Полный текст (7 040 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
الرفق في تعليم الناس
وأما استخدام الرفق في تعليم الناس، فأمثلته كثيرة -أيضاً- ومنها: ما رواه مسلم وغيره في صحيحه عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ وأرضاه وهو رجل أتى من البادية، وكان قبل ذلك موجوداً لكنه خرج في عمل له في البادية، وكان الكلام في الصلاة مباحاً، وكان بعض الصحابة يقول لأخيه: هذه الآيات التي يقرأها رسول الله ﷺ في أي سورة؟ ومتى نزلت؟ كان الكلام مباحاً في الصلاة، ثم نزل قول الله : ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] فحرم الكلام، هذا الرجل جاء من البادية ولم يعلم بأن الكلام في الصلاة قد صار محرماً، فدخل في الصلاة مع الناس، قال: (بين أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: وا ثكل أمياه!) يعني: وافقد أمي إياي فإني هلكت فقال: (وا ثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي؟) يعني: انظر عندما لا يكون هناك رفق، الأمور تسوء أكثر، لأن الرجل ماذا قال في الأول؟ قال: يرحمك الله، الآن هذا الرجل مستحيل تعليمه فكيف يتعلم؟ رموه بأبصارهم فزاد الأمر سوءً، وتكلم الرجل زيادة، قال: وا ثكل أمياه، مالكم تنظرون إلي؟ والصحابة -أيضاً- لا يستطيعون أن يتكلموا (فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم -زيادة في التنبيه- فلما رأيتهم يصمتونني، لكنني سكت) قال في السيرة: لما رأيتهم يصمتونني، يعني: غضبت وتغيرت، لكني سكت.
(فلما صلى رسول الله ﷺ ، فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ما نهرني، ولا ضربني، ولا شتمني، ثم قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله ﷺ هذه من لفظة معاوية، ربما ما كان يحفظ الحديث بالضبط، ولذلك قال: أو كما قال رسول الله ﷺ ، وهذه هي الطريقة الصحيحة عندما يروي الإنسان حديثاً ليس متمكناً من ألفاظه.
ووقع في رواية لـ أبي داود: (فما رأيت معلماً قط أرفق من رسول الله ﷺ لاحظ هذه العبارة ولاحظ كيف أدى الرفق في التعليم الهدف المطلوب، الكلام حصل في الصلاة وانتهينا، الآن لا نستطيع أن نرجع الزمن ونعدل الأمور، فإذاً ما هو الحل؟ أن نصبر على هذا الرجل حتى تتاح الفرصة المناسبة لتفهيمه وتعليمه، وعند ذلك ينتهي الإشكال.
وكذلك الرسول ﷺ كان رفيقاً بمن يعلمهم، كان الناس يأتون الرسول ﷺ من شتى الأماكن ليتعلموا، يسافرون إلى المدينة لطلب العلم، فيجلسون عند الرسول ﷺ ، هؤلاء الناس الذين يأتون عندهم أهل يشتاقون إليهم، فماذا كان يفعل الرسول ﷺ بهؤلاء الناس الذين يأتون ليتعلموا؟ انظر كيف كان يرفق بهم، من كلام هؤلاء الرجال روى البخاري ﵀ عن مالك بن الحويرث، قال: (أتينا إلى النبي ﷺ ونحن شببة متقاربون) شببة يعني: جمع شاب تجمع على شببة، متقاربون يعني: في السن، مالك بن الحويرث جاء مع إخوانه شباب حديثي عهد، أعمارهم متقاربة (فأقمنا عنده عشرين يوماً وليلةً نتعلم، وكان رحيماً رفيقاً، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا، قال: ارجعوا) هؤلاء الصحابة جاءوا لكن اشتاقوا إلى أهليهم واستوحشوا، وتغيرت نفسياتهم نوعاً ما بسبب ابتعادهم وحنينهم، فالغريب يحن إلى أهله، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا، قال: (ارجعوا فكونوا فيهم، وعلموهم، ومروهم، وصلوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم).
لماذا قال: (وليؤمكم أكبركم) ولم يقل: يؤمكم أقرأكم؟ لأن هؤلاء الناس جاءوا مع بعض، وتعلموا مع بعض، يعني: أنهم حفظوا مع بعض، فكان علمهم متقارباً وهجرتهم واحدة، فانتقل الأمر إلى كبر السن، فقال: (وليؤمكم أكبركم) والأفضل أن الناس يؤمهم أقرؤهم بشرط أنه إذا كان هناك ثلاثة علماء هل يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، يعني: أحفظهم للكتاب، وأجودهم قراءة، أم يؤمهم أفقههم في الدين؟ فقال بعض العلماء: يؤمهم الأفقه، فإذا تفاوتوا في الفقه، ينظر في الحفظ، وقال بعضهم: يؤم الأحفظ مطلقاً، والقول الوسط الذي جمع ابن حجر ﵀ بين القولين، قال: يؤم الأحفظ بشرط أن يكون عنده من الفقه ما يقيم به صلاته، ويعرف كيف يتصرف إذا أخطأ في الصلاة، مثل أحكام سجود السهو، وترك الواجب إلى آخره، فعند ذلك يؤم الأحفظ، وإذا لم يكن فقيهاً فيؤم الأفقه، قال ابن حجر: باتفاق العلماء.
فقال: (فإذا حضرت الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم).
إذاً -أيها الإخوة- كان رسول الله ﷺ يرفق بمن يعلم، فكان إذا شعر بأنهم قد حنوا إلى أهليهم، يسمح لهم بالذهاب، بل هو يأمرهم بالذهاب، يقول: (ارجعوا إلى أهليكم) والرجوع إلى الأهل على أية حال ليس شراً وانقطاعاً عن الخير، لا.
بل فيه خير عظيم أيضاً، بأن ينشر الإنسان فيهم الدعوة، وينشر فيهم العلم، ويعلمهم ما تعلم من الخير، فرجوع الإنسان إلى موطنه من بلد العالم فيه خير ونفع عظيم.
стр. 1542
الرفق بالمسلمين إذا ولي من أمرهم شيئاً
ثم نأتي -أيها الإخوة- على مسألة أخرى: وهي تحمل المسئولية؛ وتحمل المسئولية لا بد فيها من الرفق، وأؤكد على هذا الجانب بالذات تأكيداً شديداً، لأن الذي يتولى أمور المسلمين إذا لم يكن رفيقاً بهم، فإن الفساد والفوضى ستعم، والظلم سينتشر، فيقول رسول الله ﷺ في الحديث الذي روته عائشة ﵂، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به) رواه مسلم.
لاحظ العبارة: (ومن ولي من أمر أمتي شيئاً) لا يشترط أن يكون الخليفة، فيمكن أن يكون أدنى منه بكثير، من ولي ولو أمر رجل واحد، من ولي أمر رجل واحد من المسلمين، يجب عليه أن يرفق به، فما بالك بالذي يلي أمر اثنين، أو ثلاثة، أو عشرة، أو مجموعة من البشر.
فالمدير في مدرسته، والوزير في دائرته، وكل صاحب سلطان وولاية، وكل صاحب أسرة يجب أن يرفق بمن تحت يديه، وبمن هو مسئول عنه، وإلا فإن الله سيشق عليهم يوم القيامة، وفي الدنيا أيضاً، فالدعاء عام: (من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به) وهذا الدعاء من رسول الله ﷺ دعاءٌ مستجاب، ويؤكد ﵊ هذا المعنى بقوله في الحديث الذي رواه الإمام أحمد ومسلم عن عائد بن عمر ﵁ أن الرسول ﵊ قال: (إن شر الرعاع الحطمة) الراعي الذي يرعى الغنم، أو البقر إما أن يكون رحيماً بها، فيذهب بها إلى موارد الماء والعشب، ويريحها، ويعطيها فترة النوم والراحة، وإما أن يتعبها فيشق عليها، ويشد عليها، ويمنعها الأكل والماء والعشب، هذا الرجل الذي يحطم هذا القطيع الذي يرعاه هو من شر الناس.
(إن شر الرعاع الحطمة) أي: شر الرعاع الراعي الذي يحطم قطيعه، قال العلماء في شرح الحديث: هذا مثل لطيف ضربه رسول الله ﷺ للراعي والرعية، فشر الناس الذي إذا تولى أمر رعية من المسلمين، جعل يحطمهم كما يحطم ذلك الراعي الغنم، وخيرهم الذي يرفق بهم ويلين معهم، ويسد خلتهم.
وهذا عمر ﵁ خرج في الليل يعس، فسمع صوتاً من أحد البيوت، فاقترب منه فسمع امرأة تقول:
تطاول هذا الليل واسود جانبه وأرقني أن لا خليل أداعبه
فوالله لولا الله أني أراقبه لحرك من هذا السرير جوانبه
تقول المرأة وهي زوجة لرجل ذهب في الجهاد، وتشكو نفسها، ولولا مخافة الله لحصل أمراً آخر، فـ عمر رفيق بالرعية، فقام فجمع النساء، فسأل: [كم تستطيع المرأة أن تصبر على زوجها؟ فقلن له: أربعة أشهر، فقال: إذاً لا أحد من الجنود يتغيب عن زوجته أربعة أشهر] فكان يجعل بينهم مناوبات فيذهب الأول ويبقى الثاني ويرجع الأول ويذهب الثاني وهكذا حتى تبقى العلاقة بين الزوج وزوجته، فكان رفيقاً برعيته، وهكذا يجب أن يكون كل من تولى مسئولية، أو أمراً من أمور المسلمين أن يكون رفيقاً بهم، فبعض الناس تجدهم يشدون على من تحت أيديهم من المسلمين، ويهلكونهم بالأعمال، وهذا -أيها الإخوة- فيه خطر عظيم، فيسبب العصيان والتمرد، ويسبب الوحشة في النفس والكراهية حتى على مستوى الصغير في البيت تجد الأولاد يكرهون الأب إذا كان شديداً عليهم، والزوجة تكره زوجها إذا كان شديداً عليها، وقد يتمرد الأولاد ويعصون الأب بسبب فقدان الرفق.
فإذاً هذا هو مدار التعامل، ومدار استقامة الأمور.
стр. 1543
الرفق في الإمامة بالناس
ومن جوانب الرفق كذلك أيها الإخوة: الرفق في الإمامة بالناس، بعض الأئمة يصلون بالناس، فيطيلون الصلاة جداً، وينهكون قوى الناس الذين يصلون وراءهم، وهذا الحديث يوضح هذا الأمر، فعن أبي مسعود عقبة بن عمرو البدري ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان -الإمام- مما يطيل بنا، يقول الراوي: فما رأيت النبي ﷺ غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذٍ، فقال: يا أيها الناس! إن منكم منفرين، فأيكم أمَّ الناس فليوجز، فإن من ورائه الكبير والصغير وذا الحاجة) متفق عليه.
فلا بد من الرفق بالمأمومين، وهذا الإمام الذي تولى أمر الناس الذين وراءه لا بد أن يرفق بهم، ولا يطيل بهم، ولكن هنا نقطة لا بد من توضيحها، وإن كانت ليست في صلب الموضوع، ما معنى: فليوجز؟ فالرسول ﷺ يقول: (يا أيها الناس! إن منكم منفرين، فأيكم أمَّ الناس فليوجز) هل معنى يوجز أن يقرأ قل هو الله أحد وإنا أعطيناك الكوثر في الصلوات، هل هذا هو الإيجاز المطلوب؟ المعنى -أيها الإخوة- كما ذكر العلماء يعني: ليقتصر على ما ثبت في السنة ولا يزيد عليها مع إتمام الأركان والسنن، فلو أن الإنسان منا صلى الجمعة، فقرأ بالناس سورة المنافقين وسورة الجمعة، فاستغرق في القراءة -مثلاً- ربع ساعة، هل يعتبر هذا الرجل مطولاً على من وراءه، وأنه شق عليهم، وأنه نفرهم؟ لا.
