← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

الأشياء التي يتوصل بها العبد إلى محبة الله لذلك -أيها الإخوة- أمرنا الله بأشياء كثيرة حتى نتوصل بها إلى محبته، فمن هذه الأشياء:

стр. 1507

ذكر الله تعالى مثلاً: ذكر الله تعالى: (لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله) وصية الرسول ﷺ ، لا يأتيك الموت إلا ولسانك رطب من ذكر الله، هذه الأشياء مهمة، فالإنسان إذا أحب شخصاً ماذا يفعل؟ تجد ذكر الشخص هذا وسيرته دائماً على لسان الرجل الذي يحبه، فإذا كنا نحب الله فعلاً لا بد أن يكون ذكر الله على لساننا دائماً. ما هو ذكر الله؟ أشياء كثيرة من ذكر الله منها: - قراءة القرآن. - التحميد، والتهليل، والتسبيح. - الدعاء. - الدعوة إلى الله. - طلب العلم الشرعي. - العبادات بأنواعها. فيجب أن يكون لسان الإنسان وجوارحه دائماً مشتغلة بذكر الله، إذا أراد فعلاً أن يثبت أنه يحب الله. ولذلك بعض الشعراء في الجاهلية كانوا إذا أرادوا أن يظهروا إخلاصهم فماذا يفعلون إذا عشق أحدهم امرأة وأراد أن يظهر شدة محبته لها؟ يذكرها في الحرب أثناء شدة القتال، يقول عنترة بن شداد: ولقد ذكرتُك والرماحُ كأنها أشطان بئر في لِبان الأدهم فهو يتفاخر بذكر محبوبته أثناء الحرب، والله أمرنا بأكثر من هذا، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً﴾ [الأنفال:٤٥] يعني: في الحرب: ﴿فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥]. لماذا كان ذكر الله في الحرب عند القتال من العلامات الدالة على المحبة؟ لأن الإنسان في حالة الخوف -أيها الإخوة- ينسى كل شيء، همه أن يهرب، وأن يقي نفسه الهلاك، وألا يُقْتَل، ولا يُصْرَع، ففي تلك اللحظة إذا ذكر الإنسان الله، فمعناه أن محبة الله متأسسة في نفسه ومغروسة، لدرجة أنه حتى في حالة الشدة يذكر الله، فلذلك أمرنا الله أن نذكره في جميع الأحوال وخص ذلك بالأمر بذكره في حالة القتال والخوف.

стр. 1508

السعي في تحصيل محبوب المحبوب كذلك -أيها الإخوة- من علامات المحبة أن يسعى الإنسان في تحصيل محبوب محبوبه: إذا كان محبوبك يحب شيئاً، ماذا تفعل أنت؟ تحاول أن تصل بشتى الوسائل إلى ذلك المحبوب -الشيء الذي يحبه محبوبك- وتحققه، إذا كنت تحب محبوبك فعلاً. وأي شيء يبغضه محبوبك أنت تبغضه وتبتعد عنه، إذا كنت صادقاً في المحبة.

стр. 1509

الرضا بقضاء الله وكذلك الرضا بقضاء الله: إذا رضي الإنسان بقضاء الله صارت نفسه مطمئنة، وصار هذا دليلاً على محبته لله. أما إذا تسخَّط وتشكَّى وتبرَّم فيكون هذا دليلاً على كذبه في المحبة، وواقعه يشهد بضد ما يقول.

стр. 1510

الأنس بالله كذلك من الأمور التي تدل على محبة العبد لله : أن يكون أنسه الخلوة بالله: أي: يرتاح تماماً عندما يخلو بالله؛ في الصلاة، في الثلث الأخير من الليل، ومعنى يخلو: ينقطع عن الناس أحياناً وليس دائماً، حسب المصلحة الشرعية إلى الله ، يخلو به ويذكره ويدعوه بينه وبين نفسه، ليس هناك واسطة بينهما، فيتلو كتاب الله، ويجتهد ويواظب ويغتنم هدوء الليل وصفاء الوقت وانقطاع العوائق والعلائق الدنيوية، ويُقْبِل على الله : ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩]. فمتى فعل الإنسان هذه الأشياء صارت محبة الله تسهِّل له هذه الطاعات وتحثه وتدفعه عليها، ويكون في لذة أعظم من لذة الظمآن عندما يشرب الماء البارد، وأعظم من لذة الجائع شديد الجوع عندما يجد الطعام الشهي. فلذلك -أيها الإخوة- المؤمنون عندما يحبون الله يكلمونه ويدعونه، يرفعون أيديهم ويدعون، يحبون أن يتكلموا مع الله ويخاطبون ربهم، إذا أحب الإنسان شخصاً أحب أن يتكلم معه وأن يخاطبه وأن يجاذبه أطراف الحديث، وأن يفضي إليه بهمومه وأشجانه، وأن يصارحه بما عنده، هذا ما يقع الآن بين الأشخاص في الدنيا. فإذا أحب الإنسان الله فإنه يحب أن يتكلم مع الله. كيف يتكلم مع الله؟! جاء الحديث بتوضيح هذا: (من أراد أن يتكلم مع ربه فليقرأ القرآن) يدعو الله ، يشكو حزنه إلى الله، يقول يعقوب ﵇: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦] ما قال: إلى فلان وفلان ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦] إلى الله مباشرة. فليس هناك -أيها الإخوة- أطيب من الخلوة بالله ، ومناجاته، والمثول بين يديه، والانقطاع عن الخلق من أجل الخلوة بالله ، ومن أعظم الخلوات: الصلاة؛ لذلك كان الرسول ﷺ يرتاح جداً عندما يصلي، وكان يقول لـ بلال: (يا بلال! أرحنا بالصلاة) وهذا من معاني قول بعض السلف: " إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة "، ما هي جنة الدنيا؟ اللذة الحاصلة بالطاعات، (أرحنا بالصلاة يا بلال!). فيقول ابن القيم ﵀: " فالصلاة قرة عيون المحبين، وسرور أرواحهم، ولذة قلوبهم، وبهجة نفوسهم، يحملون هم الفراغ منها إذا دخلوا فيها، كما يحمل الفارغ البطال همها حتى يقضيها بسرعة ". فهؤلاء المحبون إذا دخلوا في الصلاة فهم في هَمٍّ. ما هو هذا الهم؟ كيف ستَنْتَهي الصلاة؟! ماذا نعمل بعد أن تنتهي الصلاة؟! يقولون: نحن نريد أن نبقى في صلاة، وهذه مرتبة كبيرة، فالواحد لو فكر في نفسه يجد مراحل بين حال هؤلاء وحالنا، إذا دخل في الصلاة صار مهموماً لأن الصلاة ستنقضي، يحمل هَمّاً وهو داخل الصلاة، مصيبة! ستصير المصيبة أنه سينتهي من الصلاة، كما يحمل الفارغ البطال هَمَّ الصلاة؛ متى تنتهي الصلاة؟! انظر الفرق بين الطائفتين! يدخل بعض الناس في الصلاة فيقول في نفسه: طوَّل الإمام! فتراه يتثاقل، ويقدم رِجْلاً ويؤخر أخرى، ويتأفف في الصلاة، هذا في الصلاة، أولاً: متى تنتهي؟! وبعد الصلاة يتبرم ويشتكي ويرفع صوته في المسجد فيقول للإمام: طولت علينا، وبعد ذلك يخرج من الصلاة فيقول: الله لا يبارك في فلان. ما هو الفرق؟! فكلهم بنو آدم! وكلهم بشر! الفرق: محبة الله ! يحس الواحد عندما يكبر في الصلاة أنه يُقْبِل على الله، وأن الله قد انتصب أمامه؛ لأن الله ينتصب لعبده في الصلاة، لذلك الإنسان يستأنس عندما يصلي ويكبر ويُقْبِل على الله . " فلهم فيها شأن -للمحبين في الصلاة شأن- وللنقَّارين شأن -النقارون الذين ينقرون الصلاة مثل نقر الغراب أو نقر الديك، لا تلحقه، يسرع، لا تدري هل قال الرجل: (سبحان ربي الأعلى) نصف مرة أو ربع مرة - فله فيها شأن، وللنقَّارين شأن آخر، يشكون إلى الله سوء صنيعهم بها -هؤلاء المحبون يشكون إلى الله سوء صنيع البطالين بالصلاة، كيف ينقرونها نقراً؟! - إذا أتموا بهم، كما يشكو الغافل المعرض تطويل إمامه -شخص يشتكي من الإمام، أحياناً يأتم بواحد مخل بالصلاة يشتكي من فعله بالصلاة ومن تخريبه، وآخر يشتكي من تطويل الإمام في الصلاة- فسبحان من فاضل بين النفوس وفاوت بينها هذا التفاوت العظيم. وبالجملة: فمن كانت قرة عينه في الصلاة فلا شيء أحب إليه، ولا أنعم عنده من الصلاة، ويود أنه لو قطع عمره بها غير مستغنٍ بغيرها وإنما يسلي نفسه إذا فارقها بأنه سيعود إليها عن قرب ((ورجل قلبه معلق المساجد) كلما خرج من صلاة بماذا يفكر؟! متى يأتي وقت الصلاة الجديدة؟! - فهو دائماً يتوق إليها، فلا يزن العبد إيمانه ومحبته لله بمثل ميزان الصلاة -ليس هناك أعظم من ميزان الصلاة- فإنه الميزان العادل ". لذلك -أيها الإخوة- من الحكم كما يقول ابن القيم ﵀ في النهي عن المرور بين المصلي وبين السترة: أن الإنسان عندما يكبر في الصلاة يقف أمام الله ، لذلك يكره الإنسان أي شيء يمر أمامه ويقطعه عن الله ، فلذلك أمر ﷺ بدفع المار، ونهى عن المرور بين الرجل وبين سترته. فحالُ المحبين الصادقين -أيها الإخوة- هي في الدوام على طاعة الله ، ولذلك ورد في عدة أحاديث أشياء يحبها الله تعالى، فمن ذلك: (أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قلَّ) فالأشياء التي يداوم عليها صاحبها هي أحب الأعمال إلى الله؛ لذلك كان رسول الله ﷺ إذا عمل عملاً أثبته، يعني: دائماً يعمل به، ما ينقطع مرة ويترك مرة ويفعل مرة، فكان إذا نام من الليل أو مرض صلى من النهار -بعد طلوع الشمس- اثنتي عشرة ركعة، وهي السنة لمن فاتته صلاة الوتر في الليل. هذه الصلاة -أيها الإخوة- تحتاج إلى مكابدة، ما تأتي اللذة بها هكذا، تحتاج إلى مجاهدة. لذلك يقول أحد السلف: " كابدت الصلاة عشرين سنة، وتنعمت بها عشرين سنة أخرى " يعني: جلست فترة طويلة حتى أعود نفسي على أن ألتَذَّ بالصلاة، وبعد فترة من الجهاد وصلت إلى المرحلة التي أحس بها في اللذة، لأنه لا يعقل -أيها الإخوة- أن الإنسان إذا قام إلى الصلاة وكبر مباشرة يشعر باللذة، لا. إن اللذة تحتاج إلى مقاومة ومدافعة للوساوس وللشيطان وللدنيا، والمجاهدة على التطويل في الصلاة، وعلى الخشوع، وعلى استحضار معاني الآيات وعلى التفكير، هذا معروف، لا بد من التدرج حتى يصل الإنسان إلى مثل هذه المراحل. تظهر محبة العبد لله على فراش الموت: عند الموت يخرج قلب الإنسان ما فيه كأنك ضغطت على زر مسجل والشريط ظل يتكلم بدون إرادة من المسجل. إن الإنسان في الحياة -يا إخواني- يستطيع أن يسيطر على نفسه، فقد يخفي في قلبه شيئاً ولا يظهره للناس، عنده قوة تحكم وإرادة بهذا، أما عند الموت -الموت إذا نزل نسأل الله السلامة وأن يسلمنا وإياكم في ذلك الموقف الذي لا بد أن يأتي- عند الموت يفقد الإنسان قدرته على التحكم في إظهار ما في قلبه، فتبدأ الأشياء التي في قلبه تظهر على لسانه، فأما من كان محباً لله فتظهر الشهادة على لسانه عند الموت وذكر الله بكل يسر وسهولة، لماذا؟ لأن هذا ما يخفيه في قلبه؛ لكن كثيراً من الناس والعياذ بالله يحصل لهم من سوء الخاتمة الأمور العجيبة فتظهر في حال الاحتضار على فراش الموت المكنونات التي كانت مخبأة في القلوب، بعضهم على فراش الموت كان يغني أغنية؛ لأن قلبه متعلق بالأغاني ويحب الأغاني ودائماً يردد الأغاني، ولو أن إنساناً من هؤلاء الإخوة الذين يسمعون الأغاني يحاسب نفسه: هل يردد الأغاني أكثر أو ذكر الله؟ يجد أنه يردد الأغاني أكثر: لأن في السيارة أغاني، وفي البيت أغاني، وينام على الأغاني، ويصحو على الأغاني وهكذا ديدنه، لذلك لا يستبعد حال الموت أن لسانه ينخرس عن ذكر الله ويظهر ما في القلب مباشرة، وهذا حصل في الواقع، وهناك قصص كثيرة لأناس جاءهم الموت وهم يرددون مقطعاً من أغنية لفلان وفلان. وأحدهم قابل أصحاب حادث سيارة على الطريق، فوجد أحدهم النزع الأخير وهو يشتد، فأراد أن يذكره بـ (لا إله إلا الله) قال: قل: (لا إله إلا الله)، فكان يقول: (إِتِّي إِتِّي) يشجع الاتفاق أو الاتحاد، يشجع فريقاً. وبعضهم كان يحب المال والتجارة بشكل كبير طغى على محبته لله ، فصار وهو على فراش الموت يقول -وأخبرني رجل قريب له أنه حضره عند الموت، وكان تاجراً يبيع القماش فجعل يقول: هذه قطعة جيدة، هذه على قدرك، هذه مشتراها رخيص، يساوي كذا وكذا، حتى مات. وبعضهم يقول: بعتُ واشتريت بفلس بفلس. وبعضهم يقول: شاه ملك، يعني: مات؛ لأنه كان يلعب الشطرنج وهو مغرم به، فكان يقول: مات، يعني: في اللعبة هذه. وهكذا تظهر الأشياء الحقيقية في تلك اللحظة. أما المحبون لله فماذا يظهر على ألسنتهم؟ تظهر الشهادتان؛ لذلك كان لا بد من الإخلاص في الأعمال، ومجاهدة النفس للتخلص من الرياء؛ لذلك كان اهتمام السلف بتصحيح العمل أعظم منه بالعمل، يعني: أن يكون العمل خالصاً لله .

