Полный текст (7 040 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
حكم التوبة من ذنب مع الإصرار على آخر
وهنا في هذا الموضوع -أيها الإخوة- قد يرد سؤالٌ في أذهان البعض: هل تصح التوبة من الذنب مع الإصرار على ذنب آخر؟ إنسان يزني ويشرب الخمر، ثم تاب إلى الله من الزنا، ولكنه ما زال مصراً على شرب الخمر، فهل يقبل الله توبته من الزنا أم لا؟ اختلف العلماء في هذه القضية، ولكن ابن القيم رحمه الله تعالى أتى بكلام وسط طيب في هذه المجال فقال: الذي عندي في هذه المسألة: أن التوبة لا تصح من ذنب مع الإصرار على آخر من نوعه، وأما التوبة من ذنب مع الإصرار على ذنب آخر ليس مثله في النوع، فإنها توبة صحيحة مقبولة إذا توفرت فيها الشروط.
فيضرب لذلك أمثلة فيقول: فمن تاب من الربا، ولم يتب من شرب الخمر مثلاً، فإن توبته من الربا صحيحة مقبولة، ولكن إذا تاب من ربا الفضل -نوع من أنواع الربا- ولم يتب من ربا النسيئة -وهو نوع آخر من أنواع الربا - وأصر على النوع الثاني، وتاب من النوع الأول من أنواع الربا أو بالعكس، فإن توبته غير صحيحة؛ لأنه مازال مرابياً، لا يعني أنه أقلع عن نوع من أنواع الربا أن توبته صحيحة من النوع الآخر؛ لأنه مازال واقعاً في الربا.
أو مَن تاب مِن تناول المخدرات وأصر على شرب الخمر -التي يقول ابن القيم عنها الحشيشة- هل توبته من المخدرات صحيحة؟ لا.
لماذا؟ لأنه مازال واقعاً في نفس النوع من الذنب وهو السكر، فهذا لا تصح توبته.
وكمن يتوب من الزنا بامرأة، وهو مصر على الزنا بامرأة أخرى، واحد يزني بامرأتين -لا حول ولا قوة إلا بالله! نسأل الله لنا ولكم السلامة- فتاب من الزنا بإحداهما، ولكنه ما زال مصمماً ومصراً على الزنا بالمرأة الأخرى، فهل توبته من الزنا بالمرأة الأولى صحيحة؟
الجواب
كلا.
ليست توبته صحيحة؛ لأنه مازال واقعاً في فاحشة الزنا، وإن تنوعت أشكالها ومحل وقوعها، أو من تاب من شرب عصير العنب المسكر، وهو مصر على شرب غيره من الأشربة المسكرة، فهذا في الحقيقة لم يتب من الذنب، هذا بخلاف من تاب من معصية، ولكنه مصرٌ على معصية من نوع آخر، فإن الله يقبل توبته من المعصية المختلفة.
стр. 1577
سبب الوقوع في المعصية بعد الإقلاع عن معصية أعظم
بعض الناس -أيها الإخوة- يقلعون عن المعاصي، ويتشبثون بمعاص أخرى، ما هو السبب؟ السبب: لأنه يتوب من معصية؛ لأن وزرها أعظم، ويتشبث بمعصية أخرى؛ لأن وزرها أخف، هكذا يعتقد، يتوب من الزنا لكنه يبقى مصمماً على النظر إلى المرأة الأجنبية، سواء كان في التلفاز أو الجرائد والمجلات أو الشارع أو السوق.
لماذا يصمم بعض الناس على النظر إلى المرأة الأجنبية لكنه لا يقع في الزنا؟ لأنه يعتقد أن الزنا إثمه كبير، أما النظر إلى المرأة الأجنبية فإثمه قليل، فذلك لا بأس بفعله.
وهذا مدخل خطير؛ لأن الإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة كما هي القاعدة عند أهل السنة.
وإما لغلبة داعي الطبع عليه.
كمن طبعه متعود على معصية، لكن معصية أخرى ليس متعوداً عليها، فيترك المعصية الأخرى ولا يأتيها؛ لأنه غير متعود عليها، ويصمم على المعصية التي هو متعود عليها.
وآخر أسباب المعصية حاضرة أمامه، بينما أسباب المعصية الأخرى ليست حاضرة أمامه.
مثلاً واحد يزني؛ لأنه يعرف الزانيات، والسبيل إلى الوصول إليهن سهل، لكنه لا يستعمل المخدرات؛ لأن سبيل الوصول إلى المخدرات صعب، فلذلك هو يقع في الزنا، لكنه لا يستعمل المخدرات، هذه أحد الأسباب التي تجعل الناس يقعون في ذنوب ويتركون ذنوباً أخرى.
وإما لاستحواذ قرنائه وخلطائه عليه، فيزينون له معاصي، لكن لا يزينون له معاصي أخرى، فيقع في هذه المعصية مجاراة لأصحاب السوء الذين يزينون له هذه المعصية.
وإما لجاه وحظوة لا تطاوعه نفسه على إفساد جاهه بالتوبة، كما قال أبو نواس لـ أبي العتاهية وقد لامه على تهتكه في المعاصي:
أتراني يا عتاهي تاركاً تلك الملاهي
أتراني مفسداً بالنسك عند القوم جاهي
هذا الرجل جاهه عند الناس أن يفعل المعاصي، لو أقلع عن المعاصي ما صارت له قيمة عند الناس، وزالت أهمية منصبه، فهو لذلك يقترف المعاصي لكي يبقي على حظوته وجاهه عند الخلق.
стр. 1578
الإساءة المتخللة بين الطاعتين ترتفع بالتوبة
وكذلك أيها الإخوة! لو أن إنساناً كان يعمل الحسنات، ثم عمل السيئات، بقدر تلك الحسنات أو أكثر، فمحيت تلك الحسنات بهذه السيئات -سقطت تلك الحسنات- فهل إذا تاب إلى الله بعد ذلك تعود إليه حسناته أم لا؟ يجيبك على ذلك هذا الحديث الصحيح الذي يرويه حكيم بن حزام أنه قال: (يا رسول الله! أرأيت عتاقة أعتقتها في الجاهيلة - هو أعتق عبداً في الجاهلية وهو كافر- وصدقة تصدقت بها في الجاهلية -وهو كافر- وصلة وصلت بها رحمي في الجاهلية، فهل لي فيها من أجر؟ -بعد أن أسلم الآن والتزم شرع الله، فهل تعود إليه تلك الحسنات؟ - فقال رسول الله ﷺ : أسلمت على ما أسلفت من خير) أي: كان إسلامك على ما أسلفت من خير، أي: أعمالك الصالحة السابقة إذا تبت إلى الله وعدت وأسلمت تحسب لك من جديد.
يقول ابن القيم ﵀ في تعليل هذا: وذلك لأن الإساءة المتخللة بين الطاعتين قد ارتفعت بالتوبة، وصارت كأنها لم تكن، فتلاقت الطاعتان التي قبل التوبة والتي بعد التوبة، فاجتمعتا.
وهذا من رحمة الله أيها الإخوة! إذا تبت إلى الله تعود إليك الحسنات التي محيت بسبب السيئات.
وكذلك لابد في التوبة من إرجاع الحقوق إلى الآدميين، ولعلنا نسرد فصلاً بهذا في المستقبل إن شاء الله.
стр. 1579
هل يرجع العاصي بتوبته إلى درجته قبل معصيته ؟
النقطة الأخيرة: بعض الناس عندما يتوب من الذنب يتساءل في نفسه تساؤل النادم المتحسر: هل الآن بعد توبتي أرجع إلى ما كنت عليه قبل حصول الذنب مني؟ واحد كان على درجة من تقوى الله، فعل معصية أو معاصي، نزلت مرتبته عند الله بسبب المعاصي، لو تاب من هذه المعاصي، هل يعود إلى نفس الدرجة الأولى؟ رجل عند الله في الدرجة العشرين من الجنة مثلاً، ثم عمل معاصي فنزل إلى الدرجة العاشرة، ثم تاب من المعاصي هل يعود إلى الدرجة الأولى أم لا؟ بعض العلماء قال: لا يمكن أن يعود، وقد مثل لذلك ابن الجوزي في صيد الخاطر، فقال: لأن من لبس ثوباً سليماً ليس كمن لبس ثوباً مرقعاً، وبعض الناس قال: يعود مطلقاً إلى المرتبة التي كان فيها.
وفصل ابن تيمية رحمه الله تعالى في هذا الأمر تفصيلاً ممتازاً، فقال: إن من التائبين من لا يعود إلى درجته، ومنهم من يعود إليها.
من التائبين من لا يعود إلى درجته الأولى أبداً، فيبقى أنزل منها، ومنهم من يعود إليها، ومنهم من يعود إلى أعلى منها، فمن التائبين من يعود إلى أعلى من الدرجة التي كان فيها، فيصير خيراً مما كان قبل الذنب.
وكان داود ﵊ بعد التوبة خيراً منه قبل الخطيئة، قال: وهذا بحسب حال التائب بعد توبته وجده وعزمه وحذره وتشميره، فإن كان هذا الجد والعزم والتشمير على طاعة الله بعد التوبة كبير جداً، بحيث إنه فاق سرعة الطاعة قبل التوبة، فهذا يعود إلى مرتبة أحسن من التي كان عليها قبل وقوع الذنب.
وإن عاد في سيره إلى مثل ما كان عليه قبل الذنب -نفس السرعة- فإنه يعود إلى نفس الدرجة، وإن كان سيره أبطأ، ترك الذنب وتاب، لكن دخل في نفسه نوع من الفتور والكسل، فصار سيره أقل في الطاعات، فهذا لا يعود إلى المرحلة الأولى أبداً.
وهذا أيها الإخوة! كرجل مسافر سائر على الطريق بطمأنينة وأمن، فهو يعدو مرة ويمشي مرة، ويستريح مرة، وينام مرة، وهكذا، فبينما هو كذلك إذا عرض له ظل ظليل، وماء بارد، وروضة مزهرة، فدعته نفسه إلى النزول في ذلك المكان، فنزل فيه، فوثب عليه عدو من ذلك المكان، فوثقه وربطه، فلما أيس هذا الرجل واعتقد أنه هالك، وأنه سيصبح رزقاً للوحوش والسباع، وبينما هو في هذه الحالة تتقاذفه الظنون، إذا واقف على رأسه والده الشفيق القادر، فحل وثاقه وقيوده، وقال له: اركب الطريق واحذر هذا العدو مرة أخرى، فإنه على منازل الطريق لك بالمرصاد، واعلم أنك ما دمت حاذراً منه، متيقظاً له، فإنه لا يقدر عليك.
فإن كان هذا الرجل كيساً فطناً لبيباً، فإنه سيسرع في الطريق إسراعاً أكثر من إسراعه الأول، حتى لا يغويه شيء من الزينة في مراحل الطريق، وقد يكون سيره أضعف، فيعود في سيره في الطريق إلى نفس السرعة الأولى، وقد يكون سيره أقل.
فهذا مثل من عمل الذنب ثم تاب منه، فمنهم من يكون بعد التوبة من الذنب أشد لحوقاً بالمشوار، وأكثر سيراً وطاعة، فهذا يصبح أحسن منه قبل الذنب، وهكذا كما ذكرنا في تفصيل المثال.
اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، وفقنا إلى التوبة النصوح يا رب العالمين، اللهم واجعل توبتنا إليك توبة صحيحة، لا عودة بعدها إلى الذنوب، اللهم واجعلنا من التائبين والقانتين لك، والمخبتين إليك، واجعلنا من الأوابين المنيبين التوابين، واغفر ذنوبنا واغسل حوبتنا، اللهم اسلل من نفوسنا سخام الخطايا والذنوب والشرك، واجعلنا من المتعبدين لك على منهاج رسول الله ﷺ ، وعلى العقيدة الصحيحة وبها متمسكين، وبسنة نبيك ﷺ وعليها سائرين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 1580
علاج الهوى
إن الله خلق الخلق وجعل من طباعهم التسلط والتكبر والظلم على وجه هذه الأرض، فإذا اتبع العبد هواه وشهواته عاش في جحيم في الدنيا والآخرة؛ لذلك لابد من معالجة هوى النفس، وكبت الشهوة بالرجوع إلى الله ، والتعلق به سبحانه، وإيثار إرضاء الله وطاعته على هواه وشهوته، وليكن ذلك بعلو الهمة وإدمان النظر في الكتاب والسنة.