لأن الرسول ﷺ لما صلى بالناس الجمعة، قرأ بهم سورة الجمعة والمنافقين، وقرأ -أيضاً- سبح والغاشية، كان ينوع، ويقرأ -مثلاً- ق والرحمن أحياناً، فإذاً هذا هو معنى قول الرسول ﷺ : (فليوجز) وليس معناه أن يقرأ والعصر، وإنا أعطيناك الكوثر، وقل هو الله أحد.
стр. 1544
الرفق بالأهل والأولاد
كذلك -أيها الإخوة- من الجوانب التي يدخل فيها الرفق أيضاً: الرفق في البيت بشكل عام ومع الزوجة والأولاد بشكل خاص، وهذه نقطة اجتماعية حساسة وخطيرة، ولا بد من الانتباه إليها، يقول رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح: (ما أعطي أهل بيت الرفق إلا نفعهم) رواه الطبراني عن ابن عمر صحيح الجامع.
وقال ﷺ : (إذا أراد الله بأهل بيت خيراً، أدخل عليهم الرفق) قال شارح الحديث: يعني أدخل عليهم الرفق بحيث يرفق بعضهم ببعض، فيرفق الزوج بالزوجة، ويرفق الرجل بأبيه وأمه، ويرفق الأب والأم بالولد، ويرفق الإخوة بعضهم ببعض، وهم يرفقون بجيرانهم، وهكذا وعامة البيوت التي تفوح منها روائح المشاكل والخلافات والنعرات والشتات والفرقة، إذا تأملت فيها وجدت السبب عدم الرفق في علاقة أفراد البيت بعضهم ببعض، فإذا أتينا إلى مسألة الرفق بالزوجة فالرسول ﷺ يقول في الحديث الصحيح: (استوصوا بالنساء خيراً، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء) متفق عليه، وفي رواية لـ مسلم: (فإن ذهبت تقيمه كسرته، وكسرها طلاقها).
الشاهد: (استوصوا بالنساء خيراً) أي: ارفقوا بهن، وقال ﵊ في الحديث الثاني الذي يرويه الترمذي: (فإنما هنَّ عوانٌّ عندكم) معنى عوان: أسيرات، المرأة في بيت زوجها كالأسير عند السجان، لا حول لها ولا قوة، هذا هو الغالب من أمر النساء، فلما كانت المرأة مسكينة لا حول لها ولا قوة، والأمر بيد الرجل، ولا بد من استئذانه، كان لا بد من أن يرفق بها الرجل، وأن يشفق عليها، وأن يرحمها، وأن يستوصي بها خيراً، ومرة اشتكى الصحابي إلى الرسول ﷺ تمرد النساء، فأذن لهم بالضرب عند الحاجة، فلما أذن بالضرب قام الرجال فأخذ كل واحد زوجته ونزل فيها ضرباً، فيقول الراوي: (فجاء النساء إلى أبيات الرسول ﷺ يشتكين) وهذا من فوائد كثرة زوجات الرسول ﷺ ، الرسول ﷺ اختصه بأنه تزوج أكثر من أربع، هذه الخاصية له من دون الأمة، فإن سأل سائل عن السبب، فهناك أسباب كثيرة منها متعلق بهذا الحديث؛ أن زوجات الرسول ﷺ كثرتهن تؤدي إلى سهولة نقل أوضاع المجتمع إلى الرسول ﷺ لكي يعلق عليها ويعقب، فكان نساء المجتمع يأتين إلى زوجات الرسول ﷺ ويخبرنهن بما يردنه، وهؤلاء ينقلن بدورهن إلى رسول الله ﷺ .
المرأة -أيها الإخوة- فيها حساسية ليست في الرجل، وفيها ثقة ليست في الرجل، فلا بد من الاستيصاء بالنساء خيراً، وكثيرٌ من الرجال يستعملون العنف بشكل عجيب مع الزوجات، فمنهم من يضرب زوجته في الوجه، وقد نهى ﷺ عن الضرب بالوجه، حتى لو كانت مخطئة وتريد أن تعزرها بعد أن وعظتها في الكلام وهجرتها في المضجع، ووصلت إلى الضرب، فإنك تضرب، لكن لا تضرب الوجه، تضرب على الكتف، وعلى العقب، وعلى الظهر، وعلى الرجل في مكان لا يؤذي، أما الضرب على الوجه الذي قد يكسر سناً، أو يفقأ عيناً، أو يفقد السمع، هذا الضرب لا يجوز حتى لو كنت مصيباً، لا يجوز لك أن تضرب على الوجه، وبعض الرجال يمسكون التسلسل بالمقلوب، لا يبدأ بالموعظة الحسنة، ثم الهجر بالمضجع، ثم الضرب، أما البدء بالضرب فليس من الإسلام، ولا هذه تعاليم الإسلام، وليست هذه هي المعاملة الصحيحة.
أيها الإخوة! نسمع أحياناً أشياء عجيبةً عن فعل بعض الرجال بزوجاتهم، يفعلون والله بهن أفعالاً لا ترضي الله مطلقاً، وتعجب أحياناً لرجل ظاهره الصدق والالتزام كيف يتعامل مع زوجته ألوان من التعامل لا تخطر ببال، بل قد يصل الأمر ببعضهم إلى أن يستعمل العنف حتى في جماع زوجته حتى تكرهه، يقول: أنا أريد أن أتزوج واحدة أخرى، فما هو الحل؟ يكون معها عنيفاً حتى تكرهه، وتقول: اذهب واكفنا من شرك، واذهب تزوج.
فيا أيها الإخوة! ليس هذا هو الطريق، بعض الناس يعامل زوجته بهذه النفسية، وهذه القضية خطيرة جداً، ومخالفة صريحة واضحة لحديث الرسول ﷺ ، أين الاستيصاء بالنساء؟ وأين قول الرسول ﷺ : (ليس أولئك بخياركم)؟ أي: ليس أولئك الرجال بخياركم، وهذا الموضوع البسط فيه وارد جداً من واقع معاملات الناس اليوم، الغالب أن الرجل ليس هو المظلوم، الذي يحصل أن الرجل هو الذي يفرض عضلاته ويستخدم قوته، ويضرب زوجته ضرباً مبرحاً، ويوقع عليها شتى أنواع الإهانة والسب والشتم، أحياناً قد يكون أشد من الضرب بعدة مراحل، فيهينها ويحقرها، ويذكر معايبها، ولا يترك شاردة ولا واردة إلا ويقع فيها.
فلا بد -أيها الإخوة- من تطبيق الإسلام، ليس الإسلام فقط خارج البيت وأمام الناس في المساجد، ومع الزملاء والأصدقاء وفي حلقات العلم، لا.
لا بد من تطبيق الإسلام في البيوت، وإلا فماذا نستفيد إذا كان بيت كل واحد منا مهلهلاً مشتتاً مبعثراً، ليس هناك أواصر الرحمة بين الزوج وزوجته، وبعد ذلك ليسوا أولئك بخياركم حتى لو كانوا أعلم وأفقه وأكثر نشاطاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله، إذا أردت أن تصبح إنساناً ملتزماً بالإسلام، وجاداً في الالتزام بالإسلام فعليك أن ترفق بأهل بيتك.
والرسول ﷺ في حادثة في طريق سفر أمر بالرفق بالنساء، فكان الرسول ﷺ في سفر، وكان معه بعض نسائه، وكن النساء يركبن الإبل، وكان هناك حادٍ يحدو هذه الإبل وهو غلام أسود حسن الصوت يقال له: أنجشة أي: يصدر الأصوات التي تحدو الإبل، وعليها نساء الرسول ﷺ ، ومعهن أم سليم امرأة أخرى، فقال النبي ﷺ : (رويدك يا أنجشة، رفقاً بالقوارير) قال أبو قلابة من رواة الحديث: يعني النساء.
رواه البخاري في كتاب الأدب في صحيحه.
قال العلماء في شرح الحديث: كنى عن النساء بالقوارير لرقتهن وضعفهن عن الحركة، والنساء شبهن بالقوارير في الرقة وضعف البنية، وقيل: إذا أسرعت الإبل لم يؤمن على النساء السقوط، يعني: يقول الرسول ﷺ لـ أنجشة: (يا أنجشة! رفقاً بالقوارير) أقل من الحداء قليلاً، حتى لا تسرع الإبل زيادة بفعل الحداء، وهذه المرأة رقيقة، ولا تتحمل سرعة الإبل، وقد لا تثبت على البعير وتستوي عليه استواءً كاملاً، فتسقط لأنها ضعيفة، فكأن الرسول ﷺ يقول لـ أنجشة: ارفق بهذه الإبل في المسير كأن على ظهورها قوارير، كيف لو كان على ظهور الإبل قوارير هل تسرع فيها؟ لا.
لأن القوارير تتكسر.
وقيل: إن الرسول ﷺ كره أن تسمع النساء الحداء، فشبه ضعف عزائمهن، وسرعة تأثير الصوت فيهن بالقوارير في سرعة الكسر إليها، الرسول ﷺ كان يخشى من الفتنة، وكان يسد كل طريق فيه فتنة، فكان يخشى أن هذا الرجل الذي صوته جميل، أن يفتن النساء بصوته، فيأتي في قلوبهن أشياء لا يرضاها الله تعالى، فقال له: (رفقاً بالقوارير) وبعض العلماء جمع بين المعنيين، ومنهم القرطبي ﵀ في مسلم، فقال: شبههن بالقوارير لسرعة تأثرهن وعدم تجلدهن، فخاف عليهن من حتف السير بسرعة السقوط، أو التألم من كثرة الحركة والاضطراب الناشئ من السرعة، أو خاف عليهن الفتنة من سماع النشيد، فلهذا قال الرسول ﷺ : (رفقاً بالقوارير).
الخلاصة -أيها الإخوة- أنه يجب علينا أن نرفق بنسائنا، يرفق الإنسان بزوجته وأمه وأخته وابنته.
أما بالنسبة للرفق بالأولاد، فقد كان ﷺ يرفق بالصبيان كثيراً، فورد في صحيح الجامع من رواية أبي داود الطيالسي عن أنس (أنه ﵊ كان رحيماً بالعيال) وورد -أيضاً- في الحديث المتفق عليه عن أنس ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ كان يزور الأنصار، ويسلم على صبيانهم، ويمسح رءوسهم، وقد كان يركب على ظهره الحسن والحسين، وكان يطيل السجود حتى ينزل الولد من على ظهره ﷺ ، وكان مرةً يخطب فترك الخطبة، لأنه رأى الحسن والحسين يمشيان ويتعثران في مشيتهما، فخشي عليهما، فقطع الخطبة ونزل وأخذهما وضمهما إليه، وهذا هو الحنان والرفق.