стр. 1511

خفض البصر أمام المحبوب مهابة له كذلك -أيها الإخوة- من علامات محبة العبد لله: أن المحب -الحب الذي فيه تعظيم - عندما يقف أمام محبوبه ينظر إلى الأرض، ولا ينظر إلى وجه محبوبه، مهابةً له وحياءً منه. لذلك -مثلاً- تجد الواحد إذا وقف أمام الرئيس أو أمام الوزير أو أمام الكبير لا يحدق فيه ببصره طوال الوقت، هذا يعتبر من قلة الأدب، وهذه من الأشياء التي تبغض الرئيس، وإنما تجد عيونه في الأرض، مطرقاً، وعليه المهابة، والتعظيم، هذا من التعظيم. إذا وقف الإنسان في الصلاة أين يضع بصره؟ في موضع سجوده، ولا ينظر إلى الأعلى، لماذا نهى الرسول ﷺ عن النظر إلى السماء؟! وقال: (أما يخشى الذي يرفع بصره في الصلاة أن يحول الله رأسه رأس حمار؟!) لماذا هذا الوعيد الشديد؟! لأن من محبة الله التي يقترن بها التعظيم أن تضع بصرك كالمطأطئ له، المعظم مهابةً وخشوعاً. وهذا الحديث أحد الأدلة على أن الله في السماء، لذلك نهى الرسول ﷺ أن يرفع المصلي بصره إلى الله ، وإنما ينظر إلى الأرض مهابةًَ له، ولذلك كان رسول الله ﷺ مؤدباً جداً في غاية التأدب لما صعد إلى الله في المعراج، ماذا قال الله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧] فإن الرسول ﷺ لما صعد إلى الأعلى ما جلس ينظر هناك عند الله ، وإنما أطرق في الأرض تعظيماً ومهابةً لله: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧].

стр. 1512

محبة دار المحبوب ومن هذه الأشياء أيضاً: محبة دار المحبوب: ألا ترى أن الإنسان في الدنيا إذا أحب شخصاً ازداد تكرار زيارته له ومجيئه إليه في بيته، وتراه دائماً يحضر إليه، يجلس معه، ويذهب إليه، حتى لو كان بعيداً يسافر إليه؛ لذلك جعل الله تعالى الحج إلى بيته العتيق من علامات المحبة، وكانت نفوس المحبين تتعلق ببيت الله ، لا لأنه أحجار ولأنه بناء بهذا الشكل؛ وإنما لأن الله أضافه إلى نفسه فقال: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج:٢٦] أضاف البيت إلى نفسه.

стр. 1513

محبة أحباب المحبوب كذلك محبة أحباب المحبوب من الأشياء التي يُستدل بها على محبة الإنسان لله: لذلك كانت مجالسة العلماء والصلحاء والأخيار وأولياء الله من الأمور المطلوبة شرعاً، بدلاً من مجالسة أهل السفاهة والضلال والإفساد في الأرض، وقد بلغ الأمر الآن ببعض الناس الذين يحبون -مثلاً- أن يحب أحدهم امرأة ويهواها هوىً شديداً، حتى تجد أن قلبه يتعلق بكل ما يتعلق بها، فتجده يحب حتى حذاءها ونعلها وثوبها، ويحب هذه التوافه، وتجد بعضهم في أشعارهم -بعض هؤلاء الماجنين- يقول: وأحببت فيها حتى كذا وحتى كذا من الأشياء التافهة. انظر إلى أنس بن مالك في الحديث عندما كان يقول: (فأنا أحب الدُّبَّاء كثيراً) الدُّبَّاء هذا: نوع من القرع، لماذا كان يحب أنس الدُّبَّاء؟! لأن الرسول ﷺ كان يحب الدُّبَّاء، وكان يتتبعها في الصحفة، يعني: رأى أنس الرسول ﷺ يتتبع الدُّبَّاء في جوانب الصحفة -صحفة الطعام- لاحظوا -يا جماعة- أن هذه القضية ليست بسيطة -يعني: هذه قضية أكل- فانتقلت المحبة هكذا، فصار أنس يحب الدُّبَّاء؛ لأن الرسول يحب الدُّبَّاء، وهذه المسألة ليست مطلوبة شرعاً، وليست من السنن؛ لأن السنن تنقسم إلى قسمين: - سنة عادة. - وسنة عبادة. وهذه من سنن العادة، لكن وصل الأمر بالصحابي إلى هذه الدرجة.

стр. 1514

بذل النفس في رضاء المحبوب كذلك كان من واجبات الحب في الله أو المحب لحبيبه أن يبذل نفسه في رضاء المحبوب:- حتى بذل الصحابة أنفسهم رضوان الله عليهم في الدفاع عن الرسول ﷺ في المعارك؛ لأنهم يحبونه، فكان أحدهم يأتي أمام الرسول والسهام تتطاير ويقول: (يا رسول الله! نحري دون نحرك) يصيبني ولا يصيبك، فإذا كانت هذه هي حالهم في محبة الرسول ﷺ ، فكيف حالهم في محبة رب الرسول ﷺ ؟! لذلك يقول أحد الصحابة ﵃ عن الرسول ﷺ : ثوى في قريش بضع عشرة حجة يذكر لو يلقى حبيباً مواتيا ظل يدعو الكفرة في قريش بضع عشرة حجة! وليس هناك فائدة! ويعرض في أهل المواسم نفسه فلم يرَ مَن يؤوي ولم ير داعيا فلما أتانا واستقرت بها النوى وأصبح مسروراً بطَيْبَة راضيا بذلنا له الأموال من حل مالنا وأنفسنا عند الورى والتآسيا نعادي الذي عادى من الناس كلهم جميعاً وإن كان الحبيبَ المصافيا ونعلم أن الله لا رب غيره وأن رسول الله أصبح هاديا يعادون من يعادي الرسول ﷺ ، ويدافعون عنه، ويبذلون أموالهم. هذه هي الأشياء التي تدل على المحبة.

стр. 1515

الأسباب التي تجلب محبة الله كذلك -أيها الإخوة- هناك أسباب جالبة للمحبة منها:

стр. 1516

قراءة القرآن قراءة القرآن الكريم، وتدبره، والتفهم لمعانيه، وما أُرِيْدَ به: قال ابن رجب الحنبلي ﵀: " لا شيء عند المحبين أحلى من كلام محبوبهم، فهو لذة قلوبهم، وغاية مطلوبهم ".

стр. 1517

التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض كذلك من ضمن الأشياء التي تؤدي إلى المحبة: التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض: فإنها توصل إلى درجة عالية من المحبة؛ لأن الرسول ﷺ يقول في الحديث القدسي عن ربه : (إن الله تعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه). فإذاً: التقرب إلى الله بالنوافل من أسباب محبة الله ، حتى يصل الأمر إلى درجة عظيمة جداً كما في الحديث: (فإذا أحببته -ماذا يحصل؟ - فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه).

стр. 1518

إيثار محبة الله على محاب النفس كذلك -أيها الإخوة- إيثار محبة الله على محاب النفس وما يحبه الله على هوى النفس: الإيثار يقتضي شيئين: - الأول: فعل ما يحبه الله إذا كانت النفس تكرهه: أحياناً النفس تكره شيئاً من العبادة، كأن يكون فيها بخل أو شح أو كسل، فالإيثار الحقيقي أن تقدم محبة الله على كره نفسك. - النوع الثاني من الإيثار: ترك ما يكرهه الله حتى لو كانت نفسك تحبه وتهواه.

