها تذكير، الطلاب بالواجبات الشرعية، وليس مجرد حشو معلومات، لقد تغيرت الأمور كثيراً عما كان عليه الأمر في عهد السلف، فقد كان هناك تربية على الإخلاص، وتذكير بالواجبات، وتواصٍ بالحق، وصارت أجود الحلق اليوم ما فيه كثرة معلومات، والباقي فيه كثير من الهدر وضياع الوقت، وليست القضية -يا إخوان! - معلومات فقط، بل ينبغي أن يكون في هذه الحلق إيمانيات، ومواعظ، وذكر لله، وتواص، وتذكير، فهذه قضايا مهمة جداً ينبغي أن تكون في الحلقة، ولا يصلح أن تكون حلقاً جافة ليس فيها إلا عبارات تحتاج إلى تفكيك فقط. إن المسألة التي تبتني عليها الأعمال وتصلح الأحوال، أن يكون ذلك مقترناً أيضاً بذكر الله والوعظ. وكان كلام المشايخ من إخلاصهم لا يتأثر بمجيء فلانٍ من الناس كائناً من كان، وكانت أسرار الحلقة تحفظ، وإذا خولف ذلك حصل التذكير والتنبيه، وهذه قصة فيها عبرة، يقول سعيد بن أبي مروان: كنت جالساً إلى جنب الحسن، إذ دخل علينا الحجاج من بعض أبواب المسجد ومعه الحرس، فدخل المسجد على برذونه، فجعل يلتفت في المسجد، فلم ير حلقة أحفل من حلقة الحسن، فتوجه نحوها حتى بلغ قريباً منها، ثم ثنى وركه، فنزل ومشى نحو الحسن، فلما رآه الحسن متوجهاً إليه تجافى له عن ناحية مجلسه، قال سعيد: وتجافيت له أيضاً عن ناحية مجلسي، حتى صار بيني وبين الحسن فرجة ومجلس للحجاج، فجاء الحجاج حتى جلس بيني وبينه، والحسن يتكلم بكلامٍ له يتكلم به في كل يوم، فما قطع الحسن كلامه، قال سعيد: فقلت في نفسي: لأبلون الحسن اليوم ولأنظرنه؛ هل يحمل الحسنَ جلوسُ الحجاج إليه أن يزيد في كلامه ويتقرب إليه، أو يحمل الحسنَ هيبةُ الحجاج أن ينقص من كلامه؟ فتكلم الحسن كلاماً واحداً نحواً مما كان يتكلم به كل يوم، حتى انتهى إلى آخر كلامه، فلما فرغ الحسن من كلامه وهو غير مكترثٍ به، رفع الحجاج يده فضرب على منكب الحسن، ثم قال: صدق الشيخ وبر، فعليكم بهذه المجالس وأشباهها فاتخذوها حلقاً وعادة، هذا عبد الله بن أبي بعد صلاة الجمعة كان يقوم ويذكر الناس؛ فإنه بلغني عن رسول الله ﷺ أن مجالس الذكر رياض الجنة، ولولا ما حملناه من أمر الناس والمسئوليات العظام ما غلبتمونا على هذه المجالس، ثم افتر الحجاج فتكلم حتى عجب الحسن ومن حضر من بلاغته، فلما فرغ طفق فقام، فجاء رجلٌ من أهل الشام إلى مجلس الحسن حين قام الحجاج، فقال: عباد الله المسلمين، ألا تعجبون أني رجلٌ شيخٌ كبيرٌ وأغزو، فأكلف فرساً وبغلاً وفسطاطاً، وأن لي ثلاثمائة درهم من العطاء، ولي سبع بناتٍ من العيال، فشكا من حاله حتى رق الحسن له، ولما فرغ الرجل رفع الحسن رأسه، فقال: ما لهم قاتلهم الله اتخذوا عباد الله خولاً، ومال الله دولاً، وقتلوا الناس على الدينار والدرهم، فإذا غزا عدو الله غزا في الفساطيط الهبابة وعلى البغال السباقة، وإذاً أغزا أخاه أغزاه طاوياً راجلاً، فما فتر الحسن حتى ذكرهم بأقبح العيب وأشده، فقام رجلٌ من أهل الشام كان جالساً إلى الحسن، فسعى به إلى الحجاج -وشاية- فلم يلبث الحسن أن أتته رسل الحجاج، فقالوا: أجب الأمير، فقام الحسن، وأشفقنا عليه من شدة كلامه الذي تكلم به، فلم يلبث الحسن أن رجع إلى مجلسه وهو يبتسم -وقلما رأيته فاغراً فاه يضحك، إنما كان يتبسم- فأقبل في مجلسه، فعظم الأمانة، وقال: إنما تجالسون بالأمانة كأنكم تظنون أن الخيانة ليست إلا في الدينار والدرهم، إن الخيانة أشد الخيانة أن يجالسنا الرجل فنطمئن إلى جانبه ثم ينطلق فيسعى بنا إلى شرارة من نار، ثم قال الحسن: إني أتيت هذا الرجل فقال: أقصر عليك من لسانك أتحرض علينا الناس قال: فدفعه الله عني.

стр. 1025

موت الشيخ وأثر ذلك على الحلقة كان فقد الشيخ أمراً كبيراً، إذا مات الشيخ والعالم صاحب الحلقة أحدث فراغاً كبيراً، قال الربيع كنا جلوساً في حلقة الشافعي بعد موته بيسير، فوقف علينا أعرابيٌ فسلم، ثم قال لنا: أين قمر هذه الحلقة وشمسها؟ فقلنا: توفي ﵀، فبكى بكاءً شديداً، ثم قال: ﵀ وغفر له، فقد كان يفتح ببيانه منغلق الحجة، ويسد على خصمه واضح المحجة، ويغسل من العار وجوهاً مسودة، ويوسع بالرأي أبواباً منسدة، ثم انصرف، وكان الشيخ يعين من طلابه من يلي الحلقة من بعده، وقد دخل على الشافعي في مرض موته الربيع والبويطي والمزني ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: فنظر إلينا الشافعي ساعة، فأطال يتفرس في وجوههم، وكان الشافعي من أشهر الناس في الفراسة، ينظر إلى الشخص فيعرف أشياء من أحواله خفية بفراسته، قال: أما أنت يا أبا يعقوب، فستموت في حديد، يعني: البويطي، ستحدث قضية تقيد بالأصفاد وتموت بالأصفاد، وكان البويطي من الثابتين في فتنة خلق القرآن فربط وقيد ومات في القيد، وأما أنت يا مزني، فسيكون لك بـ مصر هناتٌ وهناتٌ، ولتدركن زماناً تكون أقيس أهل ذلك الزمان، وأما أنت يا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم فسترجع إلى مذهب أبيك، يعني: إلى مذهب مالك، وكان قد تحول إلى الشافعية، ثم فعلاً بعد ما مات الشافعي حصلت له قضية واختلاف بينه وبين بعض الناس فرجع إلى مذهب مالك، وأما أنت يا ربيع فأنت أنفعهم لي في نشر الكتب، قم فتسلم الحلقة، قال الربيع: فكان كما قال، ما رأيت أفطن من الشافعي، سمى رجالاً ممن يصحبه، فوصف كل واحدٍ منهم بصفة ما أخطأ، فـ الشافعي عيَّن من يلي الحلقة من بعده، وكانت الحلقة أحياناً يتعاقب عليها العلماء وكأنها وراثة، فقال أحمد بن محمد الشافعي: كانت الفتوى بـ مكة في المسجد الحرام لـ ابن عباس، وبعد ابن عباس عطاء بن أبي رباح، وبعد عطاء؟ عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وبعد ابن جريج؟ مسلم بن خالد الزنجي، وبعد مسلم؟ سعيد بن سالم القداح، وبعد سعيد محمد بن ادريس الشافعي وهو شاب، حلقة مكانها معروف في المسجد يتتابع عليها العلماء، إذا مات خلفه آخر، والثاني، والثالث وهكذا، ولم يكونوا يغترون بكثرة الطلاب.

стр. 1026

تعامل علماء السلف مع طلابهم المنحرفين من الأشياء المهمة: عدم الاغترار بكثرة الطلاب، فقد جاء في كتاب عجائب الآثار عن شيخٍ كان يتفقه، وكان متفنناً في المسائل، ولكنه كان شاعراً ماجناً خليعاً، ومع ذلك كانت حلقة درسه تزيد على الثلاثمائة، هذا الكلام في القرون المتأخرة عام ألف ومائة وشيء، لكن الشاهد منه أنه ينبغي أن ينتبه لحلق أهل السنة وتميز عن حلق أهل البدعة، وحلق أهل العلم تميز من حلق غيرهم، وحلق المبتدعة لا تغرنا ولو كان فيها من الأعداد ما فيها، وهذا واضح، فإنك لترى الآن بعض مشايخ الصوفية ربما حضرت مجالسهم الآلاف، وإذا كانت الحلقة الآن أكثر ما فيها آلاف، فإن هناك حلقاً تعقد في استديوهاتٍ يحضرها الملايين، فلا يغرنك الكثرة ولو كانت كاثرة، فالعبرة بسلامة دين ومنهج صاحب الدرس والحلقة، سواءً كان في مسجد أو في مؤتمر أو في قناة فضائية، ليست العبرة بكثرة السامعين له، والمتناقلين لأخباره، فهذا واحد يقول: كان شاعراً ماجناً خليعاً يحضر عنده ثلاثمائة واحد. وكان من هدي السلف إفساد حلق المبتدعة والكذابين، ومن ضمن القصص الطريفة؛ قصة حدثت للأعمش ﵀؛ دخل الأعمش جامع البصرة، فرأى قاصاً يقص، وكان القصاص يكذبون لأجل تخويف الناس، ويفترون الأحاديث عن النبي ﷺ ويختلقونها على الرواة، وما سمعوها منهم، فدخل الأعمش جامع البصرة، فرأى قاصاً يقص، ويقول حدثنا الأعمش، وهذا القاص لا يدري من هو الأعمش، وأنه الجالس في الحلقة يقول: حدثنا الأعمش، فقام الأعمش فمشى إلى وسط الحلقة وجلس، وجعل ينتف شعر إبطه، فقال القاص: يا شيخ ألا تستحي، فقال: لم؟ أنا في سنة وأنت في كذب؛ أنا الأعمش وما حدثتك. وكذلك كان شأنهم في طرد الضالين والمفسدين من الحلقة تعزيراً وفضحاً ودرءاً لفتنتهم، فقال الذهبي ﵀ في السير: واصل بن عطاء البليغ الأفوه، وعمرو بن عبيد رأسا الاعتزال (مذهب المعتزلة) طرده الحسن من مجلسه لما قال: الفاسق لا مؤمن ولا كافر، فانضم إليه عمرو واعتزلا حلقة الحسن، فسموا بـ المعتزلة، إذاً الحسن طرد واصل بن عطاء لأنه مفسد، فأي واحد مفسد أو مبتدع في الحلقة يطرد، تعزيراً وتوبيخاً وردعاً لأمثاله، وتحذيراً للآخرين من شره، وإيقافاً لفساده، فلا بد أن يتعامل معه بالحزم.