стр. 1581
أهمية علاج الهوى وأحوال العبد تجاهه
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
إخواني في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فاستكمالاً لما كنا قد تحدثنا عنه في موضوع: الهوى، فذكرنا بعض الحالات التي يدخل فيها الهوى، وما هو تعريف الهوى، وتحذير القرآن والسنة من الهوى، وحال السلف الصالح رحمهم الله تعالى في هذا الشأن، ونحن نتكلم اليوم إن شاء الله عن علاج الهوى، وهذا هو لب الموضوع، وهي الثمرة والفائدة المراد معرفتها من طرق هذا الموضوع، وإن كان جزءٌ كبيرٌ من العلاج يكون في اكتشاف الحالات التي يقع فيها الهوى، لأنه كثيراً من الأحيان -أيها الإخوة- لا يدري الإنسان أن هذا التصرف الذي وقع به هو عبارة عن هوى، ولذلك قمنا في المرة الماضية بتسليط الضوء عن كثير من الحالات التي يقع فيها الهوى، قال الشاطبي رحمه الله تعالى: مخالفة ما تهوى الأنفس شاقٌ عليها، وصعبٌ خروجها عنه، ولذلك بلغ الهوى بأهله مبالغ لا يبلغها غيرهم، وكفى شاهداً على ذلك حال المحبين، وحال من بعث إليهم رسول الله ﷺ من المشركين وأهل الكتاب، وغيرهم ممن صمم على ما هو عليه حتى رضوا بإهلاك النفوس والأموال، كفار قريش خرجوا في معركة بدر وأهلكوا النفوس والأموال في سبيل الهوى الذي استقر في نفوسهم، وتمكن من قلوبهم، فحرمهم الاستفادة والاستجابة لدعوة الرسول ﷺ ، الهوى سواءً كان عند أبي جهل وغيره هو: حب الرئاسة، وسواءً كان عند سدنة الأصنام هو: حب الأصنام، وسواءً عند الغوغائيين والتبع هو: حب من يعتقدون أنه قدوتهم وأنه من أئمتهم وهم من أئمة النار في الحقيقة.
فإذاً هؤلاء رضوا بإهلاك النفوس والأموال، ولم يرضوا بمخالفة الهوى، أليس كذلك؟ حتى قال الله تعالى في شأنهم: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣] وقال: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٤] ويقول ابن القيم ﵀ مبيناً أهمية تخليص الأعمال من الهوى، يقول في شأن القلب وحال الإنسان: ولا تتم له سلامته مطلقاً حتى يسلم من خمسة أشياء: من شرك يناقض التوحيد، وبدعة تخالف السنة، وشهوة تخالف الأمر، وغفلة تناقض الذكر، وهوى يناقض التجريد والإخلاص.
وللإنسان مع الهوى ثلاثة أحوال كما يقول أحد السلف: الحالة الأولى: أن يغلبه الهوى، فيملكه، ولا يستطيع له خلافاً، وهو حال أكثر الخلق، وهو الذي قال الله فيه: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣].
الثاني: أن يكون الحرب بينهما سجالاً، تارةً له اليد، وتارةً عليه اليد، تارةً يغلب الهوى، وتارةً يغلب الإنسان هواه.
الثالثة: أن يغلب الإنسان هواه، فيصير مستولياً عليه؛ مستولياً على هذا الهوى لا يقهره بحال من الأحوال، وهذا هو الملك الكبير والنعيم الحاضر، قال ﵊: (ما من أحدٍ إلا وله شيطان) أي: يأمر بالشر، حتى الرسول ﷺ يأمره بالشر، الرسول ﷺ يقول في الحديث الصحيح: (إلا أن الله أعانني عليه فأسلم) قيل: إن هذا الشيطان أسلم أي: صار مسلماً، وقيل: المعنى: فأسلم أنا من شره، أي: حتى الشيطان للرسول ﷺ أسلم، فصار الرسول ﷺ لا أحد يأمره بالشر.
فإذاً هذا منتهى النعيم العظيم أن الإنسان يسيطر على هواه، فلا يدخل الهوى عليه، ولا يجد عليه سبيلاً.
стр. 1582
علاج الهوى بالرجوع إلى الكتاب والسنة وترك مناهج أهل الضلال
ونحن في علاجنا للهوى -أيها الإخوة- يجب أن نتوجه إلى دين الله نستمد منه النور والضياء، وإلا فلو أننا تركنا لأنفسنا من أن نضع منهجاً لعلاج الهوى، فإننا لن نحل المعضلة، بل سنزيدها تعقيداً، لذلك كان لا بد من الذهاب إلى القرآن والسنة لمعرفة المنهج الذي على أساسه نحارب الهوى ونسيطر عليه.
وقد وضع أقوامٌ من البشر مناهج يعالجون فيها الهوى، فضلوا أيما ضلال، وارتكبوا أخطاء شنيعة، ومن هؤلاء الأقوام الصوفية ومن نحا منحاهم في طريقة علاجهم للهوى، فإنهم أتوا بأشياء لم ينزل الله بها من سلطان، وابتدعوا في دين الله أشياء عجيبة، فمن ذلك أن أحدهم قال لمريد تابع له: إن أردت استخراج الهوى من نفسك، واستخراج الكبر، والاستعلاء على البشر، فعليك أن تفعل هذا الذي آمرك به، ما هو هذا الشيء؟ قال له: اذهب الساعة إلى الحجام، واحلق رأسك ولحيتك، وانزع عنك هذا اللباس، وابرز بعباءة، وعلق في عنقك حقيبة، واملأها جوزاً، واجمع حولك صبياناً، وقل بأعلى صوتك: يا صبيان! من يصفعني صفعةً فأعطيه جوزةً، وادخل إلى سوقك الذي تعظم فيه، هذا هو علاج الهوى عند هذا الرجل، حلق الرأس واللحية، ولبس الثياب البالية، ويعطي الأطفال جوزاً، ويقول: من يصفعني صفعة أعطيه جوزة.
فهذا المنهج الضال الذي لم ينزل الله به سلطاناً ليس هو المنهج الصحيح في علاج الهوى، وهذا آخر من البشر غلبه هواه فنظر إلى جارية، فلم يفعل ما يأمره الله به من التوبة والاستغفار، وإنما ماذا حصل؟ قلع عينه التي نظر بها إلى المحرم، هذا هو العلاج!! أن يقلع عينه التي نظر بها إلى المحرم، هل هذا هو العلاج الذي أمر الله به من ينظر إلى المحرمات؟! فإذاً أيها الإخوة! الناس إذا ابتعدوا عن منهج الله، يأتون بأشياء مبتدعة غير صحيحة وهذه من جملتها، لذلك كان لا بد من التمعن في طريقة القرآن والسنة في علاج الهوى، ولما امتحن المكلف بالهوى من بين سائر البهائم، وكان كل وقت تحدث عليه الحوادث من هذا الهوى جعل فيه حاكمان: حاكم العقل، وحاكم الدين وهما لا يتناقضان، ولا يتعارضان، إذ أن الصحيح من الشرع لا يعارض الصريح من العقل مطلقاً كما دلت على ذلك قواعد القرآن والسنة، معرفة أن هذا الهوى ابتلاء من الله مهم جداً، معرفة أن هذا الذي تميل إليه نفسك من المحرمات أنه ابتلاء يبتليك الله به حتى يعلم مدى صمودك، ومدى ثباتك، ومدى مقاومتك لنفسك في سلوك الطريق المحرم.
стр. 1583
كيفية علاج الهوى
стр. 1584
الاستعانة بالله وربط القلب به سبحانه
أيها الإخوة: أول ما يحتاج الإنسان في معالجته الاستعانة بمولاه على هذا الأمر، من هو مولانا الذي نستعين به على الشدائد وعلى الأهواء التي نكابدها ونلاقيها؟ إنه الله ، ولذلك -أيها الإخوة- كان لا بد من فتح الطريق مباشرةً بين العبد وبين ربه في استعانته بمولاه على هذا الهوى الذي يصيبه، ومن ضمن الأشياء التي يشتمل عليها هذا المنهج في الاتصال بين العبد وربه الدعاء؛ فإنه من أنفع الأمور التي تنفع العبد في التغلب على الهوى، ولذلك كان من دعاء رسول الله ﷺ كما روى الترمذي والطبراني والحاكم عن زيد بن علاقة ﵁ وهو حديث صحيح وهو في صحيح الجامع، كان من دعائه ﵇: (اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق، والأعمال، والأهواء، والأدواء) فهذا رسول الله ﷺ الذي أسلم شيطانه، فسلم من شره، ولم يعد أحدٌ يوسوس إليه بالشر، وهو المعصوم ﷺ كان يستعيذ من الأهواء، فما بالنا نحن الضعفاء الذين لا يقارن حالنا بحال رسولنا ﷺ .
وربط القلب بالله خوفاً وطمعاً، ورهبةً ورغبةً، والوقوف بين يدي الله تعالى من أكبر الأشياء التي تنفع في مقاومة الهوى، والدليل على ذلك قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١] قال مجاهد: هو العبد يهوى المعصية، فيذكر مقام ربه عليه في الدنيا ومقامه بين يديه في الآخرة، فيتركها لله: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١].
إذاً من أين أتى نهي النفس عن الهوى؟ كيف حصل للإنسان أن ينهى نفسه عن الهوى؟ حصل له هذا الشيء بالخوف من الله ، لأن الله قال: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١] ولذلك كان نهي النفس عن الهوى هي نقطة الارتكاز في دائرة الطاعة، فالهوى هو الدافع القوي لكل طغيان، وكل تجاوز، وكل معصية، وهو سبب البلوى، وينبوع الشر، وقلَّ أن يؤتى الإنسان إلا من قبل الهوى.
стр. 1585
العزيمة والخوف من الله
خوف الإنسان من الله ، خوفه من عقاب الله في الدنيا، ومن عذاب الله في الآخرة هو الوسيلة حقيقةً لأن ينهى الإنسان نفسه عن الهوى، وقد عقد العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى عليه في كتابه: روضة المحبين، فصلاً في آخر الكتاب ذكر فيه أموراً كثيرةً من الأشياء التي تعين على مقاومة الهوى، ولخص بعضها من كتاب: ذم الهوى لـ ابن الجوزي رحمه الله تعالى، فقال: ويمكن التخلص منه بأمور بعون الله وتوفيقه: أولاً: عزيمة حرٍ يغار لنفسه وعليها.
والمشكلة أن قوانا تضعف وتخور أمام مواجهة الأهواء والشهوات، فلا بد من العزيمة التي تملأ النفس صموداً وثباتاً ومقاومةً لهذه الأهواء والشهوات، ولا بد من جرعة صبر يصبر نفسه على مرارتها تلك الساعة، لأن امتناع الإنسان عن ولوج المعصية وقت المعصية طعمه مر، وقت حصول المعصية وأنت تواجهها لا تستطيع أن تنزع نفسك بسهولة، بمشقة شديدة جداً، ولكن عندما تطعم نفسك هذا الصبر الذي يكون علقماً في بعض الأحيان مثل: الدواء للمريض، يكون الدواء في بعض الأحيان مراً، ولكن لا بد منه وهو علاجٌ نافعٌ، فلا بد من تناوله، فأنت حين تقاوم وتجاهد، ستشعر بمرارة فراق المعصية، ولكن إذا تجاوزت هذه المرحلة، فإن الله يعقب في نفسك حلاوةً عظيمةً تجدها في نفسك بعد انتصارك على نفسك.
لحظات المعركة يكون الوقع شديداً ليس سهلاً، لا تأتي الفرحة مباشرةً، ويأتي السرور مباشرة، لا بد من لحظات مجاهدة شديدة على النفس وشاقة وصعبة، بعد الانتصار يعقب الله في نفس العبد حلاوة الطاعة وحلاوة ترك المعصية، فالذي يصبر على العلقم في البداية يجد الحلاوة في النهاية، ولا بد من قوة نفس تشجعه على شرب تلك الجرعة، ولا بد من ملاحظة حسن موقع العاقبة والشفاء بتلك الجرعة، أنت تعرف أن مقاومة الهوى ليست سهلة، تعرف أن الامتناع عن المعصية صعب، لكن أنت إذا جلست تفكر في العاقبة التي ستكون لك بعد امتناعك عن الوقوع في هذه المحرمات وفي هذه الشهوات، هذا يسهل عليك الأمر، وإذا جلست تفكر في الحلاوة التي ستجدها بعد المرارة، وفي النعيم الذي ستجده في الآخرة، سيسهل عليك الأمر، وكذلك يتفكر الإنسان أنه لم يخلق للهوى، وإنما هو لأمرٍ عظيمٍ لا يناله إلا بمعصيته للهوى كما قال الشاعر:
قد هيئوك لأمرٍ لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهملِ
لما يفكر الإنسان أنه ما خلق من أجل أن يتبع أهواءه، وإنما خلق من أجل طاعة ربه.
هناك -أيها الإخوة- هدف عظيم، هناك من الناس من لا يختلفون مطلقاً عن الدواب، يمشي كالبهيمة يتبع شهواته وأهواءه، لما يفكر الإنسان أنه وجد على هذه الأرض لا لاتباع الهوى، وإنما لاتباع شيء آخر.
قد هيئوك لأمرٍ لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهملِ
قد هيئوك: أنت أيها العبد المسلم قد هيئت لأمر عظيم وهو عبادة الله.