стр. 1519

التفكر في بر الله وإحسانه وآلائه كذلك من ضمن الأمور: مشاهدة بر الله وإحسانه وآلائه ونعمه الباطنة والظاهرة فإنها داعية إلى المحبة: الناس في الدنيا يحبون من أحسن إليهم؛ لأن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها؟! إذا أعطاك إنسان أشياءً وأنعم عليك بأشياءٍ طيبة وأهداك ألا تحب هذا الرجل؟! نعم. فإذاً: من الأشياء الجالبة للمحبة: أن تتفكر في نعم الله ، التي لا تعد ولا تحصى. مثال: هذا التنفس أليس هو نعمة من الله ؟! لولا التنفس لانقطع عنك النَّفَس -لا سمح الله- ولو انقطع ماذا يحصل بك؟! تموت، ما هي إلا بضع دقائق فتختنق وتموت، كل نفس لوحده نعمة من الله ، كم نتنفس نحن الآن، كم نتنفس في الدقيقة؟! لا أدري كم يقول الأطباء؟! كم نَفَساً في الدقيقة؟ ثلاثون؟ عشرون! لم تحسب المسألة، فكم نَفَساً في اليوم! تجد أنها قريبة من أربعين ألف نَفَس، كل نفس بحد ذاته نعمة من الله . كل يوم أربعون ألف نعمة هذا فقط في نعمة التنفس وأما النعم الأخرى فلم نحسبها، فعندما نستشعر هذه الأشياء نحب الله ، عظمت كثرة النعمة وأحسسنا بها أحببنا الله أكثر وأكثر. فلذلك كان التفكر بنعم الله على عباده، وبره بهم، وإحسانه إليهم، وحفظه لهم، يؤدي للمحبة: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَأُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء:٤٢] مَن الذي يحفظكم غير الله ؟! هل هناك أحد يحفظ البشر غير الله ؟! ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]. كذلك -أيها الإخوة- من نعم الله : أنه فتح لنا باب الدعاء وباب الإجابة: هذه نعمة عظيمة، تأمل معي في هذا الحديث، حديث النزول الإلهي! (ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا) تأمل في هذه النعمة، ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا، يسأل عن عباده، ويستعرض أحوالهم، ويستعرض حوائجهم بنفسه، ويدعوهم إلى سؤاله، فيدعو مسيئهم إلى التوبة، ومريضهم إلى أن يسأله أن يشفيه، وفقيرهم إلى أن يسأله غناه، وذا حاجتهم أن يسأله قضاء حاجته في كل ليلة، (ينزل الله إلى السماء الدنيا في كل ليلة فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من تائب فأتوب عليه؟) إلى آخره، ينزل الله إلى السماء الدنيا يتفقد حوائج عباده بنفسه ، ويطلب. فيقول: يا أيها العباد اسألوني، اسألوني أعطِكم هل تريد أعظم من هذه النعمة؟! تأمل معي هذه الآية في سورة البروج! قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:١٠] الآن تتكلم الآية عن ماذا؟ تتكلم عن أصحاب الأخدود هؤلاء الطواغيت الذين أحرقوا المؤمنين لما رفضوا العبودية لغير الله، أحرقوهم داخل الأخاديد التي شقوها في الطرقات، ماذا قال الله عن هؤلاء الفجرة الكفرة الذين أحرقوا المؤمنين؟ قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج:١٠] يعني: فتنوهم عن دينهم وعذبوهم وأحرقوهم: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:١٠] تصوَّر! مع هذه الشناعة في الأعمال، أحرقوا عباده ودفنوهم في الأخاديد، ثم قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج:١٠] ما قطع عنهم التوبة قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج:١٠] يعني: لو أنهم تابوا لتاب عليهم، مع شناعة جرمهم كان تاب عليهم.

стр. 1520

التفكر في أسماء الله كذلك -أيها الإخوة-: مطالعة القلب لأسماء الله وصفاته ومشاهدتها ومعرفتها وتقلب النفس في رياض هذه الأسماء من أعظم الأسباب الجالبة للمحبة: أسماء الله وصفاته عظيمة، ما يكفي أن نطبع هذه الأسماء في أوراق صغيرة ويأتي الواحد يقرأها قراءة عادية ويضعها في مكان، لا. وإنما عليه أن يفكر في هذه الأسماء! ماذا تعني كلمة الرحمن؟! ماذا تعني كلمة الرحيم؟! ماذا تعني السميع، البصير، الودود؟! الودود: المتودد إلى خلقه، إنها أسماء عظيمة إذا تأملنا في معانيها، وكل اسم له معنى يدل عليه تختلف عن الأسماء الأخرى مع ترابطها مع بعضها ودلالتها على ذات واحدة هي ذات الله ، هذه أشياء تجلب المحبة للنفس. لذلك كان المؤولة المعطلة بقايا الفرعونية والجهمية قُطَّاع الطرق ولصوص القلوب الذين يسرقون حب الله من قلوب عباده، وليس هذا الآن مجال الرد عليهم وتبيان شبههم، ولكن تأمل أسماء الله ومعرفة معانيها مهم جداً لمحبته . ولذلك تفاوت الخلق بمنازلهم ومراتبهم في محبة الله على حسب تفاوت مراتبهم في معرفة الله والعلم به، فأعرفهم بالله أحبهم له، ولهذا (كان رسول الله صلوات الله وسلامه عليه أعظم الناس حباً له، والخليلان من بينهم أعظمهم حباً، وأعرف الأمة، وأشدهم حباً لله؛ خليل الله محمد ﷺ ، وخليل الله إبراهيم) أفضل الأنبياء قاطبة محمد ﷺ ، ويليه في الأفضلية كما قال علماء السلف أهل السنة والجماعة: إبراهيم الخليل ﵊.

стр. 1521

الانكسار والخضوع بين يدي الله وأيضاً -أيها الإخوة- من الأشياء التي تجلب المحبة: الانكسار بين يدي الله والتذلل له والخضوع والإخبات والانطراح بين يديه والاستسلام له: فما أقرب الجبر من هذا القلب المكسور، عندما ينكسر الإنسان أمام الله، ويُظْهِر الضعف والاستكانة، فإن الله يجبر هذا الكسر، ويقوي هذا الضعف، ويغني هذا الفقر، وما أدنى النصر والرحمة والرزق من حال الإنسان المتذلل الكسير أمام ربه الذي يُظْهِر ضعفه وحاجته ولجوءه إلى الله . يضرب ابن القيم ﵀ مثلاً جميلاً لانطراح الإنسان أمام الله ، ثم إقبال الله على هذا الإنسان، يقول: " تأمل هذا الحال - وهذا الحال يُشْبِه ليس هو مثله بالضبط- فإن انطراح الإنسان وإقبال الله عليه كرجل كان في رعاية أبيه، يغذيه أبوه بأفضل الطعام والشراب واللباس، ويربيه أحسن التربية، ويرقيه على درجات الكمال أتم ترقية، فيبعثه أبوه في حاجة له، فيخرج عليه في الطريق عدو يأسر هذا الولد ويكتفه ويشد وثاقه، ثم يذهب به إلى بلاد الأعداء ويسومه سوء العذاب، ويعامله بضد ما كان أبوه يعامله أبوه، فهو يتذكر تربية أبيه، وإحسان أبيه، وبر أبيه به، وعطفه عليه، الفينة بعد الفينة -كلما يعذَّب يتذكر تلك الأيام- فبينما هو في أسر عدوه يسومه سوء العذاب ويريد نحره في آخر الأمر -يعني: ذبحه- إذ حانت منه التفاتة إلى ديار أبيه، فرأى أباه قريباً منه، فسعى إليه، وألقى نفسه عليه، وانطرح بين يدي أبيه، يستغيثه: يا أبتاه يا أبتاه يا أبتاه انظر إلى ولده وما هو فيه، ودموعه تستبق على خديه، قد اعتنقه أباه والتزمه وعدوه يسعى في طلبه حتى وقف على رأسه والابن منطرح متمسك بأبيه، فهل تقول أنت أيها الإنسان: إن والده يُسْلِمُه مع هذه الحال إلى عدوه ويخلي بينه وبين العدو؟! ". إنسان اجتاله الشيطان عن طريق الله، كان يمشي في طريق الله، والله منعم عليه، يطيع الله , ويرغب إلى الله بالطاعات ويفعلها، ثم اجتاله الشيطان -انتكس هذا الرجل- وذهب الشيطان به ينزله منزلة بعد المنزلة في العصيان حتى أوشك أن يهلكه ويقذفه في مهاوي الكفر والضلال، ثم إن هذا الرجل الذي أغواه الشيطان التفت وأحس بالله قريباً منه ينتظر متى يتوب، فانقلع عن هذه الأشياء وفر من الشيطان وطرق الضلال إلى الله معترفاً بذنبه مقراً، يطلب التوبة واللجوء إلى الله، هل يطرده الله ويرده خائباً؟!

стр. 1522

مجالسة المحبين الصادقين كذلك -أيها الإخوة-: مجالسة المحبين الصادقين والتقاط أطايب الثمرات من كلامهم كما يُنْتَقى أطايب الثمر، وهذه النقطة من الطرق العظيمة التي توصل إلى محبة الله: لذلك كان لا بد من الرفقة الصالحة، والجماعة الصالحة، ولا بد لكل إنسان بل يجب عليه فرضاً، خصوصاً في هذا العصر أن يبحث عن رفقة صالحة يجتمع معهم ويجالسهم ويتعلم منهم وينتفع بهم: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣].

стр. 1523

اتباع الرسول ﷺ والزهد في الدنيا اتباع الرسول ﷺ من الأسباب العظيمة لمحبة الله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]. الزهد في الدنيا والتقلل منها من أسباب محبة الله: يقول الرسول ﷺ في الحديث الحسن: (إن مطعم ابن آدم قد ضرب للدنيا مثلاً) -هذا الطعام الذي نأكله نحن الآن الغداء والعشاء هذا مثل للدنيا، كيف؟ - يقول ﵇: (فانظر ما يخرج من ابن آدم، وإن قزَّحه وملحه قد علم إلى ما يصير) هذا الطعام تطبخه وتعتني فيه وتملحه وتحسنه وتعتني بطهيه، وترى شكله الآن جميلاً قبل أن تتناوله، فإذا أكلته كيف يخرج منك بعد ذلك؟! قاذورات ونجاسات، هكذا حال الدنيا. انظر إلى دقة الرسول ﷺ في المثل، يضرب الطعام هذا بمثل الدنيا هذه، في البداية تكون جميلة، لكن ماذا تصير بعد ذلك؟!

стр. 1524

الصدق في الحديث وأداء الأمانة وحسن الجوار كذلك -أيها الإخوة-: الصدق في الحديث، وأداء الأمانة، وحسن الجوار: يقول الرسول ﷺ : (من سره أن يحب اللهَ ورسولَه أو يحبه اللهُ ورسولُه فليصدق حديثه إذا حدث، وليؤدِّ أمانته إذا اؤتُمِن، وليُحسن جوار من جاوره). إن البحث مازال فيه أشياء كثيرة، فما هي الخصال التي يحبها الله ؟! ترجع إلى أحاديث كثيرة مثل: أحب الأعمال إلى الله كذا وكذا، إن الله يحب كذا وكذا. أشياء كثيرة في القرآن والسنة، يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]. لكن -أيها الإخوة- لا أرى الآن المجال لذكرها، لأن الوقت قد طال بنا، فنقتصر على ما ذكرناه فيما يتعلق بهذا الموضوع (محبة الله والطريق إليها). نسأل الله أن يجعلنا ممن يحبهم ونحبه حق المحبة ، وأن يوفقنا إلى ذلك، وأن يجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاه ، وأن يرزقنا وإياكم حسن الخاتمة، وأن يوفقنا لطرق محبته وذكره حق الذكر والثناء عليه ، وصلى الله على سيدنا محمد.

стр. 1525

الأسئلة

стр. 1526

أخذ رأي المرأة عند الزواج السؤال تقول السائلة: ما حكم أخذ رأي المرأة عند الزواج؟ الجواب حكم الإسلام في أخذ رأي المرأة عند الزواج معروف وواضح، ألا وهو: أنه لا يجوز لولي المرأة أن يزوج ابنته أو أخته -مثلاً- إلا برضاها، إذا لم تكن راضية لا يجوز له أن يزوجها، ويأثم لو زوَّجها بغير رضاها؛ بل إن الرسول ﷺ قد فسخ نكاح امرأة زوجها أبوها بدون رضاها جاءت إلى الرسول ﷺ تشتكي أنها لا تريد فلاناً وقد زوَّجها، فالرسول ﷺ قال: (ارجعي) أرْجَعَها، فلا بد من أخذ رأي المرأة. لكن أحياناً قد يتقدم إلى الفتاة رجلان: - أحدهما مطيع لله ، يخاف الله ، تقي؛ لكن المرأة تقول: لا أريده. - ويأتي رجل آخر عاصٍ فاسق متلبس بالمعاصي؛ وتقول المرأة: أريد هذا. عند ذلك رأي المرأة لا قيمة له شرعاً ولوليها أن يرفض أي رجل يتقدم إليها إذا كان من غير أهل الصلاح. يقول الشيخ ابن عثيمين: " ولا يأثم ولي المرأة إذا رد كل خاطب فاسق لا يؤتمن على دينه، حتى لو بقيت المرأة بغير زواج طيلة حياتها " وهذا الكلام يريحنا تماماً عندما تعترض امرأة على أبيها وتقول له عندما تبلغ حد العنوسة: ما زوجتني أنت فعلت بي كذا أنت أوصلتني إلى هذه الدرجة أنت كذا أنت ضريتني أنت كذا لو أخذت فلاناً كنت الآن مبسوطة ولو أخذت فلاناً إلخ. هذا خطأ، إذا كان الرجل المتقدم عاصياً لله .