стр. 1027

بعض آداب الحلق الظاهرة كانت تلك لمحات عن وضع الحلق في عهد السلف، وقد ذكر العلماء آداباً للحلق، فقالوا: ينبغي لمن يأتي الحلقة أن يصلح هيأته ويأخذ أهبته، حتى أنهم قالوا: يتعاهد نفسه ويتجمل للحاضرين، فيغتسل، ويمشط شعره ولحيته، ويصلح عمامته وثوبه، ويتبخر، ويبتدئ بالسواك، ويلبس من الثياب البيض، ويستعمل الطيب، وينظر في المرآة قبل أن يأتي، ويهيئ نفسه للحاضرين وللدرس، ولمجلس الذكر الذي تحفه الملائكة، ويأتي مقتصداً في مشيته، ويبدأ من يلقاهم بالسلام، ويعم بالسلام كافة الحاضرين، لا يخص شخصاً بالسلام، وإذا كان في مسجد ودخله، فإنه يصلي ركعتين قبل جلوسه، ويجلس متربعاً متخشعاً، وقد جاء في الحديث الصحيح (أن النبي ﷺ رآه شخصٌ قاعداً القرفصاء فقال: أرعدت من الفرق) يعني: من الهيبة لهيئة النبي ﵊، وكذلك يستعمل لطيف الخطاب في الكلام، ويحسن خلقه مع أصحابه وأهل حلقته، لأن النبي قال: (خالق الناس بخلقٍ حسن) وهؤلاء أولى الناس أن يحسن الإنسان خلقه معهم، ولذلك كانوا يحاولون كظم الغيظ، ومنع الغضب، والتلطف في الكلام، وتعيين الأيام للدروس؛ هذا مما ذكروه في آداب الحلق. وإذا عين لهم يوماً ووعدهم فيه، فلا ينبغي إخلاف موعده إلا بأمرٍ يعذر فيه من مرضٍ ونحوه، وكذلك كانوا يفضلون عقد المجالس في المساجد، لكن لو لم يحصل عقدوها في البيوت، وقد عقد النبي ﷺ للنساء مجلساً في بيتٍ، وقال: موعدكن بيت فلانة لكل أناسٍ نحو سوقٍ مقاصد وسوق ذوي تقوى القلوب مساجدُ مثابة ذكراهم عشياً وبكرة وللعابدين الله فيها معابدُ فطوبى لهم يوم الجزاء إذا جزوا ونودوا بأن طبتم وطاب المُواعدُ ويجعل اتجاهه إلى القبلة ما أمكن، لكن شكل المجلس يأخذ الحلقة المستديرة، ولذلك فإن أصحاب كتب اللغة قد قالوا في تعريف الحلقة: القوم مجتمعون مستديرون، وكذلك إذا مس شيئاً فيه ذكر الله، فإنه يكون على طهارة، وكان بعض المحدثين يستفتح بسورة من القرآن، ويرفع صوته -أي: الشيخ- ليسمع الناس، ولا يرفع أكثر مما يسمع الحاضرين، لأنه قد يشوش على أناس آخرين في المسجد يقرءون القرآن مثلاً، فصوته لأهل الحلقة فقط، ولا بأس أن يجلس على مكانٍ مرتفعٍ إذا كثر الناس، ويفتتح ببسم الله الرحمن الرحيم، ولا ينسى الشهادة والصلاة على النبي ﷺ ، ويترحم على شيخه ويدعو له. وكذلك كانوا يبدءون أول شيء بالسند في الحديث باسم الشيخ، وإذا مر بذكر الصحابي قال: ﵁ ثم يمر بذكر النبي ﷺ ، فيصلي على النبي ﵊، ولا يروي ما لا تحتمله عقول العوام، وينتقي للحاضرين ما يفيدهم، من معرفة الأحكام الشرعية، والعبادات والمعاملات، وحق الله تعالى ونحو ذلك، ويفسر الألفاظ الغريبة الغامضة إذا مر بها، وما لا يعرفه يسكت عنه، وكذلك فإنه لا يُمل الحاضرين ولا يضجرهم، ولا بأس بأن يختم المجلس بالحكايات الطريفة والنوادر إذا لاحظ شيئاً من الملل، حتى أن بعضهم كان يقول: الحكايات حبوبٌ تصطاد بها القلوب، كما يصاد الطير برمي الحب له. ولا بأس أن يجعل شيئاً من الأشعارِ في المجلس، وقد كان ابن عباس رضي الله تعالى عنه يجعل ذلك في مجلسه، وفيها فوائد وبالذات إذا كانت من أشعار العرب؛ لأن معاني الكلمات في القرآن والسنة على لسان العرب، فتعرف الكلمة من معناها في سياق بيت من الشعر قاله العرب الأوائل ونحو ذلك. ولا ينسى كفارة المجلس إذا قام من المجلس، وهذا من الأشياء التي يفرط فيها الكثيرون. كان هناك أدبٌ في الدخول من جهة الشيخ، ومن جهة التلاميذ تقدمت آداب ومن ذلك أنه يقدم الأكبر عند الدخول، لأن النبي ﷺ أوصى بالكبير، وقال الخطيب البغدادي ﵀: تقديم الأكابر في الدخول، فإذا اجتمع مجموعة عند الباب يقدم الأكبر سناً، وقال مرةً واحد منهم للكبير: تقدم، فقال: تقدم أنت فإنك أفقهنا وأعلمنا وأفضلنا، فإذا كان الأفقه والأعلم قدموه. وإن كانوا متقاربين فمن الذي يدخل أولاً؟ الأكبر بالسن، وكذلك يمشي على البساط حافياً حتى لا يلوث المجلس، وكذلك يجلس حيث ينتهي به المجلس، ولا يقيم أحداً من مجلسه ولا يجلس وسط الحلقة، ولا يجلس بين اثنين إلا بإذنهما، وإذا قام من مجلسه ورجع إليه، فهو أحق به، ويعظم المحدث أو العالم أو طالب العلم الذي يعلمه في هذه الحلقة ويكون له من الشاكرين.

стр. 1028

ملاحظات فيمن يقوم بالتدريس من الأشياء التي نريد أن ننبه عليها ببعض الملاحظات، في موضوع الحلق والدروس بعد أن ذكرنا حال الحلق في عهد السلف، وذكرنا بعض الآداب المتعلقة بالحلق مما ذكره أهل العلم في كتب الآداب، هناك ملاحظات، من هذه الملاحظات ما يتعلق بالشيخ، ومنها ما يتعلق بالتلاميذ، ومنها ما يتعلق بمهنج الدرس، ومنها ما يتعلق بوقته وتنظيمه، ونقول هذا الكلام في وقتٍ قلَّ فيه العلماء، ومجالس العلم، فيصبح الواحد أحياناً محتاجاً لأن يقوم بالتعليم، ولكن ينبغي ألا يُعلّم ما لا يعلم أو ما لا يفقه، هب أن مدرساً للتربية الدينية أو التربية الإسلامية في فصل وحوله الطلاب فإنهم ينظرون إليه على أنه شيخ، والأولاد إذا عقد لهم أبوهم درساً في البيت، فإنهم ينظرون إليه كأنه شيخ ومعلم، بل إن كثيراً من الصغار يظنون أن بعض الذين يمسكون الدروس مشايخ، ويعاملونهم على أنهم مشايخ، ويعتقدون فيهم ذلك، فالإنسان إذا اضطر أن يتبوأ مكاناً مثل هذا فعليه أن يعلم ما يحسنه وليس ما لا يحسنه، فهو يعرف أحياناً أنه أقل من مستوى أن يدرس؛ لكن للحاجة قعد، ولولا الحاجة ما صح له أن يقعد، فإذا قلنا هذا مدرس يدرس طلابنا، أو هذا طالب في الجامعة عقد مجلس علم لطلابٍ، فإنه قد يكون عنده شيء من القراءة أو الإلمام أكثر منهم، فينبغي أن يعرف حق الآخرين ويعرف حجم نفسه حتى لا يتقمص شخصية لا يصح له أن يتقمصها، ثم يعامل الآخرين بناءً على ذلك، ولذلك في كثير من الأحيان نضطر بسبب عدم وجود العلماء وطلبة العلم بالقدر الكافي، خصوصاً في مناطق قد لا يكون فيها كليات شرعية، ونحن لا ننظر مثلاً إلى هذه الجزيرة التي فيها بالنسبة لغيرها علماء كثيرون، وحتى إذا قسمت على عدد الناس فسيكون لكل مفتي، يعني: لكل واحد يحسن الإفتاء كم شخصاً من الناس بالنسبة له كذا ألف، يعني: فوق طاقته، فكيف ببقية البلدان التي لو أن الإنسان أحياناً فيها- وخصوصاً الجاليات الذين يعيشون في الخارج- يبحث عن شيخٍ يفتيه وعالمٍ أو صاحب علم يسأله، فلا يجد إطلاقاً، فمن الفتنة أن يحتاج الإنسان إلى معرفة حكم شرعي أو مسألة فلا يجد من يسأله، وحتى في الأماكن التي يوجد فيها علماء قد يصعب الوصول إليهم، لأنه يقول: الهاتف مشغول، أو الشيخ لا يرد، أو أنه غير موجود في بيته، إذاً نحن لا بد أن نتعلم الدين.

