← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

أهمية الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام والهجرة بطبيعة الحال أمر مهم جداً؛ لأن المسلم إذا بقي بين الكفار فإنه سيكون من المعينين لهم ويكثر سوادهم، وينتفع المشركون بطاقاته وإمكاناته، في الوقت الذي يحرم المسلمون من هذا الرجل المسلم ومن طاقاته وإمكاناته، من صناعة وزراعة وخبرة حربية ونحو ذلك، بالإضافة إلى أن المسلم إذا جلس بين الكفار فإنه يتعرض للفتنة، بالإضافة إلى أنهم قد يجبرونه على الخروج معهم في الحروب وتكثير سوادهم، ولذلك قال ﷺ : (من جاء مع المشرك وسكن معه فإنه مثله) رواه أبو داود. وهذا يدل على وجوب الخروج من بين المشركين إذا كان هناك مكان للمسلمين يأوي إليه الشخص آمناً مستقراً. وفي حالة وجود بلد الإسلام الذي تطبق فيه شريعة الله تعالى، ويستقبل المسلمين لتكثير سوادهم وانتفاع البلد بهم، فإنه تجب الهجرة من بلاد الكفار إليه، وبعض المسلمين تأخروا عن الهجرة تحت ضغوط الأزواج والأولاد، فلما هاجروا بعد فترة ورأوا الذين سبقوهم من المهاجرين وقد تفقهوا في الدين، هموا بمعاقبة زوجاتهم وأولادهم، وكان ذلك سبب نزول الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن:١٤] ثم أمر الله تعالى بالصفح والعفو، وهذا يدل على أن الزوجة والأولاد قد يكونون من العوائق التي تعيق تقدم الشخص في الدين وتفقهه فيه، ولذلك يقول ﵊: (الولد مجبنة مبخلة مجهلة محزنة) مجبنة، أي: يريد الأب أن يجاهد في سبيل الله فيتذكر الولد وأنه يحتاج إليه ونحو ذلك فيقعد، يريد الأب أن ينفق في سبيل الله فيتذكر الأولاد، يقول: أولادي أحوج فلا ينفق، يريد أن يذهب لطلب العلم فيشغله أولاده عن طلب العلم فيبقى في جهل، محزنة: أي أن الولد يمرض -مثلاً- فيحزن الأب ويصيبه الكرب، وإذا كان الولد عاقاً فإن ذلك يكون الهم اللازم والمصيبة الكبيرة والحزن العظيم في نفس الأب. ولذلك حذرنا الله من الركون إلى فتنة الزوجة والأولاد، وأمر بمجاهدتهم في الله ، وأن نحملهم على طاعة الله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]. واستمرت الهجرة من مكة ومن غير مكة إلى المدينة، حتى إن المدينة ضاقت بسكانها المتزايدين وما يحتاجونه من القوت وخصوصاً بعد الخندق، فلما صارت وقعة الخندق وبانت قدرة المسلمين على الدفاع عن كيانهم أمام الأحزاب مجتمعين، ولم تعد المدينة بحاجة إلى مهاجرين جدد، نظراً لأنه قد صار فيها القوة الأساسية التي يمكن الدفاع بها عن البلد ككل، وحصل نوع من الازدحام في المدينة، وصار هناك شيء من الشح في القوت والمسكن - طلب النبي ﷺ من بعض المهاجرين بعد الخندق العودة إلى ديارهم قائلاً لهم: (هجرتكم في رحالكم) لأنه لم تعد هناك ثمة حاجة لإقامتهم في المدينة، بل صارت المصلحة أن يقيموا في أماكنهم وقبائلهم وأحيائهم، في الدعوة إلى الله خارج المدينة لتوسيع رقعة الإسلام. ولكن ذلك لم يكن إيقافاً للهجرة؛ لأن الهجرة من مكة لم تتوقف إلا بعد الفتح، بقوله ﷺ : (لا هجرة بعد الفتح) أي: لا هجرة من مكة إلى المدينة بعد الفتح؛ لأن مكة صارت دار إسلام، فلأي شيء يهاجر منها؟! فانقطعت الهجرة وما عاد هناك أجر للهجرة من مكة إلى المدينة؛ وبذلك سقط فرض الهجرة إلى المدينة، وبقي فرض الجهاد والنية.

стр. 1052

المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار سببها وأهميتها وأدت الهجرة إلى تنوع سكان المدينة، حيث صار فيها من الأحياء المختلفين غير الأوس والخزرج من العرب، وضم ذلك كله وحدة المسلمين، وكان أعداؤهم المنافقين واليهود، فانقسم الناس إلى ثلاثة أقسام: المؤمنين والمنافقين واليهود، لما اجتمع هذا العدد من المهاجرين في المدينة، كان لابد من إيجاد حل لهؤلاء الوافدين القادمين الذين كثيرٌ منهم ما عندهم أموال ولا بيوت ولا مأوى، فجاء الحل الشرعي وهو المؤاخاة، واعتبر الإسلام المؤمنين كلهم إخوة، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] وأوجب عليهم الموالاة لبعضهم، والتناصر في الحق بينهم، وحصلت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.

стр. 1053

المؤاخاة بين المهاجرين أنفسهم وذهب بعض المؤرخين إلى أنه قد حصلت مؤاخاة في مكة بين بعض المكيين، وقد أخرج الحاكم وابن عبد البر بسند حسن عن ابن عباس أنه قال: (آخا النبي ﷺ بين الزبير وابن مسعود) ولكن ذهب ابن القيم وابن كثير إلى عدم وقوع المؤاخاة بـ مكة، وأن المؤاخاة ما كانت إلا في المدينة، وكذلك هو رأي شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الذي نفى وقوع المؤاخاة بين المهاجرين في مكة، وخصوصاً ما روج من بعض الأخبار في المؤاخاة بين النبي ﵊ وعلي، ولأن المؤاخاة إنما كانت لإرفاق بعضهم بعضاً، وتأليف قلوب بعضهم على بعض، فلا معنى لمؤاخاة النبي ﷺ لأحد، ولا لمؤاخاة مهاجري مع مهاجري. وابن حجر ﵀ ذهب إلى أن النص إذا جاء فإنه لابد من الأخذ به، وأن هناك حكمة أخرى للمؤاخاة وهي: أن بعض المهاجرين كان أفضل من بعض بالمال والعشيرة والقوة، فآخا بين الأعلى والأدنى من المهاجرين أنفسهم، حتى يرفق الأعلى بالأدنى، ويستعين الأدنى بالأعلى، فآخا بين حمزة وزيد بن حارثة؛ لأن زيداً مولاهم، وإن كان هناك مؤاخاة في مكة فهي شيء يسير، ولو كان هناك في المدينة مؤاخاة بين بعض المهاجرين، فهي حالات خاصة من مهاجر عنده إمكانات.

стр. 1054

المؤاخاة الأساسية بين المهاجرين والأنصار المؤاخاة الأساسية كانت بين المهاجرين والأنصار، وكانت المدينة بطبيعة الحال فيها الزراعة والصناعة التي لم يكن المهاجرون قد تمرسوا بشيء منها؛ لأن وظيفة المهاجرين الأساسية في مكة كانت التجارة؛ لأن مكة لم تكن بلداً ذات زرع. ثم إن هؤلاء المهاجرين لما قدموا إلى المدينة لم يستطيعوا ممارسة التجارة؛ لأن التجارة تحتاج إلى رأس مال، ولذلك لم يتمكنوا من شق طريقهم بأنفسهم في المجتمع الجديد، وكانت حياتهم في المدينة حياة صعبة، وكان الحنين إلى مكة شديداً، وأصابت المهاجرين حمى يثرب، وهي وباء كان فيها، فالنبي ﵊ دعا الله أن تنتقل الحمى إلى الجحفة، ورفعت الحمى من المدينة ونزلت في الجحفة، فهي المرأة السوداء التي رآها ﵊ في المدينة في منامه. ودعا النبي ﵊ الله أن يحبب المدينة إليهم كحبهم مكة أو أشد، وبالفعل صارت محبة المهاجرين للمدينة شديدة، حتى إنهم بعد فتح مكة ما جلسوا في مكة، وإنما رجعوا إلى المدينة، ورجع النبي ﵊ إلى المدينة، مع أنها فتحت مكة ورجعت إليهم بيوتهم ودورهم وأموالهم، ولكن مع ذلك بقيت محبة المدينة هي الأساس، فرجع النبي ﵊ وأصحابه المهاجرون جميعاً إلى المدينة.