стр. 1527

جواز ترك الجماعة لعذر شرعي السؤال أنا رجل أعمل في الجبيل وأعود إلى الخُبَر يومياً، والشركة التي أعمل فيها عندها حافلتان، الأولى تتحرك الساعة الثالثة والنصف، والثانية تتحرك الساعة الخامسة، والساعة الثالثة والنصف فيها إقامة الصلاة، فلو صعدت في الحافلة الأولى فلا أصلي العصر جماعة، ولو صليت العصر فسوف أنتظر ساعة ونصف حتى أرجع مع الحافلة الثانية، فما هو الحكم؟ الجواب يقول الشيخ ابن عثيمين جزاه الله خيراً في هذا السؤال: " هذا عذر له في ترك الجماعة " إذا كان سيتأخر ساعة ونصف لكي يدرك الجماعة فإنه يجوز له أن يصعد في الحافلة الأولى ويصلي العصر هنا، طبعاً إذا كان سيمكنه؛ ولا يخرج الوقت إذا جاء، فيجوز له هذا.

стр. 1528

كراهية التحدث بالرؤية السيئة السؤال أحياناً يرى الإنسان أشياء طيبة وغير طيبة، فهل يحدث بكل ما يراه؟ الجواب إذا كان طيباً يحمد الله، وإذا كان سيئاً يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا كان بعضه طيب وبعضه سيئ ماذا يفعل؟ أجاب عن هذا السؤال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز فقال: " يحمد الله على الجزء الطيب من الرؤيا أو هذا المنام، ويستعيذ بالله من الأشياء السيئة التي رآها.

стр. 1529

حكم الأوراق المكتوب عليها (حاسب نفسك) أو ما شابهها السؤال عن الأوراق التي مكتوب فيها (حاسب نفسك) وفيها: هل أديت صلاة الفجر في جماعة؟ هل صليت كذا؟ هل المحاسبة بالأسئلة، أظن رأيتموها؛ لأنها منتشرة ومطبوعة. الجواب هذه يقول فيها الشيخ ابن عثيمين: " هذه من البدع، والسلف رحمهم الله تعالى ما حاسبوا أنفسهم بهذه الطريقة "، ويقول: " وللأسف كُتِبَت على هذه الأوراق آية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر:١٨] ثم جاء بهذه الأسئلة الطويلة، يقول الشيخ ابن عثيمين: " هل هذه الآية نزلت بعد السلف؟! " لا. هل السلف يعرفون في المحاسبة أقل منا، ونحن نعرف أكثر منهم؟! لا. يقول: فهذه الأوراق أو المحاسبة بها بدعة، وهناك أيضاً بعض النماذج فيها سطور، وتضع (صح)، صليت (صح) (صح) (خطأ) وتجمع العلامات، إذا كنت أكثر من هكذا تصير طيِّباً، وما كنت كذا فهذه -أيها الإخوة- ليست من طرق المحاسبة الشرعية إطلاقاً، والشيخ ابن عثيمين يشدد فيها كثيراً، فقد: قال فيها كلاماً شديداً، ثم قال: " ما أحسن أن يأتي طلبة العلم إلى العلماء ويسألونهم عن مثل هذه الأشياء؛ حتى يبينوا هذه البدع للناس! وقال أيضاً من ضمن التعليلات قال: " أحياناً الإنسان يرى أنه إذا فعل طاعة في يوم معين بالنسبة له يستطيع أن يفعل أكثر من طاعة أخرى؛ ولكن هذه الورقة تلزمه؛ لا بد أن يفعل جميع البنود، مع أنه قد يرى أن فعل بند معين أكثر من مرة يعني: هو مُقْبِل عليه أكثر من فعل بند معين مثلاً. ومن ضمن الأشياء -مثلاً- قال: يقول الرسول ﷺ : (أحب الصيام إلى الله صيام داوُد، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً) قال: ومع ذلك كان الرسول ﷺ لا يصوم يوماً ويفطر يوماً، هل خالف الرسول ﷺ الشرع؟ قال: لا؛ لكن كانت عنده شواغل تشغله على أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، كان يحتاج قوته ليستجمعها في الجهاد. وفي المعارك، وفي السفر، فما كان يصوم يوماً ويفطر يوماً.

стр. 1530

حكم قراءة الإنجيل السؤال هل يصح قراءة كتاب الإنجيل؟ ولماذا؟ أرجو التوضيح. الجواب قراءة الكتب الأخرى المحرفة -وليس هناك أصلاً كتب ليست محرفة إلا القرآن الكريم- غير جائزة بتاتاً، فقد شنع الرسول ﷺ على عمر تشنيعاً شديداً لما رأى في يده صفحة من التوراة، والذي يقرأ فيها كأنه يقول: إن القرآن ما يكفيني لذلك، وإنما يريد أن يتوسع. لو قال أحدهم: أنا أقرأ من باب حب الاستطلاع، نقول له: أيضاً ما يجوز. لماذا؟ لأنه قد يدخل في نفسك شيء من الشبه، وأنت تقرأ من باب حب الاستطلاع، فلو تقفل هذا الباب يكون أحسن. لكن أجاز بعض أهل العلم قراءة هذه الكتب في حالة واحدة وهي: لمن كان على علم يعني: كان عالماً في أمور الدين، وشبه اليهود والنصارى، فقرأها ليرد عليهم ويناقشهم، مثل ما يفعل الآن بعض كبار المفكرين من المسلمين يضطرون للمناظرات مع الكفار، ولا بد أن يقرءوا ليقول لهم: أنتم قلتم في كتابكم كذا، وهذا خطأ، أنتم تقولون: كذا، والذي في كتابكم يخالف إلى آخره. فلا يجوز قراءتها إلا للعلماء من أجل مناظرة الكفار ودعوتهم إلى الله .

стр. 1531

ترك سماع الأغاني وحكم ترديدها سراً السؤال بفضل من الله تركت الأغاني والموسيقى؛ ولكنني أردد الأغاني بيني وبين نفسي فهل هذا حرام؟ الجواب طبعاً هذا الشيء واقعي، فالقضية ليست غريبة؛ لأن هذا الشيء يكون تلقائياً لماذا؟ لأن الإنسان عندما يعيش في جاهلية جهلاء يعني: في معاصٍ، وأغانٍ، ويرتكب جميع أنواع المعاصي، فالأغاني هذه يسمعها يومياً ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً، في الطريق وفي السيارة وفي البيت، فكثرة السماع تطبع الأغاني في القلب طبعاً، ويحفظ الإنسان هذه الأشياء فيصير يرددها بين الحين والحين بغير حس أو شعور، بغير ما يشعر تجد لسانه ينطلق بالأغاني، هذا واقع، وعندما يهديه الله تبقى في النفس -أيها الإخوة- رواسب من الجاهلية؛ لذلك كما يقول أحد كبار المفكرين في هذا العصر الأستاذ سيد رحمه الله تعالى يقول: " فلا بد للإنسان الذي يدخل عتبة الإسلام أن يخلع -الذي يدخل في الإسلام ويلتزم به- أن يخلع على عتبة الإسلام جميع ملابس الجاهلية ". من ملابس الجاهلية مثلاً: الأغاني، فالإنسان حتى بعد أن يمن الله عليه بالهداية والتوفيق؛ لابد أن تبقى فيه رواسب. أبو ذر ﵁ مع صدقه وثبوت قَدَمِه في الإسلام حصل له موقف مع بلال ﵁، وقال له كلمة، فقال له الرسول ﷺ : (إنك امرؤ فيك جاهلية) فالآن -أيها الإخوة- هذه حال كثير من الإخوة الملتزمين، فإنه لا يزال في أنفسهم أو لا يزال في بعض النفوس رواسب جاهلية سابقة تظهر بين الحين والحين، وليس بغريب أن الواحد أحياناً وهو ملتزم ينتبه فجأة وإذا به يردد أغنية، لماذا؟ لأنه أساساً عندما كان في ماضيه الأسود كان يحفظ هذه الأشياء وقد ترسَّخت في داخله، فتنطلق منه أحياناً بغير شعور. فينبغي إذا حصل منه هذا أن يتوب إلى الله ويستغفره، ويحاول أن يجاهد نفسه قدر الإمكان، ويخلص نفسه من هذه الألبسة الجاهلية، وإلا فإن هذه الملابس ستثور عليه يوماً ما وتطغى عليه وينتكس ويعود إلى الماضي.

стр. 1532

كفارة الحلف على شيء واحد أكثر من مرة السؤال ما كفارة الحلف على شيء واحد أكثر من مرة؟ الجواب قال العلماء إذا أقسم عدة أقسام على شيء واحد، ثم نكث بيمينه، فالكفارة واحدة، مثلاً: إنسان أقسم في يوم خمس مرات أنه لا يشرب السيجارة، يعني: أقسم خمس مرات، في الصباح، وفي الظهر، وفي العصر، وفي المغرب، وفي العشاء، ولكنه ما استطاع أن يصبر فشرب سيجارةً في الليل؟ فعليه كفارة يمين واحدة. أما إذا أقسم ثم نكث بيمينه، ثم أقسم ثم نكث بيمينه، هذا حالته مختلفة، نحن نتكلم على شخص أقسم أكثر من مرة على شيء ثم نكث فيه مرة واحدة فهذا عليه كفارة واحدة، كفارة يمين واحدة: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة:٨٩] وهذا لا يعني أنك عندما تصبح عليك كفارة تشرب السيجارة، لا. الكفارة تكون إلزاماً عليك بالإضافة إلى الإثم الذي ترتب عليه من شرب السيجارة.

стр. 1533

الحل لترك سماع الأغاني السؤال أنا والحمد لله أؤدي الصلاة وتوجد لدي الأشرطة الدينية؛ ولكن مشكلتي أنني أحاول ألا أسمع الأغاني، ولكن محاولتي تبوء بالفشل، أفيدونا جزاكم الله خيراً؟ الجواب هذه المحاولات والحمد لله تدل على أنك اهتديت، وأديت الصلاة، وعندك أشرطة إسلامية طيبة تنتفع بها، وهذه مهمة -أيها الإخوة- إيجاد البديل، فالواحد عندما يكثر من سماع الأغاني ثم يتوب لا بد أن ينشغل بأشرطة أخرى طيبة، أشرطة أخرى فيها مثلاً: أشياء حماسية، أو فيها مثلاً: أناشيد حماسية، ليست بالأناشيد الصوفية الضالة -مثلاًَ- أو فيها -مثلاً- أخلاقيات أو تعلم النفس الشمائل الطيبة، لا بأس بهذا، وكذلك المحاضرات، والخطب المفيدة، لا بد من الاستبدال، لا بد من استبدال السيء بالحسن، أما المحاولات -يا أخي- فلا بد أن تجاهد نفسك، وكما ذكرنا أن الوصول إلى هذه المراتب يحتاج إلى مجاهدة، ويحتاج إلى شدة وإلى معاناة؛ ولكن يعتمد على ضعف الإيمان وقوة الإيمان. وليس هناك وصف سحري أول ما تستخدمه تترك الأغاني، هذا غير ممكن، لا بد من مجاهدة، ولا بد من الاحتكاك ومخالطة الأصحاب الطيبين الذين يشغلون وقتك بالعلوم النافعة والأشياء الطيبة عن سماع مثل هذه الأغاني، وحاول ألا تخلو بنفسك حتى يسوِّل لك الشيطان؛ لأن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد. وفقنا الله وإياكم لطاعته ومحبته. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 1534

أهمية الرفق في حياة المسلم الرفق هو لين الجانب بالقول والفعل، والأخذ بالأسهل والألطف، وهو أهم ما يكون في حياة المسلم وبالذات في حياة الداعية؛ لأنه يواجه الكثير من الأشياء التي يحتاج فيها إلى اللين والرفق، وقد كان الرسول ﷺ هو القدوة لجميع الدعاة في هذا الجانب، فهو أرفق الناس بأمته ﵊.