стр. 1029

طرق مقترحة للطلب والتحصيل أولى الطرق أن ندرس على العلماء وهذه لا نقاش فيها مطلقاً، وهي مفروضة، فإن لم يوجد فهل نعطل الدروس فلا ندرس شيئاً أبداً؟ طالب علم جيد يقوم هو بالتدريس، فإذا لم نجد طالب علم، فهناك طرق فردية مثل أن يمسك أشرطة العلماء ويمسك الكتاب أو المتن المشروح ويسمع كأنه في الدرس، ويلخص، ويكتب، وينقل على حاشية الكتاب، وهذه من أعظم طرق تعويض فقد العلماء أو قلة العلماء، الآن الحمد لله الله لما قدر علينا أن نكون في آخر الزمان حيث يقبض العلم، وبدأ قبض العلم وموت العلماء، فإنه عوضنا بأمور من المخترعات الحديثة نستطيع بها أن ندرك شيئاً مما فات، ولو أن أجر دروس الحلقة لا يعدله أجر سماع الشريط بالتأكيد. نحن بدأنا الحديث بفضل حلق الذكر حتى نؤكد أنه لا يعدلها شيء من الدراسات الفردية، أو سماع الأشرطة، لا زالت الحلقة في البركة والأجر أكبر، حتى فهم الإنسان إذا جلس عند العالم أكبر من فهمه عندما يسمع شريطاً لكن إذا ما وجد فقد وجدت طرق فردية ومن أعظمها كما قلت: سماع أشرطة العلماء، وتلخيص ذلك، أو كتابة شرح الشيخ على حاشية المتن أو الكتاب الذي يشرحه، مثل: الأربعون النووية، مثلاً متن الواسطية، متن كتاب في السيرة النبوية، متن فقهي، زاد المستقنع، عمدة الأحكام، كشف الشبهات، الأصول الثلاثة، البيقونية إلخ، أي متن من المتون غالباً تجد له شروحاً للعلماء موجودة مسجلة، فتأخذ الأشرطة وتفتح الكتاب، تسمي الله وتسمع وتركز، فيها ميزات أن تعيد الشريط، لو كنت مع الشيخ ما استطعت تقول أعد أعد، تعيد الشريط حتى تفهم وهكذا، يبقى إشكاليات تدون حتى ترحل في سبيل حلها إلى عالمٍ في مكة أو في المدينة أو الرياض أو في القصيم، أو إذا جاء إلى المنطقة التي أنت فيها تلقاه فتعرض عليه ما لقيت من الإشكاليات، فأنت تعوض كثيراً مما فات، لكن هذه الأشياء فردية والأشياء الفردية يعتريها أمور من قلة الهمة والضعف، ضعف الهمة وقلة الصبر. وإن بعض الناس يقولون: إن الطريقة التي تذكرها من سماع الأشرطة والحواشي هذه بالنسبة لنا صعبة، ما عندنا صبر وطاقة، حيث أن هناك ما يعتور هذا، نقول: درب نفسك وعود نفسك، وجاهد نفسك، والصبر هذا هو الذي أوصل العلماء إلى ما وصلوا إليه، طيب وفي حالة وجود ضعف الهمة وعدم كفاية الأشرطة، والرغبة في الأجر، لأن الحلق لا يعوضها شيء، لا بد أن تعقد الحلق، ولأن فيها جوانب أخرى غير قضية الشرح الواضح، وفك المتن، وعبارات المتن، قضية حف الملائكة بأجنحتها، ونزول الرحمة والسكينة، هذا لا نريد أن نفوته، لأن في الحلق فوائد تربوية عظيمة، من قضية إحياء منهج السلف في طلب العلم، ولو لم نكن قادرين على إحيائه (١٠٠%) لأن أهل العلم قلة، فإن عقد الحلق مهم جداً جداً، لابد لكل واحد أن يكون له على الأقل حلقة أسبوعياً، وإلا فهو إنسان لا يعيش في عالم التربية الإسلامية على العلم كما ينبغي، إذا لم تكن عندك حلقة في الأسبوع على الأقل، فهذه مشكلة، كان عند الإمام النووي ﵀ اثنا عشر درساً في اليوم، ونحن كل واحد منا له ما يشغله من الصباح إلى الليل، نقول نحن: درس في الأسبوع، لابد من درس في الأسبوع. وقد يقول قائل: لم نجد علماء، عرضنا على طلبة العلم فاعتذروا بالانشغالات، ماذا نفعل؟ ثم نحن عندنا أيضاً أمور من الأجر نريدها، نريد حلقة لأجل الأجر، وكما قلت: حتى لو قرأ أحدهم القرآن وجلس الباقون يستمعون، حتى لو جلسوا يتذكرون نعم الله عليهم لأجل الأجر، إذاً لا بد من وجود حلق، لا نريد أحداً يعيش بدون حلق، لا بد من وجود حلق ولو مع واحد (تعال بنا نؤمن ساعة) فإذا ما وجدنا عالماً أو طالب علم، سنبحث عن أمثل الموجودين لعله يقوم بالشرح، فإذا لم يستطع، فنحن سنتعاون على دراسة كتاب أو قراءة كتاب مجتمعين، والخطأ في فهم الجماعة أقل منه في فهم الواحد، فقد أقرأ وحدي وأخطئ في الفهم، فسأعقد حلقة ودرساً مع أصحاب لي ونقرأ، وإذا حدث خطأ في الفهم سيكون أقل، وحصلنا بركة الاجتماع وبركة الحلقة وأجر الحلقة، وأحيينا منهج السلف على حسب استطاعتنا في قضية التدريس والحلق، قالوا: تدريس بالإنترنت، نقول: الحلق لا بد منها تربوياً، لا تفكر بتربية من غير حلق، هذه قاعدة ومسلمات لا يمكن التغاضي عنها.

стр. 1030

كتب مقترحة سنقول إذاً نحن مجموعة من الشباب أو الشابات، أو الكبار، أو الصغار سنعقد، نستشير من أهل العلم من يدلنا على كتبٍ نقرأها، قالوا: كتاب الشيخ ابن سعدي في التفسير سهل، قالوا: مختصر المباركفوري لتفسير ابن كثير مطبوع حديثاً وهو جيد، وهذا تفسير أنا كنت مرة ذكرته وأخطأت في قصدي، كنت أريد أن أذكر تفسيراً فذكرت تفسيراً آخر، فأعيد التصحيح الآن: نصحت مرة بتفسير وهو تفسير جيد على أية حال، ذكرت تفسير البغوي، لكنني كنت أريد تفسيراً آخر وهو تفسير السمعاني ﵀، تفسير السمعاني مختصر وجيد وخال من الأسانيد تقريباً، والأقوال الكثيرة، وهو رجل من العلماء الكبار، وإن كان لا يعرف عند أكثر الناس، خدم الكتاب من ناحية أنه حقق، تحقيقاً طيباً تفسير السمعاني، نريد أن نقرأ تفسيراً، يا إخوان دلونا على تفسير سهل قالوا: خذوا تفسير ابن سعدي، خذوا مختصر المباركفوري لتفسير ابن كثير، خذوا تفسير السمعاني. وماذا نقرأ في الحديث؟ قالوا: مثلاً خذوا الأربعين النووية بشرحها، خذوا بهجة قلوب الأبرار للشيخ ابن سعدي مثلاً في شرح مائة حديث، خذوا كذا. ماذا نقرأ في الفقه؟ قالوا: خذوا كتاب الملخص الفقهي لـ صالح الفوزان مثلاً. ماذا نقرأ في السيرة؟ قالوا: خذوا كتاب السيرة النبوية للعمري أو لغيره. فعقدنا حلقة إذاً لنقرأ في هذه الكتب، وندون الإشكالات، وممنوع الإفتاء والتأليف كما يقولون، وأن الإنسان يقول من عنده كلاماً ويعلقه بأظن وربما، إذا كان عندك شيء مؤكد وإلا فاسكت، هذا العلم دين، بالإضافة إلى ذلك ينبغي أن يكون في المجلس إيمانيات ومواعظ وتذكير وتواص بالحق، وليس معلومات فقط، وهذه قضية أؤكد عليها كثيراً جداً، لا بد أن يكون فيها شئ من الوعظ ومطريات القلوب، أو مرققات القلوب؛ كالتذكير بتقوى الله، والصحابة الذين هم أعلم الأمة لم تكن مجالسهم معلومات ومتون فقط، بل فيها معلومات وأشياء أخرى ثمينة، قد تكون أثمن من بعض المعلومات وهي قضية الموعظة؛ تذكر نعم الله، سؤال الله الجنة والاستعاذة من النار، وكل ما يتعلق بالأذكار، إلى آخره.

стр. 1031

مقترحات في تنظيم الحلق والدورس لو أنا الآن عقدنا هذا المجلس من أناس متقاربين وأقران، وحتى لا تكون فوضى، قلنا: أنت يا فلان تدير هذه الحلقة، أو قام واحد من أمثلهم، قد يكون هناك فارق بسيط بينه وبين غيره في العلم، لكنه إمام مسجد، أو قارئ، أو أي شخص عنده اهتمام بالعلم، قد يكون تخصصه دنيوياً، لكن عنده اهتمام بالعلم أكثر من الآخرين لا يصلح أن يعامل الآخرين، كأنه شيخٌ كبير وهؤلاء طلاب صغار، فيحسن المعاملة، وقد يطلب من شخصٍ ما تحضير موضوعٍ قبل إلقائه، إن العلماء الكبار كانوا يُحضِّرون، الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ كان وهو يدرس في كلية الشريعة أو المعهد العالي، كان يحرص على التحضير، وإذا انشغل جداً يأتي ويعترف ويقول اليوم أنا ما حضرت، نقرأ. من الأشياء التي تقلل جدوى بعض الدروس والحلق: ألا يُحضِّر هذا الشيخ أو هذا الشخص المسئول عن التحضير، أو يتخلف عن الحضور، ومن المساوئ: أنه يجد نفسه مضطراً للكلام في أشياء لا يحسنها فيتكلم لأنه وضع بمكانة شيخ، من المساوئ أن ينقد الحاضرين نقداً مستمراً أو يقسو عليهم مما يسبب النفور، أو يجامل البعض بالسكوت على أخطائه، ويمرر أشياء ويحابي ناساً دون ناس، أو تكون الأمور منفلتة في حلقته ودرسه، فلا يهتم بتحفيظهم، وإذا لم يحفظ أحدهم، يقول: حسناً! ثم لا يهتم الحاضرون بالحفظ ولا بالتحضير ولا بالقراءة المسبقة، ثم أحياناً قد لا يعدل بينهم في المحاسبة على التقصير أو الغياب؛ مما يوغر صدور بعضهم على بعض، وأحياناً لا يكون هناك توازن في مسألة العرض، فيتوسع في أشياء أقل أهمية على حساب أشياء أكثر أهمية، تأخذ فقرة أكثر من حقها، وتهضم الفقرة الأهم أو الفقرة الأخرى، عدم الالتزام بالوقت المخصص للفقرة مثلاً، ضعف جانب القدوة من هذا الإنسان في قضية الحفظ من المساوئ والعورات الكبيرة. ثم إن الحاضرين في الغالب يريدون الاقتداء، ينظرون للشخص أحياناً على أنه شيخ، ولو لم يكن هكذا فيقلدون، فينبغي أن يحسب لهذا الأمر حسابه، وإذا كانت القضية مدارسة جماعية كما قلنا وليس أحد منهم بأفضل من الآخرين في العلم، فلا داعي بأن يتصدر إنسان علمياً المجلس، وليس هو بأهلٍ لذلك التصدر، نعم هو قد يُقال: لا بد أن يكون هناك مقرر للدرس، كما كانوا يسمونه، مقرر الدرس مثلاً، فيبدؤه ويختمه وينتقل من كتابٍ إلى آخر مثلاً، حتى لا تصير فوضى، لكن هذا لا يفتي ولا يتعدى، وكذلك فإنه لا بد من استثمار النصوص والقصص التي تمر استثماراً تربوياً مفيداً، وتضييع مثل هذه الفرص يفوت جانباً مهماً جداً ينبغي الاعتناء به، ولذلك كلما وجد الإنسان مدخلاً لموعظة في درس من الدروس العلمية، أو تذكير بأدب أو خلق، أو واجب اجتماعي قد قصر فيه الحاضرون أو انتشر بينهم، انتهز الفرصة للتأكيد عليه، ثم إن بعض المقدمات قد تأخذ وقتاً طويلاً تضر بالفائدة من بقية المواضيع، فينبغي أن لا يكون هذا ديدناً؛ أن تجعل المقدمات مضرة بالعلم الذي ينبغي أن يُدرس أو يؤخذ.