لو فطنت له: المشكلة أن أكثر الناس لا يفطنون له.
فاربأ بنفسك: ارتفع بنفسك.
أن ترعى مع هذا الهمل، ومع هذه الحيوانات التي ليس لها همٌّ إلا اتباع الهوى والشهوات.
стр. 1586
ألا يختار لنفسه أن تكون الحيوانات أحسن منه
وكذلك ألا يختار لنفسه أن يكون الحيوان أحسن حالاً منه، ولهذا تساق الحيوانات إلى منحرها وهي منهمكة في شهواتها، أنت الآن عندما تنظر إلى حال رعاة الغنم تجد أنهم يسوقون القطعان إلى المنحر وإلى المجزرة، القطيع وهو يمشي على الأرض إلى المنحر، ويكون في الطريق أعشاب ماذا يحدث؟ يأكل من هذه الأعشاب وهو يمشي إلى المنحر، وإلى المكان الذي ستزهق فيه روحه، ويذبح ويهلك فيه وهو يأكل حتى آخر لحظة من هذه الحشائش الموجودة في الأرض.
إذاً: لا نريد أن نساق إلى جهنم، ونحن قد جعلت على أعيننا غشاوة الهوى والمسكرات من المنكرات؛ لأن الشهوات والمنكرات تسكر، فلا يعيش الإنسان في حالة وعي؛ فيساق إلى جهنم، فلا يكون الحيوان أحسن حالاً من الإنسان، يجب على الإنسان أن يرتفع فوق مستوى البهائم، ولو فكر العاقل لحظة قضاء وطره وقارنها بما سيعقب بعد ذلك من الحسرة التي سيقضي فيها بقية عمره؛ لما اقترب من هذا الوطر ولو أعطي الدنيا، والطريق الأعظم في الحذر ألا يتعرض لسبب الفتنة ولا يقاربه، كم من معصية مضت في ساعتها كأنها لم تكن، ثم بقيت آثارها، ولذلك فإنه لا بد للمسلم أن يسير بقلبه في عواقب الهوى، فيتأمل كم فوتت هذه المعصية من فضيلة! وكم أوقعت في رذيلة! وكم أكلة منعت أكلات!! الآن بعض الناس يأكلون بغير حساب؛ فيضر كثرة الأكل أجسامهم، فيذهب إلى الطبيب يشتكي، فيمنعه الطبيب من قائمة كثيرة من الأكلات، ويحدد له أكلات قصيرة، أكلات ضئيلة قليلة، يحرمه من تلك الأكلات، ما الذي منعه من هذه الأكلات الطيبات؟ إنه كان يأكل بغير نظام في الماضي، فلذلك كم من شهوةٍ كسرت جاهاً، ونكست رأساً، وأورثت ذماً، وأعقبت ذلاً، وألزمت عاراً لا يغسله الماء غير أن عين صاحب الهوى عمياء!! هذه المعاصي أيها الإخوة! الله جعل سنته في الكون أن العاصي لا بد أن يعاقب في الدنيا، فكم من شهوةٍ كسرت جاهاً بسبب هذه المعاصي، حتى أن الإنسان وأمام الناس ليس له وجه، المعصية كسرت جاهه، وأوقعته من مكانته أمام الناس، ونكست رأسه، فلا يستطيع أن يرفع رأسه أمام الناس، وأورثت له ذماً، وأعقبت له ذلاً، وألزمته عاراً لا يغسله الماء بسبب الغشاوة التي على أعين متبعي الهوى.
стр. 1587
التأمل في العاقبة
وكذلك مما يعين على علاج الهوى: أن يتصور العاقل انقضاء غرضه ممن يهواه، ثم يتصور حاله بعد قضاء الوطر، هب أن رجلاً أراد أن يزني وجاءه هوى الشهوة، فعليه أن يفكر قبل أن يقع في الزنا، يفكر لو أنه قضى وطره من هذه المرأة المحرمة، ماذا سيكون بعد ذلك؟ تأمل العاقبة مهم جداً؛ لأنه هو الذي يمنعك من الوقوع في البداية، والله قد شبه من يتبعون أهواءهم بأخس الحيوانات وأذلها وأحقرها ألا وهو الكلب، فقال عن الرجل الذي أعرض عن آيات الله : ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف:١٧٦] فالرجل الذي يتبع الهوى عندما يتصور بأن حاله مثل حال الكلب، هل يا ترى يقدم على هذه الجريمة، وعلى هذه الشهوة؟! وشبههم الله تعالى مرة بالحمير، فقال: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر:٥٠ - ٥١].
стр. 1588
أن يتأمل آيات الله
وكذلك إذا تأمل متبع الهوى حاله من بعض الآيات كقول الله : ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤] لو تأمل هذه الآية سيجد أن حرم الإمامة على متبع الهوى، لماذا؟ لأن الله يقول في آية أخرى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الروم:٢٩] وهناك قال: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤] فالظالم يتبع الهوى، والظالم قد حرم من الإمامة، فمتبع الهوى قد حرم من الإمامة في الدين، فلا يمكن أن يجعله الله إماماً يؤتم به في الدين وهو متبع للهوى، فهو ليس بأهل لأن يطاع، ولا أن يكون إماماً ولا متبوعاً في الخير.
وجعل الله متبع الهوى بمثابة عابد الوثن، فقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣] وجعل الله حظار جهنم -الشيء الذي يحوط جهنم- الهوى والشهوات، فقال رسول الله ﷺ : (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات) وجعل الرسول ﷺ اتباع الهوى من المهلكات، فقال: (أما المهلكات: فهوىً متبع، وشحٌ مطاع، وإعجاب كل ذي رأيٍ برأيه).
ولو تأمل صاحب الهوى، أو الذي يأتيه الهوى ما له من العاقبة الحسنة إذا خالفه هواه، ومن النور الذي يدخله الله في قلبه، لثبت عند هذا ووقف، قال بعض السلف: الغالب لهواه أشد من الذي يفتح المدينة وحده.
تأمل! الغالب لهواه أشد من الذي يفتح المدينة وحده، فتح مدينة بأكملها من شخص واحد أمر عسير جداً، لكن أعسر منه أن يخالف الإنسان هواه.
وكذلك جهاد الهوى إن لم يكن أعظم من جهاد الكفار فليس بدونه، قال ابن القيم ﵀: وسمعت شيخنا يقول: جهاد النفس والهوى أصل جهاد الكفار والمنافقين؛ فإنه لا يقدر على جهادهم حتى يجاهد نفسه وهواه أولاً، ثم يخرج إليهم.
стр. 1589
المجاهدة والصبر على مقاومة الهوى
وكذلك الذي يمتنع عن الهوى كأنه سيأخذ دواءً مراً، ولا بد أن يصبر على هذا الدواء، ولا بد أن يتبع نظاماً في الحمية من الهوى كما يتبع الرجل الذي يأكل الأكل المضر نظاماً في الحمية، ولذلك قال عبد الملك بن قريب: مررت بأعرابي به رمد شديد في عينيه، ودموعه تسيل على خديه، فقلت: ألا تمسح عينيك؟ قال: نهاني الطبيب عن ذلك، وقال لي: إذا مسحت عينيك، يزداد الألم، ويزداد المرض شدة.
ولا خير فيمن إذا زجر لا ينزجر، وإذا أمر لا يأتمر، فعلاً الآن الذين يصيبهم الرمد هذا مثل حرق العين يريد أن يحك عينه، وقد يكون الطبيب نهاه عن هذا الفعل، وأخبره إن هو حك عينه، أن المرض سينتشر وسيشتد، فماذا يفعل؟ تجد الإنسان قوي الإرادة كأنه قد ربط بحبل يقاوم يده أن تمتد إلى عينه مع أنها تحرقه جداً، لكنه يقاوم أن يمد يده إلى عينه، قد يصيب جلد الإنسان حساسية أو حبوب , فيخبره الطبيب ألا يحك جلده مطلقاً؛ لأنه إذا حكها سينتشر، ماذا يكون شعور الإنسان في تلك الحالة؟ الشخص العاقل يحس بأن هناك دافعاً قوياً لأن يحك جلده، لكنه يصبر على الحك، لأن الحك سيجعل الأمر أسوأ من ذي قبل، كذلك حال الذي يأتيه الهوى، إذا اتبع الهوى سيكون الأمر أسوأ، ولذلك هو يصبر كما يصبر هذا الرجل الذي به رمد شديد وحرقة في عينيه، فلا يحك عينه لأنه أمر بهذا، يقول عبد الملك بن قريب: فقلت لهذا الأعرابي: ألا تشتهي شيئاً؟ قال: بلى، ولكني أحتمي، عندي نظام في الحمية، الطبيب نهاني عن أكلات، يقول الأعرابي: إن أهل النار غلبت شهوتهم حميتهم فهلكوا، الله أمرهم أن يمتنعوا عن أشياء، يتبعوا نظام الحمية من أشياء معينة، فغلبت شهوتهم حميتهم فهلكوا.
قال الفضيل بن عياض في كلام على أن اتباع الهوى يحرم العبد من إصابة الحق، ومن معرفة الدليل، ومن التوفيق في أمور الدنيا والآخرة، يقول: من استحوذ عليه الهوى واتباع الشهوات، انقطعت عنه موارد التوفيق، فالذي ينغمس في الهوى لا يكاد الله يوفقه إلى خيرٍ أبداً، بل تجد بأن الطرق بينه وبين الخير مسدودة، والعوائق موجودة، لا يستطيع أن يصل إلى الخير؛ لأنه متبع للشهوات والهوى، ما اتخذ الأسباب فكيف يهديه الله؟! ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩] والذين لم يجاهدوا فينا، ماذا ستكون عاقبتهم؟ وكذلك كان بعضهم يطوف في البيت، فنظر إلى امرأة جميلة، فمشى إلى جانبها، ثم قال:
أهوى هوى الدين واللذات تعجبني فكيف لي بها واللذات والدين
قال: أنا أهوى الدين، لكن اللذات التي أراها تعجبني، فكيف أجمع بين هوى اللذات وبين الدين؟ فقالت المرأة: دع أحدهما تنل الآخر، فعلاً دع الدين تنل الهوى، الإنسان عنده هذه الإرادة: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١] طريق الخير وطريق الشر، أنت مخير، لا أحد يرغمك على سلوك أحد الطريقين، دع أحدهما تنل الآخر، وهذا ترك الهوى، الآن لحظات تمر على الإنسان يعاين فيها مواقفاً من الشهوات والهوى، فإذا هو قاوم نفسه هذه المقاومة فإن هذه المواقف في الدنيا التي يقاوم فيها الهوى لا تنسى عند الله يوم القيامة مطلقاً، في ذلك الموقف الذي تزل فيه الأقدام، والذي تدنو فيه الشمس من الخلائق، لا ينسى الله تعالى لعبده أبداً هذه المواقف التي وقفها في الدنيا.
أحدهم ترك شهوات وأهواء ولذائذ كثيرة في الدنيا محرمة من أجل الله ، فلا ينساها الله تعالى له يوم القيامة، وقال عبد الرحمن بن مهدي: رأيت سفيان الثوري رحمه الله تعالى في المنام -بعض المنامات التي ترى للصالحين لا بأس من حكايتها، إذا لم يرد فيها مخالفات شرعية، فبعض المنامات أو الرؤى التي رآها صالحون لأناس صالحين، كان السلف ﵏ يدرجونها في كتبهم، ويكتبونها وينشرونها، لأنها تؤثر، الرؤيا الصالحة عاجل بشرى المؤمن- فقال عبد الرحمن بن مهدي وهو من كبار أئمة الدين: رأيت سفيان الثوري رحمه الله تعالى في المنام، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: لم يكن إلا أن وضعت في لحدي حتى وقفت بين يدي الله ﵎، فحاسبني حساباً يسيراً، ثم أمر بي إلى الجنة، فبينا أنا أدور بين أشجارها وأنهارها لا أسمع حساً ولا حركةً إذ سمعت قائلاً يقول: سفيان بن سعيد؟ فقلت: سفيان بن سعيد، فقال: تحفظ أنك آثرت الله على هواك يوماً؟ فقلت: إي والله، فأخذني النثار من كل جانب -النثار في اللغة: هو ما يرش على العروس في ليلة العرس من الزينة، أو الذهب، أو الزهور، إلى آخر ذلك.
نسأل الله تعالى أن تكون هذه من الرؤى الصالحة التي رئيت لـ سفيان الثوري ﵀، فإنه كان من المجاهدين في الله حق جهاده في العلم والتقوى، ونال الإمامة في الدين.
يقول ابن القيم ﵀ في حديث: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) كيف نالوا هذا الظل؟ يقول: إذا تأملت السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله وجدتهم نالوا ذلك الظل بمخالفة الهوى، فإن الإمام المسلط القادر لا يتمكن من العدل إلا بمخالفة هواه؛ لأن عنده من القوة والنفوذ والسيطرة ما يستطيع به بسهولة أن يتابع هواه، فلما قاوم نفسه وقاوم هواه، وحكم شرع الله تعالى، ولم يتبع شهواته، وعدل بين الرعية كان له الظل يوم أن تدنو الشمس من رءوس العباد.