стр. 1055

المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار تحقيق للتكافل الاجتماعي الذي حصل أن العلاج السريع الذي كان يتطلبه الموقف في قضية الفقر الذي كان عند المهاجرين، ومشكلة النازحين إلى المدينة كانت تتطلب حلاً جذرياً وسريعاً، ولذلك شرعت المؤاخاة، ولم يبخل الأنصار بشيء من العون، بل مدوا أيديهم لإخوانهم، وضربوا الأمثلة الرائعة في التضحية والإيثار، كما قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩] وقد بلغ كرم الأنصار حداً عالياً، حيث اقترحوا على النبي ﷺ أن يقسم نخلهم بينهم وبين المهاجرين، إلى هذه الدرجة؟! يعني يشاطره في ماله، نصفه لأخيه ونصفه يبقى له! ولكن المهاجرين ما كان عندهم علم بكيفية رعاية النخل؛ لأنهم ما كانوا أصحاب زرع في مكة، ولذلك خشي ﵊ أن لو انتقل إليهم النخيل تموت عندهم، لا يعرفون إدارتها، ولذلك أبقى النخيل للأنصار، ولكنَّ المهاجرين يشاركونهم في الثمرة. وبذلك صار هناك مورد طعام -لأن التمر طعام- للمهاجرين من خلال هذه المشاركة، وبدأ المهاجرون يتعلمون الزراعة والاهتمام بها، وجاء في الحديث أن عمر وصاحبه الأنصاري كانا يتعاونان في طلب العلم والقيام على الزرع، فـ عمر ينزل يوماً وصاحبه يعمل، واليوم الذي بعده ينزل صاحبه وعمر يعمل، وهكذا صار هناك بداية لاستيعاب القيام بالنخل وما تحتاج إليه، وصار للزبير وغيره نخل، تعلموا وتدرجوا في التدريب على رعايتها. وابتنى النبي ﵊ لأصحابه دوراً في أراضٍ وهبتها لهم الأنصار، وأراضٍ ليست ملكاً لأحد، ومع أن الأنصار قالوا: إن شئت فخذ منا منازلنا، فقال لهم ﵊: خيراً، ولما جاء هؤلاء المهاجرون ووجدوا هذه الرعاية الكريمة، قالوا: (يا رسول الله! ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أحسن بذلاً من كثير، لقد كفونا المؤنة، وأشركونا في المهنة -أي: مؤنة النخل كفونا إياها، وأشركونا في المهنة: الثمرة والنتيجة- حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله، قال ﵊: لا، ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم). فإذاً لو أن إنساناً صنع لك معروفاً، فأنت أثنيت عليه ودعوت الله له، فإنه يبقى لك نصيب من الأجر، ولذلك من المحاسن في الدين الإسلامي أن الإنسان إذا صنع له أخوه المسلم معروفاً أن يقول له: جزاك الله خيراً، ويدعو له بخير. ورغم بذل الأنصار وكرمهم، فإن الحاجة كانت لا تزال إلى إيجاد نظام يكفل للمهاجرين المعيشة الكريمة، خاصة أن المهاجرين لا يريدون أن يشعروا أنهم عالة على الأنصار، فجاء نظام المؤاخاة في السنة الأولى الهجرية، قيل: بعد بناء المسجد أو أثناء بناء المسجد، أي: بعد هجرة النبي ﵊ بأشهر، حيث عقد النبي ﵊ عقد المؤاخاة بين الطرفين: المهاجرين والأنصار، فآخا بين كل مهاجري وأنصاري، مع أن الأنصار تبرعوا وأعطوا، لكن الأعداد زيادة على التبرعات، فحلت القضية بما يلي: كل أنصاري معه مهاجري، لا يوجد مهاجري ما عنده مكان ما عنده بيت ما عنده مال، إلا ويوجد أنصاري يقوم بالتآخي معه، وشملت المؤاخاة تسعين رجلاً، خمسة وأربعين من المهاجرين وخمسة وأربعين من الأنصار، ويقال: إنه لم يبقَ مهاجري إلا وقد آخا النبي ﷺ بينه وبين أنصاري. وترتب على هذا التشريع حقوق خاصة بين المتآخيين كالمواساة، والمواساة هي: تقديم جميع أوجه العون، سواء كان عوناً مادياً أو رعاية أو نصيحة أو تزاوراً أو محبة، وحتى التوارث، كان إذا مات الأنصاري يرثه المهاجري، وإذا مات المهاجري يرثه الأنصاري، يرثه بالتآخي، واستمر هذا فترة من الزمن حتى نسخ ذلك بقول الله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٥] فنسخ التوارث بين المهاجرين والأنصار، وكان مشروعاً يرثه تماماً إذا مات.

стр. 1056

عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع والتآخي بينهما لقد طابت نفوس الأنصار بما سيبذلونه لإخوانهم من عون، ووصل الأمر لدرجة أن سعد بن الربيع الأنصاري يقول لـ عبد الرحمن بن عوف المهاجري: إن لي مالاً فهو بيني وبينك شطران، ولي امرأتان فانظر أيهما أحب إليك، فأنا أطلقها، فإذا حلت -أي: بعد العدة- فتزوجها. إننا يسهل علينا أن نتصور أن يتنازل الواحد عن نصف ماله للآخر، لكن لا يسهل علينا على الإطلاق أن نتصور أن رجلاً يتنازل عن زوجة لآخر، ويطلقها من أجل الآخر؛ لأن العلاقة الزوجية قوية، وليس من السهل على الإنسان أن يتنازل عن زوجته، لكن لما صار الإيمان قوياً في قلوبهم، قال: هاتان زوجتاي -قبل فرض الحجاب- انظر أيهما أحب إليك، ليس الزوج هو الذي ينتقي إحدى زوجاته، أو يترك أقلهما تعلقاً بها وأقلهما محبة، لا. بل المهاجري هو الذي ينتقي، يقول: اختر أيهما تريد أطلقها لك. ولاشك أن ذلك كان آية من الآيات الدالة على تعمق الإيمان، وترسخ قواعد الأخوة في نفوسهم؛ لأن مثل هذا العمل لا يمكن أن يقوم به الشخص في الأحوال العادية، إلا إذا صار عنده إيمان ودين فعلاً، فإذا قارنت الآن بين هذا وبين ما يحدث الآن بين عامة المسلمين من أنواع الإيذاء وأكل الحقوق الواضحة للغاية، وهضم الحقوق المالية والاستيلاء عليها، والإيذاء بين الجيران والإخوان، والأشياء التي توجد فيها الأنانية والحسد والبغض، وسطو هذا على مال هذا، وإذا وجد هذا فرصة لأكل حق الآخر أكله دون أن يقصر، والأذية الموجودة لنعلم ما هو الفرق بيننا وبين الصحابة. عبد الرحمن بن عوف لما عرض عليه هذا العرض المغري لم يكن بالذي يوافق عليه، ويقول: طلق فلانة أو هات نصف المال، وإنما كان عفيفاً، والعفة مهمة، عفة النفس: أي: أن الإنسان لا يقبل بأعطيات الآخرين إذا لم يكن هناك شيء ماس، ولذلك قال عبد الرحمن لـ سعد: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق، فلم يرجع إلا بسمن وأقط قد أفضله، ذهب إلى السوق وهو رجل يحسن التجارة، باع واشترى، وباع واشترى، ورجع بفائض من سمن وأقط، ورأى النبي ﷺ عليه أثر صفرة بعد فترة، فقال: (مهيم؟ -ما الخبر؟ - عليك أثر صفرة الزعفران -هذا ليس من شئون الرجال بل هو من شئون النساء- فقلت: تزوجت امرأة من الأنصار -هذا من نتائج احتكاكه بزوجته- فقال ﵊: أولم ولو بشاة) أمره أن يولم ولو بشاة. وتزوج عبد الرحمن بن عوف، وكان المهر نواة من ذهب أصدقها لتلك المرأة، ونمت ثروته بعد ذلك ليصبح من كبار أغنياء المسلمين، وهذا فيه درس، أن الإنسان إذا كان صاحب خبرة وقدرة فلا يصلح أن يكون عالة على الآخرين، حتى لو تبرع له الآخرون، وحتى لو أعطوه وعرضوا عليه، تبقى عزة النفس عند الإنسان، صاحب القدرة بالذات أما غير صاحب القدرة وغير المتمكن يُعذر، لكن المتمكن يبقى الأفضل له أن يكون عصامياً بنفسه، وأن يكسب كسبه بيده، وهذا الذي فعله عبد الرحمن بن عوف -وهو التاجر الماهر- من الذهاب إلى السوق والكسب الحلال، وما فتح الله عليه أفضل من أن يكون عالة أو عبئاً على أخيه الأنصاري. بعد معركة بدر وزعت الغنائم وصار هناك شيء من الاكتفاء بالغنائم عند المهاجرين؛ لأن كثيراً من الذين خرجوا فيها من المهاجرين، وصار هناك شيء من الاكتفاء، فأُبطل نظام التوارث بين المتآخيين، بقوله تعالى: ((وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ)) لكن نسخ هذه الآية ليس نسخاً للمؤاخاة، وإنما نسخ للتوارث فقط، فقد بقيت المؤاخاة بالنصرة والرفادة والنصيحة، وبقيت العلاقة موجودة بينهم. ولذلك فإن التعاون والتناصح مستمر، ووردت أخبار تفيد التآخي بين أبي الدرداء وسلمان الفارسي ﵄، مع أن سلمان أسلم بين أحد والخندق، ومع ذلك المؤاخاة استمرت بدون توارث، وكان سلمان له ملاحظات على أبي الدرداء صائبة أسداها له، وكان فيها خير عظيم على أم الدرداء وعلى بيت أبي الدرداء وعلى أبي الدرداء، وهذه لما بين له حقوق الضيف وحقوق النفس وحقوق الزوجة، وكان هذا التآخي ينبع منه تقديم النصيحة، وهذه مسألة في غاية الأهمية، أن التآخي بين المسلمين ليس كلمة، وإنما هو شيء له واجبات ومتطلبات، ومنها بذل النصيحة، وتسديد وإصلاح شأن أخيه وحاله.