стр. 1032

بعض ما ينبغي على من يحضرون هذه الدروس ثم إنه ينبغي على حاضري الدرس أن يهتموا به من عدة جوانب منها: أولاً: الإخلاص لله تعالى، وهذه قضية القضايا وأصل الأصول ومسألة المسائل. ثانياً: احتساب الأجر في الحضور، وقد مر معنا أشياء استفتحنا بها عمداً لأجل بيان خطر وعظم ومكانة قضية حلق العلم والدروس. ثالثاً: الانضباط في الحضور، وعدم الغياب والتأخر، ومما أفسد كثيراً من الدروس؛ يأتي كثيرٌ من الخيرين يقولون: لا بد أن نقيم درساً ونقرأ في كتاب، متى؟ يوم كذا في الوقت الفلاني، ثم هذا يغيب مرة، وهذا يتأخر مرة، حتى يفسد الدرس، فمما يفسد الدروس الغياب والتأخر، ولذلك يضطر بعض الناس أن يعمل غرامات، لماذا؟ هل نحن أطفال؟ أو نحن ناس إلى هذه الدرجة قضية غير مهمة عندنا؟ وبعض الناس يدفعون دفعاً إلى الحضور، واحد يقول: مروا علي وذكروني إذا لم أكن مشغولاً فسوف آتي، نحن الآن لماذا عقدنا الدرس أصلاً أليس للأجر والفائدة؟ ثم هذا يقول: عندي ظروف خاصة، هذا يقول: أهلي يحتاجوني في كذا، هذا يقول: دورة، هذا يقول: تأخرنا في الدوام وأنا اليوم متعب، ونحو ذلك من الأعذار، بعضها صحيح ولكن بعضها زائف، وقد بينت هذه القضية في درسٍ عن الأعذار المتهافتة أو السخيفة. وكذلك لا بد من الالتزام بالأوقات واحترام المواعيد، وجود تجانس ما أمكن بين الحاضرين، تقارب مستوى الفهم، حتى لا يكون هذا يريد الإعادة كذا مرة وهذا فهمها من أول مرة، تفريغ النفس من الشواغل ذهنياً حتى تفهم، الاستعداد المسبق لا لكثرة التعليقات وبالذات غير المفيدة، وكثرة الأسئلة دون داعٍ، مع أن السؤال مهم إذا وجد من يعطي جوابه، لا لكثرة المقاطعة أثناء الإلقاء، تترك التعليقات إلى نهاية كلام المصنف أو العالم أو صاحب الكتاب أو شارح الموضوع، وجعل وقت معين لفقرات الدرس من الأمور المهمة، يُقدَّم عرض للموضوع على الإضافات والتعليقات، ولا يصح أن نجعل التعليقات من الأشياء العقلية المجردة عن العلم التي تسيء إلى توقيت القضية. وكذلك من الآفات: أن يحضر الناس وفيهم نوم ونعاس، وقد ساءني وآلمني ما سمعت عن واقع حلقة علم لواحد من العلماء الكبار الموجودين، يقول: ذهبت بعد الفجر ووجدت درس الشيخ على شهرة الشيخ خمسة عشر رجلاً؛ اثنين نائمين، وواحد وراء العمود شخيره واصل إلى المجموعة، وواحد أتى له جوال فذهب يرد عليه، أي حلقة علم هذه؟!! ولذلك أول إجراء: إقفال جميع الأجهزة حتى يكون هناك فائدة من الدرس، على الأقل الأجراس، يا أخي إذا ما أردت أن تقفل الأجهزة، إذا ما احترمنا الدرس فلن يكون مفيداً إطلاقاً. وكذلك أن يكون هناك حدٌ أدنى يطالب به الجميع، وتنويع وسائل المنفعة قراءة وسماعاً ومناقشة، وإذا كان ليس على مستوى الترجيح فلا يرجح بين الأقوال الفقهية، يعرض الأقوال فقط، أو يقول وفلان يفتي بكذا من العلماء، كثمرة عملية يقلد تقليداً، ولا يرجح وهو ليس بأهل للترجيح، ثم إن بعض الأشخاص مثلاً قد يقرأ الموضوع قراءة مملة، فلا يستوعب الحاضرون المقصود، ولذلك العلماء كانوا يهتمون بقضية المملي والمستملي والمبلغ؛ أن يكون صيتاً حسن القراءة جيداً في اللغة ونحو ذلك، يقرأ المتن ثم الشرح ويراعى الفقرات الموجودة أين بدايتها وأين نهايتها. وكذلك لا بد من مراعاة عدد الناس الذين يمكن أن يستوعبوا هذا الموضوع، قد يحضر في درس المسجد آلاف، وقد يكون درساً في مجلس، لو حضره كثيرون ما وصل الصوت أصلاً، وكذلك فإن مراعاة شيء من الراحة أثناء فقرات الدرس طيب ومهم، وعندما قالوا في الدراسات الحديثة: إن حصة الجامعة لا تتعدى خمسين دقيقة مثلاً في الجامعات، ثم يأخذ راحة خمس دقائق، ثم حصة أخرى، هذه من مراعاة التركيز والذهن الذي يتشتت، وبعض الناس قد يسيئون للدرس بعمل ضيافات كبيرة قد تأخذ وقتاً طويلاً وتشتت الذهن، ولذلك إذا جعل الضيافة ففي الاستراحة، أما واحد يعظ أو يذكر شيئاً في كتاب الله، وهذا يقول: صب لي، وهذا يقول: لا أريد من هذا، ضع نعناعاً، وهذا يقول: أليس عندكم زنجبيل؟ فلذلك لا بد من مراعاة هذه القضايا، نعم لا بأس بشربة ماء، لكن أن يجعل الموضوع الأساسي هو العشاء والأكل والضيافة ثم هذا الدرس ربع ساعة، فهذه كارثة، ثم أن يعذر بعضهم بعضاً في الأعذار الصحيحة، ويتواصى بعضهم مع بعض في الأعذار الزائفة، ويحمس بعضهم بعضاً على الحضور وعلى الانضباط في هذه الدروس. لعلنا نكتفي بهذا المقدار، وهناك تكملة للموضوع لعلها تكون إن شاء الله في الدرس القادم، هذا الدرس هو آخر الدروس قبل إجازة الحج، وسيكون هناك إن شاء الله ذكر لبعض الأحكام المتعلقة بالحج وأحكام الأضحية، وعشر ذي الحجة في خطبة الجمعة بمشيئة الله، ونعاود الدرس في الأربعاء بعد فتح المدارس، أول أربعاء إن شاء الله بعد فتح المدارس، ونسأل الله أن يوفقنا وإياكم لكل خير، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 1033

إصلاح ذات البين إصلاح ذات البين من العبادات الجليلة التي رغب عنها الكثير من الناس، مع ما فيها من الأجر الجزيل والخير العميم؛ فإن من مقاصد التشريع تحقيق المودة والألفة بين الناس، وقد أخبر المصطفى ﷺ أن إصلاح ذات البين أعلى درجة من الصلاة والصيام والصدقة. وقد كثرت النزاعات على مستوى المجتمع بين عامة الناس وعلى مستوى الزوجين، ومما يمكن أن يساعد في تقليل الخلاف ورأب الصدع إحياء هذه العبادة الجليلة.

стр. 1034

التآلف والاجتماع من مقاصد الشريعة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله: إن الشريعة قد رغبت في جمع القلوب والإصلاح بين الناس وأن يكون أمر المسلمين مجتمعاً، ولذلك جعلت الأخوة أمراً مرغوباً فيه، مثاباً عليه لمن قام بحقه، وكذلك دعت إلى رفع ضده ومقاومة كل ما يشينه، ولذلك ترى الشريعة قد أمرت بإفشاء السلام، وإجابة الدعوة، وعيادة المريض، وكل ما من شأنه أن يقرب بين المسلمين، ونهت عن الكذب والنميمة والغيبة، وعن الهمز واللمز والسخرية، وعن كل ما من شأنه أن يسيء العلاقة ويقطع المودة بين المسلمين، ومن الإجراءات التي جاءت الشريعة بها لأجل الحفاظ على العلاقات بين المسلمين إصلاح ذات البين. إصلاح ذات البين -يا عباد الله- من الأمور العظيمة والعبادات الجليلة التي تركها كثيرٌ من الناس ورغبوا عنها، ونحن في مجتمعٍ مادي تغلب عليه المادة، وتكثر فيه المعاصي، ولذلك فإن الخلافات لابد أن تكثر تبعاً لذلك، والدعاة إلى الله -بل وجميع المسلمين- عليهم واجب إصلاح ذات البين، ومحاولة إزالة ما في النفوس، وهذا من العبادات العظيمة ولا شك.

стр. 1035

الضغينة حرمان من المغفرة إن الشريعة قد جعلت أمر مصارمة المسلم لأخيه أمراً خطيراً، وقد قال النبي ﷺ : (إن يومي الإثنين والخميس يغفر الله فيهما لكل مسلم إلا مضطغنين، يقول الله: دعهما حتى يصطلحا) وذلك لما سأل ﷺ عن سبب الإكثار من صيامه للإثنين والخميس، فيحرم المتصارمان من مغفرة الله تعالى بسبب الشقاق الذي قام بينهما وبسبب الهجران الذي حل بينهما.