стр. 1535

أهمية الرفق الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. إخواني في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ فهذا موضوعٌ أخلاقيٌ عظيمٌ من الأخلاق الفاضلة التي حث عليها الإسلام حثاً شديداً كما سيتبين معنا إن شاء الله في طيات الآيات والأحاديث، وهذا الموضوع -أيها الإخوة- موضوع الرفق يدخل في أعمال كثيرة من الأعمال التي يقوم بها الإنسان المسلم، ولعلكم تتبينون معي إن شاء الله تعالى بحوله وقوته دخول هذا الخلق العظيم في مواضيع شتى من الأشياء التي يؤديها المسلم يومياً، بل إنه يدخل في أبواب عظيمة من أبواب الإسلام. والرفق -أيها الإخوة- كما يعرفه علماؤنا يقولون: الرفق: هو لين الجانب بالقول والفعل، والأخذ بالأسهل واللطف وحسن الصنيع، وضده العنف والشدة, والرفق -أيها الإخوة- نعمة عظيمة من نعم الله ، من أعطاه الله إياها، فقد فاز بخيرٍ عظيمٍ في الدنيا والآخرة، ولذلك امتن الله على رسوله ﷺ بأنه رفق ولان لإخوانه المسلمين، فجمعهم الله على رسوله بهذا الرفق وبهذا اللين، فقال : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] قال ابن كثير ﵀: أي لو كنت سيئ الكلام، قاسي القلب عليهم، لانفضوا عنك وتركوك، ولكن الله جمعهم عليك، وألان جانبك لهم تأليفاً لقلوبهم. فالدرس الأول من هذه الآية يا إخواني: أنك إذا سألت ما هو الشيء الذي يجمع قلوب الناس وأنفسهم في مجتمع واحد على رجل واحد تكون كلمتهم واحدة ويداً واحدة؟ إنه الرفق واللين الذي قال الله تعالى عنه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٩] وإذا سألت عن سبب تفرق القلوب الذي ينتج عنه تفرق الأجسام والتنازع الذي يحصل بين أفراد المجتمع، فاعلم يا أخي المسلم بأنه العنف والحدة والغلظة التي هي ضد الرفق، ولذلك قال : ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]. ولذلك كان وصف رسول الله ﷺ في القرآن قول الله : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] فهو إذاً بالمؤمنين رءوفٌ رحيمٌ، أما صفة رسول الله ﷺ في الكتب المتقدمة من قبلنا، فهو ما رواه البخاري رحمه الله تعالى بإسنادٍ صحيح إلى عبد الله بن عمرو بن العاص أن هذه الآية التي في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ [الأحزاب:٤٥] قال: (في التوراة مقابل هذه الآية: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، وحرزاً للأميين أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاباً في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن ليعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله، ويفتحوا بها أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً). رواه البخاري. فالشاهد من صفة رسول الله ﷺ في التوراة قوله: ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخابٍ في الأسواق، فالرسول ﷺ ليس فظاً، ولا غليظاً، وهذه الصفة في الرسول ﷺ هي التي جمعت عليه الصحابة، وفتحت له قلوب الناس، فكانوا معه يداً واحدة، يأتمرون أمرهم على قلب رجلٍ واحدٍ هو رسول الله ﷺ ، فيجب على كل رجل يريد أن يؤلف الناس على الإسلام أن يلين لهم ويرفق بهم، وهذا الخلق العظيم من الأخلاق التي يحبها الله ، فلذلك روى الإمام مسلم عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف) قال ابن حجر ﵀ في كتاب الأدب من صحيح البخاري عن هذا الحديث: يعني: أن الرفق يتأتى معه من الأمور ما لا يتأتى مع ضده، تأتيك بالرفق أشياء، وتنفتح لك مغاليق أمورٍ لا تنفتح لك بغير الرفق مطلقاً، ولذلك قال الشاعر: من يستعن بالرفق في أمره قد يخرج الحية من جحرها أشياء كثيرة قد تبدو مستحيلة في ظاهرها، وفي بداية الأمر صعبة جداً، تنال بالرفق، الرفق هو الذي يأتيك بها؛ لأن الله كتب أنه يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، يعطي عليه أشياء صعبة مستحيل أن يعطيها بغير الرفق، أما بالعنف، فلا يأتي شيء البتة، ولا تستفيد منه مطلقاً، وتظل الأمور منغلقة عليك. والقول الثاني في هذا الحديث كما يقول ابن حجر ﵀: وقيل المراد يثيب على الرفق ما لا يثيب على غيره، يعني: يعطي ثواباً على الرفق ما لا يعطي على شيء آخر، ولذلك يقول ﵇ مبيناً الأثر السلبي والدرجة الواطئة التي يكون عليها الرجل العنيد الذي حرم الرفق بقوله ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد والترمذي عن أبي الدرداء مرفوعاً: (من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير، ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من الخير) إذا لم يوجد رفق يعني: لا يوجد خير، هكذا بهذه البساطة، ويقول ﵊ في الحديث الصحيح الآخر: (من يحرم الرفق يحرم الخير كله) قال النووي ﵀: أي: يحرم كل الخير الناشئ والناتج من الرفق، وغلظ القلب كما قال العلماء: هو عبارة عن تجهم وجه، وقلة الانفعال في الرغائب، وقلة الإشفاق والرحمة، ومن ذلك قول الشاعر: يبكى علينا ولا نبكى على أحد لنحن أغلظ أكباداً من الإبلِ فالذي ليس عنده رفق، ولا عنده هذا اللين، لن يبكي على المحرومين من خلق الله مطلقاً.

стр. 1536

أبواب يدخل فيها الرفق والرفق أيها الإخوة! له جوانب عديدة وتطبيقات كثيرة، ويدخل في أبواب عظيمة، فمن هذه الأبواب:

стр. 1537

تربية النفس أولاً: تربية النفس، وأخذ الدين، كيف يدخل الرفق في تربية النفس، وفي أخذ الدين؟ يقول رسول الله ﷺ : (إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق) حديث حسن، رواه الإمام أحمد والنسائي مرفوعاً في صحيح الجامع. ما معنى (فأوغلوا فيه برفق)؟ قال ابن الأثير ﵀ في كتابه النهاية: يريد سر فيه برفق، وابلغ الغاية القصوى منه، لأن بعض الناس ربما يفهم سر برفق يعني: خذ قليلاً برفق هكذا يفهم بعض الناس، ومعنى هذا أنك لا تبلغ الغاية العظمى لنفسك في الدين، إذا فهمت هذا المفهوم الخاطئ، ولذلك يقول ابن الأثير ﵀: يريد سر فيه برفق، وابلغ الغاية القصوى منه. أنت حدد أن القمة هي الهدف، لا تقل: أنا سأبقى عند السفل، حدد أنك ستصل إلى القمة، لكن كيف تصل؟ تصل برفق، لكن هذا لا يعني أن تضع في حسبانك أنك ستبقى في أسفل الجبل، لا. ويقول: بالرفق لا على سبيل التهافت والخرق، ولا تحمل على نفسك وتكلفها ما لا تطيق، فتعجز وتترك الدين والعمل، أي أن المقصود من الحديث سر برفق، ولا تحمل نفسك ما لا تطيق، لأنك إذا حملت نفسك في البداية تكليفات عظيمة، فإنك ستعجز بعد فترة قليلة من الزمن، لأنك لا تستطيع أن تمشي فجأة بدون تجرد سيراً سريعاً في الدين، فيبدأ بصيام النفل فيصوم يوماً ويفطر يوماً، ويقوم أكثر الليل، ويقرأ خمس ساعات في اليوم، في البداية لو أنك اتخذت هذا المنهج وهذا الأسلوب بدون تدرج، فإنك ستعجز، وستنقطع عن الدين وعن العمل، وهذا حال كثير من الجهلة الذين يهجمون على الدين هجوماً يريدون أن يتعلموا الدين ويطبقوه في أيام، فتكون النتيجة انقلاب مفاجئ بعد فترة قصيرة من الزمن. وهذه الأحاديث التربوية أيها الإخوة على جانب عظيم من الأهمية، وانظروا إلى مدى دخول الرفق في هذه الجوانب، يقول ﵊ في الحديث الذي يرويه الإمام أحمد والحاكم عن بريدة وهو حديث صحيح في صحيح الجامع: (عليكم هدياً قاصداً، فإنه من يشاد هذا الدين يغلبه) الذي يشاد الدين يغلبه الدين، ما معنى: (عليكم هدياً قاصداً) قال المناوي ﵀ في فيض القدير: أي: طريقاً معتدلاً غير شاقٍ، الزموا القصد في العمل وهو استقامة الطريق، والأخذ بالأمر الذي لا غلو فيه ولا تقصير. وهذا الكلام مهم، لأن بعض الناس يقول: أنا آخذ من الدين نسبة بسيطة، يعني: أقع في محرمات لا بأس، لا أريد أن أضغط على نفسي، وليس هذا هو المقصود من الحديث، المقصود من الحديث: أنك تسير في طريق لا غلو فيه، ولا تقصير، فالغلو مثلما كان يفعل الخوارج، أو مثلما جاء الثلاثة إلى أبيات الرسول ﷺ ، وقال أحدهم: أنا أقوم الليل ولا أنام، وأحدهم قال: أنا أصوم ولا أفطر، وأحدهم قال: أنا لا أتزوج النساء، هذا غلو، لكن ليس من الغلو أن تلتزم بسنن الرسول ﷺ في مظهرك وملبسك، وليس من الغلو أن تؤدي صلاة الجماعة في المسجد حتى صلاة الفجر، والأمثلة كثيرة يظنها الناس غلواً وليست بغلو، وإنما أتوا من جهلهم بالدين وغفلتهم وسطحيتهم في فهم الدين. والأخذ بالأمر الذي لا غلو فيه ولا تقصير، هو معنى قول رسول الله ﷺ : (عليكم هدياً قاصداً) ما معنى: أنك إذا شاددت الدين، يغلبك؟ يعني: من يقاومه ويقاويه ويكلف نفسه من العبادات فوق طاقته، يؤدي به ذلك إلى التقصير في العمل، وترك الواجبات، النفس -أيها الإخوة- ليست آلة، وإنما لها حدود وطاقات، فإذا قمت من البداية بالالتزام بالنوافل الكثيرة من غير تدرج وترويض وألزمت بها نفسك، فإنك ستتعب، ولا يمكن أن تواصل في نفس المستوى، فسينقطع بك الطريق، وتسقط في هاوية الانحراف والنكوص على عقبيك والعياذ بالله. فإذاً: الرفق في أخذ الدين مهم، ومن الشواهد الصحيحة من أحاديث الرسول ﷺ ما يلي: قال ﷺ في الحديث الصحيح الذي يرويه الإمام أحمد وأبو داود عن عائشة مرفوعاً: (اكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل) وإن قل: لا يعني: أن ينزل إلى درجة المحرمات، أو ترك الواجبات، لا. أنت ملتزم بالواجبات، ومنته عن المحرمات، لكنك لا تأخذ من نوافل الأمور أشياء أكثر من الذي تطيقها نفسك بغير تدرج: (اكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل). فحتى لا تصبح المسألة -أيها الإخوة- مسألة حماس واندفاعية مؤقتة تنتهي بعد فترة قصيرة من الزمن، لا بد من الرفق في أخذ الدين، هذا جانب يدخل فيه -أيضاً- الرفق في طلب العلم، بعض الناس يريدون أن يطلبوا العلم فيتحمسون، يتحمس من كلمة يسمعها، أو خطبة، أو شريط، أو يفكر في نفسه، فيرى أنه مقصر جداً في طلب العلم، ماذا يفعل؟ يذهب ويبدأ بالمجلدات الضخمة التي ليس عنده قدرة على فهمها والقراءة فيها، ويقول: أنا سأقرأ اليوم خمس ساعات، سبع ساعات، لابد أن أجلس، وأجلس، وأجاهد نفسي، من البداية وهذا لا يصلح، لا بد أن ترفق بنفسك، فتأخذ الكتب بالتدرج، الأسهل فالأصعب فالأصعب وهكذا، تأخذ الأشياء الواضحة في المعنى المبسطة في الأسلوب، ثم بعد ذلك ترتقي في قراءتك وفهمك حتى تصل إلى المستوى الذي تقرأ فيه أصعب الكتب، وهذا لا يعني تثبيطاً ولا تخذيلاً، وإنما سلوك الطريق الصحيح.