стр. 1057

عقيدة الولاء والبراء عند الصحابة وكذلك فإن العقيدة هي الآصرة التي كانت تربط بين هؤلاء، وهذه القضية في غاية الأهمية، وهذا التآخي معبر عن اللحمة التي كانت هي نسيج المجتمع المسلم، وهي رابطة العقيدة، وأنها أقوى من رابطة القربى والدم والانتماء إلى أصل عرقي أو قبيلة من القبائل، ولذلك فإن المجتمع كله قد انصهر في هذه البوتقة -بوتقة العقيدة- وحصل نسيج واحد فيه تآلف وانسجام، وكان سبباً وعاملاً مهماً من عوامل النصر على الكفار. أبو عبيدة لما رأى أباه يقاتل في صف المشركين في بدر قصده فقتله، ورأى أبو حذيفة أباه المشرك وهو يسحب ليرمى في القليب بـ بدر دون أن ينكر قلبه ذلك. وأما مصعب بن عمير فإنه رأى أخاه أبا عزيز بن عمير، وكان أبو عزيز مشركاً خرج مع المشركين وأسر في المعركة، فـ مصعب يقول للأنصاري الذي أسر أبا عزيز بن عمير: اشدد يدك عليه، فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه منك. أي: إن له أماً تدفع، وهذا مع أنها أمه، وهذا المأسور أخوه، ولكنه مع ذلك يقول لأخيه الأنصاري المسلم: اشدد يدك عليه، واطلب الفدية العالية فإن له أماً تدفع. وأبو عزيز كان صاحب لواء المشركين بـ بدر، فـ مصعب يقول هذا الكلام، فقال له أبو عزيز: يا أخي! أهذه وصايتك بي؟ فقال له مصعب: إنه أخي دونك. الأنصاري أخي دونك، أنت ليس بيني وبينك صلة. ولذلك فإن المنافقين حاولوا بشتى الوسائل أن يفصموا هذه العرى التي حصلت بين المهاجرين والأنصار، ولذلك كانت خطوة عبد الله بن أبي المنافق خبيثة للغاية جداً، حيث إنه لما سمع أن النزاع حصل بين المهاجرين والأنصار استغل الفرصة مباشرة، وقال: لقد كاثرونا في الأموال وفعلوا وفعلوا، إنما مثلنا ومثلهم كمثل القائل الأول لما قال: سمن كلبك يأكلك. صرفنا عليهم فلما تقووا قاموا يتحدوننا، وأوشك بسببه أن تحدث فتنة بين المهاجرين والأنصار، ولكن الله سلَّم. وولد عبد الله بن أبي اسمه عبد الله أيضاً، وهو الذي بلغت به العزة الإسلامية أن يقف على باب المدينة ويمنع أباه من الدخول، قائلاً له: [والله لا تنقلب حتى تقر أنك الذليل ورسول الله ﷺ العزيز]؛ لأن عبد الله بن أبي بن سلول هذا المنافق، قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، وولده مسلم سمع الكلام فسبقه إلى المدينة، ووقف على الباب ومنع أباه من الدخول، حتى يعترف أنه هو الذليل والنبي ﵊ هو العزيز، وهذا واضح جداً في الدلالة على قوة العقيدة، وأن الإنسان كان يفاصل أباه وأخاه وأهله وعشيرته في سبيل الدين، ما انتصروا إلا بذلك، لم يكن هناك مجاملات على حساب العقيدة. نوح ﵇ لما نادى ربه قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود:٤٥]، فقال الله: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود:٤٦] فالاعتبار برابطة العقيدة، وليس بالأبوة ولا بالقبيلة، ما انتصر المسلمون الأوائل إلا بعدما تخلصوا من هذه الأشياء، من الرواسب الجاهلية، أو التعصب للقبيلة، أو التعصب للبلد والعلاقة العائلية، فكان تعصبهم إنما هو لله ورسوله، وقطعت الوشائج والعلاقات ولم يبق إلا علاقة الدين، ورابطة العقيدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٣ - ٢٤]. وقد فارق الصحابة الأهل والأموال والمساكن وهاجروا إلى الله ورسوله، فقام المجتمع قياماً صحيحاً مبنياً على العقيدة والولاء لله والرسول، والعلاقات أخوة بين المؤمنين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] وكانت المحبة هي أساس هذه الأخوة، وتمثل في ذلك المجتمع حديث النبي ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه). ولذلك لم يكن يبيت الواحد شبعان وأخوه المسلم جائع، لم يحصل ذلك، ولذلك كانوا يؤثرون على أنفسهم، ويعطي الواحد منهم أخاه عشاءه وعشاء أولاده، ويبقى هو وزوجته وأولاده جياعاً، بهذه الصورة قام المجتمع الإسلامي.

стр. 1058

إنفاق الصحابة أحب أموالهم في سبيل الله وكان أبو طلحة الأنصاري أكثر أهل المدينة نخلاً، وأحب أمواله إليه بير حاء، وكانت أمام المسجد، والنبي ﵊ كان يدخلها ليشرب من ماء فيها طيب، فلما نزل قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] تفاعلت نفس الصحابي معها مباشرة، فجاء أبو طلحة إلى النبي ﵊ يقول: (يا رسول الله! إن الله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] وإن أحب أموالي إليّ بير حاء -هذه أنفس شيء عندي- وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها -يا رسول الله- حيث أراك الله، فقال رسول الله ﷺ : ذاك مال رائح) أي: أجرها يروح ويغدو عليك، وفي رواية: (هذا مال رابح) ربح هذا الاستثمار. وأشار عليه ﷺ أن يقسمها بين الأقربين. وقام بعد ذلك المهاجرون الذين اغتنوا بتوزيع الصدقات وكفالة المحتاجين، وقام عثمان ﵁ بالتصدق بقافلة ضخمة، كما جهز جيش العسرة، وفي عهد الصديق حصل شيء من الضائقة بـ المدينة، والناس ينتظرون المؤن، حتى التجار ليس عندهم سلع، فقدمت قافلة ضخمة لـ عثمان، توافق قدومها مع وقت الضائقة، وهي ألف بعير محملة بالبر والزيت والزبيب، فتوافد التجار على عثمان كل منهم يعرض عليه الواحد باثنين والواحد بثلاثة والواحد بخمسة، وهو يقول: أعطيت أكثر من ذلك، أعطيت أكثر من ذلك، أعطيت أكثر من ذلك، فقالوا: ومن الذي أعطاك، وما سبقنا إليك أحد، ونحن تجار المدينة؟ قال: إن الله أعطاني عشرة أمثالها، ثم قسمها بين فقراء المسلمين كلها، مع أنه كان مستطيعاً أن يبيعها في وقت الحاجة والسوق يتطلب، بأضعاف مضاعفة، ومع ذلك جاد بها لله جل وعلا. عندما يحس الشخص في المجتمع أن عنده مسئولية تجاه جميع أفراد المجتمع، لدرجة أنه يمكن أن يفوته مكسب عظيم جداً من أجل إخوانه المسلمين في البلد، ويتصدق على كل الفقراء بقافلة هي ألف بعير، معناها أن مجتمعاً مثل هذا المجتمع لا يمكن أن ينهزم، ولذلك فتحوا الروم والفرس، وفتحوا أقوى بلاد العالم، وسقطت أقوى دولتين في العالم الفرس والروم بأيدي هؤلاء القوم، ولذلك نصرهم الله .