стр. 1036

الإصلاح بين الناس أما الإصلاح بين الناس فإنه واجب، قال الله تعالى: ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال:١] وهذا أمرٌ لابد منه، أصلحوا ما بينكم وبين إخوانكم، أصلحوا بين النفوس، قربوا بينها، أزيلوا أسباب العداوة. والصلح يكون بين متغاضبين كالزوجين، ويكون في الجراحات كالعفو على مال، ويكون لقطع الخصومة، كما إذا وقعت المزاحمة في الأملاك أو المشتركات، وقد كان النبي ﷺ يقوم بذلك، وقد دلَّ الكتاب والسنة على فضل الإصلاح بين الناس.

стр. 1037

فضل الإصلاح بين الناس قال الله تعالى في فضل الإصلاح: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:١١٤]. فإذاً كثيرٌ من الناس الذين يتسارون ويتناجون ليس في نجواهم خير إلا من قام بالتناجي في الخير وإصلاح ذات البين، فإن هذا مأجور ونجواه مأجورٌ عليها، وقد قال الله تعالى في أجر المصلح بين الناس: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:١١٤] وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : (ألا أدلكم على أفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين؛ فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول: إنها تحلق الشعر، ولكنها تحلق الدين) رواه الترمذي وأبو داود وإسناده على شرط الشيخين. فلما كان نفع إصلاح ذات البين متعدياً، وخيره عميماً، وفائدته شاملة، صار أجره عظيماً، وقال النبي ﷺ في فضله: (كل سلامى من الناس عليه صدقة) كل مفصل من مفاصل الإنسان من هذه العظام عليه حقٌ واجب يجب على العبد أن يؤديه لربه شكراً على إنعامه على العبدية: (كلُّ سلامى من الناس عليه صدقة كل يومٍ تطلع فيه الشمس؛ يعدل بين اثنين صدقة) فإذا أصلح بينهما وعدل بينهما، أتى بصدقة من هذه الصدقات، وأدى بعض ما عليه من الحق. ولعظم هذه المسألة جعلت الشريعة إثم الكذب منتفياً عمن يصلح بين الناس، فقال النبي ﷺ : (لم يكذب من نمى بين اثنين ليصلح) وفي رواية: (ليس بالكاذب من أصلح بين الناس فقال خيراً أو نمى خيراً). ومن أوجه ذلك أن يخبر بما علمه من الخير، ويسكت عما علمه من الشر، فلا ينقله ولا يبلغه، وذهبت طائفةٌ من العلماء إلى جواز الكذب لقصد الإصلاح، والأحوط أن يأتي بالتورية والتعريض. إذا نقل خيراً أو سئل: هل قال فلانٌ فيّ كذا؟ فنفى ذلك لم يكن كاذباً، مع أن الكذب في الشريعة أمرٌ قبيحٌ جداً، لكن لما كانت مصلحة إصلاح ذات البين أعظم من مفسدة الكذب رخصت فيه الشريعة، ولم تجعل فيه إثماً على من فعله لأجل الإصلاح بين الناس.

стр. 1038

النبي ﷺ يصلح بين الناس وفي سنة النبي ﷺ الفعلية محاولاتٌ وعملٌ دائبٌ منه ﷺ في الإصلاح بين الناس، فقد روى البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: (أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة، فأخبر رسول الله ﷺ بذلك، فقال: اذهبوا بنا نصلح بينهم) أمر أصحابه أن يذهبوا للإصلاح بينهم، وعنون عليه البخاري ﵀: باب قول الإمام لأصحابه اذهبوا بنا نصلح. بل إن النبي ﷺ كان يذهب في الإصلاح ولو بعدت المسافة وفاته شيءٌ من الجماعة لأجل الإصلاح بين الناس، كما روى البخاري ﵀: أن بني عمرو بن عوف بـ قباء كان بينهم شيء، فخرج يصلح بينهم ﷺ في أناسٍ من أصحابه، فحبس رسول الله ﷺ وحانت الصلاة، فجاء بلال إلى أبي بكر ﵁، فقال: يا أبا بكر إن رسول الله ﷺ قد حبس وقد حانت الصلاة، فهل لك أن تؤم الناس؟ قال: نعم إن شئت، فأقام بلال الصلاة، وتقدم أبو بكر ﵁، فكبر بالناس، وجاء رسول الله ﷺ يمشي في الصفوف يشقها شقاً حتى قام في الصف فأخذ الناس في التصفيح الحديث. تأخر ﵊ عن صلاة الجماعة وذهب إلى قباء للإصلاح بينهم، كان ممشى خير وأجراً عظيماً، وندب إلى ذلك أصحابه، وكان ﵊ يشير على المتخاصمين بالصلح. فعن عائشة ﵂ قالت: (سمع رسول الله ﷺ صوت خصومٍ بالباب عالية أصواتهم، وإذا أحدهم يستوضع الآخر ويسترفقه في شيء -يقول: دع لي من أصل المال- والآخر يقول: والله لا أفعل فخرج عليهما رسول الله ﷺ ، فقال: أين المتألي على الله لا يفعل المعروف؟ فقال: أنا يا رسول الله! فله أي ذلك أحب) وعظه ﵊ فقال: أين الذي يحلف بالله ألا يفعل الخير؟ فاستحيا الرجل وقال: أنا يا رسول الله، فله أي ذلك أحب، أي: فما أراده من عفو عن بعض المال فأنا راضٍ به، فكان ﵊ يعظ في أمر الصلح ويرغب فيه، ويعط من رفض الصلح، كما وعظ الذي الذي حلف بالله ألا يقبل بعرض خصمه عليه. وكذلك جاء في صحيح البخاري رحمه الله تعالى: (أن كعب بن مالك تقاضى ابن أبي حدرد ديناً كان له عليه في عهد رسول الله ﷺ في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله ﷺ وهو في بيته، فخرج رسول الله ﷺ إليهما حتى كشف سجف حجرته، فنادى كعب بن مالك، فقال: يا كعب، فقال: لبيك يا رسول الله، فأشار بيده أن ضع الشطر -أي: تنازل له عن النصف- فقال كعب: قد فعلتُ يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ للخصم الآخر: قم فاقضه). فكان ﵊ يشير بالصلح، وقد رأى هذا لا يستطيع الوفاء، والآخر يلح في الطلب، فطلب من أحدهما أن يتنازل عن شيء، وطلب من الآخر أن يقضيه الباقي، وهكذا كان ﷺ يفعل، وهذه سياسته في أصحابه.

стр. 1039

الصلح بين المسلمين المتقاتلين من أعظم الصلح ومن أعظم الصلح الصلح بين المسلمين المتقاتلين، لأن إراقة الدماء بين المسلمين من أعظم الكبائر ومما يفرق الصفوف أشد تفريق، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩] فهذا أمرٌ بالصلح. وكذلك فإن الإصلاح بين طالبي الدية في الجراحات مما جاء في السنة، فإن أنساً ﵁ حدث أن الربيِّع بنت النضر كسرت ثنية جارية، اعتدت عليها فكسرت ثنيتها، فطلبوا القصاص فقال أهل الربيِّع: نعطيكم مالاً بدلاً مما فعلته الربيِّع، أو اعفوا عنها وتنازلوا عن طلب القصاص، فأبوا إلا القصاص، فأتوا النبي ﷺ ، فأمرهم بالقصاص لأنه كتاب الله، فقال أنس بن النضر: أتكسر ثنية الربيِّع يا رسول الله؟! -وكان رجلاً صالحاً من أولياء الله تعالى- لا والذي بعثك بالحق لاتكسر ثنيتها، فقال: يا أنس كتاب الله القصاص، فرضي القوم وعفوا، وفجأة تغير الموقف، فرضي القوم فعفوا، فقال النبي ﷺ : (إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره).

стр. 1040

شرف الحسن بن علي بإصلاحه بين أهل العراق والشام وكان من أعظم البركة والخير على المسلمين الحسن بن علي ﵁، فإن الله أصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين، كما جاء في الصحيح أنه لما تواجه معاوية والحسن رضي الله تعالى عنهما، فقال عمرو: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها، فقال له معاوية -وكان والله خير الرجلين- أي عمرو! إن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء، فمن لي بأمور الناس؟ من لي بنسائهم؟ من لي بضيعتهم؟ فبعث إلى رجلين من قريش، فقال: اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه وقولا له، واطلبا إليه، فأتياه، فقبل ﵁ الصلح، ورجع عن القتال، وهذا مصداق ما أخبر به ﷺ ، فإنه التفت إلى الحسن مرةً وإلى الناس، فقال: (إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين).

стр. 1041

ثمرات الصلح بين المسلمين أيها المسلمون: إن فوائد الصلح كثيرة، فإنه يثمر إحلال الألفة مكان الفرقة، واستئصال داء النزاع قبل أن يستفحل، وحقن الدماء التي تراق، وتوفير الأموال التي تنفق للمحامين بالحق وبالباطل، والحماية من شهادة الزور، وتجنب المشاجرات والاعتداءات على الحقوق والنفوس، بل إن الشريعة جعلت للمصلح حقاً من الزكاة أو من بيت المال، لأداء ما تحمله من الديون بسبب الإصلاح، وإن كان قادراً على أدائها من ماله، فقال الله تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة:٦٠] وهم من تحملوا الديات لأجل الإصلاح بين الناس، وكف بعضهم عن قتل بعض. نسأل الله أن يصلح ذات بيننا، وأن يهدينا سبل السلام، وأن يخرجنا من الظلمات إلى النور. اللهم لا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، واغفر لنا، إنك أنت الغفور الرحيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه رءوفٌ رحيم.