والرجل الأعرابي الذي جاء إلى النبي ﷺ وقال: (إنكم تقبلون صبيانكم، إن عندي عشرة من الولد ما قبلت واحداً منهم، فقال ﷺ : أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك؟) أي: ماذا تريدني أن أفعل لك إن نزع الله الرحمة من قلبك؟ فالشاهد هنا -أيها الإخوة- أن بعض الناس لا يرأفون بأولادهم، ويشتدون عليهم في الضرب والعقوبة، وتحدث لذلك مآسٍ كثيرة، وبعض الأخبار التي نسمعها تجعلك تأسف جداً من هذه المعاملة، وتقف مندهشاً وتقول: أي أبٍ وأي أم اللذين يفعلان بأولادهما هذه الأفعال؟! ولقد سمعت من ولدٍ أن أباه كان إذا أراد أن يضربه أخذ سلكاً من النحاس الغليظ -سلك كهرب- وبدأ يضربه، وإذا لم يجد الأب السلك ذهبت الأم لتأتي بهذا السلك، وإذا أراد الولد أن يأكل لا يأكل معهم، يأكل بعدما ينتهون، يقولون: أنت نجس لا يصلح أن تأكل معنا، لكن بعد أن نقوم تعال فكل، وأن أباه مرةً في الشتاء القارس طرده إلى سطح البيت لينام في عشة للحمام، وأغلق عليه من غير غطاء.
هذه الألوان، وهذا التحجر وغلظة القلب يمكن أن يؤدي -أيها الإخوة- ببساطة إلىمثل الذي حد
стр. 1545
الرفق في المعيشة
كذلك أيها الإخوة! الرفق لا بد أن يكون -أيضاً- في المعيشة، يرفق الإنسان بمعيشته، بعض الناس يبذرون أموالهم في المأكولات واللبس وفرش البيت وغير ذلك، فلا بد أن يكون الإنسان رفيقاً في هذه الأشياء، ولذلك ورد في بعض الآثار عن سالم بن أبي الجعد أن رجلاً صعد إلى أبي الدرداء وهو في غرفة له، وهو يلتقط حباً منثوراً، فما جاء بالمكنسة وكنس الحب ورماه، وإنما ظل يلتقط هذا الحب، فقال أبو الدرداء: [إن من فقه الرجل رفقه في معيشته] هذا الحديث روي مرفوعاً، لكنه ضعيف وهو موقوف محتمل للتحسين، قال أبو الدرداء: [إن من فقه الرجل رفقه في معيشته] يعني: لا يتكلف ويتبسط في الحياة.
بعض الناس عندهم تعقيد، ولذلك يعيش في شقاء، لأنه لا يمكن أن تنزل هذه الموضة والموديل في السوق دون أن يقتنيه، فيجلس ويتابع ويشقى، ويجري وراء هذه الأشياء المجمعة، ليس هذا هو الرفق في المعيشة الذي قال عنه أبو الدرداء: [إن من فقه الرجل رفقه في معيشته].
стр. 1546
الرفق بالحيوان
كذلك من أنواع الرفق: الرفق بالحيوانات، والرفق بالحيوانات أدلته كثيرة، وهذا الأدب العظيم الذي سبق الكلام به الرسول الكفار الغربيين بمئات السنين، وبعض الكفرة اليوم يتعالون على المسلمين الجهلة، ويقولون: انظروا إلى ما عندنا من المحاسن، نحن لدينا جمعيات رفق بالحيوان، ونفعل ونفعل.
إذاً تعال معي -يا أخي المسلم- لأستعرض معك بعض الأحاديث التي تنسف ما زعمه هؤلاء، وترد هذا الجهل المتأصل في نفوس بعض المسلمين المخدوعين بما عند الغرب.
روى أبو داود ﵀ بإسناد صحيح عن عبد الله بن جعفر قال: دخل رسول الله ﷺ حائطاً لرجل من الأنصار، فإذا جملٌ في البستان، فلما رأى النبي ﷺ الجمل حن الجمل وذرفت عيناه، فأتاه النبي ﷺ ، فمسح سراته إلى سنامه، يعني: مسح ظهره إلى سنامه، وزجراه، يعني: أصل أذنه، فسكن البعير، لمسح الرسول ﷺ عليه، انظر الرفق! فقال: (من رب هذا الجمل؟) يعني: من صاحب هذا الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار، فقال: لي يا رسول الله! فقال: (أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه شكا إليَّ أنك تجيعه وتدئبه) يعني: تتعبه وتكده، وهذه من المعجزات.
ولذلك يقول ﷺ بمعنى الحديث: اتقوا الله في هذه البهيمة العجماء يعني: التي لا تنطق، ولا تشتكي، وهناك أناس اختصاصهم وهوايتهم تعذيب الحيوانات، ولذلك لعن رسول الله ﷺ من اتخذ شيئاً فيه روح غرضاً يرمى إليه، كأن يضع أحدهم دجاجة، ويتسلى عليها في الرمي، أو يضع أرنباً ويتسلى عليه، وهذه المرأة التي حبست الهرة حتى ماتت فدخلت النار، وامرأة من البغايا من الزناة من بني إسرائيل رحمت كلباً، فنزلت في بئر، فملأت خفها ماءً، فسقت كلباً قد عطش، فأدخلها الله الجنة بهذا الفعل.
وكذلك عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ مرَّ على رجل واضع رجله على صفحة شاة -على رقبة شاة- وهو يحد شفرته وهي تلحظ إليه ببصرها، هكذا يقول الراوي: فقال: (أفلا قبل هذا؟) يعني: أفلا حددت الشفرة قبل هذا؟ (أتريد أن تميتها موتتين).
عن عبد الله قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفرٍ فانطلق لحاجة، فرأينا حمرةً -طائراً صغيراً لونه أحمر- فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة، فجعلت تفرش -يعني: ترفرف بجناحيها وتقترب من الأرض وهي تبحث وتتحسس على هذين الفرخين- فجاء النبي ﷺ فقال: (من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها عليها) انظر إلى رفق الرسول ﷺ ، هذه الأحاديث كلها صحيحة وموجودة في سلسلة الأحاديث الصحيحة المجلد الأول.
إذاً -أيها الإخوة- هذه بعض الجوانب التي يدخل فيها الرفق، فتأمل معي عظم هذا الخلق العظيم، وشموليته، ودخوله في نواحي كثيرة من الحياة.
стр. 1547
ضرورة الحذر من انقلاب الرفق إلى ذل ومهانة
وختاماً: لا بد أن نؤكد -أيها الإخوة- على نقطة مهمة وهي أن الرفق قد ينقلب أحياناً إلى ذلٍ ومهانةٍ، بعض الناس يخطئون في المكان الذي يرفقون فيه، يعني: الموقف الذي يستخدم فيه الرفق يكون خطأ، المفروض أنه لا يستخدم الرفق في هذا الجانب، فينقلب الرفق في حقه إلى ذل ومهانة، فلا بد من التوسط في الأمور، ولذلك قال بعض السلف: لا تكن رطباً فتعصر، ولا يابساً فتكسر، وقال بعضهم: لا تكن حلواً فتبلع، ولا مراً فتلفظ إلى الخارج، هل كان الرسول ﷺ يرفق في كل المواقف؟ لما قتل أسامة بن زيد الرجل الذي قال لا إله إلا الله، حيث رفع أسامة سيفه على رجل من الكفار قتل من المسلمين في إحدى المعارك خلقاً كثيراً، فلما رفع السيف عليه، قال الكافر: لا إله إلا الله، فقال أسامة: بعد ماذا؟ قتلت كل الناس والآن تقول لا إله إلا الله، فقتله، فلما رفع الأمر إلى رسول الله ﷺ وعرف القصة، لم يقف موقف الرفق، وإنما وقف موقف الشدة الشديدة جداً، وجلس يوبخ أسامة بن زيد، ويقول له: (أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله) أو قال له: (ماذا تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟) حتى يقول أسامة: [فتمنيت أني ما أسلمت قبل يومئذٍ] يعني: تمنيت لو أني كنت كافراً لما قتلت الرجل وأسلمت بعدما قتلته، من شدة اللوم الذي شعر به.
لماذا لم يقف الرسول ﷺ موقف الرفق؟ لأنه ليس موقفاً مناسباً، إذا انتهكت أمامك حرمات الله، هل تقف موقف اللين والرفق مع الناس، وتبتسم وتضحك وهم ينتهكون حرمات الله أمامك ويستهزئون بالدين، ويسبون الرسول والقرآن والرب والعياذ بالله تعالى! فإذاً -أيها الإخوة- كل شيء له حدود، وكل شيء له موقف معين يتخذ فيه، فهناك فرقٌ بين الرفق والتساهل غير الشرعي، وتمييع الأمور، لا يعني الأمر بالرفق أن نترك الناس على راحتهم، لو أن زوجتي ارتكبت محرماً، أو أن ولدي نظر إلى محرم، هل أكون رفيقاً به بمعنى أني ألين معه فلا آمر بالمعروف ولا أنهى عن المنكر؟ لا.
وفرقٌ -أيها الإخوة- بين أن يكون الرفق وسيلة إلى تحصيل المقصود، وبين أن يكون الرفق هو الهدف، المهم أنه يصل إلى اللين حتى لو كان الوضع لا يسمح.
الرفق يجب أن يكون وسيلة يحقق المقصود، فإذا كان المقصود لا يتحقق بالرفق، وإنما يتحقق بالشدة والغلظة، فلا يجوز استخدام الرفق في هذه الحالة، ولا يعني الرفق الذلة للكفار، والذلة للذين يستهزئون بالمسلمين كالصور التي يطبقونها، وكالذين يسبون الله ، فهؤلاء ليس لهم الرفق، إذا دعوا إلى الله، ودين الله والحكمة، ووعظوا، وأصروا، فليس لهم إلا الغلظة ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التحريم:٩] هذا التنبيه مهم جداً حتى لا تنقلب الأمور، وحتى لا تخرج عن إطارها الصحيح.
وفقنا الله وإياكم لأن نسلك طريق الرفق، ونسأله أن ينمي هذا الخلق العظيم في أنفسنا، ويجعله لنا سبيلاً ومنهجاً ومسلكاً، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 1548
الأسئلة
стр. 1549
التحذير من وصف العلماء برجال الدين
السؤال
يقول: هل هناك تقسيمات في علماء الدين كما عند اليهود والنصارى، وهل هذه الألقاب لها أصل في الإسلام؟ ولماذا تطلق بعض الألفاظ على بعض العلماء؟
الجواب
أيها الإخوة: ليس هناك شيء اسمه رجال دين في الإسلام، لأن المسلمين كلهم يجب أن يكونوا رجال دين، ورجال الدين هذه تسميتها وردت إلينا من النصارى، هم الذين ابتدعوا هذه التسمية، لأن عندهم الدين مختص برجال، وبقية المجتمع بلا دين، وقت الحاجة تذهب إلى الكنيسة، قال بعض مفكريهم: إن الناس في إنجلترا يعبدون بنك إنجلترا ستة أيام في الأسبوع، ثم يتوجهون في اليوم السابع إلى الكنيسة، هذه هي حالهم فعلاً، يعبدون البنك المركزي ستة أيام في الأسبوع، ثم يتوجهون في اليوم السابع إلى الكنيسة.
стр. 1550
التفريق بين الرفق في إنكار المنكر
السؤال
يقول: كيف أفرق بين الرفق في إنكار المنكر والمداهنة في الدين؟
الجواب
إذا كان تصرفك سيكون على حساب أن يفهم الناس الإسلام فهماً خاطئاً بأن يفعل أحدهم منكراً وأنت تسكت، وتقول: والله لعله فعل كذا، ولعله فعل كذا، من الأعذار السخيفة فالناس يفهمون أن هذا الفعل ليس فيه شيء، ويفهمون أنك ليس لديك موقف، ولا عندك جرأة وثبات.