стр. 1538

الرفق مع الإخوان النوع الآخر الذي يدخل فيه الرفق: الرفق مع الإخوان: الإنسان منا -أيها الإخوة- له أصدقاء وله زملاء وله إخوان في الله، أناس كثيرون له علاقة بهم، هؤلاء الناس لا بد أن يرفق بهم، قال الله لرسوله ﷺ : ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٢١٥] اخفض جناحك: أي: كن ليناً هيناً رفيقاً بهم متواضعاً لهم فرِساً معهم، لذلك -أيها الإخوة- إذا دققت في الأسباب التي تؤدي إلى انفصام عرى الأخوة بين كثير من المسلمين، وجدتها في طرف من الأطراف، أو في كلا الطرفين، لوجدت الأمر حدة في الطبع، وصعوبة في التعامل، وخشونة في الألفاظ، وغلظة، وعزة على المسلمين، بدلاً من أن يكون الأمر: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤]. انقلب الأمر عند كثير من المسلمين اليوم للأسف إلى أن يكونوا أذلة على الكافرين، أعزة على إخوانهم المؤمنين، فكثيراً ما يجد الأخ بينه وبين أخيه وحشة وتنافراً، لو دقق في التفكير لوجد السبب يعود إلى هذه العوامل التي ذكرناها التي يسببها فقدان الرفق. انعدام الرفق هو الذي يسبب هذه الوحشة وهذا التقاطع وهذا التنافر، لا بد -أيها الإخوة- من قبول أعذار الناس، والمساهلة معهم كما قال علماء السلف، لا بد من اللين مع الإخوان في المعاملة، ولا بد من خفض الجناح، كان رسول الله ﷺ كما ورد في الحديث الصحيح الذي يرويه الإمام أبو داود والحاكم عن جابر ﵁ مرفوعاً قال: (كان رسول الله ﷺ يتخلف في المسير، فيزجي الضعيف، ويردف، ويدعو له) انظروا إلى لين الرسول ﷺ ورفقه بإخوانه، كانوا في الجيش فإذا تقدم الناس كان الرسول يتخلف إلى الوراء، ولا يكون دائماً في المقدمة، فيرى من هو الضعيف، ومن هو المسكين العاجز، ومن هو الذي ليس عنده دابة تحمله، فيحمله الرسول ﷺ ، ومن هو الذي يحتاج إلى مساعدة وإعانة، فيعينه الرسول ﷺ بالعمل والدعاء، لأنه قال في الحديث: (كان يتخلف في المسير، فيزجي الضعيف، ويردف) يردفه وراءه على دابته رفقاً بهم وبحالتهم، (ويدعو لهم) وهكذا في صحيح الجامع.

стр. 1539

الرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكذلك -أيها الإخوة- يدخل الرفق دخولاً أساسياً في موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نحن الآن نستعرض استعراضاً بعض الجوانب التي يدخل فيها الرفق، ولا نريد أن نفصل في جانب معين، لأن هذا الجانب يصلح أن يكون موضوعاً مستقلاً بذاته. الرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من القواعد التي وضعها علماؤنا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، يقول: لا بد للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون عالماً فيما يأمر، عالماً فيما ينهى رفيقاً فيما يأمر، رفيقاً فيما ينهى. بعض الناس قد يكون عندهم علم أن هذا معروف، وأن هذا منكر، لكن ليس عنده رفق في الدعوة، ليس عنده رفق في أسلوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولذلك ترى نتيجة جهود هذا الرجل عشوائية ساقطة فاسدة، لا أحد يستجيب له، ولا يصغي إليه، بل إن النتيجة هي الإعراض وشذوذ الناس الذين يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ما هو السبب؟ افتقاد هذا الخلق الإسلامي العظيم، خلق الرفق في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، انظروا معي إلى هذه الحادثة التي لو سارت بشكل آخر، لو سارت الحادثة كما سارت في بدايتها، كيف ستكون النتيجة؟ روى البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: [قام أعرابي، فبال في المسجد] جريمة عظيمة جداً أن يقوم أحدهم ويبول في المسجد، مكان العبادة وأطهر مكان، فالصحابة انبهروا لهذا التصرف، فتناوله الناس، وفي رواية للبخاري -أيضاً- فسار الناس ليقعوا فيه، فقال لهم النبي ﷺ : (دعوه لا تزرموه) يعني: لا تقطعوا عليه بوله، قد ينحبس البول فيتضرر الرجل، أو يهرب وتنتشر النجاسة في بقعة أوسع من المسجد، فلما قضى الأعرابي بوله، قال النبي ﷺ : (أريقوا على بوله سجلاً، -بمعنى دلواً وزناً ومعنى- فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين) رواه البخاري ﵀ في كتاب الوضوء باب صب الماء على البول في المسجد. لو أن الأمور سارت بالشكل الذي بدأ به الصحابة، كيف ستكون النتيجة؟ أولاً: الوحشة في نفس الأعرابي، وربما يترك الإسلام، وربما كان قادماً ليسلم، فربما يرجع بعد أن يجد هذه المعاملة، وأيضاً: انتشار البول، وقد يتضرر شخصياً. ما دام الأمر حدث وانتهى، فلا بد من درء أعلى المفسدتين في ارتكاب أدناهما، فلذلك الرسول ﷺ أوقفهم، وجاءت الروايات بعد ذلك أن هذا الأعرابي قال: [اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً] لأن هذا هو التصرف الذي رآه من الرجل العظيم الرسول ﷺ ، فلا بد من الرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا بد من اللين، ولذلك قال الله تعالى لموسى وهارون عندما أرسلهما إلى فرعون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾ [طه:٤٤] لماذا قولاً ليناً؟ ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] بعث أعظم داعيتين في زمانهما إلى أسوء مخلوق في زمانه فرعون، وقال لهما: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾ [طه:٤٤] فما بالكم اليوم بإخواننا المسلمين الذين يخطئون كيف نوجههم ونرشدهم؟ إذا كان أعظم داعية أرسل إلى أسوء مخلوق، فقيل له: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾ [طه:٤٤] فكيف يجب أن يكون موقفنا نحن؟ فقد يرى بعض الناس منكراً، فيثورون بعنف بلا حكمة، ولو أنهم تريثوا في الأمر وألانوا القول لكان خيراً لهم. ومن الأمور التي يدخل فيها الرفق -أيضاً- في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أنه إذا كان النهي عن المنكر يحصل بدون عنف وغلظة وهي ضد الرفق، فلا داعي لها عندئذٍ، ومما يشهد لهذا المعنى ما رواه البخاري ﵀ عن عائشة ﵂، قالت: (دخل وفدٌ من اليهود على رسول الله ﷺ ، فقالوا: السام عليكم -يعني: الموت- فـ عائشة تقول: ففهمتها - عائشة كانت فطنة وذكية- قالت: ففهمتها، وقلت: وعليك السام واللعنة، إخوان القردة والخنازير، قالت: فقال رسول الله ﷺ : مهلاً يا عائشة! فإن الله يحب الرفق في الأمر كله، فإن الله يحب الرفق في الأمر كله فقلت: يا رسول الله! أولم تسمع ما قالوا؟ فقال رسول الله ﷺ : فقد قلت وعليهم -يعني: سمعت ما قالوا وفهمت أيضاً- ولكن قلت: وعليكم، وبما أننا يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا، فدعاؤنا عليهم مستجاب، ودعاؤهم علينا غير مستجاب) فهم قالوا: الموت عليكم، فأنا قلت: وعليكم، فالذي يستجاب دعاء الرسول ﷺ ، ودعاء المؤمن على هذا الرجل اليهودي أو النصراني، أو الكافر الذي يقول له: السام عليكم، فمادام -أيها الإخوة- حصل المقصود، ورد كيد اليهود في نحورهم، لقول الرسول ﷺ : (وعليكم) فما دام أن الغلظة عليهم، لأننا الآن مأمورون بالغلظة على اليهود والكفار، لا نعاملهم المعاملة الحسنة، لكن هذا لا يعني -يا إخواني- أن نطلق السباب والشتائم عليهم بغير داعي، لما حصل المقصود بالدعاء عليهم بالموت، والرد عليهم بقول الرسول ﷺ : (وعليكم) فلماذا قول: وعليكم السام واللعنة إخوان القردة والخنازير؟ فيقول ابن حجر ﵀: والذي يظهر أن النبي ﷺ أراد ألا يتعود لسانها بالفحش، أو أنكر عليها الإفراط في السب.

стр. 1540

الرفق في دعوة الناس إلى الإسلام والرفق -أيها الإخوة! - يدخل دخولاً أساسياً كذلك في دعوة الناس إلى الإسلام، وتعليمهم إياه، وتربيتهم عليه. أما الرفق في دعوة الناس إلى الإسلام، فله أمثلة كثيرة في السيرة النبوية، كان الرسول ﷺ يقول: أتسمع يا أبا الوليد؟ أتجلس؟)، وكان يقول لـ ثمامة: (ما عندك يا ثمامة؟) وكان يقول لفلان: (ألا أدلك على أمر خير من هذا؟) كان ﷺ يتلطف في أسلوب الدعوة، كان ليناً في دعوة الناس إلى الإسلام، ولذلك فتح الله له برفقه مغاليق قلوب زعماء الكفر والإلحاد، وألان له نفوسهم كما يلان الحديد، ألينت له نفوسهم بسبب السلاح الفتاك الذي استعمله وهو الرفق، الرفق سلاح فعال استعمله الرسول ﷺ في الدعوة، فأسلم ثمامة، وأسلم غيره من الكفرة الذين كانوا من زعماء الضلال والشرك، وصاروا قادة في الإسلام، وقدوات في الدين بعد ذلك، كان السبب هو أسلوب الرفق المستخدم في دعوته إلى الإسلام.