стр. 1042

الصلح بين الزوجين من أعظم أنواع الصلح الحمد لله رب العالمين، الحمد لله رب الأولين والآخرين، الحمد لله خالق السماوات والأرضين، وأشهد أن لا إله إلا هو الحي القيوم، وحده لا شريك له، هو الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون، وأشهد أن محمداً رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أيها المسلمون: يا عباد الله! ومن أعظم أنواع الصلح الصلح بين الزوجين المتخاصمين، فإن الأسر تقوم على المحبة والألفة وتدوم بدوامها، فإذا انتهت المحبة والألفة وحل الشقاق، صار الفراق، ولابد للمصلحين من القيام بواجبهم تجاه الأسر المتفككة والسعي في الإصلاح بين الأزواج، وقد قال الله عند حصول الشقاق: ﴿فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:٣٥]. إذا كانت النية طيبة جاءت النتيجة طيبة: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:٣٥]. وندب الله تعالى إلى المصالحة بين المرأة وزوجها، وقال الله : ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء:١٢٨]. الصلح خيرٌ من الشقاق، الصلح خيرٌ من الفراق، الصلح خيرٌ من البغضاء التي تقوم في النفوس. قالت عائشة بنت أبي بكر ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً﴾ [النساء: ١٢٨] قالت: [هو الرجل يرى من امرأته ما لا يعجبه -كبراً أو غيره- فيريد فراقها، فتقول: أمسكني، واقسم لي ما شئت، قالت: ولا بأس إذا تراضيا]. فإذا أراد أن يطلقها إيثاراً لزوجته الأخرى مثلاً، فقالت الأولى: أمسكني عند أولادي، وأبيحك من ليلتي، فهذا جائز، وقد جعلت ذلك سودة ﵂، أو تصطلح معه على أن تضع عنه شيئاً من النفقة، وتتنازل له عن شيءٍ منها من أجل أن تدوم الحياة الزوجية لقوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء:١٢٨].

стр. 1043

التحكيم بين الزوجين من أجل الإصلاح وقال تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:٣٥] فماذا يفعل الحكمان؟ يقوم كل واحدٍ منهما بالالتقاء بوكيله أو مندوبه الذي انتدبه، أو طرفه الذي ينوب عنه -وإذا قلنا: إنه حاكم، فإن كلام الحكمين معتمد- ويسمع منه سبب الشقاق والخلاف، ثم يجتمع الحكمان فيعتمدان أموراً، ويتوصلان إلى صاحب الخطأ، من هو الطرف المخطئ لأجل وعظه ونصحه، أو وعظ الطرفين إذا كان كلاهما مخطئ، والسعي في تقريب وجهات النظر، ولذلك فإن من الحكمة أن يذكر الحكمان الزوج بوصية رسول الله ﷺ بالنساء، وبقوله ﷺ في الوصية بالزوجة: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) ويقولان له: إن منك يا أيها الزوج أن تعامل زوجتك بالفضل لا بالعدل؛ الواحدة بواحدة، وإذا فعلت ترد عليها، وإنما تتعامل معها بالفضل وبالمسامحة وبالزيادة منك والتغاضي، لأن أهلها استودعوها عندك، وائتمنوك عليها، ووثقوا أنك لن تسبب لهم المتاعب بسببها، وأنها أم أولادك، أو أنها ستكون كذلك مستقبلاً، والولد الصالح مما ينتفع به أبوه في الحياة وبالدعاء له بعد الممات، وأن الزوجة كالأسيرة بيد زوجها، وليس من الإسلام ولا من المروءة ولا من الشجاعة التي جاء بها الإسلام أن يسيء المسلم إلى أسيرته، أو أسيره، فكيف إذا كانت الأسيرة الزوجة؟ وأن الزوج الكريم هو الذي لا يستغل قوته وبطشه ولا يتعسف باستعمال سلطته على زوجته على نحوٍ يلحق بها الضرر، فهذه المعاني إذا قدمها الحكمان إلى الزوج بأسلوبٍ لطيف وقولٍ لين، فالغالب أنها ستؤثر في نفس الزوج، وسيقلع عما أدى إلى الشقاق. وكذلك ينبغي للحكم من أهل الزوجة أن يكلم الزوجة بمعاني الإسلام، ويذكرها بأحكامه المتعلقة بالزوجة في علاقتها بزوجها، وأن يذكرها بعظيم حق الزوج عليها، وأن من حسن معاشرتها له بالمعروف أن تسمعه الكلمة الطيبة اللينة، وأن تسارع إلى طاعته فيما أوجبه الشرع عليها من طاعته، وفيما يأمرها به زوجها من المباحات، وألا تثقل عليه بطلباتها الكثيرة، وأن تتحمل عبوسه وصدوده وإساءته وأن تقابل ذلك بابتسامتها وإحسانها وخدمتها، فإن الزوج إذا رأى ذلك منها، فسرعان ما يزول عنه العبوس والصدود ويكف عن الإساءة، وعليها ألا تستقصي في طلب الحقوق، وإذا أحست بكراهتها له، فلتطرد هذا الإحساس، ولتذكر نفسها بأنه قد يجعل الله لها فيما تكرهه الخير الكثير، فيرزقها الله منه ولداً تقر به عينها، ويزول عن قلبها ما تحسه من كراهة لزوجها. فتذكير الطرفين بحق كل واحدٍ منهما على الآخر وبالمعاشرة بالمعروف التي أمر الله بها، مما يجعل أمرهما ليناً سهلاً، والصلح بينهما وشيكاً.

стр. 1044

المصلح بين الناس وآدابه إذا كان المتدخل في الخصومة غير عاقل لا يحسن التصرف، فإن إفساده أكثر من إصلاحه، وهذا أمرٌ مشاهد، فإن عدداً من الناس يتدخل في القضية لأجل الإصلاح بزعمه، فإذا به يبعد النجعة، ويباعد الشقة، ويتسبب في مزيدٍ من الفرقة، ويحصل الكثير من الخلاف بعد أن كان شيئاً محدوداً، فإذا به يستشري وينتشر. فنذكر المصلحين الذين يريدون التدخل للإصلاح: أولاً: أن يبتغوا وجه الله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً﴾ [النساء:٣٥] أي: إذا كانت النية صافية ومُخْلَصَةً لله كانت النتيجة طيبة ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:٣٥]. ثانياً: الحكمة في التعامل في الأمور، فإن في كثيرٍ من الأشياء بين المتخاصمين حساسيات. ثالثاً: التكتم: (واستعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان) كما أخبر النبي ﷺ ، فلكي تنجح القضية، لابد من التكتم وعدم نشر التفاصيل بين الناس. رابعاً: أن يذكر كل واحد من المتخاصمين بالله ، وبحق الآخر عليه، إن كان أخاً في الله يذكر بحقوق الأخوة، وإن كان زوجاً يذكر بحقوق الزوجة، وإن كانت زوجة تذكر بحقوق الزوج. وكذلك فإنه لا بأس أن تنقل إليه كلمات من الخير على لسان الطرف الآخر، وتكتم عنه أموراً من الشر جاءت على لسان الطرف الآخر، هذا من الحكمة والسياسة في الإصلاح بين المتخاصمين. أيها المسلمون: إن إصلاح ذات البين والإصلاح بين المتخاصمين عبادة عظيمة جداً فرط فيها الكثير، ولذلك عمت الفرقة والشتات في كثيرٍ من طبقات المجتمع ونواحيه، وتفككت كثيرٌ من الأسر، لو أن المسلمين تدخلوا كما أمر الله: ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال:١]-وهو أمرٌ واجب- لتفادينا كثيراً من الشر، ولكنك ترى هذا يخالف الشرع، وهذا يهمل ولا يهمه الأمر، ولذلك انتشرت الخلافات وعم الشقاق بين المسلمين، فلنبادر إلى الإصلاح على جميع المستويات؛ الإصلاح بين الدعاة إلى الله أنفسهم، والإصلاح بين كل متخاصمين من المسلمين. أيها المسلمون: هذه عبادة أوصى بها الله، وأوصى بها رسول الله ﷺ ، فانتدبوا أنفسكم للقيام بها، فإن في القيام بها أجراً عظيماً لا يعلمه إلا الله . اللهم إنا نسألك أن تجعل قلوبنا عامرةً بذكرك، وأن تطهر قلوبنا من الشرك والنفاق، وأن تطهر ألسنتنا من الكذب، اللهم إنا نسألك أن تجعلنا إخوةً متحابين في سبيلك، قائمين بحقوقك، عاملين بدينك، اللهم إنا نسألك أن تنصر الإسلام والمسلمين، اللهم ارفع راية الدين، واقمع أهل النفاق والشرك يا رب العالمين!

стр. 1045

المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار في بداية هذا الدرس تحدث الشيخ عن هجرة اليهود من بلاد الشام، وعن هجرة العرب من اليمن إلى المدينة، ثم عرض لهجرة النبي ﷺ ، وكيف واجه هو وأصحابه المشركين حيث حاولوا قتله ﵊، وحاولوا منع الصحابة من الهجرة، كما ذكر أهمية الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام. ثم انتقل الشيخ إلى الحديث عن المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وفوائدها.

стр. 1046

المدينة قبل الإسلام الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم بارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فسنتحدث -أيها الإخوة- في هذه الليلة -إن شاء الله- عن موضوع من موضوعات سيرة النبي ﷺ ، وبعض ما يستفاد منها، وهو: "المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار" التي حصلت في المجتمع المدني عند قدوم النبي ﷺ إلى المدينة. أما المدينة وكان اسمها القديم يثرب فكانت واحة خصبة التربة تحيط بها الحرات من جهاتها الأربع، وأهمها: حرة واق من الشرق، وحرة الوبرة في الغرب. وكانت حرة واق أكثر خصوبة وعمراناً من حرة الوبرة، ويقع جبل أحد شمال المدينة، وجبل عير في جنوبها الغربي، وتقع فيها عدة وديان أشهرها وادي بطحان ومذيميم ومأزور والعقيق، وهي تنحدر من الجنوب إلى الشمال حيث تلتقي عند مجمع الأسيال من رومة.

стр. 1047

اليهود وهجرتهم إلى المدينة استوطن اليهود يثرب، وجاءوا إلى الحجاز عامة نازحين من الشام في القرنين الأول والثاني بعد الميلاد، عندما هيمن الرومان على بلاد مصر والشام، فأدى ذلك باليهود إلى الهجرة إلى شبه جزيرة العرب، ووصلوا إلى يثرب على مجموعات واستقروا بها، ومنهم يهود بني النضير وبني قريظة، واستقر يهود بني النضير وقريظة في حرة واق وهي أخصب بقاع المدينة، وكذلك جاء بنو قينقاع الذين قال بعض المؤرخين: إنهم كانوا عرباً تهودوا، وقال بعضهم: إنهم كانوا يهوداً أصليين، وغير هؤلاء من اليهود، مثل بني عكرمة ومحمر وزعورة والشطيبة وجشم وبهدل وعوف وغيرهم. وكان عدد هؤلاء بالمئات، حتى إن المؤرخين قد ذكروا أن المقاتلين من بني قينقاع كانوا سبعمائة، ومثلهم تقريباً من بني النضير، وما بين السبعمائة والتسعمائة من بني قريظة، فالمقاتلون من يهود القبائل الثلاث يزيدون قليلاً على الألفين، وهناك غيرهم ممن يسكنون في أماكن متناثرة من يثرب. وقد خضع ذلك المجتمع لسيطرتهم قبل أن يقوى كيان العرب في ذلك الوقت، ونقلوا من الشام أفكاراً مثل: بناء الآطام وهي الحصون، حيث بلغ عددها في يثرب تسعة وخمسين حصناً، وكذلك حملوا معهم بعض الخبرات الزراعية والصناعية من بلاد الشام مما أدى إلى ازدهار البساتين في المدينة، وكذلك تربية الدواجن والماشية، وبعض الصناعات الأولية كالنسيج والأواني، وكان على رأس الأعمال الاقتصادية التعامل بالربا الذي يتقنه اليهود في كل مكان.