أما الرفق فإنك تتخذ اللين في أسلوب عرض الدعوة بدون التخلي عن مبدأ واحد من مبادئ الدعوة، المبادئ باقية لم تتغير، فقط الأسلوب الذي تغير بدل أن أرفع صوتي وأهدد آتي باللين، هذا هو الفرق باختصار بين المداهنة وبين الرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 1551
حكم الصلاة خلف الإمام المبتدع
السؤال
ما حكم الصلاة خلف الإمام المبتدع المجاهر ببدعته؟
الجواب
إذا كان الإمام فاسقاً فيحاول الناس أن يغيروه، لكن إلى أن يتغير تجوز الصلاة وراءه، ولو كان فاسقاً، لا تترك صلاة الجماعة في المسجد لأن الإمام فاسق، قد يكون الإمام مبتدعاً، والبدعة تنقسم إلى قسمين: بدعة كفرية تخرج من الملة مثل: بدعة الذين يقولون أن الأولياء يعلمون الغيب، وأن الأولياء يصرفون أمور الكون، أو بدعة الذين يشركون بالله ويطوفون في القبور إلى آخره، هؤلاء المشركون لا تجوز الصلاة وراءهم مطلقاً، بل تقام جماعة أخرى إلن لم يستطيعوا تغيير الإمام، وإذا كانت البدعة غير كفرية، فتكره الصلاة وراء هذا الرجل، ولا بد من تغييره، لأن البدعة -أيها الإخوة- خطيرة، بل عدها العلماء من أكبر الكبائر بعد الإشراك بالله، وبعدها قتل النفس، لكن لو جهلنا عقيدة إمام معين، ولا نعرف عقيدة هذا الإمام هل هو من أهل السنة والجماعة، أم أنه رجل مبتدع؟ أقول: لم يكلفنا الإسلام بالتنقيب عن قلوب الناس، نقول: تعال يا فلان قبل أن تصلي بنا، يجب أن نختبرك أين الله؟ وما هي عقيدتك في الأسماء والصفات؟ وأي معتقدك في جوهري الألوهية، وفصل لنا في كلام الله، ونقول له: ما هي عقيدتك في الولاء والبراء؟ لم يكلفنا الإسلام بهذا، إذا كان ظاهره الصلاح والاستقامة فيكفي حتى يثبت أنه على بدعة، فعند ذلك نتخذ الموقف، لكن ما دام أنه لم يثبت، فنحن لم نكلف بالتفتيش والتنقيب، وأن نمتحن الناس، هذه خلاصة كلام ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
نكتفي بهذا، وأسأل الله لي ولكم الإخلاص في القول والعمل، وأن يجمعنا وإياكم على طاعته، سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.
стр. 1552
احتجاج المذنبين بالقدر
إن اعتذار المذنبين واحتجاجهم بالقدر يعتبر من المزالق الخطيرة التي تزيد في غضب الرب ؛ لأن هذا الاعتذار ينافي التوبة إلى الله من الذنوب والمعاصي، ويعتبر خللاً في العقيدة، وينقل العبد من دائرة الإسلام إلى دائرة الشرك والكفر، ويؤدي إلى فساد عقيدة الولاء والبراء؛ ففي هذه المادة رد على من يحتج بالقدر، وبيان للمنهج السليم في التعامل مع القدر.
стр. 1553
شبهة الاحتجاج بالقدر
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها الإخوة المسلمون! نتحدث اليوم عن موضوع يتعلق بنفسية التائب إلى الله ، ومن الأمور التي ذكرناها سابقاً مسألة الاعتذار؛ الاعتذار إلى الله عن الذنوب التي ارتكبها العبد.
стр. 1554
خطر الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي
وهاهنا -أيها الإخوة- مزلق عظيم يقع فيه كثير من الناس، ويتورطون فيه وهو من مصائد الشيطان، وذلك أن أحدهم إذا جاء ليعتذر إلى ربه عن الذنوب والسيئات التي ارتكبها، فإنه يعتذر إليه بالقدر، يعتذر إلى ربه اعتذار المخاصم، واعتذار الذي كأنه يقول: لست أنا الذي أخطأت وأذنبت، وإنما أنت الذي قدرت عليَّ هذا الذنب، وأنت الذي أجبرتني على فعله.
ولذلك كان هذا المزلق الخطير من الأمور التي تزيد في غضب الرب ، بدلاً من أن تنقل هذا الإنسان إلى مواقع الرحمة وعظيم رضوان الله تعالى.
وإن كثيراً من الذين يزعمون أنهم يتوبون إنما هم مخاصمون لله في مسائل القدر، وأحياناً يكون خصامهم عن جهل، وهو جهل قبيح جداً لا يعذر فيه المسلم، وأحياناً يكون عن شُبَهٍ، وأحياناً يكون عن إصرار وإقدام، فهذا كيف يغفر الله له؟ فالذي يزني ثم يقول لربه -بينه وبين نفسه-: أنت الذي قدرت عليَّ الزنا، وأنت الذي أجبرتني عليه، فما هي حيلتي؟ وما هو ذنبي؟ هذا القائل -أيها الإخوة- على خطر عظيم؛ لأنه لم يُرد بالاعتذار التقرب إلى الله ، وإظهار ضعفه، والمسكنة بين يديه، وتبيان غلبة العدو عليه، ولكنه أراد أن يخاصم ربه، وأن يحتج عليه، فكيف يقبل الله اعتذار هذا الرجل، فمثل هذا الذي يخاصم ربه مخاصمته منافية للتوبة.
فإن العبد أذنب فقال: يا رب هذا قضاؤك، وأنت قدرت عليّ، وأنت حكمت عليَّ، وأنت كتبت عليَّ، فالله يقول له: وأنت عملت، وكسبت، وأردت واجتهدت، وأنا أعاقبك عليه؛ لأن هذا ليس بعذر إطلاقاً، أما إذا كان لسان حال العبد يقول: يا رب أنا ظلمت، وأخطأت، واعتديت، وفعلت، فعند ذلك ترى الله يقول له: وأنا قدرت عليك، وقضيت وكتبت، وأنا أغفر لك.
فالاعتذار أيها الإخوة! اعتذاران: اعتذار ينافي الاعتراف، فهذا مناف للتوبة، واعتذار يقرر الاعتراف، يقول: يا رب أنا فعلت وقصرت، وأخطأت وأذنبت وأجرمت، وأنا مقر بذنوبي ومعترف بها، واعتذر إليك عما فعلت، فهذا الاعتذار -أيها الإخوة- هو الذي يرضاه الله ، ويقبله.
وأما من خاصم الله تعالى، وقال له: أنت قدرت عليَّ، فما هو ذنبي؟ فعذره غير مقبول، وهذا الاعتذار بالقدَر يتضمن تنزيه الجاني لنفسه، فكأنه يقول لربه: أنا لست مذنباً، فينزه نفسه وهو الذي تمرغ في أوحال الذنوب والمعاصي، وينزه ساحته وهو الظالم الجاهل، الذي قال الله تعالى فيه: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢] ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات:٦] والكنود هو: الكفور الذي يجحد نعم الله، ويعد المصائب وينسى النعم، هو الذي تنسيه الخصلة الواحد من الإساءة، الخصال الكثيرة من الإحسان، هذا هو الكنود.
هذا الظالم الجاهل لو تأمل في حال نفسه، لعلم بأنه هو الذي قعد على طريق مصالحه يقطعها عن الوصول إليه، هذا هو الحجر الذي يمنع تسرب الماء، وهذا هو الغي الذي يمنع شمس الهدى عن التدفق إلى القلب والسطوع عليه، فما أضر هذا الاعتذار السيئ على هذا العبد.
ما تبلغ الأعداء من جاهل ما يبلغ الجاهل من نفسه
هذا الجاهل نفسه تجني عليه، وهو يتضرر بهذه الأعذار القبيحة أكبر مما يتضرر من اعتداء الأعداء عليه، هذا الرجل ينادي ويقول: طردوني وأبعدوني، وهو الذي ولى ظهره إلى الباب؛ بل هو الذي أغلقه على نفسه، وأضاع المفاتيح وكسرها.
هذا الرجل الذي يعتذر بالقدر، يقول لله: أنت قدرت عليّ، أنا ليس لي حيلة، وهو الذي ولى ظهره إلى الباب، وكسر المفاتيح بعدما أغلق الباب، ثم يقول: طردوني وأغلقوا الباب دوني.
هذا الرجل الذي جاءه رسول الله ﷺ الشفيق وأخذ بحجزته عن النار، يريد أن يمنعه من التقحم في النار، وهو يجاذبه ثوبه ويغلبه ويقتحمها، ثم يقول: ما حيلتي وقد قدموني إلى هذه الحفرة وقذفوني فيها! ورسول الله ﷺ قد نصحه، وقال له: الحذر الحذر من الوقوع في هذه الحفرة! وبين له مصائر الذين تقحموا فيها قبله، وتلا عليه من الوحي كيف كان الكفار والفسقة والعصاة، وكيف أوردتهم ذنوبهم وكفرهم إلى حفر النار، وهو ينازع الرسول ﷺ الذي يريد أن يمنعه من جهنم، ينازعه ويتقحم في النار، ثم يقول: هو الذي قذفني فيها.
стр. 1555
أمثلة واقعية تبطل الاحتجاج بالقدر
كيف هي عقلية هذا الرجل؟ يا ويله! ظهيراً للشيطان على ربه، خصماً لله مع نفسه، عاجز الرأي، مضياعاً لفرصته، معاتباً لأقدار ربه، يحتج على ربه بما لا يقبله من عبده وأمته.
لو أن إنساناً -أيها الإخوة- قال لأحد أولاده: ائتني بكأس من الماء، أو قال لزوجته: ائتيني بالحاجة الفلانية، ثم إن هذا الولد أو هذه المرأة عصت هذا الرجل، ورفضت الانقياد له، وهذا الولد لم يأتِ لأبيه بكوب الماء، فلما غضب أبوه عليه وقال له: لماذا امتنعت؟ قال: هذا قدر الله، والله قدر علي ألا أطيعك وألا آتيك بالكأس من الماء، ماذا ترى هذا الأب يفعل؟ هل يرضى بهذا العذر السخيف من الولد؟ أم تراه يقوم إليه معاقباً، وعلى رأسه ضارباً ومهدداً ومتوعداً، بهذا العذر السخيف.
فيكف يرضى هذا الرجل أن يعذر نفسه بأعذار لا يقبلها من زوجته ولا من ولده، فلو أمر أحدهم بأمر ففرط فيه، أو نهاه عن شيء فارتكبه وقال هذا المذنب: القدر ساقني إلى ذلك لما قبل منه هذه الحجة، ولبادر إلى عقوبته.
إذا تسبب أحد الموظفين في خسارة، فلما ناقشه مديره قال: إن القدر ألجئني إلى هذا الشيء، وأنا ليس لي ذنب فيه، هل يرضى المدير من الموظف هذا العذر؟ كلا.