والشاب المؤثر عبادة الله على داعي الشباب لولا مخالفة هواه لم يقدر على ذلك، لولا أن هذا الشاب الذي نشأ في طاعة الله خالف هواه لما نشأ في طاعة الله، والرجل الذي قلبه معلقٌ بالمساجد إنما حمله على ذلك مخالفة هواه الداعي له إلى أماكن اللذات، خالف الهوى الذي يدعوه إلى الذهاب إلى أماكن اللذات، وصار يذهب إلى أماكن العبادة والمساجد، أعقب الله له الأجر الجزيل بأن أظله في ظل عرشه.
والمتصدق المخفي لصدقته عن شماله لولا قهره لهواه (هوى الرياء) وهوى أن يشاهده الناس، وأن يتحدثوا عن كرمه لم يقدر على ذلك، لو ما خالف هذا الهوى لما صار في هذا المكان يوم القيامة.
والذي دعته المرأة الشريفة الجميلة، فخاف الله وخالف هواه، نال نفس الكرامة.
والذي ذكر الله خالياً ففاضت عيناه من خشيته، إنما أوصله إلى ذلك مخالفة هواه، فلم يكن لحر الموقف وعرقه وشدته سبيلاً عليهم يوم القيامة.
стр. 1590
تأمل اللذة التي تنتج عن مخالفة الهوى
ومن الأشياء التي تعين في علاج الهوى: تأمل اللذة التي تنتج عن مخالفة الهوى، فإن في قهر الهوى لذة تزيد على كل لذة، وغالب الهوى يكون قوي القلب عزيزاً؛ لأنه قهر هواه، بينما الذي يتبع الهوى يكون ذليلاً؛ لأنه اتبع هواه، فالحذر الحذر من رؤية المشتهى بعين الحسن.
أحياناً يا إخواني! الشيطان يزين للإنسان المعصية، فيراها جميلة جداً، فينظر إلى المعاصي بعين الحسن، المفروض أن ينظر إلى المعاصي بعين الاستقباح وعين الكراهية لهذا الأمر، كما أن اللص يرى لذة أخذ المال من الحرز الذي يأخذه بكل يسر وسهوله، لكنه لا يرى بعين الفكر قطع اليد، فلذلك يسرق.
وما مثل الهوى إلا كسبع في عنقه سلسلة، فإن استوثق منه ضابطه كفه، الهوى مثل السبع، ومثل الأسد، إذا ربطته بسلسلة قوية، ما ينفلت منك.
يقول ابن الجوزي في صيد الخاطر: على أن من الناس من يكف هواه بسلسلة، ومنهم من يكفه بخيط.
стр. 1591
أنه إذا جاءك الهوى فخالفه
ومن الأمور المهمة في معالجة الهوى: أنه إذا جاءك الهوى في مسألة فخالفه، النفس الأمارة بالسوء، أو الشيطان يأمرك أن تفعل هذا الأمر، فعليك بمخالفته فوراً، قال أحد السلف: اعلم أن البلاء كله في الهوى، والشفاء كله في مخالفتك إياه، قال بعض الحكماء: إذا اشتبه عليك أمران، فانظر أقربهما من هواك فاجتنبه.
مثلاً: الإنسان موقفه من الأحكام الشرعية يحتار هل هذا هو الصحيح، أم هذا هو الصحيح؟ أحياناً يكون الإنسان صادقاً ومخلصاً ويريد أن يصل إلى الحق، فيحتار ما هو الحل؟ فمن ضمن الأشياء التي ترجح قولاً على آخر أن ينظر الإنسان ويدقق ويفتش في نفسه، فينظر أي القولين أقرب إلى هواه فيخالفه ويأخذ الآخر، لماذا؟ لأن النفس في العادة تميل إلى المحرمات، وتميل إلى الخطأ، تميل إلى الأسهل، تميل إلى ما يشبع رغبتها، تميل إلى الحكم الذي لا يكلف الإنسان عناءً ولا مشقةً، لذلك ترى كثيراً من الناس يتبعون أهواءهم في الأحكام الفقهية، فيأخذ الحكم الذي لا يكلفه، لنفترض أن رجلاً من الناس قد وقف أمام حكمين في مسألة فقهية لم يستطع أن يرجح أحدهما على الآخر، فما هي أحد المرجحات التي يستطيع أن يستخدمها؟ أن ينظر نفسه إلى أي قول من هذه الأقوال تميل، فينظر القول الذي تلين له نفسه، ثم يتركه ويأخذ الآخر، إذا اشتبه عليك أمران، فانظر أقربهما من هواك فاجتنبه.
أحياناً في بعض التصرفات الإنسان قد يشتبه عليه أكلة من الأكلات، هل هذه الأكلة فيها شيء محرم، أم ليس فيها شيء محرم؟ وليس عنده دليل يقطع فيها بأنها محرمة، فهل يأكل، أو لا يأكل؟ ينظر ماذا تميل إليه نفسه، غالباً يجد أن نفسه تميل إلى الأكل، فإذاً يخالف الهوى ولا يأكل؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (اتقوا الشبهات) وغالباً ما تهوى النفس الوقوع في الشبهات، فلذلك لا بد من المخالفة، وهذا من أكبر العلاجات، ويقول ابن الجوزي ﵀: تأملت أمراً عجيباً وهو انهيال الابتلاء على المؤمن، وعرض صور اللذات عليه مع قدرته على فعلها، فقلت: سبحان الله! هاهنا يتبين أثر الإيمان لا في صلاة ركعتين، عندما تقف أمام الهوى أو الشهوة.
كما أرجو -أيها الإخوة- عندما أذكر في كلامي الشهوة، لا يعني شهوة الجنس فقط، لا فقد تكون شهوة المال، وقد تكون شهوة الوقوع في الغيبة والنميمة، وقد تكون شهوة الجور في الحكم بين الأولاد، أو بين الناس، أشياء كثيرة كلها شهوات في الحقيقة، شهوة الجاه والمنصب.
أقول: سبحان الله! هاهنا يبين أثر الإيمان فعلاً عند الوقوف أمام المحك، أمام المنعطف، هنا يبين أثر الإيمان، لا يبين في صلاة ركعتين مثلما يبين في هذا الموقف، والله ما صعد يوسف ﵇ ولا سعد إلا في مثل ذلك المقام، تأملوا حاله لو كان وافق هواه، فعلاً، تأمل حال يوسف وفكر لما دعته امرأة العزيز ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف:٢٣] يوسف الآن أمام هذا الموقف، امرأة جميلة وصاحبة منصب وهي سيدة، وهو عبدٌ, وهو غريبٌ عن بلده وشابٌ، وهو أعزبٌ، وقد غلقت الأبواب، وغاب الرقيب، وسيدها ليس له غيرة، لأنه قال بعد ذلك: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ [يوسف:٢٩] ليس للسيد غيرة، وليس هناك أحدٌ يشاهد، واجتمعت دواعي وقوع الفاحشة أمام يوسف ﵇ مما لا يجتمع مثله بين رجل وامرأة قط، لما حدث هذا الأمر تأمل لو أن يوسف ﵇ وافق هواه ووقع على تلك المرأة، هل سيصبح نبياً صديقاً؟! ولكن وقوف يوسف ﵇ في تلك المحنة أمام شهوته هو الذي أوصله إلى ذلك المقام: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤] ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف:٢٣].
ولذلك كان سؤال الله الصراط المستقيم في الصلاة أكثر من مرة دائماً: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] فيه تذكير للإنسان بألا يتبع الهوى، ويسأل الله أن يهديه الصراط المستقيم: الطريق المستقيم لا طريق الهوى.
стр. 1592
استطراد في الكلام حول هوى الشهوة والتعلق والعشق
وأنا أتكلم في هذا المقام الآن على نوع من الهوى فهو مهم وخطير، ولا بد من تفتيح العقل على معالجة هذا النوع من الهوى ألا وهو: هوى الشهوة، وهوى العشق، وهوى التعلق بالمخلوقين، هذه المشكلة التي كانت ولا زالت سبباً كبيراً من أسباب انحراف الناس عن شرع الله ، ومن وقوعهم في حبائل الشيطان.
стр. 1593
محاربة أعداء الله للمسلمين عن طريق الشهوة
إن أعداء الإسلام لمعرفتهم بخطر هذا النوع من الهوى، صاروا يستخدمونه ضد المسلمين، لذلك تجد اليوم نشر المغريات من أنواع الفساد، وتزيين الشهوات في أعين الناس، وفي عرضها عليهم من أكبر ما يورط الناس في الوقوع في المحرمات، أعداء الإسلام ما كفوا لحظة واحدة عن دراسة الوسائل التي تحرف المسلمين عن الصراط المستقيم، فكان من أقوى هذه الوسائل دواعي الشهوة، واستغلال الغريزة الكامنة في نفوس الناس لحرفهم عن الصراط المستقيم، قال ابن القيم ﵀: وإذا أراد النصارى أن ينصروا الأسير -يعني: المسلم- أروه امرأة جميلة، وأمروها أن تقنعه في نفسها، يعني: هي التي تدخل عليه في سجنه، وتقدم له الأكل، وهي التي تنظفه، أو تلبسه ثيابه وهو مأسور، وهو في السجن لا يستطيع مقاومة، وتتلطف وتتودد إليه بالتصرفات والكلمات الجميلة المعسولة، وتطمعه في نفسها، حتى إذا تمكن حبها من قلبه، فعندما يشتاق إليها ويقع في حبائلها، بذلت له نفسها إن ترك دينه، فهناك ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [إبراهيم:٢٧] هذه كانت من وسائل النصارى في القديم، فالنصارى من زمان وهم يفعلون ويخططون للمسلمين هذه المخططات، هكذا كانوا يفعلون بأسارى المسلمين، من أي منطلق ينطلقون؟ وأي سبيل يسلكون لكي يصلوا إلى هدفهم في تنصير المسلمين؟ إنهم ينطلقون ويسلكون مسلك الغريزة واستغلال الشهوة، هوى الشهوة في نفس المسلم لكي يوقعوه في حبائلهم، فيصبح نصرانياً مرتداً عن ملة الإسلام وعن دين الله .
стр. 1594
شهوة الجنس مشكلة العصر
وهنا من أكبر الشهوات التي تواجه الناس اليوم قضية شهوة الجنس المتمثلة في ميل الرجال إلى النساء، وميل النساء إلى الرجال، هذه المشكلة -أيها الإخوة- من أكبر المشاكل في قضية الهوى، وكذلك قضية العشق: وهو تعلق القلب بالصور الجميلة سواءً كانت صورة امرأة، أو أمرد حسن، هذه من البلايا والطامات التي ابتلي بها المسلمون، وهي تحدث بكثرة في أوساط المسلمين، رفع إلى ابن عباس وهو بـ عرفة شابٌ قد انتحل حتى عاد لحماً على عظم، فقال ما شأن هذا؟ قالوا: به العشق، فجعل ابن عباس يستعيذ بالله من العشق عامة يومه، لما رأى حال هذا الشاب الذي أدى به العشق إلى هذه الحالة، جعل ابن عباس يستعيذ بالله من العشق من هذه المسألة عامة يومه وهو بـ عرفة.
وقد بلغ بالعشاق عشقهم مبالغ عظيمة من التردي في المهاوي والمهالك، بل إنه أدى بهم إلى الوقوع في سوء الخاتمة والعياذ بالله، قال ابن القيم ﵀ في كتابه: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي: يروى أن رجلاً تعلق قلبه برجل، فتعلق به وهواه واشتهاه، وصارت صورة هذا الرجل منطبعة في ذهن هذا الإنسان، ومستغلقةً عليه، حتى أن قلبه قد تعلق به أشد التعلق، فاشتد كلفه به، وتمكن حبه من قلبه، حتى وقع من هذا الألم، ولزم الفراش بسببه، وتمنع ذلك الشخص عليه واشتد نفاره عنه، نفر عنه نفرةً شديدةً، فلم تزل الوسائط يمشون بينهما حتى وعده بأن يعوده، فأخبره بذلك الناس، الناس أخبروا هذا الرجل الذي مرض بسبب العشق والعياذ بالله بأن معشوقه سيزوره، فماذا حدث؟ ففرح واشتد فرحه وانجلى غمه، وجعل ينتظره للميعاد الذي يضرب له، فبينما هو كذلك، إذ جاءه الساعي بينهما، فقال: إنه وصل معي إلى بعض الطريق، لكنه غير رأيه ورجع، ورغبت إليه وكلمته، فقال: إنه ذكرني وفرح بي، يعني: هذا العاشق ذكرني وفرح بي، ولا أدخل مدخل الريبة، ولا أعرض نفسي لمواقع التهم، فعاودته، فأبى وانصرف، فلما سمع البائس أسقط في يده، وعاد إلى أشد مما كان عليه، وبدت عليه علائم الموت، فجعل يقول في تلك الحالة:
أسلم يا راحة العليل ويا شفى المدنف النحيل
رضاك أشهى إلى فؤادي من رحمة الخالق الجليل
يقول هذا العاشق وهو فيه علائم الموت قد ظهرت:
رضاك أشهى إلى فؤادي من رحمة الخالق الجليل
فقلت له: يا فلان اتق الله، قال: قد كان، أي: حصل الذي حصل، فقمت عنه، فما جاوزت داره حتى سمعت صيحة الموت، فعياذاً بالله من سوء العاقبة وشؤم الخاتمة.