стр. 1048

هجرة العرب إلى المدينة بالنسبة للعرب فإنهم قد جاءوا من اليمن وسكنوا يثرب وهم الأوس والخزرج، وكانوا بعد اليهود؛ لأن اليهود قد سبقوهم إلى ذلك المكان، وتملكوا أخصب البقاع وأعذب المياه، ولذلك اضطر الأوس والخزرج إلى سكن الأراضي المهجورة، وهم ينتمون إلى قبيلة الأزد اليمنية التي خرجت من اليمن إلى الشمال في فترات مختلفة، وبعض المؤرخين يقول: إن خروجهم كان بسبب انهيار سد مأرب وحدوث سيل العرم، وهي عقوبة ذكرها الله لـ سبأ بسبب إعراضهم عن الحق. ولما هاجر هؤلاء الأزد واستقروا بـ يثرب إلى جانب اليهود، وكان هؤلاء قد أحكموا سيطرتهم عليها -كما قدمنا- ويمكن أن يقدر عدد الأوس والخزرج من المقاتلين الرجال بأربعة آلاف وهو ما قدموه لجيش الفتح الإسلامي الذي فتح مكة.

стр. 1049

اليهود والكيد بين الأوس والخزرج وقد حاول اليهود الدفاع عن تسلطهم بتفتيت وحدة العرب من الأوس والخزرج، ولذلك أذكوا بينهم نار العداوة والحروب، وكان آخر معركة قامت بينهم هي يوم بعاث قبل الهجرة بخمس سنوات، حيث هزم الأوس الخزرج الذين طالما غلبوهم من قبل، ولجأت الأوس إلى محالفة بني النضير وبني قريظة. لكن هؤلاء المتنافسون من قبائل العرب فطنوا إلى خطورة الإجهاز على بعضهم البعض، فسعوا إلى المصالحة، حتى يكون هناك شيء من التوازن مع اليهود الذين يسكنون يثرب، فاتفقوا على ترشيح رجل من اليهود، وهو عبد الله بن أبي بن سلول ليكون رجلاً متوجاً على الجميع في يثرب، ولاشك أن هذه الوقائع قد ولدت شعوراً بالمرارة عند الطرفين، وكان عبد الله بن أبي على وشك تولي هذا الملك على الجميع بعد وقعة بعاث الذي قتل فيها أعداد كبيرة من الأوس والخزرج، وكانت هذه الموقعة تهيئة هيأها الله تعالى للنبي عليه الصلاة السلام قبل أن يأتي المدينة، ولذلك قالت عائشة ﵂: كان يوم بعاث يوماً قدمه الله لرسوله ﷺ ، فقدم رسول الله ﷺ وقد افترق ملؤهم، وقتلت سرواتهم وجرحوا. قدمه الله لرسوله ﷺ في دخولهم الإسلام، فجاء على قوم متفرقين يلملمون جراحاتهم، قد قتل معظم ساداتهم. ولذلك كان هذا الحدث مما سهل قدوم النبي ﵊، وبروز المسلمين واجتماع الكلمة عليهم، ولو كانوا قوماً أقوياء متحالفين من الأصل لربما كان دخول المسلمين بينهم صعباً، فكان يوم بعاث منة من الله قدمها لنبيه ﷺ . هذه لمحة سريعة عن حال يثرب قبل قدوم النبي ﵊، ولاشك أن الشائع عندهم عبادة الأصنام والأوثان، وكانت عندهم العادات الجاهلية السيئة، وكذلك كان عندهم الظلم والبطش والبغي، ولا يوجد عندهم انضباط في أخلاق أو في عادات تهيمن عليهم، ولذلك كان الغالب عليهم الفوضى. وكان كذلك من الأمور المتفشية الربا وأكله، والخمر وشربه، وغير ذلك من العادات السيئة، ولما حصلت الهجرة، وهو الحدث العظيم الذي أرخ المسلمون به تاريخهم، حيث جعل عمر ﵁ العام الهجري هو الأصل، فأرخ المسلمون من الهجرة؛ لأنها كانت فعلاً البداية الحقيقية لظهور الإسلام؛ لأن المسلمين في مكة كانوا مستضعفين مغلوبين مقهورين، وكانت الهجرة هي الحدث الذي كان الانطلاقة القوية الحقيقية لانتصار الإسلام وهيمنة المسلمين في ذلك الوقت.

стр. 1050

مبادرة النبي ﷺ وأصحابه بالهجرة إلى المدينة وقد أمر النبي ﷺ أصحابه بالهجرة إلى المدينة، بعدما صارت بيعة العقبة الأولى والثانية، وصار هناك قاعدة من الأنصار من أهل المدينة تنصر النبي ﷺ ، فهب المسلمون متفانين بالهجرة، وضحوا بأوطانهم وأموالهم وأهليهم استجابة لنداء الله ورسوله، حتى إن قريشاً لما اعترضت صهيباً الرومي بحجة أنه جمع أمواله من العمل في مكة، ولم يكن له مال قبل قدومه إلى مكة، ترك لهم أمواله وهاجر بنفسه، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ ، قال: (ربح البيع أبا يحيى). ومنع المشركون أبا سلمة ﵁ من الهجرة بزوجته وابنه فلم يمنعه ذلك من الهجرة وحيداً تاركاً زوجته وطفله في مكة، وقد ظلت زوجته أم سلمة تخرج كل غداة بالأبطح تبكي حتى تمسي نحو سنة، حتى تمكنت من الهجرة بابنها ولحقت بزوجها، وهكذا كانت الهجرة في ظروف صعبة، وكانت تمحيصاً لإيمان المؤمنين، واختباراً لقوة عقيدتهم واستعلاء إيمانهم، وقدم لنا أولئك المهاجرون درساً عظيماً في كيفية ترك المسلم أعز ما عنده من أجل الله ورسوله. كيف يهجر المسلم بلده التي يحن إليها والمكان الذي تربى فيه وترعرع وشب لله ورسوله؟ بل تركوا الأموال والتجارات وتركوا بيوتهم التي كانت لديهم مهاجرين إلى الله ورسوله، ولذلك كان المهاجرون فعلاً أعظم المؤمنين على الإطلاق في ذلك الوقت، وصاروا مؤهلين للاستخلاف في الأرض بما جعلهم الله تعالى في الرتبة العالية. اختار الله لنبيه المدينة للهجرة، وقد قال ﵊: (قد أريت دار هجرتكم، أريت سبخة ذات نخل بين لابتين) فاللابتان هما الحرتان، الحرة الشرقية والحرة الغربية، وبينهما الأرض ذات نخل، وهاجر المسلمون وتأخر النبي ﷺ مع أبي بكر الصديق، حتى أذن الله تعالى له بالهجرة. وقد أحس المشركون بهجرة المسلمين، فغاظهم ذلك فتعاقدوا على قتل النبي ﵊، ولكن الله أعمى أبصارهم فلم يروه، فخرج هو وصاحبه الصديق إلى المدينة يقطعان الصحراء، والنبي ﵊ كان في الثالثة والخمسين من العمر، والصديق في الحادية والخمسين، ومع ذلك فإنهما خرجا إلى المدينة مهاجرين، ووصلا المدينة وقد جعل الله للمسلمين فرجاً ومخرجا، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء:١٠٠]. ولذلك نعى الله ولام الذين قدروا على الهجرة فلم يهاجروا، بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ [النساء:٩٧ - ٩٩] وعسى من الله موجبة، فإذا قال الله: عسى الله، أي: فإن هذا هو ما سيحدث.

стр. 1051

أهمية الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام والهجرة بطبيعة الحال أمر مهم جداً؛ لأن المسلم إذا بقي بين الكفار فإنه سيكون من المعينين لهم ويكثر سوادهم، وينتفع المشركون بطاقاته وإمكاناته، في الوقت الذي يحرم المسلمون من هذا الرجل المسلم ومن طاقاته وإمكاناته، من صناعة وزراعة وخبرة حربية ونحو ذلك، بالإضافة إلى أن المسلم إذا جلس بين الكفار فإنه يتعرض للفتنة، بالإضافة إلى أنهم قد يجبرونه على الخروج معهم في الحروب وتكثير سوادهم، ولذلك قال ﷺ : (من جاء مع المشرك وسكن معه فإنه مثله) رواه أبو داود. وهذا يدل على وجوب الخروج من بين المشركين إذا كان هناك مكان للمسلمين يأوي إليه الشخص آمناً مستقراً. وفي حالة وجود بلد الإسلام الذي تطبق فيه شريعة الله تعالى، ويستقبل المسلمين لتكثير سوادهم وانتفاع البلد بهم، فإنه تجب الهجرة من بلاد الكفار إليه، وبعض المسلمين تأخروا عن الهجرة تحت ضغوط الأزواج والأولاد، فلما هاجروا بعد فترة ورأوا الذين سبقوهم من المهاجرين وقد تفقهوا في الدين، هموا بمعاقبة زوجاتهم وأولادهم، وكان ذلك سبب نزول الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن:١٤] ثم أمر الله تعالى بالصفح والعفو، وهذا يدل على أن الزوجة والأولاد قد يكونون من العوائق التي تعيق تقدم الشخص في الدين وتفقهه فيه، ولذلك يقول ﵊: (الولد مجبنة مبخلة مجهلة محزنة) مجبنة، أي: يريد الأب أن يجاهد في سبيل الله فيتذكر الولد وأنه يحتاج إليه ونحو ذلك فيقعد، يريد الأب أن ينفق في سبيل الله فيتذكر الأولاد، يقول: أولادي أحوج فلا ينفق، يريد أن يذهب لطلب العلم فيشغله أولاده عن طلب العلم فيبقى في جهل، محزنة: أي أن الولد يمرض -مثلاً- فيحزن الأب ويصيبه الكرب، وإذا كان الولد عاقاً فإن ذلك يكون الهم اللازم والمصيبة الكبيرة والحزن العظيم في نفس الأب. ولذلك حذرنا الله من الركون إلى فتنة الزوجة والأولاد، وأمر بمجاهدتهم في الله ، وأن نحملهم على طاعة الله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]. واستمرت الهجرة من مكة ومن غير مكة إلى المدينة، حتى إن المدينة ضاقت بسكانها المتزايدين وما يحتاجونه من القوت وخصوصاً بعد الخندق، فلما صارت وقعة الخندق وبانت قدرة المسلمين على الدفاع عن كيانهم أمام الأحزاب مجتمعين، ولم تعد المدينة بحاجة إلى مهاجرين جدد، نظراً لأنه قد صار فيها القوة الأساسية التي يمكن الدفاع بها عن البلد ككل، وحصل نوع من الازدحام في المدينة، وصار هناك شيء من الشح في القوت والمسكن - طلب النبي ﷺ من بعض المهاجرين بعد الخندق العودة إلى ديارهم قائلاً لهم: (هجرتكم في رحالكم) لأنه لم تعد هناك ثمة حاجة لإقامتهم في المدينة، بل صارت المصلحة أن يقيموا في أماكنهم وقبائلهم وأحيائهم، في الدعوة إلى الله خارج المدينة لتوسيع رقعة الإسلام. ولكن ذلك لم يكن إيقافاً للهجرة؛ لأن الهجرة من مكة لم تتوقف إلا بعد الفتح، بقوله ﷺ : (لا هجرة بعد الفتح) أي: لا هجرة من مكة إلى المدينة بعد الفتح؛ لأن مكة صارت دار إسلام، فلأي شيء يهاجر منها؟! فانقطعت الهجرة وما عاد هناك أجر للهجرة من مكة إلى المدينة؛ وبذلك سقط فرض الهجرة إلى المدينة، وبقي فرض الجهاد والنية.