стр. 1059

أهل الصفة في المدينة كان من ضمن الأشياء التي حصلت في التكافل في المدينة أهل الصفة، فإن هؤلاء داخلون في عملية التكافل والأخوة، لكن دخولاً من نوع آخر، فقد قدم بعض المهاجرين وتكاثر قدومهم، وكثير منهم كانوا فقراء، مثل قوم أبي هريرة وغيرهم جاءوا فقراء محتاجين، كانوا يأتون أحياناً من قحط وشدة وجهد، وكان ﵊ يرتب حلولاً لذلك، هذه هي الصعوبة، ترتيب الحلول لهؤلاء المحتاجين، ثم ليسوا واحداً أو اثنين، هم عشرات ومئات يأتون ولابد من إيجاد حلول، ولذلك خرجت فكرة الصفة. لما حولت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة بعد ستة عشر شهراً من الهجرة، بقي حائط القبلة الأولى في مؤخرة المسجد النبوي، فأمر النبي ﵊ به فظلل، حائط القبلة القديمة كان جهة بيت المقدس، فظلل أو سقف وأطلق عليه الصفة أو الظلة. وهذا الصُفة صارت مخصصة للضيوف القادمين الذين لا مأوى لهم، وكانت تتسع لعدد لا بأس به، حتى إنه حضرها مرة ثلاثمائة شخص في وليمة، وأول من نزل الصفة هم المهاجرون، ولذلك نسبت إليهم، فقيل: صفة المهاجرين، وكذلك كان ينزل بها الغرباء من الوفود الذين كانوا يقدمون على النبي ﷺ معلنين إسلامهم وطاعتهم، وكان إذا جاء الواحد ولم يجد أحداً ينزل عنده ينزل مع أصحاب الصفة، وكان من ضمن أصحاب الصفة أبو هريرة ﵁. فأولاً نزل المهاجرون والغرباء، وكان بعض الأنصار بالرغم من أن لهم بيوتاً -مثل كعب بن مالك الأنصاري- يتركون بيوتهم وأهليهم ويبيتون مع أهل الصفة من باب المشاركة الوجدانية والشعور والإحساس، فهو يترك بيته وينزل بينهم. وكان يؤتى بالقنو من التمر يعلق على حبل في المسجد لأهل الصفة، كل واحد عنده طعام زائد يأتي به إلى أهل الصفة، وكل واحد عنده تمر أو رطب أو شيء يأتي به إلى أهل الصفة، كانوا أخلاطاً من القبائل، وكانوا يزيدون إذا قدمت الوفود إلى المدينة، وكان ربما يصل عددهم إلى سبعين أو ثمانين أكثر أو أقل وهكذا. وكان هؤلاء عندهم فرصة للتفرغ للعلم والعبادة، حيث إن معيشتهم في المسجد، وكانوا في خلوتهم يصلون ويقرءون القرآن، ويتدارسون آيات الله تعالى، ويتعلم بعضهم الكتابة، واشتهر بعضهم بالعلم مثل أبي هريرة، فـ أبو هريرة هو ناتج من نتاج الصفة؛ لأنه ما كان عنده أهل أو أولاد أو بيت أو شغل أبداً، نازل في الصفة يصحب النبي ﵊ على شبع بطنه فقط، ولكن همته ونهمته سماع الأحاديث، ولذلك صار هو أكثر صحابي روى أحاديث، مع أنه جاء في العام الثامن للهجرة، ومع ذلك له مرويات تقدر بخمسة آلاف حديث.

стр. 1060

أهل الصفة رهبان بالليل فرسان بالنهار ومن أهل الصُفة من كانوا رءوس المجاهدين، ومنهم الشهداء مثل خريم بن فاتك الأسدي، وصفوان بن بيضاء، وحارثة بن النعمان الأنصاري، ومنهم من استشهد بـ أحد مثل حنظلة الغسيل، ومنهم من استشهد بـ الحديبية مثل: أبي سريحة الغفاري، ومنهم من استشهد بـ تبوك مثل: ذي البجادين، ومنهم من استشهد بـ اليمامة بعد ذلك مثل سالم مولى أبي حذيفة، وزيد بن الخطاب، فهؤلاء كانوا رهباناً بالليل وفرساناً بالنهار، وهؤلاء كانوا فقراء، وليس عندهم أردية، وربما لا يكون لأحدهم ثوبٌ تام، فيربطون في أعناقهم الأكسية أو البرد ويأتزرون بالأزر أو الكساء، فمنهم من يبلغ إزاره نصف الساق، وأحياناً قد لا يبلغ الركبتين، ولذلك كانوا يخجلون الظهور بملابسهم أحياناً، وتتسخ ملابسهم، ويتعرضون للغبار، ومع ذلك يصبرون لله تعالى.

стр. 1061

اهتمام النبي ﷺ بأهل الصفة كان جل طعام أهل الصفة من التمر، حتى إنهم ربما اشتكوا أنه أحرق بطونهم، ولكن النبي ﷺ لم يكن ليستطيع أن يوفر لهم أكثر من ذلك، فصبرهم وواساهم، وكان كثيراً ما يدعوهم إلى طعام في بيته، إذا جاءه طعام دعا أهل الصفة. وقد جيء النبي ﷺ مرة بإناء من لبن، فقال لـ أبي هريرة: ادع أهل الصفة. فشربوا منه كلهم بمعجزة عجيبة حصلت للنبي ﷺ ، وكان يطعمهم مما يأتيه، فمرة (حيس) وهو الطعام المطبوخ من التمر والدقيق والسمن، وجاءه مرة طعام مصنوع من شعير، وجاءه مرة شيء من اللحم، فكان يعطيهم ويقول لهم: (والذي نفس محمد بيده، ما أمسى في آل محمد طعام ليس شيئاً ترونه)، لا نخفي عنكم شيئاً. وكان أبو هريرة ﵁ يصاب بالجوع الشديد، حتى إنه ربما كان يخر في الصلاة ويغشى عليه من الجوع، حتى يقول بعض الأعراب: إن هذا مجنون، وكان يصرع بين المنبر وحجرة عائشة لما به من الجوع، والناس يظنون أن به جناً، ولكن قلة الطعام هو السبب في خروره والغشيان عليه، وكان ربما لا يأكل الواحد منهم إلا التمرة أو التمرتين، ومع ذلك قنعوا بالقليل من الطعام والخشن من الثياب، وعافت نفوسهم النعيم، لأجل الزهد والعبادة وطلب العلم ونصرة الله ورسوله، والخروج في جيوش الفتوح، والجهاد في سبيل الله تعالى. وكان ﷺ يقدر لهم هذه المواقف، فكان يزورهم ويتفقد أحوالهم ويكثر من مجالستهم، ويرشدهم ويوجههم إلى قراءة القرآن ومدارسته، وإذا جاءته صدقة سارع بإرسالها إليهم، وكذلك فإنه ﵊ جاءته فاطمة فطلبته خادماً، فزار علياً وفاطمة في بيتهما، فوجدهما قد اضطجعا على فراشهما، فجلس بينهما وقال: (ألا أدلكما على شيء خير لكما من خادم؟ قالا: بلى يا رسول الله! فقال: إذا أخذتما مضاجعكما فسبحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبرا أربعاً وثلاثين)، وقال لصهره وبنته: (لا أعطيكم وأدع أهل الصفة تلوى بطونهم من الجوع). وكان ﵊ يحث الصحابة على الاعتناء بهم، فكان يقول: (من كان له طعام اثنين فليذهب بثالث -أي: من أهل الصفة- وإن أربعة فخامس أو سادس) فيمر أي صحابي عنده طعام فيأخذ واحداً من أهل الصفة يتعشى عنده، وآخر يمر ويأخذ واحداً آخر وهكذا، وكانوا يجيئون لهم بالماء ويضعونه بالمسجد، وبعض الصحابة من الأنصار ما عنده مال، فكان يذهب يحتطب ويبيع الحطب ويعطي ثمنه لأهل الصفة.

стр. 1062

اهتمام الصحابة بأهل الصفة واقترح محمد بن مسلمة الأنصاري أن يخرج كل واحد من أصحاب البساتين حين ينضج التمر قنواً -العذق بما فيه من الرطب- ويضعه لهم في المسجد، وكان معاذ هو الذي يحرس هذه الأقناء، وقيل: إنه نزلت فيهم آيات مثل قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٧٣] وهؤلاء هم الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي. فهذه صورة من الصور التي كانت في المجتمع المدني، تعبر لنا عن قضية التآخي الذي حصل بين المهاجرين والأنصار، واعتناء المجتمع بالفقراء من أهل الصفة، وهذه الصور هي درس بليغ جداً لكل مسلم يريد أن يطبق معاني الأخوة في نفسه، ويحس بإحساس إخوانه الآخرين، ويحرص على الجود بما يوجد عنده لإخوانه، وهذا من المعاني المفقودة أو النادرة مع الأسف بيننا، حتى إن الواحد لا يدري بحاجة الآخر، ولا يدري أصلاً أنه محتاج أو أنه جائع أو عليه ديون أو لا يجد مالاً ونحو ذلك، ولذلك ترى واقعنا من سيئ إلى أسوأ، وواقع الصحابة كان من نصر إلى فتح، وفتح مبين. نسأل الله أن يجعل فيما ذكر دافعاً لنا لمزيد من تقديم العون لإخواننا، والشعور بشعورهم، وتطبيق مبدأ الأخوة الحقيقية، وتقديم آصرة العقيدة على كل الأواصر، وأن يكون المسلم الحقيقي ولو كان فقيراً ووضيعاً في النسب، يكون هو من أقرب الناس إلينا، وأقرب من إخواننا وآبائنا إذا كانوا هم أبعد عن الدين منه. والحمد لله رب العالمين.