стр. 1541

الرفق في تعليم الناس وأما استخدام الرفق في تعليم الناس، فأمثلته كثيرة -أيضاً- ومنها: ما رواه مسلم وغيره في صحيحه عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ وأرضاه وهو رجل أتى من البادية، وكان قبل ذلك موجوداً لكنه خرج في عمل له في البادية، وكان الكلام في الصلاة مباحاً، وكان بعض الصحابة يقول لأخيه: هذه الآيات التي يقرأها رسول الله ﷺ في أي سورة؟ ومتى نزلت؟ كان الكلام مباحاً في الصلاة، ثم نزل قول الله : ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] فحرم الكلام، هذا الرجل جاء من البادية ولم يعلم بأن الكلام في الصلاة قد صار محرماً، فدخل في الصلاة مع الناس، قال: (بين أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: وا ثكل أمياه!) يعني: وافقد أمي إياي فإني هلكت فقال: (وا ثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي؟) يعني: انظر عندما لا يكون هناك رفق، الأمور تسوء أكثر، لأن الرجل ماذا قال في الأول؟ قال: يرحمك الله، الآن هذا الرجل مستحيل تعليمه فكيف يتعلم؟ رموه بأبصارهم فزاد الأمر سوءً، وتكلم الرجل زيادة، قال: وا ثكل أمياه، مالكم تنظرون إلي؟ والصحابة -أيضاً- لا يستطيعون أن يتكلموا (فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم -زيادة في التنبيه- فلما رأيتهم يصمتونني، لكنني سكت) قال في السيرة: لما رأيتهم يصمتونني، يعني: غضبت وتغيرت، لكني سكت. (فلما صلى رسول الله ﷺ ، فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ما نهرني، ولا ضربني، ولا شتمني، ثم قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله ﷺ هذه من لفظة معاوية، ربما ما كان يحفظ الحديث بالضبط، ولذلك قال: أو كما قال رسول الله ﷺ ، وهذه هي الطريقة الصحيحة عندما يروي الإنسان حديثاً ليس متمكناً من ألفاظه. ووقع في رواية لـ أبي داود: (فما رأيت معلماً قط أرفق من رسول الله ﷺ لاحظ هذه العبارة ولاحظ كيف أدى الرفق في التعليم الهدف المطلوب، الكلام حصل في الصلاة وانتهينا، الآن لا نستطيع أن نرجع الزمن ونعدل الأمور، فإذاً ما هو الحل؟ أن نصبر على هذا الرجل حتى تتاح الفرصة المناسبة لتفهيمه وتعليمه، وعند ذلك ينتهي الإشكال. وكذلك الرسول ﷺ كان رفيقاً بمن يعلمهم، كان الناس يأتون الرسول ﷺ من شتى الأماكن ليتعلموا، يسافرون إلى المدينة لطلب العلم، فيجلسون عند الرسول ﷺ ، هؤلاء الناس الذين يأتون عندهم أهل يشتاقون إليهم، فماذا كان يفعل الرسول ﷺ بهؤلاء الناس الذين يأتون ليتعلموا؟ انظر كيف كان يرفق بهم، من كلام هؤلاء الرجال روى البخاري ﵀ عن مالك بن الحويرث، قال: (أتينا إلى النبي ﷺ ونحن شببة متقاربون) شببة يعني: جمع شاب تجمع على شببة، متقاربون يعني: في السن، مالك بن الحويرث جاء مع إخوانه شباب حديثي عهد، أعمارهم متقاربة (فأقمنا عنده عشرين يوماً وليلةً نتعلم، وكان رحيماً رفيقاً، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا، قال: ارجعوا) هؤلاء الصحابة جاءوا لكن اشتاقوا إلى أهليهم واستوحشوا، وتغيرت نفسياتهم نوعاً ما بسبب ابتعادهم وحنينهم، فالغريب يحن إلى أهله، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا، قال: (ارجعوا فكونوا فيهم، وعلموهم، ومروهم، وصلوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم). لماذا قال: (وليؤمكم أكبركم) ولم يقل: يؤمكم أقرأكم؟ لأن هؤلاء الناس جاءوا مع بعض، وتعلموا مع بعض، يعني: أنهم حفظوا مع بعض، فكان علمهم متقارباً وهجرتهم واحدة، فانتقل الأمر إلى كبر السن، فقال: (وليؤمكم أكبركم) والأفضل أن الناس يؤمهم أقرؤهم بشرط أنه إذا كان هناك ثلاثة علماء هل يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، يعني: أحفظهم للكتاب، وأجودهم قراءة، أم يؤمهم أفقههم في الدين؟ فقال بعض العلماء: يؤمهم الأفقه، فإذا تفاوتوا في الفقه، ينظر في الحفظ، وقال بعضهم: يؤم الأحفظ مطلقاً، والقول الوسط الذي جمع ابن حجر ﵀ بين القولين، قال: يؤم الأحفظ بشرط أن يكون عنده من الفقه ما يقيم به صلاته، ويعرف كيف يتصرف إذا أخطأ في الصلاة، مثل أحكام سجود السهو، وترك الواجب إلى آخره، فعند ذلك يؤم الأحفظ، وإذا لم يكن فقيهاً فيؤم الأفقه، قال ابن حجر: باتفاق العلماء. فقال: (فإذا حضرت الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم). إذاً -أيها الإخوة- كان رسول الله ﷺ يرفق بمن يعلم، فكان إذا شعر بأنهم قد حنوا إلى أهليهم، يسمح لهم بالذهاب، بل هو يأمرهم بالذهاب، يقول: (ارجعوا إلى أهليكم) والرجوع إلى الأهل على أية حال ليس شراً وانقطاعاً عن الخير، لا. بل فيه خير عظيم أيضاً، بأن ينشر الإنسان فيهم الدعوة، وينشر فيهم العلم، ويعلمهم ما تعلم من الخير، فرجوع الإنسان إلى موطنه من بلد العالم فيه خير ونفع عظيم.

стр. 1542

الرفق بالمسلمين إذا ولي من أمرهم شيئاً ثم نأتي -أيها الإخوة- على مسألة أخرى: وهي تحمل المسئولية؛ وتحمل المسئولية لا بد فيها من الرفق، وأؤكد على هذا الجانب بالذات تأكيداً شديداً، لأن الذي يتولى أمور المسلمين إذا لم يكن رفيقاً بهم، فإن الفساد والفوضى ستعم، والظلم سينتشر، فيقول رسول الله ﷺ في الحديث الذي روته عائشة ﵂، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به) رواه مسلم. لاحظ العبارة: (ومن ولي من أمر أمتي شيئاً) لا يشترط أن يكون الخليفة، فيمكن أن يكون أدنى منه بكثير، من ولي ولو أمر رجل واحد، من ولي أمر رجل واحد من المسلمين، يجب عليه أن يرفق به، فما بالك بالذي يلي أمر اثنين، أو ثلاثة، أو عشرة، أو مجموعة من البشر. فالمدير في مدرسته، والوزير في دائرته، وكل صاحب سلطان وولاية، وكل صاحب أسرة يجب أن يرفق بمن تحت يديه، وبمن هو مسئول عنه، وإلا فإن الله سيشق عليهم يوم القيامة، وفي الدنيا أيضاً، فالدعاء عام: (من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به) وهذا الدعاء من رسول الله ﷺ دعاءٌ مستجاب، ويؤكد ﵊ هذا المعنى بقوله في الحديث الذي رواه الإمام أحمد ومسلم عن عائد بن عمر ﵁ أن الرسول ﵊ قال: (إن شر الرعاع الحطمة) الراعي الذي يرعى الغنم، أو البقر إما أن يكون رحيماً بها، فيذهب بها إلى موارد الماء والعشب، ويريحها، ويعطيها فترة النوم والراحة، وإما أن يتعبها فيشق عليها، ويشد عليها، ويمنعها الأكل والماء والعشب، هذا الرجل الذي يحطم هذا القطيع الذي يرعاه هو من شر الناس. (إن شر الرعاع الحطمة) أي: شر الرعاع الراعي الذي يحطم قطيعه، قال العلماء في شرح الحديث: هذا مثل لطيف ضربه رسول الله ﷺ للراعي والرعية، فشر الناس الذي إذا تولى أمر رعية من المسلمين، جعل يحطمهم كما يحطم ذلك الراعي الغنم، وخيرهم الذي يرفق بهم ويلين معهم، ويسد خلتهم. وهذا عمر ﵁ خرج في الليل يعس، فسمع صوتاً من أحد البيوت، فاقترب منه فسمع امرأة تقول: تطاول هذا الليل واسود جانبه وأرقني أن لا خليل أداعبه فوالله لولا الله أني أراقبه لحرك من هذا السرير جوانبه تقول المرأة وهي زوجة لرجل ذهب في الجهاد، وتشكو نفسها، ولولا مخافة الله لحصل أمراً آخر، فـ عمر رفيق بالرعية، فقام فجمع النساء، فسأل: [كم تستطيع المرأة أن تصبر على زوجها؟ فقلن له: أربعة أشهر، فقال: إذاً لا أحد من الجنود يتغيب عن زوجته أربعة أشهر] فكان يجعل بينهم مناوبات فيذهب الأول ويبقى الثاني ويرجع الأول ويذهب الثاني وهكذا حتى تبقى العلاقة بين الزوج وزوجته، فكان رفيقاً برعيته، وهكذا يجب أن يكون كل من تولى مسئولية، أو أمراً من أمور المسلمين أن يكون رفيقاً بهم، فبعض الناس تجدهم يشدون على من تحت أيديهم من المسلمين، ويهلكونهم بالأعمال، وهذا -أيها الإخوة- فيه خطر عظيم، فيسبب العصيان والتمرد، ويسبب الوحشة في النفس والكراهية حتى على مستوى الصغير في البيت تجد الأولاد يكرهون الأب إذا كان شديداً عليهم، والزوجة تكره زوجها إذا كان شديداً عليها، وقد يتمرد الأولاد ويعصون الأب بسبب فقدان الرفق. فإذاً هذا هو مدار التعامل، ومدار استقامة الأمور.

стр. 1543

الرفق في الإمامة بالناس ومن جوانب الرفق كذلك أيها الإخوة: الرفق في الإمامة بالناس، بعض الأئمة يصلون بالناس، فيطيلون الصلاة جداً، وينهكون قوى الناس الذين يصلون وراءهم، وهذا الحديث يوضح هذا الأمر، فعن أبي مسعود عقبة بن عمرو البدري ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان -الإمام- مما يطيل بنا، يقول الراوي: فما رأيت النبي ﷺ غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذٍ، فقال: يا أيها الناس! إن منكم منفرين، فأيكم أمَّ الناس فليوجز، فإن من ورائه الكبير والصغير وذا الحاجة) متفق عليه. فلا بد من الرفق بالمأمومين، وهذا الإمام الذي تولى أمر الناس الذين وراءه لا بد أن يرفق بهم، ولا يطيل بهم، ولكن هنا نقطة لا بد من توضيحها، وإن كانت ليست في صلب الموضوع، ما معنى: فليوجز؟ فالرسول ﷺ يقول: (يا أيها الناس! إن منكم منفرين، فأيكم أمَّ الناس فليوجز) هل معنى يوجز أن يقرأ قل هو الله أحد وإنا أعطيناك الكوثر في الصلوات، هل هذا هو الإيجاز المطلوب؟ المعنى -أيها الإخوة- كما ذكر العلماء يعني: ليقتصر على ما ثبت في السنة ولا يزيد عليها مع إتمام الأركان والسنن، فلو أن الإنسان منا صلى الجمعة، فقرأ بالناس سورة المنافقين وسورة الجمعة، فاستغرق في القراءة -مثلاً- ربع ساعة، هل يعتبر هذا الرجل مطولاً على من وراءه، وأنه شق عليهم، وأنه نفرهم؟ لا. لأن الرسول ﷺ لما صلى بالناس الجمعة، قرأ بهم سورة الجمعة والمنافقين، وقرأ -أيضاً- سبح والغاشية، كان ينوع، ويقرأ -مثلاً- ق والرحمن أحياناً، فإذاً هذا هو معنى قول الرسول ﷺ : (فليوجز) وليس معناه أن يقرأ والعصر، وإنا أعطيناك الكوثر، وقل هو الله أحد.