стр. 1556
الرد على المحتجين بالقدر
إذاً: لماذا يعتذر ويحتج أولئك الفسقة والعصاة إلى ربهم بهذه الأعذار، ويقول أحدهم: أنا ليس لي حيلة، وليس لي مهرب، أنت الذي قدرت عليَّ، وهذا مع تواتر إحسان الله إلى هذا العبد، أحسن إليك أشد الإحسان، أزاح عللك، ومكنك من التزود إلى جنته، وبعث إليك الدليل وهم الرسل، وأعطاك مؤونة السفر، وزودك بالتوجيهات القرآنية والنبوية، وأعطاك ما تحارب به قطاع الطريق من الأبالسة، وشياطين الإنس الذين يوقعونك في المعاصي، وأعطاك ما تحذر منهم، من الأدوات التي تحاربهم بها، وأعطاك السمع والبصر والفؤاد، وعرفك الخير والشر، والنافع والضار، وأرسل إليك رسوله، وأنزل إليك كتابه، ويسره للذكر والفهم والعمل، وأعانك بمدد من جنده الكرام من الملائكة، يثبتونك ويحرسونك، ويحاربون عدوك، ويطردونه عنك -وهذه من وظيفة الملائكة- ويريدون منك ألا تميل إلى هذا العدو ولا تصالحه.
وأنت تأبى إلاَّ مظاهرة هذا العدو عليهم، واتباع طريق الشيطان، وموالاته دونهم؛ بل تظاهره وتواليه دون وليك الحق الذي هو أولى بك.
لماذا طرد الله إبليس من سمائه؟ ولماذا حرمه الجنة وأبعده عن قربه؟ لأنه رفض أن يسجد لك أنت أيها الإنسان، لكرامتك عند الله طرد إبليس من أجلك؛ لأنه لم يسجد لك واحتقرك وامتهنك، وقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢].
من أجلك أنت طرد الله إبليس عن سمائه، وأخرجه من جنته، ثم أنت توالي هذا الشيطان، وتسير في ركابه، وتسلك طريقه معادياً ربك الذي أكرمك أنت بطرد إبليس.
وبعدما توالي هذا العدو، وتميل إليه وتصالحه تتظلم وتشتكي بالطرد والإبعاد.
أمرك الله بشكره لا لحاجته إليك، ولكن لتنال أنت المزيد من فضله، فجعلت كفر نعم الله والاستعانة بها على مساخطه من أكبر أسباب زوال النعم، وأمرك الله بذكره ليحسن إليك بالثواب، فجعلت نسيان الله ديدنك، فجعلت الله ينساك: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة:٦٧].
أيها الإخوة! إن هذا الرجل لا يصلح على عافية ولا على ابتلاء، فالعافية تسبب الزيادة في المعاصي، وكفران النعمة، والابتلاء يجعل الإنسان يشتكي إلى الخلق ويقول: ﴿رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر:١٦] دعاك إلى بابه فما وقفت عليه ولا طرقته، ثم فتحه لك فما عرجت عليه ولا ولجته، أرسل إليك رسوله يدعوك إلى دار كرامته فعصيت الرسول، وقلت: لا أبيع ناجزاً بغائب، ولا نقداً بنسيئة.
خذ ما رأيت ودع شيئاً سمعت به في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل
هذا لسان حال العصاة، يقول: آخذ النعيم الذي أراه الآن أمامي، لا أنتظر النعيم الآخر المؤجل الغائب عن نظري، أنا أريد هذا النعيم.
إذا وافق حظ هذا الإنسان طاعة الرسول أطاعه؛ لا طاعةً وحباً في رسول الله، ولكن ليحصل على مبتغاه، ومع ذلك فإن الله تعالى لم ييئيسك من رحمته؛ بل قال: متى جئتني قبلتك، إن أتيتني ليلاً قبلتك، وإن أتيتني نهاراً قبلتك، وإن تقربت مني شبراً تقربت منك ذراعاً، وإن تقربت مني ذراعاً تقربت منك باعاً، وإن مشيت إليَّ هرولت إليك، ولو لقيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً أتيتك بقرابها مغفرة، ولو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك، ومن أعظم مني جوداً وكرماً، عبادي يبارزونني بالعظائم، وأنا أكلؤهم على فرشهم، إني والجن والإنس في نبأ عظيم؛ أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إليّ صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إليّ بالمعاصي وهم أفقر شيء إليّ، من أقبل إليّ تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني ناديته من قريب، ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد، ومن تصرف بحولي وقوتي ألنت له الحديد.
أهل ذكري أهل مجالستي، وأهل شكري أهل زيادتي، وأهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا إلي فأنا حبيبهم، فإني أحب التوابين وأحب المتطهرين، وإن لم يتوبوا إليّ، فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعائب.
بلغ من رحمة الله أنه يبتلي بعض العباد بالمصائب ليكفر عنهم ذنوبهم، من آثرني على سواي، آثرته على سواه، الحسنة عندي بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعافٍ كثيرة، والسيئة عندي بواحدة، فإن ندم عليها واستغفرني غفرتها له، اشكر اليسير من العمل، واغفر الكثير من الزلل، رحمتي سبقت غضبي، وحلمي سبق مؤاخذتي، وعفوي سبق عقوبتي، أنا أرحم بعبادي من الوالدة بولدها، قال ﷺ : (لله أشد فرحاً بتوبة عبده من رجل أضل راحلته بأرض مهلكة دوية عليها طعامه وشرابه، فطلبها حتى إذا أيس من حصولها، نام في أصل شجرة ينتظر الموت، فاستيقظ فإذا هي على رأسه، قد تعلق خطامها بالشجرة، فالله أفرح بتوبة عبده من هذا براحلته).
стр. 1557
أهمية التركيز على موضوع القدر
أيها الإخوة: ما حال كثير من الناس اليوم الذين يعذرون أنفسهم بذنوبهم، ويخاصمون الله تعالى؛ بل إنهم يعذرون العصاة فترى أحدهم إذا رأى رجلاً منغمساً في المعاصي، قال: هذا مسكين معذور! تسلط عليه إبليس شهوته قوية لا يستطيع أن يمنع نفسه، وهكذا.
بل بلغت الوقاحة ببعضهم أنه رأى سارقاً قد قطعت يده، فقال: إنه مسكين أجبره الله على السرقة، ثم قطع يده عليها، هكذا هؤلاء الكفرة القدرية الذين يخاصمون الله تعالى، وسيكون الله خصمهم يوم القيامة.
واعلموا -أيها الإخوة- إن التركيز على هذا الموضوع من الأهمية بمكان؛ لأنه -وللأسف الشديد- قد تطرق الخلل إلى عقيدة كثير من العامة في هذا الأمر.
كثير من العامة إذا جئت تناقشهم يقول: هذا قدر الله ماذا أفعل؟! هذا كتبه الله عليَّ، فما هي حيلتي وما هو ذنبي؟ هذا الخلل خطير جداً في العقيدة، وهذا الخلل قد ينقلك من حظيرة الإسلام إلى دائرة الشرك والكفر.
وهذا الخلل عظيم ينبغي الانتباه إليه اليوم كثيراً، وينبغي لدعاة الإسلام أن يتحسسوا مواطنه في قلوب الناس، ويزيلوا عن أعينهم هذه الأغشية من الشبهات، ويوضحوا عقيدة أهل السنة والجماعة في القضاء والقدر، إيضاحاً شافياً كافياً للناس.
إن الله أعطانا الإرادة، وسهل لنا سبيل الخير، وأنزل علينا الكتب، وأرسلنا إلينا الرسل، وقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:٥ - ١٠].
جعلنا الله وإياكم من أهل طاعته، وأهل طريق الخير والسعادة، ونسأله أن ييسرنا لليسرى، وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 1558
جوانب الاعتذار بالقدر
الحمد لله وحده لا شريك له، لا إله إلا هو له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله سيد الأولين والآخرين.
стр. 1559
الاعتذار بالقدر في حقوق العباد
أيها الإخوة: هناك جانب من الاعتذار لا بأس أن يقوم به الإنسان، وهذا الاعتذار هو ما كان في حق العبد للعبد، فإن رسول الله ﷺ كان يعذر في حقه، فإذا كان الخطأ في حقك أنت أيها المسلم، فإن من السنة أن تعذر أخاك المسلم في حقك، فقد قالت عائشة ﵂: (ما ضرب رسول الله ﷺ بيده خادماً ولا دابة ولا شيئاً قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله).
وقال أنس ﵁: (خدمت النبي ﷺ عشر سنين فما قال لي لشيء صنعته لم صنعته، ولا لشيء لم أصنعه لم لم تصنعه، وكان إذا عاتبني بعض أهله قال الرسول ﷺ : دعوه فلو قضي شيء لكان).
كان يعذر المسلمين بالقدر للأخطاء التي تكون في حقه، والأخطاء التي تكون في حقه ﷺ كرجل كان يعذر الناس فيها، فلم يكن يضربهم ولا يلومهم ولا يقرعهم.
стр. 1560
منع الاعتذار بالقدر في حق الله تعالى
أما الأشياء التي تكون في حق الله، فلم يكن الرسول ﷺ يعذر فيها أحداً بالقدر مطلقاً، فإنه لما سرقت المرأة قطع يدها، وما قال الرسول ﷺ أبداً: هذه المرأة قدر الله عليها بالسرقة، وما ذنبها، إذاً لا نقطع يدها، كلا؛ بل قطع يدها؛ لأن هذا حق من حقوق الله .
وكذلك لما تخلف بعض الناس عن صلاة الجماعة، ما قال الرسول ﷺ هذا قضاء الله وقدره، دعونا نستسلم للقضاء والقدر ولا نعاقب هؤلاء؛ بل قد همَّ بتحريق بيوتهم عليهم.
ولما زنت المرأة، وزنى الرجل رجمهما ﷺ ، ولم يعذرها بالقدر، وكان رسول الله ﷺ أعرف بالله وبحقه من أن يحتج بالقدر على ترك أمر الله تعالى، ولكنه يقبل هذا إذا كان في حقه، فقد عذر أنس بالقدر في حقه وقال: (لو قضي شيء لكان) فصلوات الله وسلامه عليه.
стр. 1561
مفاسد الاعتذار العباد بالقدر في حقوق الله تعالى
أما عذر النفس بالذنوب، أو عذر العباد في تقصيرهم في حقوق الله تعالى، فهذا مزلق عظيم يؤدي إلى معذرة عبدة الأصنام والأوثان، وقتلة الأنبياء، وعذر فرعون وهامان، ونمرود بن كنعان وأبو جهل وأصحابه، وسيؤدي بك الأمر إلى إعذار إبليس وجنوده، وكل كافر وظالم ومتعدٍ لحدود الله.
ثم إن من عقيدة أهل السنة والجماعة الموالاة والمعاداة في الله، والحب في الله والبغض في الله، وكثيرٌ من المسلمين -اليوم- يحبون من أبغض الله، ويبغضون من أحب الله، ويوالون من عادى الله، ويعادون من والى الله، زالت عقيدة الولاء والبراء من نفوس هؤلاء الناس، هذا الرجل المجرم العاصي الفاسق المتعدي على حدود الله، والمنتهك لأوامره ولشرعه؛ أنت تحبه والله يبغضه، أنت تواليه والله يعاديه، كيف يكون هذا؟! كيف تكون أنت رجلاً مسلماً وأنت توالي من عادى الله! إذا عذرت الناس بالقدر على معاصيهم، فإنك توالي أعداء الله، وتحب أعداء الله.
الاحتجاج بالقدر -أيها الإخوة- يؤدي إلى فساد عقيدة الولاء والبراء، وهكذا الشرك والكفر، هذه الظلمات يؤدي بعضها إلى فساد بعض، ويعود بعضها بالنقض على بعض.