стр. 1063

الأسئلة

стр. 1064

حكم إعطاء الزكاة بصورة هدية السؤال عندي زكاة مال، فهل يجوز أن تعطى للأخ أو لأحد الأقارب في صورة هدية؟ الجواب يمكن أن تعطيها له ولا يشترط أن تقول له أنها زكاة، لكن لا تكذب، إنما أعطه إياها ولا يشترط أن تخبره أنها زكاة، فتستطيع أن تقول: هذه من الله خذها، أو هذه لك مثلاً.

стр. 1065

الذي يفقد التمييز يسقط عنه التكليف السؤال والدي أصيب بجلطة في الدماغ مؤخراً تسببت في عدم تحكمه في البول ونوع من التخريف، وقد صام الأيام السابقة من هذا الشهر بدون تعب أو مشقة لكن بدون صلاة، فهل يستمر أم نخرج عنه طعام مسكين؟ الجواب إذا فقد التمييز ووصل حد الخرف، سقطت عنه الصلاة والصيام، وسقط عنه التكليف بالكلية، وعند ذلك لا قضاء عليه ولا كفارة، ولا شيء عليكم؛ لأنه ليس مكلفاً، أما لو كان يعقل فيؤمر بالصلاة وبالصيام ولابد.

стр. 1066

حكم صلة الأرحام غير المحارم السؤال هل تجب صلة الرحم عليّ لقريبة لي تعيش في مكان بعيد بزيارة زوجها والسلام عليه؟ الجواب نعم. على قدر المستطاع، وصلة المحارم غير صلة غير المحارم، فهي تختلف لأجل الحرية في الحديث والكلام معها، فكلما كانت أقرب كلما كانت الصلة أشد.

стр. 1067

حكم رفع الصوت عند القنوت بالدعاء السؤال ما حكم رفع الصوت عند القنوت بالدعاء؟ الجواب لا ينبغي ذلك.

стр. 1068

حكم مراجعة المرأة للطبيب السؤال هل يجوز للمرأة مراجعة الطبيب في قسم النساء في وجود ممرضة؟ الجواب إذا وجدت المرأة التي تفي بالحاجة فلا يجوز للمرأة المسلمة أن يكشف عليها الرجل، ولذلك ذكر العلماء الترتيب، أولاً: الطبيبة المسلمة، ثانياً: الطبيبة الكافرة، ثالثاً: الطبيب المسلم، رابعاً: الطبيب الكافر، فالطبيبة الكافرة تقدم على الطبيب المسلم، لأجل قضية الكشف على العورات.

стр. 1069

حكم الاستمتاع بالزوجة في نهار رمضان السؤال ما حكم استمتاع الرجل بزوجته في نهار رمضان؟ الجواب إذا كان يملك نفسه فنعم، وإذا كان لا يملك نفسه فلا يجوز له ذلك؛ لأنه ذريعة إلى إفساد الصوم، وكل ما كان وسيلة إلى حرام فهو حرام، ولاشك أن إفساد الصوم حرام، فكل وسيلة تؤدي إليه فهي حرام، وأما المذي فإنه لا يفسد الصوم على الراجح، ولكن لا يجوز له أن يأتي بشيء يسبب خروجه.

стр. 1070

حكم التقبيل في الخد من غير الزوج السؤال أنا امرأة متزوجة، أذهب لزيارة أخوالي في جدة ويتم السلام عليّ، فما حكم التقبيل على الخد مع المصافحة، وهذا يغضب الزوج؟ الجواب هذا يغضب الزوج إذاً لا تفعله، ثم إن هذا التقبيل منهي عنه لقول رسول الله ﷺ : (الرجل منا يلقى أخاه أيقبله؟ قال: لا. يعانقه؟ قال: لا. يصافحه؟ قال: نعم)، فالمعانقة وردت في القدوم من السفر، أما التقبيل لا، إلا تقبيل الأب لابنته والبنت لأبيها مثلاً، أو الرجل لأمه وهي تقبله أو لجدته، ويمكن أن يكون التقبيل على الرأس مثلاً، وأما الفم فإنه للزوج خاصة.

стр. 1071

حكم الجمعية المعمولة بين عدة أشخاص يأخذها كل مرة شخص السؤال الجمعية المعمولة بين عدد من الأشخاص كل مرة يأخذها واحد، ما حكمها؟ الجواب الراجح جوازها إن شاء الله.

стр. 1072

حكم تأخير قضاء أيام من رمضان السؤال أهملت بعض الأيام في خمس رمضانات، فما حكم ذلك؟ الجواب عليك بالقضاء، وإطعام مسكين عن كل يوم كفارة للتأخير.

стр. 1073

الجمع بين قوله تعالى: (أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً) وبين قول رسول الله: (لا هجرة بعد الفتح) السؤال كيف يمكن الجمع بين قوله تعالى: ﴿أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً﴾ [النساء:٩٧] و (لا هجرة بعد الفتح)؟ الجواب ( لا هجرة بعد الفتح) من مكة إلى المدينة، ولكن الهجرة مستمرة إلى قيام الساعة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام عند القدرة.

стр. 1074

وقت التأمين للمأموم السؤال متى يشرع التأمين للمأموم؟ الجواب إذا وصل الإمام إلى موضع التأمين وشرع يشرع المأموم.

стр. 1075

وجوب الزكاة في عروض التجارة السؤال أسقط بعض المصنفين في الزكاة كتاب عروض التجارة. الجواب هذا رأي ذهب إليه ابن حزم ﵀ وتبعه بعض أهل العلم، ومن المعاصرين العلامة محمد ناصر الدين الألباني، ولكن الراجح هو وجوب الزكاة في عروض التجارة ولاشك.

стр. 1076

حكم تعويد الطفل على الصيام إلى وقت الظهر أو العصر السؤال ما حكم تعويد الطفل على الصيام فيفطر وقت أذان الظهر أو أذان العصر؟ الجواب إذا كان غير قادر على إتمام اليوم، فيؤمر بأن يصوم بين الصلوات.

стр. 1077

إخراج الزكاة من مدينة لأخرى السؤال هل يجوز إخراج الزكاة من مدينة إلى أخرى؟ الجواب نعم. إذا وجدت حاجة كفقر قريب أو شدة.

стр. 1078

حكم الزكاة على المنزل المعد للسكن السؤال هل هناك زكاة تجب على المنزل الذي أسكنه؟ الجواب لا.

стр. 1079

بركة المرأة التي أسلمت ذكر الشيخ المرأة التي أسلمت كما جاء في صحيح البخاري، كتاب التيمم، باب: الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه عن الماء. ثم ذكر الفوائد من هذا الحديث العظيم. ثم ذكر الحكمة من نومه ﵊، واهتمام الصحابة بالصلاة وعظم مصيبة فواتها عليهم، وذكر سبب ارتحال النبي ﷺ من ذلك المكان إلى مكان آخر، وغيرها من الفوائد العظيمة، وفي الأخير تكلم عن دور المرأة المسلمة في الإصلاح.