هذه قضايا العشق والشهوة، والتعلق بالمخلوقين، وبالصور الجميلة، كلها ناتجة عن اتباع الهوى، وعن إسلاس القياد للنفس، وعن إسلاس النفس لتسير مع شهوتها، ومع متعلقاتها حتى تقع في الهاوية، والذي يتعلق قلبه بشيء -أيها الإخوة- من الصعب أن ينفك عنه، والذي يتراجع في بداية الطريق أسهل بكثير من التراجع وقد مضى شوطاً في الطريق؛ لأنه كلما مضى أكثر كلما تعلق قلبه أكثر، وقد تبدأ العملية في بدايتها في نوع من الإعجاب بتصرفات الشخص الآخر، والإكثار من ذكره وقصصه وسيرته، ولكنها تنتهي في النهاية إلى نوع من التعلق الشديد الذي يطغى على حب الله تعالى، ويصبح إرضاء ذلك الشخص هم العاشق الوحيد الذي تعلق قلبه بمعشوقه، حتى أنه يقدم إرضاء ذلك الشخص على رضا الله تعالى، فيكون قد وقع في شرك المحبة وهو الشرك العظيم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] وهذه القضية -أيها الإخوة- فيها من الخطورة شيء عظيم، فإنها تسبب شقاء القلب وكلالته وتعبه حتى أنه ليسقط مريضاً مما ينعكس على الجسد فيمرض كما يقول هذا الشاعر:
فما في الأرض أشقى من محبٍ وإن وجد الهوى حلو المذاقِ
تراه باكياً في كل حينٍ مخافة فرقةٍ أو لاشتياقِ
فيبكي إن نأوا شوقاً إليهم ويبكي إن دنو حذر الفراقِ
إذا ابتعد عنه بكى شوقاً إليه، وإن اقترب منه خاف على نفسه، فبكى خوف الفراق، ما الذي يسبب وقوع هذا النوع من المشاكل في قلوب بعض الناس؟ إنه القلب الفارغ من محبة الله ، هو الذي يسبب وقوع هؤلاء الناس في العشق وفي الهوى، قال الشاعر:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكنا
الشاهد: الشطر الأخير (فصادف قلباً خالياً فتمكنا) القلب إذا كان معموراً بحب الله ، والإنابة إليه، والإخبات إليه، والتوكل عليه، ومراقبة الله دائماً، هذا القلب الممتلئ بهذه الصفات الإيمانية من أعمال القلوب كيف يدخل فيه تعلق بالمخلوقين؟! كيف يحدث فيه عشقٌ؟! لا يحدث، لذلك لا تحدث هذه المشكلة إلا في قلوب الناس الذين فرغت قلوبهم من محبة الله.
стр. 1595
القلب إذا لم تشغله بطاعة الله شغلك بمعصيته
والقلب -أيها الإخوة- لا بد أن يشغل بحب شيء، القلوب تهوى وتحب، النفوس تحب، لا بد أن تشغل بحب شيءٍ، فإن لم تشغلها بحب الله تعالى أشغلتك بحب المخلوقين، ونحن لا نتكلم الآن عن الحب الصحيح، أو الحب الشرعي كحب الرجل لزوجته، أو الحب الطبيعي كحب الجائع للطعام، ولكننا نتكلم عن هذا النوع من الحب والعشق المحرم الذي يقع فيه كثير من الناس لداعي الهوى، فقد تقدم أن العبد لا يترك ما يحبه ويهواه، ولكن يترك أضعفهما محبةً لأقواهما محبة، كما أنه يفعل ما يكرهه لحصول ما محبته أقوى عنده من كراهة ما يفعله، أو لخلاصه من مكروه، هذا كلامٌ دقيقٌ، لأن بعض الناس قد يكون في قلوبهم حبٌ لله، لكن هذا الحب قليل، فيدخل في قلب هذا الرجل حبٌ لشخص آخر، فيطغى هذا الحب على ذلك الحب، وبهذا التفسير نستطيع أن نفهم كيف يقع بعض الناس الذين يسلكون سبيل الطاعة بالتعلق بالمخلوقين؟ وفي عشق الصور الجميلة؟ لأن هذا الرجل الطائع فيه محبة لله، كيف وقع في العشق؟ كيف وقع في التعلق؟ إنه وقع في التعلق بسبب أن محبة الله في قلبه أقل من محبته لذلك الشخص، فطغت محبته لذلك الشخص على محبة الله، فأخرجت محبة الله من قلبه وطردتها طرداً، وأشغلت القلب كله بهذا الشيء، ولذلك كان لا بد من التدقيق في علاج هذه المشاكل، ومن الانتباه لها من بدايتها حتى لا تستفحل، وحتى لا تؤدي إلى ترك طريق الاستقامة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 1596
كيفية معالجة التعلق والعشق
стр. 1597
تذكر مناتن المعشوق
فمن الأشياء التي يستطاع أن يتغلب بها على هذا الأمر أمور كثيرة منها: قال ابن مسعود: [إذا أعجبت أحدكم امرأة، فليتذكر مناتنها] مناتنها: جمع منتن، المكان الذي يكون فيه النتن، والوسخ، والقذارة، إذا أعجبت أحدكم امرأة فليتذكر مناتنها، هذا التذكر للمناتن يساعد على التخلص من عشق هذه المرأة، ونفس القضية بالنسبة للمرأة مع الرجل، فتتذكر مناتنه، لأن كل مخلوق من البشر فيه مناتن؛ بول، وعذرة، وعرق، ورائحة كريهة، وبخرٌ يخرج من الفم من جراء هضم الطعام في المعدة، هذه المناتن والقبائح التي تكون في الشخص تذكرها يعين على الخلاص من هذه المشكلة.
ويضرب ابن الجوزي ﵀ في صيد الخاطر مثلاً آخر لهذا الموضوع، فيقول: إن العقل يغيب عند استحلاء تناول المشتهى من الطعام عن التفكر في تقلبه في الفم وبلعه، الآن عندما يرى الإنسان طبقاً من الطعام جميل وشهي، ويسيل اللعاب عند رؤية هذا الطعام، الإنسان عندما يأكل الطعام في العادة هل يتذكر هذا الرجل صورة هذا الطعام وهذا اللحم المشوي، أو هذه الفاكهة اللذيذة، أو هذه الخضار الناضجة، هل يتذكر وهو يأكلها في الغالب كيف يكون في فمه وهو يطحن واللعاب يختلط به، وكيف ينزل إلى المعدة فتنزل عليه العصارات، فتشوه شكله بالكلية، إنك لو أكلت أشهى لقمة من لحم مشوي، فمضغتها في فمك، ثم أخرجتها من فمك لأي سبب كيف يكون شكلها؟ تأمل، كيف يكون شكل هذه اللقمة بعد إخراجها من فمك ومضغها.
إذاً تدبر مناتن من تتعلق بهم من الأمور المساعدة على صرف التعلق، وعلى صرف النظر عن هؤلاء الأشخاص؛ لأن لكل أشخاص قبائح، ولكن المشكلة أن كثيراً من الناس يفتنون بظاهر الشخص، لا يعرفون عيوبه الداخلية، فلو قدر لهم معرفة عيوبه الداخلية لما فتنوا به.
فيقول ابن القيم ﵀: والداخل في الشيء لا يرى عيوبه، والخارج منه الذي لم يدخل فيه لا يرى عيوبه، ولا يرى عيوبه إلا من دخل فيه ثم خرج منه -الذي يدخل في الشيء، لأن الذي هو داخل فيه لا يرى عيوبه، والشخص الخارج تماماً الذي ما دخل لا يرى عيوبه، من الذي يرى عيوبه؟ الذي دخل ثم خرج، ثم قال جملةً جميلةً- ولهذا كان الصحابة الذين دخلوا في الإسلام بعد الكفر خيراً من الذين ولدوا في الإسلام؛ لأنهم عرفوا حلاوة الإسلام لما كانوا في الجاهلية ثم خرجوا إلى الإسلام، فعرفوا بالمقارنة مناتن الجاهلية، وعرفوا حال الشقاء الذي كانوا يعيشونه، فكانت المقارنة، وانتقالهم من تلك الحال إلى هذه الحال من أكبر الأمور التي أعانتهم على التشبث بهذا الإسلام، ومعرفة حلاوته وذوقها، والعيش فيها بأحسن صورة وأجمل حال، وهذا الأمر ليس مطرداً طبعاً، لا يعني أن كل من ولد في الإسلام هو دون من كان في الجاهلية ثم انتقل إلى الإسلام، لكن من الأمور التي تعين على معرفة العيوب أن يكون الإنسان في الشيء ثم يخرج منه إلى الصورة الصحيحة، عند ذلك يعرف الأمر تماماً.
стр. 1598
أن يعتقد أن هذا ابتلاء من الله
ومن الأمور المساعدة على النجاة من هذا الابتلاء: أن من ابتلي بعشق امرأة، أو امرأة ابتليت بعشق رجل، أو رجل ابتلي بعشق أمرد من الناس، هؤلاء الناس يجب عليهم أمور: الأمر الأول: أن يعتقد بأن هذا ابتلاء من الله ، قد ابتلاه به ليعلم أيصبر أو لا يصبر؟ أيجاهد أو لا يجاهد؟ فإذا علم أن هذا ابتلاء، فإنه يسهل عليه.
стр. 1599
الإقبال على الله والفرار إليه
الأمر الثاني: هذا الابتلاء يدفع إلى التعلق والفرار إلى الله ، وطلب الخلاص منه، والدعاء، والإقبال عليه بحرارة.
стр. 1600
الابتعاد عن مصدر الفتنة
الأمر الثالث: الابتعاد عن مصدر الفتنة، وهذا أمرٌ مهمٌ -أيها الإخوة- لدرجة أن بعض العلماء قالوا في علاج مثل هذه الحالات المشكلة: أن يبتعد الشخصان عن بعضهما حتى لا يرى أحدهما الآخر، ولا يسمع له خبراً، ولا يقف له على أثر، وإن كان في حي هو معه فيه، فإنه ينتقل إلى حي آخر، وإذا لم ينته الأمر بهذا، فإنه يترك بلده للبلد الآخر، فإن هذه الهجرة في سبيل الله، ولكن من استعان بالله قد لا يضطر إلى اللجوء إلى هذه الحلول، أما إذا تضايقت الأمور، ولم يتمكن الإنسان من علاج نفسه إلا بالمفارقة الكلية، فلا بد من فعلها والإقدام عليها.
وكذلك التعلق بالله ، وازدياد الأمور التي تحبب هذا الإنسان بالله تعالى تطرد حب هذه الأشياء إلى الخارج، أنت عندما تحب امرأة، أو تتعلق بإنسان ما، ثم بعد ذلك تسلك السبل التي تزيد محبة الله في نفسك من فعل الطاعات، والإكثار من النوافل، وقراءة القرآن، وتعلم العلم النافع، والاشتغال بالدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ هذه الأمور -أيها الإخوة- تساعد في طرد محبة هذا الشخص سواءً كان رجلاً أو امرأةً من هذا القلب الذي مرض به، وتدبر معايب المتعلق به كما ذكرنا، وإشغال الذهن بالمفيد، فإن كثيراً من الناس الذين ابتلوا بما يسمونه الحب أو العشق يشغلون أذهانهم ليلاً ونهاراً، ولذلك -وهذه من المصائب للأسف في هذا العصر- ترى شعرهم الذي يكتبونه كله في هذه القضية، إذا فتحت صفحات جرائد ومجلات كثيرة، تجدها ممتلئة تماماً بهذه القصائد التي فيها مخاطبة الحبيب والحبيبة، لماذا؟ لأن العشق تمكن من قلوبهم حتى صاروا يصدرون أشعاراً تعبر عن مواقفهم تجاه هذه الأمور المحرمة، فاشتغل ذهنه بهذا الأمر، فصار يصدر أشعاراً تعبر عن ما في قلبه، ولو أنهم أشغلوا أذهانهم بالأشياء المفيدة كطلب العلم، والتفكر في الأمور التي تدل على الله ، وخشية الله ، فلو شغل الإنسان نفسه بمشاكل الدعوة إلى الله ، لما وقع في هذه المشاكل مطلقاً.