إذا اختل شيء بذاك الأساس تضاعف في الصرح ذاك الخلل
إذا كانت العقيدة مهزوزة، وفيها شروخ وأخطاء انعكس ذلك على العمل، وعلى المواقف من النفس والناس الآخرين، فلابد من تصحيح عقيدة الولاء والقدر في نفوسنا، ونسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى؛ أن يصفي عقائدنا من دخن الشرك والكفر والزيغ والبدع، اللهم واجعلنا على عقيدة أهل السنة والجماعة سائرين، وبتوحيدك متمسكين، وبسنة نبيك ﷺ متشبثين.
اللهم لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد سيد الأبرار.
стр. 1562
من أحكام التوبة
للتوبة أهمية عظيمة؛ فقد أمر الله بها جميع المؤمنين، بل قسم الخليقة إلى تائب وظالم، فالتوبة مطلوبة من المحسن والمسيء، لا يختص بها فرد بعينه أو مجتمع بذاته.
وهناك علاماتٌ تظهر على حال التائب يستدل منها على صحة التوبة أو فسادها، بعضها ظاهرة جلية وبعضها دقيقة خفية.
ومن لم يقع في كبيرة فعليه أن يحذر من احتقار التائبين من أهل الكبائر؛ لأن احتقارهم كبيرة من نوعٍ آخر.
стр. 1563
أهمية التوبة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها الإخوة: كنا قد تكلمنا في الخطبة الماضية عن أطراف مما يتعلق بموضوع التوبة، ونظراً لأهمية هذا الموضوع من جهتين على الأقل، فإنه بدا لي أن أتوسع فيه بذكر بعض النقاط الأخرى المهمة في هذا الشأن العظيم من شئون الإسلام.
стр. 1564
تقسيم أهمية التوبة إلى عامة وخاصة
وأهمية التوبة ترجع إلى أهمية عامة وأهمية خاصة: فأما الأهمية العامة -أيها الإخوة-: فإن هذا الأمر -التوبة- من الأمور العظيمة جداً في الإسلام، حيث أمر الله تعالى به المؤمنين، فقال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١] فهو لم يوجه الأمر بالتوبة إلى الفسقة والظلمة والكفار فقط، وإنما أمر بتوبة المؤمنين أيضاً، وهذا مما يدل على أهميتها في الإسلام، وعلى عظم شأنها عند الله .
والأمر الآخر -أيها الإخوة-: أنه في هذا الظرف الذي نعيش فيه من تكالب الحياة المادية على نفوس البشر، وابتعادهم عن الإسلام، وعن الصحوة الإسلامية التي بدأت تدب في نفوس الناس، فإن الحديث عن التوبة حديث ذو شجون، وله من الأهمية شيء عظيم جداً؛ لأن الكلام في هذا الموضوع هو بداية التصحيح، وهو المعيار الحساس الذي يحس به أولئك العائدون إلى الله ، الذين بدأ انتشالهم من أوحال المعاصي والذنوب.
ولذلك كان لابد من معاودة الكلام وتكراره في المجالس، ولابد للدعاة إلى الله أن يحوموا حول هذا الموضوع وأن يقعوا فيه، وأن يبينوا للناس عظم شأن التوبة بشروطها وأركانها وواجباتها ومستحباتها، وعظم شأنها في الإسلام.
لأن هذا الموضوع هو النور الذي ينير لمن ابتعد عن شرع الله ، وهو منار الهدى الذي تهفو إليه أفئدة وبصائر أولئك الناس الذين اغتالتهم الشياطين بعيداً عن دينهم، وإن هذا الموضوع هو الذي يجدد الأمل في نفوس التائبين، ويزيل اليأس من نفوس العائدين إلى مائدة الله ، وإلى شرع الله تعالى
стр. 1565
تقسيم الخليقة إلى تائب وظالم
فقسم الله الخليقة إلى قسمين: فقال الله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات:١١] فانقسم العباد إلى قسمين: إلى تائب وإلى ظالم، وليس ثمة قسم ثالث ألبتة، فهم إما تائبون وإما ظالمون ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
стр. 1566
توبة المفاليس
واعلموا أيها الإخوة! أن للتوبة الصحيحة علامات، وللتوبة السقيمة المريضة المرفوضة علامات أيضاً: فمن علامات التوبة السقيمة: أنها لا تؤدي إلى الإقلاع عن الذنب، ولا إلى تعظيم الله ، بل إنها تكون غالباً لظرف دنيوي بحت، لا علاقة له بالخوف من الله إطلاقاً.
والتائب من هذا النوع -التوبة السقيمة المرفوضة- لا يشعر أصلاً بأنها توبة، وهي ما سماه السلف بتوبة أرباب الحوائج والمفاليس، الذين يتوبون من بعض الأمور للمحافظة على حاجاتهم ومنازلهم بين الناس، فبعض الناس يتوب إما محافظة على حاله، فهذا تاب للحال، لا توبة من خوف ذي الجلال.
وبعض الناس يتوب طلباً للراحة من الكد في تحصيل الذنب، بعض الذنوب تتعب الإنسان جسدياً وذهنياً، فيقلع بعض الناس عن بعض هذه الذنوب طلباً لراحة الجسم والتفكير، كمن يخطط للاختلاس، فإن ذهنه يتعب، وكمن يخطط لتهريب الأمور المحرمة، فإنه يتعب ذهنه وبدنه، فهذا قد يقلع عن هذا الذنب، ليس خوفاً من الله ، وإنما طلباً لراحة ذهنه وجسمه، فهذا توبته مرفوضة وغير صحيحة.
أو تاب اتقاء لما يخافه على عرضه وماله ومنصبه، كقاض يقع في ذنوب كبيرة، فيتركها لأنه يخاف أن يفتضح بين الناس، أو رجل وجيه وصاحب منصب، يخشى أن يلوك الناس عرضه، وأن يتكلموا عنه في المجالس، فيترك هذا الذنب لا خوفاً من الله ، وإنما خوفاً على منصبه وسمعته، ويخاف الفضيحة بين الناس فيترك الذنب، فهذا توبته سقيمة غير صحيحة.
وأحياناً تكون التوبة لضعف داعي المعصية في القلب، وخمود نار الشهوة، كرجل زانٍ بقي يزني مدة طويلة في شبابه، فلما اقترب من سن الشيخوخة ودخلها، ضعفت الشهوة في جسمه، وذبل هذا الدافع لجريمة الزنا، فترك الزنا لا خوفاً من الله تعالى، ولا خوفاً من النار، ولا لعلمه بأن هذا أمر محرم، ولكنه ترك الزنا لأن جسمه لم يعد يقوى على الزنا، فهذه توبة سيئة لا يرضاها الله .
أو لمنافاة المعصية لما يطلبه من متاع الحياة الدنيا، ونحو ذلك من العلل التي تقدح في كون التوبة خوفاً من الله وتعظيماً له ولحرماته، وإجلالاً له وخوفاً من سقوط المنزلة عند الله والبعد منه والطرد عنه.
فهذه التوبة -أيها الإخوة- لون، وتوبة الصادقين المخلصين لون آخر.
стр. 1567
علامات التوبة الصحيحة
وأما التوبة الصحيحة فإن لها علامات تدل عليها.
стр. 1568
تعظيم الجناية
ومن هذه العلامات أيها الإخوة: تعظيم الجناية التي وقع فيها العبد: تعظم في عينيه وتظهر له كوحش كاسر يريد أن يفترسه، وكجبل عظيم يوشك أن يقع عليه، فكلما عظمت الجناية في عين العبد؛ كانت توبته منها أشد وأصح، وعلى قدر تعظيم الجناية يكون ندمه على ارتكابها أكبر، فإن من استهان بضياع فلس -وهو الشيء الحقير من المال- ولم يندم على إضاعته، فإذا تبين له أن الذي ضاع منه في الحقيقة دينار وليس فلساً فهنا ينقلب الأمر في نفسه، ويشتد ندمه على هذا الأمر العظيم الذي أضاعه وفقده.
الناس عندما يرتكبون الذنوب يستصغرون شأنها، وتكون في أعينهم غير ذات بال وشأن، ولكنهم إذا تابوا إلى الله استعظموا الذنوب، وبدت لهم الذنوب التي عملوها ليست صغيرة، وإنما هي أمور عظيمة، فتكون توبتهم أكبر وأشد حرارة إلى الله .
وتعظيم الجناية أيها الإخوة ينشأ عن ثلاثة أمور: الأمر الأول: تعظيم الأمر الذي وقع فيه هذا الرجل.
والأمر الثاني: تعظيم الآمر الذي أمر بالابتعاد عن هذا الشيء، ثم أنت وقعت فيه، وهذا هو الأهم؛ فإن من أسماء الله -العظيم- فكلما آمنت بهذا الاسم العظيم فإنك تشتد هيبة من الله ، وبعداً عن الوقوع في المحرمات.
والأمر الثالث: التصديق بالجزاء، التصديق بأن هذا الأمر إذا صممت عليه فإن عقوبته النار عند الله عز وجل
стр. 1569
اتهام صحة التوبة
والأمر الثاني -أيها الإخوة- من علامات صحة التوبة: اتهام التوبة نفسها، بأنك تخاف أن تكون هذه التوبة لم تقع على الوجه المطلوب منك، وعلى الوجه الذي من المفترض أن تؤديها عليه، فتخاف أنك لم توفها حقها، وأنها لم تقبل منك، وأنك لم تبذل جهدك في صحة هذه التوبة، وأنها قد تكون من توبات العلل التي تكلمنا عنها قبل قليل، أنك تشك في صحة هذه التوبة، ليس الشك الذي يجعلك موسوساً مبتعداً عن رحمة الله واقعاً في اليأس والقنوط، وإنما الخوف أن تكون هذه التوبة فيها نقص أو غير مقبولة عند الله، إن هذا الأمر يساعدك على تعظيم التوبة وتوكيدها أكثر من ذي قبل.
وكذلك -أيها الإخوة- من العلامات التي تقابل هذا الأمر في التوبة السقيمة: أن التائب يطمئن ويثق تماماً بأن الله قد قبل توبته، حتى كأنه أعطي منشوراً بالأمان كما يقول ابن القيم ﵀: كأنه أعطي صكاً بدخول الجنة، هذه التوبة تخوّف، وهذه التوبة في خطر؛ لأن هذا -أيها الإخوة- من علامات التهمة، تتهم بها نفسك، لو أنك أحسست من بعد التوبة بأنك قد ضمنت دخول الجنة، وأنك متيقن بأن الذنب قد انتهى وأن الله قد غفره.
стр. 1570
الإقبال على الله والبكاء على الذنب
ومن علامات صحة التوبة: الإقبال على الله ، والبكاء على الذنب الذي حصل، وإذراف الدموع على تلك المعصية التي وقعت فيها، بخلاف الأمر في التوبة السقيمة التي يكون من علاماتها: جمود العين، لا دموع ولا عبرات تسكب خوفاً من الله تعالى من هذا الذنب الذي وقعت فيه
стр. 1571
الإلحاح على الله بقبول التوبة
أيها الإخوة: إن من علامات التوبة الصحيحة: أنك تتملق الله ، ومعنى التملق هو: الإلحاح إلى الله تعالى، والاعتذار إليه عما وقع منك، والاعتراف والإلحاح على الله بقبول التوبة، والاعتراف عند الله مهم جداً، لذلك كان في ضمن سيد الاستغفار، أن يقول العبد: (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ -أبوء أي: اعترف- وأبوء بذنبي فاغفر لي).