стр. 1080

نص حديث بركة المرأة التي أسلمت الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: في كتاب التيمم، باب: الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء. في هذه القصة من الفوائد العديدة والأحكام الكثيرة ما تقر به عين المؤمن، وما ينتفع به طالب العلم، وما يكون فيه فائدة في حياة الإنسان المسلم، وفيها بيانُ بعض ما يحتاج إليه الناس في أمور العبادات. وهذه القصة رواها أبو رجاء، عن عمران ﵁ قال: (كنا في سفرٍ مع النبي ﷺ ، وإنا أسرينا -أي: سرنا في الليل- حتى إذا كنا في آخر الليل وقعنا وقعةً -أي: نمنا نومة- ولا وقعة أحلى عند المسافر منها، فما أيقظنا إلا حرُّ الشمس، وكان أول من استيقظ فلان وفي رواية: أبو بكر، ثم فلانٌ، ثم فلانٌ، يسميهم أبو رجاء، فنسي عوف -الراوي عن أبي رجاء -ثم عمر بن الخطاب الرابع، وكان النبي ﷺ إذا نام لم يوقظ حتى يكون هو يستيقظ، لأنا لا ندري ما يحدث له في نومه -لأن نوم الأنبياء وحي، فخاف الصحابة أن يوقظوه فينقطع الوحي، لأنه ربما يكون يرى وحياً- لأنا لا ندري ماذا يحدث له في نومه، فقعد أبو بكر عند رأسه، فجعل يكبر ويرفع صوته فلما استيقظ عمر، ورأى ما أصاب الناس -أي: أنه قد فاتت صلاة الفجر على الجيش بأكمله- وكان رجلاً جليداً -والجلادة هي القوة والصلابة- فكبر ورفع صوته بالتكبير، فما زال يكبرُ ويرفع صوته بالتكبير حتى استيقظ بصوته النبي ﷺ ، فلما استيقظ شكوا إليه الذي أصابهم، قال: لا ضير -أو: لا يضير- ارتحلوا. فارتحل، فسار غير بعيدٍ، ثم نزل فدعا بالوضوء فتوضأ، ونودي بالصلاة -الأذان- فصلى بالناس -صلاة الفجر بعد طلوع الشمس- فلما انفتل من صلاته إذا هو برجلٍ معتزلٍ لم يصلِّ مع القوم -قيل: هو خلاد بن رافع ﵁ قال: ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟! قال: أصابتني جنابةٌ ولا ماء. قال: عليك بالصعيد -أي: الزم الصعيد وتيمم به، والصعيد هو التراب، أو سطح الأرض مطلقاً- فإنه يكفيك. ثم سار النبي ﷺ ، وجعلني رسول الله ﷺ في ركوبٍ بين يديه فاشتكى إليه الناس من العطش، فنزل فدعا فلاناً كان يسميه أبو رجاءٍ نسيه عوفٌ -وهو الرواي عن أبي رجاء - ودعا علياً فقال: اذهبا فابتغيا الماء. فانطلقا، فتلقيا امرأةً سادلةً رجليها بين مزادتين أو سطيحتين من ماءٍ على بعيرٍ لها -ذهبا يبحثان عن الماء فوجدا امرأةً راكبة قد أسدلت رجليها وبينهما مزادتان، والمزادة: هي القربة الكبيرة، سميت مزادة لأنه يزاد فيها جلدٌ آخر من غيرها، وتسمى أيضاً سطيحة، وهي القربة الكبيرة. فقالا لها: أين الماء؟ -أين موضع الماء من عينٍ أو بئرٍ؟ - قالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة -تقول المرأة: تركتُ الماء منذُ أمس، وهو اليوم الذي قبل يومك تسميه العرب أمس، في مثل هذه الساعة، والمعنى أن الماء يبعد مسافة أربع وعشرين ساعة، وفي رواية: يومٌ وليلة، ونفرنا خلوفاً. أي: رجالنا متخلفون لطلب الماء، وذهبوا وخلفوا نساءهم، وحدهن في الحي، تخبر عن حال قومها، أنهم نفروا في طلب الماء وتركوا أهلهم، وقومها من المشركين- قالا لها: انطلقي إذاً- مادام أنه لا يوجد ماء، وليس الماء إلا معها، فانطلقي إذاً- قالت: إلى أين؟ قالا: إلى رسول الله ﷺ . قالت: الذي يقال له: الصابئ؟ والصابئ: هو الذي خرج من دينٍ إلى آخر، وكانت المرأة مشركة، فقالت لما قالوا لها: إلى رسول الله ﷺ ، قالت: الذي يقال له الصابئ؟ - قالا: هو الذي تعنين -وهذه عبارة فيها حكمة بالغة، ما قالوا: نعم، ولكن قالوا: هو الذي تعنين- فانطلقي، فجاءا بها إلى النبي ﷺ وحدثاه الحديث، وفي رواية أنها قالت: وما رسول الله؟ فلم نملكها من أمرها شيئاً حتى استقبلنا بها النبي ﷺ ، وحدثاه الحديث -قال: فاستنزلوها عن بعيرها- فحدثته بمثل الذي حدثتنا من قضية الماء ورجال الحي، غير أنها حدثته أنها مؤتمةٌ -أي: ذات أيتام، هذا التفصيل الجديد- فمسح في العزلاوين -أي: العجلاوان: مثنى عزلى، والعزلى: فم المزادة الأسفل- ودعا النبي ﷺ بإناءٍ ففرَّغ فيه من أفواهِ المزادتين أو السطيحتين، وأوكأ أفواههما -أي: ربطَ أفواههما- وأطلق العزالي -جمع عزلاء، وهي فم المزادة الأسفل الذي يخرج منه الماء بكثرة، فهو فرغ من أفواه المزادتين في إناء، ثم أغلق الأفواه- ونودي في الناس: اسقوا واستقوا -الذي يريد ماء يأخذ من هذا الإناء- فسقى من شاء واستقى من شاء- وفي رواية: فشربنا عطاشاً أربعين رجلاً حتى روينا، فملأنا كل قربةٍ معنا وإداوة، غير أنه لم نسقِ بعيراً -وكان آخر ذلك أن أعطى الذي أصابته الجنابه إناءً من ماء، وقال: اذهب فأفرغه عليك، وهي قائمةٌ تنظر إلى ما يفعل بمائها- والمرأة قائمة مذهولة تنظر إلى ما يفعل بمائها- وايم الله -يحلف الراوي- لقد أقلع عنها -أي: كف عنها وتركت- وإنه ليخيل إلينا أنها أشدُّ ملاةً منها حين ابتدأ فيها -يخيل إلينا أن هاتين المزادتين مع المرأة أشد امتلاءً مما كانت في البداية- وفي رواية: وهي تكاد تنض من الملء -أي: تنشق ويخرج منها الماء من شدة الامتلاء- فقال النبي ﷺ : اجمعوا لها -مقابل الماء الذي أخذوه- فجمعوا لها من بين عجوةٍ ودقيقٍ وسويقةٍ -وهو طحين الحنطة والشعير وغيرهما- حتى جمعوا لها طعاماً -من الذي مع أفراد الجيش- فجعلوها في ثوب وحملوها على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها، ثم قال لها: تعلمين ما رزئنا من مائِك شيئاً -أنت ترين بعينك أننا ما أنقصنا من مائك شيئاً- ولكن الله هو الذي أسقانا، فأتت أهلها -الحي الذي خرجت منه- وقد احتبست عنهم -تأخرت عنهم- قالوا: ما حبسكِ يا فلانة؟ قالت: العجب! لقيني رجلان فذهبا بي إلى هذا الذي يقال له: الصابئ، ففعل كذا وكذا، فوالله إنه لأسحر الناس من بين هذه وهذه، وقالت بإصبعها الوسطى والسبابة فرفعتها إلى السماء تعني: السماء والأرض، أو إنه لرسول الله حقاً -الاحتمال الثاني: أنه رسول الله حقاً كما زعموا؛ لأنهم قالوا: انطلقي إلى رسول الله ﷺ فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون على من حولها من المشركين -في الجهاد- ولا يصيبون الصِّرْمَ الذي هي منه -والصرم: هي البيوت المجتمعة المنقطعة عن غيرها، يغيرون على ما حول قوم هذه المرأة ولا يصيبون قومها- فقالت يوماً لقومها: ما أرى إنَّ هؤلاء القوم يدعونكم عمداً -أي: ليسوا بغافلين عنكم- فهل لكم في الإسلام؟ فأطاعوها، فدخلوا في الإسلام، وفي الرواية الأخرى: فأسلمت وأسلموا).

стр. 1081

فوائد منتقاة من حديث بركة المرأة المسلمة التي أسلمت هذا الحديث الذي رواه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- فيه فوائد كثيرةٌ جداً، وهو حديثٌ عظيم، من أعلام نبوة النبي ﷺ ، وفيه من المعجزات العظيمة التي أجراها الله تعالى على يديه، وفيه فوائد متعددة، فلنشرع في ذكر بعض هذه الفوائد، وما يؤخذ من هذا الحديث من الأحكام.

стр. 1082

ترجمة راوي الحديث عمران بن حصين راوي هذا الحديث هو عمران بن حصين الخزاعي قاضي البصرة، الذي كان من فضلاء الصحابة وفقهائهم، الذي ثبت أن الملائكة كانت تكلمه كرامةً له، والذي قال عنه أهل البصرة: إنه كان يرى الحفظة، وكانت تكلمه حتى اكتوى -أي: استعمل الكي- فلما استعمل الكي لم تكلمه الملائكة، وتوفي سنة (٥٢هـ) وله في البخاري اثنا عشر حديثاً.