стр. 1601
أن يعلي همته ويتدبر قصة يوسف
وكذلك أن يعلي الإنسان همته، فيحاول أن يصل إلى معالي الأمور، وليس سفسافها وحقيرها.
وكذلك تدبر قصة يوسف ﵇، لأنها من أنفع الأشياء، حتى قال ابن القيم ﵀: وفي هذه القصة نحواً من ألف فائدة، ولعل الله أن يعينني لإفرادها بمصنفٍ مستقلٍ، يقول ابن القيم في الجواب الكافي: ألف فائدة.
وكذلك البعد عن أسباب الفتنة، وكتمان العاطفة، فإنه من الحزن كتمان العاطفة.
стр. 1602
ومن علاج الهوى التجرد الحقيقي لله
وبعد هذا النوع من الاستطراد في هذه المشكلة التي قد تقع أحياناً، فإننا نعاود الكلام في النقطة الأخيرة في هذا الموضوع عن الحل الأساسي في علاج الهوى: وهو التجرد.
التجرد لله من العلائق الدنيوية، التجرد من حظوظ النفس ومن شهواتها، فنحن عندما ذكرنا أمثلة في المرة الماضية نعيد سردها مع عرض جانب التجرد فيها، عندما ينتقد الإنسان، وتوجه إليه النصيحة، يجب عليك يا أخي المسلم وعليَّ أنا أيضاً أن أقف موقف المتجرد عندما توجه لي النصيحة، وأفكر هل هذا الأمر الذي نصحت فيه فعلاً أنا واقعٌ فيه، أم لا؟ لا داعي لأن أكابر، وأن أرد، وأن أقول للآخر: من أنت حتى تنصحني؟ هذا من اتباع الهوى الذي يحملك على أن تربأ وتنأى بنفسك عن كل انتقاد وعن كل نصيحة، لأن حظ النفس وهوى النفس ألا تنتقد، فتجرد عندما توجه إليك النصيحة، عندما تقرر بخطأ ما، تناقش هل أنت أخطأت في هذا الأمر أم لم تخطئ؟ تجرد لله وأنت تقرر بهذا الخطأ، تجرد لله إن كان الأمر فيه اعتراف بالخطأ، ولا داعي للمكابرة، ومحاولة إيجاد التبريرات والأعذار السقيمة التي تجعلك تشعر أنك بمنأى عن الخطأ وأنك لم تقع فيه، وهذه بلية قد ابتلي فيها كثير من الناس، فإنهم إذا وقعوا في أخطاء، وجاءوا يناقشون ويقررون بأخطائهم، يرفضون الاعتراف.
إنه من جانب الهوى، تجرد وتفكر، تجرد لله ، قل: أنا أخطأت، قولك: إنني مخطئ يزيدك في أعين الناس جلالةً وقدراً، خلاف ما يصور لك الشيطان، وما يصور لك اتباع الهوى من أنه ينقصك ويدني منزلتك، كلا، إن كثيراً من السلف من الأسباب التي وصلوا إليها أنهم كانوا معترفين بأخطائهم، عمر بن الخطاب كان يقف على المنبر، ويعلن أمام الناس أنه مخطئ، ولذلك شهد التاريخ لنا بعظمة عمر؛ لأنه كان من جوانب عظمته أنه كان يقر بخطئه وهو خليفة المسلمين، الرجل الذي يجب أن يظهر أمام الناس بأحسن صورة، حتى لا يقول الناس أخطأ الخليفة، من هذا الرجل المولى علينا، كيف نمشي وراءه ونقتدي به، مع ذلك كان إذا قرر على خطئه أقر، وترى اليوم أناساً مغمورين في أبواب الدعوة إلى الله ينكرون أدنى خطأ ينسب إليهم؛ بسبب الهوى الحامل لهم على التعصب الذي يعمي أبصارهم عن رؤية أخطائهم وعن الاعتراف فيها.
إن هذه المسألة من الخطورة بمكان -أيها الإخوة- لأنها تقضي على كل محاولة للتصحيح، لأن التصحيح ينشأ من الاعتراف بالخطأ، أنت إذا أقررت بالخطأ بدأت تسلك الطريق الصحيح، أما إذا أنكرت وكابرت، وقلت: أنا غير مخطئ، فلن تصحح مطلقاً، هذه من البلايا التي ابتلي بها كثيرٌ من المسلمين اليوم.
تجرد إلى الله من هذا الهوى، وراقب الله، وكف بصرك، وكذلك وأنت تحاول ونفسك تحاول أن تتملص من بعض الأحكام الشرعية تجرد إلى الله، وحاسب نفسك، وقل: هل أنا في تملصي هذا على حق، أم أنني مخطئ، ويجب أن أتمسك بهذه الأحكام؟ وأنت تتعامل مع إخوانك تجرد إلى الله من الأهواء، تجرد إلى الله من هوى الجور بينهم، فإن كثيراً من الناس يجورون في الحكم بين إخوانهم.
تجرد إلى الله من هوى الميل إلى بعضهم على حساب بعض، ورفع أناس لا يستحقون الرفعة، وخفض آخرين هم أهل لها بسبب الهوى الذي يحملك على تقديم فلان من الناس، لا لأنه أتقى لله وأعلم، وإنما لأنه أظرف، أو أجمل صورة، أو أخف دماً مثلاً، هذه المعايير الجاهلية التي يسلكها كثيرٌ من الناس في تقدير منازل العالم كلها من باب الهوى.
تجرد إلى الله وأنت تقيم الأشخاص، تجرد إلى الله وأنت تعدد مساوئهم ومحاسنهم، حبك الشيء يعمي ويصم، كثيرٌ من الناس إذا طلب منه مثلاً شهادةً في فلان من الناس، فتراه يخفضه ويرفعه من مقياس الهوى، لا من المقياس الشرعي الصحيح، وهذه من الطامات التي تسبب محق البركة في العلم.
وكذلك تجرد من الهوى وأنت مع إخوانك عندما تعاملهم، فأنت قد تغلظ على إنسان في القول، أو في الفعل، لأنه لا يوافق مزاجك، ولا طريقة تفكيرك، بينما أنت تحسن إلى فلان، وقد يكون أقل تقوىً، وأقل علماً من ذلك الرجل لمجرد أنه دخل في مزاجك، أو استهويت شخصيته.
وتجرد إلى الله ، والهوى يغالبك في عدم القيام لصلاة الفجر، ويجعلك تشد إلى الفراش لتريح جسدك أكثر وتنام أكثر.
وتتجرد المرأة لله تعالى، تتجرد لله تعالى وتقاوم هواها وهي تحكم بين أولادها.
ويتجرد الإنسان إلى الله من هوى الفوضى الذي يحمله على عدم ضبط مواعيده، وعلى عدم الانضباط في طلب العلم والإقبال على مائدة القرآن والسنة.
تجرد إلى الله، بعض الناس يأتيه الهوى، فيقول: أنا أستطيع أن أتعلم لوحدي، أنا أستطيع أن أمشي لوحدي، وهذا في نفسه هوى الفوضوية هو الذي يعمي عينيه عن حديث رسول الله ﷺ : (إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية).
تجرد إلى الله من هوى المشاركة في المجالات التي كلها لهو ولعب.
وتجرد إلى الله من هوى الزواج بالجميلة حتى ولو كانت أقلَّ ديناً، أو حتى لو لم تكن ذات دين.
تجرد إلى الله وأنت تقرأ الكتب.
تجرد إلى الله في قراءة الكتب الصحيحة النافعة، وليس في قراءة الروايات والقصص التي تهواها النفس وتميل إليها.
وتجرد إلى الله يا أخي الطالب وأنت تدرس، وقدم دينك وخدمة دعوة نبيك على كل غرض دنيوي، ووازن بين الأمور، لا يطغى جانبٌ على جانب، الموازنة الوسطية هي من صفات هذه الأمة، الوسطية (لا ضرر ولا ضرار) لا تتضرر في خدمة قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا في خدمة طلب العلم، ولا في خدمة الدراسة، وازن بين الأمور، لا يحملك الهوى على الانقطاع عن جانب والانغماس تماماً في الجانب الآخر.
تجرد إلى الله تماماً يا أخي الموظف وأنت في دائرة عملك، وتعايش كثيراً من المنكرات، ويأتيك الهوى، فيقول لك: من المصلحة أن تسكت، فإنك إذا تكلمت قد تطرد من العمل، وقد تضايق.
تجرد إلى الله وأنت تعرض عليك الوظيفة في مكان من الأماكن المحرمة، تجرد إلى الله وهوى نفسك يدفعك إلى أن تقبل بها، لأنها أكثر راتباً، أو أعلى منصباً.
تجرد إلى الله في موقفك من الأقوال والأحكام الفقهية، في موقفك من العلماء، بعض الناس يتعصبون لعلماء على آخرين، ولمذاهب على مذاهب، هذا النوع من اتباع الهوى خطير، ويؤدي إلى الضلال، وقال الله : ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف:٨٥] فالهوى يجعلك تبخس فلاناً حقه، وفلاناً جميله، وتنكر فضل فلان عليك، لا، تجرد إلى الله من هذا الهوى، أقر بفضل فلان وفلان من أهل الفضل، ولا تتعصب لعالم على آخر، اتبع الحق بدليله، لا تتبع هواك في انتقاء الأحكام.
فإذاً، أيها الإخوة! قضية التجرد ليست سهلة، لكن الذي يجاهد نفسه في سبيل الله، فلا بد أن يهديه الله السبل التي يستطيع بها أن يصل إلى مبتغاه.
أظن أن فيما ذكرنا كفاية، ولا أريد أن أطيل عليكم أكثر من هذا.
وأسأل الله أن يوفقني وإياكم لاتباع الحق.
اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيينا حياة طيبةً، وأدخلنا الجنة مع الأبرار.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، والحمد لله أولاً وآخراً، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم رحمة الله وبركاته.
стр. 1603
حق العالم على المسلم
العلماء هم أهل خشية الله، وهم ورثة الأنبياء، وحملة الحق من بعدهم، لحومهم مسمومة، وعادة الله فيمن تنقَّصَهم معلومة.
للعلماء صفات يعرفون بها، أوردتها هذه المادة، بالإضافة إلى موضوعها الأساس في بيان حقوق العلماء على الناس، ومكانة العلماء الحقيقية في المجتمع.
стр. 1604
منزلة العلماء عند ربهم
الحمد لله العالم ما في السماوات وما في الأرض، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي أنزل على محمد ﷺ القرآن العظيم، وقال له في محكم التنزيل: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ [النساء:١١٣]، وأمر الله نبيه بالاستزادة من شيء واحد لم يأمره بالاستزادة من غيره، فقال جل وعلا لرسوله ﷺ آمراً: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه:١١٤].
الحمد لله الذي جعل في كل زمانٍ بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، ويحيون بكتاب الله الموتى، وبسنة رسول الله ﷺ أهل الجهالة والردى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن آثارهم على الناس، وما أقبح آثار الناس عليهم، ينفون عن دين الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.
ولما قال الله جل وعلا في الكتاب العزيز: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ [النساء:٥٩] قال علماؤنا في التفسير: المراد بأولي الأمر: بها العلماء العاملون، الذين يعلمون الوحي ويعملون به ويعلمونه للناس، وأشهد الله العلماء على أعظم حقيقة في هذا الكون، وفضَّلهم بالشهادة عليها على الملائكة، فقال الله جل وعلا: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران:١٨] هذه أعظم حقيقة أيها الإخوة، من أشهد الله عليها؟ أولو العلم، ونفى الله المساواة بين العلماء والجهال، فقال جل وعلا: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩].
стр. 1605
خطر غيبة العلماء أو انتقاصهم
قال الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى في بيان فضل العلماء وخطر شأنهم: واعلم بأن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، ومن وقع فيهم بالسلب، ابتلاه الله قبل موته بموت القلب، قال الله تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً﴾ [الحجرات:١٢] فالذي يغتاب العلماء إنما يأكل لحماً مسموماً.
وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، إذ أن هؤلاء العلماء -أيها الإخوة- هم أولياء الله جل وعلا، فإذا لم ينتقم من أعداء هؤلاء العلماء فممن ينتقم؟! وقد أخبر أن من أسمائه المنتقم.
فهؤلاء العلماء -أيها الإخوة- هم شهداء الله في أرضه، والأمناء على وحيه، وأهل خشيته، والأنوار في الظلمات، والمنائر في الشبهات، وهم وارثو علم الأنبياء.
وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] فشهد لهم بأنهم هم الذين يخشونه حق الخشية، علماؤنا -أيها الإخوة- من السلف والخلف الملجأ إليهم بعد الله عند نزول الملمات، عند حلول الكربات، هم الذين يفرجون عن عباد الله ظلمات الجاهلية، ويرفعون عن الناس ظلمات الجهل، إليهم الملجأ بعد الله إذا اشتد الخطب في الأمة.