стр. 1544

الرفق بالأهل والأولاد كذلك -أيها الإخوة- من الجوانب التي يدخل فيها الرفق أيضاً: الرفق في البيت بشكل عام ومع الزوجة والأولاد بشكل خاص، وهذه نقطة اجتماعية حساسة وخطيرة، ولا بد من الانتباه إليها، يقول رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح: (ما أعطي أهل بيت الرفق إلا نفعهم) رواه الطبراني عن ابن عمر صحيح الجامع. وقال ﷺ : (إذا أراد الله بأهل بيت خيراً، أدخل عليهم الرفق) قال شارح الحديث: يعني أدخل عليهم الرفق بحيث يرفق بعضهم ببعض، فيرفق الزوج بالزوجة، ويرفق الرجل بأبيه وأمه، ويرفق الأب والأم بالولد، ويرفق الإخوة بعضهم ببعض، وهم يرفقون بجيرانهم، وهكذا وعامة البيوت التي تفوح منها روائح المشاكل والخلافات والنعرات والشتات والفرقة، إذا تأملت فيها وجدت السبب عدم الرفق في علاقة أفراد البيت بعضهم ببعض، فإذا أتينا إلى مسألة الرفق بالزوجة فالرسول ﷺ يقول في الحديث الصحيح: (استوصوا بالنساء خيراً، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء) متفق عليه، وفي رواية لـ مسلم: (فإن ذهبت تقيمه كسرته، وكسرها طلاقها). الشاهد: (استوصوا بالنساء خيراً) أي: ارفقوا بهن، وقال ﵊ في الحديث الثاني الذي يرويه الترمذي: (فإنما هنَّ عوانٌّ عندكم) معنى عوان: أسيرات، المرأة في بيت زوجها كالأسير عند السجان، لا حول لها ولا قوة، هذا هو الغالب من أمر النساء، فلما كانت المرأة مسكينة لا حول لها ولا قوة، والأمر بيد الرجل، ولا بد من استئذانه، كان لا بد من أن يرفق بها الرجل، وأن يشفق عليها، وأن يرحمها، وأن يستوصي بها خيراً، ومرة اشتكى الصحابي إلى الرسول ﷺ تمرد النساء، فأذن لهم بالضرب عند الحاجة، فلما أذن بالضرب قام الرجال فأخذ كل واحد زوجته ونزل فيها ضرباً، فيقول الراوي: (فجاء النساء إلى أبيات الرسول ﷺ يشتكين) وهذا من فوائد كثرة زوجات الرسول ﷺ ، الرسول ﷺ اختصه بأنه تزوج أكثر من أربع، هذه الخاصية له من دون الأمة، فإن سأل سائل عن السبب، فهناك أسباب كثيرة منها متعلق بهذا الحديث؛ أن زوجات الرسول ﷺ كثرتهن تؤدي إلى سهولة نقل أوضاع المجتمع إلى الرسول ﷺ لكي يعلق عليها ويعقب، فكان نساء المجتمع يأتين إلى زوجات الرسول ﷺ ويخبرنهن بما يردنه، وهؤلاء ينقلن بدورهن إلى رسول الله ﷺ . المرأة -أيها الإخوة- فيها حساسية ليست في الرجل، وفيها ثقة ليست في الرجل، فلا بد من الاستيصاء بالنساء خيراً، وكثيرٌ من الرجال يستعملون العنف بشكل عجيب مع الزوجات، فمنهم من يضرب زوجته في الوجه، وقد نهى ﷺ عن الضرب بالوجه، حتى لو كانت مخطئة وتريد أن تعزرها بعد أن وعظتها في الكلام وهجرتها في المضجع، ووصلت إلى الضرب، فإنك تضرب، لكن لا تضرب الوجه، تضرب على الكتف، وعلى العقب، وعلى الظهر، وعلى الرجل في مكان لا يؤذي، أما الضرب على الوجه الذي قد يكسر سناً، أو يفقأ عيناً، أو يفقد السمع، هذا الضرب لا يجوز حتى لو كنت مصيباً، لا يجوز لك أن تضرب على الوجه، وبعض الرجال يمسكون التسلسل بالمقلوب، لا يبدأ بالموعظة الحسنة، ثم الهجر بالمضجع، ثم الضرب، أما البدء بالضرب فليس من الإسلام، ولا هذه تعاليم الإسلام، وليست هذه هي المعاملة الصحيحة. أيها الإخوة! نسمع أحياناً أشياء عجيبةً عن فعل بعض الرجال بزوجاتهم، يفعلون والله بهن أفعالاً لا ترضي الله مطلقاً، وتعجب أحياناً لرجل ظاهره الصدق والالتزام كيف يتعامل مع زوجته ألوان من التعامل لا تخطر ببال، بل قد يصل الأمر ببعضهم إلى أن يستعمل العنف حتى في جماع زوجته حتى تكرهه، يقول: أنا أريد أن أتزوج واحدة أخرى، فما هو الحل؟ يكون معها عنيفاً حتى تكرهه، وتقول: اذهب واكفنا من شرك، واذهب تزوج. فيا أيها الإخوة! ليس هذا هو الطريق، بعض الناس يعامل زوجته بهذه النفسية، وهذه القضية خطيرة جداً، ومخالفة صريحة واضحة لحديث الرسول ﷺ ، أين الاستيصاء بالنساء؟ وأين قول الرسول ﷺ : (ليس أولئك بخياركم)؟ أي: ليس أولئك الرجال بخياركم، وهذا الموضوع البسط فيه وارد جداً من واقع معاملات الناس اليوم، الغالب أن الرجل ليس هو المظلوم، الذي يحصل أن الرجل هو الذي يفرض عضلاته ويستخدم قوته، ويضرب زوجته ضرباً مبرحاً، ويوقع عليها شتى أنواع الإهانة والسب والشتم، أحياناً قد يكون أشد من الضرب بعدة مراحل، فيهينها ويحقرها، ويذكر معايبها، ولا يترك شاردة ولا واردة إلا ويقع فيها. فلا بد -أيها الإخوة- من تطبيق الإسلام، ليس الإسلام فقط خارج البيت وأمام الناس في المساجد، ومع الزملاء والأصدقاء وفي حلقات العلم، لا. لا بد من تطبيق الإسلام في البيوت، وإلا فماذا نستفيد إذا كان بيت كل واحد منا مهلهلاً مشتتاً مبعثراً، ليس هناك أواصر الرحمة بين الزوج وزوجته، وبعد ذلك ليسوا أولئك بخياركم حتى لو كانوا أعلم وأفقه وأكثر نشاطاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله، إذا أردت أن تصبح إنساناً ملتزماً بالإسلام، وجاداً في الالتزام بالإسلام فعليك أن ترفق بأهل بيتك. والرسول ﷺ في حادثة في طريق سفر أمر بالرفق بالنساء، فكان الرسول ﷺ في سفر، وكان معه بعض نسائه، وكن النساء يركبن الإبل، وكان هناك حادٍ يحدو هذه الإبل وهو غلام أسود حسن الصوت يقال له: أنجشة أي: يصدر الأصوات التي تحدو الإبل، وعليها نساء الرسول ﷺ ، ومعهن أم سليم امرأة أخرى، فقال النبي ﷺ : (رويدك يا أنجشة، رفقاً بالقوارير) قال أبو قلابة من رواة الحديث: يعني النساء. رواه البخاري في كتاب الأدب في صحيحه. قال العلماء في شرح الحديث: كنى عن النساء بالقوارير لرقتهن وضعفهن عن الحركة، والنساء شبهن بالقوارير في الرقة وضعف البنية، وقيل: إذا أسرعت الإبل لم يؤمن على النساء السقوط، يعني: يقول الرسول ﷺ لـ أنجشة: (يا أنجشة! رفقاً بالقوارير) أقل من الحداء قليلاً، حتى لا تسرع الإبل زيادة بفعل الحداء، وهذه المرأة رقيقة، ولا تتحمل سرعة الإبل، وقد لا تثبت على البعير وتستوي عليه استواءً كاملاً، فتسقط لأنها ضعيفة، فكأن الرسول ﷺ يقول لـ أنجشة: ارفق بهذه الإبل في المسير كأن على ظهورها قوارير، كيف لو كان على ظهور الإبل قوارير هل تسرع فيها؟ لا. لأن القوارير تتكسر. وقيل: إن الرسول ﷺ كره أن تسمع النساء الحداء، فشبه ضعف عزائمهن، وسرعة تأثير الصوت فيهن بالقوارير في سرعة الكسر إليها، الرسول ﷺ كان يخشى من الفتنة، وكان يسد كل طريق فيه فتنة، فكان يخشى أن هذا الرجل الذي صوته جميل، أن يفتن النساء بصوته، فيأتي في قلوبهن أشياء لا يرضاها الله تعالى، فقال له: (رفقاً بالقوارير) وبعض العلماء جمع بين المعنيين، ومنهم القرطبي ﵀ في مسلم، فقال: شبههن بالقوارير لسرعة تأثرهن وعدم تجلدهن، فخاف عليهن من حتف السير بسرعة السقوط، أو التألم من كثرة الحركة والاضطراب الناشئ من السرعة، أو خاف عليهن الفتنة من سماع النشيد، فلهذا قال الرسول ﷺ : (رفقاً بالقوارير). الخلاصة -أيها الإخوة- أنه يجب علينا أن نرفق بنسائنا، يرفق الإنسان بزوجته وأمه وأخته وابنته. أما بالنسبة للرفق بالأولاد، فقد كان ﷺ يرفق بالصبيان كثيراً، فورد في صحيح الجامع من رواية أبي داود الطيالسي عن أنس (أنه ﵊ كان رحيماً بالعيال) وورد -أيضاً- في الحديث المتفق عليه عن أنس ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ كان يزور الأنصار، ويسلم على صبيانهم، ويمسح رءوسهم، وقد كان يركب على ظهره الحسن والحسين، وكان يطيل السجود حتى ينزل الولد من على ظهره ﷺ ، وكان مرةً يخطب فترك الخطبة، لأنه رأى الحسن والحسين يمشيان ويتعثران في مشيتهما، فخشي عليهما، فقطع الخطبة ونزل وأخذهما وضمهما إليه، وهذا هو الحنان والرفق. والرجل الأعرابي الذي جاء إلى النبي ﷺ وقال: (إنكم تقبلون صبيانكم، إن عندي عشرة من الولد ما قبلت واحداً منهم، فقال ﷺ : أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك؟) أي: ماذا تريدني أن أفعل لك إن نزع الله الرحمة من قلبك؟ فالشاهد هنا -أيها الإخوة- أن بعض الناس لا يرأفون بأولادهم، ويشتدون عليهم في الضرب والعقوبة، وتحدث لذلك مآسٍ كثيرة، وبعض الأخبار التي نسمعها تجعلك تأسف جداً من هذه المعاملة، وتقف مندهشاً وتقول: أي أبٍ وأي أم اللذين يفعلان بأولادهما هذه الأفعال؟! ولقد سمعت من ولدٍ أن أباه كان إذا أراد أن يضربه أخذ سلكاً من النحاس الغليظ -سلك كهرب- وبدأ يضربه، وإذا لم يجد الأب السلك ذهبت الأم لتأتي بهذا السلك، وإذا أراد الولد أن يأكل لا يأكل معهم، يأكل بعدما ينتهون، يقولون: أنت نجس لا يصلح أن تأكل معنا، لكن بعد أن نقوم تعال فكل، وأن أباه مرةً في الشتاء القارس طرده إلى سطح البيت لينام في عشة للحمام، وأغلق عليه من غير غطاء. هذه الألوان، وهذا التحجر وغلظة القلب يمكن أن يؤدي -أيها الإخوة- ببساطة إلىمثل الذي حد

стр. 1545

الرفق في المعيشة كذلك أيها الإخوة! الرفق لا بد أن يكون -أيضاً- في المعيشة، يرفق الإنسان بمعيشته، بعض الناس يبذرون أموالهم في المأكولات واللبس وفرش البيت وغير ذلك، فلا بد أن يكون الإنسان رفيقاً في هذه الأشياء، ولذلك ورد في بعض الآثار عن سالم بن أبي الجعد أن رجلاً صعد إلى أبي الدرداء وهو في غرفة له، وهو يلتقط حباً منثوراً، فما جاء بالمكنسة وكنس الحب ورماه، وإنما ظل يلتقط هذا الحب، فقال أبو الدرداء: [إن من فقه الرجل رفقه في معيشته] هذا الحديث روي مرفوعاً، لكنه ضعيف وهو موقوف محتمل للتحسين، قال أبو الدرداء: [إن من فقه الرجل رفقه في معيشته] يعني: لا يتكلف ويتبسط في الحياة. بعض الناس عندهم تعقيد، ولذلك يعيش في شقاء، لأنه لا يمكن أن تنزل هذه الموضة والموديل في السوق دون أن يقتنيه، فيجلس ويتابع ويشقى، ويجري وراء هذه الأشياء المجمعة، ليس هذا هو الرفق في المعيشة الذي قال عنه أبو الدرداء: [إن من فقه الرجل رفقه في معيشته].
следующие страницы →