стр. 1083

الثقة بالنفس والثقة بالله يقول ﵁: كنا في سفر -إما خيبر أو الحديبية - مع النبي ﷺ ، وذكر قصة أنهم سروا بالليل، ثم وقعوا نياماً، وأن الوقعة كانت في آخر الليل، ولذلك قال الرواي: ولا وقعة أحلى عند المسافر منها، وقد جاء في البخاري من حديث أبي قتادة ذكر سبب نزولهم في آخر الليل، وهي أن بعض القوم سألوا ذلك، وقد قال لهم النبي ﷺ : (أخافُ أن تناموا عن الصلاة) فقال بلال: أنا أوقظهم. تكفل بلال بإيقاظهم، فهذه إذاً تتمة القصة: أن بعض القوم تعبوا في الطريق، فسألوا النبي ﷺ أن ينزلوا، فقال لهم النبي ﷺ : (أخشى عليكم أن تناموا عن صلاة الفجر) ولم يرض بالنوم حتى تكفل بلال بإيقاظهم، وهذا قد جاء في حديث أبي قتادة، ولفظه: (سرنا مع النبي ﷺ ليلةً، فقال بعض القوم: لو عرست بنا يا رسول الله -أي: لو نزلنا آخر الليل نستريح- قال: أخاف أن تناموا عن الصلاة، فيخرج وقت صلاة الفجر ولم نستيقظ، فقال بلال متبرعاً، وهو مؤذن القوم: أنا أوقظكم) ظناً منه أنه سيكون على حسب المعتاد، فإن من عادته الاستيقاظ لأجل الأذان، وكان بلال متعوداً على الاستيقاظ قبل الأذان، فاضطجعوا وأسند بلال ظهره إلى راحلته، فغلبته عيناه فنام، ألقى الله عليه النوم لحكمة بالغة؛ لتتبين أحكام في قضاء الصلاة، وماذا يفعل إذا استيقظ بعد طلوع الشمس (فغلبته عيناه فنام، فاستيقظ النبي ﷺ وقد طلع حاجب الشمس، فقال: يا بلال! أين ما قلت؟؟) أين الوفاء بقولك: أنا أوقظكم وهذا فيه لفتةٌ تربويةٌ بالغة من النبي ﷺ ، ينبه بلالاً فيها على اجتناب الثقة بالنفس وحسن الظن بها أين الوفاء بالذي وعدت أنك توقظنا للصلاة؟ أنت وعدتنا ولم تفِ، كأنه يقول: أنت وثقت بنفسك أكثر مما ينبغي، لأن المظنة أنك لن تقوم، ما دمت مسافراً ومتعباً ونزلت في آخر الليل؛ فكان ينبغي أن تراعي أنك ربما لن تقوم لأجل هذه العوامل. وفيه بيان فائدة عظيمة وهي: أن الإنسان لا يصلح أن يثق بنفسه، ومن العبارات الشائعة عند بعض الناس: تجب الثقة بالنفس، وهذه العبارة غلط، ولذلك يقول الشيخ محمد بن إبراهيم في فتاويه، وقد سئل عن قولهم: تجب الثقة بالنفس؟ فقال: لا تجب، بل لا تجوز الثقة بالنفس، وإنما الثقة بالله ، ولذلك كان النبي ﷺ يستعيذ بالله أن يكله إلى نفسه طرفة عين؛ لأن الإنسان إذا توكل على نفسه ضاع، لكن إذا توكل على الله استقام أمره، ولذلك بعض الأحيان تجد الشخص يقول: أنا مستعد أفعل كذا، وأنا مستعد أنجز كذا، وأنا مستعد أتكفل بهذا الأمر، وأنا واثق من نفسي، فتراه في كثيرٍ من الأحيان يخذل، يخذله الله بسبب اتكاله على نفسه وثقته بها، أو نسيان الله وعدم الثقة به، نسي أن يتوكل على الله أو أن يفوض الأمر إليه، وإنما اعتمد على نفسه واتكل عليها، فوكل إليها؛ فضاع، ولذلك نبه ﵊ إلى هذه المسألة: ألا يتكل الإنسان على نفسه، وأن الشخص إذا كانت العوامل لا تساعده على النتيجة المطلوبة فلا يتبرع بشيءٍ يغلب على الظن أنه لا ينجزه أو لا يفعله، وإنما يقدر الموقف.

стр. 1084

اهتمام النبي ﷺ بصلاة الفجر وفيه كذلك: اهتمام النبي ﷺ البالغ بصلاة الفجر فإنه أبى في البداية أن ينزل الجيش، وأبى أن ينام في هذا الوقت، وقال لهم: (أخافُ أن تناموا عن الصلاة) ولم يرضَ إلا بعد أن تكفل بلال بأن يحرسهم لأجل الإيقاظ لصلاة الفجر. وفيه: أن القوم إذا نزلوا منزلاً يجعلون لهم شخصاً إذا ظنوا ألا يستيقظوا، أو كان الوضع حرجاً، مثل أن يكونوا متعبين أو يناموا قبل الفجر بقليل، فلابد أن يجعل لهم من يوقظهم. وفيه: أخذ الاحتياطات للاستيقاظ لصلاة الفجر، لا كما يفعل كثير من الناس اليوم من تضييع الصلاة، وتراهم -الآن- في رمضان ربما يسهرون إلى قرب الفجر، لأن الليل طويل، فيسهرون ثم ينعس فينام، فلا يصلي الفجر جماعةً ولا يصليها في وقتها، فتضيع عليه الصلاة، وبعضهم يهمل في وضع المنبه، وبعضهم يهمل في وصية أهله لإيقاظه، وبعضهم يهمل في النوم مبكراً، وبعضهم يهمل في الأذكار، وبعضهم يهمل في الوضوء قبل النوم، أسبابٌ مجتمعة تؤدي في النهاية إلى عدم الاستيقاظ للصلاة، وربما تعمد بعضهم ألا يضع شيئاً يوقظه، ونصح بعضهم أباً أن يوقظ ولده لصلاة الفجر، فقال: لا توقظه دعه يأخذ راحته، الجسم متى ما انتهت حاجته من النوم فإنه يقوم لوحده! إن كثيراً من الناس لا تنتهي حاجتهم من النوم، فإذاً: يجب أن يستيقظ الإنسان لصلاة الفجر ولو كان على حساب راحته ونومه، يجب الاستيقاظ للصلاة، ووضع بلال حارساً لأجل الاستيقاظ، مثل: وضع كافة الاحتياطات من شخصٍ يوقظك، أو هاتف، أو منبه، أو رش بالماء بأن يوصي زوجته أن ترشه بالماء لأجل الاستيقاظ وذلك لأهمية الصلاة، وكلما كان الإيمان قوياً كلما كانت الاحتياطات المتخذة للاستيقاظ للصلاة قوية، وكلما ضعف ضعفت، وربما أنها لا تكون موجودة أصلاً.

стр. 1085

نوم النبي ﷺ والحكمة منه قال: (فما أيقظنا إلا حر الشمس، واستيقظ أبو بكر، ثم استيقظ فلان وفلان، والرابع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه). الصحابة كانوا لا يريدون إيقاظ النبي ﵊، لأجل أنه ربما يوحى إليه في منامه، فيخافون انقطاع الوحي وانقطاع الفائدة إذا أيقظوه، فتركوه حتى يكون هو الذي يقوم، فـ عمر قدَّر الموقف، رأى ما أصاب الناس من نومهم عن صلاة الصبح، ولا يوجد ماء، وكان عمر رجلاً جلداً جليداً قوياً، ولا شك أن المجتمع المسلم يحتاج إلى أمثال هؤلاء الرجال، وكان رفيع الصوت، يخرج صوته من جوفه بقوة، وهذا من معاني كلمات (جليداً) لأنه ورد في رواية مسلم: (رجلاً جليداً أجوف) أي: يخرج الصوت من جوفه بقوة، (فكبر ورفع صوته بالتكبير) قال العلماء: إن استعماله للتكبير سلك فيه طريق الأدب والجمع بين المصلحتين، إحداهما: الذكر، والأخرى: الاستيقاظ، لأنك يمكن أن توقظ الشخص بأي عبارة، فإذا أوقظته بذكرٍ من الأذكار، تكون قد جمعت بين إيقاظه وبين الذكر، فيكون لك أجران: أجر ذكر الله، وأجر إيقاظه للصلاة. ولذلك كبر وعلا صوته بالتكبير، وخص التكبير لأنه الدعاء إلى الصلاة، لأن أول عبارة في الأذان (الله أكبر) فهو أفضل الدعاء إلى الصلاة، والنبي ﷺ استيقظ. وهنا قد يقول قائل: إننا نعلم أن قلوب الأنبياء لا تنام؛ لأن النبي ﷺ قال: (إن عيني تنامان ولا ينام قلبي) فما باله هنا قد حصل أنه نام عن الصلاة المكتوبة؟ وقد أجاب العلماء بأجوبة، ومنها: أنه كما يعتري الإنسان السهو في اليقظة كما في الصلاة، فكذلك في النوم من باب أولى، قد يحصل له سهو قلبي وهو في المنام، فالنبي ﷺ ما سها في الصلاة وهو مستيقظ، والسهو سهو القلب، وسلم من ركعتين. إذاً: من باب أولى أن يحدث له سهوٌ قلبيٌ في المنام، حتى لو كان قلبه لا ينام، لكنه ليس مبرأ من السهو، فهذا جواب مما قيل عن هذا الأمر. وفي ذلك فائدة: لو استيقظ ﵊ في الوقت وصلوا لما كان هناك بعض الفوائد التي حصلت، ولما عرفناها، فالمجتمع الأول أجرى الله فيه أحداثاً، وقدر فيه أقداراً؛ لتعرف أحكام ما كانت لتعرف لو لم تحصل هذه الأحداث.