فإذاً: صار الاعتراف بالذنب عند الله من الأمور المهمة.
стр. 1572
من علامات التوبة الصحيحة: كسرةٌ خاصة تحصل للقلب
وكذلك انخلاع القلب وتقطعه ندماً وخوفاً من هذا الأمر العظيم.
وكذلك من موجبات التوبة الصحيحة كسرة خاصة تحصل للقلب لا تحصل بأي شيء آخر سواه، لا بعبادة ولا بغيرها.
الانكسار الذي يحدث في نفسك عند التوبة إلى الله ، هذا النوع من الانكسار لا يحدث إلا بالتوبة، إذا ما حصل هذا الانكسار وهذه الذلة أمام الله تعالى، والخجل والحياء من الله ؛ فعند ذلك تتهم التوبة.
فانكسار القلب بين يدي الرب ، كسرة تامة وإلقاؤه بين يدي ربه طريحاً ذليلاً خاشعاً، كحال عبد هرب من سيده، فأُخذ وأمسك وأحضر بين يديه، ولم يجد ما ينجيه من سطوته ولا منه مهرباً، وعلم إحاطة سيده بتفاصيل جنايته، هذا مع حبه لسيده وحاجته إليه، وعلمه بضعفه وعجزه وقوة سيده، وذله وعزة سيده، فتجتمع في هذه الحال كسرة وذلة وخضوع ما أنفعها للعبد! وما أحسن عائدتها عليه! وما أعظم جبرها! وما أقربه بها إلى سيده! فليس شيء من الأشياء يعدل هذه الكسرة، وهذا الخضوع والتذلل، فيقول ابن القيم ﵀: فلله ما أحلى قول القائل: أسألك بعزك وذلي إلا رحمتني، أسألك بقوتك وضعفي، وبغناك عني وفقري إليك، هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك، عبيدك سواي كثير، وليس لي سيد سواك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، سؤال من خضعت لك رقبته، ورغم لك أنفه، وفاضت لك عيناه، وذل لك قلبه.
هذه هي حال التائب توبة حقيقة، هذا لسانه يعبر به عما يستجيش في نفسه، وعما يختلج في قلبه من الشعور بأهمية رحمة الله وبأهمية حصوله عليها.
فما أصعب التوبة الصحيحة أيها الإخوة! وما أسهلها باللسان والدعوى! التوبة باللسان والدعاوي سهلة، لكن التوبة الصحيحة التي تجتمع فيها هذه العلامات توبة صعبة، ولكن من أقبل على الله وأخلص له، فإنه لابد أن يوفقه لهذه التوبة الصحيحة.
стр. 1573
خطر احتقار التائبين
ثم إن هناك أمراً مهماً -أيها الإخوة- يغفل عنه كثيرٌ ممن ينتسبون إلى الصلاح والاستقامة، فيقول ابن القيم ﵀ في حال هؤلاء الناس: وأكثر الناس من المتنزهين عن الكبائر الحسية والقاذورات، يقعون في كبائر مثلها أو أعظم منها أو دونها.
بعض الناس لا يشرب خمراً ولا يزني ولا يسرق ولا يخون ولا يكذب، ولكنه واقع في أمر لا يقل نكارة عن هذه الأمور من الكبائر التي ذكرناها الآن.
ما هو هذا الأمر الذي قد يقع فيه هذا الرجل؟ الإزراء على أهل الكبائر واحتقارهم، ومنته على الخلق بلسان الحال.
أي: أن بعض الناس لا يرتكبون الكبائر المعروفة التي ذكرناها، ولكنهم يحتقرون التائبين الذين سبق لهم الوقوع في المعصية، يحتقرهم أولاً لأنهم قد وقعوا فيها، فيحتقرهم مع أنهم تابوا منها، وهذا الاحتقار خطير أيها الإخوة، لأنك تحتقر من تاب، رجل وقع في الذنب ثم تاب إلى الله، لماذا تحتقره؟ إن احتقارك له يعني أولاً: احتقارك لتوبته، يعني احتقارك لهذه العبادة العظيمة التي قام بها هذا التائب.
ثانياً: احتقارهم لأنه يعتقد أنه أرفع منهم شأناً، وأصلح منهم حالاً، وأعلى منهم ذاتاً، وأقرب منهم إلى الله، وأنه صاحب عبادة وصيام وصلاة وتهجد وعلم ودعوة، فهو يستعلي على أولئك الناس لا استعلاء إيمانياً صحيحاً، وإنما استعلاء تجبر وتكبر واحتقار، وهذا لا يقل خطورة عن تلك الكبائر التي وقع فيها أولئك الناس.
أيها الإخوة: أن يرى الإنسان نفسه أعلى من الآخرين، وأنهم حقيرون بجانبه، وأنه ليس لهم شأن، وأنه هو صاحب الصلاة والصيام والزكاة والدعوة والعلم، وأنه أحسن منهم حالاً؛ شعور يؤدي إلى التكبر عليهم، واحتقارهم في توبتهم.
هذا اللسان -أيها الإخوة- من أنواع ألسنة الحال خطير جداً، الرسول ﷺ مع علمه ودعوته وجهاده وطاعته وعبادته وخشوعه وذله، كان إلى الله ذليلاً منكسراً، يحقر من شأن نفسه، ويرتمي على عتبة الله ، يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم والليلة أكثر من مائة مرة، هذا الرسول ﷺ .
فالذين يحتقرون الناس ويتكبرون عليهم لاعتقادهم بأنهم هم الذين يدخلون الجنة والآخرون إلى النار، هذه النفسية من أسوأ النفسيات.
يقول ابن القيم ﵀: وقد يكون من رحمة الله تعالى بهذه النوعية من البشر، أن يبتليهم بكبيرة يقعون فيها، يقع يوماً من الأيام في الزنا أو السرقة أو شرب الخمر.
ولماذا يكون هذا من رحمة الله بهذه النوعية المستعلية استعلاءً حقيراً خاطئاً؟ يكون وجه الرحمة -أيها الإخوة- أن يجعل الله نفوس هؤلاء تنكسر إليه بعد تكبرها وصلفها وتجبرها واحتقارها للناس.
الواحد بهذه النفسية -نفسية المتكبر المحتقر للآخرين التائبين من الذنوب- إذا ابتلاه الله في يوم من الأيام بفاحشة من الفواحش، فقد يكون في هذا خير له؛ لأن نفسه ستنكسر، ويعلم أنه ليس بهذا المستوى الذي يظن نفسه فيه.
وأنا لا أدعو بهذا الكلام أصحاب الصراط المستقيم الذين تنزهوا عن الفواحش، أن يقعوا فيها مرة واحدة، لا.
ليس هذا هو المقصود، وإنما المقصود نزع التكبر والاحتقار لعباد الله من النفس، وتطمينها والدعوة إلى الله بالحسنى.
يا أخي الداعية: يجب أن يشعر الناس وأنت تدعوهم أنك لا تحتقرهم، أنك تنصحهم نصيحة أخ مشفق على حالهم، تطامن إليهم، تتودد إليهم، وليس أن تستعلي عليهم استعلاء الاستكبار والاحتقار.
стр. 1574
أحكام التوبة
وكذلك -أيها الإخوة- فإن للتوبة أحكاماً مهمة لابد من معرفة بعضها: فمن هذه الأحكام: أن المبادرة إلى الله من الذنب هي فرض على الفور، ولا يجوز تأخيرها بأي حال من الأحوال، فمن فعل ذنباً وأخر التوبة فقد عصى الله تعالى بذنب آخر وهو تأخير التوبة، من فعل ذنباً وأخر التوبة إلى الله فقد وقع في ذنب ثان، ألا وهو تأخير التوبة.
فلو أن هذا الرجل كان يشرب الخمر وأخر التوبة إلى ما بعد سنتين أو ثلاث، ولم يتب إلى الله، ثم تاب بعد سنتين من شرب الخمر، فهذا قد تاب من ذلك الذنب الأول، وبقي عليه توبة أخرى وهي: التوبة من تأخير التوبة.
يقول العلامة ابن القيم ﵀: وهذا أمر يفوت على كثير من الناس ولا يدركونه، ويشبه هذا الأمر أمر آخر وهو: أننا قد نقع في ذنوب، ونحن لا نحس بأننا قد وقعنا فيها، يمكن أن نغتاب في مجلس ولكننا ننسى ولا نذكر مطلقاً بأننا قد وقعنا في الغيبة، وقد نقع في الذنوب ونحن نجهلها، نقع في أشياء ونحن مذهولون عنها لم نعِ أننا وقعنا في الذنب، هذا يحدث كثيراً.
ما هو الحل والعلاج؟ العلاج في سنة نبيك ﷺ فاستمع لها يا أخي المسلم، يقول الرسول ﷺ : (الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل، فقال أبو بكر: فكيف الخلاص منه يا رسول الله؟)، ما دام أن الشرك خفي جداً لا يتفطن إليه كثير من الناس، قد تقول في مجلس: أنا اعتمدت على الله وعليك، وتفوت عليك هذه الكلمة، أو تقسم بغير الله، تقول: وحياة أبي، أو والأمانة، أو وشرفي إلخ.
ويفوت عليك أنك حلفت بغير الله، وأن هذا من الشرك الأصغر، لا تنتبه لهذا الأمر، ما هو العلاج؟ فقال رسول الله ﷺ : (أن تقول: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك مما لا أعلم).
انظر إلى دقة قضية التوبة في الإسلام، إنه يأمر المسلم أن يتوب إلى الله من الأشياء التي يجهل أنها ذنوب، ولا يعلم بأنه وقع فيها.
ولذلك كان من دعاء الرسول ﷺ ، أنه كان يدعو في صلاته: (اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت إلهي، لا إله إلا أنت).
وكان يقول أيضاً في دعائه: (اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه -صغيره- وجله -عظيمه- خطأه وعمده، سره وعلانيته، أوله وآخره).
فهذا التعميم والشمول في الاستغفار؛ لتأتي التوبة على جميع الذنوب التي وقع فيها العبد، سواء كان عالماً بها أو غير عالم، شاعراً بها أو غير شاعر.
أسأل الله أن يوفقني وإياكم للتوبة النصوح، والإنابة إلى الله، وصلّى الله على نبينا محمد.
стр. 1575
مسائل تتعلق بالتوبة
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا هو ولي الصالحين المتقين، وقابل التوب وغافر الذنب شديد العقاب ذو الطول لا إله إلا هو وإليه المصير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي علمنا التوبة وشرائطها وأدعيتها؛ لنلتزم بها، فصلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1576
حكم التوبة من ذنب مع الإصرار على آخر
وهنا في هذا الموضوع -أيها الإخوة- قد يرد سؤالٌ في أذهان البعض: هل تصح التوبة من الذنب مع الإصرار على ذنب آخر؟ إنسان يزني ويشرب الخمر، ثم تاب إلى الله من الزنا، ولكنه ما زال مصراً على شرب الخمر، فهل يقبل الله توبته من الزنا أم لا؟ اختلف العلماء في هذه القضية، ولكن ابن القيم رحمه الله تعالى أتى بكلام وسط طيب في هذه المجال فقال: الذي عندي في هذه المسألة: أن التوبة لا تصح من ذنب مع الإصرار على آخر من نوعه، وأما التوبة من ذنب مع الإصرار على ذنب آخر ليس مثله في النوع، فإنها توبة صحيحة مقبولة إذا توفرت فيها الشروط.