стр. 1052

المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار سببها وأهميتها وأدت الهجرة إلى تنوع سكان المدينة، حيث صار فيها من الأحياء المختلفين غير الأوس والخزرج من العرب، وضم ذلك كله وحدة المسلمين، وكان أعداؤهم المنافقين واليهود، فانقسم الناس إلى ثلاثة أقسام: المؤمنين والمنافقين واليهود، لما اجتمع هذا العدد من المهاجرين في المدينة، كان لابد من إيجاد حل لهؤلاء الوافدين القادمين الذين كثيرٌ منهم ما عندهم أموال ولا بيوت ولا مأوى، فجاء الحل الشرعي وهو المؤاخاة، واعتبر الإسلام المؤمنين كلهم إخوة، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] وأوجب عليهم الموالاة لبعضهم، والتناصر في الحق بينهم، وحصلت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.

стр. 1053

المؤاخاة بين المهاجرين أنفسهم وذهب بعض المؤرخين إلى أنه قد حصلت مؤاخاة في مكة بين بعض المكيين، وقد أخرج الحاكم وابن عبد البر بسند حسن عن ابن عباس أنه قال: (آخا النبي ﷺ بين الزبير وابن مسعود) ولكن ذهب ابن القيم وابن كثير إلى عدم وقوع المؤاخاة بـ مكة، وأن المؤاخاة ما كانت إلا في المدينة، وكذلك هو رأي شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الذي نفى وقوع المؤاخاة بين المهاجرين في مكة، وخصوصاً ما روج من بعض الأخبار في المؤاخاة بين النبي ﵊ وعلي، ولأن المؤاخاة إنما كانت لإرفاق بعضهم بعضاً، وتأليف قلوب بعضهم على بعض، فلا معنى لمؤاخاة النبي ﷺ لأحد، ولا لمؤاخاة مهاجري مع مهاجري. وابن حجر ﵀ ذهب إلى أن النص إذا جاء فإنه لابد من الأخذ به، وأن هناك حكمة أخرى للمؤاخاة وهي: أن بعض المهاجرين كان أفضل من بعض بالمال والعشيرة والقوة، فآخا بين الأعلى والأدنى من المهاجرين أنفسهم، حتى يرفق الأعلى بالأدنى، ويستعين الأدنى بالأعلى، فآخا بين حمزة وزيد بن حارثة؛ لأن زيداً مولاهم، وإن كان هناك مؤاخاة في مكة فهي شيء يسير، ولو كان هناك في المدينة مؤاخاة بين بعض المهاجرين، فهي حالات خاصة من مهاجر عنده إمكانات.

стр. 1054

المؤاخاة الأساسية بين المهاجرين والأنصار المؤاخاة الأساسية كانت بين المهاجرين والأنصار، وكانت المدينة بطبيعة الحال فيها الزراعة والصناعة التي لم يكن المهاجرون قد تمرسوا بشيء منها؛ لأن وظيفة المهاجرين الأساسية في مكة كانت التجارة؛ لأن مكة لم تكن بلداً ذات زرع. ثم إن هؤلاء المهاجرين لما قدموا إلى المدينة لم يستطيعوا ممارسة التجارة؛ لأن التجارة تحتاج إلى رأس مال، ولذلك لم يتمكنوا من شق طريقهم بأنفسهم في المجتمع الجديد، وكانت حياتهم في المدينة حياة صعبة، وكان الحنين إلى مكة شديداً، وأصابت المهاجرين حمى يثرب، وهي وباء كان فيها، فالنبي ﵊ دعا الله أن تنتقل الحمى إلى الجحفة، ورفعت الحمى من المدينة ونزلت في الجحفة، فهي المرأة السوداء التي رآها ﵊ في المدينة في منامه. ودعا النبي ﵊ الله أن يحبب المدينة إليهم كحبهم مكة أو أشد، وبالفعل صارت محبة المهاجرين للمدينة شديدة، حتى إنهم بعد فتح مكة ما جلسوا في مكة، وإنما رجعوا إلى المدينة، ورجع النبي ﵊ إلى المدينة، مع أنها فتحت مكة ورجعت إليهم بيوتهم ودورهم وأموالهم، ولكن مع ذلك بقيت محبة المدينة هي الأساس، فرجع النبي ﵊ وأصحابه المهاجرون جميعاً إلى المدينة.

стр. 1055

المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار تحقيق للتكافل الاجتماعي الذي حصل أن العلاج السريع الذي كان يتطلبه الموقف في قضية الفقر الذي كان عند المهاجرين، ومشكلة النازحين إلى المدينة كانت تتطلب حلاً جذرياً وسريعاً، ولذلك شرعت المؤاخاة، ولم يبخل الأنصار بشيء من العون، بل مدوا أيديهم لإخوانهم، وضربوا الأمثلة الرائعة في التضحية والإيثار، كما قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩] وقد بلغ كرم الأنصار حداً عالياً، حيث اقترحوا على النبي ﷺ أن يقسم نخلهم بينهم وبين المهاجرين، إلى هذه الدرجة؟! يعني يشاطره في ماله، نصفه لأخيه ونصفه يبقى له! ولكن المهاجرين ما كان عندهم علم بكيفية رعاية النخل؛ لأنهم ما كانوا أصحاب زرع في مكة، ولذلك خشي ﵊ أن لو انتقل إليهم النخيل تموت عندهم، لا يعرفون إدارتها، ولذلك أبقى النخيل للأنصار، ولكنَّ المهاجرين يشاركونهم في الثمرة. وبذلك صار هناك مورد طعام -لأن التمر طعام- للمهاجرين من خلال هذه المشاركة، وبدأ المهاجرون يتعلمون الزراعة والاهتمام بها، وجاء في الحديث أن عمر وصاحبه الأنصاري كانا يتعاونان في طلب العلم والقيام على الزرع، فـ عمر ينزل يوماً وصاحبه يعمل، واليوم الذي بعده ينزل صاحبه وعمر يعمل، وهكذا صار هناك بداية لاستيعاب القيام بالنخل وما تحتاج إليه، وصار للزبير وغيره نخل، تعلموا وتدرجوا في التدريب على رعايتها. وابتنى النبي ﵊ لأصحابه دوراً في أراضٍ وهبتها لهم الأنصار، وأراضٍ ليست ملكاً لأحد، ومع أن الأنصار قالوا: إن شئت فخذ منا منازلنا، فقال لهم ﵊: خيراً، ولما جاء هؤلاء المهاجرون ووجدوا هذه الرعاية الكريمة، قالوا: (يا رسول الله! ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أحسن بذلاً من كثير، لقد كفونا المؤنة، وأشركونا في المهنة -أي: مؤنة النخل كفونا إياها، وأشركونا في المهنة: الثمرة والنتيجة- حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله، قال ﵊: لا، ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم). فإذاً لو أن إنساناً صنع لك معروفاً، فأنت أثنيت عليه ودعوت الله له، فإنه يبقى لك نصيب من الأجر، ولذلك من المحاسن في الدين الإسلامي أن الإنسان إذا صنع له أخوه المسلم معروفاً أن يقول له: جزاك الله خيراً، ويدعو له بخير. ورغم بذل الأنصار وكرمهم، فإن الحاجة كانت لا تزال إلى إيجاد نظام يكفل للمهاجرين المعيشة الكريمة، خاصة أن المهاجرين لا يريدون أن يشعروا أنهم عالة على الأنصار، فجاء نظام المؤاخاة في السنة الأولى الهجرية، قيل: بعد بناء المسجد أو أثناء بناء المسجد، أي: بعد هجرة النبي ﵊ بأشهر، حيث عقد النبي ﵊ عقد المؤاخاة بين الطرفين: المهاجرين والأنصار، فآخا بين كل مهاجري وأنصاري، مع أن الأنصار تبرعوا وأعطوا، لكن الأعداد زيادة على التبرعات، فحلت القضية بما يلي: كل أنصاري معه مهاجري، لا يوجد مهاجري ما عنده مكان ما عنده بيت ما عنده مال، إلا ويوجد أنصاري يقوم بالتآخي معه، وشملت المؤاخاة تسعين رجلاً، خمسة وأربعين من المهاجرين وخمسة وأربعين من الأنصار، ويقال: إنه لم يبقَ مهاجري إلا وقد آخا النبي ﷺ بينه وبين أنصاري. وترتب على هذا التشريع حقوق خاصة بين المتآخيين كالمواساة، والمواساة هي: تقديم جميع أوجه العون، سواء كان عوناً مادياً أو رعاية أو نصيحة أو تزاوراً أو محبة، وحتى التوارث، كان إذا مات الأنصاري يرثه المهاجري، وإذا مات المهاجري يرثه الأنصاري، يرثه بالتآخي، واستمر هذا فترة من الزمن حتى نسخ ذلك بقول الله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٥] فنسخ التوارث بين المهاجرين والأنصار، وكان مشروعاً يرثه تماماً إذا مات.
следующие страницы →