стр. 1086

عظم وقع مصيبة فوات الصلاة على الصحابة قوله: (فلما استيقظ النبي ﷺ شكوا إليه الذي أصابهم)، وهذا يبين عظم وقع مصيبة فوات وقت الصلاة على الصحابة، وشدة محافظة القوم عليها، وتحسسهم من فقدها، وتأذيهم من ذلك لدرجة أنهم اعتبروها مشكلة أذية شكوا إليه الذي أصابهم، اعتبروها مصيبة أصابتهم، فشكوا إليه مصيبتهم التي أصابتهم، وما هي المصيبة؟ خروج وقت الصلاة، لا كما هو حالنا اليوم، فربما تفوتنا الصلوات والصلوات ولا يعتري الإنسان وربما لا يحدث له شيئاً، يقوم يصلي وكأنه لم يصبه شيء، لا مصيبة ولا أقل من المصيبة، ولا شك أن فوات العبادة يؤذي النفس المستقيمة، ويجعل الحرج موجوداً فيها، ولذلك النبي ﷺ من شدة ما رأى من وقع المصيبة عليهم وهي فوات صلاة الفجر؛ عزَّاهم وآنسهم، ولما عرض لهم من الأسف والحزن قال: (لا ضير أو لا يضير) قالها تأنيساً لقلوبهم، لا حرج عليكم لأنكم لم تتعمدوا، وهنا يكون الفرق بين من نام عن الصلاة وقد اتخذ الأسباب ففاتته، وبين من نام عن الصلاة مهملاً الأسباب، فالذي ينام عن الصلاة المكتوبة قد ورد عقابه في حديث البرزخ، رأى النبي ﷺ قوماً يعذبون في البرزخ، وكان عذاب الذي ينام عن الصلاة المكتوبة أن يشدخ رأسه بالحجر، ويعود رأسه كما كان، ثم يشدخ بالحجر، ويعود رأسه كما كان، إلى أن تقوم الساعة، قيل: إلى أن يبعث الناس من قبورهم، وهو عذاب في البرزخ على الراجح، من هو هذا الرجل؟ قال: (الذي ينام عن الصلاة المكتوبة) يرفض كتاب الله وينام عن الصلاة المكتوبة، هذه عقوبته، ولو قيل لك: ما عقوبة النوم عن الصلاة عمداً؟ فقل: هذا هو عقابه، وهذا يبعث الإحساس بالمسئولية للصلاة، خصوصاً عند أصحاب الأعمال الذين يشتغلون في النوبات، فبعض الأعمال في الشركات والمستشفيات أو الطيران ونحو ذلك فيها نوبات، فربما تنتهي نوبة أحدهم قبيل الظهر وهو ساهر أكثر الليل والصباح، فربما ينام ولا يصحو إلا المغرب، ويضيع العصر والظهر، وربما انتهى أيضاً قبل الفجر بقليل وينام ويضيع الفجر، وهكذا وهؤلاء ليس لهم عذر في أخذ الاحتياط لأجل الصلاة.

стр. 1087

سبب ارتحال النبي ﷺ من المكان الذي ناموا فيه إلى مكان آخر ثم قال ﷺ : (لا ضير، ارتحلوا) لماذا ارتحل النبي ﷺ ومن معه؟ ولماذا لم يصلوا في نفس المكان؟ ولماذا أمر الجيش أن يرتحل؟ قيل: إن ذلك بسبب حضور الشيطان في ذلك الموضع الذي كانوا فيه، كما ورد ذلك في صحيح مسلم: (إن هذا مكان فيه الشيطان قوموا) فقاموا من ذلك المكان الذي حضرهم فيه الشيطان. وجاء عند أبي داود من حديث ابن مسعود في هذه القصة: (تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة) هذا وقد فات وقت الصلاة، فأمرهم بالارتحال من مكان الغفلة، لكي ينشط النائم ويقوم ويلحق بالناس من كان لم يقم بعد، ويتكامل العدد ويجتمعون، فنزل في مكان غير بعيد، لم يذهب ويؤخر الصلاة. بعض الناس يقول: ما دام فاتت فاتت! فإذا استيقظ الساعة السابعة، قال: ما دام فاتت فاتت، ويكمل النوم إلى الساعة العاشرة والحادية عشرة، ومع الظهر، وهذا من جهلهم؛ لأن الإنسان إذا نام عن الصلاة يجب عليه أن يؤديها حينما يستيقظ، لقوله ﷺ : (من نام عن صلاةٍ أو نسيها فوقتها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك) لابد إذا استيقظ من النوم أن يصلي مباشرةً، ويجوز أن يتأخر شيئاً يسيراً لمصلحة؛ كأن يكون هناك جماعة فاتتهم الصلاة، فيقوم بعضهم فيؤذنون ويصلون السنة، وينتظرون بقية أصحابهم لأن يأتوا، كأن يقوموا من النوم ويتوضئوا، فإن الناس في قيامهم من النوم وطهارتهم ليسوا سواء، فبعضهم يقوم بسرعة، وبعضهم نومه فيه بطء، وبعضهم يتوضأ بسرعة، وبعضهم يحتاج إلى قضاء حاجة، وبعضهم ربما يطيل في قضاء الحاجة، فليسوا سواء، فحتى يدرك الجميع الجماعة فلا بأس بالتأخر اليسير في مثل هذه الحالة. فالنبي ﷺ نزل غير بعيد وصلى، وقيل: إنه غيَّر المكان تحرزاً من العدو. وقيل: انتظاراً لما ينزل عليه من الوحي. وقيل: ليستيقظ من كان نائماً، وينشط من كان كسلاناً. وفيه: فائدة التحول من مكان الغفلة، فإذا كان في وادٍ يخرج منه. وقيل: إن هذا خاص بالنبي ﷺ ؛ لأنه لا يُدرى أن الشيطان حضر إلا بوحي. على أية حال: من حصل له غفلة عليه أن يغير مكانه، ولذلك ندبنا في خطبة الجمعة إذا نعس الواحد في مكانه؛ فعليه أن يغير مكانه مع من بجانبه من اليمين أو الشمال، يتحول إلى مكان صاحبه وليتحول صاحبه مكانه، كما جاء في الحديث، فإذا أشار لك من بجانبك في خطبة الجمعة بتغيير المحل فلا تقل: ماذا يريد؟ هو في وادٍ آخر. لا، عليك أن تفهم وتفقه وتتفطن أنه يريد أن يغير مكان الغفلة، ويجوز له أن يشير لأجل هذه المصلحة ولا يتكلم ولا تتكلم، ولا تقل: ماذا تريد؟ وإنما تغير مكانك بمكانه. إذاً: أُمر الناس في سماع الخطبة يوم الجمعة بالتحول من مكانٍ إلى مكان آخر، وأن من حصلت له الغفلة عن عبادةٍ يتحول من ذلك المكان، وأن التأخر اليسير عن الصلاة بعد خروج وقتها لأجل انتظار الجماعة -مثلاً- أو أن ينشط الكسلان ويقوم النائم النعسان وثقيل النوم، أنه لا حرج فيه.

стр. 1088

مشروعية الأذان للصلاة الفائتة قوله: (ثم توضأ ونودي بالصلاة)، وهذا يدل على مشروعية الأذان للفوات، إذا فاتتك الصلاة فيشرع لك الأذان، ومنه يعلم أن الأذان ليس هو الإعلام بدخول الوقت فقط، بل فيه دعوة الناس للصلاة أيضاً. وفيه فائدة طرد الشيطان؛ لأن الشيطان إذا سمع التأذين ولَّى وله ضراطٌ حتى لا يسمع صوت التأذين، فإذا انتهى الأذان رجع، فإذا أقيمت الصلاة ولىّ، لأن الشيطان لا يطيق سماع الأذان ولا الإقامة، فإذا انتهت الإقامة رجع يوسوس للمرء ويحول بينه وبين صلاته. إذاً: الأذان للفائتة مشروع، وإذا كان هناك جماعة في سفر أو غيره، ولم يستيقظوا إلا بعد طلوع الشمس، فإنهم يؤذنون، والأذان مشروع للفائتة.

стр. 1089

مشروعية الجماعة للصلاة الفائتة كذلك في هذا الحديث قوله: (فصلّى بالناس) يؤخذ منه أيضاً: مشروعية الجماعة للفائتة، فلو كان هناك جماعة فاتتهم صلاة فإنهم يصلون جماعة وليس هناك مانع، ولا يقل أحد: يجب أن يصلي كل إنسان لمفرده! لا. فهذا النبي ﵊ عندما فاتتهم الصلاة قام وصلَّى بالناس جماعة وأذن.

стр. 1090

تفقد الإمام والمسئول أحوال الرعية ووقع كذلك في هذا الحديث قصة الرجل الذي اعتزل القوم ولم يصلِّ معهم، وأن النبي ﷺ سأله، فينبغي على الإمام تفطن أحوال المأمومين، وينبغي للأمير في السفر أن يتفقد أحوال رعيته، ويتفطن لهم، ويسأل عنهم.
следующие страницы →