стр. 1606
فضل العلماء في التصدي للفتن
ولذلك -أيها الإخوة- كان لعلمائنا الأجلاء فضل عظيم في الوقوف أمام ظلمات الفتن والأهواء والبدع، فهذا الإمام أحمد رحمه الله تعالى قام في وقت عصيب قد طغت فيه البدعة على السنة، عقد المبتدعة ألوية بدعتهم وقاموا فيها وأعلنوها واستعلنوا بها، فمن الذي رد الناس كلهم إلى الحق مثل الإمام أحمد.
وعندما غزا التتر بلاد الإسلام وولغوا في دماء المسلمين، من الذي أنقذ الله الأمة على يديه؟ إنه مجدد الأمة في عصره الإمام ابن تيمية ﵀، فالعالم -أيها الإخوة- في البلد كمثل عين عذبة يرتوي منها كل الناس، وكان علماؤنا في الماضي لهم مكانة عظيمة، وكانت مجالسهم في مدن المسلمين مشهورة مزدحمة، فهذا مجلس عاصم بن علي شيخ البخاري كان يحضره ما يزيد على سبعين ألف إنسان، وكان من ضخامته أنه يكون فيه أناس يسمعون غيرهم، لأن هؤلاء السبعين ألفاً كانوا لا يستطيعون كلهم السماع مباشرة.
стр. 1607
صفات العلماء التي يعرفون بها
أخرج ابن كثير في كتابه البداية والنهاية أن أبا محمد البربهاري الحنبلي، عطس يوماً وهو يعظ في مجلس الوعظ الضخم فشمته الحاضرون، ثم شمته من سمعهم حتى شمته أهل بغداد، فانتهت الضجة إلى دار الخلافة، هؤلاء العلماء -أيها الإخوة- لهم صفات لا بد من معرفتها حتى نعلم من هو العالم الذي تجب طاعته؟ ومن هو العالم الذي يجب الاقتداء به؟ ومن هو العالم الذي نلجأ إليه بعد الله إذا نزل بالبلاد والعباد الكرب وعمت الأهواء؟ ليس أي أحد يلجأ إليه في مثل هذه الأمور، وقد صنف علماؤنا في بيان صفات أهل العلم مصنفات عديدة وليس هذا الدرس مكاناً لذكر صفات العلماء بالتفصيل ولكن نعرج عليها بسرعة:
стр. 1608
صفات العلماء المتعلقة بالعلم والعمل
أولاً: لا بد أن يكون العالم ذو علم صحيح، مستمد من الكتاب والسنة الصحيحة، وأن يكون له عموم اطلاع على أقوال أهل العلم المعتبرين، ولا بد أن يكون مخلصاً لله جل وعلا، لا يرجو في إبلاغ علمه للناس جزاءً ولا شكوراً، إلا رضا الله جل وعلا، وكذلك سنَّ علماؤنا نهجاً واضحاً في التخفف من الدنيا والابتعاد عن إذلال النفس وإهانتها، في سبيل تحصيل فضول العيش، وكانوا لا يستنكفون عن القيام بأي عمل يدوي مهما كان حتى يعيشوا من ورائه، وكانت لهم صفة مهمة، كذلك كانوا ملتصقين بالناس ما كانوا يعيشون في كهوف أو تحت الأرض، أوفي الظلام، أو وراء الكواليس لا يدري عنهم أحد ولا يسمع بهم أحد، بل كانوا يظهرون إلى الناس، ويعايشون مشكلات المجتمع ويفتون في المواقف التي تنزل بالمسلمين، لم يكونوا بمعزل عن الحياة كانوا يخالطون الناس في مساجدهم وأسواقهم ومجتمعاتهم، ولذلك نجحوا في علاج مشكلات الناس، وكان لهم وزن في المجتمع، ولذا حاول الاستعمار أو الاستخراب عندما دخل بلاد المسلمين، كان من أول أهدافه: عزل العلماء عن الأمة؛ لأنهم شعروا بخطر القضية.
وكذلك من صفات العلماء العمل بالعلم، فإن الله ذم اليهود؛ فقال جلَّ وعلا: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾ [الجمعة:٥] العالم من اليهود ﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [الجمعة:٥] ولذلك كان علماؤنا يحرصون على العمل بالعلم، فهذا الإمام أحمد كان يحرص على ألا يدع حديثاً في مسنده الذي كان مسنداً ضخماً بلغت أحاديثه تقريباً أربعين ألف حديث كان لا يضع حديثاً حتى يعمل به ولو مرة واحدة، وقال عن نفسه: احتجمت فأعطيت الحجام ديناراً؛ لأنه ثبت عندي أن رسول الله ﷺ احتجم وأعطى الحجام ديناراً.
وكانت محبتهم للظهور معدومة، ما كانوا يحبون الظهور بمعنى: المراءاة والتباهي بالعلم، إذا غابوا لم يفتقدوا، كانوا بعيدين عن الأضواء، والمقصود بالأضواء ليس مخالطة الناس، وإنما مجتمعات الثناء والتكريم مجتمعات الأعطيات والأموال والهدايا الثمينة كانوا يبتعدون عنها.
وكانوا يتصفون بصحة العقيدة، فإذاً العالم الحق هو الذي يكون صحيح العقيدة، ولا يشترط أن يكون العالم مجتهداً ملماً في جميع الأمور؛ بل قد يكون العالم مختصاً بنوع من أنواع العلوم، ومع ذلك يعتبر عالماً.
стр. 1609
موقف العلماء من بعضهم بعضاً
كذلك يا إخواني موقف العلماء بعضهم من بعض يدل على صفات عظيمة يجب أن تكون في العلماء، فثناء بعضهم على بعض كان صفة لازمة للمخلصين منهم، كانوا يثنون على بعضهم في المجالس وفي حلقات العلم، وكان اللاحق منهم يترحم على السابق إذا ذكر فائدة أخذها عنه، وكانوا يستفيدون من كتب بعضهم، وكان يحضر بعضهم مجالس بعض، ما كانوا متكبرين ولا متعالين، ومع أن بعضهم قد يكون حدث بينه وبين بعض العلماء أشياء ولكنهم كانوا رجاعين إلى الحق.
هذا شيخ الهند في عصره وعالمها الإمام صديق حسن خان، كان بينه وبين عبد الحي اللكنوي، منافسات شديدة، فلما توفي اللكنوي تأسف صديق خان بموته تأسفاً شديداً، وما أكل الطعام في تلك الليلة، وقال حفيده: إنه أمر بإغلاق مدينة بهوبال التي هو ملكها؛ لأنه كان ملكاً عالماً ثلاثة أيام حزناً على الشيخ أبي الحسنات اللكنوي، وقال: اليوم مات ذوق العلم.
وقال: ما كان بيننا من منافسات إنما كان للوقوف على المزيد من العمل والتحقيق.
وهذا شيخنا العلامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز لا يكاد يجد فرصة يذكر فيها أحد علماء العصر إلا ويثني عليه، تواضعاً منه وما حباه الله به من هذه الصفة العظيمة، فتراه مثلاً يقول عن محدث العصر الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، يقول: لا أعلم تحت أديم السماء رجلاً أعلم منه بالحديث، ولا أشد اشتغالاً ولا تفرغاً ولا عناية به من أحد من أهل العلم بالحديث، وهذا كلام سمعته منه بنفسي، وقد نفى أنه قال: ليس تحت أديم السماء أعلم من الألباني بالحديث، قال: أنا لا أقول بهذا، أنا أقول: لا أعلم شخصياً، يقول الشيخ: لأن الإحاطة لله جل وعلا.
ويثني على الشيخ الشنقيطي ﵀، ويثني على الشيخ ابن عثيمين في المجالس، وعلى الشيخ الفوزان وبقية العلماء.
التواضع صفة لازمة، قال الله جل وعلا ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦] ولذلك كانوا يكثرون من قولة: لا أدري، إذا سئلوا عن مسألة لا يعلمونها، يقول أحدهم: لا أدري، وكان لا يستحون من ذكر هذه الكلمة، بل إن ذكرها أيها الإخوة دليل اطمئنان وارتياح للعالم الذي يقولها، لأنك تثق من كلامه عندما يقول في المسألة: لا أدري، لا يزعم الإحاطة والعلم بالأمور ويفتي بغير علم.
وقد سألته مرة حفظه الله: هل الغيرة من الحسد أم لا؟ فلبث ملياً متفكراً، ثم قال: لا أدري، قد يقول قائل: هذه مسألة لا علاقة لها بالفقه وليس فيها أحكام، ولكن فيها درس لكل عالم ولكل طالب علم بالتورع عن القول بما لا يدري، وعن الوقوف ولا ينزل من شأنه أن يقول: لا أدري، وهذا الإمام مالك سئل عن ثمانية وأربعين مسألة فأجاب عن ست وثلاثين منها: لا أدري، فقال له السائل: ماذا أقول للناس إذا رجعت إليهم قال: قل لهم: يقول مالك: لا أدري.
стр. 1610
رجوع العلماء إلى الحق وعدم اتباع الأهواء
ومن صفاتهم كذلك: الرجوع إلى الحق وعدم اتباع الهوى، ومن صفاتهم: الخشية، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] وبعض الناس تجد عنده علماً لكن ليس لديه خوف من الله جل وعلا ولا خشية، ولذلك قد لا يعمل بعلمه، وقد يفتي بالهوى ويتبع الشهوات والآراء، وهذا حال كثير من المتعالمين الذين يدعون العلم لا تجد عند كثير منهم الخشية، وهي صفة مهمة من صفات العالم، وكان علماؤنا في مرحلة الطلب يحرصون على اختبار مشايخهم قبل الأخذ عنه، يبتلي العالم هل هو الرجل المطلوب أم لا؟ احتياطاً في الدين وورعاً في الأخذ، ما كانوا يأخذون عن أي أحد، وقد جاء في ترجمة أبي نعيم الفضل بن دكين، أن يحيى بن معين وأحمد بن حنبل أتيا يريدان أن يسمعا حديثاً من أحاديث الرسول ﷺ ومعهما ولد صغير فعندما أتيا قال يحيى بن معين لـ أحمد بن حنبل: نختبر الرجل قبل أن نأخذ عنه، فقال أحمد بن حنبل: الرجل فذ لا يحتاج إلى اختبار، قال: ما نعلم عن حاله بل لابد أن نختبره، فقرأ عليه يحيى بن معين أحاديث ويزيد مع كل عشرة أحاديث حديثاً ليس من حديثه، أي: يحيى بن معين كان يحفظ من أحاديث أبي نعيم، فجاء يسأل أبا نعيم يقول له: هل هذه الأحاديث أنت رويتها؟ فيأتي بعشرة أحاديث ثم يأتي على رأس العشرة بحديث ليس من أحاديث أبي نعيم، اختباراً له، وقرأ عليه ثلاثين حديثاً، وبعد أن انتهت الأحاديث قال أبو نعيم الفضل بن دكين: أما هذا الغلام فصغير، وأما أحمد بن حنبل فأورع من أن يفعل هذا، والذي فعل هذا أنت، أي أنه فطن لها، فأخذ رجله وجعل يرفس يحيى بن معين حتى قلبه على قفاه، فقال أحمد بعد أن انتهت القضية، ألم أقل لك: إن الرجل فذ! قال يحيى: والله إن رفسته أحب إلي من كذا وكذا.
فكانوا يختبرون علماءهم قبل أن يأخذوا عنهم، قال البخاري رحمه الله تعالى في أول كتاب الفرائض من صحيحه: قال عقبة بن عامر ﵁: [تعلموا قبل الظانين] قال البخاري: أي قبل الذين يتكلمون بالظن، قال النووي في مقدمة المجموع ما معناه: تعلموا العلم من أهله المحققين الورعين قبل ذهابه ومجيء أقوام يتكلمون في العلم بمثل نفوسهم وظنونهم التي ليس لها مستند شرعي.
لذلك لا بد من الحرص على لقاء العلماء قبل أن يذهبوا، والعالم إذا مات انثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها إلا مجيء عالم مثله.
стр. 1611
حرص العلماء على الأدلة
من صفات العلماء: الحرص على المسائل بأدلتها، وعلى أن يكون موردهم نبع الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح، لذلك إذا رأيت العالم يقول: قال فلان قال فلان، فقط، فاعلم أنه ليس بعالم، أو الذي يحفظ قول المذهب فقط من غير أدلة، فليس بعالم.
قال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله وأمد في عمره: والعلماء الذين يصح أن يقال عنهم علماء هم الذين تفقهوا في الإيمان وأخذوا علمهم من الكتاب والسنة وليس العالم هو المقلد لفلان أو فلان، أو الذي يعرف مختصراً من المختصرات، أو كتاباً من الكتب فيقلد، ولا يدري عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
يقول الشيخ عبد العزيز: فهذا لا يعد من العلماء بإجماع أهل العلم، وقال في موضع آخر في مناسبة أخرى: ليس العالم من حفظ متخصر خليل أو زاد المستقنع، العالم من ورد حوض الكتاب والسنة فنهل منهما.