فيضرب لذلك أمثلة فيقول: فمن تاب من الربا، ولم يتب من شرب الخمر مثلاً، فإن توبته من الربا صحيحة مقبولة، ولكن إذا تاب من ربا الفضل -نوع من أنواع الربا- ولم يتب من ربا النسيئة -وهو نوع آخر من أنواع الربا - وأصر على النوع الثاني، وتاب من النوع الأول من أنواع الربا أو بالعكس، فإن توبته غير صحيحة؛ لأنه مازال مرابياً، لا يعني أنه أقلع عن نوع من أنواع الربا أن توبته صحيحة من النوع الآخر؛ لأنه مازال واقعاً في الربا.
أو مَن تاب مِن تناول المخدرات وأصر على شرب الخمر -التي يقول ابن القيم عنها الحشيشة- هل توبته من المخدرات صحيحة؟ لا.
لماذا؟ لأنه مازال واقعاً في نفس النوع من الذنب وهو السكر، فهذا لا تصح توبته.
وكمن يتوب من الزنا بامرأة، وهو مصر على الزنا بامرأة أخرى، واحد يزني بامرأتين -لا حول ولا قوة إلا بالله! نسأل الله لنا ولكم السلامة- فتاب من الزنا بإحداهما، ولكنه ما زال مصمماً ومصراً على الزنا بالمرأة الأخرى، فهل توبته من الزنا بالمرأة الأولى صحيحة؟
الجواب
كلا.
ليست توبته صحيحة؛ لأنه مازال واقعاً في فاحشة الزنا، وإن تنوعت أشكالها ومحل وقوعها، أو من تاب من شرب عصير العنب المسكر، وهو مصر على شرب غيره من الأشربة المسكرة، فهذا في الحقيقة لم يتب من الذنب، هذا بخلاف من تاب من معصية، ولكنه مصرٌ على معصية من نوع آخر، فإن الله يقبل توبته من المعصية المختلفة.
стр. 1577
سبب الوقوع في المعصية بعد الإقلاع عن معصية أعظم
بعض الناس -أيها الإخوة- يقلعون عن المعاصي، ويتشبثون بمعاص أخرى، ما هو السبب؟ السبب: لأنه يتوب من معصية؛ لأن وزرها أعظم، ويتشبث بمعصية أخرى؛ لأن وزرها أخف، هكذا يعتقد، يتوب من الزنا لكنه يبقى مصمماً على النظر إلى المرأة الأجنبية، سواء كان في التلفاز أو الجرائد والمجلات أو الشارع أو السوق.
لماذا يصمم بعض الناس على النظر إلى المرأة الأجنبية لكنه لا يقع في الزنا؟ لأنه يعتقد أن الزنا إثمه كبير، أما النظر إلى المرأة الأجنبية فإثمه قليل، فذلك لا بأس بفعله.
وهذا مدخل خطير؛ لأن الإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة كما هي القاعدة عند أهل السنة.
وإما لغلبة داعي الطبع عليه.
كمن طبعه متعود على معصية، لكن معصية أخرى ليس متعوداً عليها، فيترك المعصية الأخرى ولا يأتيها؛ لأنه غير متعود عليها، ويصمم على المعصية التي هو متعود عليها.
وآخر أسباب المعصية حاضرة أمامه، بينما أسباب المعصية الأخرى ليست حاضرة أمامه.
مثلاً واحد يزني؛ لأنه يعرف الزانيات، والسبيل إلى الوصول إليهن سهل، لكنه لا يستعمل المخدرات؛ لأن سبيل الوصول إلى المخدرات صعب، فلذلك هو يقع في الزنا، لكنه لا يستعمل المخدرات، هذه أحد الأسباب التي تجعل الناس يقعون في ذنوب ويتركون ذنوباً أخرى.
وإما لاستحواذ قرنائه وخلطائه عليه، فيزينون له معاصي، لكن لا يزينون له معاصي أخرى، فيقع في هذه المعصية مجاراة لأصحاب السوء الذين يزينون له هذه المعصية.
وإما لجاه وحظوة لا تطاوعه نفسه على إفساد جاهه بالتوبة، كما قال أبو نواس لـ أبي العتاهية وقد لامه على تهتكه في المعاصي:
أتراني يا عتاهي تاركاً تلك الملاهي
أتراني مفسداً بالنسك عند القوم جاهي
هذا الرجل جاهه عند الناس أن يفعل المعاصي، لو أقلع عن المعاصي ما صارت له قيمة عند الناس، وزالت أهمية منصبه، فهو لذلك يقترف المعاصي لكي يبقي على حظوته وجاهه عند الخلق.
стр. 1578
الإساءة المتخللة بين الطاعتين ترتفع بالتوبة
وكذلك أيها الإخوة! لو أن إنساناً كان يعمل الحسنات، ثم عمل السيئات، بقدر تلك الحسنات أو أكثر، فمحيت تلك الحسنات بهذه السيئات -سقطت تلك الحسنات- فهل إذا تاب إلى الله بعد ذلك تعود إليه حسناته أم لا؟ يجيبك على ذلك هذا الحديث الصحيح الذي يرويه حكيم بن حزام أنه قال: (يا رسول الله! أرأيت عتاقة أعتقتها في الجاهيلة - هو أعتق عبداً في الجاهلية وهو كافر- وصدقة تصدقت بها في الجاهلية -وهو كافر- وصلة وصلت بها رحمي في الجاهلية، فهل لي فيها من أجر؟ -بعد أن أسلم الآن والتزم شرع الله، فهل تعود إليه تلك الحسنات؟ - فقال رسول الله ﷺ : أسلمت على ما أسلفت من خير) أي: كان إسلامك على ما أسلفت من خير، أي: أعمالك الصالحة السابقة إذا تبت إلى الله وعدت وأسلمت تحسب لك من جديد.
يقول ابن القيم ﵀ في تعليل هذا: وذلك لأن الإساءة المتخللة بين الطاعتين قد ارتفعت بالتوبة، وصارت كأنها لم تكن، فتلاقت الطاعتان التي قبل التوبة والتي بعد التوبة، فاجتمعتا.
وهذا من رحمة الله أيها الإخوة! إذا تبت إلى الله تعود إليك الحسنات التي محيت بسبب السيئات.
وكذلك لابد في التوبة من إرجاع الحقوق إلى الآدميين، ولعلنا نسرد فصلاً بهذا في المستقبل إن شاء الله.
стр. 1579
هل يرجع العاصي بتوبته إلى درجته قبل معصيته ؟
النقطة الأخيرة: بعض الناس عندما يتوب من الذنب يتساءل في نفسه تساؤل النادم المتحسر: هل الآن بعد توبتي أرجع إلى ما كنت عليه قبل حصول الذنب مني؟ واحد كان على درجة من تقوى الله، فعل معصية أو معاصي، نزلت مرتبته عند الله بسبب المعاصي، لو تاب من هذه المعاصي، هل يعود إلى نفس الدرجة الأولى؟ رجل عند الله في الدرجة العشرين من الجنة مثلاً، ثم عمل معاصي فنزل إلى الدرجة العاشرة، ثم تاب من المعاصي هل يعود إلى الدرجة الأولى أم لا؟ بعض العلماء قال: لا يمكن أن يعود، وقد مثل لذلك ابن الجوزي في صيد الخاطر، فقال: لأن من لبس ثوباً سليماً ليس كمن لبس ثوباً مرقعاً، وبعض الناس قال: يعود مطلقاً إلى المرتبة التي كان فيها.
وفصل ابن تيمية رحمه الله تعالى في هذا الأمر تفصيلاً ممتازاً، فقال: إن من التائبين من لا يعود إلى درجته، ومنهم من يعود إليها.
من التائبين من لا يعود إلى درجته الأولى أبداً، فيبقى أنزل منها، ومنهم من يعود إليها، ومنهم من يعود إلى أعلى منها، فمن التائبين من يعود إلى أعلى من الدرجة التي كان فيها، فيصير خيراً مما كان قبل الذنب.
وكان داود ﵊ بعد التوبة خيراً منه قبل الخطيئة، قال: وهذا بحسب حال التائب بعد توبته وجده وعزمه وحذره وتشميره، فإن كان هذا الجد والعزم والتشمير على طاعة الله بعد التوبة كبير جداً، بحيث إنه فاق سرعة الطاعة قبل التوبة، فهذا يعود إلى مرتبة أحسن من التي كان عليها قبل وقوع الذنب.
وإن عاد في سيره إلى مثل ما كان عليه قبل الذنب -نفس السرعة- فإنه يعود إلى نفس الدرجة، وإن كان سيره أبطأ، ترك الذنب وتاب، لكن دخل في نفسه نوع من الفتور والكسل، فصار سيره أقل في الطاعات، فهذا لا يعود إلى المرحلة الأولى أبداً.
وهذا أيها الإخوة! كرجل مسافر سائر على الطريق بطمأنينة وأمن، فهو يعدو مرة ويمشي مرة، ويستريح مرة، وينام مرة، وهكذا، فبينما هو كذلك إذا عرض له ظل ظليل، وماء بارد، وروضة مزهرة، فدعته نفسه إلى النزول في ذلك المكان، فنزل فيه، فوثب عليه عدو من ذلك المكان، فوثقه وربطه، فلما أيس هذا الرجل واعتقد أنه هالك، وأنه سيصبح رزقاً للوحوش والسباع، وبينما هو في هذه الحالة تتقاذفه الظنون، إذا واقف على رأسه والده الشفيق القادر، فحل وثاقه وقيوده، وقال له: اركب الطريق واحذر هذا العدو مرة أخرى، فإنه على منازل الطريق لك بالمرصاد، واعلم أنك ما دمت حاذراً منه، متيقظاً له، فإنه لا يقدر عليك.
فإن كان هذا الرجل كيساً فطناً لبيباً، فإنه سيسرع في الطريق إسراعاً أكثر من إسراعه الأول، حتى لا يغويه شيء من الزينة في مراحل الطريق، وقد يكون سيره أضعف، فيعود في سيره في الطريق إلى نفس السرعة الأولى، وقد يكون سيره أقل.
فهذا مثل من عمل الذنب ثم تاب منه، فمنهم من يكون بعد التوبة من الذنب أشد لحوقاً بالمشوار، وأكثر سيراً وطاعة، فهذا يصبح أحسن منه قبل الذنب، وهكذا كما ذكرنا في تفصيل المثال.
اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، وفقنا إلى التوبة النصوح يا رب العالمين، اللهم واجعل توبتنا إليك توبة صحيحة، لا عودة بعدها إلى الذنوب، اللهم واجعلنا من التائبين والقانتين لك، والمخبتين إليك، واجعلنا من الأوابين المنيبين التوابين، واغفر ذنوبنا واغسل حوبتنا، اللهم اسلل من نفوسنا سخام الخطايا والذنوب والشرك، واجعلنا من المتعبدين لك على منهاج رسول الله ﷺ ، وعلى العقيدة الصحيحة وبها متمسكين، وبسنة نبيك ﷺ وعليها سائرين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 1580
علاج الهوى
إن الله خلق الخلق وجعل من طباعهم التسلط والتكبر والظلم على وجه هذه الأرض، فإذا اتبع العبد هواه وشهواته عاش في جحيم في الدنيا والآخرة؛ لذلك لابد من معالجة هوى النفس، وكبت الشهوة بالرجوع إلى الله ، والتعلق به سبحانه، وإيثار إرضاء الله وطاعته على هواه وشهوته، وليكن ذلك بعلو الهمة وإدمان النظر في الكتاب والسنة.
следующие страницы →