стр. 1612
أربعة لا يؤخذ العلم عنهم
قال الإمام مالك في وصف العلماء المعتبرين: لا تأخذوا العلم عن أربعة وخذوا العلم ممن سواهم، لا يؤخذ من سفيه معلوم بالسفه، وإن كان أروى الناس -أي: أكثر الناس رواية- ولا من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من كذاب يكذب في أحاديث الناس وإن كنت لا تتهمه بالكذب على رسول الله ﷺ ، ولا من شيخ له عبادة وفضل إذا كان لا يعرف الحديث.
هذا الأخير نوع مهم من الواجب معرفته، صاحب العبادة التقي الورع الذي يداوم على الصلاة والصيام، حاله على الرأس والعين، لكن إذا جئنا إلى قضية الأخذ لا نأخذ منه، فرق بين العابد والعالم، العلم لا يؤخذ عن العباد ولكن يؤخذ عن العلماء، وكثير من الناس يغترون بشخصيات من هذا القبيل، فيبدو على رجل ما سمات الصلاح والتقوى، فيأتي إليه أخونا هذا فيسأله وليس هو بمحل للسؤال، ولذلك يقول الإمام مالك في كلام مشهور: من شيوخي من أستسقي بهم -أي: أطلب منهم أن يدعوا الله بالسقيا- لأني أظن أن دعاءهم مستجاب، ولكني لا آخذ حديثهم.
فالورع والصلاح شيء والعلم الشرعي شيء آخر، أقصد شيئاً آخر في معرفة ممن يتلقى، لكني لا أعني التفرقة بينهما بحيث أن العالم لا يشترط فيه أن يكون صالحاً ولا ورعاً ولا زاهداً، بل سبق الكلام أنه لا بد أن يكون كذلك.
وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز: ما حكم الأخذ عن فاسق؟ فقال: ينبغي أن يتحرى الصالحين الطيبين، وإن وجد فائدة عن فاسق أو حتى كافر لا يردها بل يأخذها، فإن الحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحق بها.
المقصود بالفائدة: أي فائدة صحيحة، لكن هذا لا يعني أن نأخذ العلم عن المبتدعة وأهل الأهواء، كلا وحاشا، وإذا اجتمع اثنان فأكثر فيجب على الإنسان الاجتهاد في أعلمهم، والبحث عن الأعلم والأورع والأوثق ليقلده إن كان لا يحسن البحث في كتب أهل العلم، ولا سؤال العلماء ومعرفة الأدلة.
стр. 1613
الاغترار بطلبة العلم المبتدئين
من هذا -أيها الإخوة- نعلم بأن هناك قضية خطيرة منتشرة بين الناس اليوم وهي الاغترار بطلبة العلم الصغار، نظراً لقلة العلماء في هذا الزمان وندرتهم صار كثير من طلبة العلم يبرزون أحياناً بقصد منهم أو بغير قصد، فلا بد من التنبه إلى هذه المسألة، صغار طلبة العلم لا يُسألون، ولا يستفتون أقصد: لا يُعطى لهم مجال للاجتهاد؛ لأنهم ليسوا هم محل الاجتهاد، ومن أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر، فلا يغتر بمثل حال هؤلاء في طلب الفتوى والاجتهاد.
يقول الذهبي رحمه الله تعالى في السير: الفقيه المبتدئ والعامي الذي يحفظ القرآن أو كثيراً من السنة لا يسوغ له الاجتهاد أبداً، فكيف يجتهد؟ وما الذي يقول؟ وعلام يبني؟ أي: يبني اجتهاد الفتوى على ماذا؟ ماذا عنده أصلاً؟ وكيف يطير ولما يريش؟ الطائر الذي لم ينبت له ريش هل يطير؟ فكيف يطير هذا ولما يريش، والريش هو أدوات الفتوى والاجتهاد؟ فإن قال قائل: فما وظيفة طلبة العلم إذاً؟ هل طلبة العلم لا نأخذ عنهم وليس لهم مكانة بيننا؟ كلا.
فإن لطبلة العلم دوراً مهماً جداً في المجتمع، نظراً لقلة العلماء وعدم تيسر البحث والاتصال بهم في كثير من الأحيان أو الوصول إليهم، خصوصاً لغير العالمين بأحوالهم، فإن طلبة العلم عليهم واجب عظيم ألا وهو تبليغ الناس أقوال أهل العلم وفتاويهم.
هم الجسور والقنوات التي تصل بها المعلومات من أهل العلم إلى الناس؛ لأن كثيراً من الناس لا يتصلون بالعلماء ولا يسمعونهم؛ إما لضعف أو هوى أو عدم مقدرة على ذلك، أو جهل بقيمة العالم وهو الغالب، فيبحث عن أي شخص ويسأله، وهذا ما يفعله جهلة الحجاج، تجدهم عندما تعرض لهم مسألة في الحج يستوقف أي رجل عنده لحية ويسأله، يظن أنه يعلم: ما حكم كذا؟ وبعض الجهلة من هؤلاء إذا سئل وهو لا يدري يفتي بغير علم، فيضل ويضل.
стр. 1614
خطورة ظاهرة التعالم وكيفية الوقاية منها
هناك ظاهرة خطيرة لا بد أن يفرد لها مجالات للنقاش وهي ظاهرة التعالم، ظهور أناس على السطح ليسوا بعلماء يدعون العلم فيضلون الناس، وينشرون الكتب ويقيمون المحاضرات في الفتاوي ويقررون أشياء خطيرة، في مسائل مهمة واقعية للناس في هذا العصر ولشيخنا بكر بن عبد الله أبو زيد رسالة مهمة سوف تظهر إن شاء الله عن ظاهرة التعالم وأثرها السيئ في العالم الإسلامي، لذلك أيها الإخوة كان لا بد من سؤال أهل الاختصاص.
العلماء الآن ليسوا على مرتبة واحدة في جميع درجات وأنواع العلوم، فبعضهم يحسن شيئاً لا يحسنه الآخرون، ويفقه في أشياء من العلم لا يفقه فيها العالم الآخر مثله، لذلك دع كل صانع وصنعته، لا بد من اللجوء إلى أهل الاختصاص، فعندما يكون عندك حديثاً لا تعرف حاله اذهب للعالم بالحديث واسأله عنه، ولا بد إن كان في مسألة فقهية تحتاج إلى فقه اذهب إلى رجل مشهور بالفقه واسأله، وإن كان هناك مسألة أصولية اذهب لأهل الاختصاص في الأصول واسألهم، وإن كان هناك مسألة تتعلق بالواقع المعاصر والمذاهب الهدامة، فاذهب إلى العالمين بقضية المذاهب الهدامة وخطرها على الناس، أو ما يتعلق بالواقع المعاصر واسألهم، فليس كل أحد يجيد أي شيء، وهذا واضح، هذا الكلام الذي أقوله ليس بدعاً، فإن الرسول ﷺ دل في كلامه على بعض أحوال الصحابة في أشياء تشبه هذا، فمن قوله مثلاً: قال: (أرأف أمتي بأمتي أبي بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان -إلى أن قال- وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرأهم أبي بن كعب، وأقضاهم علي، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل) لذلك يسبق العلماء برتوة يوم القيامة، رمية سهم.
فالصحابة كان عندهم تخصص، فمنهم من برع بالفرائض، ومنهم من برع بالحلال والحرام، ومنهم من برع بالقضاء والفصل في الخصومات بين الناس، ومنهم من برع بعلم القراءات، فلا بد من الذهاب إلى أهل الاختصاص قدر الإمكان.
стр. 1615
واجب الأمة نحو علمائها
من واجبنا نحو العلماء بالإضافة للذهاب لأهل الاختصاص منهم، نقل الأخبار إليهم، فنذهب إلى المخلصين منهم فنوعيهم بالأمور التي قد لا يدرون عنها، فقد تصدر في المجلات أو الجرائد أو الكتب أشياء قد لا يكون عند العالم الوقت الكافي ليطلع عليها فينقدها أو يبين خطأها أو عوارها، فعند ذلك قد يكون مشغولاً بالقضاء أو بالتعلم، أو التعليم أو قد يكون عاجزاً أو مقعداً أو قليل الحركة أو فيه شيخوخة، أو لا يستطيع الذهاب إلى الأسواق ومعرفة ما نزل من الكتب، لا بد لطلبة العلم أن يذهبوا إلى العلماء ويخبروهم بالأشياء المستجدة وبالقضايا المعاصرة حتى يكون العالم على علم بها، فهؤلاء الطلبة هم بمثابة أدوات الحس للعالم التي يحس بها.
ومرة سئل الشيخ محمد بن عثيمين حفظه الله تعالى عن هذه الورقة التي ظهرت بين الناس، وموجودة هذه الأيام بكثرة ورقة المحاسبة، هل صليت الفجر في جماعة؟ هل اتبعت جنازة؟ هل زرت مريضاً؟ هل كذا؟ وتضع صح أو خطأ، وبعد ذلك تجمع العلامات وتنظر أنت في أي حالة؟ فأجاب بأن هذه الورقة بدعة، وأن السلف ما كان هذا حالهم في المحاسبة، وقال: والعجيب أن من كتب هذه الورقة صدرها بآية ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر:١٨] فقال هل هذه الآية نزلت في زمن بعد الصحابة والسلف؟ كلا.
هل نحن نعلم بها أكثر من الصحابة؟ كلا.
فإذاً لماذا لم يفعل السلف هذه القضية؟ قال: ما كانت هذه هي طريقة السلف، وأجاب عن أشياء في نقد هذه الورقة، ثم قال معقباً: وما أحسن ما يأتي به أحد الناس إلى العلماء بمثل هذه الأشياء فيطلعهم عليها، ويقول: ما رأيكم فيها؟ ما رأيكم في مثل هذه الأشياء ومثل هذه الرسائل ومثل هذه الأوراق؟ تشيع بين الناس وتنتشر مثل الوصية المزعومة المكذوبة المنتشرة في هذه الأيام لخادم الحرم النبوي، بأنه من لم يصورها ولم يطبعها يحصل له من المصائب كذا وكذا، وللشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رسالة خاصة في نقد هذه الرسالة والرد وتأثيم من ينشرها بين الناس، وبيان كذب ما يوجد فيه.
المقصود: هو الذهاب إلى العلماء في عرض مثل هذه الأشياء.
كذلك من واجبنا نحو العلماء الجري ورائهم، والبحث والتنقيب عنهم، هذا موسى ﵇ رحل من أجل أن يلقى الخضر ﵇ ويسأله ويتعلم منه.
العلم يؤتى ولا يأتي، قد لا يكون للعالم فرصة في التجوال على الناس على مجالس الناس، لا بد أن نذهب نحن إليهم ونجري وراءهم، نحن نذهب إلى أماكن وجودهم إلى بيوتهم إلى مساجدهم نتصل بهم هاتفياً نكتب إليهم الرسائل، نحن نجري لأننا نحن أصحاب الحاجة، لا بد من الجري وراءهم.
لذلك كان عبد الله بن عمر يقول: [قل لطالب العلم يتخذ نعليه من حديد، حتى لا تحفى قدميه في الجري وراء العلماء، وطلب العلم] وكان معاذ بن جبل رحمه ورضي عنه يقول وهو على فراش الموت: [اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب البقاء في الدنيا لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن كنت أحب البقاء لمكابدة الليل الطويل -أي: القيام- ولظمأ الهواجر في الحر الشديد، ولمزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر] لا بد من مزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر، فيذهب إليهم الإنسان، لا أقصد المزاحمة، أي: التضييق عليهم؛ لا.
لكن نجري وراءهم ونتعلق بهم ونحرص على لقياهم حتى ولو كان في ذلك السفر إليهم، وفي السفر في طلب العلم مصنفات.
العلماء أحياناً إذا ما جاءهم الناس ما قصدوهم ولا سألوهم قد يموت العلم عندهم، وقد تبرد الحماسة في نفس العالم، يقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز في هذا الموضوع: "وقد ظهر في بلاد الإسلام حركات تنشد الحق، وتطلب الدليل، وتعنى بالكتاب والسنة"، هذه المسألة كان الناس في غفلة عنها تقليد وتعصب، وجهل، يقول الشيخ: " وإن وقع تقصير من العلماء فعلى طالب العلم أن يسأل العالم ويشجعه على نشر العلم، فإن العالم إذا سئل واتصل به طلبة العلم فإن هذا يعينه على العناية بالعلم ومراجعة الآيات والأحاديث والاستعداد للإجابة ولإظهار العلم، فإن غفل هذا وغفل هذا -يعني العالم وطالب العلم- فمن يبقى؟ يموت العلم".
следующие страницы →